Полный текст (5 943 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله ﷺ قال: "كنت مسترضعًا في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد، مع أتراب لي من الصبيان، إذ أنا برهط ثلاثة
الحواشي
(١) السنة الثالثة لقوله فيه بشهرين أو ثلاثة، وقد قال ابن عباس: رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين، وقال غيره: وهو ابن أربع؛ حكاهما الواقدي. وقال ابن عبد البر: ردته بعد خمس سنين ويومين. وقال الأموي: وهو ابن ست سنين. وحاول في النور الجمع بتعدد الواقعة مستدلا بأن صدره شق مرارًا، وفيه ما فيه. وأيضًا يعكر عليه أن الأموي ذكر أن حليمة لم تره بعد إلا مرتين بعد تزويج خديجة جاءته تشكو السنة، وأن قومها أسنتوا كلهم فكلم خديجة فأعطتها عشرين من الغنم وبكرات، والثانية يوم حنين. والراجح أنه ﷺ رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وإن شق الصدر إنما كان في الرابعة؛ كما جزم به الحافظ العراقي في نظم السيرة وتلميذه الحافظ ابن حجر في سيرته وهي صغيرة مفيدة، وذكر أنه التزم فيها الاقتصار على الأصح مما اختلف فيه، قال العراقي:
أقام في سعد بن بكر عندها ... أربعة الأعوام تجني سعدها
وحين شق صدره جبريل ... خافت عليه حدثا يئول
ردته سالما إلى آمنة
ولفظ سيرة ابن حجر: أقام عندها أربع سنين أرضعته حولين كاملين، ثم أحضرته إلى أمه وسألتها أن تتركه عندها إلى أن يشب ففعلت، فأتاه جبريل فشق صدره وأخرج منه علقة، فقال: هذا خط الشيطان منك، فخافت عليه حليمة فرجعته إلى أمه، انتهى.
ومن خطه نقلت: "وفي حديث شداد بن أوس عن رجل من بني عامر" لا يضر إبهامه؛ لأن الصحابة كلهم عدول ولا سيما وهو من رواية صحابي عن صحابي، عند أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر: أن رسول الله ﷺ قال: "كنت مسترضعًا" بصيغة اسم الفاعل وسين التأكيد لا الطلب، وإن كان الأصل فيها وليس اسم مفعول؛ لأن فعله لازم، "في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم" تأنيث ذي بمعنى صاحب، أي: في ساعة ذات يوم، أي: منه، فحذف ذلك لوضوح المراد؛ كقول امرئ القيس:
إذا قامتا تضوع المسك منها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
أي: مثل تضوع نسيم الصبا، "في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان" جمع ترب، وهو من ولد معه؛ كما في القاموس بأن كان في سنه. "إذ أنا برهط" بسكون الهاء أفصح من فتحها "ثلاثة" وسمى الملائكة رهطًا لمجيئهم على صورة الرجال، إذ الرهط لغة ما دون العشرة منстр. 282
معهم طست من ذهب، مليء ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق الصبيان هربًا مسرعين إلى الحي، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا، ثم أخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قام الثاني فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي وأنا أنظر إليه وصاعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده...........................
الحواشي
(١) الرجال ليس فيهم امرأة؛ كما في النهاية وغيرها. "معهم طست من ذهب مليء" نعت للطست على معنى الإناء، لا اللفظ؛ لأنها مؤنثة. "ثلجًا، فأخذوني من بين أصحابي" أترابي الذين كنت معهم، "وانطلق الصبيان هربًا" بكسر الهاء وتخفيف الراء جمع هارب، ويجوز ضم الهاء مع شد الراء "مسرعين" صفة لازمة، ففي الصحاح هرب الرجل إذا جد في الذهاب مذعورًا، "إلى الحي" بفتح الميم، ونقل في النور عن الليلي كسرها؛ كما مر، "فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعًا لطيفًا" لم يشق عليّ "ثم شق ما بين مفرق" كمسجد وتكسر ميمه أيضًا؛ كما في الصحاح. "صدري" والمراد منه الموضع الذي يفترق فيه عظم الصدر وهو رأس المعدة، "إلى منتهى عانتي".
قال الأزهري وجماعة: هي منبت الشعر فوق قبل المرأة وذكر الرجل، والشعر النابت عليها يسمى الشعرة.
"وأنا أنظر إليه، لم أجد لذلك مسًا" أي: أثرًا؛ كأنه لم يمس، ولا ينافيه وجدانه منتقعًا لجواز أنه من الفزع الحاصل من مجرد رؤية الملك وشق الصدر، "ثم أخرج أحشاء بطني" جمع حشى بالقصر، وهي المصارين "ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها" أحسنه مجاز عن جعل الشيء ناعمًا، "ثم أعادها مكانها".
قال السهيلي في حكمه: الثلج لما يشعر به من ثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بوحدانية ربه، انتهى. "ثم قام الثاني، فقال لصاحبه: تنح" فتنحى فوقف مكانه، "ثم أدخل يده في جوفي وأخرج قلبي، وأنا أنظر إليه وصاعه " شقه، "ثم أخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها" وعند مسلم وأحمد من حديث أنس: فأخرج علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك ولا منافاة فقد تكون العلقة لكبرها تشبه المضغة. "ثم قال بيده" أشار بها من إطلاق القول على الفعل مجازًا لغويًا، فقد قال ثعلب وغيره: العرب تطلق القول على جميع الأفعال، قال ابن بطال: سمي الفعل قولا؛ كما سمي القول فعلا في حديث: "لا حسد إلا في اثنتين" حيث قال في الذي يتلو القرآن: لو أوتيت مثل ما أوتي لفعلت مثل ما فعل، وتقولстр. 283
يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ نورًا وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثالث لصاحبه تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنهاضًا لطيفًا ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك" ...
الحواشي
(١) العرب: قل لي برأسك، أي: أمله.
"يمنة ويسرة، كأنه يتناول شيئًا فإذا بخاتم في يديه من نور يحار الناظر دونه" أي: في مكان أقرب منه، والمراد يتحير فيما دون ذلك الخاتم لصفته الخارقة للعادة، "فختم به قلبي وامتلأ" قلبي "نورًا، وذلك نور النبوة والحكمة" قال النووي: فيها أقوال كثيرة مضطربة صفا لنا منها أنها العلم المشتمل على المعرفة بالله مع نفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق للعمل به، والكف عن ضده والحكيم من حاز ذلك، انتهى ملخصًا قاله الحافظ. "ثم أعاده" أي: قلبي "مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا" أي: مدة طويلة واستمر.
ففي رواية: "فأنا الساعة أجد برده في عروقي ومفاصلي"، قاله الشامي. "ثم قال الثالث لصاحبه: تنح، فأمر يده بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني" أقامني "من مكانه" الذي كان أضجعني فيه "إنهاضًا لطيفًا، ثم قال الأول للثالث: زنه بعشرة من أمته فوزنني فرجحتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف" فوزنني "فرجحتهم، فقال" يخاطب صاحبيه: "دعوه" اتركوه فهو من استعمال الجمع موضع المثنى، ويجوز أنه كان معهم غيرهم، "فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني" تبركًا وإيناسًا، "ثم قالوا: يا حبيب" الله والمؤمنين "لم ترع" بضم أوله وفتح الراء فمهملة مجزوم، أي: لم تخف بعد ولم يقصد به الأمر. وفي نسخة: لن تراع، بزيادة ألف منصوب بلن وهي أولى، إذ المقصود بشارته والتسهيل عليه حتى لا يحصل له الروع في المستقبل، وبمثل النسختين ورد حديث رؤيا ابن عمر في الصحيح، وروي فيه أيضا: لن ترع، ووجه ابن مالك بوجهين لا داعي لإيرادهما هنا.
"إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك" سكنت وبردت كناية عن السرور،стр. 284
الحديث.
وفي رواية ابن عباس، عند البيهقي، قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة يعدو فزعًا، وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت، الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه ﵇ قال: "أتاني رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء". الحديث.
فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أو...........
الحواشي
(١) قال في الفتح: قرت العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان ويوافقه؛ لأن عينه قرت، أي: سكنت حركتها عن التلفت لحصول غرضها فلا تستشرف لشيء آخر وكأنه مأخوذ من القرار، وقيل: معناه أنام الله عينك وهو يرجع إلى هذا، وقيل: بل هو مأخوذ من القر، وهو البرد، أي: إن عينه باردة لسروره، ولذا قيل: دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، ومن ثم قيل في ضده: أسخن الله عينه، انتهى. "الحديث".
"وفي رواية ابن عباس عند البيهقي: قالت حليمة: إذا أنا بابني ضمرة" مر أن اسمه عبد الله، وأنه وقع في رواية البيهقي هذه: ضمرة، وأن الشامي توقف، فقال والله أعلم. "يعدو فزعًا" بفتح الزاي مفعول لأجله وبكسرها حال، "وجبينه يرشح باكيًا ينادي: يا أبت، يا أمت" وفي نسخة: يا أماه، ولعل الأصل يا أمتا بإشباع الفتحة فتولد منها ألف ثم قدم الألف على التاء للقلب المكاني فصار: يا أمات، ثم قلبت التاء هاء؛ كما قيل بمثله في: يا أبات.
"الحقا محمدًا فما تلحقانه إلا ميتًا، أتاه رجل" وتقدم أنه قال: رجلان، الموافق لقول المصطفى فيه: "جاءني رجلان" فيجوز أن المختطف الصاعد واحد فقط؛ كما قد يدل له قوله: "فاختطفه من أوساطنا وعلا" صعد "به ذروة" بكسر الذال وضمها: أعلى "الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه" أي: حديث ابن عباس هذا, أنه ﵇، قال: "أتاني رهط ثلاثة" وهو موافق لما في حديث شداد عنه ﵇: "لماء فوق هذا" ... الحديث، ومخالف كما ترى لقول ضمرة: رجل أو رجلان، فلعله لم ير سوى اثنين، وأما المصطفى، فرأى الثلاثة "بيد أحدهم إبريق من فضة، وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء" ... الحديث بطوله وغرضه أيضًا من سياقه التنبيه على ما فيه من مخالفة الحديث فوقه في أن الطست من ذهب، فيحتمل والله أعلم أن الزمرد مرصع فوق الذهب، "فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف في الطست خاص به، أوстр. 285
فعل بغيره من الأنبياء ﵈؟
أجيب: بأنه ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبري، وعزاه العماد ابن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس.
فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس؟
أجيب: بأنه إشارة إلى ختم............................
الحواشي
(١) فعل بغيره من الأنبياء ﵈" قلت: "أجيب بأنه ورد في خبر التابوت" الصندوق الذي كان فيه صور الأنبياء، أنزله الله على آدم قاله الجلال، وقال البيضاوي: هو صندوق التوراة وكان من خشب الشمشار مموهًا بالذهب نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، انتهى. ولا منافاة بينهما "والسكينة" الطمأنينة الحاصلة من ذلك التابوت، وقيل: إنها ريح هفافة لها وجه كوجه إنسان، أخرجه ابن جرير عن علي، زاد مجاهد: ورأس كرأس الهر، وزاد ابن أبي الربيع عن أنس: لعينيها شعاع.
زاد أبو الشيخ: إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليها، فيهزم الجيش من الرعب، "أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء" فليس خاصًا بنبينا ﷺ ، "ذكره الطبري" يعني محمد بن جرير أحد الأعلام، وحكاه عنه السهيلي والحافظ في الفتح، وأقره قائلا: هذا يشعر بالمشاركة، وذكر البرهان أنه رأى بهامش الروض عن ابن دحية أن هذا أثر باطل، انتهى. وهو مردود، فقد رواه سعيد بن منصور وابن جرير بسند ضعيف عن السدي عن ابي مالك عن ابن عباس. "و" هو الذي "عزاه" العماد "بن كثير في تفسيره لرواية السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس" فحيث وجد مسندًا وليس فيه وضاع ولا كذاب، فمن أين يجيء بطلانه خصوصًا وقد أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن السدي الكبير، في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] ، قال: طست من ذهب الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.
وفي الفتح: اختلف هل كان شق صدره وغسله مختصًا به أو وقع لغيره من الأنبياء، فذكر المنقول عن الطبري، قال الشامي: والراجح المشاركة، وما صححه الشيخ -يعني السيوطي- في خصائصه الصغرى من عدم المشاركة لم أر ما يعضده بعد الفحص الشديد، انتهى. "فإن قلت: ما الحكمة في ختم قلبه المقدس" ﷺ "أجيب" وفي نسخة بالفاء وحذفها أولى، كما مر "بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به؟ " الأولى النبوة، لأن ختم الرسالة لا يستلزم ختم النبوة بخلافстр. 286
الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان الختم خاصا به، أما إذا ورد أنه ليس خاصًا به بل بكل نبي فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبي وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما في الخاتم الشريف من المباحث.
والمراد بالوزن: في قوله: "زنه بعشرة ... إلخ" الوزن الاعتباري، فيكون المراد به الرجحان في الفضل، وهو كذلك.
وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول ﵇ ذلك، حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية.
الحواشي
(١) العكس، "وهذا مسلم إن كان الختم" أي: خاتم النبوة "خاصًا به، أما إذا" أي: حيث "ورد أنه ليس خاصًا به، بل بكل نبي، فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها النبي عن غيره ممن ليس بنبي، ويأتي قريبًا" جدًا "إن شاء الله تعالى، ما في الخاتم الشريف من المباحث" ولما كان المتبادر من الوزن في الحديث الحقيقي، وليس مرادًا بين المراد بقوله: "والمراد بالوزن في قوله" أي: الملك "زنه بعشرة إلخ" يريد وزنه بألف "الوزن الاعتباري" لا الحقيقي؛ فكأنه قال: اعتبره بعشرة، "فيكون المراد به الرجحان" وفي نسخة والرجحان، أي: المراد بالرجحان الرجحان، "في الفضل وهو كذلك" ووقع في حديث ساقه الشامي، ثم قال: "زنه بألف فوزنوني فرجحتهم" فجعلت أنظر إلى الألف، فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم، وهذا كالصريح في أنه حسي، اللهم إلا أن يقال فيه: تجوز، والمراد: رأيت زيادة رجحان في الاعتبار لو كانت محسوسة لكادت أن يسقط علي بعضها.
"وفائدة فعل الملكين ذلك: ليعلم الرسول ﵇ ذلك حتى يخبر به غيره، ويعتقده إذ هو من الأمور الاعتقادية" ولما نقل الشامي من أول قوله: والمراد إلى هنا عن بعض العلماء قال: وسألت شيخ الإسلام برهان الدين بن أبي شريف عن هذا الحديث قبل وقوفي على الكلام السابق، فكتب لي بخطه: هذا الحديث يقتضي أن المعاني جعلها الله تعالى ذواتًا، فعند ذلك قال الملك لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، فلعل ترجح ماله ﷺ رجحانًا طاش معه ما للألف بحيث يخيل إليه أنه يسقط بعضهم، ولما عرف الملكان منه لرجحان، وأنه معنى: لو اجتمعت المعاني كلها التي للأمة ووضعت في كفة ووضع ماله ﷺ لرجح على الأمة، قالوا: لو أن أمته وزنت به مال بهم؛ لأن مآثر خير الخلق وما وهبه الله تعالى له من الفضائل يستحيل أن يساويها غيرها.стр. 287
وقد وقع شق صدره الشريف واستخراج قلبه مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء.
وروى الشق أيضًا، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أبو نعيم في الدلائل.
وروي خامسة، ولا تثبت.
والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه، واستخراج العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل الأحوال من العصمة.
الحواشي
(١) "وقد وقع شق صدره الشريف، واستخرج قلبه مرة أخرى" هي ثالثة "عند مجيء جبريل له بالوحي في غار حراء" كما أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائلهما والطيالسي والحارث في مسنديهما من حديث عائشة، وسأذكر الحديث إن شاء الله تعالى هناك، قال الحافظ: والحكمة فيه زيادة الكرامة ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير.
"ومرة أخرى" وهي رابعة "عند الإسراء" رواه الشيخان وأحمد من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله ﷺ حدثهم، فذكره الشيخان والترمذي والنسائي من طريق الزهري، عن أنس عن أبي ذر مرفوعًا، ورواه البخاري من طريق شريك عن أنس رفعه، ومسلم والبرقاني وغيرهما من طريق ثابت عن أنس رفعه بلا واسطة، فلا عبرة بمن نفاه؛ لأن رواته ثقات مشاهير. قال الحافظ: والحكمة فيه الزيادة في إكرامه ليتأهب للمناجاة، قال ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة؛ كما تقرر في شرعه، انتهى. وفيه: أن هذه رابعة؛ كما أشار له بقوله.
"وروي" بالبناء للفاع "الشق أيضًا وهو ابن عشر" من السنين "أو نحوها" يعني أشهرًا؛ كما في رواية في الزوائد وهي المرة الثانية، وقد جزم بها الحافظ في كتاب التوحيد "مع قصة له مع عبد المطلب أبو نعيم" فاعل روى "في الدلائل" ورواها أيضًا عبد الله بن أحمد في زوائد المسند بسند رجاله ثقات وابن حبان والحاكم وابن عساكر والضياء في المختارة، عن أبي بن كعب: أنا أبا هريرة، قال: يا رسول الله! ما أول ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إن لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على خلق قط فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي، لا أجد لأخذهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني".
وفي لفظ: "فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، ففلقاه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي، ثم قال: شق قلبه، فشق قلبي فأخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به" فذكر الحديث. قال الشامي: والحكمة فيهстр. 288
" ذكر خاتم النبوة ":
وقد روي أنه ختم بخاتم النبوة......................
الحواشي
(١) أن العشر قريب من سن التكليف فشق قلبه وقدس حتى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، قال: لكن هل كان في هذه المرة بختم لم أقف عليه في شيء من الأحاديث. وأما الثلاث المرات، ففي كل مرة يختم؛ كما هو مقتضى الأحاديث، انتهى ملخصًا.
"وروي" شق صدره مرة "خامسة" وهو ابن عشرين سنة، فيما قيل: "ولا تثبت" فلا تذكر إلا مقرونة ببيان عدم الثبوت، "والحكمة في شق صدره الشريف في حال صباه" وهو عند ظئره، كما مر. قال البرهان: وهو متفق عليه عند الناس. "واستخراج العلقة منه" هي كما قال الحافظ: "تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف في سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ على أكمل الأحوال من العصمة" من الشيطان وغيره، وخلقت هذه العلقة؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقت تكملة للخلق الإنساني ولا بد ونزعها كرامة ربانية طرأت بعده، فإخراجها بعد خلقها أدل على مزيد الرفعة وعظيم الاعتناء والرعاية من خلقه بدونهما، قاله العلامة السبكي. وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يكن للآدميين اطلاع على حقيقته، فأظهره الله على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر.
ذكر خاتم النبوة:
"وقد روي أنه ختم بخاتم النبوة" قال القرطبي في المفهم: سمي بذلك لأنه أحد العلامات التي يعرفه بها علماء الكتب السابقة، ولذا لما حصل عند سلمان من علامات صدقه ما حصل كموضع مبعثه ومهاجره جد في طلبه، فجعل يتأمل ظهره فعلم ﷺ أنه يريد الوقوف على خاتم النبوة، فأزال الرداء عنه، فلما رأى سلمان الخاتم أكب عليه فقبله، وقال: أشهد أنك رسول الله. وفي قصة بحيراء الراهب: وإني أعرفه بخاتم النبوة، وقال غيره: إضافته للنبوة لكونه من آياتها أو لكونه ختمًا عليها لحفظها، أو ختمًا عليها لإتمامها كما تكمل الأشياء، ثم يختم عليها قال السهيلي: وحكمة وضعه أنه لما شق صدره وأزيل منه مغمز الشيطان ملئ قلبه حكمة وإيمانًا، فختم عليه كما يختم على الإناء المملوء مسكًا، انتهى.стр. 289
بين كتفيه، وكان ينم مسكًا.
وأنه مثل زر الحجلة، ذكره البخاري.
وفي مسلم: جمع عليه خيلان، كأنها الثآليل السود عند نغض كتفه، ويروى: غضروب كتفه اليسرى.
الحواشي
(١) وروى الحربي في غريبة وابن عساكر في تاريخه عن جابر، قال أردفني ﷺ خلفه، فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم علي مسكًا. ومر في حديث شداد: أنه من نور يحار الناظر دونه، قال شيخنا: فلعل المراد أن الذي ختم به شديد اللمعان حتى كأنه جسم من نور، قلت: بقاؤه على ظاهره أولى.
"بين كتفيه" وفي مسلم: إلى جهة كتفه اليسرى، فالبينية تقريبية إذا الصحيح كما يأتي في المتن عن السهيلي أنه عند كتفه الأيسر، "وكان ينم مسكًا" روي بضم النون وكسرها، أي: تظهر منه رائحة المسك، قال في المقتفى: من قولهم نمت الريح إذا جلبت الرائحة، انتهى، وهو مستعار من النميمة، ومنه سمي الريحان نمامًا لطيب رائحته، وهي استعارة لطيفة شائعة.
"وأنه مثل زر" بزاي فراء على المشهور، وقيل بالعكس. "الحجلة" بفتحتين، وقيل: بسكون الجيم مع ضم الحاء، وقيل: مع كسرها ذكره غير واحد. وفي المطالع: أن بعضهم ضبطه بضم الحاء وفتح الجيم على أنه من حجل الفرس. "ذكره" أي: رواه "البخاري" وكذا مسلم كلاهما من حديث السائب بن يزيد.
"وفي" صحيح "مسلم" ومسند أحمد من حديث عبد الله بن سرجس وهو بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم، فمهملة: أنه "جمع عليه خيلان؛ كأنها" أي: الخيلان "الثآليل السود" فالتشبيه في لونها لا صورتها "عند نغض" بضم النون وفتحها وسكون المعجمة آخره ضاد معجمة؛ كما ضبطه المصنف بشرح البخاري. "كتفه" اليسرى، "ويروى" بدل نغض "غضورف" بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة ففاء، ويقال: غضروف بتقديم الراء أيضًا، وهو رأس لوح "كتفه اليسرى" محذوف من الأول لدلالة الثاني، وهذا نقل لما في مسلم بالمعنى، ولفظه من حديث المذكور؛ ثم درت خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عندنا غض كتفه اليسرى جمعًا عليه خيلان كأمثال الثآليل، ودرت من الدوران وجمعًا نصب على الحال.
قال السهيلي: وحكمة وضعه عند النغض؛ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يدخل الشيطان، وقد روى ابن عبد البر بسند قوي عن عمر بن عبد العزيز: أن رجلاстр. 290
وفي كتاب أبي نعيم: الأيمن.
وفي مسلم أيضًا: كبيضة الحمامة.
وفي صحيح الحاكم: شعر مجتمع.
وفي البيهقي: مثل السلعة.
الحواشي
(١) سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأرى جسدًا ممهى يرى داخله من خارجه، وأرى الشيطان في صورة ضفدع عند كتفه حذاء قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس، قال في الفتح: وهو مقطوع وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى وابن عدي، ولفظه: "أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم" الحديث، وممهى بضم الميم الأولى وسكون الثانية وتخفيف الهاء اسم مفعول من أمهاه، أي: مصفى. وفي النهاية: أنه رأى ذلك منامًا قال: والمها البلور، وكل شيء صفى فهو ممهى تشبيهًا به زاد في الفائق أو مقلوب من مموه وهو مفعل من أصل الماء، أي: مجعول الماء.
"وفي كتاب أبي نعيم" عند نغض أو غضروف كتفه "الأيمن" ولا شك في شذوذ هذا لمباينته ما في الصحيح الواجب تقديمه، وعلم من تعبيره أولا باليسرى، وثانيًا بالأيمن، أن الكتف يذكر ويؤنث، وبه صرح ابن مالك. "وفي مسلم أيضًا" عن جابر بن سمرة أثناء حديث بلفظ: ورأيت الخاتم عند كتفه، "كبيضة" نقل بالمعنى، ولفظه: مثل بيضة "الحمامة" يشبه جسده، وأخرجه عنه أيضًا من وجه آخر مختصرًا بلفظ: رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام، ووقع في رواية لابن حبان: كبيضة نعامة. قال الحافظ الهيثمي: والصواب ما في الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر: قد تبين من رواية مسلم أنها غلط من بعض رواته.
"وفي صحيح الحاكم" المستدرك: وكذا في الترمذي وأبي يعلى والطبراني كلهم من حديث عمرو بن أخطب، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ادن فامسح ظهري"، فدنوت ومسحت ظهره ووضعت أصابعي على الخاتم، فقيل له: وما الخاتم؟ قال: "شعر مجتمع" عند كتفه، أي: ذو شعر أو فيه شعر، فلا ينافي حديث أبي سعيد عن البخاري في تاريخه، والبيهقي: أنه لحمة ناتئة، وكأنه رآه على استعجال فلم ير إلا الشعر فأخبر عنه.
"وفي البيهقي" وأحمد وابن سعد من طرق عن أبي رمثة بكسر الراء وسكون الميم فثاء مثلثة، قال: انطلقت مع أبي إلى رسول الله ﷺ فنظرت إلى "مثل السلعة" بين كتفيه بكسر فسكون فمهملة مفتوحة، أي: خراج كهيئة الغدة تتحرك بالتحريك، ورواه قاسم بن ثابت منстр. 291
وفي الشمائل: بضعة ناشزة.
وفي حديث عمرو بن أخطب: كشيء يختم به.
وفي تاريخ ابن عساكر: مثل البندقة.
وفي الترمذي ودلائل البيهقي: كالتفاحة.
وفي الروض: كأثر المحجمة القباضة على اللحم.
وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم.
الحواشي
(١) حديث قرة بن إياس.
"وفي الشمائل" للترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: الخاتم الذي بين كتفي رسول الله ﷺ "بضعة" بفتح الموحدة، وحكي كما في الفتح ضمها وكسرها أيضًا وسكون المعجمة، أي: قطعة لحم "ناشزة" بنون وشين مكسورة، فزاي معجمتين مرتفعة ولأحمد عنه لحم ناشز بين كتفيه، وللبيهقي والبخاري في التاريخ عنه لحمة ناتئة وكلتا الروايتين تفسر رواية بضعة. "وفي حديث" ابن أبي شيبة عن "عمرو بن أخطب" بفتح الهمزة وسكون المعجمة صحابي بدري خرج له مسلم والأربعة، "كشيء يختم به" لفظ ابن أبي شيبة عنه: رأيت الخاتم على ظهره ﷺ هكذا؛ كأنه يختم به، أي: على صورة الآلة التي يختم بها. وفي الشمائل عنه: "شعرات مجتمعات، ومر لفظ الجماعة عنه: شعر مجتمع، فيحمل على أن مراده أن الشعرات على صورة الشيء الذي يختم به بلا منافاة.
"وفي تاريخ ابن عساكر" وتاريخ الحاكم وصحيح ابن حبان عن ابن عمر: "مثل البندقة" من اللحم "وفي" جامع "الترمذي ودلائل البيهقي" عن أبي موسى الأشعري"كالتفاحة" ولفظه: كان خاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة.
"وفي الروض" الأنف على قول ابن هشام كان كأثر المحجم، يعني: "كأثر المحجمة" بكسر الميم "القابضة على اللحم" حتى يكون ناتئًا، انتهى كلام الروض. قال الشامي: هي الآلة التي يجتمع بها دم الحجامة عند المص، والمراد من أثرها اللحم الناتئ من قبضها عليه ويأتي أنه غير ثابت، أي: ضعيف. وقد رواه أحمد والبيهقي عن التنوخي رسول هرقل في حديثه الطويل بلفظ: فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف، مثل المحجمة الضخمة.
"وفي تاريخ" أبي بكر "بن أبي خيثمة" عن بعضهم "شامة خضراء محتفرة" بالراء، أي: غائرة "في اللحم" مغطاة بالجلد.стр. 292
وفيه أيضًا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات كأنها عرف الفرس.
وفي تاريخ القضاعي: ثلاث شعرات مجتمعات.
وفي كتاب الترمذي الحكيم: كبيضة حمام، مكتوب في باطنها: الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها: توجه حيث كنت فإنك منصور.
وفي كتاب المولد لابن عائذ: كان نورًا يتلألأ.
وفي سيرة ابن أبي عاصم: عذرة كعذرة الحمام....................
الحواشي
(١) "وفيه أيضًا" عن عائشة، قالت: كان خاتم النبوة "شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات" مجتمعات "كأنها عرف" بضم العين شعر عنق "الفرس" أي: في الاجتماع، ويأتي أنهما غير ثابتين.
"وفي تاريخ" أبي عبد الله محمد بن سلامة "القضاعي" بضم القاف وضاد معجمة وعين مهملة مر بعض ترجمته "ثلاث شعرات مجتمعات" بجره نعت لشعرات، ورفعه نعت لثلاث.
"وفي كتاب" نوادر الأصول للإمام الحافظ محمد بن علي "الترمذي الحكيم" الصوفي سمع الكثير من الحديث بالعراق ونحوه، وهو من طبقة البخاري حدث عن قتيبة بن سعيد وغيره، وحسبك فيه قول الحافظ ابن النجار في تاريخه: كان إمامًا من أئمة المسلمين له المصنفات الكبار في أصول الدين ومعاني الحديث، لقي الأئمة الكبار وأخذ عنهم. وقول أبي نعيم في الحلية: له التصانيف الكثيرة في الحديث، مستقيم الطريقة تابع للأثر له حكم عليه الشأن، وقول ابن عطاء الله: كان الشاذلي والمرسي يعظمانه جدًا، ولكلامه عندهما الحظوة التامة، ويقولان: هو أحد الأوتاد الأربعة. وأطال القشيري وغيره الثناء عليه، مات سنة خمس وتسعين ومائتين. "كبيضة حمامة مكتوب في باطنها" أي: البيضة، قال شيخنا: ولعل المراد ما يلي جسده الشريف. "الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها" قال شيخنا: لعل المراد ما يقابل الجهة التي خلفه "توجه حيث كنت" أي: إلى أي جهة أردت، فلا تفرق بين مكان ومكان، "فإنك منصور" ورواه أبو نعيم أيضًا ويأتي أنه غير ثابت، وقال في المورد: هو حديث باطل، انتهى. ولا يقدح في جلاله من خرجه؛ لأن المحدثين عندهم إذا أبرزوا الحديث بسنده برءوا من عهدته.
"وفي كتاب المولد" النبوي "لابن عائذ" بمهملة فتحتية فمعجمة عن شداد بن أوس "كان نورًا يتلألأ" أي: صورة ذات نور كأنه لشدته ما يمكن من وصفه بصورة يعبر بها عنه، "وفي سيرة ابن أبي عاصم عذرة كعذرة الحمام" في النهاية العذرة بالضم وجع في الحلق يهيج من الدم أوстр. 293
قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة. وهي نقطة على أصل منقارها كما يأتي فليس المراد بالعذرة حقيقتها.
وفي تاريخ نيسابور: مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله.
وعن عائشة: كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلي الفقار قالت: فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع.
الحواشي
(١) قرحة تخرج في الخرم الذي بين الأنف والحلق.
"قال أبو أيوب: يعني قرطمة الحمامة وهي نقطة على أصل منقارها، كما يأتي فليس المراد بالعذرة حقيقتها وفي تاريخ نيسابور" بفتح النون لأبي عبد الله الحاكم، وكذا في صحيح ابن حبان من طريق إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: كان خاتم النبوة على ظهره ﷺ "مثل البندقة من اللحم مكتوب فيه باللحم" يحتمل أن اللحم بارز أو غائر بحروف "محمد رسول الله" ولا يتوهم أحد أنه بمداد مع قوله: باللحم، ويأتي أنه ضعيف وإنما قصر عزوه لتاريخ الحاكم لزيادته على ابن حبان لفظًا باللحم، ولقوله: "و" فيه أيضًا "عن عائشة" ﵂ "كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة" بضم الدال السواد، "وكان مما يلي الفقار" بفتح الفاء وكسرها؛ كما في القاموس.
واقتصر المصباح على الفتح، فقال جمع فقارة كسحاب جمع سحابة عظام الظهر. "قالت فالتمسته حين توفي فوجدته قد رفع" أي: ظهوره، فاختفى في جسده كما تتقلص الأنثيان عند الوفاة، لا أنه نزع من جسده فلا ينافي قول شيخ الإسلام الولي ابن العراقي في جواب سؤال، وأما دفنه معه فلا شك فيه؛ لأنه قطعة من جسده، انتهى. وعليه: فهل يبعث به يوم القيامة ظاهرًا في جسده كالدنيا إظهارًا لشرفه بتلك العلامة التي لم تكن لغيره، فإن شامات الأنبياء كانت في أيديهم أم لا؟ فإن قيل: النبوة والرسالة باقيتان بعد الموت، كما هو مذهب الأشعري وعامة أصحابه؛ لأن الأنبياء أحياء في قبورهم فلم رفع ما هو علامة على ذلك؟
أجيب: بأنه لما وضع لحكمة هي تمام الحفظ والعصمة من الشيطان، وقد تم الأمن منه بالموت، لم يبق لبقائه من جسده فائدة، لكن توقف العلامة الشامي في رفعه عند الوفاة المروي هنا عن عائشة، قال: لا أظنه صحيحًا، فينظر سنده.
قال: وروى أبو نعيم والبيهقي من طريق الواقدي عن شيوخه، قالوا شكوا في موته ﷺ ، فقال بعضهم: مات، وبعضهم لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ﷺ ،стр. 294
حكى هذا كله الحافظ مغلطاي.
لكن قال في فتح الباري: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو الشامة السوداء أو الخضراء، أو المكتوب عليها: محمد رسول الله، أو: سر فإنك المنصور. لم يثبت منها شيء. قال: ولا تغتر بشيء مما وقع منها في صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك.
وقال الهيثمي.................................
الحواشي
(١) فقالت: قد مات قد رفع الخاتم من بين كتفيه، قال: والواقدي متروك، بل كذبه جماعة.
"حكى هذا" الذي ساقه المصنف من اختلاف الروايات في قدر الخاتم "كله الحافظ مغلطاي" في الزهر الباسم مقرًا له ومن قبله الحافظ القطب الحلبي، وبقي من الروايات: أنه كركبة عنز، رواه الطبراني وابن عبد البر وأبو نعيم في المعرفة من حديث عباد بن عبد عمرو، وزاد: وكان ﷺ يكره أن يرى الخاتم، وسنده ضعيف. ورواه ابن عساكر من طريق أبي يعلى، وقال: كركبة البعير. قال في الإصابة: وفي سنده من لا يعرف، وقال الشامي: هو وهم من بعض رواته؛ كأنه تصحف عليه كركبة عنز بركبة بعير، وأنه بين كتفيه كدارة القمر مكتوب فيها سطران، الأول: لا إله إلا الله، وفي السطر الأسفل: محمد رسول الله؛ رواه أحمد بن إسماعيل الدمشقي، قال في المورد والغرور: وهو باطل بين البطلان، وأنه كبيضة نعامة، رواه ابن حبان، ومر أنه غلط.
"لكن قال" شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر "في فتح الباري: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم" كما في الروض وغيره "أو الشامة السوداء أو الخضراء" كما في تاريخ ابن أبي خيثمة "أو المكتوب عليها محمد رسول الله"؛ كما في تاريخ الحاكم وغيره "أو سر فإنك المنصور" كما في النوادر، "لم يثبت منها شيء" بل بعضها باطل، وبعضها ضعيف، فلا معنى لذكرها مع السكوت عليها، قال -أعني الحافظ: وقد أطنب الحافظ قطب الدين في استيعابها في شرح السيرة، وتبعه مغلطاي ولم يبينا شيئًا من حالها، والحق ما ذكرته.
قال: ولا تغتر بشيء مما وقع منها في صحيح ابن حبان، فإنه غفل" بفتح الفاء وتكسر، ذكره الأنصاري، "حيث صحح ذلك" بإيراده في صحيحه المسمى بالأنواع والتقاسيم، "وقال" الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان "الهيثمي" رفيق أبي الفضل العراقي ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، ورافق العراقي في سماع الحديث ولازمه، وألف وجمع ومات في تاسع عشر رمضان سنة سبع وثمانمائة.стр. 295
في "مورد الظمآن" بعد أن أورد الحديث ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه: محمد رسول الله. اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به.
وبخط الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق ابن إبراهيم قاضي سمرقند وهو ضعيف.
وقوله: زر الحجلة -بالزاي والراء- والحجلة -بالحاء المهملة والجيم- قال النووي: هي واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرًا، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف. وزرها بيضها، وأشار إليه الترمذي
الحواشي
(١) وفي نسخة: وقال شيخه الهيثمي: والضمير لصاحب فتح الباري؛ لأنه شيخه وذكره في مشايخه "في مورد الظمآن" إلى زوائد ابن حبان "بعد أن أورد الحديث، ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه محمد رسول الله، اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذي كان يختم به" ﷺ "وبخط" تلميذه "الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم" راويه عن ابن جريج "قاضي سمرقند" بفتح المهملة والميم وسكون الراء وفتح القاف وسكون النون ودال مهملة: مدينة عظيمة، يقال لها اثنا عشر بابًا بين كل بابين فرسخ وهو معرب شمركند بالمعجمة والكاف، قال المجد: وإسكان الميم وفتح الراء لحن، "وهو ضعيف" فلا يعول على مروياته، ثم أخذ في تفسير بعض ما مر على عادتهم، فقال: "وقوله: زر الحجلة بالزاي والراء" بعدها في المشهور، وبه جزم عياض وغيره، وقيل قبلها: حكاه الخطابي، وفسره بأنه البيض، يقال: رزت الجرادة بفتح الراء وشد الزاي غرزت ذنبها في الأرض لتبيض، قال التوربشتي: وهو أوفق بظاهر الحديث، لكن الرواية لا تساعده. وقال في المفهم، العرب لا تسمي البيضة رزة ولا تؤخذ اللغة قياسًا والمصنف محتمل للقولين، "والحجلة بالحاء المهملة والجيم" المفتوحتين أو بسكون الجيم مع ضم الحاء أو كسرها.
"قال النووي" في شرح مسلم "هي واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرا" جمع عروة، قال السيوطي وغيره: هي المعروفة الآن بالبخانة، "هذا هو الصواب" في تفسيرها، وبه جزم الأزهري، فقال في التهذيب: الحجلة بيت كالقبة يستر بالثياب ويجعل له باب من جنسه فيه زر وعروة تشد إذا أغلقت، قال القرطبي: وهو المشهور والأشبه بالمعنى، وبه جزم السهيلي، فالزر على هذا حقيقة؛ لأنها ذات أزرار وعرا.
"وقال بعضهم: المراد بالحجلة الطائر المعروف وزرها بيضها، وأشار إليه الترمذي"стр. 296
وأنكره عليه العلماء.
وقوله: جمع -بضم الجيم وإسكان الميم- أي كجمع الكف، وصورته: أن تجمع الأصابع وتضمها.
وقوله: خيلان -بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية- جمع خال، وهو الشامة على الجسد.
وقوله: نغض -بالنون والغين والضاد، المعجمتين- قال النووي: النُّغْض والنَّغْض والناغض: أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه............
الحواشي
(١) فقال في جامعه: المراد بالحجلة هذا الطائر وزرها بيضها "وأنكره عليه العلماء"؛ لأن اللغة لا تساعد على الزر بمعنى البيض وحمله على الاستعارة تشبيهًا لبيضها بأزرار الحجال إنما يصار إليه إذا ورد ما يصرف اللفظ عن ظاهره، لكن قال ابن الأثير: يشهد له حديث مثل بيضة الحمامة، وقيل: المراد بالحجلة من حجل الفرس، نقله البخاري في الصحيح عن محمد بن عبيد الله، واستبعده السهيلي بأن التحجيل إنما يكون في القوائم؛ وأما الذي في الوجه، فهو الغرة.
قال الحافظ: وهو كما قال: إلا أن منهم من يطلقه على ذلك مجازًا، وكأنه أراد أنها قدر الزور إلا فالغرة لا زر لها، انتهى. وفيه ما قد يجاب به عن قول ابن قرقول: إن كان سمى البياض بين عيني الفرس حجلة لكونها بياضًا؛ كما سمي بياض القوائم تحجيلا، فما معنى الزر؟ مع هذا لا يتجه لي فيه وجه. "وقوله: جمع، بضم الجيم" جزم به ابن الأثير وغيره وحكى ابن الجوزي وابن دحية كسرها، وجزم به في المفهم. "وإسكان الميم، أي: كجمع الكف، وهو صورته بعد أن تجمع الأصابع وتضمها" أي: الأصابع إلى باطن الكف؛ كالقابض على شيء هذا المتبادر، واحتمال أن ذلك مع انتشارها بعيد جدًا، بل يمنعه جواب عياض الآتي في المتن، وتفسير المصنف هذا حكاه في الروض عن القتيبي، وصدر بقوله: يعني كالمحجمة لا كجمع الكف، ومعناه كمعنى الأول، أي: كأثر الجمع، كذا قال: وهو تكلف والمتبادر تفسير ابن قتيبة، وقد تبعه عليه عياض والنووي والمصنف وغيرهم، الآتي.
"وقوله خيلان بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية جمع خال، وهو الشامة على الجسد" جمعها شام وشامات، "وقوله: نغض، بالنون" تضم وتفتح "والغين" الساكنة "والضاد المعجمتين، قال النووي: النغض" بضم النون "والنغض" بفتحها "والناغض" بألف بين النون والغين، "أعلى الكتف" وهو رأس لوحه، "وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يظهر منه.стр. 297
عند التحرك بأعضاء التحرك، سمي ناغضًا للحركة.
وقوله: بضعة ناشزة -بالمعجمة والزاي- قطعة لحم مرتفعة على جسده. وبيضة الحمامة: معروفة. انتهى.
والثآليل -بالمثلثة- جمع ثؤلول: وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها.
وفي القاموس: وقرطمتا الحمام -أي بكسر القاف- نقطتان على أصل منقاره.
وقال بعض العلماء: اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كل شبه بما سنح له، وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم، ومن قال: شعر، فلأن الشعر حوله متراكم عليه، كما في الرواية الأخرى.
الحواشي
(١) عند التحرك بأعضاء التحرك"، وفي شرح مسلم للآبي، قال المازري: قال شمر: الناغض من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفه. وقال غيره: الناغض فرع الكتف، "سمي نغضًا للحركة" ومنه قيل للظلم ناغض؛ لأنه يحرك رأسه إذا عدا، أي: جرى. وقال النووي: ناغض الكتف ما رق منه، سمي بذلك لنغوضه، أي: لتحركه، نغض رأسه حركه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] ، أي: يحركونها استهزاء.
"وقوله: بضعة ناشزة بالمعجمة" المكسورة "والزاي قطعة لحم مرتفعة على جسده وبيضة الحمامة معروفة، انتهى" كلام النووي. "والثآليل بالمثلثة، جمع ثؤلول" بهمزة ساكنة وزان عصفور، ويجوز تخفيف الهمزة بإبدالها واوًا، "وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها" وفي المفهم الخيلان جمع خال، وهي نقط سود كانت على الخاتم شبهها لسعتها بالثآليل، لا أنها كانت ثآليل، انتهى.
"وفي القاموس: وقرطمتا الحمام" قال المصنف "أي: بكسر القاف" لأن صاحب القاموس عطفه على قوله: وقرطمة بالكسر بلدة بالأندلس، وقرطمتا الحمام. "نقطتان على أصل منقاره، وقال بعض العلماء: اختلفت أقوال الرواة في خاتم النبوة" على نحو عشرين قولا، "وليس ذلك باختلاف" حقيقي "بل كل شبه بما سنح" ظهر "له" لأنه ﷺ كان يستهر وواصفه أما رآه من غير قصد؛ كما في حديث عمرو بن أخطب: أو أراه له ﵇ كما في قصة سلمان مع مزيد ما حواه ﷺ من المهابة، "وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو طعة لحم" بارزة عليها شعرات، "فمن قال: شعر فلأن الشعر حوله متراكم" مجتمع "عليه؛ كما في الرواية الأخرى" عنстр. 298
وقال القرطبي: الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل، قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر: جمع اليد.
وقال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة، متفقة على أنه شاخص في جسده، قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة............................
الحواشي
(١) عائشة، فإن أشكل برواية محتفرة في اللحم، أجيب: بأنها إن صحت يجوز أن حولها احتفار ليزداد ظهورها وتميزها عن الجلد.
"وقال" أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم الأنصاري "القرطبي" المالكي الفقيه المحدث نزيل الإسكندرية ومدرسها، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفي في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، واختصر الصحيحين، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم، فقال فيه: "الأحاديث الثابتة دالة" وفي نسخة: تدل "على أن خاتم النبوة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر إذا قلل" قيل فيه: هو "قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر" قيل فيه: هو "جمع اليد" أي: قدره فقدر وجمع مرفوعان ويجوز النصب بتقدير كان، وحاصله: أن اختلافه باختلاف الأحوال، وكذا يقال في الاختلاف في لونه.
"قال القاضي" أبو الفضل "عياض" بن موسى بن عياض السبتي الدار والبلاد الأندلسي الأصل، حافظ مذهب مالك الأصولي العلامة الحافظ إمام المحدثين وأعرف الناس بعلومه وبالتفسير وفنونه وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، شاعر بليغ حليم صبور جواد كثير الصدقة صاحب التصانيف المشهورة؛ كشرح مسلم والشفاء والأعلام والمشارق، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلا فيه، وفيه أنشد:
مشارق أنوار تبدت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب
ولد بسبتة سنة ست وسبعين وأربعمائة، وتوفي متغربًا عن وطنه في شهر رمضان أو جمادى الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ودفن بمراكش، وقيل مات مسمومًا سمه يهودي. "وهذه الروايات" الإشارة إلى جملة روايات ذكرها في شرح مسلم: هي مثل بيضة الحمامة وبضعة ناشزة ومثل السلعة وزر الحجلة، عند ناغض كتفه اليسرى جمعًا، ثم قال: وهذه الروايات كلها "متقاربة" في المعنى "متفقة على أنه شاخص" بارز مرتفع "في جسده قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة" أي: وعليه شعر، ولما كان ذا الجمع شاملا للروايات السابقة، كلها ذكره المصنف عقبها، ولم يبال بأن عياضًا إنما ذكره عقب الروايات المذكورة عنه.
"وأما رواية جمع الكف، فظاهرها المخالفة. فتتأول" تحمل "على وفق الروايات الكثيرة،стр. 299
ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه.
قال النووي: هذا الذي قاله ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه. انتهى.
ويشهد له قول أنس في حديث عند مسلم, يأتي في ذكر قلبه الشريف، من المقصد الثالث، إن شاء الله تعالى: فكنت أرى أثر المخيط في صدره.
لكن أجيب: بأن في حديث عتبة بن عبد السلمى -عند أحمد والطبراني- أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما..................................
الحواشي
(١) ويكون معناه على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة" وتبعه على ذا الجمع النووي، "قال" يعني عياضًا: "وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه، قال النووي: هذا الذي قاله ضعيف بل باطل؛ لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه، انتهى" وفي المفهم: هذا غلط من عياض؛ لأن الشق إنما كان في صدره وأثره إنما كان خطأ واضحًا من صدره إلى مراق بطنه؛ كما في الصحيح، ولم يرد قط في رواية أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو ثبت لزم عليه أن يكون مستطيلا من بين كتفيه إلى أسفل بطنه؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من مسيرته إلى مراق البطن، قال: فهذه غفلة من القاضي، قال: ولعل هذا الغلط وقع من بعض الناسخين لكتابه، فإنه لم يسمع عليه فيما علمت، انتهى.
"ويشهد له قول أنس في حديث عند مسلم يأتي في ذكر قلبه الشريف من المقصد الثالث إن شاء الله تعالى، فكنت أرى أثر المخيط" بكسر الميم: ما يخاط به، "في صدره" ﷺ ، وظاهره: أنه كان بآلة كالشق وبدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خط بطنه فخاطه، ﷺ وظاهره: أنه كان بآلة كالشق ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خط بطنه فخاطه، وقوله في حديث عتبة بن عبد حصه فحاصه، وقد وقع السؤال عن ذلك ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرض له بعد التتبع.
وأما قوله: "وأتيت بالسكينة فوضعت في صدري"، فالصواب كما قال ابن دحية: تخفيف السكينة لذكرها بعد شق البطن، خلافًا للخطابي ذكره الشامي.
"لكن أجيب" عن عياض؛ كما ذكره الحافظ متبرئًا من الاعتراض عليه، "بأن في حديث عتبة بن عبد" بلا إضافة "السلمى" أبي الوليد صحابي شهير أول مشاهده قريظة، مات سنة سبع وثمانين، ويقال: بعد السبعين، وقد قارب المائة ﵁. "عند أحمد والطبراني" وغيرهما ويأتي لفظه قريبًا، "أن الملكين لما شقا صدره" ﷺ ، وهو في بني سعد بن بكر، "قال أحدهماстр. 300
للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووي وغيره منه: قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذ فليس ما قاله القاضي عياض باطلا، انتهى،
الحواشي
(١) للآخر: خطه فخاطه" نقل بالمعنى، وإلا فالرواية حصه فحاصه، قال الشامي: بمهملة مضمومة، أي: خطه يقال حاص الثوب يحوصه حوصًا، إذا خاطه. "وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة كان بين كتفيه، حمل القاضي عياض ذلك على أن الشق لما وقع في صدره، ثم خيط حتى التأم" عاد "كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر" عقب "الختم، وفهم النووي وغيره" كالقرطبي "منه قوله: بين كتفيه، متعلق بالشق" فغلطوه "وليس كذلك" أي: كما فهموه "بل هو متعلق بأثر الختم".
قال الحافظ: ويؤيده ما في حديث شداد عند أبي يعلى وأبي نعيم: أن الملك لما أخرج قلبه وغسله ثم أعاده ختم عليه بخاتم في يده من نور، فامتلأ نورًا وذلك نور النبوة والحكمة، فيحتمل أن يكون ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر؛ لأن القلب في تلك الجهة. وفي حديث عائشة عند الطيالسي والحارث وأبي نعيم: "أن جبريل وميكائيل لما تراءيا له عند المبعث هبط جبريل فسبقني لحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه لأمه، ثم ألقاني وختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وقال: "اقرأ" وذكر الحديث، فهذا مسند القاضي. "وحينئذ فليس ما قاله القاضي عياض باطلا انتهى" جواب الحافظ ﵀.
وأجاب أبو عبد الله الآبي بأنه نص في حديث أبي ذر أن وضع الخاتم كان بعد الشق، قال: فلفظة أثر في كلام القاضي ليست بفتح الهمزة والثاء، وإنما هي بكسر الهمزة وسكون الثاء، ويتخرج الكلام على حذف مضاف تتعلق به لفظة بين، أي: وضع هذا الخاتم بين كتفيه أثر شق الصدر والكلام مستقيم دون غلط، ولا بطلان وإنما جاء ما فهماه من قبيل التصحيف، انتى. وفي نسيم الرياض: حديث أبي ذر المذكور موافق لكلام عياض سواء قرئ أثر بفتحتين أو بكسر فسكون. أما الثاني فظاهر، وأما على الأول، فلأنه لما وقع بعده وبسببه جعل أثرًا، انتهى.
وأجاب بعضهم بأن قوله بين كتفيه خبر بعد خبر؛ لقوله هو فقد تحامل من اعترض عياضًا؛ لأن مثل هذا ظاهر جدًا.стр. 301
وقال السهيلي: والصحيح أنه -يعني خاتم النبوة- كان عند نغض كتفه الأيسر.
واختلف هل ولد وهو به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين.
وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، في حديث أبي ذر.....................................
الحواشي
(١) "قال السهيلي: والصحيح أنه يعني خاتم النبوة كان عند نغض كتفه الأيسر" كما في مسلم، ففيه رد رواية الأيمن ووقع في حديث شداد في مغازي ابن عائذ في قصة شق صدره، وهو في بلاد بني سعد بن بكر، وأقبل الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه، قال الحافظ: وتبعوه وهذا قد يؤخذ منه أن الختم وقع في موضعين من جسده، ومنعه شيخنا بجواز أن الختم وقع بين كتفيه في مقابلة ما بين الثديين فيكون الغرض تعيين موضعه عنده، قلت: وهو وجيه، لولا مباينته لما في مسلم أنه نغض كتفه المفسر بأعلى الكتف.
"واختلف" في جواب قول السائل: "هل ولد وهو به أو وضع بعد ولادته على قولين؟ " فقيل: ولد به، نقله ابن سيد الناس، ورده في الفتح بأن مقتضى الأحاديث السابقة أن الخاتم لم يكن موجودًا حين ولادته، قال: ففيها تعقب على من زعم أنه ولد به، واختلف القائلون بالثاني، فقيل: حين ولد، نقله مغلطاي عن يحيى بن عائذ، وورد به حديث ابن عباس عند أبي نعيم وغيره وفيه نكارة، قيل: عند شق صدره وهو في بني سعد. وورد في حديث عتبة بن عبد عند أحمد والطبراني وقطع به عياض.
قال الحافظ: وهو الأثبت. وفي حديث عائشة المار قريبًا أنه عند المبعث، وعند أبي يعلى وابن جرير الحاكم في حديث المعراج من حديث أبي هريرة: ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة وطريق الجمع أن الختم تكرر ثلاث مرات في بني سعد، ثم عند المبعث، ثم ليلة الإسراء؛ كما دلت عليه الأحاديث، ولا بأس بهذا الجمع، فإن فيه إعمال الأحاديث كلها إذ لا داعي لرد بعضها وإعمال بعضها، لصحة كل منها، وإليه أشار الشامي؛ كما مر. وأما رواية بعد الولادة فضعيفة، وأما أنه ولد به، فضعيف أيضًا بطلب زاعمه، بدليله.
"وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه في حديث أبي ذر" جندب بن جنادة أو يزيد ابن جنادة أو جندب بن سكن أو خلف بن عبد الله الغفاري قديم الإسلام، ذي الزهد الزائد والفضل المنوه عليه بقول خير شاهد: "ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء بعد النبيين امرأ أصدق لهجة من أبي ذر"، وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه.стр. 302
عند البزار وغيره قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبي، وبم علمت أنك نبي حتى استيقنت؟ قال: $"أتاني آتيان، وفي رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل" ... الحديث............................
الحواشي
(١) وذكر ابن الربيع أنه سكن مصر مدة ثم خرج منها لما رأى اثنين تنازعا في موضع لبنة؛ كما أمره ﷺ وحديثه في مسلم وغيره، مات بالربذة في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين، "عند البزار وغيره" كالدارمي وابن أبي الدنيا وابن عساكر والروياني والضياء في المختارة، "قال: قلت: يا رسول الله! " أخبرني "كيف علمت أنك نبي وبم؟ " بأي دليل "علمت أنك نبي حتى استيقنت" أي: تيقنت، أي: علمت، "أتاني آتيان"، وفي رواية: "ملكان" هما جبريل وميكائيل كما في النور، أتياه في صورة طائرين، فروى أحمد والدارمي والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي وأبو نعيم عن عتبة بن عبد: أنه ﷺ قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زاد، فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه، فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة" الحديث.
ولابن إسحاق ورواه البيهقي عن يحيى بن جعدة مرسلا يرفعه: "أن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد، فشق أحدهما بمنقاره صدري ومج الآخر بمنقاره فيه فغسله" قلت: فإن صحت هذه الرواية أفادت آلة الشق في هذه المرة، لكن قال السهيلي: هي رواية غريبة ذكرها يونس عن ابن إسحاق.
"وأنا ببطحاء مكة" أي: بنواحيها؛ لأنه كان في بني سعد وليست بمكة إذ الأبطح بمكة المحصب، ولعله قال ذلك ليبين أنه في ابتداء أمره، إذ جوابه لأبي ذر كان بالمدينة وبهذا اندفع قول السهيلي: أنه وهم من بعض الرواة، ولم يقع في رواية البزار بطحاء مكة، انتهى.
"فوقع" نزل "أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: زنه برجل" ... الحديث, أسقط منه ما لفظه: "فوزنني برجل فرجحته، ثم قال: زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بألف فوزنني فرجحتهم، فجعلوا ينثرون علي من كفة الميزان؛ فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته رجحها".стр. 303
وفيه: "ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان".
الحواشي
(١) "وفيه" عقب هذا، "ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطني فأخرج قلبي فأخرج منه مغمز الشيطان" بفتح الميمين وإسكان الغين المعجمة هكذا ضبطه البرهان وضبطه الشامي بكسر الميم الثانية، فالله أعلم. قال في العيون: وهو الذي يغمزه الشيطان من كل مولود إلا عيسى وأمه؛ لقول أمها حنة: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ .
ولأنه لم يخلق من مني الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس.
قال السهيلي: ولا يدل هذا على فضله على المصطفى ﷺ ؛ لأنه عند نزع ذلك منه ملئ حكمة وإيمانا بعد أن غسله روح القدس بالثلج والبرد، زاد البرهان: وقوله: "مغمز الشيطان" محل نظر، فإن جاء بسند صحيح فمؤول. وقد رواه مسلم، وقال: "هذا حظ الشيطان منك" انتهى. قلت: لا شك في صحة إسناده فقد صححه الضياء، وقد قال العلماء: إن تصحيحه أعلى من تصحيح الحاكم، وتأويله سهل هو أن هذا محل الغمز والغمز عبارة عما يؤلمه ويؤذيه، فهو من الأمراض الحسية التي الأنبياء فيها كغيرهم. وقد قال السهيلي: إنما كان ذلك المغمز فيه لموضع الشهوة المحركة للمني، وذلك المغمز راجع إلى الأب دون الابن المطهر ﷺ ، انتهى.
وقوله: وقد رواه: أي: الحديث من حيث هو لا حديث أبي ذر؛ كما قد يوهمه فإن مسلمًا إنما رواه من حديث أنس: أنه ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه وصرعه فشق عن قلبه واستخرج القلب ثم شق القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، فأعاده مكانه وجعل الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فجاءوا وهو منقطع اللون، قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره؛ ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عنه ﷺ : "فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره"، ورواه أحمد أيضًا عنه. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عنه ﷺ : "ما من مولد يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه"، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ، قال عياض: يريد أن الله قبل دعاءها مع أن الأنبياء معصومون. وفي رواية: فذهب ليطعن في خاصرته فطعنه من الحجاب، قال النووي: أشار عياض إلى أن جميع الأنبياء يشاركون عيسى في هذه الخصوصية، انتهى. وقد تعقب الآبي عياضًا بأن هذا الطعن من الأمراض الحسية والأنبياء فيها كغيرهم، فيحمل الحديث على العموم إلا فيما استثني ولا يحتاج لقوله: الأنبياء معصومون, انتهى.стр. 304
وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني، وكأني أرى الأمر معاينة".
الحواشي
(١) قال الطيبي: النخس عبارة عما يؤلمه ويؤذيه، لا كما زعمت المعتزلة أنه تخييل واستهلاله صارخًا منه تصوير لطعمه فيه، انتهى. وقول الزمخشري: المراد بالمس الطمع في إغوائه واستثناء مريم وابنها لعصمتهما، ولما لم يخص هذا المعنى بهما عم الاستثناء كي من يكون على صفتهما شنع عليه التفتازاني بأنه إما تكذيب للحديث بعد صحته، وإما قول بتعليل الاستثناء والقياس عليه وليت شعري من أين ثبت تحقق طمع الشيطان ورجائه في أن هذا المولود محل لإغوائه ليلزمنا إخراج كل ما لا سبيل له إلى إغوائه فلعله يطمع في إغواء من سوى مريم وابنها ولا يتمكن منه، وقال قبل ذلك: طعن الزمخشري في الحديث بمجرد أنه لم يوافق هواه وإلا فأي مانع من أن يمس الشيطان المولود حين يولد بحيث يصرح كما يرى ويسمع، وليست تلك المسة للإغواء، انتهى.
"وعلق الدم فطرحهما" صريح في أنه غير المغمز، وفي حديث عتبة بن عبد: "ثم استخرجا قلبي فشقاه، ثم أخرجا منه علقتين سوداوين" قال الشامي: فتكون إحداهما محل غمز الشيطان والأخرى منشأ الدم الذي قد يحصل منه إضرار في البدن، وعلى هذا فلا حاجة لما أجيب به عن حديث العلقتين؛ باحتمال أنها علقة واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمي كل جزء منها علقة مجازًا. "فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء" جمع ملاءة بالضم والمد: الثوب الذي يتغطى ب، وأسقط المصنف من حديث أبي ذر هذا، ما لفظه: ثم دعا بسكينة كأنها برهرة بيضاء، فأدخلت قلبي.
قال السهيلي: البرهرة بصيص البشرة، وزعم الخطابي: أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية الحديد، متمسكًا بأنه عثر على رواية فيها، فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء، قال ابن الأنباري: هي السكينة المعوجة الرأس، التي تسميها العامة: المنجل بالجيم، قال ابن دحية: والصواب السكينة بالتخفيف لذكرها بعد شق البطن، فإنما عنى بها فعلية من السكون وهي أكثر ما تأتي في القرآن بمعنى السكون والطمأنينة.
"ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني" هذا لفظ حديث أبي ذر، وحديث عتبة: حصه فحاصه؛ كما مر. "وجعل الخاتم بين كتفي، كما هو الآن" فصرح بأنه ما ولد بالخاتم، وإن واضعه الملك وكيفية وضعه، "ووليا عني وكأني أرى الأمر" الآن "معاينة" أي: عيانًا إشارة إلى شدة استحضاره، وهذا الحديث وإن أورده الشامي في أحاديث فيها ذكر شقстр. 305
وعند أبي نعيم في الدلائل: أنه ﷺ لما ولد، ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضيء كالزهرة.
وقيل: ولد به.
روى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنة، إلا أن يكون نبينا فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه.
وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به على سائر الأنبياء والله أعلم.
الحواشي
(١) الصدر من غير تعيين زمان، لكن سياق الحديث يدل على أنه كان في بني سعد، وبه صرح في حديث عتبة بن عبد، فيحمل انطلق على المقيد، فإن قيل: فكيف جعله ﷺ علامة على النبوة، وإنما كانت بعد الأربعين؟ أجاب شيخنا: بجواز أنه ﷺ لما رأى تلك الحالة العجيبة في صغره علم أنه يكون له شأن وصار مطمئنًا لم يرد عليه، فلما جاءه الوحي علم بالمقدمات المستقرة في نفسه أن هذا أمر من الله، ليس للشيطان فيه سبيل.
"وعند أبي نعيم في الدلائل" في حديث طويل مر في ولادته عن ابن عباس، "أنه ﷺ لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه" أي: أحضره الملك ذلك الوقت في الإبريق الفضة؛ كما مر في حديث أبي نعيم: "ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة" بفتح المهملة والراء والقاف، أي: قطعة.
"من حرير أبيض" قال القاموس في باب القاف: السرقة محركة شقق الحرير الأبيض أو الحرير عامة الواحدة بهاء، انتهى. وبالقاف ضبط به الحافظ والمصنف والسيوطي وغيرهم، قوله ﷺ لعائشة: "أريتك في المنام في سرقة من حرير". فأبعد من ضبط ما هنا بالفاء ناقلا قول القاموس في بابه السرف بضمتين شيء أبيض؛ كأنه نسج دود اقز فجعلها من حرير مجاز لمشابهتها له في الهيئة، انتهى. لاحتياجه إلى دعوى المجاز الذي لا قرينة له، إلا الوقوف مع النقطة "فإذا فيها خاتم" زاد فيما مر: يحار أبصار الناظرين دونه، "فضرب على كتفه" فأثر فيه ما صورته "كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة" بضم الزاي وفتح الهاء: النجم، قاله النووي وغيره، فأفاد في ذا الخبر أن الخاتم وضع عقب الولادة، فهو دليل القائل به لكن فيه نكارة؛ كما قدم المصنف كغيره.
"وقيل ولد به" كذا يوجد في نسخ، والصواب: حذفه الاستغناء عنه؛ لقوله المار قريبًا، واختلف ... إلخ "وروى الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه" بضم الميم ففتح النون فشد الموحدة المكسورة، أنه "قال: لم يبعث الله نبيًا إلا وقد كان عليه شامات" علامات "النبوة فيстр. 306
" ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ﷺ ":
ولما بلغ ﷺ أربع سنين -وقيل: خمسًا، وقيل: ستًا، وقيل: سبعًا، وقيل: تسعًا، وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيام- ماتت أمه بالأبواء وقيل: بشعب أبي ذئب بالحجون. وفي القاموس: ودار رائعة بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي ﷺ .
الحواشي
(١) يده اليمنى، إلا أن يكون" النبي المبعوث "نبينا، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه" ﷺ ، "وعلى هذا فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء" أي: حذاء، "قلبه مما اختص به على سائر الأنبياء" وبه جزم الجلال، فقال: وجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان، وسائر الأنبياء كان الخاتم في يمينهم، "والله أعلم".
باب وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ﷺ :
"ولما بلغ ﷺ أربع سنين" فيما حكاه العراقي، وصدر به مغلطاي، فتبعه المصنف. "وقيل: خمسًا" حكاه مغلطاي ومثله في بعض نسخ الشامي، ويأتي دليله. وفي بعضها بدله عشرًا، وما أراه إلا تحريفًا. "وقيل: ستًا" وبه قطع ابن إسحاق، ويأتي قريبًا دليله، ووقع في نقل الخميس عن المصنف التصدير به وهو الأولى، فقد قدمه العراقي واقتصر عليه الحافظ وقد التزم الاقتصار على الأصح، غير أن الأول قال: ومائة يوم، والثاني: وثلاثة أشهر، فالمراد ستًا ونحوها.
"وقيل: سبعًا" حكاه ابن عبد البر، "وقيل: تسعًا" حكاه مغلطاي ويقع في بعض النسخ خمس ست سبع تسع بدون ألف، وذكر أن خط المصنف كذلك فيخرج على أنه بالفتح على نية حذف المضاف إليه وإبقاء المضاف، أي: خمس سنين أو كتب بصورة المرفوع على لغة ربيعة.
"وقيل: اثنتي عشرة سنة وشهرًا وعشرة أيام" حكاه مغلطاي، وبقي قول محمد بن حبيب وهو ابن ثمان سنين، حكاه أبو عمر.
"ماتت أمه بالأبواء" بفتح الهمزة والمد: وادٍ بين مكة والمدينة، "وقيل: بشعب" بكسر المعجمة: ما انفرج بين جبلين أو الطريق في الجبل، قاله المصنف وغيره.
"أبي ذئب" رجل من سراة بني عمرو، "بالحجون" بفتح المهملة وضم الجيم، قال المجد: جبل بمعلاة مكة، "وفي القاموس" في فصل الراء من باب العين المهملتين في روع "ودار رائعة" براء وبعد الألف تحتية، "بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي ﷺ " وفي ذخائر العقبي قالстр. 307
روى ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهري، وعن عاصم بن عمرو بن قتادة دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم، ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التابعة.
الحواشي
(١) ابن مسعود: دفنت أمه ﷺ بمكة وأهل مكة يزعمون أن قبرها في مقابر أهل مكة في الشعب المعروف بشعب أبي ذئب رجل من سراة بني عمرو، وقيل: في دار رائعة في المعلاة. ا. هـ.
"وروى ابن سعد" محمد "عن ابن عباس" عبد الله، "وعن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "وعن عاصم بن عمرو بن قتادة" بن النعمان المدني الأنصاري الأوسي العالم الثقة كثير الحديث العلامة بالمغازي، مات سنة عشرين ومائة، خرج له الجماعة. "دخل حديث بعضهم في بعض".
قال السيوطي تبعًا لغيره: معناه أن اللفظ لمجموعهم، فعند كل منهم ما انفرد به عن الآخر، انتهى. "قالوا" أرسله الثلاثة، إلا أن مرسل ابن عباس في حكم الموصول؛ لأنه مرسل صحابي.
"لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بني عدي بن النجار" بإضافة الأخوال إليه مجازًا؛ لأنهم أخوال جده عبد المطلب؛ لأن أمه سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن عدي بن النجار النجارية. "بالمدينة تزورهم" نسب الزيارة لها؛ لأنها المرادة لها وهي المباشرة، وعند ابن إسحاق تزيره إياهم بضم الفوقية وكسر الزاي وسكون الياء من أزاره إذا حمله على الزيارة، أي: إنها قصدت بزيارتها نقل المصطفى إليهم وإراءته لهم. "ومعه" أضافها إليه لكونها حاضنته. وفي نسخة ومعها "أم أيمن" بركة الحبشية بنت ثعلبة بن حصن أعتقها أبو المصطفى وقيل: بل هو ﷺ ، وقيل: كانت لأمه أسلمت قديمًا وهاجرت الهجرتين مناقبها كثيرة.
وفي صحيح مسلم وابن السكن عن الزهري: أنها ماتت بعده ﷺ بخمسة أشهر، وقيل: بستة، قال البرهان: وبه يرد قول الواقدي ماتت في خلافة عثمان، وقد صرح بعضهم: بأنه شاذ منكر، انتهى. لكن أيده في الإصابة بما رواه ابن سعد بسند صحيح عن طارق بن شهاب لما قتل عمر بكت أم أيمن، فقيل لها: فقالت اليوم وهي الإسلام، وهذا موصول فهو أقوى من خبر الزهري المرسل واعتمد ابن منده وغيره قول الواقدي، وزاد ابن منده: أنها ماتت بعد عمر بعشرين يومًا، وجمع ابن السكن بين القولين بأن التي ذكرها الزهري هي مولاة النبي ﷺ ، والتي ذكرها طارق هي مولاة أم حبيبة واسم كل منها بركة، ويكنى أم أيمن، وهو محتمل على بعده، انتهى.
"فنزلت به دار التابعة" بفوقية فموحدة فمهملة، رجل من بني عدي بن النجار؛ كما مر.стр. 308
فأقامت به عندهم شهرًا، فكان ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، ونظر إلى الدار فقال: "ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليّ". قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت.
الحواشي
(١) "فأقامت به عندهم شهرًا، فكان ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه" بضم الميم، "ذلك" الخطاب لكل من صلح له أو للجماعة المخاطبين به لتأويلهم بنحو القبيل أو الجمع أو القوم أو هو يجري على أن الكاف المتصلة باسم الإشارة تفتح مطلقًا، "ونظر" ﷺ "إلى الدار" وهو بالمدينة بعد الهجرة، وهذا قد يشعر بأن ابن عباس حمل الحديث هذا عنه ﷺ ، ويحتمل أنه حمله عن غيره وحدث به.
فقال: "هاهنا نزلت بي أمي" وفي الرواية: "وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله". "وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار" استدل به السيوطي على أنه ﷺ عام رادًا على القائل من معاصريه، الظاهر أنه لم يعم؛ لأنه لم يثبت أنه سافر في بحر ولا بالحرمين بحر، قال السيوطي: وروى أبو القاسم البغوي وابن عساكر مرسلا وابن شاهين موصولا عن ابن عباس: سبح ﷺ هو وأصحابه في غدير، فقال: "ليسبح كل رجل إلى صاحبه"، فسبح ﷺ إلى أبي بكر حتى عانقه، وقال: "أنا وصاحبي، أنا وصاحبي". "وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليّ"، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة، وهذه الدار، وهي المدينة "دار هجرته، فوعيت" حفظت "ذلك كله من كلامهم" عبر بالجمع؛ لأن اليهود لما خاطب به أصحابه وأقروه نسب إليهم.
وفي نقل الشامي: فوعيت ذلك منه، وهي ظاهرة؛ لأن الضمير للأحد. "ثم رجعت به أمه" قاصدة "إلى مكة" سريعًا خوفًا عليه صلوات الله عليه من اليهود، ففي رواية أبي نعيم: قال ﷺ : "فنظر إلي رجل من اليهود يختلف ينظر إلي، فقال: يا غلام ما اسمك؟ قلت: أحمد، ونظر إلي ظهري فأسمعه يقول: هذا نبي هذه الأمة، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم فأخبروا أمي فخافت علي فخرجنا من المدينة". وقدرنا قاصدة ليلاقي قوله: "فلما كانت بالأبواء توفيت" ودفنت فيها على المشهور، وهو قول ابن إسحاق، وجزم به العراقي وتلميذه الحافظ، ويعارضه ما مر؛ كالأحاديث من أنها بالحجون، وجمع بعض؛ كما في الخميس: بأنها دفنت أولا بالأبواء، وكان قبرها هناك، ثم نبشت ونقلت بمكة.стр. 309
وروى أبو نعيم من طريق الزهري عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: آمنة أم النبي ﷺ في علتها التي ماتت بها، ومحمد ﵇ غلام يفع له خمس سنين عند رأسها، فنظرت أمه إلى وجهه ثم قالت:
بارك فيك الله من غلام ... يابن الذي من حومة الحمام
نجا بعون الملك العلام ... فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في المنام
الحواشي
(١) "وروى أبو نعيم" في دلائل النبوة بسند ضعيف "من طريق" محمد "الزهري" ابن شهاب "عن أسماء بنت رهم" بضم الراء، وفي نسخة: بنت أبي رهم، وفي كتب السيوطي نقلا عن أبي نعيم عن أم سماعة بنت أبي رهم، فلعل اسمها أسماء وكنيتها أم سماعة، فتصرف المصنف لإفادة اسمها. "عن أمها، قالت آمنة أم النبي ﷺ في علتها التي ماتت بها" بسببها صورة، وفي نسخة فيها "ومحمد ﵊ غلام" هو الطار الشارب أو من حين يولد إلى أن يشب؛ كما في القاموس وغيره، والمراد هنا الثاني، وفي الأساس الغلام الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعد الالتحاء غلام فهو مجاز. "يفع" بفتح الفاء؛ كما في القاموس وغيره، أي: مرتفع. "له خمس سنين" هذا دليل القول به؛ كما قدمنا. وإن أبيت إلا الجمع بينه وبين الحديث فوقه، فقل المراد خمس ونحوها، ولعلها جمعت بين هذا ولفظ غلام، مع أن هذا يغني عنه إشارة إلى ما كان عليه ﷺ من النجابة الظاهرة، فإن غلام يشعر بذلك بخلاف مجرد ذكر السن. "عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه، ثم قالت:
"بارك فيك الله من غلام ... يابن الذي من حومة الحمام"
وفي القاموس: حومة القتال وغيره معظمه أو أشد موضع فيه، والحمام الموت، وقيل: قدر الموت، وقضاؤه من حم كذا، أي: قدر، انتهى. والمعنى: هنا يابن الذي من سبب الموت.
"نجا بعون الملك العلام" وفي نسخة المنعام، وهو ما أنشده السيوطي. "فودي" بالواو من فاداه مزيد، أقلبت الألف واوًا لانضمام ما قبلها حين بني للمجهول. وفي نسخة: فدى بلا واو من فداه مجردًا، أي: أعطى فداءه "غداة" صبيحة "الضرب بالسهام" والمراد بعد الضرب بالقداح بينه وبين إخوته حين أراد عبد المطلب وفاء نذره "بمائة من إبل سوام" بالفتح جمع سام أو سامية، بمعنى مرتفع أو مرتفعة، أي: فدي حين خرج عليه السهم بمائة إبل مرتفعة القيامة ثم سوام بدون ياء في أكثر النسخ، وهو الذي في كتب السيوطي، وفي بعضها ثبوت الياء، قال شيخنا: وهو القياس؛ لأن الياء أصلية. "إن صح ما أبصرت في المنام" خصته لتقدمه وتحققهстр. 310
فأنت مبعوث إلى الأنام ... تبعث في الحل وفي الحرام
تبعث في التحقيق والإسلام ... دين أبيك البر إبراهام
فالله أنهاك عن الأصنام ... أن لا تواليها مع الأقوام
ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة
الحواشي
(١) عندها حتى كان ما رأته يقظة بعد؛ كالدليل على صحة المنام فلا يرد أنها رأت ما يدل على ذلك يقظة، فكان ذكره أولى لقوته على المنام، وعبرت بإن دون إذا لأن المقصود تعليق ما أولت به الرؤيا، ولا يلزم من كونها محققة أن ما أولت به محقق، وهذا من كمال فطنتها وفهمها حيث لم تجزم في التعليق بصحة ما رأته.
"فأنت مبعوث إلى الأنام" الجن والإنس أو جميع من على وجه الأرض، ولعله المراد هنا لكونه أبلغ في التعظيم، وقد بعث ﷺ إلى الإنس والجن إجماعًا وإلى الملائكة عند كثير، واختاره جمع محققون. "تبعث في" بيان "الحل" أي: الحلال، "وفي" بيان "الحرام" أو تبعث في أرض الحل والبلد الحرام؛ فكأنها قالت: تبعث في جميع الأرض وليست بعثتك قاصرة على بلدة دون بلدة؛ كما كانت الرسل. "تبعث في" أي: لبيان، "التحقيق" الحق من الباطل، وبهذا يجاب عن قول السيوطي، كذا هو في النسخة وعندي أنه تصحيف وإنما هو بالتخفيف، انتهى.
فحيث صح المعنى لا تصحيف "و" بيان "الإسلام" وأنه الدين "دين" بالجر بدل من الإسلام "أبيك البر" المحسن المطيع "إبراهام" بدل من أبيك وهو لغة في إبراهيم، قرأ بها ابن عامر في مواضع والصرف لمناسبة القوافي لا لقصد تنكيره لعدم صحته؛ لأنها إنما أرادت معينًا وهو الخليل بنص قولها: أبيك. "فالله أنهاك" نصب على التوسع، أي: فأنهاك مقسمة عليك بالله "عن" عبادة "الأصنام أن لا تواليها" لا تناصرها من الموالاة ضد المعاداة، أي: لا تعظمها بنحو عبادتها والذبح إليها والاستقسام عندها.
"مع الأقوام" جمع قوم: الجماعة من رجال ونساء معًا في أحد الأقوال وبه صدر المجد، وهو المراد هنا؛ لأنه كان يواليها من الفريقين. "ثم قالت: كل حي ميت" بالتشديد، أي: سيموت. وأما بالتخفيف فمن حل به الموت؛ كما في القاموس وغيره، وليس مرادًا هنا. "وكل جديد بال وكل كبير" بالموحدة "يفنى" وفي نسخة بالمثلثة، قال شيخنا: وهي أظهر لدلالتها على فناء جميع الأشياء، "وأنا ميتة" بالتشديد، أي: سأموت. قال الخليلي: أنشد أبو عمرو:
أيا سائلي تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت إن كنت تعقلي
فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت إلا من إلى القبر يحملстр. 311
وذكري باق، وقد تركت خيرًا، وولدت طهرًا، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك:
نبكي الفتاة البرة الأمينه ... ذات الجمال العفة الرزينه
زوجة عبد الله والقرينه ... أم نبي الله ذي السكينه
الحواشي
(١) "وذكري باق وقد تركت خيرًا" عظيمًا كثيرًا، أي: خير وهو المصطفى وكأنه كالتعليل لبقاء ذكرها، "وولدت طهرًا" أي: طاهرًا أطلق المصدر على اسم الفاعل، مبالغة وهذا أولى من تقدير ذا طهر، ومن استعماله بمعنى اسم الفاعل. "ثم ماتت" ﵂، وهذا القول منها صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم، وبعث ابنها ﷺ بالإسلام من عند الله ونهيه عن الأصنام وموالاتها، وهل التوحيد شيء غير هذا التوحيد الاعتراف بالله وإلهياته وأنه لا شريك له، والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها، وهذا القدر كاف في التبري من الكفر وثبوت صفة التوحيد في الجاهلية قبل البعثة، وإنما يشترط قدر زائد على هذا بعد البعثة، وقد قال العلماء في حديث: "الذي أمر بنيه عند موته أن يحرقوه ويسحقوه ويذروه في الريح" وقوله: "إن قدر الله عليّ فيعذبني" إن هذه الكلمة لا تنافي الحكيم بإيمانه، ولكن جهل فظن أنه إذ فعل ذلك لا يعاد ولا يظن بكل من كان في الجاهلية أنه كافر فقد تخلف فيها جماعة، فلا بدع أن تكون أمه ﷺ منهم، كيف وأكثر من تحنف إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب والكهان قرب زمنه ﷺ من أنه قرب بعث نبي من الحرم صفته كذا، وأمه ﷺ سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل على التحنف ضرورة، ورأت النور الذي خرج منها أضاء له قصور الشام، حتى رأتها كما ترى أمهات النبيين، وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وأنه لكائن لابني هذا شأن في كلمات أخر من هذا النمط، وقدمت به المدينة عام وفاتها، وسمعت اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوة ورجعت به إلى مكة، فماتت في الطريق فهذا كله مما يؤيد أنها تحنفت في حياتها، ذكره العلامة الحافظ السيوطي في كتاب الفوائد، وهو المسمى أيضًا التعظيم والمنة، شكر الله مسعاه.
"فكنا نسمع نوح" مصدر ناح، أي: صياح "الجن عليها" أسفًا، "فحفظنا من ذلك" أبياتًا هي: "نبكي الفتاة" الشابة فإنها ماتت في حدود العشرين تقريبًا، ذكره السيوطي. "البرة" المحسنة، "المطيعة، "الأمينة" كيف وهي قرشية أما وأبا "ذات الجمال" البارع "العفة" بفتح العين وشد الفاء، "الرزينة" أي: ذات الوقار، "زوجة عبد الله والقرينة" عطف تفسير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤، الطور: ٢٠] ، أي: قرناهم لهن، "أم نبي الله ذي السكينة" الثباتстр. 312
وصاحب المنبر بالمدينه ... صارت لدى حفرتها رهينه
وقد روي أن آمنة آمنت به ﷺ بعد موتها.
فروى الطبري بسنده عن عائشة أن النبي ﷺ نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ، ثم رجع مسرورًا، قال: "سألت ربي فأحيا لي أمي، فآمن بي ثم ردها".
ورواه أبو حفص بن شاهين..........................................
الحواشي
(١) والطمأنينة، "وصاحب المنبر بالمدينة صارت لدى" أي: في "حفرتها" قبرها "رهينة" مرهونة، زاد في رواية:
لو فوديت لفوديت ثمينه ... وللمنايا شفرة سنينه
لا تبق ظعانًا ولا ظعينه ... إلا أتت وقطعت وتينه
أما حللت أيها الحزينه ... عن الذي ذو العرش يعلي دينه
فكلنا والهة حزينه ... تبكيك للعطلة أو للزينه
وللضعيفات وللمسكينه
ولما ذكر وفاة أمه وما يدل على موتها على التوحيد جره ذلك إلى حديث إحيائها وإحياء أبيه، لكن قدمها لكثرة الروايات فيها، فقال: "وقد روي أن آمنة آمنت به ﷺ بعد موتها" أتى به ممرضًا لضعفه، أي: روى ذلك جماعة فصلهم بقوله: "فروى" الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله بن محمد، أبو العباس المكي "الطبري" الإمام المحدث الصالح، الزاهد الشافعي، فقيه الحرم ومحدث الحجاز، المتوفى في جمادى الآخرة سنة أربع وتسعين وستمائة، "بسنده" فقال في سيرته: أنبأنا أبو إسحاق بن المقير، أنبأنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامي إجازة، أنبأنا أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرزاق الحافظ الزاهد، أنبأنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر، حدثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه "عن عائشة: أن النبي ﷺ نزل الحجون كتيبًا حزينًا" صفة لازمة لكئيبًا، "فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورًا، قال" يخاطب عائشة بعد سؤالها له عن اختلاف حاليه؛ كما في الحديث التالي: "سألت ربي" إحياء أمي بدليل الحديث الآتي، ولا محيص عن هذا فخير ما فسرته بالوارد، "فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردها" إلى ما كانت عليه من الموت.
"ورواه" أي: حديث عائشة هذا بنحوه، "أبو حفص بن شاهين" الحافظ الكبير الإمامстр. 313
في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له، بلفظ: قالت عائشة: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع، فمر بي على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم أنه نزل فقال: "يا حميراء.............................
الحواشي
(١) المفيد عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، الثقة المأمون، صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفًا منها التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء، مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. "في كتاب الناسخ والمنسوخ له" بعد أن أورد قبله حديث الزيارة والنهي عن الاستغفار وجعله منسوخًا، وروى بعده هذا الحديث، فقال: حدثنا محمد بن الحسين بن زياد مولى الأنصار، حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي بمكة، حدثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: أن النبي ﷺ نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ، ثم رجع مسرورًا، فقلت: يا رسول الله! نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقمت به ما شاء الله ثم رجعت مسرورًا، قال: "سألت الله ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردها". هذا لفظ ابن شاهين، كما في كتب السيوطي وغيرها.
وأما قوله: "بلفظ، قالت عائشة" فإنما عزاه القرطبي والسيوطي وغيرهما للخطيب فلعله سقط من قلم المؤلف والخطيب في السابق واللاحق، قال -أعني الخطيب- أنبأنا أبو العلاء الواسطي، حدثنا الحسين بن محمد الحلبي، حدثنا أبو طالب عمر بن الربيع الزاهد، حدثنا علي بن أيوب الكعبي، حدثنا محمد بن يحيى الزهري عن أبي غزية، حدثنا عبد الوهاب ابن موسى، حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عائشة، قالت: "حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر بي علي عقبة الحجون" أي: الطريق الموصل إلى الحجون، أو الإضافة بيانية "وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه" لفظ الخطيب: لبكاء رسول الله ﷺ , ثم إنه نزل، فقال: "يا حميراء" تصغير حمراء، أي: بيضاء للتحبب؛ كقولهم: يا بني يا أخي، وروى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة: دخلت الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي النبي ﷺ : "يا حميراء! أتحبين أن تنظري إليهم" فقلت: نعم، قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أر حديثًا صحيحًا فيه ذكر الحميراء غيره، انتهى.
وروى الحاكم عن أم سلمة، قالت: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة: فقال: "انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت"، ثم التفت إلى علي فقال: "إن وليت من أمرها شيئًا، فارفق بها" قال الحاكم: صحيح على شرطهما. قال الذهبي: لكن عبد الجبار لم يخرجا له، قال في الفلك المشحون: هذا حديث فيه يا حميراء صحيح، انتهى.стр. 314
استمسكي"، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا، ثم عاد إليّ وهو فرح متبسم فقال: "ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها، فأحياها فآمن بي وردها الله".
الحواشي
(١) أي: وإن لم يكن على شرط الشيخين؛ لأن الصحيح مراتب.
"استمسكي" أي: تمسكي بشيء يمنعك السقوط "فاستندت إلى جنب البعير، فمكث مليًا" بشد الياء زمانًا طويلا، ولفظ الخطيب: فمكث عني طويلا "ثم عاد إلي وهو فرح متبسم" أسقط من لفظ ابن شاهين ما تلي عليك، ومن رواية الخطيب، ما لفظه: فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم، فمم ذاك يا رسول الله؟ فقال: "ذهبت لقبر أمي فسألت ربي" ولفظ الخطيب: فسألت الله، "أن يحييها فأحياها، فآمنت بي، وردها الله" إلى الموت.
وأخرج الدارقطني هذا الحديث من هذا الوجه، وقال: باطل وابن عساكر، وقال منكر وهشام لم يدرك عائشة فلعله سقط من كتابي عن أبيه، قال في اللسان: ثبت في رواية عن أبيه التي ظن أنها سقطت، فهو كما ظن يشير إلى روايتي الطبري وابن شاهين الثابت فيهما عن أبيه، كما قدمنا.
وذكره ابن الجوزي في الموضوع ولم يتكلم على رجاله. وفي الميزان: أن عمر بن الربيع كذاب ورده في اللسان بأن الدارقطني ضعفه فقط، وقال مسلمة بن قاسم: تكلم فيه قوم ووثقه آخرون، وكان كثير الحديث.
والكعبي، قال الذهبي: لا يكاد يعرف وكأنه تبع قول ابن عساكر مجهول، ورده في اللسان بأن الدارقطني عرفه وسماه علي بن أحمد ويأتي الكلام على باقي رجاله، فلا يتصور كونه موضوعًا بل هو ضعيف فقط.
وكذا أورد رواية ابن شاهين في الموضوعات، وقال محمد بن زياد هو النقاش ليس بثقة، ومحمد بن يحيى وأحمد بن يحيى مجهولان. ورده السيوطي بأن محمد بن يحيى ليس مجهولا، فقد قال الدارقطني: متروك والأزدي ضعيف ومن ترجم بهذا إنما يكون حديثه ضعيفًا لا مضوعًا وكذا أحمد بن يحيى ليس بمجهول، فقد ذكره في الميزان، وقال: روى عن حرملة التجيبي وكنيته أبو سعيد ومن ترجم بهذا إنما يعتبر بحديثه، قال: وأما محمد بن زياد فإن كان هو النقاش، كما ذكر فهو أحد علماء القراءات وأئمة التفسير، قال في الميزان: صار شيخ المقرئين في عصره على ضعف فيه، أثنى عليه أبو عمرو الداني، وحدث بمناكير ومع ذلك لم ينفردا به، فله طريقان آخران عن أبي غزية، فذكر طريق الطبري وطريق الخطيب، قال: وأعله الذهبي بجهالة عبد الوهاب بن موسى وليس كما قال، بل هو معروف من رواة مالك، وقد وثقه الدارقطني وأقرهстр. 315
وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه ﷺ حتى آمنا به. أورده السهيلي، وكذا الخطيب في السابق واللاحق.
وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل.
وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا، وسنده مجهول.
الحواشي
(١) الحافظ ابن حجر، ولم ينقل عن أحد فيه جرح، فتلخص أن الحديث غير موضوع قطعًا؛ لأنه ليس في رواية من أجمع على جرحه فإن مداره على أبي غزية بن عبد الوهاب، وقد وثق ومن فوقه من مالك فصاعدًا، لا يسأل عنهم لجلالتهم والساقط بين هشام وعائشة وهو عروة؛ كما ثبت في طريق آخر وأبو غزية، قال فيه الدارقطني: منكر الحديث، وابن الجوزي: مجهول، وترجمه ابن يونس ترجمة جيدة أخرجته عن حد الجهالة والكعبي أكثر ما قيل فيه مجهول، وقد عرف وعمر بن الربيع نقل مسلمة توثيقه عن آخرين، وأنه كان كثير الحديث، فهذا الطريق بهذا الاعتبار ضعيف لا موضوع على مقتضى الصنعة، فكيف وله متابع أجود منه وهو طريق أحمد الحضرمي عن أبي غزية من حديث أن طريق الكعبي فيها رجال على الولاء، تكلم فيهم بخلاف طريق الحضرمي حيث اقتصر فيه عليه، وقد عرف لما نسب باللين، وهي من ألفاظ التعديل الذي يحكم لصاحبه بالحسن إذا توبع، فالحديث إذن مداره على أبي غزية وهو من أفراده ولولا تفرده به لحكمت له بالحسن، انتهى ملخصًا، فلله دره.
"وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه ﷺ " معًا "حتى آمنا به، أورده السهيلي" في الروض، فقال: روي حديث غريب لعله يصح، وجدته بخط جدي القاضي أحمد بن الحسن بسند فيه مجهولون. ذكر أنه نقله من كتاب انتسخ من كتاب معوذ الزاهد، يرفعه إلى أبي الزناد عن عروة عن عائشة: أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به، ثم أماتهما. قال السهيلي: والله قادر على كل شيء وليس يعجز رحمته وقدرت عن شيء، ونبيه ﷺ أهل أن يختصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته.
"وكذا الخطيب في السابق واللاحق" أي: المتقدم والمتأخر، بمعنى المنسوخ والناسخ، "وقال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل" وهو يفيد ضعفه فقط، وبه صرح في موضع آخر من الروض وأيده بحديث ولا ينافي هذا ترجيحه صحته، كما مر عنه؛ لأن مراده من غير هذا الطريق إن وجد أو في نفس الأمر؛ لأن الحكم بالضعف وغيره إنما هو في الظاهر.
"وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدًا وسنده مجهول" وإن كان ممكنًا بالنظر إلى قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه هذا كله كلام ابن كثير، وهو أيضًا صريح فيстр. 316
وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتهى.
وقد جزم بعض العلماء: بأن أبويه ﷺ ناجيان، وليسا في النار، تمسكًا بهذا الحديث وغيره.
الحواشي
(١) أنه ضعيف فقط، فالمنكر من قسم الضعيف، ولذا قال السيوطي بعدما أورد قول ابن عساكر: منكر هذا حجة لما قلته من أنه ضعيف لا موضوع؛ لأن المنكر من قسم الضعيف وبينه وبين الموضوع فرق معروف في الفن، فالمنكر ما انفرد به الراوي الضعيف مخالفًا لرواته الثقات، وهذا كذلك إن سلم مخالفته لحديث الزيارة ونحوه، فإن انتفت كان ضعيفًا فقط وهي مرتبة فوق المنكر أصلح حالا منه.
"وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع" قال تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] ، وقال: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵇، قال: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فنزل: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] ، "انتهى" كلام ابن دحية بما زدته؛ كما نقله كله القرطبي عنه. وقد عابه السيوطي بأن تعليله بمخالفة ظاهر القرآن ليس طريق المحدثين؛ لأن الحفاظ إنما يعللون الحديث من طريق الإسناد الذي هو المرقاة إليه؛ كما صرح به الحافظ ابن طاهر المقدسي، انتهى.
وهذا مراد الشامي بقوله: لو اقتصر أبو الخطاب على قوله موضوع وسكت عن قوله: يرده القرآن والإجماع، لكان جيدًا وتأدبًا مع النبي ﷺ ، انتهى. أي: لكان جيدًا من حيث أن له دعوى وضعه سلفًا وإن لم تسلم دعواه وكان فيه زيادة هي التأدب، فليس قوله: وتأدبًا عطف علة على معلول؛ كما زعم، قال في الفرائد: وأما حديث ليست شعري فمعضل ضعيف، لا تقوم به حجة.
"وقد جزم بعض العلماء بأن أبويه" ﷺ "ناجيان وليسا في النار" بل في الجنة، "تمسكًا بهذا الحديث وغيره" ظاهره: أن البعض واحد ونحوه، ويصرح به قوله الآتي: وتعقبه عالم آخر مع أن القائل بنجاتهما قوم كثير، فأما الذين تمسكوا بالحديث، فقال السيوطي في سبل النجاة: مال إلى أن الله أحياهما حتى آمنا به طائفة من الأئمة وحفاظ الحديث، واستندوا إلى حديث ضعيف لا موضوع؛ كما قال ابن الجوزي: وقد نص ابن الصلاح وأتباعه على تسامحه في الموضوعات، فأورد أحاديث ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة، قال الحافظ العراقي:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عني أبا الفرج
وحديثنا هذا خالفه فيه كثير من الحفاظ، فذكروا أنه ضعيف تجوز روايته في الفضائلстр. 317
................................................
الحواشي
(١) والمناقب لا موضوع؛ كالخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، وابن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم ومشى عليه الصلاح الصفدي في نظم له، والحافظ بن ناصر في أبيات له قال: وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخطه شيخ الإسلام ابن حجر أجاب فيها بهذا مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي، وإنما أورد حديثًا آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط، وفيه قصة بلفظ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي، فعلم أنه حديث آخر مستقل، قال: وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخًا للأحاديث الواردة بما يخالفه ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها، انتهى.
وقال في الدرج المنيفة: جعلوه ناسخًا ولم يبالوا بضعفه؛ لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة؛ هذا كلام هذا الجهبذ وهو في غاية التحرير، وأغرب الشهاب الهيثمي فقال في مولده بعدما ذكر قول ابن كثير منكر، وليس كما قال؛ لأن حافظ الشام ابن ناصر أثبت منه وقد حسنه، بل صححه وسبقه إلى تصحيحه القرطبي، وارتضى ذلك بعض الحفاظ الجامعين بين المعقول والمنقول، انتهى.
وما في تذكرة القرطبي ولا مولد ابن ناصر ما نقله عنهما، فإن الذي في التذكرة هو ما سينقله المصنف قريبًا والذي في مولد ابن ناصر، إنما هو التصريح بضعف الحديث في الأبيات الآتية التي آخرها وإن كان الحديث به ضعيفًا، وأغرب من ذلك قوله في شرح الهمزية، صححه غير واحد من الحفاظ ولم يتلفتوا للطعن فيه، انتهى.
وليت شعري من أين يصح وهو ما بلغ درجة الحسن ومن الحفاظ والسيوطي غاية ما وصل إلى القول بضعفه، والذي يظهر لي أن مراده أنهم صححوا العمل به في الاعتقاد، وإن كان ضعيفًا لكونه في منقبه فيرجع لكلام السيوطي ووقع للتلماسني في حواشيه، روى إسلام أمه بسند صحيح، وروى إسلام أبيه وكلاهما بعد الموت تشريفًا له حتى أسلما، فإن أراد إسناد الحديث المتقدم، فلا يسلم له وإن أراد غيره فعليه البيان، ولولا قوله بسند لأولته كالسابق، هذا وفي الدرج المنيفة أيد بعضهم ذا الحديث بالقاعدة المتفق عليها أنه ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي ﷺ مثلها، وقد أحيا الله لعيسى الموتى من قبورهم، فلا بد أن يكون لنبينا مثل ذلك، ولم يرد من هذا النوع إلا هذه القصة، فلا يبعد ثبوتها وإن كان له من هذا النمط نطق الذراع وحنين الجذع، لكنه غير ما وقع لعيسى فهو أشبه بالمماثلة، ولا شك أن من الطرق التي يعتضد بها الحديث الضعيف موافقته للقواعد المقررة، انتهى. وهو منابذ لما قاله القرطبي إن الله أحيا علىстр. 318
وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى.
وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى.
وتعقبه القرطبي.................................
الحواشي
(١) يد المصطفى جماعة، وقد أقره هو -أعني السيوطي- وغيره، وذكر المصنف في المعجزات أن الله أحيا على يده خمسة منهم الأبوان ويمكن أن لا ينابذه؛ لأن غاية ما صرح به أن الله أحيا على يده والمؤيد به أن الله أحياهم لعيسى من قبورهم، وهذا لم يرد لنبينا منه إلا هذه القصة؛ كما قال مع قصة أخرى تأتي قريبًا لكنها مرسلة، فكأنه لم يعتبرها أو اعتبرها لكنها واحدة، ومراده: أزيد ليوافق ما اتفق لعيسى.
"وتعقبه" أي القائل بنجاتهما لأنهما آمنا بعد الموت، "عالم آخر" رأيت بهامش أنه أراد به السخاوي شيخه، وبالبعض الذي أبهمه أولا السيوطي، "بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل، انتهى" ويلزمه إما أن يقول بوضع الحديث فيرد بأن أكثر الحفاظ، قالوا: ليس بموضوع وهو الحق الأبلج الذي أسفر عنه النظر في أسانيده، كما مر تفصيله أو بضعفه ولا يعمل به فيرد بأن طريق الحفاظ العمل به؛ لأنه في منقبه أو يبقى التعارض بين الأحاديث، وليس شأن أهل الفن ولا أهل الأصول.
وأما الدليل على الخصوصية فواضح من سياق الأحاديث لقوله: "سألت ربي أن يحييها فأحياها، فآمنت بي"، وقد صرح في فتح الباري بأنه لا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية. "وقد سبقه" أي: هذا المتعقب "لذلك" التعقب بمعناه، "أبو الخطاب الحافظ عمر "ابن دحية وعبارته" عقب قوله السابق: يرده القرآن والإجماع وتلاوة الآيتين، "فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة" لأسباب العذاب "لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى" وقدمت ذلك تتميمًا لعبارته ولبيان أن قوله: فمن ... إلخ، تفسير لقوله: والإجماع.
"وتعقبه" تعقب ابن دحية ومن لازمه تعقب من وافقه "القرطبي" الإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح بإسكان الراء وبالحاء المهملة، كما في الديباج، أبو عبد الله الأنصاري الورع الزاهد، صاحب التصانيف العديدة، المشغول بما يعنيه، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف، سمع أبا العباس القرطبي صاحب المفهم وأبا علي الحسن بن محمد البكريстр. 319
في "التذكرة" بأن فضائله ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحي الموتى
الحواشي
(١) وغيرهما، واستقر بمنية ابن خصيب، وبها توفي ودفن في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
"في" كتاب "التذكرة" بأمور الآخرة "بأن فضائله ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع عطف تفسير إلى حين مماته فيكون هذا" أي إحياؤهما "مما فضله الله به وأكرمه"، فلا يرد حديث إحيائهما قرآن ولا إجماع؛ لأن محلهما في غير الخصوصية.
وقد أخرج ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود، قال: جاء ابنا مليكة فقالا: يا رسول الله! إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت في الجاهلية، فأين أمنا؟ فقال: "أمكما في النار" فقاما وقد شق عليهما فدعاهما ﷺ ، فقال: "إن أمي مع أمكما"، فقال منافق: ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما، فقال شاب من الأنصار: لو أن أبويك، فقال ﷺ : "ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم المقام المحمود". ففيه كما قال السيوطي إن قوله: "أمي مع أمكما"، كان قبل أن يسأل ربه فيهما فلا ينافي حديث إحيائهما وإيمانهما وأنه جوز ﷺ أنه إذا سأل ربه يعطيه وأن أصحابه جوزوا ذلك عليه، واعتقدوا أن من خصائصه ما يقتضيه، وقال بعد أن أورد أحاديث امتحان أهل الفترة: وبها يرد على ابن دحية؛ لأن الإيمان إذا كان ينفع أهل الفترة في الآخرة التي ليست دار تكليف، وقد شاهدوا جهنم بشهادة الأحاديث، فلأن ينفعهم بالإحياء عن الموت من باب أولى، انتهى. فقد حصل للمطالب بدليل الخصوصية أدلة كالنهار.
"قال" القرطبي "وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا"، لأنه يجوز مثل ذلك فلا يدعي وضع الحديث؛ لأن العقل يخيله، "ولا شرعًا فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله" وذلك أنه قتل لهم قتيل لا يدري قاتله، فسألوا موسى أن يدعو الله يبينه لهم فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، فذبحوها بعدما قضى الله وضربوها ببعضها، أي: لسانها أو عجب ذنبها أو بالبضعة التي بين كتفيها أو بفخذيها أبو بالعظم الذي يلي الغضروف أو بذنبها أو بعظم من عظامها، أقوال حكاها في المبهمات فحيي، وقال: قتلني فلان وفلان، لابني عمه أو ابني أخيه، ومات فحرما الميراث وقتلا. "وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى" بنص القرآن، فأحيا العازر بفتح الزاي، صديقًا له بعد موته ودفنه بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه في أكفانه وابنة العاشر فعاشوا مدة وولد لهم وعزيرًا وسام بن نوح ومات في الحال.стр. 320
وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى. قال وإذا ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته.
قال: فقوله: من مات كافرًا إلى آخر كلامه، مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها, ذكره الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعًا لإيمانهما...................................
الحواشي
(١) "وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى" فأحيا ابنة الرجل الذي قال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي، فجاء إلى قبرها وناداها، فقالت: لبيك وسعديك، رواه البيهقي في الدلائل، وأباه وأمه، وتوفي شاب من الأنصار فتوسلت أمه وهي عجوز عمياء بهجرتها لله ورسوله فأحياه الله، رواه البيهقي وابن عدي وغيرهما، ولما مات زيد بن حارثة من سراة الأنصار كشفوا عنه، فسمعوا على لسانه قائلًا يقول: "محمد رسول الله" الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت، وأخرج ابن الضحاك: أن أنصاريًا توفي فلما كفن وحمل، قال محمد رسول الله، هذا ملخص ما ذكره المصنف في المعجزات.
"قال وإذا" أي: حيث "ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته" مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك مخصوصًا بمن مات كافرًا، هذا أسقطه المصنف من كلام القرطبي "قال: فقوله: من مات كافرًا ... إلخ، كلامه مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها، ذكره" أي: رواه الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سالم الأزدي "الطحاوي" المصري الحنفي، الثقة الثبت الفقيه، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، "وقال: إنه حديث ثابت" أي: صحيح أو حسن، قال السيوطي:
وهل يخص بالصحيح الثابت ... أو يشمل الحسن نزاع ثابت
ووجه الرد: أنه كما أن إحياء الموتى وانتفاعهم بالحياة بعد موتهم بعيد عقلا لعدم وقوعه، كذلك عود الشمس بعد غروبها وحصول الانتفاع بها كما كانت قبل الغروب بعيد غير متوقع، وقد أعيدت وحصل الانتفاع بها مع استحالة مثله عادة، فلا مانع من جواز إحياء الميت وانتفاعه بحياته بعده خرقًا للعادة، وإلى هذا أشار بقوله: "فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه" لو لم يكن "لا يتجدد الوقت" بل استمر عدم تجدده، "لما ردها عليه" وفي نسخة: وأنه يتجدد بدون لا، عطفًا على نافعًا تفسيرًا، "فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعًا لإيمانهماследующие страницы →