Полный текст (5 943 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
كل واحد منكم قدحًا -والقدح: سهم بغير نصل- ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا، وأخذوا قداحهم ودخلوا على هبل -اسم صنم عظيم- وكان في جوف الكعبة، وكانوا يعظمونه، ويضربون بالقداح عنه، ويستقسمون بها، أي يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح وقام يدعو الله تعالى، فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه.
فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد الله.......................................
الحواشي
(١) كل واحد منكم قدحًا" قال المصنف: "والقدح" بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملة، "سهم بغير نصل" ولفظ القاموس القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، "ثم ليكتب فيه اسمه، ثم ائتوا به، ففعلوا وأخذوا قداحهم" بكسر القاف جمع قدح ويجمع أيضًا على أقداح أقاديح؛ كما في القاموس.
"ودخلوا على هبل" بضم الهاء وفتح الموحدة فلام، "اسم صنم عظيم" من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدًا من ذهب كذا ذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام: أنه بلغه "وكان في جوف الكعبة" وكان تحته بئر يجمع فيها ما يهدى للكعبة، قاله ابن إسحاق وغيره. "وكانوا يعظمونه ويضربون بالقداح عنده" قال ابن إسحاق: كان عنده قداح سبعة كل قدح فيه كتاب قدح العقل، إذا اختلفوا من يحمله، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه، وقدح فيه لا، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا حفرها، فكانوا إذا أرادوا الختان أو النكاح أو دفن ميت أو شكوا في نسب، ذهبوا إلى هبل بمائة درهم وجزور فأعطوها الذي يضرب بها ثم ما خرج عملوا به، انتهى، ملخصًا، ففسرها كلها وأقره عبد الملك بن هشام.
وأما ابن الكلبي، فقال: مكتوب في أولها صريح والآخر ملصق، وإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح الحقوه وإن كان ملصقًا دفعوه، وقدح على الميتة، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرًا أو عملا، أتوه، فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج عملوا به، وانتهوا إليه. وفسر ضرب القداح بقوله: "ويستقسمون بها، أي: يرتضون بما يقسم لهم، ثم يضرب بها القيم الذي لها" والمعنى: كانوا يتفقون عند القيم بالرضا بما خرج، فكل من خرج اسمه على شيء رضي به، "قال: فدفع عبد المطلب إلى ذلك القيم القداح، وقام" عبد المطلب "يدعو الله تعالى" ويقول: اللهم إني نذرت لك نحر أحدهم وإني أقرع بينهم، فأصب بذلك من شئت، ثم ضرب السادن القدح "فخرج على عبد الله، وكان أحب ولده إليه، فقبض عبد المطلب على يد ولده عبد اللهстр. 177
وأخذ الشفرة ثم أقبل إلى إساف ونائلة -صنمين عند الكعبة تذبح وتنحر عندهما النسائك- فقام إليه سادة قريش فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ فقال: أوفي بنذري، فقالوا: لا ندعك أن تذبحه حتى تعذر فيه إلى ربك، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه وتكون سنة. وقالوا: له: انطلق إلى فلانة الكاهنة. قلت:
الحواشي
(١) وأخذ الشفرة" بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء، وهي السكين العظيم؛ كما في القاموس. أو العريض؛ كما في المصباح. ولا خلف "ثم أقبل إلى إساف" بكسر الهمزة وفتح المهملة مخففة، "ونائلة" بنون فألف فتحتية، "صنمين عند الكعبة" قال هشام الكلبي في كتاب الأصنام: إساف رجل من جرهم، يقال له: إساف بن يعلى ونائلة بنت زيد من جرهم، وكان يتعشقها في أرض اليمن فحجا فدخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس وخلوة من البيت ففجر بها فيه فمسخا فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها، "تذبح وتنحر عندهما النسائك، فقام إليه سادة قريش" وعند ابن إسحاق وغيره: فقامت إليه قريش في أنديتها، "فقالوا: ما تريد أن تصنع؟ " فلعل السادة هم الذين بدءوا بالقيام والقول فتبعوهم، وفي ابن إسحاق، فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر، ولا يشكل بقوله قبله: فأطاعوه؛ كقول المصنف: إنا نطيعك فمن تذبح منا؛ لأنهم وافقوه أولا ثم وافقوا قريشًا في طلب الأعذار، ووقع في الشامية أن العباس جذب عبد الله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه، فيقال: إنه شبح وجهه شبحة لم تزل فيه حتى مات. ا. هـ. ولا يصح؛ لأن العباس إنما ولد بعد هذه القصة، إلا أن يقال على بعد شاركه في اسمه غيره من بني إخوته.
"فقال: أوفي بنذري" بضم الهمزة وسكون الواو ففاء خفيفة، أو بفتح الواو وشدة الفاء، يقال: أوفى ووفى بمعنى، "فقالوا: لا ندعك تذبحه حتى تعذر" بضم فسكون من الإعذار، يقال: أعذر إذا أبدى العذر، والمراد حتى تطلب عذرًا "فيه" في ذبحه "إلى ربك" بأن تسأل الكاهنة، فإنها إن ذكرت أنه يذبح كان عذرًا عندهم، "ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه فيذبحه" فما بقاء الناس على هذا، وقال المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: وكان عبد الله بن أخت القوم، والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، هكذا في ابن إسحاق. "وتكون سنة" أي: طريقة مستمرة في قومك؛ لأنك رئيسهم فيقتدون بك "وقالوا له: انطلق إلى فلانة الكاهنة" وعند ابن إسحاق وأتباعه: وانطلق إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع من الجن وهو بتقدير مضاف، أي: أحد أرض الحجاز، فلا يخالفه قول القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف.стр. 178
قيل اسمها: قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب المبهمات، وذكر ابن إسحاق أن اسمها: سبجاج -فلعلها أن تأمرك فيه فرج لك.
فانطلقوا حتى أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة، فقالت: كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صاحبكم فزيدوا في الإبل ثم اضربوا أيضًا، هكذا حتى يرضي ربكم. ويخلص صاحبكم فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فرجع القوم إلى مكة، وقربوا عبد الله، وقربوا عشرة................
الحواشي
(١) "قيل: كان اسمها قطبة، كما ذكره الحافظ عبد الغني" بن سعيد بن علي الأزدي الإمام المتقن النسابة إمام زمانه في علم الحديث وحفظه، قال البرقاني: ما رأيت بعد الدارقطني أحفظ منه له مؤلفات منها المبهمات، ولد سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومات في سابع صفر سنة تسع وأربعمائة، "في كتاب" الغوامض و"المبهمات، وذكر ابن إسحاق" في رواية يونس عنه "أن اسمها سبجاج".
كذا في النسخ، والذي في الروض: سجساج، "فلعلها أن تأمرك بأمر فيه فرج لك" لفظ رواية ابن إسحاق: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته، "فانطلقوا حتى" قدموا المدينة فوجدوها بخيبر، فركبوا حتى "أتوها بخيبر، فقص عليها عبد المطلب القصة" فقالت لهم، كما في ابن إسحاق: ارجعوا عني حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا من عندها؛ فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله، ثم غدوا عليها "فقالت" لهم: قد جاءني الخبر "كم الدية عندكم؟ فقالوا: عشرة من الإبل، فقالت: ارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم" أي: أحضروه إلى موضع ضرب القداح "ثم قربوا عشرة من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت القداح على صابحكم فزيدوا في الإبل" عشرة أخرى، وهكذا على ما يظهر من أن الزيادة بإشارتها أو أطلقت.
وزاد عبد المطلب اجتهادًا نظرًا لأن الدية عشرة فأريد تضعيفها، "ثم اضربوا أيضًا هكذا حتى يرضى ربكم ويخلص صاحبكم، فإذا خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم" وكأنه غلب على ظنها أن القداح لا محالة تخرج على الإب مرة، فسكتت عن حكم ما لو لم تخرج عليها لعلمه عندهم، "فرجع القوم إلى مكة وقربوا عبد الله وقربوا عشرةстр. 179
من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو، فخرجت القداح على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت مائة فخرجت القداح على الإبل. فنحرت وتركت، لا يصد عنها إنسان ولا طائر ولا سبع.
ولهذا روي -على ما عند الزمخشري في الكشاف- أنه ﷺ قال: "أنا ابن الذبيحين".
وعند الحاكم في المستدرك، عن معاوية بن أبي سفيان قال: كنا عند رسول الله ﷺ ........................
الحواشي
(١) من الإبل، وقام عبد المطلب يدعو" الله تعالى "فخرجت القداح" أي: جنسها إذ الخارج في كل مرة قدح أحد "على ولده، فلم يزل يزيد عشرًا عشرًا حتى بلغت الإبل مائة، فخرجت القداح على الإبل" زاد ابن إسحاق: فقالت قريش ومن حضر: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب، فزعموا أنه قال: لا والله حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل فقام عبد المطلب يدعو فخرجت على الإبل، ثم عادوا الثانية وهو قائم يدعو فضربوا فخرجت على الإبل، ثم الثالثة وهو قائم يدعو فخرجت على الإبل،"فنحرت وتركت لا يصد عنها إنسان" ذكر أو أنثى، قال لمجد المرأة إنسان وبالهاء عامية، وسمع في شعر كأنه مولد:
لقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل
إنسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل
إذا زنت بها عيني ... من الدموع تغتسل
"ولا طائر ولا سبع" بضم الموحدة وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، قاله القاموس. وعند مغلطاي: أول من سن الدية مائة عبد المطلب، وقيل: العلمس أو سيارة. ا. هـ.
"ولهذا" الواقع في قصة عبد الله "روى على ما عند الزمخشري في الكشاف" في سورة: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: ١] ، استدلالا على أن الذبيح إسماعيل، "أنه ﷺ ، قال: "أنا ابن الذبيحين" قال الزيلعي في تخريج أحاديثه: غريب، ثم ساق حديث الأعرابي المذكور في المتن ونحوه للحافظ، فحاصل كلامهما أنهما لم يجداه بهذا اللفظ؛ كما عزاه لهما الشامي.
"وعند الحاكم في المستدرك" وابن جرير وابن مردويه والثعلبي في تفاسيرهم، "عن معاوية بن أبي سفيان" صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أمير المؤمنين أسلم هو وأبواه وأخوه يزيد في فتح مكة وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسن إسلامهما ومعاوية من الموصوفين بالحلم توفي بدمشق سنة ستين، "قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 180
فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا وخلفت المال عابسًا، هلك المال وضاع العيال، فعد علي ما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. قال: فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه. الحديث. وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا.
ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم.
وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق.
فإن صح هذا.................................
الحواشي
(١) فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله! خلفت البلاد يابسة" مجدبة لا خصب فيها، "والماء" أي: محلاته التي يصيبها "يابسًا" لعدم الماء, وفي نسخة: خلفت الكلأ يابسًا، أي: العشب وصفه باليبس لبيان صفته التي تركه عليها، فالكلأ العشب رطبًا كان أو يابسًا؛ كما في المختار، وزعم أن هذه النسخة هي التي في غيره والأولى تصحيف عجيب باطل، فالأولى هي الثابتة في المقاصد عن المستدرك، "وخلفت المال عابسًا" أي: كالحًا، أي: متغيرًا مهزولا؛ وكأنه أراد بالمال الماشية، "هلك المال وضاع العيال فعد علي" أعطني شيئًا أستعين به "مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، قال" معاوية "فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه" فأفاد أنه إسماعيل، وهذا احتج به معاوية على من قال: إنه إسحاق، فإن أول الحديث عند الحاكم عن الصنابحي: حضرنا مجلس معاوية فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: إسماعيل الذبيح، وقال بعضهم: بل إسحاق، فقال معاوية، سقطتم على الخبير، وذكره "الحديث، وتأتي تتمته إن شاء الله تعالى قريبًا" جدًا، "ويعني بالذبيحين: عبد الله وإسماعيل بن إبراهيم" كما قاله جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ورجحه جماعة، وقال أبو حاتم: إنه الصحيح، والبيضاوي: إنه الأظهر.
"وإن كان قد ذهب بعض العلماء إلى أن الذبيح إسحاق" بل عزاه ابن عطية والمحب الطبري والقرطبي للأكثرين، وأجمع عليه أهل الكتابين وقال به من الصحابة، كما قال البغوي وغيره العباس وابنه، وعمر وابنه، وعلي وجابر وهو الصحيح عن ابن مسعود، ومن التابعين: علقمة، والشعبي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وكعب الأخبار، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، والقاسم بن أبي برة، وعطاء، ومقاتل، وعبد الرحمن بن سابط، والزهري، والسدي، وعبد الله بن أبي الهذيل، والقاسم بن زيد، ومكحول، والحسن. وذهب إليه مالك واختاره ابن جرير، وجزم به عياض والسهيلي، ومال إليه السيوطي في علم التفسير.
"فإن صح هذا" في نفس الأمر وإلا فكيف لا يصح، وقد قال به من ذكر والحجة لهمстр. 181
فالعرب تجعل العم أبًا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] .
وفي حديث معاوية -الموعود بتتمته قريبًا-....................
الحواشي
(١) قوله ﷺ : "الذبيح إسحاق" رواه الدارقطني عن ابن مسعود وابن مردويه والبزار عن العباس، وفيه المبارك بن فضالة ضعفه الجمهور، لكن رواه الحاكم من طرق عن العباس، وقال: صحيح علي شرطهما. وقال الذهبي: صحيح.
ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة قال ابن كثير: وفيه الحسن بن دينار متروك، وشيخه منكر وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعًا ثم رواه عن مبارك بن فضالة موقوفًا وهو أشبه وأصح، وتعقبه السيوطي بأن مباركًا قد رفعه مرة فأخرجه البزار عنه مرفوعًا، وله شواهد عنده وعند الديلمي عن العباس مرفوعًا في حديث بلفظ: "وأما إسحاق فبذل نفسه للذبح"، والطبراني وابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعًا نحوه بسند ضعيف، وللطبراني أيضًا بسند ضعيف عن ابن مسعود: سئل ﷺ من أكرم الناس؟ قال: "يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الل"، وأخرج في الكبير عن أبي الأحوص، قال: افتخر رجل عند ابن مسعود، وفي لفظ: فاخر أسماء بن خارجة رجلا، فقال: أنا ابن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله وإسناده صحيح موقوف. ا. هـ. ملخصًا.
فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضًا، فأقل مراتب الحديث الأول أنه حسن، فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي وهو نص صريح لا يقبل التأويل بخلاف حديث معاوية فإنه قابل له.
"فالعرب تجعل العم أبا، قال الله تعالى إخبارًا عن بني يعقوب عليهم الصلاة والسلام" جمعها وإن كان فيهم غير أنبياء لجوازها تبعًا وهو استدلال على جعل العم أبا، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣، الأنعام: ١٤٤] ، حضورًا والخطاب لليهود، فإنه نزل ردًا عليهم لما قالوا للنبي ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، " ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ " [البقرة: ١٣٣] ، إذ بدل من إذ قبله: " ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ " بعد موتي، " ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ " [البقرة: ١٣٣] ، فجعل إسماعيل أبا وهو عم لأنه بمنزلته، في حمل حديث معاوية على ذلك جمعًا بين الحديثين.
وأما القول بأنهما عبد الله وهابيل فغريب، وإن نقله مغلطاي ولا يصح إلا بجعل العم أبا أيضًا، فإن المصطفى من ولد شيث "وفي حديث معاوية الموعود بتتمته قريبًا" قال: راويهстр. 182
قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم، وقالوا أرض ربك، وافد ابنك، ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول وإسماعيل الذبيح الثاني.
قال ابن القيم: "ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه".
الحواشي
(١) الصنابجي، فقلنا: وما الذبيحان؟ "قال معاوية: إن عبد المطلب لما أمر" بالبناء للمفعول "بحفر زمزم" وعير بقلة الولد "نذر لله إن سهل" الله "الأمر بها" وجاءه عشرة بنين "أن ينحر بعض ولده" أي: واحدًا منهم؛ كما مر، والأخبار يفسر بعضها ببعض، "فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه فمنعه أخواله من بني مخزوم" من ذبحه حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى يعذر فيه إلى ربه، ومر عن ابن إسحاق أن المغيرة المخزومي قال له: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه ومثله في الشامية، وليس فيه أن المخاطب له بذلك منهم؛ كما ادعي، ولا اللفظ يقتضي ذلك فنقل كلام عن واحد لا ينفي أن غيره قال مثله، حتى يزعم الحصر "وقالوا: أرض ربك" بهمزة قطع مفتوحة "وافد ابن" بهمزة وصل "ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح الأول" من أبويه ﷺ ، سماه أولا لقربه منه وأنه أبوه بلا واسطة، "وإسماعيل الذبيح الثاني" وهذا لم يرفعه معاوية، وإنما قاله استنباطًا من تبسمه ﷺ بعد قول الأعرابي: يا ابن الذبيحين، ومعلوم أن صريح المرفوع مقدم على الاستنباط، فيرد المحتمل إلى الصريح جمعًا بين الدليلين.
"قال ابن القيم: ومما يدل على أن الذبيح إسماعيل، أنه لا ريب" لا شك "أن الذبيح كان بمكة ولذلك جعلت القرابين" بفتح القاف جمع قربان بضمها، وهو ما تقرب به إلى الله،؛ كما في المختار "يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة" وكما جعل "رمي الجمار بها تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه" وقد أجيب عن هذا بقول سعيد بن جبير: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام فسار به من بيت المقدس مسيرة شهر في غدوة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة على البراق، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، قال: قال ﷺ : "إنстр. 183
ثم قال: "ولو كان الذبيح بالشام -كما يزعم أهل الكتاب، ومن تلقى عنهم- لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة".
"وأيضًا فإن الله سمى الذبيح حليمًا، لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه: عليمًا".
"وأيضًا: فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية: أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم لما سأل ربه الولد، ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه
الحواشي
(١) جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق، قال لأبيه: يا أبت، أوثقني لا أضطرب فينتضح دمي عليك إذا ذبحتني، فشده فلما أخذ الشفرة وأراد ذبحه نودي من خلفه: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا"، "ثم قال" ابن القيم: "ولو كان الذبيح بالشام، كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة" لأنه هو المحل الذي أمر فيه بذبحه على هذا القول وأنت خبير بأن هذا مع ما فيه من الظن لسوء بأكثر العلماء، وهو أنه لا سلف لهم إلا التلقي عن أهل الكتاب لا يصح دليل إذ لا تلازم، وأيضًا فالدليل ما سلمه الخصم وابن عطية، حكى قولين، أحدهما: أنه أمر بذبحه في الشام، والثاني: أنه إنما أمر بذبحه في الحجاز، فجاء به معه على البراق. ا. هـ. ومر نقله عن ابن جبير وتأييده بالمرفوع.
"وأيضًا" مما يدل على أنه إسماعيل ظاهر القرآن الكريم، "فإن الله سمى الذبيح حليمًا" في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] ، "لأنه لا أحلم ممن سلم نفسه للذبح طاعة لربه" مع كونه مراهقًا ابن ثمان سنين أو ثلاث عشرة سنة، حكاهما الجلال. "ولما ذكر إسحاق سماه عليمًا" في قوله: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] ، وقوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ، وهذا غير ظاهر، فلا ريب أن إسحاق حليم أيضًا، فأي مانع من جمعه الصفتين؟
"وأيضًا" دليل عقلي، "فإن الله تعالى أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد" بكسر الموحدة وسكون الكاف: أول ولد الأبوين، "أحب إلى الولدين ممن بعده" لكونه أول فيتمكن حبه قبل رؤية غيره، لكن لا ينافي أنه إذا حصلت مزية لمن بعده زاد بسببها حبه؛ كما أحب عبد المطلب الأب الشريف لرؤيته نور المصطفى في وجهه.
"وإبراهيم لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة" بضم الشين الغصن لغة "من قلبهстр. 184
بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره الخلة تنزعها من قلب الخليل، فأمر بذبح المحبوب، فلما قدم على ذبحه، وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود، فنسخ الأمر وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا". انتهى.
وقد أنشد بعضهم:
إن الذبيح هديت إسماعيل ... ظهر الكتاب بذاك والتنزيل
الحواشي
(١) بمحبته" فشبه القلب بشجرة استعارة بالكناية، والتعلق الحاصل به أغصانها وإثبات الغصن استعارة تخييلية، ولم يقل: تعلق قلبه بمحبته لئلا يتوهم تعلق قلبه بجملته بمحبة ولده، فلم يكن فيه محل لغيره مع أن قلبه إنما هو متعلق بربه غايته أن ثمة نوع تعلق بالولد.
"والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة" بضم الخاء وتفتح الصداقة المحضة التي لا خلل فيها؛ كذا في القاموس. "منصب" بكسر الصاد: أصل "يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك فيها" عطف تفسير "فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيره" بفتح الغين "الخلة تنزعها من قلب الخليل" ليتمحض للجليل "فأمر بذبح المحبوب" ولا ريب أن هذا يأتي على أنه إسحاق أيضًا، فلا شك أن في قلبه شعبة محبة له، غايته: أن محبة إسماعيل أكثر. "فلما قدم على ذبحه وكانت محبة الله عنده أعظم من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ" أي: حين إذ قدم على ذبحه، "من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة إذا كانت المصلحة إنما هي العزم وتوطين النفس، وقد حصل المقصود" أي: إظهاره إذ الله عالم به: "فنسخ الأمر، وفدى الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا. ا. هـ." كلام ابن القيم، وهي أدلة إقناعية.
"وأنشد بعضهم: أن الذبيح هديت إسماعيل ظهر" وفي نسخة: نطق، أي: دل "لكتاب بذاك والتنزيل" عطف صفة على موصوفها أو تفسيري؛ كأنه يشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] ، ولا حجة فيه، فقد قال ابن عباس: هي بشارته بنبوته؛ كما قال تعالى في موسى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣] ، وهو قد كان وهبه لهстр. 185
شرف به خص الإله نبينا
وأبانه التفسير والتأويل
وروي مما ذكره المعافى بن زكريا، أن عمر بن عبد العزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين، إن اليهود ليعلمون أنه إسماعيل.........................
الحواشي
(١) قبل ذلك فإنما أراد النبوة فكذلك هذه، قاله ابن عطية وغيره. وبه يعلم: أن قول العلامة التقي السبكي يؤخذ من تعدد البشارة بهما مع وصف إسحاق بأنه عليم، والذبيح بأنه حليم، القطع بأن الذبيح إسماعيل مردود، فكيف يكون قطعيًا مع فهم ترجمان القرآن "شرف به خص الإله نبينا" أي: قصره عليه لا يتجاوزه إلى غيره. "وأبانه" أظهره، وفي نسخة: وأتى به "التفسير والتأويل" عطف مساوٍ هنا.
"وروي فيما ذكره المعافى ابن زكريا" بن يحيى بن حميد الحافظ العلامة المفسر الثقة النهرواني الجريري، كان على مذهب ابن جرير مات سنة تسع وثلاثمائة، "أن عمر بن عبد العزيز" بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي الثقة، الحافظ الورع المأمون التابعي الصغير أمير المؤمنين خامس أو سادس الخلفاء الراشدين على عد مدة البسط وعدمه؛ لأنها كالتتمة لولاية أبيه.
روى أنس: وصلى أنس خلفه، وقال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى، ولي إمرة المدينة للوليد وكان مع سليمان كالوزير، ثم ولي بعده باستخلافه الخلافة سنتين وخمسة أشهر ونصفًا، فملأ الأرض عدلا ورد المظالم وزاد الخراج في زمنه، وأبدل ما كان بنو أمية تذكر به عليًا كرم الله وجهه على المنبر بآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، ومناقبه كثيرة شهيرة مات مسمومًا يوم الجمعة لعشر بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
"سأل رجلا أسلم من علماء اليهود" قال الطبري: وحسن إسلامه "أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن اليهود" بالدال مهملة ومعجمة؛ كما في القاموس، "ليعلمون أنه إسماعيل" لأن في التوراة على ما في تفسير ابن كثير: أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فحرفوا وحيده، فقالوا: إن إسحاق كان مع أبيه وحده وإسماعيل كان مع أمه بمكة، قال ابن كثير: وهذا تأويل وتحريف باطل، فلا يقال وحيدًا إلا لمن ليس له غيره. ا. هـ. وفيه نظر، ففي فتح الباري ذكر ابن إسحاق: إن هاجر لما حملت بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق فولدتا معًا، ثم نقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولديهما ثلاث عشرة سنة، والأول أولى. ا. هـ. وتبعه السيوطي.стр. 186
ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم، للفضل الذي ذكره الله عنه، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم.
فانظر أيها الخليل ما في هذه القصة من السر الجليل، وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم لذبح الولد، آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم الدين، وهذه
الحواشي
(١) "ولكنهم يحسدونكم" بضم السين، وحكى الأخفش كسرها "معشر" أي: يا جماعة "العرب" والإضافة بيانية على "أن يكون" إسماعيل "أباكم" فيتمنون زوال نسبة ذلك إليكم، ونقلها إليهم وقيل: الحسد تمني زوال نعمة الغير وإن لم تصل للحاسد وهذا أقبح ولا يعد في حمل حسدهم عليه "للفضل الذي ذكره الله عنه" كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] ، الآيتين، "فهم يجحدون ذلك" ينكرونه مع العلم به، كما هو معنى الجحد "ويزعمون أنه إسحاق" عطف تفسير؛ "لأن إسحاق أبوهم" إذ هم من أولاد يهوذا قال السمين بمعجمة وألف مقصورة غيرته العرب إلى المهملة على عادتها في التلاعب بالأسماء الأعجمية ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، وهذا المروي الذي ساقه المصنف ممرضًا، فأفاد ضعفه ذكره تقوية؛ لأنه إسماعيل. والحاصل، كما قال السيوطي: أن الخلاف فيه مشهور بين الصحابة فيمن بعدهم، ورجح كل منهما.
"فانظر أيها الخليل" الكامل في الحب والصداقة لله ورسوله "ما في هذه القصة" قصة إسماعيل مع أمه "من السر" هو لغة ما يكتم، أطلق على هذه القصة لما فيها من بدائع الحكم التي خفيت على العباد، "الجليل" بالجيم العظيم، وبين ذلك السر بقوله: "وهو أن الله تعالى يرى عباده الجبر بعد الكسر، واللطف بعد الشدة، فإنه كان عاقبة صبر هاجر" بفتح الجيم، وقد تبدل الهاء همزة اسم سرياني، وكان أبوها من ملوك القبط من قرية بمصر تسمى حفنى بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء من عمل انصنا بالبر الشرقي من الصعيد، قاله في التوشيح تبعًا لغيره.
"وابنها على البعد" عن مواطنهم التي كانوا بها وهي بيت المقدس وأرض الشام و"الوحدة" بمكة مدة, فإن إبراهيم حين أسكنهما لم يكن بها أحد "والغربة والتسليم" منها لإبراهيم بمعنى صبرها "لذبح الولد" وصبره هو بتسليم نفسه، وهذا صريح في وجود أمه حين ذلك، بل لم تمت حتى تزوج زوجة ثم أخرى، "آلت" رجعت "إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما" أي: مواضع وطئهما بأقدامهما، "مناسك لعباده المؤمنين" أي: متعبدات، فالعطف في قوله: "ومتعبدات لهم إلى يوم الدين" تفسيري "وهذه" الحالة من إرادته تعالى الجبر بعد الكسرстр. 187
سنة الله تعالى فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره، وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] .
وقد استشكل بعض الناس: أن عبد المطلب نذر نحر أحد بنيه إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره، فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب إنما ولدا بعد الوفاء بنذره، وإنما كان أولاده عشرة بهما.
قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه ﵊ اثني عشر، فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر، وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون.......................
الحواشي
(١) "سنة الله تعالى" عدته "فيمن يريد رفعته من خلقه بعد استضعافه وذله وانكساره وصبره وتلقيه القضاء بالرضا فضلا منه" متصل بقوله: هذا سنة، واستظهر عليه بقوله: قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ ، نتفضل ﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ , بإنقاذهم من البأس ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ , متقدمين في أمر الدين، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ، وقد استشكل بعض الناس أن عبد المطلب نذر نحر أي: ذبح "أحد بنيه" وفي نسخة: بعض بنيه، وأخرى: نحر بنيه وهي بتقدير مضاف، أي: أحد أو بعض "إذا بلغوا عشرة، وقد كان تزويجه هالة" من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: تزويج ولي هالة له فلا يرد أن الأولى تزوجه؛ لأن التزويج فعل الولي، أي: إيجابه النكاح والتزوج قبول الزوج.
"أم ابنه حمزة بعد وفائه بنذره" كما ذكره ابن إسحاق والعباس: ولد قبل المصطفى بثلاثة أعوام، كما يأتي. "فحمزة والعباس ولدا عبد المطلب، إنما ولدا بعد الوفاء بنذره" ولا نفهم أنهما شقيقان؛ لأنه سيذكر أن أم العباس نتلة أو نثيلة "وإنما كان أولاده عشرة بهما، قال السهيلي: ولا إشكال في هذا، فإن جماعة من العلماء قالوا: كان أعمامه ﵊ اثني عشر" التسعة السابقة والغيداق وقثم وبعد الكعبة ووالده ﷺ فأولاده شيبة الحمد ثلاثة عشر، "فإن صح هذا، فلا إشكال في الخبر" لحمل العشرة على من عدا حمزة والعباس، لكن يشكل عليه ما صرح به اليعمري: أن حمزة والمقوم وحجلا، وأراد بعضهم: والعوام من هالة المفيد وجود حمزة قبل النذر. "وإن صح قول من قال: كانوا عشرة لا يزيدون" ويقول الغيداق: وهو حجان وعبد الكعبة هو المقوم، وقثم لا وجود له؛ فالأعمام تسعة فقط، ولم يذكر ابن قتيبة ولا ابن إسحاق ولا ابن سعد غيره، فلا إشكال أيضًا.стр. 188
فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا، فكان عبد المطلب قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى بنذره.
ويقع أيضًا في بعض السير أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب. وهو غير معروف. ولعل الرواية أصغر بني أمه، وإلا فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة.
وروي عن العباس أنه قال: أذكر مولد رسول الله ﷺ وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به حتى نظرت إليه، وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك، فقبلته.
فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر؟!
ولكن رواه البكائي ولروايته وجه: وهو أن يكون أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة والعباس.
الحواشي
(١) "فالولد يقع على البنين وبنيهم حقيقة لا مجازًا وكان عبد المطلب، قد اجتمع له من ولده وولد ولده عشرة رجال حين وفى" بخفة الفاء وشدها "بنذره" وهذا أحسن لسلامته من الإشكال، "ويقع أيضًا في بعض السير" يعني: سيرة ابن إسحاق رواية ابن هشام عن البكائي عنه، وأبهمها لعدم اتفاق رواة ابن إسحاق عليها. "أن عبد الله كان أصغر بني أبيه عبد المطلب وهو" كما قال الإمام السهيلي في الروض، "غير معروف" مشهور بينهم "ولعل الرواية أصغر بني أمه وإلا" يكن كذلك لا يصح "فحمزة كان أصغر من عبد الله، والعباس أصغر من حمزة" ويأتي له الجواب أن معناه كان أصغر بني أبيه حين أراد ذبحه.
"وروي عن العباس، أنه قال: أذكر مولد رسول الله ﷺ وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها، فجيء به" بالنبي ﷺ إلي "حتى نظرت إليه وجعل النسوة يقلن لي: قبل أخاك" للتأليف على العادة بين الصغار، وإن كان ابن أخيه "فقبلته" وحيث روى هذا عن العباس "فكيف يصح أن يكون عبد الله هو الأصغر، ولكن رواه" أي: كونه أصغر بني أبيه زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري، أبو محمد الكوفي أحد رواة المغازي عن ابن إسحاق، صدوق ثبت في المغازي، أثبت الناس في ابن إسحاق.
قال الحافظ: وفي حديثه عن غيره لين، ولم يثبت أن وكيعً كذبه، روى له البخاري حديثًا واحدًا في الجهاد مقرونًا بغيره. وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، ويقال له "البكائي" بفتح الموحدة وشد الكاف وبعد الألف همزة نسبة إلى البكاء، وهو ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة؛ كما في التبصير وغيره.
قال في النور: وإنما لقب ربيعة بالبكاء؛ لأنه دخل على أمه وهي تحت أبيه فبكى وصاحстр. 189
" ذكر تزوج عبد الله آمنة ":
ولما انصرف عبد الله مع أبيه من نحر الإبل، مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة، واسمها قتيلة -بضم القاف وفتح المثناة الفوقية- ويقال رقيقة بنت نوفل، فقالت له حين نظرت إلى وجهه، وكان أحسن رجل رئي في قريش: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع عليّ الآن، لما رأت في وجهه من نور النبوة، ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم ﷺ .............................
الحواشي
(١) وقال: إنه يقتل أمي "ولروايته وجه وهو أن يكون" عبد الله "أصغر ولد أبيه حين أراد نحره، ثم ولد له بعد ذلك حمزة" من هالة "والعباس" من نثلة أو نثيلة، قال الخميس: وهذا أيضًا على تقدير أن أولاد عبد المطلب اثنا عشر. ا. هـ. أي: فتكون أعمامه حين أراد نحره تسعة وأبوه عاشرهم. وقد سبق السهيلي إلى ذا الجمع أبو ذر الخشني، فقال له قوله: أصغر بني أبيه، يعني في ذلك الوقت. قال شيخنا: وهو لا يأتي على أن الأعمام اثنا عشر، فأولاده ثلاثة عشر، فالموجودون حينئذ أحد عشرة لا عشرة، إلا أن يكون المراد دفع النقص عن العشرة، فلا ينافي ولادة واحد بعدهم غير حمزة والعباس.
ذكر تزوج عبد الله آمنة:
"ولما انصرف" أي: فرغ "عبد الله مع أبيه من نحر الإبل مر على امرأة من بني أسد بن عبد العزى، وهي عند الكعبة واسمها" فيما صدر به مغلطاي "قتيلة بضم القاف وفتح المثناة الفوقية" فتحتية ساكنة فلام فهاء تأنيث، "ويقال" اسمها "رقيقة بنت نوفل" صدر به السهيلي، قال: وهي أخت ورقة بنت نوفل وتكنى أم قتال، وبهذه الكنية ذكرها ابن إسحاق في رواية يونس. قال في العيون: وكانت تسمع من أخيها أنه كائن في هذه الأمة نبي "فقالت له حين نظرت إلى وجهه" وفيه نور المصطفى، وظنت أن النبي الكائن في هذه الأمة منه، "وكان أحسن رجل رئي" بكسر الراء ثم همزة مفتوحة ويجوز ضم الراء وكسر الهمزة ثم ياء، أي: شوهد "في قريش" أدفع "لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن" أي: جامعني، ولعله كان من شرعهم أن المرأة تزوج نفسها بلا ولي وشهود؛ لأنها لم تكن زانية ولا مريدة له بل كانت عفيفة. قالت ذلك "لما رأت في وجهه من نور النبوة ورجت أن تحمل بهذا النبي الكريم ﷺ " فأبى الله أنстр. 190
فقال لها: أنا مع أبي، ولا أستطيع خلافه ولا فراقه، وقيل: أجابها بقوله:
أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب بابنه عبد الله ليزوجه، مر به على كاهنة من تبالة متهودة قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر..............................
الحواشي
(١) يجعله إلا حيث شاء، "فقال لها: أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه" ولو لم أكن معه لوقعت عليك لوجه جائز كتزوجي بك أو مراده دفع كلامها، وإن لم يرد البغي بها ولا هم بها فلا يفهم أن المانع له مجرد كونه مع أبيه، "وقيل: أجابها بقوله: أما الحرام فالممات" وأنشده السهيلي بلفظ فالحمام "دونه" ومعرفته كالحلال مما بقي عندهم من شرائع إبراهيم؛ كغسل الجنابة والحج، فلا يرد أنهم كانوا في جاهلية لا يعرفون حلالا ولا حرامًا.
"والحل لا حل" موجود لعدم تزوجي بك "فأستبينه" بالنصب في جواب النفي، أي: أطلب ظهوره وأعمل بمقتضاه، "فكيف بالأمر الذي تبغينه" أي: تطلبينه لا يكون ذلك، فاستعمل كيف بمعنى النفي وهو أحد مواقعها، "يحمي الكريم عرضه" هي أموره كلها التي يحمد بها ويذم من نفسه وأسلافه وكل ما لحقه نقص يعيبه خلافًا لابن قتيبة في قوله: عرض الإنسان هو نفسه لا أسلافه؛ لأن حسان ذكر عرض وأسلافه بالعطف في قوله:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
"ودينه" يصونهما فلا يفعل شيئًا يدنسهما، "وعند أبي نعيم والخرائطي وابن عساكر، من طريق عطاء" ابن أبي رباح أسلم الجمحي مولاهم المكي أبي محمد التابعي الوسط الحافظ الثقة العالم الفقيه إليه انتهت فتوى أهل مكة وكان أسود أفطس أشل أعرج أعور، ثم عمي وشرفه الله بالفقه وكثرة الحديث وإدراك مائتين من الصحابة، قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تسألوني وفيكم ابن أبي رباح، مات سنة إحدى أو خمس أو سبع ومائة.
"عن ابن عباس: لما خرج عبد المطلب" من مكة بعد نحر الإبل على ظاهر سياق المصنف، "بابنه عبد الله ليزوجه مر به على كاهنة من تبالة" بفتح الفوقية فموحدة خفيفة وألف فلام مفتوحة فتاء تأنيث: موضع باليمن وآخر بالطائف، فيحتمل إرادته هذه وإرادة تلك، قاله البرهان وتبعه الشامي في الضبط، وجزم بأنه موضع باليمن وضبط بعضهم تبالة بضم التاء، سبق قلم، "متهودة" متمسكة بدين اليهود، "قد قرأت الكتب، يقال لها: فاطمة بنت مر" بضم الميمстр. 191
الخثعمية، فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقالت له ... وذكر نحوه.
ثم خرج به عبد المطلب، حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة -وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا- فزوجه ابنته آمنة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا.
فزعموا: أنه دخل..................................................
الحواشي
(١) وراء مهملة ثقيلة، زاد البرقي عن هشام الكلبي: وكانت من أجمل النساء وأعفهن "الخثعمية" بفتح المعجمة وسكون المثلثة فعين مهملة نسبة إلى خثعم؛ كجعفر جبل وابن أنمار أبو قبيلة من معد، ذكره المجد. وظاهره: أن هذه الأوصاف وهي أنها من تبالة ومتهودة وخثعمية لامرأة واحدة، ووقع في سيرة مغلطاي اسمها قتيلة، وقيل: رقيقة، ويقال: فاطمة بنت مر، ويقال: ليلى العدوية، ويقال: امرأة من تبالة، ويقال: من خثعم، ويقال: كانت يهودية، "فرأت نور النبوة في وجه عبد الله، فقالت له وذكر نحوه" نحو ما تقدم من دعائه إلى نكاحها وإبائه، زاد البرقي عن هشام الكلبي: فلما أبى، قالت:
إني رأيت مخيلة نشأت ... فتلألأت بجناثم القطر
فسماتها نور يضيء به ... ما حوله كإضاءة الفجر
ورأيت سقياها حيا بلد ... وقعت به وعمارة القفر
ورأيتها شرفًا ينوء به ... ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت ... منك الذي استلبت وما تدري
وفي غريب ابن قتيبة: أن التي عرضت نفسها عليه ليلى العدوية, ذكره في الروض.
"ثم خرج به عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة" بضم الزاي وسكون الهاء زعم ابن قتيبة والجوهري أنها أمه وأبوه كلاب. قال السهيلي: وهذا منكر غير معروف، وفي الفتح المشهور عند جميع أهل النسب أن زهرة اسم الرجل، وشذ ابن قتيبة فزعم أنه اسم امرأته وأن ولدها غلب عليهم النسبة إليها، وهو مردود بقول إمام أهل النسب هشام الكلبي اسم زهرة المغيرة، "وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة" قاله ابن عبد البر وجماعة منهم عبد الملك بن هشام عن البكائي عن ابن إسحاق، وقيل: كانت في حجر عمها وهيب وهو المزوج لها. قاله ابن إسحاق في رواية واقتصر عليه اليعمري. "وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبًا" من جهة الأب، "وموضعًا" من جهة الأم، فأمها بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي وأم أمها أم حبيب بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي؛ كما فصله ابن إسحاق، فليس قوله: وموضعًا عطف تفسير، كما زعم. "فزعموا" كما قال ابن إسحاق "أنه دخلстр. 192
عليها عبد الله حين ملكها مكانه، فوقع عليها يوم الاثنين من أيام منى، في شعب أبي طالب عند الجمرة، فحملت برسول الله ﷺ . ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت، فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت عليّ بالأمس؟ فقالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، إنما أردت أن يكون النور فيّ فأبى الله، إلا أن يجعله حيث شاء.
تنبيه...............................................
الحواشي
(١) عليها عبد الله حين ملكها" أي: تزوج بها "مكانه فوقع عليها" جامعها، زاد الزبير بن بكار "يوم الاثنين من أيام منى" وقيل من شهر رجب، "في شعب أبي طالب عند الجمرة" أي: الوسطى، كما هو المنقول عن الزبير، قال النجم: وهذا موافق لمن ذهب إلى أن ميلاده في رمضان، وأما القول بأنه في رجب، فمنطبق على أن ميلاده في ربيع، "فحملت برسول الله ﷺ " وزعم الحاكم أبو أحمد أن سن عبد الله حينئذ كان ثلاثين سنة، ويأتي أن الصحيح خلافه، وقد جزم السهيلي بما لفظه: وكان بينه ﷺ وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكان بينه ﷺ وبين أبيه ثمانية عشر عامًا. ا. هـ. "ثم خرج من عندها" بعدما أقام عندها ثلاثًا، وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على امرأته في أهلها، نقله اليعمري عن محمد بن السائب الكلبي، "فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت" قال في النور: تقدم الكلام على هذه المرأة. ا. هـ. فهو صريح في أنها المختلف فيها الاختلاف السابق. "فقال لها: ما لك لا تعرضين علي اليوم ما عرضت علي بالإمس؟ قالت: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك" بوقاعك "اليوم حاجة" لأنني "إنما أردت أن يكون النور في" بشد الياء، "فأبى الله إلا أن يجعله حيث شاء" وقد روي عن العباس: أنه لما بنى عبد الله بآمنة أحصوا مائتي امرأة من بني مخزوم وبني عبد مناف متن ولم يتزوجن أسفًا على ما فاتهن من عبد الله، وأنه لم تبق امرأة في قريش إلا مرضت ليلة دخل عبد الله بآمنة.
تنبيه:
ما أفاده ظاهر المصنف من أن تزوجه بآمنة عقب انصرافه من نحر الإبل هو مفاد ابن إسحاق. وفي تهذيب ابن هشام واليعمري في العيون هنا. لكن روى ابن سعد وابن البرقي والطبراني والحاكم عن ابن عباس عن أبيه: أن عبد المطلب لما سافر إلى اليمن في رحلة الشتاء، نزل على حبر من اليهود يقرأ الزبور، فقال: يا عبد المطلب بن هشام ائذن لي أنظر إلى بعضك، قلت: انظر ما لم تكن عورة، قال: ففتح إحدى منخريه فنظر فيه ثم نظر في الآخر، فقال: أشهد أن في إحدى يديك ملكًا وفي الأخرى نبوة، وإنا نجد ذلك في بني زهرة، قال:стр. 193
ولما حملت آمنة برسول الله ﷺ ظهر لحمله عجائب، ووجد لإيجاده غرائب.
فذكروا أنه لما استقرت نطفته الزكية، ودرته المحمدية في صدفة آمنة القرشية نودي في الملكوت.............................
الحواشي
(١) ألك زوجة؟ قلت: أما اليوم فلا، فقال: فإذا رجعت فتزوج منهم، فلما رجع تزوج بهالة فولدت له حمزة وصفية، وزوج عبد الله بآمنة، أي: ابنة عمها، فولدت له رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: فلج عبد الله على أبيه، وهو بفتح الفاء واللام والجيم، أي: ظفر بما طلب، وفيه شيئان: أحدهما ظاهره قوله: نجد ذلك في بني زهرة، ورجوع اسم الإشارة للملك والنبوة مع أن الملك إنما كان في بني العباس وأمه ليست بزهرية، بل من بني عمرو بن عامر؛ كما مر، فيتعين عود الإشارة إلى النبوة فقط.
الثاني: قوله: أما اليوم فلا، مع ما ذكره اليعمري وغيره أن ضرارًا كان شقيق العباس المفيد وجود أمه قبل قصة الذبح، فيمكن أن قوله: أما اليوم، أي: هذا الزمن فلا زوج معي بهذه الأرض، فلا ينافي أن له زوجة بغيرها، ثم لا ينافي هذا مفاد المصنف والجماعة لجواز أنه لما رجع من اليمن رأى الرؤيا ووقعت قصة الذبيح، فلما انصرف منها تزوج وزوج ابنه، والعلم عند الله.
ولما ذكر المصنف أنه حين بنى بها حملت به ﷺ ، أراد ذكر بعض ما حصل في حملها إظهارًا لشرف المصطفى مصدرًا ذلك بشذا عقبة صوفية، فقال: "ولما حملت آمنة برسول الله ﷺ ظهر لحمله" اللام للتوقيت، أي: في مدته كلها "عجائب" فليس المراد عند ابتدائه فقط "و" لما وجد "وجد لإيجاده" أي: ظهوره في العالم بولادته وغاير تفننًا "غرائب" وإذا أردت معرفتها "فـ" نقول: "ذكروا أنه لما استقرت نطفته" التي خلق منها، فالإضافة لأدنى ملبسة "الزكية" الطاهرة النامية الممدوحة "ودرته" بضم الدال عطف تفسير إشارة إلى أن نطفته كالدرة التي هي اللؤلؤة العظيمة في النفاسة، ووصفها بقوله: "المحمدية" بمعنى المحمودة مبالغة في كمالها "في صدفة" بفتحتين غشاء الدر جمعها صدف، أي: رحم "آمنة القرشية" فشبه رحمها لاشتماله على نطفته بالصدفة المشتملة على اللؤلؤ استعارة تصريحية، وفي نسخة: صدف بدون هاء، فجعل كل جزء من أجزاء نطفته درة وكل جزء من أجزاء محلها صدفة مبالغة وتعظيمًا، أو جعل محل الولد لكونه مبدأ أو محلا لمن هو بمنزلة جميع العالم بل أعظم أرحامًا كثيرة فشبهها بالصدف، واستعار لها اسمه استعارة تصريحية.
"نودي" المنادي ملك على ما يأتي "في الملكوت" اسم مبني من الملك؛ كالجبروت والرهبوت من الجبر والرهبة، قاله في النهاية. وقال الراغب: أصل الجبر إصلاح الشيء يضرب منстр. 194
ومعالم الجبروت، أن عطروا جوامع القدس الأسني، وبخروا جهات الشرف الأعلى، وافرشوا سجادات العبادات في صفف الصفاء لصوفية الملائكة المقربين، أهل الصدق والوفاء، فقد انتقل النور المكنون إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر، والفخر المصون، قد خصها الله تعالى القريب المجيب بهذا السيد المصطفى الحبيب، لأنها أفضل قومها حسبًا، وأنجب وأزكاهم أخلاقًا وفرعًا وأطيب.
الحواشي
(١) القهر، وقد يقال الجبر في الإصلاح المجرد؛ كقول علي: يا جابر كل كسير ومسهل كل عسير، وتارة في القهر المجرد، ولعل الثالث مراد قول النهاية من الجبر.
"ومعالم" جمع معلم "الجبروت" فعلوت من التجبر، قاله الراغب. والمراد: نودي في أفق السماء بذلك؛ لأنها الذي يظهر فيها كمال ملك الله وقهره؛ لأن أهلها الملائكة عالمون بذلك فهم دائمًا في مقام الخشية والإجلال؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ، "أن عطروا جوامع القدس" بضمتين وسكون الدال الطهارة "الأسنى" الأشرف من السناء بالمد الرفعة، والمعنى: طيبوا أماكن الطهارة الشريفة، "وبخروا جهات الشرف الأعلى" عطف تفسير على سابقه، والمراد منهما: أظهروا علامات التعظيم في السماوات وما حولها فرحًا بمحمد ﷺ . "وأفرشوا" بضم الراء وكسرها، كما في المصباح "سجادات" جمع سجادة، قال الجوهري: خمرة بالضم صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط، "العبادات في صفف" بضم الصاد وفتح الفاء جمع صفة "الصفاء" بالمد، ضد الكدر "لصوفية" كلمة مولدة؛ كما في المصباح، نسبة للتصوف وهو تجريد القلب لله واحتقار ما سواه بالنسبة لعظمته سبحانه، وإلا فاحتقار نحو نبي كفر، وقيل غير ذلك حتى أوصلها بعضهم زهاء ألف قول، "الملائكة المقربين أهل الصدق والوفاء" والمراد: تهيئوا للعبادة وإظهار السرور بالمصطفى؛ لأنه يظهر الحق ويبطل الباطل "فقد" الفاء تعليلية، أي: افعلوا ذلك؛ لأنه قد انتقل النور المكنون" المستور المخفي عن الأعين المدخر في الأصلاب من آدم إلى عبد الله "إلى بطن آمنة ذات العقل الباهر" الظاهر الغالب لغيره، بحيث قيل: أعطاها الله من الجمال والكمال ما كانت تدعي به حكيمة قومها، "والفخر" المباهاة بالمكارم من حسب ونسب، "المصون" بوزن مفعول على نقص العين؛ كما في المصباح، أي: المحفوظ عما يشينه "قد خصها الله تعالى القريب المجيب" من بين النساء التي تعلقن بتزويج عبد الله "بهذا السيد المصطفى الحبيب" وعلل تخصيصها بذلك؛ "لأنها أفضل قومها حسبًا وأنجب وأزكاها أخلاقًا وفرعًا وأطيب" فلم تنجب امرأة قط مضارع من أنجبت، ولا فرعت في نساء الدنيا مشابه من فرعت:
من لحواء أنها حملت أحمـ ... ـد أو أنها به نفساءстр. 195
وقال سهل بن عبد الله التستري فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ: لما أراد الله تعالى خلق محمد ﷺ في بطن آمنة، ليلة رجب، وكانت ليلة جمعة، أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان، أن يفتح الفردوس..................................
الحواشي
(١) وحاصل المعنى: أنه تعالى لما اختار لصفوة خلقه من أصوله في كل عصر أشرفه، وكانت آمنة أفضل قومها جعلها معدنًا لظهور نوره وتكونه.
وقال" بواو الاستئناف المبينة لما أخبر به في قوله: فذكروا، فلا يرد أنه دليل على ما قدمه فيجب حذف الواو؛ لأن الدليل لا يعطف. "سهل ابن عبد الله" بن يونس بن عبد الله بن رفيع "التستري" الصالح المشهور الذي لم يسمع بمثله الدهر علمًا وورعًا، صاحب الكرامات الشهرية المتوفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين بالبصرة، وولد سنة مائتين أو إحدى ومائتين بتستر بضم الفوقية الأولى وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة آخره راء مهملة، كما ضبطه النووي وغيره، وحكي ضم الفوقيتين، وفتح الأولى وضم الثانية بالأهواز أو بجوزستان، ويقال أيضًا: شيشتر بمهملتين ومعجمتين.
"فيما رواه الخطيب البغدادي الحافظ" أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت صاحب التصنيف الإمام الكبير محدث الشام والعراق المتقن الضابط العالم بصحيح الحديث وسقيمه المتعنت في علله وأسانيده، ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وعني بالحديث ورحل فيه إلى الأقاليم، وسمع أبا الصلت الأهوازي وأبا عمر بن مهدي وخلقًا، وحدث عنه البرقاني أحد شيوخه وابن ماكولا وخلق وقرأ البخاري على كريمة بمكة في خمسة أيام، وعلى إسماعيل الحيري في ثلاثة مجالس ذكره الذهبي، وقال: هو أمر عجب، وتوفي ببغداد سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ودفن عند بشر الحافي؛ لأنه شرب ماء زمزم على ذلك، وإملائه بجامع المنصور، وتحديثه بتاريخ بغداد، فقضي له بالثلاثة.
"لما أراد الله تعالى خلق حمد ﷺ في بطن آمنة ليلة" أول "رجب"، وهذا كما مر عن النجم منطبق على أن ميلاده في ربيع، يعني: على أحد الأقوال الآتية أن مدة الحمل ثمانية أشهر، ورجب من الشهور مصروف؛ كما في المصباح، وذكر التفتازاني منعه أن أريد به معين كصفر ووجه بأنه معدول عن الصفر والرجب فمنعا للعلمية والعدل أو العلمية والتأنيث باعتبار المدة. "وكانت ليلة جمعة" لا ينافي ذلك أن أطواره يوم الاثنين؛ لأن ذلك في الأطوار الظاهرة، كالولادة وما هنا فيما قبلها.
"أمر الله تعالى في تلك الليلة رضوان خازن الجنان أن يفتح الفردوس" الذي هو أعلىстр. 196
ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون الذي يكون منه النبي الهادي، في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا.
وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة في السماء وصفاحها، والأرض وبقاعها، أن النور المكنون الذي منه رسول الله ﷺ في بطن آمنة، فيا طوبى لها ثم يا طوبى، وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا منكوسة، وكانت قريش في جدب شديد، وضيق عظيم، فاخضرت الأرض وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله ﷺ سنة الفتح والابتهاج.
وطوبى: الطيب والحسنى والخير والخيرة......................
الحواشي
(١) درجات الجنة، وأعلاه الوسيلة إظهارًا لكرامته ﷺ ، "ونادى مناد في السماوات والأرض: ألا إن النور المخزون المكنون" صفة لازمة "الذي يكون منه النبي الهادي" بإثبات الياء أصح من حذفها، "في هذه الليلة يستقر في بطن آمنة الذي يتم فيه خلقه" أي: في البطن وهو خلاف الظهر مذكر؛ كما في القاموس. "ويخرج إلى الناس بشيرًا ونذيرًا" أي: موصوفًا بهما عند الله وإن تأخر وقوعهما في الخارج إلى بعثته أو حال منتظرة، فلا يرد أنهما إنما يكونان بعد البعثة وليست مقارنة لخروجه.
"وفي رواية كعب الأحبار: أنه نودي تلك الليلة" التي حمل فيها بالمصطفى "في السماء وصفاحها" أي: جوانبها، "والأرض وبقاعها" أي: أجزائها وكأن الغرض من عطف الصفاح والبقاح الإشارة إلى تعميم مواضع النداء، "أن النور المكنون الذي منه رسول الله"، أي: تصور منه جسده " ﷺ " انتقل "في بطن أمه، فيا طوبى لها، ثم يا طوبى" تأكيد لما قبله، "وأصبحت يومئذ أصنام الدنيا" جميعها "منكوسة" أي: مقلوبة على رءوسها "وكانت قريش في" زمن "جدب" بدال مهملة ضد الخصب، "شديد وضيق عظيم" شدة وكرب عطف مسبب على سبب، أي: إن عدم الخصب كان سببًا في شدة أمرهم، "فاخضرت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم" بالقر "الرفد" بكسر الراء: الخير الكثير، "من كل جانب، فسميت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله ﷺ سنة الفتح" وسنة "الابتهاج" أي: السرور "وطوبى" في قوله: فطوبى لها ثم يا طوبى، المراد بها هاهنا "الطيب" فواوها بدل من الياء، "والحسنى والخير والخيرة" قال المصباح: بكسر الخاء وفتح الياء التخير، وبفتح الخاء وسكون الياء الفاضلة من كل شيء، وبكسر الخاء وسكون الياء:стр. 197
قاله في القاموس.
وقال غيره: فرح وقرة عين.
وقال الضحاك: عطية.
وقال عكرمة: نعم.
وفي الحديث: "طوبى للشام فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها". فالمراد بها هنا: "فعلى" من الطيب وغيره مما ذكر، لا الجنة ولا الشجرة.
وفي حديث ابن إسحاق: أن آمنة كانت تحدث: أنها أتيت............................
الحواشي
(١) الاختيار، "قاله في القاموس" المحيط، أي: البحر في جملة معان ذكرها، اقتصر منها المصنف على ما نقله؛ لأنه المناسب عنده.
"وقال غيره" المراد بها "فرح وقرة عين وقال الضحاك" بن مزاحم الهلالي البلخي نسبة إلى بلخ مدينة بخراسان المفسر ضعفه يحيى بن سعد ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة وغيرهم، وفي التقريب: صدوق كثير الإرسال، روى له أصحاب السنن الأربعة توفي سنة خمس، وقيل: ست ومائة. "عطية، وقال عكرمة" بن عبد الله البربري مولى ابن عباس، أبو عبد الله المدني المفسر الحافظ المتوفى سنة خمس أو ست أو سبع ومائة، "نعم" جمع نعمة، "وفي الحديث" الذي رواه الترمذي عن زيد بن ثابت عن النبي ﷺ : "طوبى للشام" بهمزة ساكنة يخفف بحذفها وفي لغة شآم بالمد، حكاها جماعة. قال في المطالع: وأباها أكثرهم والمشهور أنه مذكر، وقال الجوهري: يذكر ويؤنث.
وفي تاريخ ابن عساكر: دخل الشام عشرة آلاف عين رأت النبي ﷺ "فإن الملائكة باسطة أجنحتها عليها" استدلال على أن طوبى تطلق على غير الجنة والشجرة؛ "فالمراد بها هنا" في قوله: فيا طوبى لها "فعلى من الطيب، وغيره مما ذكر" من فرح وقرة عين وعطية ونعم "لا الجنة ولا الشجرة" لأنها كانت زمن حملها في جاهلية، وإنما الجنة والشجرة للمؤمنين، قال صاحب الخميس: ويحتمل أن تفسر بالجنة والشجرة، انتهى. أي: لأنها من أهل الفترة وليسوا كلهم بمعذبين، ولأن المختار أن أبويه ﷺ ناجيان، فما آل أمرهما إلى الجنة والشجرة وهذه البشارة من الملك فلا مانع أن الله أعلمه بمآل أمرها، فبشرها بذلك.
"وفي حديث ابن إسحاق" إمام المغازي في سيرته بلفظ: ويزعمون فيما يتحدث الناس "أن آمنة كانت تحدث أنها أتيت" بضم الهمزة مبني لما لم يسم فاعله، أي: رأت في امنام، قاله في النور ونحوه قول الشامي هي رؤيا منام وقعت في الحمل، وأما ليلة المولد فرأت ذلكстр. 198
حين حملت به ﷺ فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، وقالت: ما شعرت بأني حملت به، ولا وجدت له ثقلا، ولا وحمًا، كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال: هل شعرت بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني فقال لي: قولي:
أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد
ثم سميه محمدًا.
وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة..........................
الحواشي
(١) رؤية عين. "حين حملت بالنبي ﷺ ، فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة" بل بسيد الأولين والآخرين وقصره على هذه الأمة؛ لأن سيادته بالأمر والنهي إنما وجدت فيها، "وقالت" آمنة أيضًا مما رواه ابن إسحاق مسندًا لا من تتمة ما قبله، ومن ثم لم يعطفه المصنف بالفاء، "ما شعرت" قال النور: بفتح أوله وثانيه، أي: علمت "بأني حملت به ولا وجدت له ثقلا" بكسر المثلثة وفتح القاف وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح والقاموس، وعند الواقدي كما في العيون: ثقلة، قال في النور: بفتح المثلثة والقاف، تقول: وجدت ثقلة في جسدي: أي: ثقلا وفتورًا، حكاه الكسائي. "ولا وحمًا" بفتحتين مصدر وحم بسكر الحاء؛ كما في المختار، أي: شهوة الحبلى. "كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي" بكسر الحاء هنا الاسم من الحيض والحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفع الحيض ونوه به، قاله البرهان وتبعه الشامي وهو ظاهر؛ لأن الإنكار للهيبة الحاصلة للحائض عند نزول الدم من الضعف المقارن لنزوله أو المتقدم عليه الدال على حصوله، "وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة" بفتح الياء وسكون القاف، والذي عند ابن إسحاق: وأنا بين النوم واليقظة، أو قالت: بين النائمة واليقظانة، ورواه الواقدي كما في العيون بلفظ: بين النائم واليقظان، قاله الشامي تبعًا للبرهان: ذكرت آمنة اللفظين على إرادة الشخص. "فقال: هل شعرت" علمت "بأنك قد حملت بسيد الأنام، ثم أمهلني حتى إذا دنت" قربت "ولادتي أتاني، فقال لي: قولي" إذا وضعتيه "أعيذه" أطلب عصمته وحفظه "بالواحد" في ذاته وأسمائه وصفاته "من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا" ولا يلزم من أمرها بالتسمية أن لها ولايتها بل وافقها جده حين أخبرته؛ كما صرح به المصنف في المقصد الثاني تبعًا للسهيلي هنا، فقال ما حاصله: سماه جده محمدًا لرؤيا رآها مع ما حدثته به أمه حين قيل لها: إذا وضعتيه فسميه محمدًا، ثم هذا الذي قلناه كله رواية ابن إسحاق.
"وفي رواية غير ابن إسحاق: وعلقي عليه هذه التميمة" سماها تميمة لمشابهتها لها فيстр. 199
قالت فانتبهت وعند رأسي صحيفة من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة.
أعيذه بالواحد ... من شر كل حاسد
وكل خلق رائد ... من قائم وقاعد
عن السبيل حائد ... على الفساد جاهد
من نافث وعاقد ... وكل خلق مارد
يأخذ بالمراصد ... في طرق الموارد
قال الحافظ عبد الرحيم العراقي:.......................................
الحواشي
(١) التعليق وإلا فأصلها كما في القاموس: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم تعقد في العنق، جمعها تمائم وتميم. "قالت: فانتبهت وعند رأسي صحيفة" قطعة "من ذهب مكتوب فيها هذه النسخة" هي لغة الكتاب المنقول، لكن المراد هنا مكتوب فيها أحرف قوله: "أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، وكل خلق" مخلوق "رائد" طالب للسوء، وأصله المرسل لطلب الكلأ "من قائم وقاعد" تعميم لرائد "عن السبيل" الطريق السوي "حائد" مائل صفة ثانية الخلق "على الفساد" صفة ثالثة "جاهد" متحمل للمشقة في تحصيله، حتى كأنه استعلى عليه "من نافث" ساحر "وعاقد" يعقد عقدًا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه، وهذا بيان لجاهد فلا يرد أن الأولى الإتيان بالواو، أي: وأعيذه من كل نافث، "و" أعيذه من "كل خلق مارد" عاب متجبر "يأخذ بالمراصد" جمع مرصد كمذهب موضع الرصد والراصد للشيء الراقب له، وبابه نصر كما في المختار والجملة صفة مارد أو خلق، "في طرق الموارد" المواضع التي يجتمع فيها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء.
"وقال الحافظ عبد الرحيم العراقي" أبو الحسين الأثري الإمام الكبير العلم الشهير، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وعني بالفن فبرع فيه وتقدم بحيث كان شيوخ عصره يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة؛ كالسبكي وابن كثير والعلائي وغيرهم، ونقل عنه الجمال الإسنوي في المهمات ووصفه بحافظ العصر وله مؤلفات في الفن بديعة، قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وشرع في إملاء الحديث من سنة ست وتسعين فأحيا الله به السنة بعد أن كانت دائرة، فأملى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة مهذبة، محررة كثيرة الفوائد الحديثية، قال: وكان جميل الصورة، منور الشيبة، كثير الوقار، نزر الكلام، سليم الصدر، كثير الحياء لا يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه، صالحًا متواضعًا، ضيق المعيشة، كثير التلاوة إذا ركب، حسن النادرة والفكاهة، لا يترك قيام الليل بل صار له كالمألوف، مات في شعبان سنة ستстр. 200
هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير، وجعلها من حديث ابن عباس ولا أصل لها. انتهى.
نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر عاهد وكل عبد رائد يرود غير رائد فإنه عبد حميد ماجد حتى أراه أثر المشاهد.
وعن شداد بن أوس أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله ﷺ : ما حقيقة أمرك، فقال: "بدو شأني أني دعوة "أبي" إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، وأني كنت بكر أبي وأمي
الحواشي
(١) وثمانمائة. "هكذا ذكر هذه الأبيات بعض أهل السير وجعلها من حديث ابن عباس، ولا أصل لها" يعتد به "انتهى".
وقد رواه أبو نعيم وزاد عقب الأبيات: أنها هم عنه بالله الأعلى، وأحوطه منهم باليد العليا، والكنف الذي لا يرى، يد الله فوق أيديهم، وحجاب الله دون عاديهم، لا يطردونه ولا يضرونه في مقعد، ولا في منام، ولا مسير، ولا مقام أول الليل وآخر الأيام. قال الشامي: وسنده واه جدًا، وإنما ذكرته لأنبه عليه لشهرته في كتب المواليد. ويقع في بعض النسخ زيادة هي:
"نعم عند البيهقي من حديث ابن إسحاق: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد في كل بر" ضد بحر "عاهد" اسم فاعل من عهد صفة لحاسد، أي: يتعهده بالحسد أينما سار كأنه لا ينفك عن حسده "و" أعيذه من "كل عبد رائد" طالب السوء "يرود" يطلبه له "غيره رائد" غير طالب له الكلأ كناية عن أنه لا ينفعه بوجه، "فإنه عبد حميد ماجد" اسمان له سبحانه "حتى أراه أثر المشاهد" وهو استدراك على قوله السابق.
وفي رواية غير ابن إسحاق: كأنه قال: لكن جاء قريب منه عن ابن إسحاق في غير السيرة عند البيهقي: "وعن شداد بن أوس" بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الصحابي ابن أخي حسان بن ثابت المتوفى بالشام قبل الستين، وقيل: بعدها ﵁: "أن رجلا من بني عامر سأل رسول الله ﷺ " فقال له: "ما حقيقة أمرك؟ " حالك "فقال: "بدو شأني" ظهور أمري "أني دعوة أبي إبراهيم" في قوله تعالى حكاية عنه وعن إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، ولعله خص إبراهيم بالذكر لمزيد شرفه، أو لأنه الأصل أو الداعي، وإسماعيل أمن "وبشرى أخي عيسى" قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ، "وأني كنت بكر أبي وأمي" أول أولادهما، ومقصوده: أنهما ما ولدا قبله ولا يلزم منه وجود ثان،стр. 201
وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور". الحديث.
ففيه: أن أمه ﵊ وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به، والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف، انتهى.
وروى أبو نعيم عن ابن عباس ﵄ قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله ﷺ أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة...................
الحواشي
(١) فلا ينافي أنهما لم يلدا غيره، "وأنها حملت بي كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكي إلى صواحبها ثقل ما تجد" من ذلك الحمل "ثم إن أمي رأت في منامها أن الذي في بطنها نور" الحديث، ففيه" تصريح "أن أمه ﵊ وجدت الثقل في حمله، وفي سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا" فحصل التعارض، "وجمع أبو نعيم الحافظ" أحمد بن عبد الله الأصفهاني الصوفي "بينهما" بين حديث شداد وبين سائر الأحاديث، "بأن الثقل به كان في ابتداء علوقها به" ولعلها حملته على أنه مرض أصابها، فلا ينافي أنها ما علمت به أو الابتداء نسبي وهو ما قرب من أول مدة الحمل لا حقيقي، ولم يفهم هذا من اعترض جمعه بأن عدم علمها به يقتضي أن الثقل لم يكن في ابتدائه، "والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون" أمر حمله "على الحالين خارجًا عن المعتاد المعروف" عند النساء، فإنه في ابتدائه خفيف، فإذا استمر اشتد، "انتهى".
جمع أبي نعيم: وبه يشعر قولها السابق كما تجد النساء، فإن الكلام إذا اشتمل على قيد زائد كان هو المقصود، كما قال عبد القاهر: فكأنها قالت: وجدت له ثقلا ليس كالثقل الذي تجده النساء، وجمع غيره: بأن المنفي الثقل المعنوي وهو الوجع والألم الحاصل للحوامل والمثبت لحسي وهو رزانته وزيادة مقداره من غير ألم ولا تعب؛ لأنه ﷺ وزن بجميع أمته فرجحهم، وعندي: أن هذا تعسف لا دليل عليه وعلته لا تفيد دعواه، وإن زعم صاحبه أنه خير من جمع أبي نعيم.
"وروى أبو نعيم" المذكور في الدلائل "عن ابن عباس ﵄" أنه "قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله ﷺ " وهذا موقوف لفظًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا "أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة" وتخصيص دوابهم بالنطق لعله لإعلامهم فضله من أول الأمر فلا يكون لهم شبهة ولا عذر وقت دعوته لكن لا تتم هذه النكتة إلا إن كانوا سمعوا نطق الدوابстр. 202
وقالت: حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم ﷺ ميمونًا مباركًا ... الحديث. وهو شديد الضعف.
الحواشي
(١) "وقالت: حمل برسول الله ﷺ ورب الكعبة" وقالت: "هو" ﷺ "إمام الدنيا" بالميم: قدوة أهلها، ورأيته في خصائص السيوطي الكبرى عن أبي نعيم أمان بالنون، أي: أمانها من العاهات العامة، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، "و" قالت: هو "سراج أهلها" فهذا من جملة نطق الدواب الذي أخبر به ابن عباس، وتجويز أن الضمير له وأن المصنف قصد به جواب سؤال هو: أن ابن عباس ما شاهد ذلك ولا نقله، فمن أين علمه حتى أخبر به؟ خطأ باطل، فهذا موجود في كتاب أبي نعيم الدلائل، ونقله عنه السيوطي وغيره، وتشبث مجوزه بأن شيخه اقتصر على قوله: ورب الكعبة، وعقبه بقوله: ومثله لا يقال رأيًا لا يجدي، فلا حجة في الترك.
وأما جواب السؤال، فهو قوله: لا يقال رأيًا، فقصد بذلك أن حكمة الرفع؛ كما قدمنا ومن العجيب أني لما أوردت على مبدئ هذا الاحتمال قول المصنف بعد الحديث، قال: نعم، لكن يجوز أن جملة معترضة بين أجزاء الحديث وهو فاسد نشأ من الاحتمال العقلي، فليس الإدراك بالتشهي؛ كما صرح به في فتح الباري. وإنما يعرف بورود رواية أخرى مبنية للقدر المدرج أو بالنص عليه من الراوي، أو من إمام مطلع؛ كما في شرح النخبة وغيرها على أن هذا مغلطة؛ لأن الإدراك من قول راو، والدعوى أنه من كلام المصنف، ثم لا يصح إطلاق أن ابن عباس إمام الدنيا وسارج أهلها، فإنهما هما وصفان للنبي ﷺ .
"ولم يبق سرير ملك" بكسر اللام "من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسًا" مقلوبًا عن الهيئة التي كان عليها بأن صار أعلاه أسفله فهو مجاز إذ نكس قلبه على رأسه على ظاهر المختار إن لم يكن تجوز بالرأس عن الأعلى، وفي الخميس: وكلت الملوك حتى لم يقدروا في ذلك اليوم على التكلم، "وفرت" حقيقة، ولا مانع منه "وحوش" جمع وحش حيوان البر "المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات" بما حصل لها من الفرح والسرور، وكأنها لقربها من موضع الحمل علمت ذلك بنداء الملائكة أو سماع دواب قريش أو بما شاء الله. "وكذلك أهل البحار" صار "يبشر بعضهم بعضًا، وله في كل شهر من شهور حمله نداء في الأرض ونداء في السماء" هو "أن أبشروا فقد آن" قرب "أن يظهر أبو القاسم ﷺ " حال كونه "ميمونًا مباركًا ... الحديث، وهو شديد الضعفстр. 203
وعن غيره: لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور، ولا دابة إلا نطقت.
وعن أبي زكريا يحيى بن عائذ: بقي ﷺ في بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعًا ولا مغصًا ولا ريحًا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة.
ولما تم لها من حملها شهران توفي عبد الله.....................
الحواشي
(١) و" روي "عن غيره" عن غير ابن عباس "لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت" أضاءت. "ولا مكان" أعم من الدار "إلا دخله النور" لهذه الزيادة أتى به "ولا دابة" ظاهره: عموم الدواب إلا أن يحمل على قوله في الرواية السابقة من دواب قريش "إلا نطقت" ولم يبين في هذه الرواية ما نطقت به، وبينه في السابقة، بقوله: وقالت: حمل برسول الله ... إلخ.
ومن العجائب نقله من كلام غير المتن مع كونه قطعة منه، وينادي على ناقله بإبطال ذلك الاحتمال. "وعن أبي زكريا يحيى" بن مالك "بن عائذ" بتحتية وذال معجمة نسبة لجده لشهرته به الحافظ الكبير الأندلسي سمع أبا سهل القطان ودعلج بن أحمد وابن قانع، وأملى الحديث بجامع قرطبة، صعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فمات في الخطبة فجأة في شعبان سنة ست وتسعين وثلاثمائة، فأنزل وطلب في الحال من يخطب.
"بقي ﷺ في بطن أمه تسعة أشهر كملا" بفتحتين مخفف الميم، أي: كاملة، وهذا أحد أقوال خمسة في مدة الحمل تأتي في المصنف، وذكره هنا لما بعده لا مقصود "لا تشكو وجعًا" في رأسها من نحو الدوخة التي تعرض للحامل ولا في بدنها من استرخاء الأعضاء والمفاصل "ولا" تشكو "مغصًا ولا ريحًا" في بطنها "ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء" من حب بعض المأكول وبغض بعضه؛ كما مر في قولها: لم أجد لحمله وحمًا فليس فسيريًا، كما زعم "وكانت تقول: والله ما رأيت" ما علمت "من حمل" لواحدة من النساء؛ لأنها ما حملت بغيره ﷺ "هو أخف منه، ولا أعظم بركة" كناية عن كونه أخف ما يوجد من الحمل بناء على الاستعمال لا اللغة، فلا يرد أنه لا ينفي رؤيتها من يساويه مع أن قصدها أنه أخف ما يوجد، فهو كقولهم: ليس في البلد أعلم من زيد، يريدون أنه أعلم أهلها، ثم ذكر المصنف وفاة والده ﷺ توطئة لما يأتي من امتناع الرضعاء من أخذه لموت أبيه، فقال: "ولما تم لها" لآمنة "من حملها شهران" وقيل: قبل ولادته بشهرين "توفي عبد الله" بن عبد المطلب عن خمس وعشرين سنة، قال الواقدي: وهو الأثبت أو عن ثلاثين سنة، قاله أبو أحمد الحاكم، أو عن ثمان وعشرين، أو عن ثمان عشرة سنة، وهو الذي صححه الحافظ العلائي، والحافظ ابن حجر، واختاره السيوطيстр. 204
وقيل: توفي وهو في المهد، قاله الدولابي.
وعن ابن أبي خيثمة: وهو ابن شهرين.
وقيل: وهو ابن سبعة أشهر وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرًا.
والراجح المشهور: الأول.
الحواشي
(١) "وقيل توفي" عبد الله "وهو" ﷺ "في المهد".
قال السهيلي: وهو قول أكثر العلماء، واحتج له بقول عبد المطلب لأبي طالب: أوصيك يا عبد مناف بعدي بمؤتم بعد أبيه، فرد: فارقه وهو ضجيع المهد، انتهى. قال السمين: المهد ما يمهد للصبي ليربى فيه من مهدت له المكان، أي: وطأته ولينته، وفيه احتمالان:
أحدهما: أن أصله المصدر فسمي به المكان وأن يكون بنفسه اسم مكان من غير مصدر، وقد قرئ مهدًا ومهادًا في طه. "قاله" الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد بن حامد بن سعيد الأنصاري الرازي "الدولابي" سمع محمد بن بشار وهارون بن سعيد وطبقتهما، ورحل وصنف، وعنه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن حبان والطبراني وغيرهم.
قال الدارقطني: تكلموا فيه وما يظهر من أمره الأخير، وقال ابن يونس: ضعيف ولد سنة أربع وعشرين ومائتين ومات بالعرج بين مكة والمدينة سنة عشر وثلاثمائة، قال في اللب: كأصله الدولابي صوابه بفتح أوله والناس يضمونه إلى عمل الدولاب، ودولاب قرية بالري، قال ابن السمعاني: وظني أن بعض أجداده نسب إلى عمل الدولاب، قال: وأصله من الري، فيمكن أن يكون من قرية دولاب، انتهى.
وفي النور والقاموس: الدولاب القرية بالضم والذي كالناعورة بالضم ويفتح، "و" على كونه توفي وهو في المهد اختلف كم كان سنه ﷺ ، فنقل "عن" الحافظ أحمد "بن أبي خيثمة" زهير بن حرب الحافظ ابن الحافظ الإمام الثابت أبي بكر النسائي ثم البغدادي، قال الخطيب: ثقة عالم متقن حافظ بصير بأيام الناس، راوية للأدب، أخذ علم الحديث عن أحمد وابن معين، وعلم النسب عن مصعب، وأيام الناس عن المدائني، والأدب عن محمد بن سلام الجمحي، ولا أعرف أغزر فوائد من تاريخه بلغ أربعًا وتسعين سنة، ومات في جمادى الأولى ستة تسع وسبعين ومائتين؛ "وهو ابن شهرين، وقيل" مات "وهو" ﵊ "ابن سبعة أشه" بموحدة بعد السين، حكاه في العيون، وقيل: ابن تسعة "وقيل" مات "وهو" ﷺ "ابن ثمانية وعشرين شهرًا" فكل هذه الأقوال مبنية على أنه مات وهو في المهد، وهو صريح العيون والسبل، "والراجح المشهور" كما قال ابن كثير ورجحه الواقدي وابن سعد والبلاذري والذهبي: هوстр. 205
وكان عبد الله قد رجع ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ورموا بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضًا، فبعث إليه أخاه الحارث فوجده قد توفي، ودفن في دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء.
وقالت آمنة زوجته ترثيه:
عنا جانب البطحاء من آل هاشم ... وجاور لحدًا خارجًا في الغماغم
الحواشي
(١) "الأول" يعني أنه مات وهو حمل، والحجة له ما في المستدرك عن قيس بن مخرمة: توفي أبو النبي ﷺ وأمه حبلى به، قال الحاكم: على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
"وكان عبد الله" فيما رجحه الواقدي، وقال: هو أثبت الأقاويل، "قد رجع" من غزة "ضعيفًا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم ومروا بالمدينة يثرب" بدل أتى به لدفع توهم أن المراد غيرها؛ لأنها حينئذ ما كانت معروفة إلا بيثرب لا المدينة، سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها، وقد غيره ﷺ إلى طيبة وسماها الله طابة، رواه مسلم، قال عيسى بن دينار: من سماها يثرب كتبت عليه خطيئة، وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب، قال: قال ﷺ : "من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله ، وهي طابة وإنما سميت في القرآن حكاية".
"فتخلف عن أخواله بني عدي بن النجار" أي: أخوال أبيه؛ لأن هاشمًا تزوج من بني عدي فولدت له عبد المطلب، أما أخوال عبد الله فإنما هم من قريش من بني مخزوم "فأقام عندهم مريضًا شهرًا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه، فقالوا: خلفناه مريضًا" عند أخواله "فبعث" عبد المطلب "إليه أخاه" أخا عبد الله "الحارث" وقال ابن الأثير: الزبير، "فوجده قد توفي" بالمدينة "ودفن" بها "في دار التابعة" بفوقية فموحدة فعين مهملة؛ كما في الزهر الباسم، قال الخميس: وهو رجل من بني عدي بن النجار. "وقيل: دفن بالأبواء" بفتح أوله ومد آخره قوية من عمل الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، والصحيح: أنها سميت بالأبواء لتبويء السيول بها، قاله ثابت بن حزم الحافظ، وقيل: لما فيها من الوباء.
قال البرهان وغيره: ولو كان كذلك لقيل الأوباء، أو يكون مقلوبًا منه. "وقالت: آمنة زوجته ترثيه" شعرًا "عنا جانب البطحاء" المختار: عفا المنزل درس وضمنته معنى خلا، فعدته بمن في "من آل هاشم" وجعلت خلوها منه خلوا من آل هاشم مبالغة لعدم قيام غيره منهم مقامه، أو الإضافة عهدية والمعهود زوجها أطلقت عليه آل؛ لأنه اسم لأهل الرجل وعياله، فيطلق على الكثير الواحد. "وجاور" من المجاورة "لحدًا خارجًا في الغماغم" بغينين معجمتين وميمين، أي:стр. 206
دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم
فإنك تك غالته المنون وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم
ويذكرعن ابن عباس، أنه لما توفي عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا، بقي نبيك يتيمًا، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير.
وقيل لجعفر الصادق: لم يتم النبي ﷺ قال: لئلا...................
الحواشي
(١) الأغطية، قاله الشامي.
وكان المراد الأكفان التي لف فيها؛ فكأنها قالت: جاور حال كونه مدرجًا في أكفانه لحدًا بعيدًا عن أماكن أهله، "دعته المنايا" جمع منية بشد الياء: الموت، "دعوة" ويروى بغتة "فأجابها" وإسناد الدعوة إلى المنايا تجوز؛ وكأنها أرادت: ناداه ملك الموت حيث أراد قبض روحه، فأجابه بمعنى قام به الموت أو أسبابه حتى توفي، "وما تركت" المنايا "في الناس مثل ابن هاشم" عبد الله؛ لأنه كان يتلألأ نورًا في قريش وكان أجملهم فشغفت به نساؤهم وكدن أن تذهل عقولهن، قال أهل السير، فلقي عبد الله في زمنه من النساء ما لقي يوسف في زمنه من امرأة العزيز، "عشية راحوا" أي: ذهب المشيعون له حال كونهم "يحملون" في الوقت المسمى عشية، وهي آخر النهار، "سريره" النعش الذي هو عليه "تعاوره" تداوله "أصحابه في التزاحم" أي: مع التزاحم عليه، ففي بمعنى: مع؛ كقوله: ادخلوا في أمم "فإن تلك غالته" أي: أخذته على غفلة، أي أهلكته "المنون وريبها" أي: حوادثها، أي: الأسباب المؤدية للموت، وعبرت بأن التي للشك لاستبعاد وقوع الموت به استعظامًا له، وجواب الشرط محذوف، أي: أسف الناس لموته، والفاء للتعليل في قولها: "فقد كان معطاء" كثير الإعطاء، "كثير التراحم".
"ويذكر عن ابن عباس: أنه لما توفي عبد الله، قالت الملائكة" يا "إلهنا" ويا "سيدنا بقي نبيك يتيمًا" لا أب له، قال الخميس: أعلى اليتم ما توفي الوالد والولد في بطن الأم، "فقال الله تعالى" جوابًا لهم: "أنا له حافظ ونصير" ومن كنت له كذلك لا يضيع، وهذا حكمه الرفع لو صح، لكن مرضه المصنف على عادتهم في نقل التضعيف بيروى ويذكر، وفي لفظ: قالت الملائكة: صار نبيك بلا أب، فبقي من غير حافظ ومرب، فقال الله؛ أنا وليه وحافظه وحاميه وربه وعونه ورازقه وكافيه، فصلوا عليه وتبركوا باسمه.
"وقيل لجعفر الصادق" لقب به لأنه ما كذب قط، "لم يتم" بكسر التاء؛ كما اقتصر عليه الجوهري، وزاد المجد فتحها، والمصباح ضمها، "النبي ﷺ " أي: ما حكمة ذلك "قال: لئلاстр. 207
يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان في البحر.
وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبي -وكان من أوعية العلم- قال: لما حضرت آمنة الولادة قال للملائكة: افتحوا أبواب السماء كلها، وأبواب الجنان، وألبست الشمس يومئذ نورًا عظيمًا، وكان قد أذن الله تعالى تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورًا.
الحواشي
(١) يكون عليه حق لمخلوق" ولا يرد عليه بقاء أمه حتى بلغ ست سنين أو أكثر؛ لأن تعلق الحقوق إنما هو بعد البلوغ "نقله عنه أبو حيان" الإمام أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الأندلسي الغرناطي نحوي عصره ولغويه ومقريه، ولد في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة، وأخذ عن ابن الصائغ وابن النحاس وغيرهما، وتقدم في النحو في حياة شيوخه واشتهر اسمه وألف الكتب المشهورة، وأخذ عنه أكابر عصره مات في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
"في البحر" هو تفسيره الكبير، وقال ابن العماد في كشف الأسرار: إنما رباه يتيمًا؛ لأن أساس كل صغير كبير، وعقبى كل حقير حظير، ولينظر ﷺ إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من أعزه الله تعالى، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات ولا من المال، بل قوته من الله تعالى وأيضًا ليرحم الفقير والأيتام.
"وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة" الصوري الصدوق، روى عن الوليد بن مسلم وغيره وعنه النسائي وأحمد بن المعلى، "قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم، قال: لما حضرت آمنة الولادة" وفي نسخة: حضرت ولادة آمنة، أي: دخل وقت ولادتها، "قال للملائكة" أي: للخزان، وفي نسخ: قال الله لملائكته "افتحوا أبواب السماء كلها" هو ظاهر في أنها مغلقة وإنما تفتح لأسباب وهو ما صرحت به النصوص وبه تشهد الأخبار، "و" افتحوا "أبواب الجنان" السبع، وهي على ما روي عن ابن عباس: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليون؛ لكن قال السيوطي: لم أقف عليه، يعني مسندًا عن ابن عباس، فلا ينافي ذكره في البدور عن القرطبي أنها سبع وعد هذا، إلا أنه قال بدل عليون: دار الجلال، وقيل: الجنة واحدة مسماة بهذه الأسماء، وقيل: أربع، ورجح بما في سورة الرحمن، وقال السبكي: هذه الأربع أنواع تحتها أفراد كثيرة؛ كما في الحديث: أنها جنان كثيرة.
"وألبست الشمس يومئذ" أي: زادت "نورًا عظيمًا" على نورها، "وكان قد أذن الله تعالى" أراد "تلك السنة" التي حمل فيها بالنبي ﷺ "لنساء الدنيا" أي: الحاملات منهن "أن يحملن ذكورًا" وليس المراد: أن جميع نساء الدنيا حملن إذ فيهن العزباء والكبيرة والصغيرة،стр. 208
كرامة لمحمد ﷺ ، الحديث وهو مطعون فيه.
وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري في كتابه المعجم الكبير كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدث وتقول: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام وقال لي يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدًا واكتمي شأنك قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد لا ذكر ولا أنثى، وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه، فسمعت وجبة عظيمة وأمرًا عظيمًا هالني، ثم رأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب وكل وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء
الحواشي
(١) ومن لم تتزوج أصلا، ومن زوجها غائب عنها. كل ذلك "كرامة لمحمد ﷺ " فهو راجع لجميع ما قبله "الحديث وهو مطعون فيه، وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابوري" مر أنه بفتح النون نسبة إلى نيسابور أشهر مدن خراسان، "في كتابه المعجم الكبير" وصريح المصنف أنه غير صاحب شرف المصطفى، فإن اسمه عبد الرحمن كما مر، والمصنف سماه عبد الملك؛ "كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة، والبشرى عن كعب في حديثه الطويل، ورواه" أي: روى ما ذكره أبو سعيد عن كعب، "أبو نعيم من حديث ابن عباس" أنه "قال: كانت آمنة تحدث، وتقول" ومعلوم أنه ما سمعها، فيحتمل على أنه سمعه ممن سمعها. "أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام، وقال لي: يا آمنة، إنك قد حملت بخير العالمين" الماضين والموجودين والآتين، "فإذا ولدته" بتاء وهاء، وفي نسخة بينهما ياء على لغة قليلة للإشباع، "فسميه محمدًا واكتمي شأنك" حتى تضعي، فلا ينافي إخبارها به. "قالت: ثم أخذني ما يأخذ النساء" من الطلق "ولم يعلم بي أحد، لا ذكر ولا أنثى" أتت به بعد أحد لدفع توهم أن المراد الذكور فقط، "وإني لوحيدة" منفردة "في المنزل وعبد المطلب في طوافه" بالبيت الحرام، "فسمعت وجبة" بسكون الجيم وفتح الموحدة، أي: هدة "عظيمة" وهي سقوط وقع نحو الحائط "وأمرًا عظيمًا هالني" أفزعني، وهو تفسيري "ثم رأيت" رؤية عين بصرية شيئًا، "كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي" هو القلب عند الجوهري وغشاؤه عند غيره، قال الزركشي: وهو أحسن لحديث: "ألين قلوبًا وأرق أفئدة"، "فذهب عني الرعب" الخوف الحاصل من تلك الوجبة، "وكل وجع أجده" بسبب الطلق فلا ينافي أنها لم تشك ما يعرض للحوامل، "ثم التفت، فإذا أنا بشربة بيضاء" أي: بآنية شربة أو أطلق الشربة على محلها وهو المشربة بكسر الميمстр. 209
فتناولتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف، يحدقن بي فبينما أتعجب وأنا أقول واغوثاه من أين علمن بي. قال في غير هذه الرواية فقلن لي نحن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم فبينما أنا كذلك إذ بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذ بقائل يقول خذاه عن أعين الناس، قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها............
الحواشي
(١) مجازًا من تسمية المحل باسم الحال فيه، إذ الشربة المرة من الشرب، "فتناولتها" فشربتها، وفي رواية: فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنًا، وكنت عطشى فشربتها، فإذا هي أحلى من العسل، "فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا" بكسر الطاء جمع طويلة وأما بضمها ففرد كرجل طوال، وقال ابن الأثير: جمع طولى مثل الكبر في الكبرى، وهذا البناء يلزمه أل أو الإضافة؛ "كأنهن من بنات عبد مناف" شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال، "يحدقن" بضم الياء وكسر الدال مخففة فقاف ساكنة، وبفتح الياء وكسر الدال، أي: يحطن بي "فبينما أتعجب وأنا أقول: واغوثاه! من أين علمن بي؟ قال في غير هذه الرواية: فقلن لي" أي: اثنتان منهن على أن أقل الجمع اثنان، أو مجاز "نحن آسية" بالمد وكسر السين المهملة؛ كما في التبصير بنت مزاحم، قيل: إنها إسرائيلية، وإنها عمة موسى، وقيل: إنها ابنة عم فرعون وإنها من العمالقة، "امرأة فرعون" ذات الفراسة الصادقة في موسى حين قالت: قرة عين لي ومن فضائلها: أنها اختارت القتل على الملك وعذاب الدنيا على النعيم الذي كانت فيه، "ومريم ابنة عمران" أم عيسى ﵇، قيل: إنهما نبيتان، بل قال القرطبي: الصحيح أن مريم نبية، لكن قال عياض: الجمهور على خلافه، وبعضهم نقل الإجماع على عدم نبوة النساء، وعن الأشعري: نبئ منهن ست: هاتان، وحواء، وسارة، وهاجر، وأم موسى واستعمال نحن فيهما حقيقة؛ لأنها للمتكلم ومعه غيره واحد أو أكثر. "وهؤلاء من الحور العين" ولعل حكمة شهودهم كثرة الحور له في الجنة، كما أن مريم وآسية من نسائه في الجنة؛ كما في الحديث، "واشتد بي الأمر، وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج" بكسر الدال ويجوز فتحها: نوع من الحرير، قاله في التوشيح "أبيض قد مد بين السماء والأرض" تعظيمًا لولادته ﵇، "وإذا بقائل يقول: خذاه" إذا ولد "عن عين الناس، قالت: ورأيت رجلا قد وقفوا في الهواء" أي: ملائكة تشكلوا بصورة الرجال، "بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت، فإذا أنا بقطعة" جماعة "من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي" لكثرتها "مناقيرها"стр. 210
من الزمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات، علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب، وعلمًا على ظهر الكعبة فأخذني المخاض فوضعت محمدًا ﷺ فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلمون أنه سمي فيها الماحي، لا يبقي شيء من الشرك إلا محي في زمنه.......................
الحواشي
(١) مبتدأ خبره "من الزمرد" بزاي معجمة فميم فراء مضمومات فدال معجمة؛ كما صوبه الأصمعي، وجزم به المجد، وقال ابن قتيبة: مهملة الزبرجد فارسي معرب، "وأجنحتها من الياقوت، فكشف الله عن بصري، فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت أعلام مضروبات علمًا بالمشرق وعلمًا بالمغرب وعلمًا على ظهر الكعبة" ولعل حكمة ذلك الإشارة إلى أن شرعه يعم المشارق والمغارب ويعلو على مكة ويصير بينا واضحًا؛ كالأعلام، "فأخذني المخاض" قال البيضاوي: بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، "فوضعت محمدًا ﷺ " الظاهر أن الصلاة من الراوي "فنظرت إليه فإذا هو ساجد" حقيقة "قد رفع أصبعيه" أي: سبابتيه قابضًا بقية أصابعه؛ كما يأتي في رواية الطبراني "إلى السماء؛ كالمتضرع" المتذلل "المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني، ثم سمعت مناديًا ينادي: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها" خصت الأرض بذلك دون السماء؛ لأنها محل بعثته وظهور رسالته، والمناسب لقوله السابق: خذاه أن يقال طوفا به، فيحتمل أن معهما غيرهما تعظيمًا له، أو على أن الجمع ما فوق الواحد، "وأدخلوه البحار" جميعها وهي سبعة، أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ووهب، وأخرج أيضًا عن حسان بن عطية، قال: بلغني أن مسيرة الأرض خمسمائة سنة بحورها منها مسيرة ثلاثمائة سنة، والخراب منها مسيرة مائة سنة, والعمران مسيرة مائة سنة. "ليعرفوه باسمه" فيها وهو الماحي؛ كما يأتي على الأثر، ولا تفهم أنه عام فتتعب، "ونعته وصورته" أي: لتعرفه البحار نفسها ولا مانع، فالله على كل شيء قدير، أو أهلها أو هما جميعًا، "و" حين إذ عرفوه بالثلاثة "يعلمون" قالوا: واستئنافية بدليل النون، "أنه سمي فيها" في البحار "الماحي" لأنه "لا يبقى شيء من الشرك إلا محي في زمنه" قال المصنف في أسمائه ﷺ : ولما كانت البحار هي الماحية للأدران كان اسمه فيهاстр. 211
ثم انجلت عنه في أسرع وقت. الحديث. وهو مما تكلم فيه.
وروى الخطيب البغدادي بسنده كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا أن آمنة قالت لما وضعته ﵊ رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عني فسمعت مناديًا طوفوا بمحمد ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم.............................
الحواشي
(١) الماحي، انتهى. وهي مناسبة لطيفة، "ثم انجلت عنه" تلك السحابة "في أسرع وقت ... الحديث، وهو مما تكلم فيه" فذكره لينبه عليه؛ لشهرته في المواليد.
"وروى" الخطيب "البغدادي" الحافظ أحمد بن علي بن ثابت "بسنده" إيضاح فهو عندهم مدلول، روى "كما ذكره صاحب كتاب السعادة والبشرى أيضًا" كما ذكر الأول: "أن آمنة قالت: لما وضعته ﵊" الظاهر: أن التصلية من الراوي؛ كما مر، "رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل" كأمر أصواتها كما في القاموس.
"وخفقان الأجنحة" مصدر خفق؛ كضرب، أي: اضطرابها "وكلام الرجال" الملائكة المتشكلين بصفتهم "حتى غشيته" تلك السحابة متعلق بمقدر، أي: أقبلت "وغيب عني، فسمعت مناديًا ينادي: طوفوا بمحمد ﷺ في مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض" متعلق بيعرفوه "واعرضوه" بهمزة وصل: أظهروه "على كل روحاني" بضم الراء، أي: من فيه روح بدليل قوله: "من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش، وأعطوه خلق آدم" بفتح الخاء وسكن اللام ففي حديث: "أنا أشبه الناس بأبي آدم، وكان أبي إبراهيم خليل الرحمن أشبه الناس بي خَلقًا وخُلقًا"، "ومعرفة شيث" بن آدم. نقل الثعلبي وغيره: أن الله علمه ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الحق في كل ساعة منها، فلعل هذا هو المراد بالمعرفة هنا، "وشجاعة نوح" ولو لم يكن من شجاعته إلا مكثه في قومه ألف سنة إلا خمسين مع تعنتهم عليه، وكفرهم وقلة من آمن معه، وهو لا يبالي بهم ويقاومهم كلهم ومواطن شجاعة نبينا ﷺ لا تحصر، "وخلة" بشد اللام "إبراهيم" لله في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ، وفي الصحيح: قوله ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلا غير ربي، لاتخذت أبا بكر خليلا" وأخرج أبو يعلى في حديث المعراج: "فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا"،стр. 212
ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس............................
الحواشي
(١) فثبت أنه خليل كإبراهيم، وزاد كونه حبيبًا "و" أعطوه "لسان إسماعيل" أي: لغته، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، أخرج الزبير بن بكار بسند جيد عن علي مرفوعًا، "أول من فتق الله لسانه بالعربية البينة إسماعيل"، وقد كان نبينا ﷺ أفصح الخلق على الإطلاق.
وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان عن ابن عمر، قال: قال عمر: يا نبي الله! ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال ﷺ : "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها" بل زاد على ذلك فكان يخاطب كل ذي لغة بلغته، اتساعًا في الفصاحة.
"ورضا إسحاق" بالذبح على أنه الذبيح في حديث: "أن داود سأل ربه مسألة، فقال: اجعلني مثل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر" الحديث، وقد رضي نبينا ﷺ بما هو أقوى من ذلك، فقد أدمى الكفار رجليه، وكسروا رباعيته، وشجوا وجهه، واجتمعوا على قتله، وحاربوه وهو مع ذلك كله راض، ويقول: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون".
"وفصاحة صالح" ذكر الثعلبي أنه كان من أفصح أهل زمانه وأحسنهم منطقًا، قال: وكان له من الحسن والجمال ما لا يقدر أحد أن يتمتع بالنظر إليه من نور وجهه، وكان أشبه الناس بشيث، وأعطاه الله من العلم والحلم والوقار والسكينة شيئًا كثيرًا، وكان لباسه الصوف، ونعلاه من خوص النخل، انتهى. والمصطفى لا يدانيه في الفصاحة أحد.
"وحكمة لوط" المشار لها بقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٤] ، قال البيضاوي: أي حكمة أو نبوة أو فصلا بين الخصوم، واقتصر الجلال على الثالث، وما بلغه نبينا من ذلك لا مضارع له فيه.
"وبشرى يعقوب" لعلها بسلامة ولده أو بالفوز بدعوة أبيه دون أخيه عبصو، وقد بشر نبينا ﷺ من ربه بأمور كثيرة.
"وشدة موسى" في دين الله وفي القوة، فقد حكي عنه قتل ذلك الرجل بوكزة وغير ذلك، ونبينا أعطي فوق ذلك فقد قتل أبي بن خلف بأدنى شيء حتى عيره قومه، فقال: لو بصق علي محمد لقتلني، وصارع بمكة رجلا كان لا يقدر على صرعه أحد فصرعه، إلى غير ذلك.
"وصبر أيوب" الممدوح عليه بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] ، وأحوال المصطفى في الصبر لا يضبطها الحصر.
"وطاعة يونس" لله تعالى من الصغر، روي: أنه لما بلغ سبع سنين قال لأمه: أريد كسوةстр. 213
وجهاد يوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى...............
الحواشي
(١) الصوف حتى ألحق بالعباد، فلم تجبه فلم يزل بها حتى كسته، وكان معهم حتى تم خمس عشرة سنة، ذكره الثعلبي، وطاعة المصطفى لربه من قبل السبع، فكان يخرج هو وأخوه من الرضاعة في بني سعد، فيمران بالغلمان يلعبون فيلعب أخوه، فإذا رآهم ﵊ أخذ بيد أخيه، وقال: "إنا لم نخلق لهذا".
"وجهاد يوشع" بن نون قاتل الجبارين بعد موسى يوم الجمعة، ووقفت له الشمس ساعة حتى فرغ من قتالهم، وقد جاهد ﷺ الجبارين ببدر يوم الجمعة ونصره الله عليهم، ثم استمر مجاهدًا في الله حق جهاد حتى توفاه الله، واستمر في شرعه الجهاد إلى يوم القيامة، ولله الحمد.
"وصوت داود" المشار له بحديث: "لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود"، يعني: داود نفسه، ولا ريب في أن المصطفى فاقه لما رواه الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا".
"وحب دانيال" آتاه الله النبوة والحكمة، روى ابن أبي الدنيا: "أن بختنصر ضرى أسدين وألقاهما في جب وأمر بدانيال فألقي عليهما" الحديث. وروى البيهقي: "أن دانيال طرح في الجب وألقيت عليه السباع، فجعلت تلحسه وتبصبص إليه، وأرسل الله له ملكًا بطعام" وروى ابن أبي الدنيا: "أن الملك الذي كان دانيا في سلطانه، قال له منجموه: يولد ليلة كذا وكذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل من يولد تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه ونجاه الله"، وأقوى من ذلك: مكث نبينا ﷺ في الغار ليلة الهجرة, وحفظ اللهِ له من الكفار الذين هم أشد من الأسد مع أن أحدهم لو نظر إلى عقبه لرآه وقد حفظه الله حين ولد من اليهودي ومكره به وتحريضه على قتله، بقوله: "يا معشر قريش، ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب"؛ كما يأتي قريبًا.
"ووقار إلياس" من ذرية هارون كان على صفة موسى في الغضب والقوة، ونشأ نشأة حسنة يعبد الله وجعله الله نبيًا ورسولا وآتاه آيات، وسخر له الجبال والأسود وغيرها، وأعطاه قوة سبعين نبيًا، ذكره الثعلبي. والمصطفى ﷺ لا يقارنه أحد في الوقار، وقد كان أصحابه لا يستطيعون إمعان النظر فيه لقوة مهابته ومزيد وقاره، ومن ثم لم يصفه إلا صغارهم أو من كان في تربيته قبل النبوة؛ كهند وعلي.
"وعصمة يحيى" بن زكريا من اللعب ونحوه من الصغر، قال الثعلبي: روي في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ، قيل: تعلم التوراة في صغره، وقيل: نزل عليه الوحي لثلاثينстр. 214
وزهد عيسى، واغمسوه في أخلاق النبيين قالت: ثم انجلي عني فإذا به قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول: بخ بخ قبض محمد على الدنيا كلها لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته، قالت ثم نظرت إليه ﷺ فإذا هو كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع..............
الحواشي
(١) سنة، وقيل: إن صبيانًا دعوه في صغره للعب، فقال: "أو للعب خلقنا"، وقد حكي أن زكريا قال: إن كان هذا الولد يريد الدنيا فلا حاجة لنا فيه، وإن كان يريد الآخرة فمرحبًا به، فقال جبريل: إنه لا يريد إلا الآخرة، فظهر يحيى ونشأ نشوأ حسنًا، انتهى. وقد عصم نبينا من كل شيء من أول أمره ومر اجتنابه اللعب عقب فطامه، وقوله: "إنا لم نخلق لهذا" وكانت همته وإرادته كلها في مرضاة ربه.
"وزهد عيسى" ابن مريم المشهور، وقد فاق المصطفى كل زاهد حتى منع بعضهم من إطلاق الزهد عليه معللا بأنه لا قيمة للدنيا عنده حتى يزهد فيها، وقد عرض عليه أن تسير معه الجبال ذهبًا وفضة فأبى، وخير بين الملك والعبودية، فاختار العبودية.
"واغمسوه في أخلاق النبيين" كلها ليجتمع فيه ما تفرق في غيره، كيف وقد كان خلقه القرآن.
"قالت" آمنة: "ثم انجلى عني" ما رأيته من السحابة وما فيها، "فإذا به" ﷺ "قد قبض على حريرة خضراء مطوية طيًا شديدًا ينبع" مثلث الموحدة؛ كما في القاموس والإرشاد وغيرهما، أي: يخرج "من تلك الحريرة ماء، وإذا بقائل يقول: بخ بخ" الأول منون والثاني مسكن، وبتسكينهما وبتنوينهما وبتشديدهما، وتفرد ساكنة ومكسورة ومنونة مضمومة، كلمة تقال عند الرضا، أي: عظم الأمر وفخم؛ كما في القاموس. "قبض محمد على الدنيا كلها" والإشارة إلى ذلك قبضه على الحريرة بيده، "لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعًا في قبضته" حقيقة أو حكمًا؛ لظهور ما معهم من البراهين الدالة على أن امتناعهم من الإيمان مجرد عناد وظلم، فلا يرد أن كثر ما آمنوا به، أو باعتبار مبدأ الخلق لولادة الجميع على الفطرة.
"قالت: ثم نظرت إليه ﷺ ، فإذا هو كالقمر" كذا في نسخة وهي ظاهرة؛ لأن إذا الفجائية تختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال لا الاستقبال؛ كما في المغني. وفي نسخة: فإذا به كالقمر فيه خبر مقدم، وكالقمر صفة لمحذوف، أي: نور، والكاف اسم، بمعنى: مثل، فهو من الوصف بمفرد أو الباء مزيدة في المبتدأ على أن زيادتها فيه مقيسة، والأصل: فإذا هو كالقمر، فانقلب الضمير. "ليلة البدر ريحه يسطع"стр. 215
كالمسك الأذفر، وإذا بثلاثة نفر في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست من زمرد أخضر وفي يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه في الحريرة ثم احتمله فأدخله بني أجنحته ساعة ثم رده إلي ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.
وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ في كتابه المولد -كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشي في شرح بردة المديح- عن ابن عباس: لما ولد ﷺ قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم
الحواشي
(١) بفتح الطاء يظهر "كالمسك الأذفر" بذال معجمة الذكي "وإذا بثلاثة نفر" بالتنوين، ونفر بدل منه وبالإضافة بيانية عند البصرة، أو من إضافة الصفة لموصوفها عند الكوفة؛ كما صرح به الرضي خلافًا لزعم أبي البقاء: أن الصواب التنوين في مثله.
"في يد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الآخر طست" بفتح الطاء وكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة، وقد تحذف وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيئ، وأخطأ من أنكرها قاله الحافظ: "من زمرد" بضمات والراء مشددة والذال معجمة على الأفصح، وقد مر. "أخضر، وفي يد الثالث حريرة بيضاء، فنشرها" أي: فردها، "فأخرج منها خاتمًا تحار أبصار الناظرين دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد: تتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة. "فغسله" أي: غسل الملك النبي ﷺ ؛ لأنه المحدث عنه "من ذلك الإبريق سبع مرات، ثم ختم بين كتفيه بالخاتم، ولفه" أي: لف الملك النبي ﷺ "في الحريرة، ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة" الظاهر: أن المراد مدة من الزمن لا الفلكية، "ثم رده إلي، وراه" أي: هذا الحديث "أبو نعيم عن ابن عباس، وفيه نكارة، وروى الحافظ أبو بكر ابن عائذ في كتابه المولد؛ كما نقله عنه الشيخ بدر الدين" محمد بن عبد الله "الزركشي" الشافعي العلامة البارع، ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وأخذ عن الأسنوي ومغلطاي وابن كثير وغيرهم، وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، مات في رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة الصغرى. "في شرح بردة المديح" للبوصيري التي أولها:
أمن تذكر جيران بذي سلم
"عن ابن عباس" ﵁، أنه قال: "لما ولد ﷺ قال في أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقي لنبي علم إلا وقد أعطيته" وإذا كان كذلك "فأنت أكثرهمследующие страницы →