Полный текст (5 943 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ثم انجلت عنه في أسرع وقت. الحديث. وهو مما تكلم فيه.
وروى الخطيب البغدادي بسنده كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا أن آمنة قالت لما وضعته ﵊ رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عني فسمعت مناديًا طوفوا بمحمد ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم.............................
الحواشي
(١) الماحي، انتهى. وهي مناسبة لطيفة، "ثم انجلت عنه" تلك السحابة "في أسرع وقت ... الحديث، وهو مما تكلم فيه" فذكره لينبه عليه؛ لشهرته في المواليد.
"وروى" الخطيب "البغدادي" الحافظ أحمد بن علي بن ثابت "بسنده" إيضاح فهو عندهم مدلول، روى "كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا" كما ذكر الأول: "أن آمنة قالت: لما وضعته ﵊" الظاهر: أن التصلية من الراوي؛ كما مر، "رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل" كأمر أصواتها كما في القاموس.
"وخفقان الأجنحة" مصدر خفق؛ كضرب، أي: اضطرابها "وكلام الرجال" الملائكة المتشكلين بصفتهم "حتى غشيته" تلك السحابة متعلق بمقدر، أي: أقبلت "وغيب عني، فسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض" متعلق بيعرفوه "واعرضوه" بهمزة وصل: أظهروه "على كل روحاني" بضم الراء، أي: من فيه روح بدليل قوله: "من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش، وأعطوه خلق آدم" بفتح الخاء وسكن اللام ففي حديث: "أنا أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي إبراهيم خليل الرحمن أشبه الناس بي خَلقًا وخُلقًا"، "ومعرفة شيث" بن آدم. نقل الثعلبي وغيره: أن الله علمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الحق في كل ساعة منها، فلعل هذا هو المراد بالمعرفة هنا، "وشجاعة نوح" ولو لم يكن من شجاعته إلا مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين مع تعنتهم عليه، وكفرهم وقلة من آمن معه، وهو لا يبالي بهم ويقاومهم كلهم ومواطن شجاعة نبينا ﷺ لا تحصر، "وخلة" بشد اللام "إبراهيم" لله في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، وفي الصحيح: قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا" وأخرج أبو يعلى في حديث المعراج: "فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا"،стр. 212
ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس............................
الحواشي
(١) فثبت أنه خليل كإبراهيم، وزاد كونه حبيبًا "و" أعطوه "لسان إسماعيل" أي: لغته، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، أخرج الزبير بن بكار بسند جيد عن علي مرفوعًا، "أول من فتق الله لسانه بالعربية البينة إسماعيل"، وقد كان نبينا ﷺ أفصح الخلق على الإطلاق.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمر، قال: قال عمر: يا نبي الله! ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال ﷺ : "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها" بل زاد على ذلك فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته، اتساعًا في الفصاحة.
"ورضا إسحاق" بالذبح على أنه الذبيح في حديث: "أن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر" الحديث، وقد رضي نبينا ﷺ بما هو أقوى من ذلك، فقد أدمى الكفار رجليه، وكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، واجتمعوا على قتله، وحاربوه وهو مع ذلك كله راض، ويقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون".
"وفصاحة صالح" ذكر الثعلبي أنه كان من أفصح أهل زمانه وأحسنهم منطقًا، قال: وكان له من الحسن والجمال ما لا يقدر أحد أن يتمتع بالنظر إليه من نور وجهه، وكان أشبه الناس بشيث، وأعطاه الله من العلم والحلم والوقار والسكينة شيئًا كثيرًا، وكان لباسه الصوف، ونعلاه من خوص النخل، انتهى. والمصطفى لا يدانيه في الفصاحة أحد.
"وحكمة لوط" المشار لها بقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤] ، قال البيضاوي: أي حكمة أو نبوة أو فصلا بين الخصوم، واقتصر الجلال على الثالث، وما بلغه نبينا من ذلك لا مضارع له فيه.
"وبشرى يعقوب" لعلها بسلامة ولده أو بالفوز بدعوة أبيه دون أخيه عبصو، وقد بشر نبينا ﷺ من ربه بأمور كثيرة.
"وشدة موسى" في دين الله وفي القوة، فقد حكي عنه قتل ذلك الرجل بوكزة وغير ذلك، ونبينا أعطي فوق ذلك فقد قتل أبي بن خلف بأدنى شيء حتى عيره قومه، فقال: لو بصق علي محمد لقتلني، وصارع بمكة رجلا كان لا يقدر على صرعه أحد فصرعه، إلى غير ذلك.
"وصبر أيوب" الممدوح عليه بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] ، وأحوال المصطفى في الصبر لا يضبطها الحصر.
"وطاعة يونس" لله تعالى من الصغر، روي: أنه لما بلغ سبع سنين قال لأمه: أريد كسوةстр. 213
وجهاد يوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى...............
الحواشي
(١) الصوف حتى ألحق بالعباد، فلم تجبه فلم يزل بها حتى كسته، وكان معهم حتى تم خمس عشرة سنة، ذكره الثعلبي، وطاعة المصطفى لربه من قبل السبع، فكان يخرج هو وأخوه من الرضاعة في بني سعد، فيمران بالغلمان يلعبون فيلعب أخوه، فإذا رآهم ﵊ أخذ بيد أخيه، وقال: "إنا لم نخلق لهذا".
"وجهاد يوشع" بن نون قاتل الجبارين بعد موسى يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وقد جاهد ﷺ الجبارين ببدر يوم الجمعة ونصره الله عليهم، ثم استمر مجاهدًا في الله حق جهاد حتى توفاه الله، واستمر في شرعه الجهاد إلى يوم القيامة، ولله الحمد.
"وصوت داود" المشار له بحديث: "لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود"، يعني: داود نفسه، ولا ريب في أن المصطفى فاقه لما رواه الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا".
"وحب دانيال" آتاه الله النبوة والحكمة، روى ابن أبي الدنيا: "أن بختنصر ضرى أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فألقي عليهما" الحديث. وروى البيهقي: "أن دانيال طرح في الجب وألقيت عليه السباع، فجعلت تلحسه وتبصبص إليه، وأرسل الله له ملكًا بطعام" وروى ابن أبي الدنيا: "أن الملك الذي كان دانيا في سلطانه، قال له منجموه: يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل من يولد تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ونجاه الله"، وأقوى من ذلك: مكث نبينا ﷺ في الغار ليلة الهجرة, وحفظ اللهِ له من الكفار الذين هم أشد من الأسد مع أن أحدهم لو نظر إلى عقبه لرآه وقد حفظه الله حين ولد من اليهودي ومكره به وتحريضه على قتله، بقوله: "يا معشر قريش، ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب"؛ كما يأتي قريبًا.
"ووقار إلياس" من ذرية هارون كان على صفة موسى في الغضب والقوة، ونشأ نشأة حسنة يعبد الله وجعله الله نبيًا ورسولا وآتاه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرها، وأعطاه قوة سبعين نبيًا، ذكره الثعلبي. والمصطفى ﷺ لا يقارنه أحد في الوقار، وقد كان أصحابه لا يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته ومزيد وقاره، ومن ثم لم يصفه إلا صغارهم أو من كان في تربيته قبل النبوة؛ كهند وعلي.
"وعصمة يحيى" بن زكريا من اللعب ونحوه من الصغر، قال الثعلبي: روي في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ، قيل: تعلم التوراة في صغره، وقيل: نزل عليه الوحي لثلاثينстр. 214
وزهد عيسى، واغمسوه في أخلاق النبيين قالت: ثم انجلي عني فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته، قالت ثم نظرت إليه ﷺ فإذا هو كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع..............
الحواشي
(١) سنة، وقيل: إن صبيانًا دعوه في صغره للعب، فقال: "أو للعب خلقنا"، وقد حكي أن زكريا قال: إن كان هذا الولد يريد الدنيا فلا حاجة لنا فيه، وإن كان يريد الآخرة فمرحبًا به، فقال جبريل: إنه لا يريد إلا الآخرة، فظهر يحيى ونشأ نشوأ حسنًا، انتهى. وقد عصم نبينا من كل شيء من أول أمره ومر اجتنابه اللعب عقب فطامه، وقوله: "إنا لم نخلق لهذا" وكانت همته وإرادته كلها في مرضاة ربه.
"وزهد عيسى" ابن مريم المشهور، وقد فاق المصطفى كل زاهد حتى منع بعضهم من إطلاق الزهد عليه معللا بأنه لا قيمة للدنيا عنده حتى يزهد فيها، وقد عرض عليه أن تسير معه الجبال ذهبًا وفضة فأبى، وخير بين الملك والعبودية، فاختار العبودية.
"واغمسوه في أخلاق النبيين" كلها ليجتمع فيه ما تفرق في غيره، كيف وقد كان خلقه القرآن.
"قالت" آمنة: "ثم انجلى عني" ما رأيته من السحابة وما فيها، "فإذا به" ﷺ "قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع" مثلث الموحدة؛ كما في القاموس والإرشاد وغيرهما، أي: يخرج "من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن، وبتسكينهما وبتنوينهما وبتشديدهما، وتفرد ساكنة ومكسورة ومنونة مضمومة، كلمة تقال عند الرضا، أي: عظم الأمر وفخم؛ كما في القاموس. "قبض محمد على الدنيا كلها" والإشارة إلى ذلك قبضه على الحريرة بيده، "لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته" حقيقة أو حكمًا؛ لظهور ما معهم من البراهين الدالة على أن امتناعهم من الإيمان مجرد عناد وظلم، فلا يرد أن كثر ما آمنوا به، أو باعتبار مبدأ الخلق لولادة الجميع على الفطرة.
"قالت: ثم نظرت إليه ﷺ ، فإذا هو كالقمر" كذا في نسخة وهي ظاهرة؛ لأن إذا الفجائية تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال لا الاستقبال؛ كما في المغني. وفي نسخة: فإذا به كالقمر فيه خبر مقدم، وكالقمر صفة لمحذوف، أي: نور، والكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو من الوصف بمفرد أو الباء مزيدة في المبتدأ على أن زيادتها فيه مقيسة، والأصل: فإذا هو كالقمر، فانقلب الضمير. "ليلة البدر ريحه يسطع"стр. 215
كالمسك الأذفر، وإذا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست من زمرد أخضر وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه في الحريرة ثم احتمله فأدخله بني أجنحته ساعة ثم رده إلي ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.
وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ في كتابه المولد -كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح بردة المديح- عن ابن عباس: لما ولد ﷺ قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم
الحواشي
(١) بفتح الطاء يظهر "كالمسك الأذفر" بذال معجمة الذكي "وإذا بثلاثة نفر" بالتنوين، ونفر بدل منه وبالإضافة بيانية عند البصرة، أو من إضافة الصفة لموصوفها عند الكوفة؛ كما صرح به الرضي خلافًا لزعم أبي البقاء: أن الصواب التنوين في مثله.
"في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست" بفتح الطاء وكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة، وقد تحذف وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيئ، وأخطأ من أنكرها قاله الحافظ: "من زمرد" بضمات والراء مشددة والذال معجمة على الأفصح، وقد مر. "أخضر، وفي يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها" أي: فردها، "فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد: تتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة. "فغسله" أي: غسل الملك النبي ﷺ ؛ لأنه المحدث عنه "من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم، ولفه" أي: لف الملك النبي ﷺ "في الحريرة، ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة" الظاهر: أن المراد مدة من الزمن لا الفلكية، "ثم رده إلي، وراه" أي: هذا الحديث "أبو نعيم عن ابن عباس، وفيه نكارة، وروى الحافظ أبو بكر ابن عائذ في كتابه المولد؛ كما نقله عنه الشيخ بدر الدين" محمد بن عبد الله "الزركشي" الشافعي العلامة البارع، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الأسنوي ومغلطاي وابن كثير وغيرهم، وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، مات في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. "في شرح بردة المديح" للبوصيري التي أولها:
أمن تذكر جيران بذي سلم
"عن ابن عباس" ﵁، أنه قال: "لما ولد ﷺ قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته" وإذا كان كذلك "فأنت أكثرهمстр. 216
علمًا، وأشجعهم قلبًا.
وروى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: أن آمنة بنت وهب قالت: لما فصل مني -تعني النبي ﷺ خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء.
وروى الطبراني: أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يديه مشيرًا بالسبابة كالمسبح بها.
الحواشي
(١) علمًا وأشجعهم قلبًا" وهذا أرسله ابن عباس ومرسل الصاحب وصل في الأصل وحكمه الرفع إذ لا مجال فيه للرأي.
"وروى محمد بن سعد" بن منيع الهاشمي مولاهم البصري، الصدوق، الحافظ، نزيل بغداد، كاتب الواقدي، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. "من حديث جماعة منهم عطاء" بن أبي رباح، "وابن عباس: أن آمنة بنت وهب" بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب والدته ﷺ ، "قالت: لما فصل" أي: خرج "مني، تعني" تريد آمنة "النبي ﷺ خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع" ﵇ "إلى الأرض" زاد ابن سعد عن الواقدي: جاثيًا على ركبتيه، "معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها" إشارة إلى أنه يغلب أهل الأرض، ويكون التراب من جملة معجزاته، ألا ترى أنه حثا في وجوه أعدائه قبضة من تراب ليلة الهجرة ويوم بدر وأحد وحنين، وللإشارة إلى الإعراض عن الدنيا؛ فكأنه حين رفع رأسه يقول: لا ألتفت إلى الدنيا وما فيها، فإنها كهذا التراب.
"ورفع رأسه إلى السماء" ينظر ببصره إليها، قال الجوهري: وفيه إشارة دائمًا إلى ارتفاع شأنه وقدره وأنه يسود الخلق أجمعين، وكان هذا من آياته، وهو أنه أول فعل وجد منه في أول ولادته، وفيه إشارة وإيماء لمن تأمل إلى أن جميع ما يقع له من حين ولد إلى حين يقبض دال على العقل، فإنه لا يزال متزايد الرفعة في كل وقت وحين، عالي الشأن على المخلوقات، وفي رفعه رأسه إشارة وإيماء إلى كل سؤدد، وأنه لا يتوجه قصده إلا إلى جهات العلو دون غيرها، مما لا يناسب قصده.
"وروى الطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب الحافظ "أنه" ﷺ "لما وقع إلى الأرض" حال كونه "مقبوضة أصابع يديه ميرًا بالسبابة" اللام للاستغراق أو الجنس، فشمل السبابتين ليوافق قوله السابق أصبعيه، "كالمسبح بها" وفي السابقة: كالمتضرع المبتهل.стр. 217
وروي عن عثمان بن أبي العاصي عن أمه أم عثمان الثقفية -واسمها فاطمة بنت عبد الله- قالت: لما حضرت ولادة رسول الله ﷺ رأيت البيت حين وقع قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع عليّ. رواه البيهقي.
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية. أن رسول الله ﷺ قال: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك، إني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت, وكذلك أمهات النبيين يرين"..........................
الحواشي
(١) "وروي عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي ولي الطائف لرسول الله ﷺ ، وأقره أبو بكر، ثم عمر، ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها سنة خمس أو إحدى وخمسين. "عن أمه أم عثمان الثقفية" الصحابية "واسمها فاطمة بنت عبد الله" ذكرها أبو عمر وغيره في الصحابة: أنها "قالت: لما حضرت ولادة رسول الله ﷺ رأيت البيت" الذي ولد فيه "حين وقع" أي: نزل من بطن أمه "قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو" تقرب مني "حتى ظننت أنها ستقع علي، رواه البيهقي" والطبراني وابن عبد البر، قال في الفتح: وشاهده حديث العرباض فذكره وتبعه المصنف، فقال: "وأخرج أحمد" بن محمد ب حنبل الإمام المشهور "والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي، عن العرباض" بكسر العين "ابن سارية" السلمي ﵁: "أن رسول الله ﷺ ، قال: "إني عند الله" بالنون مكتوب "لخاتم النبيين" باللام، ويقع محرفًا في بعض نسخ: "إني عبد الله وخاتم النبيين" , بباء وواو وهو تحريف لا شك فيه، فقد قدم المصنف نفسه الحديث في أول الكتاب على الصواب، وكذا الشامي، وليس القصد الإخبار في هذا الحديث بأنه عبد الله بل بأنه مكتوب عنده خاتم النبيين "و" الحال "إن آدم لمنجدل" أي: مطروح على الأرض "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، كما مر.
"وسأخبركم عن ذلك: إني دعوة أبي إبراهيم" في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، "وبشارة" قال في النور: بكسر الموحدة وضمها: الاسم، "عيسى" هي قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ، "ورؤيا أمي التي رأيت"، رؤي٢ة عين بصيرة، قال مغلطاي: وذكر ابن حبان أن ذلك كان في المنام، وفيه نظر "وكذلك أمهات النبيين" جمع نبي "يرين" ذلك الذي رأته أمه ﷺ ، فهو من خصائصه على الأمم لا على الأنبياء، كما نصوا عليه. وفي نسخة: وكذلك أمهات الأنبياء، وفي بعض النسخ من المصنف ومن الشامية: وكذلك أمهات المؤمنين، وهو تحريف لا شك فيه ولا ريب، فالحديث فيстр. 218
وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام. قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم.
وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت ليلة وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها.
وأخرج أيضًا، عن بريدة عن مرضعته في بني سعد أن آمنة قالت: رأيت كأنه خرج من فرجي شهاب........................................
الحواشي
(١) الجامع الكبير والخصائص وغيرهما من الدواوين: أمهات النبيين، وذكر ما رأته أمه، بقوله: "وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورًا أضاءت له قصور الشام" أي: أضاء النور وانتشر حتى رأيت قصور الشام، وأضاءت تلك القصور من ذلك النور. "قال الحافظ" أبو الفضل "ابن حجر: صححه" أي: الحديث "ابن حبان" بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة المشددة الإمام الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي بضم الموحدة وسكون السين المهملة نسبة إلى بست بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان؛ كما في التبصير، العلامة صاحب التصانيف، قال الحاكم: كان من أوعية العلم. "والحاكم" أبو عبد الله الحافظ زاد في الفتح وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه، وأخرجه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ نحوه، وقال فيه: "أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام".
"وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار" ضد يمين الهلالي الثقة، كثر الحديث، القاص، مولى ميمونة عن مولاته، وأبي ذر وزيد بن ثابت وأبي وعدة، وعنه زيد بن أسلم وشريك بن أبي نمر وخلق، قال في الكاشف: كان من كبار التابعين وعلمائهم وخالف ذلك في طبقات الحافظ، فعده في أواسط التابعين مات سنة أربعمائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين، عن أربع وثمانين سنة، قيل: بالإسكندرية.
"عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية أم المؤمنين، ستأتي في الزوجات. "عن آمنة" والدته ﷺ "قالت: لقد رأيت" رؤية عين بصرة "ليلة وضعه" ﵇ "نورًا أضاءت له قصور الشام، حتى رأيتها. وأخرج" أبو نعيم "أيضًا" وكذا ابن سعد "عن بريدة" تصغير بردة ابن الحصيب بحاء وصاد مهملتين فتحتية فموحدة مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء معجمة الصحابي الأسلمي شهد خيبر، وروى عنه ابناه والشعبي وعدة، توفي سنة اثنتين وستين.
"عن مرضعته في بني سعد" هي امرأة مبهمة غير حليمة المشهورة، قاله الشامي. "أن آمنة، قالت: رأيت" رؤيا نوم "كأنه خرج من فرجي شهاب" ككتاب شعلة من نار، ساطعة؛ كماстр. 219
أضاءت له الأرض حتى رأيت قصور الشام.
وعن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم رسول الله ﷺ قالت: لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر، رواه ابن سعد.
وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب في شعره، حيث قال:
وأنت لما ولدت أشرقت الـ ... أرض وضاءت بنورك الأفق
الحواشي
(١) في القاموس. "أضاءت له الأرض، حتى رأيت قصور الشام" فأول ولد يخرج منها تنور به الدنيا ويحرق أعاديه، قال في شرح الخصائص: بعدما قرر أن الرؤية الواقعة في الأحاديث الأول بصرية، ما لفظه: وأما الرؤيا الواقعة في رواية ابن سعد، يعني هذا فرؤيا منام؛ لأنها حين حملت به كانت ظرفًا للنور المنتقل إليها من أبيه، وقد خلط من جعل كلا منهما في النوم وجعل كلا منهما في اليقظة، انتهى.
"وعن همام بن يحيى" بن دينار العوذي الحافظ البصري: قال أبو حاتم: ثقة صدوق، في حفظه شيء، مات سنة ثلاث وستين ومائة، "عن إسحاق بن عبد الله" بن أبي طلحة الأنصاري، أو هو ابن الحارث بن نوفل الهاشمي أو غيرهما "أن أم رسول الله ﷺ ، قالت لما ولدته خرج من فرجي نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفًا ما به قذر" صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ القذر ضد النظافة.
"رواه ابن سعد" محمد قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده أنه ولد لك غلام، فائته فانظر إليه فأتاه فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت، وما قيل لها: وما أمرت أن تسميه؟ فيزعمون أن جده أخذه فدخل به الكعبة وقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به فدفعه إلى أمه، وذكر ابن دريد: أنه ألقيت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده، فجاء جده والجفنة قد انفلقت عنه.
"وإلى هذا" الواقع ليلة الميلاد من إضاءة القصور، وامتلاء البيت بالنور "أشار العباس بن عبد المطلب" عمه ﷺ على الصحيح، وقيل: حسان بن ثابت ذكره ابن عساكر في حديث ضعيف جدًا، ووهم من زعم أنه العباس بن مرداس الأسلمي؛ كما أشار له المصنف "في شعره" الذي سيذكره المصنف كله في غزوة تبوك، "حيث قال" يخاطبه ﷺ : "وأنت لما ولدت" ويروى: وأنت لما ظهرت "أشرقت الأرض" من إشراق نورك "وضاءت بنورك الأفق" بضم الفاء وسكونها: الناحية جمعه آفاق مذكر أنثه العباس على تأويله بالناحية، فاعتبر معناه دون لفظه ولاстр. 220
فنحن في ذاك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق
قال في اللطائف: "وخروج هذا النور عند وضعه، إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ الآية: [المائدة: ١٥, ١٦] ، وأما إضاءة قصور بصرى................................
الحواشي
(١) يبعد أنه جمع فيكون للمفرد والجمع كالفلك، وأن يكون مضموم الفاء جمعًا لساكنها، وكل هذا احتمال؛ كذا قال أبو شامة، وفيه: أن اللغة لا تثبت بالاحتمال، فتعين الأول.
"فنحن في ذلك الضياء، وفي النور وسبل الرشاد نخترق" والبيتان، من المدرج عند العروضيين، أي: الذي أدرج عجزه في الكلمة التي فيها آخر الصدر فلم ينفرد أحدهما من الآخر بكلمة تخصه ويمتاز بها، "قال" الحافظ عبد الرحمن بن رجب "في اللطائف" أي: في كتاب لطائف المعارف: فهو من التصرف في العلم والراجح جوازه.
"وخروج هذا النور" الحسي المدرك بالبصر حال كونه "عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور" أي الأحكام والمعارف، سميت نورًا مجازًا للاهتداء بها؛ كالنور الحسي "الذي اهتدى به أهل الأرض" حقيقة؛ كالمؤمنين أو حكمًا بمعنى أنهم عرفوا الحق وامتنعوا منه عنادًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] والجاهلون منهم تابعون لكبرائهم المعاندين أو نزول المشركين منزلة العدم.
"وزال به ظلمة الشرك" جهالاته؛ لأن الجهل يطلق عليه الظلمة مجازًا لأن الجاهل متحير في أمره لا يعلم ما يذهب إليه، كما أن الماشي في ظلمه متحير لا يهتدي لما بين يديه وخص الشرك لشدة قبحه أو لغلبته بمكة حين البعث أو أراد به الكفر؛ لأنه إذا أفرد أريد مطلق الكفر وإذا جمع أريد به عبارة الأوثان نحو لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، فهما كالفقير والمسكين.
"كما قال تعالى" إخبارًا عما جاء به من الأحكام حيث جعله نورًا ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] قال البيضاوي: يعني القرآن، فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإعجاز، وقيل: يريد بالنور محمدًا ﷺ ، انتهى. فما ذكره بناء على الأول والصحيح الثاني، كما قال المصنف كغيره.
" ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ " بالكتاب " ﴿اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ " بأن آمن به " ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ " طريق السلامة " ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ " الكفر " ﴿إِلَى النُّورِ﴾ " الإيمان " ﴿بِإِذْنِهِ﴾ " إرادته "الآية" أتلها "وأما إضاءة قصور بصرى".стр. 221
بالنور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته، فإنها دار ملكه -كما ذكر كعب: أن في الكتب السالفة: محمد رسول الله ﷺ مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام- فمن مكة بدت نبوة نبينا ﵊، وإلى الشام انتهى ملكه، ولهذا أسري به ﷺ إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر قبله إبراهيم ﵇ إلى الشام، وبها ينزل عيسى بن مريم ﵇، وهي أرض المحشر والمنشر.
الحواشي
(١) بضم الموحدة وسكون الصاد المهملة وراء فألف مقصورة بلد بالشام من أعمال دمشق وهي حوران، قاله السيوطي. وفي الفتح: مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران. "بالنور الذي خرج معه" فيما رواه ابن إسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ ، كما مر.
ورواه ابن سعد عن أبي العجفاء مرفوعًا: "رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى"، فهو "إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته" وفي تخصيص بصرى لطيفة هي أنها أول موضع من بلاد الشام، دخله ذلك النور المحمدي، ولذا كانت أول ما فتح من الشام، قاله في المسكة الفائحة. وقال غيره إشارة إلى أنه ينور البصائر، ويحيي القلوب الميتة. "وأنها دار ملكه، كما ذكر كعب" بن مانع المعروف بكعب الأحبار، "أن في الكتب السالفة" ثابت من جملة ما يميزه عن غيره ويحقق نبوته، لفظ: "محمد رسول الله مولده" يكون "بمكة، ومهاجره" أي: هجرته "بيثر" الباء بمعنى إلى، وفي نسخة حذف الباء، أي: مكان هجرته هو يثرب؛ لأنه اسم مكان من هاجر بزنة اسم المفعول من المزيد يشترك فيه اسم المفعول والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان، وهو المناسب هنا.
"وملكه بالشام" وروى البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رفعه: "الخلافة بالمدينة والملك بالشام"، "فمن مكة بدت" ظهرت "نبوة نبينا ﵊، وإلى الشام انتهى ملكه" أي: أولا، قاله النجم وغيره زاد شيخنا أو إنه صار مقرًا له؛ لأنه كان محلا للخلفاء والأول أولى، لأنه لم يكن محل الملوك إلا في مدة بني أمية، ثم انتقل في البلدان بحسب الملوك "ولهذا أسري" به " ﷺ إلى الشام إلى بيت المقدس" وقيل غير ذلك في حكمة الإسراء؛ كما تقرر.
"كما هاجر قبله إبراهيم ﵇" من حران بتشديد الراء آخره نون، "إلى الشام" إلى بيت المقدس منها، ففي تاريخ ابن كثير ولما كان عمر تأرخ خمسًا وسبعين سنة ولد إبراهيم بأرض بابل على الصحيح المشهور عند أهل السير، ثم هاجر إبراهيم إلى حرام ومات بها أبوه، ثم إلى بيت المقدس واستقر بها. "وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇، وهي أرض المحشر" بكسر الشين وتفتح موضع الحشر؛ كما في القاموس وغيره وسوى بينهما في العين، قال شيخنا: والقياس الفتح؛ لأن فعله كنصر وضرب. "والمنشر" بالفتح اسم مكان من نشر الميت فهو ناشرстр. 222
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده" انتهى ملخصًا.
الحواشي
(١) إذا عاش بعد الموت، والمراد هنا خروج الموتى من قبورهم وانتشارهم إلى الشام، أي: أنها التي يساق إليها الموتى ويجتمعون بها.
"وأخرج أحمد" بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، قال ابن راهويه: هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، "وأبو داود "سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني الحافظ الكبير والعلم الشهير، روى عن أحمد والقعنبي وابن الحديد، وقال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهًا وحفظًا وعلمًا وإتقانًا ونسكًا وورعًا جمع وصنف وذب عن السنن، وقال ابن داسه: سمعته يقول كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب، يعني السنن، ولد سنة اثنتين ومائتين وتوفي لأربع عشرة بقيت من شوال سنة خمس وسبعين ومائتين بالبصرة، وقيل غير ذلك.
"ابن حبان" الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي البستي، قيل: كتب عن أكثر من ألفي شيخ منهم النسائي وأبو يعلى والحسن بن سفيان، قال تلميذه الحاكم: كان من أوعية العلم في الفقه والحديث واللغة والوعظ ومن عقلاء الرجال وكانت إليه الرحلة، زاد غيره: وكان عالمًا بالطب والنجوم وفنون العلم، وقال الخطيب: كان ثقة نبيلا فهمًا مات في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين.
"والحاكم" أبو عبد الله الحافظ مر بعض ترجمته دخل الحمام بنيسابور ثم خرج، فقال: آه وقبض وهو متزر ولم يلبس قميصه في صفر سنة خمس وأربعمائة. "في صحيحيهما" أي: صحيح ابن حبان وصحيح الحاكم المستدرك كلهم عن عبد الله بن حوالة الصحابي.
"عن النبي ﷺ ، أنه قال: "عليكم بالشام" " أي: الزموا سكناها "فإنها خيرة الله من أرضه" , على معنى من خيرته أو من حيث الخصب ونمو البركات فيطلب سكناها، قيل: مطلقًا لكونها أرض المحشر والمنشر، وهو ظاهر سوق المصنف هنا لهذا الحديث، وقيل: المراد آخر الزمان عند اختلال أمر الدين وغلبة الفساد؛ لأن جيوش الإسلام تنزوي إليها، وفي حديث واثلة عند الطبراني فإنها صفوة بلاد الله، "يجتبي" يفتعل من جبوت الشيء وجبيته جمعته، أي: يجمع، "إليها خيرته من عباده" فهي أفضل البلاد بعد الحرمين ومسجد القدس يلي الحرمين في الفضل حتى المساجد المنسوبة له ﷺ ، "انتهى" كلام اللطائف "ملخصًا" حال.стр. 223
وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشفا قالت: لما ولدت آمنة رسول الله ﷺ وقع على يدي فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله، قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى بعض.................
الحواشي
(١) "وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف" بن عبد مناف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري أحد العشرة ذي الهجرتين البدري الذي صلى خلفه المصطفى المتصدق بأربعين ألف دينار الحامل على خمسمائة فرس في سبيل الله وخمسمائة راحلة، أخرجه ابن المبارك عن معمر عن الزهري، وفي الحلية لأبي نعيم: أنه أعتق ثلاثين ألف نسمة، المتوفى سنة اثنتين وثلاثين على الأشهر، وله اثنتان وسبعون سنة على الأثبت، مناقبه جمة ﵁.
"عن أمه الشفا" بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وهي بنت عم أبيه، قاله ابن الأثير؛ أي: عم أبي ابنها عبد الرحمن أسلمت وهاجرت قال ابن سعد: ماتت في حياة النبي ﷺ ، فقال عبد الرحمن: يا رسول الله! أعتق عن أمي، قال: "نعم" فأعتق عنها وهي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والقصر؛ كما صرح به البرهان في المقتفى والحافظ في التبصير. وقال ابن الأثير في الجامع: بالتخفيف والمد، وقال الدلجي بفتح المعجمة وشد الفاء ومد، وجرى عليه البوصيري في قوله: وشفتنا بقولها الشفاء.
"قالت: لما ولدت آمنة رسول الله ﷺ وقع على يدي" لا تعارضه الرواية السابقة، ثم وقع على الأرض لجواز أن ذاك بعد هذه بقرينة ثم "فاستهل" أي: صاح، وزعم الدلجي أن المراد عطس لا صاح بشهادة جواب لما، وهو "فسمعت قائلا" أي: ملكًا "يقول: رحمك الله" ونحا نحوه الجوجري، وهو مردود يقول الحافظ السيوطي في فتاويه: لم أقف في شيء من الأحادث على أنه ﷺ لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها، كطبقات ابن سعد والدلائل للبيهقي، ولأبي نعيم، وتاريخ ابن عساكر على بسطه واستيعابه، والمستدرك للحاكم، وإنما الحديث الذي روته الشفاء فيه لفظ يشبه التشميت لكن لم يصرح فيه بالعطاس، والمعروف في اللغة: أن الاستهلال صياح المولود أول ما يولد فإن أريد به هنا العطاس فمحتمل، وحمل القائل على الملك ظاهر، انتهى. فلا دلالة في رحمك الله على أنه عطس كما زعم الدلجي؛ لأنه يشبه التشميت ولا يلزم أنه تشميت بالفعل حتى يخرج به اللفظ عن مدلوله اللغوي لشيء محتمل، فتبين أن قوله رحمك الله ليس تشميتًا بل تعظيمًا بقرينة فاستهل؛ لأنه صياح المولود، كما علم.
"قالت الشفاء: وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى" بلاد "بعضстр. 224
قصور الروم، قالت: ثم ألبسته وأضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة ثم غيب عني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى بعثه الله فكنت في أول الناس إسلامًا.
ومن عجائب ولادته ﵇ ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن حسان بن ثابت قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا.....................
الحواشي
(١) قصور الروم، قالت: ثم ألبسته" بموحدة فسين مهملة، أي: ألبست النبي ﷺ ثيابه هكذا في نسخ ولم يقف عليها الشارح فأبعد النجعة، وفي نسخ: ثم ألبنته بنون بعد الباء، أي: سقيته اللبن، لكنهم عدوا مرضعاته عشرًا وما ذكروها مع أنها كانت أولى بالذكر؛ لأنها أول من دخل جوفه لبنها ويمكن صحتها بأن معناها سقيته لبن أمه، بمعنى: قربته إلى ثديها ليشرب منه ويناسب الأولى أيضًا، قولها: "وأضجعته فلم أنشب" أي: ألبث إلا قليلا "أن غشيتني ظلمة" والمعنى أنها رأت هذا عقب ذاك وتجوزت بأنشب عن ألبث؛ لأن من لبث في مكان فقد اتصل به فكأنه أدخل نفسه فيه "ورعب" خوف "وقشعريرة" بضم القاف وفتح الشين "ثم غيب عني، فسمعت قائلا" أي: ملكًا: "يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق" وحذف من خبر أبي نعيم ما لفظه: وقشعريرة عن يميني، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المغرب، وأسفر عني ذلك، أي: انكشف ثم عاودني الرعب والقشعريرة عن يساري، فسمعت قائلا يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، "قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى" أي: إلى أن "بعثه الله، فكنت في أول الناس إسلامًا" أي: في جملة السابقين له، ثم لا ينافي وجود الشفاء وفاطمة الثقفية عند الولادة قول آمنة المار: وإني لوحيدة في المنزل؛ لجواز وجودهما عندها بعد تأخر خروجه ﵇ عن القول المذكور حتى نزل على يدي الشفاء؛ لقولهم: وقع على يدي، جمعًا بين الخبرين.
"ومن عجائب ولادته ﵇ ما أخرجه البيهقي وأبو نعيم، عن حسان بن ثابت" بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري شاعر المصطفى المؤيد بروح القدس، سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في شعرائه ﵇، وجوز الجوهري فيه الصرف وعدمه بناء على أنه من الحس أو الحسن. قال ابن مالك: والمسموع فيه منع الصرف، نقله السيوطي في حواشي المغني.
"قال: إني لغلام ابن سبع سنين أو ثمان" سنين على التقريب، فقد ذكروا أنه عاش مائة وعشرين سنة كأبيه وجده وأبي جده، ومات سنة أربع وخمسين، "أعقل ما رأيت وسمعت إذاстр. 225
يهودي يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع، قالوا: يا ويلك ما لك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة.
وعن عائشة قالت: كان يهودي قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال: يا معشر قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود، قالوا: لا نعلم، قال: انظروا، فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة. بين كتفيه علامة. فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه، فأخرجته لهم فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني.........................
الحواشي
(١) يهودي يصرخ" بالمدينة، ففي رواية ابن إسحاق، يصرخ على أطمة يثرب، "ذات غداة" أي: في ساعة ذات غداة "يا معشر يهود" بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل كما في المصباح، وفي نسخة: اليهود أقبلوا "فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع" أي: أقصد سماع ما يتكلمون به، "قالوا: يا ويلك" كلمة عذاب صرفهم الله عن كلمة الترحم. "ما" اسم استفهام مبتدأ خبره "لك" أي: أي شيء عرض لك استنكروا صراخه، "قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به" عنده أو سببية لاعتقاد اليهودي تأثير النجم، "في هذه الليلة" والغرض من سوقه كالذي بعده أن البشارة بالنبي ﷺ جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم محق أو مبطل، إنسي أو جني، "و" من عجائب ولادته أيضًا ما ورد "عن عائشة، قالت: كان يهودي قد سكن مكة" زاد في رواية الحاكم يتجر فيها وهو غير اليهودي الذي أخبر عنه حسان بلا ريب؛ لأن حسان كان بالمدينة فلا تغفل "فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ قال" اليهودي ومعلوم أنها ما أدركته فهو مما روته عن غيرها، ومعلوم أنها إنما تروي عن الثقات، فيحتمل أنها سمعته من الشفاء، أو أم عثمان أو غيرهما، "يا معشر قريش! هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلم، قال: انظروا" أي: فتشوا وتأملوا، يقال: نظرت في الأمر تدبرت، أي: انظروا في أهاليكم ونسائكم، "فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة" زاد الحاكم: الأخيرة "بين كتفيه علامة" زاد الحاكم: فيها شعرات متواترت كأنهن عرف الفرس، وأسقط المصنف من رواية يعقوب هذه، ما لفظه: لا يرضع ليلتين؛ لأن عفريتًا من الجن وضع يده على فمه، هكذا ساقه في الفتح متصلا، بقوله: "فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام فذهب اليهودي معهم" ليستكشفوا الخبر ويتحققوه بالعلامة، "إلى أمه" زاد الحاكم فقالوا: أخرجي المولود ابنك "فأخرجته لهم" زاد الحاكم وكشفوا عن ظهره، أي: ورأوا العلامة "فلما رأى اليهودي العلامة خر مغشيًا عليه، وقال" وفي رواية الحاكم: فلما أفاق، قالوا: يا ويلك! ما لك؟ قال: "ذهبت النبوة من بنيстр. 226
إسرائيل، يا معشر قريش: أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب. رواه يعقوب بن سفيان بإسناد حسن كما قاله في فتح الباري.
ومن عجائب ولادته أيضًا: ما روي من ارتجاس إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته................................
الحواشي
(١) إسرائيل" قال: ذلك لما هو عندهم في الكتب أنه خاتم النبيين، "أما" بتخفيف الميم كلمته يفتتح بها الكلام، وتدل على تحقق ما بعدها، وهي من مقدمات اليمين؛ كقوله: أم والذي لا يعلم الغيب غيره، وقوله هنا: "والله ليسطون بكم سطوة" أي: ليقهرنكم ببطشه بكم، "يخرج خبرها من المشرق والمغرب" أي: ينشر في جميع الأرض حتى يتكلم به أهل المشرق والمغرب، "ورواه يعقوب بن سفيان" الفارسي الثقة المتقن الخير الصالح الحافظ، أبو يوسف الفسوي، بفاء وسين مهملة مفتوحتين فواو نسبة إلى فسا من بلاد فارس، عن القعنبي وسليمان بن حرب وأبي عاصم وأبي نعيم والفضل وغيرهم وعنه الترمذي والنسائي وعبد الله بن درستويه وخلق، قال ابن حبان: ثقة، والنسائي: لا بأس به، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل بعدها. "بإسناد حسن، كما قاله في فتح الباري" بشرح البخاري ورواه الحاكم أيضًا عن عائشة، كما سيذكره المصنف، وقد بينا ألفاظه الزائدة.
"ومن عجائب ولادته: ما روي من ارتجاس" بالسين، وهو: الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير، كما ضبطه البرهان، وهو مأخوذ من كلام الجوهري والمجد في باب السين والمهملة، وفي نسخ: ارتجاج بجيم آخره، وفي القاموس: الرج التحريك والتحرك والاهتزاز، فإن صحت تلك النسخ فكأنه لما صوت تحرك واهتز، إذ المراد هنا تصويت "إيوان" كديوان، ويقال: إوان بوزن كتاب بناء أزج غير مسدود الوجه، والأزج بفتح الهمزة والزاي بالجيم بيت يبنى طولا، "كسرى" بفتح الكاف وكسرها اسم ملك الفرس، حتى سمع صوته وانشق لا لخلل في بنائه، فقد كان بناؤه بالمدائن من العراق محكمًا مبنيًا بالآجر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها، وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته مالا عظيمًا، فعجز عن هدمه، وإنما أراد الله أن يكون ذلك آية باقية على وجه الدهر لنبيه ﷺ ، ومن ثم أفزع ذلك كسرى ودعا بالكهنة. "وسقوط أربع عشرة" هكذا في نسخ وهو الصواب، وفي نسخة: أربعة عشر وهو تحريف؛ لأن لفظ العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث، ولفظ العشر يجري على القياس والمعدود هنا مؤنث.
"شرفة" بضم الشين وسكون الراء "من شرفاته" بضم الراء وفتحها وسكونها جمع قلةстр. 227
وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد، كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في "الهواتف" وابن عساكر وابن جرير.
وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات
الحواشي
(١) لشرفه جمع سلامة، قال الشامي: إما تحقيرًا لها أو أن جمع القلة قد يقع موقع جمع الكثرة، وفي الصحاح: وشرفة وشرف، كغرفة وغرف. قال الخميس: وكانت اثنتين وعشرين، "وغيض" بغين وضاد معجمتين، أي: نقص، "بحيرة طبرية" مصغر بحرة ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، قال في ترتيب المطالع: هي بالشام لزمتها الهاء، وإنما هي تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلا، قال البكري: طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال، انتهى.
لكن المعروف بالغيض إنما هي بحيرة ساوة بسين مهملة وبعد الألف واو مفتوحة فهاء ساكنة من قرى بلاد فارس، كانت بحيرة كبيرة بين همذان وقم. قال الخميس: وكانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض، وكانت تركب فيها السفن، ويسافر إلى ما حولها من البلدان. انتهى. فأما بحيرة طبرية فباقية إلى اليوم وغيضها علامة لخروج الدجال، تيبس حتى لا يبقى فيها قطرة، وأجيب: بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث التي نقلها السيوطي وغيره.
غاية الأمر: أن بحيرة ساوة نشف ماؤها بالكلية فأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شيء من غيضها أراد أنه ما نشف بالكلية كساوة ومن أثبته أراد أنها نقصت نقصًا لا ينقص مثله في زمان طويل، أو أن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التي تمدها الأمطار، وهو جمع حسن إلا أن المذكور في رواية من عزا له المؤلف ساوة؛ كما في الشامية، فتم الاعتراض على المصنف ووقع لبعض المتأخرين، وغاضت بحيرة ساوة وتسم بحيرة طبرية، وكان مراده الجمع أن تسمى في بعض الأحاديث بحيرة طبرية فهي واحدة، فلا يعترض عليه بأن ساوة بفارس، وطبرية بالشام.
"وخمود" مصدر خمد؛ كنصر وسمع، خمدًا وخمودًا، كما في النور. "نار فارس" التي كانوا يعبدونها "وكان لها ألف عام لم تخمد" بضم الميم وفتحها، "كما رواه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي في الهواتف وابن عساكر وابن جرير" في تاريخه كلهم من حديث مخزوم بن هانئ عن أبيه، وأتت عليه مائة وخمسون سنة، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة، ورأى الموبذان، فذكر الحديث بطوله: "وفي سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم" من الفرس "ملوك وملكات" هذا على أنстр. 228
بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين، ذكره ابن ظفر زاد ابن سيد الناس: وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁.
ومن ذلك أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب.....................
الحواشي
(١) الجمع ما فوق الواحد، فإنه ما ملك منهم سوى امرأتين موران وأزد ميدخت؛ كما قاله البدر بن حبيب في جهينة الأخبار، "بعدد الشرفات، وقد ملك منهم عشرة في أربع سنين" وأسماؤهم مذكورة في التواريخ، ولا حاجة لنا بذكرهم، "ذكره" محمد بن محمد "بن ظفر" بفتح الظاء المعجمة والفاء بعدها راء الصقلي المولود بها أحد الأدباء الفضلاء صاحب التصانيف المليحة من أهل القرن السادس، ذكر ما نقله عنه المصنف في كتاب البشر، قائلا: وملك الباقون إلى أواخر خلافة عمر، هكذا رأيته فيه في آخر حديث سطيح، وكأنه لم يقع للمصنف فيه، فقال: "زاد ابن سيد الناس" الإمام العلامة الحافظ الناقد أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد اليعمري الأندلسي الأصل المصري، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة ولازم ابن دقيق العيد وتخرج به وسمع من خلائق يقاربون الألف، وأخذ العربية عن البهاء بن النحاس، كان أحد أعلام الحفاظ أديبًا شاعرًا بليغًا صحيح العقيدة وحسن التصنيف، ولي درس الحديث بالظاهرية وغيرها وألف السيرة الكبرى والصغرى وشرح الترمذي، ولم يكمله فأتمه أبو الفضل العراقي، مات في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة. "وملك الباقون إلى خلافة عثمان" ذي النورين المختص بأنه لم يتزوج أحد بنتي نبي غيره، مناقبه جمة، "﵁" وآخر ملوكهم يزدجر هلك في سنة إحدى وثلاثين، كذا في تاريخ حماة، وفي كلام السهيلي: أنه قتل في أول خلافة عثمان، قاله في النور. فعلى الثاني: لا مخالفة بين كلام ابن ظفر وابن سيد الناس؛ لأن آخر خلافة عمر قريب من أول خلافة عثمان. أما على الأول: فبينهما خلف كبير، والله أعلم.
"ومن ذلك" أي: عجائب ولادته "أيضًا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب" بسبب رميهم بها، وقد اختلف في أن المرجوم يتأذى فيرجع أو يحرق به لكن قد تصيب الصاعد مرة، وقد لا تصيب كالموج لراكب السفينة، ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا ولا يرد أنهم من النار فلا يحترقون؛ لأنهم ليسوا من النار الصرفة، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة أهلكتها، قال البيضاوي. وأشعر قوله زيادة: بأنها حرست قبل ولادته، وقد جاء عن ابن عباس: أن الجن كانوا لا يحجبون عن السماوات فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السماوات كلها، نقله المصنف في المعجزات. وروى الزبير بن بكار في حديث طويل: أن إبليس كان يخترق السماوات ويصل إلى أربع، فلما ولد ﷺ حجب من السبع، ورميت الشياطينстр. 229
وقطع رصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع.
ولقد أحسن الشقراطسي حيث قال:
ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف في الإشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقص منكسر الأرجاء ذا ميل
الحواشي
(١) بالنجوم، "وقطع رصد الشياطين" بسكون الصاد وفتحها مصدر رصد؛ كنصر، أي: ترقبهم، "ومنعهم من استراق السمع" أي: استراقهم لاستماع ما تقول الملائكة، فيخبرون به غيرهم فيقع، وقضيته منعهم منه رأسًا بحيث لم يقع ذلك من أحد منهم، لكن قال السهيلي: أنه بقي من استراق السمع بقايا يسيرة بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وفي بعض البلاد، ونحوه قول البيضاوي؛ لعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا. "ولقد أحسن" أبو محمد عبد الله بن أبي زكريا يحيى بن علي "الشقراطسي" نسبة إلى شقراطسة ذكر لي أنها بلدة من بلاد الجريدة بأفريقيا، قاله أبو شامة في شرحه لهذه القصيدة: "حيث قال: يمدح النبي ﷺ من جملة قصيدة كبيرة "ضاءت" أشرقت "لمولده" لأجل ولادته أو اللام للتوقيت؛ كقولك: جئت ليوم كذا، أي: فيه يريد ضاءت أيام مولده "الآفاق" جمع أفق بضم الفاء وسكونها وهي نواحي الأرض وأطرافها، وكذلك آفاق السماء وهي أطرافها التي يراها الرائي مع وجه الأرض، يعني بذلك ما ظهر معه ﵇ من النور حين ولد. "واتصلت" بنا "بشرى" مصدر كالبشارة "الهواتف" جمع هاتف وهو الصالح، أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل إلينا خبر ذلك أو اتصل بعضها ببعض لكثرتها فما يبلغنا خبر إلا ويعقبه مثله، أي: كثرت وتواترت، يعني بذلك ما سمع من الجن وغيرهم من بعد ولادته إلى مبعثه من تبشيرهم به ونعيهم الكفر وإنذارهم بهلاكه يهتفون بذلك في كل ناحية، أي: ينادون به وكثر ذلك قبيل المبعث.
"في الإشراق" أول النهار عند انتشار ضوء الشمس، "والطفل" وذلك إذا اطفلت الشمس للغروب، أي: دنت منه، وهو عبارة عن كثرة الأزمان التي وقع فيها، ذلك لأنه يعبر بذلك وما في معناه عن الدوام؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] ، "وصرح" القصرة، قيل: البناء المتسع الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعد "كسرى تداعى" تساقط كأن بعضه دعًا بعضًا للوقوع "من قواعده" أساسه ومن لابتداء الغاية مبالغة كأن الانهدام ابتدأ من القواعد، "وانقص" بصاد مهملة سقط من أصله وبمعجمة أسرع سقوطه، "منكسر الأرجاء" النواحي "ذا ميل" بفتح الياء ما كان خلقة، قال ابن سيده: الميل في الحادث والميل في الخلقة والبناء، وهو على الثاني ظاهر. أما الأول فلأنه لما لم يكن بفعل فاعل ولا مسببًا عن خلل بناء نزله منزلة الخلق الطبيعي.стр. 230
ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل
خرت لمبعثه الأوثان وانبعث ... ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل
الحواشي
(١) "ونار فارس" اسم علم كالفرس لطائفة من العجم كانوا مجوسًا يعبدون النار، وكان لبيوتها سدنة يتناوبون إيقادها فلم يخمد لها لهب في ليل ولا نهار، إلى ليلة مولده ﵇، فإنه حين أوقدوها "لم توقد" بضم التاء وفتح القاف مبني للمفعول، لكنه وإن صح استعمالا إلا أنه لم ينتف إيقادهم لها بل إيقادها في نفسها مع تعاطيهم الإيقاد، فهذا موضع الآية العجيبة وأجيب بأنه لما لم تحصل فائدة إيقادها لها كأنها لم توقد؛ لأن خمودها من غير سبب يطفئها لا يكون إلا لعدم الإيقاد، ويحتمل فتح التاء وكسر القاف من وقدت النار هاجت، لكنه أصل رفضته العرب فلم تستعمله إلا أن ابن السراج ذكر أن أحسن ما استعمله الشاعر لضرورة ما رد فيه الكلام إلى أصله، فاللفظ ضعيف المخرج صحيح، قوي المعنى.
"وما خمدت" بفتح الميم وكسرها "مذ ألف" بالرفع والجر بناء على أن مد حرف ج أو اسم ملتزم حذف المضاف إليه معه وتقديره مدة عدم الخمود، ألف "عام" قبل تلك الليلة، وذلك مدة عبادتهم النار، ولا ينافيه أن مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربع وستون سنة؛ لأنهم لم يعبدوها أول ملكهم، "ونهر القوم" يعني بحيرة ساوة عبر عنها بنهر القوم، أي: الفرس؛ لأنها في أرضهم ومن جملة أرض عراق العجم الذي هو في ملك كسرى، "لم يسل" أي ماؤه؛ لأنه غاض، أي: غار وكأنه عنى بالسيلان تحركه واضطرابه وإلا فماء البحيرة راكد غير جار، وكانت هذه الأمور أمارات لخمود دولتهم ونفاد ملكهم وظهور الحق عليهم، "خرت" سقطت "لمبعثه" لأجله "الأوثان" الأصنام على وجوهها "وانبعثت" مطاوع بعثه، "ثواقب" جمع ثاقب، وهي النجوم المتوقدة المضيئة، "الشهب" بسكون الهاء للتخفيف جمع شهاب، أي: المصابيح التي أخبر الله أنه زين بها السماء وجعلها رجومًا للشياطين والإضافة من باب سحق عمامة لقول الله: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ، والمصابيح: النجوم، جعلت راجمة للشياطين بالشهب؛ لا أن النجوم تنقض بأنفسها خلف الشياطين، ولذا قال: "ترمي الجن بالشعل" أي: المنفصلة منها ولم يجعلها رامية بأنفسها، وقد قال الحليمي: ليس في كتاب الله أن الشياطين ترمى بالكواكب أو بالنجوم، ثم أطال في تقرير: أن الرمي إنما هو بالشهب وهو شعل النار وجعل المصابيح كناية عن الشعل لا عن النجوم، قال أبو شامة، وما جاء في الأحاديث وشعر العرب القديم من التصريح بأن الرمي بالنجوم يمكن تأويله، إما بأنه على تقدير مضاف أو استعمل النجم في الشهاب مجازًا، انتهى. ولا ينافيه ما ذكره المصنف في الخصائص عن البغوي، قيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، انتهى. لجواز أن صورة الشعلة النازلة رجعت إلى مكانها التيстр. 231
وولد ﷺ معذورًا أي مختونًا مسرورًا -أي مقطوع السرة- كما روي من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ عند ابن عساكر.
وروى الطبراني في الأوسط وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي" وصححه الضياء في المختارة.
وعن ابن عمر قال: ولد النبي ﷺ مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر.
قال الحاكم في....................................
الحواشي
(١) جاءت منه وهو النجم، والله أعلم.
"وولد ﷺ معذورًا" هذا هو الواقع في حديث أبي هريرة وفسره المصنف، بقوله: "أي: مختونًا" لأن العذرة الختان، يقال: عذر الغلام يعذره بالكسر وأعذره بالألف، لغة إذا ختنه؛ كما في المصباح والنور وغيرهما وفيه حسن، كما في "مسرورًا" من التورية؛ لأنه من السرور أو من قطع السرة؛ كما فسره بقوله: "أي مقطوع السرة" الأولى حذف التاء إذ السر بالضم: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي؛ كما في النهاية وغيرها، إلا أن يكون سمي السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوعًا منه ما يتصل بالسرة؛ "كما روي من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ " أي: أنه قال ذلك ورفعه إليه، وأغرب زاعم أن هذا إخبار عن صفته من غيره، "عند ابن عساكر" وابن عدي.
"وروى الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق" متعددة "عن أنس أن النبي ﷺ قال: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا" أي: على صورة المختون إذ هو القطع، ولا قطع هنا؛ كما يأتي. "ولم ير أحد سوأتي" عورتي لا لختان ولا غيره، على ظاهر عموم أحد فتدخل حاضنته ويكون عدم رؤيتها مع احتياجها لذلك من جملة كرامته على ربه، "وصححه" العلامة الحجة الحافظ "الضياء" أي: ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد السعدي المقدسي الحنبلي الثقة الجبل الدين الزاهد الورع، المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "في" الأحاديث "المختارة" مما ليس في الصحيحين. وقد قال الزركشي وغيره أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، انتهى. وحسنه مغلطاي، قال: ورواه أبو نعيم بسند جيد عن ابن عباس.
"و" ورد "عن ابن عمر، قال: ولد النبي ﷺ مسرورًا مختونًا، رواه ابن عساكر" وقد صرح الحافظ بأن أحاديث الصفات النبوية والشمائل داخلة في قسم المرفوع، "قال الحاكم فيстр. 232
المستدرك: تواترت الأخبار أنه ﵇ ولد مختونًا. انتهى.
وتعقبه الحافظ الذهبي فقال: ما أعلم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه.
"القول بغير ذلك":
حكى الحافظ زين الدين العراقي، أن الكمال بن العديم ضعف أحاديث كونه ولد مختونًا، وقال: إنه لا يثبت في هذا شيء من ذلك.
وأقره عليه، وبه صرح ابن القيم....................
الحواشي
(١) المستدرك: تواترت الأخبار أنه ﵇ ولد مختونًا، انتهى. وتعقبه" الإمام "الحافظ" أبو عبد الله محمد بن عثمان "الذهبي" نسبة إلى الذهب؛ كما في التبصير، الدمشقي المتوفى بها سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، "فقال" في مختصر المستدرك، وفي ميزانه في ترجمة الحاكم: "ما أعلم صحة ذلك" لعله أراد على شرط الشيخين، وإلا فقد صححه الضياء وحسنه مغلطاي، كما ترى.
"فكيف يكون متواترًا؟ وأجيب باحتمال أن يكون" الحاكم "أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها في السير، لا من طريق السند المصطلح عليه" وهو أن المتواتر عدد كثير أحالت العادة توافقهم على الكذب ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحسن، وصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه؛ كما في شرح النخبة، وقد استبعد بعضهم هذا الجواب؛ لأنه خلاف المتبادر ولكنه أولى من التخطئة.
"وحكى الحافظ زين الدين" عبد الرحيم "العراقي: أن الكمال بن العديم" عمر بن أحمد بن هبة الله الصاحب كمال الدين الحلبي الكاتب البليغ الحنفي، ولد بحلب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وبرع وساد وصار أوحد عصره فضلا ونبلا ورئاسة، وألف في الفقه والحديث والأدب وتاريخ حلب، وتوفي بمصر، "ضعف أحاديث كونه" ﵇ "ولد مختونًا" في مؤلف صنفه في الرد على الكمال بن طلحة حيث وضع مصنفًا في أنه ولد مختونًا، وجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام؛ كما في النور، "وقال: لا يثبت في هذا شيء، وأقره عليه وبه" أي: بتضعيف أحاديث ولادته مختونًا "صرح ابن القيم" في الهدي النبوي وليس بسديد من الثلاثة؛ لأن منها ما هو صحيح أو حسن، ومنها ما إسناده جيد؛ كما مر. اللهم إلا أن يكون حكمًا على المجموع على أنها وإن كانت ضعيفة، فقد وردت من طرق يقويстр. 233
ثم قال: ليس هذا من خصائصه ﷺ ، فإن كثيرًا من الناس ولد مختونًا.
وحكى الحافظ ابن حجر: أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قلفته -أي اتسعت- فيصير كالمختون.
وفي "الوشاح" لابن دريد: قال ابن الكلبي: بلغني أن آدم خلق مختونًا واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين..................
الحواشي
(١) بعضها بعضًا، وفي مولد الحافظ ابن كثير ذكر ابن إسحاق في السيرة أنه ﵇ ولد مسرورًا مختونًا، وقد ورد ذلك في أحاديث، فمن الحفاظ من صححها، ومنهم من ضعفها، ومنهم من رآها من الحسان.
"ثم قال" ابن القيم: "وليس هذا من خصائصه ﷺ فإن كثيرًا من الناس" الأنبياء وغيرهم، "ولد مختونًا" وظاهره: أن كونه مسرورًا من خصائصه وهو مقتضى كلام السيوطي وغيره. "وحكى الحافظ ابن حجر" ما فيه الجمع بين إثبات الختان ونفيه ذلك، "أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمر" كالنبي ﷺ فإنه ولد في سلطانه على القول أنه لاثنتي عشرة "فسخت قلفته" بضم القاف وسكون اللام وبفتحهما: جلدته التي تقطع في الختان، "أي: اتسعت" فتقلصت عن موضعها بحيث تصير الحشفة مكشوفة "فيصير كالمختون" كما في عبارة غيره أن أصل قول العرب ختنه القمر، أن الطفل إذا ولد في ليلة مقمرة واتصل بحشفته ضوء القمر أثر فيها فتقلصت وإن محقت، فإن ضوءه يؤثر في اللحم وغيره، إلا أنه لا يكون قاطعًا لها بالكلية، قال الشاعر:
إني حلفت يمينًا غير كاذبة ... لأنت أقلف إلا ما جنى القمر
فغرض الحافظ من سوقه أنه بتقدير صحته في حقه ﷺ يكون سببًا لوصفه بذلك؛ لكونها شابهة في ارتفاع القلفة وتقلصها أو خلقه بلا قلفة، وعبر بتزعم إشارة إلى أنه لا أصل له، فهو القول الذي لم يقم على صحته دليل، وقد قال ابن القيم: الناس يقولون لمن ولد كذلك ختنه القمر، وهذا من خرافاتهم. "وفي الوشاح لابن دريد" أبي بكر محمد بن الحسن اللغوي الثقة المتحري صاحب التصانيف المولود سنة ثلاث وعشرين ومائتين، المتوفى بعمان في رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، قال في المزهر: ولا يقبل فيه طعن نفطويه؛ لأنه كان بينهما منافرة عظيمة بحيث أن كلا منهما هجا الآخر، قال: وقد تقرر في علم الحديث أن كلام الأقران في بعضهم لا يقدح.
"قال ابن الكلبي: بلغني" وفي السبل: نقل ابن دريد في الوشاح وابن الجوزي في التلقيح، عن كعب الأحبار أنهم ثلاثة عشر، فيجوز أنه الذي بلغ ابن الكلبي "ان آدم خلق مختونًا" أي: وجد على هيئة المختون، "واثني عشر نبيًا من بعده خلقوا مختونين" أي: ولدواстр. 234
آخرهم محمد ﷺ : شيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى، وسليمان وشعيب ويحيى وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجميعن.
وفي هذه العبارة تجوز، لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر، لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع.
الحواشي
(١) كذلك، ولعل هذا حكمة إفراد آدم بالذكر، "آخرهم محمد ﷺ " وهم "شيث" بن آدم ﵉، "وإدريس" قيل عربي مشتق من الدراسة لكثرة درسه الصحف، وقيل: سرياني ابن يارد بن مهلائيل بن قنان بن أنوش بن شيث، قال ابن إسحاق: الأكثرون أن أخنوخ هو إدريس وأنكره آخرون، وقالوا: إنما إدريس هو إلياس، وفي البخاري يذكر عن ابن مسعود وابن عباس: أن إدريس هو إلياس، واختاره ابن العربي وتلميذه السهيلي؛ لقوله ليلة الإسراء مرحبًا بالأخ الصالح، ولم يقل بالابن الصالح، وأجاب النووي باحتمال أنه قال تلطفًا وتأدبًا وهو أخ وإن كان ابنًا والأبناء أخوة والمؤمنون أخوة، وقال ابن المنير: أكثر الطرق أنه خاطبه بالأخ الصالح، وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح، قال بعض: وفي صحتها نظر.
"ونوح" بن لمك بفتح اللام وسكون الميم بعدها كاف، ابن متوشلخ بفتح الميم وشدة الفوقية المضمومة وسكون الواو وفتح المعجمة واللام بدها معجمة ابن خنوخ، وهو إدريس، قال المازري: كذا ذكره المؤرخون: أن إدريس جد نوح، فإن قام دليل على أنه أرسل لم يصح قولهم: أنه قبل نوح لما في الصحيحين: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وإن لم يقم دليل جازم، قالوا: وحمل على أن إدريس كان نبيًا ولم يرسل، انتهى.
قال السهيلي: وحديث أبي ذر الطويل، أي: المروي عند ابن حبان يدل على أن آدم وإدريس رسولان، انتهى. وأجيب بأن المراد أول رسول بعثه الله بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم فكانت كالتربية لأولاده، قال القاضي عياض: لا يرد على الحديث رسالة آدم وشيث؛ لأن آدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتبليغهم الإيمان وطاعة الله، وكذلك خلفه شيث بعده فيهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض، انتهى.
"و" ابنه "سام" نبي على ما في هذا الخبر، وكذا رواه الزبير وابن سعد عن الكلبي، وقال: به أبو الليث السمرقندي، ومن قلده، والصحيح أنه ليس بنبي؛ كما قاله البرهان الدمشقي وغيره ولا حجة في أثر الكلبي؛ لأنه مقطوع مع أنه متروك متهم بالوضع.
"ولوط" ابن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم.
"ويوسف" بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الكريم ابن الكرام، قال بعضهم: هو مرسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقيل: ليس هو يوسف بن يعقوب، بل يوسف بن افرايم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقاش والماوردي: أن يوسف المذكور في الآية من الجن بعثه الله رسولا إليهم، وهو غريب جدًا، قاله في الإتقان.стр. 235
وقد حصل من الاختلاف في ختنه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه ولد مختونًا كما تقدم.
الحواشي
(١) "وموسى" بن عمران، "وسليمان" بن داود، "وشعيب، ويحيى، وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين" وزاد محمد بن حبيب: زكريا وصالحًا وعيسى وحنظلة بن صفوان، فاجتمع من ذلك سبعة عشر نظمهم الحافظ السيوطي في قلائد الفوائد فقال:
وسبعة مع عشر قدروا خلقوا ... وهم ختان فخذ لا زلت مأنوسا
محمد آدم إدريس شيث ونو ... ح سام هود شعيب يوسف موسى
لوط سليمان يحيى صالح زكريْ ... يَا وحنظلة الرسى مع عيسى
"وفي هذه العبارة" وهي تسمية من ولد بلا قلفة مختونًا "تجوز؛ لأن الختان هو القطع وهو غير ظاهر" هنا "لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع" فيما مضى ويأتي. قال ابن القيم: حدثنا صاحبنا أبو عبد الله محمد بن عثمان الخليلي المحدث ببيت المقدس، أنه ولد كذلك وأن أهله لم يختنوه، انتهى. ولذا عبر بيوجد المضارع دون الماضي إشارة إلى أن الإيجاد لا يقصر على من كان قبل المصطفى، فلا يقال الأولى التعبير بالماضي؛ لأنهم وجدوا كذلك وتم أمرهم. "فيحمل الكلام" على المجاز "باعتبار أنه على صفة المقطوع" فهو علة لمقدور وحاصله أنه لما كانت صورته صورة لمختون أطلق عليه اسمه مجازًا لعلاقة المشابهة في الصورة، "وقد حصل من الاختلاف" المذكور في كلامهم "في ختنه" ﷺ "ثلاثة أقوال:
"الأول": منها في الذكر "أنه ولد مختونًا، كما تقدم" وقال الحاكم، وبه تواترت الأخبار، وابن الجوزي: لا شك أنه ولد مختونًا، قال القطب الخيضري: وهو الأرجح عندي، وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره، انتهى. وقد مر أن طريقًا جيدا صححه الضياء، وحسنه مغلطاي، مع أنه أوضح من جهة النظر؛ لأنه في حقه ﷺ كما قال الخيضري: غاية الكمال؛ لأن القلفة قد تمنع كمال النظافة والطهارة واللذة، فأوجده ربه مكملا سالمًا من النقائص والمعايب، ولأنстр. 236
الثاني: أنه ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدًا. رواه الوليد بن مسلم بسنده إلى ابن عباس وحكاه ابن عبد البر في التمهيد.
الحواشي
(١) الختان من الأمور الظاهرة المحتاجة إلى فعل آدمي فخلق سليمًا منها لئلا يكون لأحد عليه منة، وبهذا لا ترد العلقة التي أخرجت بعد شق صدره؛ لأن محلها القلب ولا إطلاع عليه للبشر، فأظهره الله على يد جبريل ليتحقق الناس كمال باطنه كظاهره، انتهى ملخصًا.
"الثاني: أنه خنته جده عبد المطلب" الظاهر: أن المراد أمر بختنه وأنه بالموسى إذ لو ختن بغيره لنقل لخرقه للعادة، والخوارق إذا وقعت توفرت الدواعي على نقلها، "يوم سابعه" لأن العرب كانوا يختنون؛ لأنها سنة توارثوها من إبراهيم وإسماعيل لا لمجاورة اليهود؛ كما أشار له في قوله في حديث هرقل: "أرى ملك الختان قد ظهر"، "وصنع له مأدبة" بضم الدال وفتحها اسم لطعام الختان، كما أفاده القاموس والمصباح، وأفاد الثاني: أنه يسمى إعذارًا أيضًا، "وسماه محمدًا.
وفي الخميس: روى أنه لما ولد ﷺ أمر عبد المطلب بجزور فنحرت ودعا رجالا من قريش فحضروا وطعموا، وفي بعض الكتب: كان ذلك يوم سابعه، فلما فرغوا من الأكل قالوا: ما سميته فقال سميته محمدًا، فقالوا: رغبت عن أسماء آبائه، فقال: أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه، وقيل: بل سمته بذلك أمه لما رأته، وقيل لها في شأنه ويمكن الجمع بأن أمه لما نقلت ما رأته لجده سماه، فوقعت التسمية منه، وإذا كان بسببها يصح القول بأنها سمته به، انتهى.
"رواه الوليد بن مسلم" القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي عن مالك والأوزاعي والثوري وابن جريج وخلق، وعنه الليث أحد شيوخه وابن وهب وأحمد وابن راويه وابن المديني متفق على توثيقه، وإنما عابوا عليه كثرة التدليس والتسوية، أخرج له الستة مات أول سنة خمس وتسعين ومائة "بسنده إلى ابن عباس وحكاه" شيخ الإسلام أبو عمر الحافظ يوسف بن عبد الله بن محمد "بن عبد البر" بن عاصم النمري، بفتح النون والميم القرطبي الفقيه المكثر العالم بالقراءات والحديث والرجال والخلاف الدين الصين، صاحب السنة والاتباع والتصانيف الكثيرة، ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان وانتهى إليه مع إمامته علو الإسناد. توفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة عن خمس وتسعين سنة وخمسة أيام، "في" كتاب "التمهيد" لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ولمؤلفه فيه شعر:стр. 237
الثالث: أنه ختن عند حليمة، كما ذكره ابن القيم والدمياطي ومغلطاي وقالا: إن جبريل ﵇ ختنه حين طهر قلبه.
وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة.
قال الذهبي: وهذا منكر.
الحواشي
(١) سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة ... وصقيل ذهني والمفرج عن همي
بسطت لكم فيه كلام نبيكم ... لأني معانيه من الفقه والعلم
وفيه من الآثار ما يهتدى به ... إلى البر والتقوى وينهى عن الظلم
"الثالث: أنه ختن عند حليمة" السعدية مرضعته ﷺ ، "كما ذكره ابن القيم" مع القولين السابقين، "والدمياطي" بكسر الدال المهملة وبعضهم أعجمها وسكون الميم وخفة التحتية نسبة إلى دمياط بلد مشهور بمصر؛ كما في اللب الحافظ الإمام العلامة الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين، أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الشافعي. ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وتفقه وبرع وطلب الحديث فرحل وجمع فأوعى وألف وتخرج بالمنذري، وبلغت شيوخه ألفًا وثلاثمائة شيخ ضمنهم معجمه، قال المزي: ما رأيت في الحديث أحفظ منه، وكان واسع الفقه رأسًا في النسب جيد العربية غزيرًا في اللغة، مات فجأة سنة خمس وسبعمائة.
"ومغلطاي" الإمام الحافظ علاء الدين بن قليج بن عبد الله بن الحنفي، ولد سنة تسع وثمانين وستمائة وكان حافظًا عارفًا بفنون الحديث، علامة في الأنساب وله أكثر من مائة مصنف؛ كشرح البخاري، وشرح ابن ماجه، وشرح أبي داود ولم يتما، مات سنة اثنتين وستين وسبعمائة وهو بضم الميم وسكون الغين وفتح اللام، كما ضبطه الحافظ بالقلم في كلام نثر، وأما ابن ناصر فضبطه بفتح الغين وسكون اللام في قوله:
ذلك مغلطاي فتى قليجي ... ولعله للضرورة فلا تخالف
وقليجي بقاف وجيم نسبة إلى القليج: السيف، بلغه الترك.
"وقالا: إن جبريل ﵇ ختنه" بآلة ولم يتألم منها على الظاهر، "حين طهر قلبه" بعد شقه، "وكذا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم من حديث أبي بكرة" نفيع بن الحارث الثقفي ﵁، "قال الذهبي: وهذا" الحديث "منكر" وهو ما رواه غير الثقة مخالفًا لغيره؛ كما في النخبة، ولا يعود اسم الإشارة على القول الثالث؛ لأنه إخراج لألفاظ الحفاظ عن معناها عندهم، وقد احتج للقول بأنه لم يولد مختونًا بأنه الأليق بحاله ﷺ ؛ لأنه من الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم فأتمهن وأشد الناس بلاء الأنبياء والابتلاء به مع الصبر عليه مما يضاعف الثواب، فالأليق بحاله أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله، وأجيب بأنه إنماстр. 238
واعلم أن الختان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل: إعذارًا -بالعين المهملة والذال المعجمة والراء- وختان المرأة خفاضًا -بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضًا.
واختلف العلماء: هل هو واجب؟
فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب، وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي.
وذهب الشافعي إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية.
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء.
الحواشي
(١) ولد مختونًا لئلا يرى أحد عورته؛ كما صرح به في الخبر.
واعلم: أن الختان هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل إعذارًا بالعين المهملة" الساكنة قبلها ألف وحذفها في بعض النسخ تحريف، لا يوافق القاموس.
"والذال المعجمة والراء" بعدها ألف ويسمى أيضًا عذرًا، كما في القاموس. "وختان المرأة خفاضًا" كذا في نسخ "بالخاء المعجمة" المكسورة "والفاء والضاد المعجمة أيضًا" فهو كقول القاموس: خفاض كختان وزنا، ومعنى فما في نسخ ختان المرأة خفضًا تحريف، "واختلف العلماء" في جواب قول السائل "هل هو" أي: الختان، لكل من الرجل والمرأة "واجب" أو سنة "فذهب أكثرهم إلى أنه سنة وليس بواجب" أتى به لدفع توهم أن المراد بالسنة الطريقة، "وهو قول مالك وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الشافعي إلى وجوبه" لكل من المرأة والرجل، "وهو مقتضى قول سحنون" بفتح السين وضمها "من" أئمة "المالكية" واسمه عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني لقب باسم طائر حديد الذهن ببلاد المغرب، لكونه كان كذلك، ولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة، وتلمذ لابن القاسم وغيره وصنف المدونة التي عليها العمل ومات في رجب سنة أربعين ومائتين.
"وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء" وهو مذهب أحمد، وعنه الوجوب فيهما، وعن أبي حنيفة: واجب ليس بفرض، وعنه أيضًا: سنة يأثم بتركه، وعن الحسن: الترخيص فيه.стр. 239
واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء". رواه أحمد في مسنده والبيهقي.
وأجاب من أوجبه بأن ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب، بل المراد الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] وثبت في.......................
الحواشي
(١) "واحتج من قال: إنه سنة، بحديث أبي المليح" بفتح الميم وكسر اللام وتحتية وحاء مهملة عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد "بن أسامة" التابعي عن أبيه، وابن عمر وجابر وأنس وعائشة وبريدة وغيرهم، وعنه أبو قلابة وقتادة وأيوب وخلق، وثقه أبو زرعة وغيره، وروى له الستة، مات سنة ثمان وتسعين أو أربع ومائة، أو اثنتي عشرة ومائة، أقوال:
"عن أبيه" أسامة بن عمير بن عامر الهذلي البصري، صحابي تفرد بالرواية عنه ولده، أخرج له أصحاب السنن الأربعة "أن النبي ﷺ قال: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء" أي: إنه في حقهن دونه في حق الرجال فهو فيهم متأكد، "رواه أحمد في مسنده والبيهقي" وفي مسنده الحجاج بن أرطاة ضعيف لكن له شواهد، فرواه الطبراني في كبيره من حديث شداد بن أوس، وابن عباس، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن عباس من وجه آخر، والبيهقي أيضًا عن أبي أيوب، فالحدث حسن، فقامت به الحجة.
"وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا" في هذا الحديث "خلاف الواجب، بل المراد الطريقة" زاعمين أن ذلك المراد في الأحاديث، ورد بأنه لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء، دل على أن المراد افتراق الحكم ودفعه بأنه في حق الرجال للوجوب والنساء للإباحة لما لا يسمح إذ ينبو عنه اللفظ على أنه قد ورد إطلاق السنة على خلاف الواجب في أحاديث كثيرة؛ كقوله ﷺ : "إن الله افترض رمضان وسننت لكم قيامه". رواه النسائي والبيهقي. وقوله ﷺ : "ثلاث هن علي فرائض ولكنه سنة: الوتر والسواك وقيام الليل". فهذا الحديث من جملتها والتبادر آية الحقيقة، ويقويه خبر الصحيحين وغيرهما مرفوعًا: "خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". فإن انتظامه مع هذه الخصال التي ليست واجبة إلا عند بعض من شذ يفيد أن الختان ليس بواجب، إذ المراد بالفطرة بالكسر: السنة، بدليل بقية الحديث وحمله على الوجوب في الختان والسنة في باقيه تحكم بلا دليل.
"واحتجوا على وجوبه، بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] والأمر للوجوب، ومن ملته الختان، "و" ذلك لأنه "ثبت فيстр. 240
الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم..........................
الحواشي
(١) الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اختن" بهمزة وصل "إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة". وعند مالك في الموطأ والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان عن أبي هريرة موقوفًا، وابن السماك وابن حبان أيضا عنه مرفوعًا: "وهو ابن مائة وعشرين"، وزادوا: "وعاش بعد ذلك ثمانين سنة"، وأعل بأن عمره مائة وعشرون, ورد بأنه مثله عند ابن أبي شيبة وابن سعد والحاكم والبيهقي وصححاه، وأبي الشيخ في العقيقة من وجه آخر، وزادوا أيضًا: "وعاش بعد ذلك ثمانين" فعلى هذا عاش مائتين. قال الحافظ في الفتح وتبعه السيوطي: وجمع بعضهم بأن الأول حسب من منذ نبوته، والثاني حسب من مولده، انتهى. ونحوه قال الحافظ في موضع آخر: يجمع بأن المراد بقوله: وهو ابن ثمانين من وقت فراق قومه وهجرته من العراق إلى الشام، وقوله: وهو ابن مائة وعشرين، أي: من مولده، وبأن بعض الرواة رأى مائة وعشرين، فظنها إلا عشرين أو عكسه، انتهى.
والأول أولى، إذ الثاني توهيم للرواة بلا داعية مع أن الجمع أمكن بدون توهيمهم، وأم الجمع بأنه عاش ثمانين غير مختون، وعشرين ومائة مختونًا؛ فرده ابن القيم بأنه قال: أختتن وهو ابن مائة وعشرين، ولم يقل: لمائة وعشرين، وبينهما فرق.
"بالقدوم" بالتخفيف عند أكثر رواة البخاري. وقال النووي ولم يختلف فيه رواة مسلم اسم آلة البخار، يعني: الفأس؛ كما في رواية ابن عساكر، ورواه الأصيلي والقابسي بالتشديد وأنكره يعقوب بن شيبة، وقيل: ليس المراد الآلة بل المكان الذي وقع فيه الختان، وهو أيضًا بالتخفيف والتشديد قرية بالشام، والأكثر على أنه بالتخفيف، وإرادة الآلة؛ كما قاله يحيى بن سعيد أحد رواته وأنكر النضر بن شميل الموضع ورجحه البيهقي والقرطبي والزركشي والحافظ مستدلا بحديث أبي يعلى: "أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه، فأوحى الله إليه: عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك"، انتهى. وذكر الحافظ أبو نعيم نحوه، وقال: قد يتفق الأمران فيكون قد اختتن بالآلة وفي الموضع، انتهى هذا.
والاستدلال بما ذكر على وجوب الختان لا يصح؛ لأن معنى الآية كما ذكر البيضاوي والرازي وغيرهما؛ أن اتبع ملة إبراهيم في التوحيد والدعوة إليه برفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى، والمجادلة، مع كل أحد بحسب فهمه، أي: لا في تفاصيل أحكام الفروع وإلا لم يكن صاحب شرع مستقل بل داعيًا إلى شرع إبراهيم كأنبياء بني إسرائيل، فإنهم كانوا داعين إلى شرع موسى، وهذا خلاف الإجماع على أنهم قد وقعوا بهذا الاستدلال في محذور، وهو أنهم لا يرونстр. 241
وبما روى أبو داود من قوله ﵊ للرجل الذي أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن".
واحتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، ويمنع صحة الصلاة، فيجب إزالتها.
وقال الفخر الرازي: "الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية،
الحواشي
(١) أن شرع من قبلنا شرع لنا، وإن ورد في شرعنا ما يقرره ولا يرد هذا على مالك القائل به ما لم يرد ناسخ؛ لأنه ليس معنى الآية، كما علمت. وعلى التنزل لو سلمنا أنه من شمولها، فالأمر فيه لغير الوجوب، بدليل الحديث الناطق بالنسبة.
"و" احتجوا أيضًا "بما روى أبو داود" وأحمد والواقدي "من قوله ﵊ للرجل الذي أسلم" وهو كليب الحضرمي أو الجهني: "ألق" ندبًا "عنك شعر الكفر" أزله بحلق أو غيره كقص ونورة من رأس وشارب وإبط وعانة، "واختتن" بالواو، وفي رواية: "ثم بدلها" روى الإمام أحمد وأبو داود عن ابن جريج، قال: أخبرت عن عثيم، وهو مصغر عثمان بن كثير بن كليب عن أبيه عن جده، أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: قد أسلمت، فقال: "ألق عنك شعر الكفر واختتن". فأفاد الأمر الوجوب؛ لأنه الأصل فيه، والجواب: أن سنده ضعيف، صرح به الحافظ وقال الذهبي: منقطع، وقال ابن القطان: عثيم وأبوه مجهولان فلا حجة فيه، وعلى فرض حجته فليس الأمر للوجوب للحديث الناطق بالسنية؛ ولأن أوله محمول على الندب، بلا ريب.
"واحتج القفال لوجوبه بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة ويمنع صحة الصلاة، فتجب إزالتها" وهذا ممنوع مع قصوره على ختان الرجل دون المرأة، "وقال الفخر الرازي: الحكمة في الختان" سواء قلنا: بوجوبه أو سنيته "أن الحشفة قوية الحبس، فما دامت مستورة بالقلفة تقوي اللذة" أي: لذة الجماع، "عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة" وهذا يخالفه ما مر عن الخيضري: أن القلفة تمنع كمال اللذة، إلا أن يريد على بعد ما يدركه المجامع من اللذة بالفعل، ويراد بها عند الفخر قوة الشهرة المقتضية لإطالة الفعل، وكأنه لعدم ملاقاة حشفة محل الجماع يتأخر الإنزال، "وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعًا لها، كما تفعل المانوية" من تحريم النكاح وهو قطع لها، وهم أصحاب ماني بن فاتك الزنديق الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى ﵇، وادعى النبوة وأن للعالم أصلين النور فذلك إفراط وإبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان". انتهى.
وإذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا، لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت حيث قبض رسول الله ﷺ قال: "وأنا يؤمئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك". وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ، والله أعلم.стр. 242
وقد اختلف في عام ولادته ﷺ :
فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس...................
الحواشي
(١) خالق الخير، والظلمة خالق الشر، وأنهما قديمان حيان دراكان، فقيل سابور قوله: فلما ملك بهران بن هرمز بن سابور سلخه وحشا جلده تبنًا وقتل أصحابه، وبعضهم هرب إلى الصين، وقد أجاد أبو الطيب في قوله:
وكم لظلام الليل عندي من يد
تخبر أن المانوية تكذب
"فذلك" أي: فعل المانوية "إفراط" إسراف ومجاوزة حد، "وإبقاء القلفة تفريط" تضييع وتقصير، "فالعدل" فالوسط بينهما، "الختان، انتهى" كلام الرازي.
"وإذ قلنا بوجوب الختان فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا" يعني الشافعية ويندب عندهم في اليوم السابع بعد يوم الولادة "لما روى البخاري في صحيحه" من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد "عن ابن عباس أنه سئل مثل" بكسر الميم وسكون المثلثة "من أنت حين قبض رسول الله ﷺ ؟ قال: وأنا يومئذ مختون" قال أبو إسحاق: أو إسرائيل أو من دونه، "وقد كانوا لا يختنون" بفتح التحتية وكسر الفوقية؛ كما اقتصر عليه المصنف، وظاهره: أن الرواية وإن جاز ضم الفوقية لغة، أي: كانت عادتهم لا يختنون "حتى يدرك" الحلم، فأفاد نفي الختان قبله، إذ لو طلب قبله لما أطبقوا على تركه قبل البلوغ، قال السخاوي في البستان والمحفوظ الصحيح أن ابن عباس ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، فتكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، انتهى.
"وقال بعض أصحابنا: يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ" مقابل لما قدم أنه الصحيح "والله أعلم" بحقيقة الحكم فيه، "وقد اختلف في عام ولادته ﷺ ، فالأكثرون" من العلماء "على أنه ولد عام الفيل، وبه قال ابن عباس" على المحفوظ عنه، ووقع عند البيهقي والحاكم عن ابن عباس، قال: ولد ﷺ يوم الفيل، لكن المراد مطلق الوقتстр. 243
ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه وقال: كل قول يخالفه وهم.
والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة.
وقيل: بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في آخرين.
وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يومًا.
وقيل: بعد الفيل بعشر سنين وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: وغير ذلك.
والمشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت....................
الحواشي
(١) لقول يحيى بن معين يعني عام الفيل انتهى كما يقال يوم الفتح ويوم بدر، ويحتمل حقيقة اليوم فهو أخص من الأول وبه صرح ابن حبان في تاريخه، فقال ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله فيه الطير الأبابيل على أصحاب الفيل، ذكره الحافظ في شرح الدرر.
"ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه" كابن الجوزي، حيث قال في الصفوة: اتفقوا على أنه ولد عام الفيل، وكذا ابن الجزار، "وقال: كل قول يخالفه" فهو "وهم" بفتح الهاء، أي: غلط، لكن قال مغلطاي: فيه نظر، يعني: لكثرة الخلاف وعلى الأول اختلفوا فيما مضى من ذلك العام. "والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يومًا، وإليه ذهب السهيلي في جماعة" أي: معهم، "وقيل بعده بخمسة وخمسين يومًا، وحكاه الدمياطي في" أي: مع "آخرين" منهم أبو جعفر محمد بن علي، قال: ولد ﷺ يوم الاثنين لعشر خلون من ربيع الأول، وكان قدوم الفيل للنصف من المحرم، فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وفي العيون ذكر الخوارزمي وغيره: أن قدوم الفيل مكة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم، وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة. "وقيل" ولد بعده "بشهر" واحد، "وقيل: بأربعين يومًا" حكاهما مغلطاي واليعمري، "وقيل": بل ولد "بعد" عام "الفيل" واختلفوا في مدته، فقيل: بعده بسنتين، وقيل: بعد الفيل "بعشر سنين".
قال مغلطاي: يروى هذا القول عن الزهري، ولا يصح. "وقيل" بل ولد "قبل الفيل" لا بعده "بخمس عشرة سنة" وسيأتي رده "وقيل غير ذلك" فقيل: بعده بثلاثين عامًا، وقيل: بأربعين عامًا، وقيل: بسبعين عامًا، وقيل: بثلاثة وعشرين عامًا، حكاها كلها مغلطاي، ثم رد المصنف القول بأنه ولد قبل الفيل، بقوله: "والمشهور: أنه ولد بعد الفيل" لا قبله؛ "لأن قصة الفيل كانتстр. 244
توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا فأصحاب الفيل -كما قاله ابن القيم- كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عباد، أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرًا لا صنع للبشر فيه، إرهاصًا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام.
واختلف أيضا في الشهر الذي ولد فيه.
والمشهور: أنه ولد في شهر ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء، ونقل ابن الجوزي الاتفاق عليه.
وفيه نظر؛ فقد قيل في صفر، وقيل في ربيع الآخر.
وقيل: في رجب، ولا يصح.
وقيل: في شهر رمضان................................
الحواشي
(١) توطئة" تمهيدًا "لنبوته وتقدمه لظهوره" لوجوده "وبعثته" وقد وجد قبل وجوده خوارق كثيرة؛ ككثرة الهواتف، وأخبار الأحبار والكهان، فلا يرد ما قيل الإرهاص إنما يكون بما يوجد بعد مولده وقيل البعثة، إما لأن التعبير بالإرهاص مجاز، وإما لمنع تخصيص الإرهاص بما بعد الوجود، بل هو شامل لكل ما تقدمه البعث من خوارق قبل وجوده أم بعده. "وإلا" يكن توطئة له بل لشرف أهل مكة كان القياس العكس، "فأصحاب الفيل" أي: القوم الذين جاءوا به.
"كما قال ابن القيم: كانوا نصارى أهل كتاب" وهو الإنجيل "وكان دينهم خيرًا من دين أهل مكة إذ ذاك" ألم تر أنه ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء؛ كما في الصحيح "لأنهم كانوا عباد أوثان" أصنام لا كتاب لهم، "فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب" مع كونهم خيرًا منهم "نصرًا لا صنع للبشر فيه إرهاصًا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج" وجد "من مكة، وتعظيمًا للبلد الحرام" لا لما كان عليه أهله "واختلف أيضًا في الشهر الذي ولد فيه" أهو ربيع أم غيره؟ "والمشهور: أنه ولد في ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء" بضم الجيم معظمهم وجلهم، ونقل التلمساني فتح الجيم أيضًا وأتى به بعد المشهور؛ لأن مجرد الشهرة لا تستلزم كثرة القائل لجواز أن يشتهر عن واحد مع مخالفة غيره له أو سكوته عنه.
ونقل" العلامة الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن "ابن الجوزي الاتفاق عليه" فقال في الصفوة: اتفقوا على أنه ﷺ ولد بمكة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول عام الفيل، "وفيه" أي: نقل الاتفاق "نظر، فقد قيل: في صفر، وقيل: في ربيع الآخر" حكاهما مغلطاي وغيره، "وقيل: في رجب، ولا يصح" هذا القول، "وقيل: في شهر رمضان" حكاه اليعمري ومغلطاي.стр. 245
وروي عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به في أيام التشريق.
وأغرب من قال: ولد في عاشوراء.
وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر:
فقيل إنه غير معين، إنما ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين، والجمهور على أنه يوم معين.
فقيل: لليلتين خلتا منه.
وقيل: لثمان خلت منه، قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم......................
الحواشي
(١) "وروي" هذا القول بأنه في شهر رمضان "عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به أيام التشريق" هي ثلاثة أو يومان بعد يوم النحر، سميت بذلك لأنهم يشرقون، أي: يقطعون فيها لحوم الأضاحي أو لصلاة العيد بعد وقت شروق الشمس، يعني: يوافقه على أن الحمل تسعة أشهر.
"وأغرب من قال" جاء بقول غريب لا يعرف، "ولد في يوم عاشوراء" فشهر الولادة المحرم، وحكاه مغلطاي فحصل في شهر الولادة ستة أقوال، "وكذا اختلف أيضًا في أي يوم من الشهر" ولد، "فقيل: إنه" أي: اليوم الذي ولد فيه "غير معين" بأنه آخر الشهر أو غيره، "إنما" ثبت عند صاحب هذا الفيل أنه "ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين" لكونه ثانية أو ثامنة أو غيرهما، "والجمهور على أنه معين" لكن اختلفوا في تعيينه، "فقيل" ولد "لليلتين خلتا منه" من ربيع الأول؛ فيوم ولادته ثانيه، وبه صدر مغلطاي "وقيل: لثمان خلت منه".
"قال الشيخ قطب الدين" أبو بكر محمد بن أحمد بن علي المصري "القسطلاني" الشافعي، جمع بين العلم والعمل وألف في الحديث والتصوف وتاريخ مصر، ولد بمصر سنة أربع عشرة وستمائة، ومات في محرم سنة ست وثمانين وستمائة نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية؛ كما قال هو ﵀ في تاريخ مصر، ونقله عنه ابن فرحون في الديباج في ترجمة أحمد بن علي المصري المالكي المعروف بابن القسطلاني ولم يضبطه، وقال القطب الحلبي في تاريخه: كأنه منسوب إلى قسطلينة بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، انتهى، وبعضهم ضبطه بفتح القاف وشد اللام، "وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم"стр. 246
وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدي، وشيخه ابن حزم، وحكى القضاعي في "عيون المعارف" إجماع أهل الزيج عليه، ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، وكان عارفًا..............................
الحواشي
(١) النوفلي "وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن" يعني التاريخ "واختاره" الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد الأزدي "الحميدي" بضم الحاء مصغرا نسبة لجده الأعلى حميد المذكور الأندلسي الظاهري من كبار تلامذة ابن حزم صاحب الجمع بين الصحيحين فريد عصره علمًا غزيرًا وفضلا ونبلا وحفظًا وورعًا، الثبت الإمام في الحديث والفقه والأدب والعربية والترسل عن الخطيب وطبقته وسمع بالأندلس ومصر والشام والعراق والحجاز، وعنه ابن ماكولا وغيره مات سنة ثمان وثمانين وأربعمائة ومن نظمه، كما قال شيخ الإسلام:
لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
"وشيخه" الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد "بن حزم" الأموي مولاهم اليزيدي القرطبي الظاهري الإمام العلامة الزاهد الورع له المنتهى في الذكاء والحفظ مع توسعه في علوم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار، توفي سنة سبع وخمسين وأربعائة، "وحكى القضاعي" بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة نسبة إلى قاضعة شعب من معد أو من اليمن، أو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر الفقيه الشافعي قاضي مصر صاحب الشهاب والخطط وغيرهما، روى عنه الخطيب البغدادي، قال ابن ماكولا: كان متفننًا في عدة علوم، توفي بمصر ليلة الخميس سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
"في عيون المعارف إجماع أهل الزيج" بزاي مكسورة فتحتية ساكنة فجيم، أي: الميقات، "عليه" وهو لغة خيط البناء ثم نقل وجعل لقب العمل الميقات لقولهم علا الخيط في أخذ استواء النجوم القاموس الزيج خيط البناء معرب ومقتضاه فتح الزاي؛ لأنه إذا أطلق أراد الفتح إلا فيما اشتهر بخلافه؛ كما قال في خطبته وقد ضبطه بعضهم بكسرها فلعله مما اشتهر، "ورواه" الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب القرشي، "الزهري" المدني أحد الأعلام نزيل الشام التابعي الصغير المتفق على إمامته وحفظه وإتقانه وفقهه الموصوف بأنه جمع علم جميع التابعين، القائل: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيه المتوفى سابع عشر شهر رمضان سنة خمس أو ثلاث أو أربع وعشرين ومائة عن اثنتين وتسعين سنة، "عن محمد بن جبير بن مطعم" النوفلي الثقة أحد رجال الستة المتوفى على رأس المائة، "وكان" محمد "عارفًاстр. 247
بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه جبير.
وقيل لعشر، وقيل لاثني عشر، وعليه عمل أهل مكة في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان عشرة، وقيل لثمان بقين منه.
وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية.
والمشهور: أنه ولد "يوم الاثنين" ثاني عشر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.
وإنما كان في شهر ربيع الأول على الصحيح ولم يكن في المحرم، ولا في رجب، ولا في رمضان، ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه ﵊ لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن........................
الحواشي
(١) بالنسب وأيام العرب" وقائعهم وسيرهم، فيدل على قوة هذا القول وترجيحه ومعرفة ذلك مما به يتفاخرون "أخذ ذلك" الذي عرفه من النسب وأيام العرب "عن أبيه جبير" بضم الجيم مصغر بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي الصحابي العارف بالأنساب المتوفى سنة ثمان أو تسع وخمسين، "وقيل: لعشر" مضين من ربيع، حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، "وقيل" ولد "لاثني عشر" من ربيع الأول "وعليه عمل أهل مكة" قديمًا وحديثًا، "في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت" أي: ثاني عشر ربيع "وقيل: لسبع عشرة" ليلة خلت من ربيع، "وقيل: لثمان عشرة" بفتح النون ويجوز كسرها؛ كما في الهمع والتوضيح واقتصر المصباح على الفتح حذف الياء كما هنا، وهو لغة أما مع ثبوتها في اللغة الأخرى فتسكن وتفتح وهو أفصح، "وقيل: لثمان بقين منه، وقيل: إن هذين القولين" الأخيرين "غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية" فتحصل في تعيين اليوم سبعة أقوال، "والمشهور أنه" ﷺ "ولد يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول"، وهو القول الثالث في كلام المصنف، "وهو قول" محمد "بن إسحاق" بن يسار إمام المغازي، "و" قول "غيره" قال ابن كثير: وهو المشهور عند الجمهور، وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع وهو الذي عليه العمل، "وإنما كان" مولده "في شهر ربيع" الأول "على الصحيح" من الأقوال "ولم يكن في المحرم، ولا في رجب" بالصرف، ولو أريد به معين، ففي المصباح: رجب من الشهور مصروف، "ولا رمضان ولا غيرها من الأشهر ذوات الشرف" كبقية الأشهر الحرم وليلة نصف شعبان؛ "لأنه" كما ذكر ابن الحاج في المدخل "﵊ لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به؛ كالأماكن" لا يتشرف بها ومن ثم لم يولد في جوف الكعبة، وإنما الأماكن تتشرف به؛ كالمدينة تشرفت به حتىстр. 248
فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده ﵇ في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه.
وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم ﵇ خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين -المخلوق فيه آدم- من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكرامًا لنبيه ﵊ بالتخفيف عن أمته......................
الحواشي
(١) صارت أفضل من مكة عند كثيرين وصار فيها بقعة روضة من رياض الجنة، وأخرى خير البقاع بإجماع، "فلو ولد في شهر من الشهور المذكورة لتوهم أنه تشرف به، فجعل الله تعالى مولده ﵇ في غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه" وهذا وجه كونه لم يولد في تلك الأشهر وحكمة كونه في شهر ربيع ما في شرعه من شبه زمن الربيع، فإنه أعدل الفصول وشرعه أعدل الشرائع، ولأن في ظهوره فيه إشارة لمن تفطن لها بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع؛ لأن فيه تفاؤلا حسنًا ببشارة أمته، فالربيع تنشق الأرض عما في بطنها من نعم الله، ومولده في ربيع إشارة ظاهرة إلى التنويه بعظيم قدره، وأنه رحمة للعالمين، وقد قال أبو عبد الرحمن الصقلي: لكل إنسان من اسمه نصيب، هذا حاصل ما ذكر ابن الحاج.
"وإذا كان يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم ﵇، خض بساعة" في تعيينها أقوال كثيرة، "لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرًا، إلا أعطاه إياه" وأخرج بالخير غيره، وفي رواية أحمد: "ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم"، "فما بالك بالساعة التي ولد فيها سيد المرسلين" وهي في يوم الاثنين، وأقرب ما قيل: إنها في أوله فينبغي الاجتهاد فيها رجاء مصادفتها لكن المصنف في عهدة أن فيه ساعة كساعة يوم الجمعة؛ لأنه إن أراد أن ذلك اليوم ومثله إلى يوم القيامة كساعة يوم الجمعة أو أفضل، فدليله هذا لا ينتج ذلك، وإن أراد عين تلك الساعة فساعة الجمعة لم تكن موجودة حينئذ، وإنما جاء تفضيلها في الأحاديث الصحيحة بعد ذلك بمدة، فلم يمكن اجتماعهما حتى يفاضل بينهما وتلك انقضت وهذه باقية إلى اليوم، وقد نص الشارع عليها ولم يتعرض لساعة مولده ولا لأمثالها، فوجب علينا الاقتصار على ما جاءنا عنه ولا نبتدع شيئًا من عند نفوسنا القاصرة عن إدراكه، إلا بتوقيف.
"ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين يوم مولده" بالجر بدل "﵇ من التكليف بالعبادات ما جعل في يوم الجمعة المخلوق فيه آدم من" صلاة "الجمعة والخطبة وغير ذلك" من نحو الغسل وحلق العانة، "إكرامًا لنبيه ﵊ بالتخفيف عن أمتهстр. 249
بسبب عناية وجوده قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ومن جملة ذلك: عدم التكليف.
واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه.
والمشهور أنه يوم الاثنين، فعن أبي قتادة الأنصاري: أنه ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة". رواه مسلم، وهذا يدل على أنه ﷺ ولد نهارًا.
وفي المسند، عن ابن عباس قال: ولد ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم.............................
الحواشي
(١) بسبب عناية وجوده، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] مؤمنهم وكافرهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، "ومن جملة ذلك عدم التكليف" وأبدى ابن الحاج حكمة تخصيصه بيوم الاثنين وهي خلق الأشجار فيه ومنها أرزاق العباد وأقواتهم، فوجوده فيه قرة عين بسبب ما وجد من الخير العظيم لأمته، "واختلف أيضًا في الوقت الذي ولد فيه" أهو الليل أم النهار؟ "والمشهور: أنه يوم الاثنين" كما مر، فأفاد أنه بالنهار "فعن أبي قتادة الأنصاري" الخزرجي السلمي المدني ارس رسول الله ﷺ حضر سائر المشاهد إلا بدرًا، ففيه خلف وليس في الصحابة من يكنى بكنيته غيره، واسمه الحارث بن ربعي بكسر الراء أو النعمان بن ربعي أو النعمان بن عمرو، وبالأول جزم في التبصير، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، أو أربع وخمسين عن سبعين سنة، "أنه ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: "ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت علي فيه النبوة" أي: أنه أول يوم أوحي إلي فيه "رواه مسلم" من طريق شعبة عن غيلان، عن عبد الله بن معبد، عن أبي قتادة في حديث طويل، وفيه ما لفظه، وسئل عن صوم يوم الاثنين، قال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل علي فيه"، فالمصنف نقله بمعناه ويقع في بعض نسخ المواهب عن قتادة بحذف أبي وهو تحريف، فالذي في مسلم عن أبي قتادة، كما رأيت وقتادة هو ابن النعمان الأوسي صحابي آخر. "وهذا" الحديث "يدل" صريحًا "على أنه ﷺ ولد نهارًا" لقوله: "ذاك يوم ولدت فيه".
"و" روى أحمد "في المسند عن ابن عباس، قال: ولد ﷺ يوم الاثنين، واستنبئ" أي: نبئ فالسين للتأكيد، "يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ورفع ﷺ "الحجر" الأسود إلى موضعه فوضعه فيه بيده المباركة "يومстр. 250
الاثنين. انتهى.
وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الاثنين.
وقد روي أنه ولد "يوم الاثنين" عند طلوع الفجر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصا، من أهل الشام، وكان.......................
الحواشي
(١) الاثنين" حين بنت قريش الكعبة سنة خمس وثلاثين من مولده ﷺ ، واختصموا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه حتى أعدوا للقتال، ثم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا، قال ابن إسحاق: فزعم أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة، وكان أسنهم يومئذ، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم، فكان ﷺ أول داخل، فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: "هلم إلي ثوبًا" فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا"، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ﷺ ، "انتهى" ما في المسند، وفيه إرسال صحابي؛ لأنه لم يدرك ذلك وكان في الهجرة ابن ثلاث سنين؛ كما مر.
"وكذا فتح مكة" عند بعضهم، والمعروف ما رواه البيهقي أنه كان يوم الجمعة واقتصر عليه المصنف في غزوة الفتح، "ونزول سورة المائدة" أي قوله فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، الآية، كان ذلك "يوم الاثنين" ففي بعض الطرق عند ابن عساكر وأنزلت سورة المائدة يوم الاثنين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وكانت وقعة بدر يوم الاثنين، قال ابن عساكر: المحفوظ أن وقعة بدر ونزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، يوم الجمعة. "وقد روي: أنه ﷺ ولد عند طلوع الفجر" من يوم الاثنين "فعن عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل القرشي السهمي، قال النووي: الجمهور على كتابة العاصي بالياء، وهو الصحيح عند أهل العربية ويقع في كثير من كتب الحديث وغيرها بحذف الياء، وهي لغة قرئ بها في السبع كالكبير المتعال والداع ونحوهما، وقال في موضع آخر: الصحيح في العاصي وابن أبي الموالي والهادي واليماني إثبات الياء، انتهى.
ومر له مزيد أول الكتاب "قال: كان بمر الظهران" موضع على مرحلة من مكة "راهب يسمى عيصا" كذا في نسخ؛ كفتح الباري: بألف منونًا سواء قلنا: إنه أعجمي أو عربي لأنه ثلاثي ساكن الوسط كنوح وهو مصروف، وفي نسخ: عيصي بالياء، وفي الشامية: عيص بلا ألف ولا ياء فهو ممنوع الصرف، "من أهل الشام" زاد في رواية ابن عساكر: آتاه الله علمًا كثيرًا،следующие страницы →