Полный текст (5 943 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتهى.
وقد جزم بعض العلماء: بأن أبويه ﷺ ناجيان، وليسا في النار، تمسكًا بهذا الحديث وغيره.
الحواشي
(١) أنه ضعيف فقط، فالمنكر من قسم الضعيف، ولذا قال السيوطي بعدما أورد قول ابن عساكر: منكر هذا حجة لما قلته من أنه ضعيف لا موضوع؛ لأن المنكر من قسم الضعيف وبينه وبين الموضوع فرق معروف في الفن، فالمنكر ما انفرد به الراوي الضعيف مخالفًا لرواته الثقات، وهذا كذلك إن سلم مخالفته لحديث الزيارة ونحوه، فإن انتفت كان ضعيفًا فقط وهي مرتبة فوق المنكر أصلح حالا منه.
"وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع" قال تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] ، وقال: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، فمن مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵇، قال: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فنزل: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] ، "انتهى" كلام ابن دحية بما زدته؛ كما نقله كله القرطبي عنه. وقد عابه السيوطي بأن تعليله بمخالفة ظاهر القرآن ليس طريق المحدثين؛ لأن الحفاظ إنما يعللون الحديث من طريق الإسناد الذي هو المرقاة إليه؛ كما صرح به الحافظ ابن طاهر المقدسي، انتهى.
وهذا مراد الشامي بقوله: لو اقتصر أبو الخطاب على قوله موضوع وسكت عن قوله: يرده القرآن والإجماع، لكان جيدًا وتأدبًا مع النبي ﷺ ، انتهى. أي: لكان جيدًا من حيث أن له دعوى وضعه سلفًا وإن لم تسلم دعواه وكان فيه زيادة هي التأدب، فليس قوله: وتأدبًا عطف علة على معلول؛ كما زعم، قال في الفرائد: وأما حديث ليست شعري فمعضل ضعيف، لا تقوم به حجة.
"وقد جزم بعض العلماء بأن أبويه" ﷺ "ناجيان وليسا في النار" بل في الجنة، "تمسكًا بهذا الحديث وغيره" ظاهره: أن البعض واحد ونحوه، ويصرح به قوله الآتي: وتعقبه عالم آخر مع أن القائل بنجاتهما قوم كثير، فأما الذين تمسكوا بالحديث، فقال السيوطي في سبل النجاة: مال إلى أن الله أحياهما حتى آمنا به طائفة من الأئمة وحفاظ الحديث، واستندوا إلى حديث ضعيف لا موضوع؛ كما قال ابن الجوزي: وقد نص ابن الصلاح وأتباعه على تسامحه في الموضوعات، فأورد أحاديث ضعيفة فقط، وربما تكون حسنة أو صحيحة، قال الحافظ العراقي:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عني أبا الفرج
وحديثنا هذا خالفه فيه كثير من الحفاظ، فذكروا أنه ضعيف تجوز روايته في الفضائلстр. 317
................................................
الحواشي
(١) والمناقب لا موضوع؛ كالخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري، والعلامة ناصر الدين بن المنير، وابن سيد الناس، ونقله عن بعض أهل العلم ومشى عليه الصلاح الصفدي في نظم له، والحافظ بن ناصر في أبيات له قال: وأخبرني بعض الفضلاء أنه وقف على فتيا بخطه شيخ الإسلام ابن حجر أجاب فيها بهذا مع أن الحديث الذي أورده السهيلي لم يذكره ابن الجوزي، وإنما أورد حديثًا آخر من طريق آخر في إحياء أمه فقط، وفيه قصة بلفظ غير لفظ الحديث الذي أورده السهيلي، فعلم أنه حديث آخر مستقل، قال: وقد جعل هؤلاء الأئمة هذا الحديث ناسخًا للأحاديث الواردة بما يخالفه ونصوا على أنه متأخر عنها فلا تعارض بينه وبينها، انتهى.
وقال في الدرج المنيفة: جعلوه ناسخًا ولم يبالوا بضعفه؛ لأن الحديث الضعيف يعمل به في الفضائل والمناقب، وهذه منقبة؛ هذا كلام هذا الجهبذ وهو في غاية التحرير، وأغرب الشهاب الهيثمي فقال في مولده بعدما ذكر قول ابن كثير منكر، وليس كما قال؛ لأن حافظ الشام ابن ناصر أثبت منه وقد حسنه، بل صححه وسبقه إلى تصحيحه القرطبي، وارتضى ذلك بعض الحفاظ الجامعين بين المعقول والمنقول، انتهى.
وما في تذكرة القرطبي ولا مولد ابن ناصر ما نقله عنهما، فإن الذي في التذكرة هو ما سينقله المصنف قريبًا والذي في مولد ابن ناصر، إنما هو التصريح بضعف الحديث في الأبيات الآتية التي آخرها وإن كان الحديث به ضعيفًا، وأغرب من ذلك قوله في شرح الهمزية، صححه غير واحد من الحفاظ ولم يتلفتوا للطعن فيه، انتهى.
وليت شعري من أين يصح وهو ما بلغ درجة الحسن ومن الحفاظ والسيوطي غاية ما وصل إلى القول بضعفه، والذي يظهر لي أن مراده أنهم صححوا العمل به في الاعتقاد، وإن كان ضعيفًا لكونه في منقبه فيرجع لكلام السيوطي ووقع للتلماسني في حواشيه، روى إسلام أمه بسند صحيح، وروى إسلام أبيه وكلاهما بعد الموت تشريفًا له حتى أسلما، فإن أراد إسناد الحديث المتقدم، فلا يسلم له وإن أراد غيره فعليه البيان، ولولا قوله بسند لأولته كالسابق، هذا وفي الدرج المنيفة أيد بعضهم ذا الحديث بالقاعدة المتفق عليها أنه ما أوتي نبي معجزة إلا وأوتي ﷺ مثلها، وقد أحيا الله لعيسى الموتى من قبورهم، فلا بد أن يكون لنبينا مثل ذلك، ولم يرد من هذا النوع إلا هذه القصة، فلا يبعد ثبوتها وإن كان له من هذا النمط نطق الذراع وحنين الجذع، لكنه غير ما وقع لعيسى فهو أشبه بالمماثلة، ولا شك أن من الطرق التي يعتضد بها الحديث الضعيف موافقته للقواعد المقررة، انتهى. وهو منابذ لما قاله القرطبي إن الله أحيا علىстр. 318
وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى.
وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى.
وتعقبه القرطبي.................................
الحواشي
(١) يد المصطفى جماعة، وقد أقره هو -أعني السيوطي- وغيره، وذكر المصنف في المعجزات أن الله أحيا على يده خمسة منهم الأبوان ويمكن أن لا ينابذه؛ لأن غاية ما صرح به أن الله أحيا على يده والمؤيد به أن الله أحياهم لعيسى من قبورهم، وهذا لم يرد لنبينا منه إلا هذه القصة؛ كما قال مع قصة أخرى تأتي قريبًا لكنها مرسلة، فكأنه لم يعتبرها أو اعتبرها لكنها واحدة، ومراده: أزيد ليوافق ما اتفق لعيسى.
"وتعقبه" أي القائل بنجاتهما لأنهما آمنا بعد الموت، "عالم آخر" رأيت بهامش أنه أراد به السخاوي شيخه، وبالبعض الذي أبهمه أولا السيوطي، "بأنه لم ير أحدًا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل، انتهى" ويلزمه إما أن يقول بوضع الحديث فيرد بأن أكثر الحفاظ، قالوا: ليس بموضوع وهو الحق الأبلج الذي أسفر عنه النظر في أسانيده، كما مر تفصيله أو بضعفه ولا يعمل به فيرد بأن طريق الحفاظ العمل به؛ لأنه في منقبه أو يبقى التعارض بين الأحاديث، وليس شأن أهل الفن ولا أهل الأصول.
وأما الدليل على الخصوصية فواضح من سياق الأحاديث لقوله: "سألت ربي أن يحييها فأحياها، فآمنت بي"، وقد صرح في فتح الباري بأنه لا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية. "وقد سبقه" أي: هذا المتعقب "لذلك" التعقب بمعناه، "أبو الخطاب الحافظ عمر "ابن دحية وعبارته" عقب قوله السابق: يرده القرآن والإجماع وتلاوة الآيتين، "فمن مات كافرًا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة" لأسباب العذاب "لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة انتهى" وقدمت ذلك تتميمًا لعبارته ولبيان أن قوله: فمن ... إلخ، تفسير لقوله: والإجماع.
"وتعقبه" تعقب ابن دحية ومن لازمه تعقب من وافقه "القرطبي" الإمام المفسر محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح بإسكان الراء وبالحاء المهملة، كما في الديباج، أبو عبد الله الأنصاري الورع الزاهد، صاحب التصانيف العديدة، المشغول بما يعنيه، أوقاته معمورة ما بين توجه وعبادة وتصنيف، سمع أبا العباس القرطبي صاحب المفهم وأبا علي الحسن بن محمد البكريстр. 319
في "التذكرة" بأن فضائله ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعًا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى ﵇ يحي الموتى
الحواشي
(١) وغيرهما، واستقر بمنية ابن خصيب، وبها توفي ودفن في شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة.
"في" كتاب "التذكرة" بأمور الآخرة "بأن فضائله ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتابع عطف تفسير إلى حين مماته فيكون هذا" أي إحياؤهما "مما فضله الله به وأكرمه"، فلا يرد حديث إحيائهما قرآن ولا إجماع؛ لأن محلهما في غير الخصوصية.
وقد أخرج ابن شاهين والحاكم عن ابن مسعود، قال: جاء ابنا مليكة فقالا: يا رسول الله! إن أمنا كانت تكرم الضيف وقد وأدت في الجاهلية، فأين أمنا؟ فقال: "أمكما في النار" فقاما وقد شق عليهما فدعاهما ﷺ ، فقال: "إن أمي مع أمكما"، فقال منافق: ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما، فقال شاب من الأنصار: لو أن أبويك، فقال ﷺ : "ما سألتهما ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم المقام المحمود". ففيه كما قال السيوطي إن قوله: "أمي مع أمكما"، كان قبل أن يسأل ربه فيهما فلا ينافي حديث إحيائهما وإيمانهما وأنه جوز ﷺ أنه إذا سأل ربه يعطيه وأن أصحابه جوزوا ذلك عليه، واعتقدوا أن من خصائصه ما يقتضيه، وقال بعد أن أورد أحاديث امتحان أهل الفترة: وبها يرد على ابن دحية؛ لأن الإيمان إذا كان ينفع أهل الفترة في الآخرة التي ليست دار تكليف، وقد شاهدوا جهنم بشهادة الأحاديث، فلأن ينفعهم بالإحياء عن الموت من باب أولى، انتهى. فقد حصل للمطالب بدليل الخصوصية أدلة كالنهار.
"قال" القرطبي "وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا"، لأنه يجوز مثل ذلك فلا يدعي وضع الحديث؛ لأن العقل يخيله، "ولا شرعًا فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله" وذلك أنه قتل لهم قتيل لا يدري قاتله، فسألوا موسى أن يدعو الله يبينه لهم فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، فذبحوها بعدما قضى الله وضربوها ببعضها، أي: لسانها أو عجب ذنبها أو بالبضعة التي بين كتفيها أو بفخذيها أبو بالعظم الذي يلي الغضروف أو بذنبها أو بعظم من عظامها، أقوال حكاها في المبهمات فحيي، وقال: قتلني فلان وفلان، لابني عمه أو ابني أخيه، ومات فحرما الميراث وقتلا. "وكان عيسى ﵇ يحيي الموتى" بنص القرآن، فأحيا العازر بفتح الزاي، صديقًا له بعد موته ودفنه بثلاثة أيام، وابن العجوز وهو محمول على نعشه في أكفانه وابنة العاشر فعاشوا مدة وولد لهم وعزيرًا وسام بن نوح ومات في الحال.стр. 320
وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى. قال وإذا ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته.
قال: فقوله: من مات كافرًا إلى آخر كلامه، مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها, ذكره الطحاوي وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعًا لإيمانهما...................................
الحواشي
(١) "وكذلك نبينا ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى" فأحيا ابنة الرجل الذي قال: لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي، فجاء إلى قبرها وناداها، فقالت: لبيك وسعديك، رواه البيهقي في الدلائل، وأباه وأمه، وتوفي شاب من الأنصار فتوسلت أمه وهي عجوز عمياء بهجرتها لله ورسوله فأحياه الله، رواه البيهقي وابن عدي وغيرهما، ولما مات زيد بن حارثة من سراة الأنصار كشفوا عنه، فسمعوا على لسانه قائلًا يقول: "محمد رسول الله" الحديث، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت، وأخرج ابن الضحاك: أن أنصاريًا توفي فلما كفن وحمل، قال محمد رسول الله، هذا ملخص ما ذكره المصنف في المعجزات.
"قال وإذا" أي: حيث "ثبت هذا فما يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما ويكون ذلك زيادة في كرامته وفضيلته" مع ما ورد من الخبر في ذلك، ويكون ذلك مخصوصًا بمن مات كافرًا، هذا أسقطه المصنف من كلام القرطبي "قال: فقوله: من مات كافرًا ... إلخ، كلامه مردود بما روي في الخبر أن الله رد الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها، ذكره" أي: رواه الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سالم الأزدي "الطحاوي" المصري الحنفي، الثقة الثبت الفقيه، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات مستهل ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، "وقال: إنه حديث ثابت" أي: صحيح أو حسن، قال السيوطي:
وهل يخص بالصحيح الثابت ... أو يشمل الحسن نزاع ثابت
ووجه الرد: أنه كما أن إحياء الموتى وانتفاعهم بالحياة بعد موتهم بعيد عقلا لعدم وقوعه، كذلك عود الشمس بعد غروبها وحصول الانتفاع بها كما كانت قبل الغروب بعيد غير متوقع، وقد أعيدت وحصل الانتفاع بها مع استحالة مثله عادة، فلا مانع من جواز إحياء الميت وانتفاعه بحياته بعده خرقًا للعادة، وإلى هذا أشار بقوله: "فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وأنه" لو لم يكن "لا يتجدد الوقت" بل استمر عدم تجدده، "لما ردها عليه" وفي نسخة: وأنه يتجدد بدون لا، عطفًا على نافعًا تفسيرًا، "فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ نافعًا لإيمانهماстр. 321
وتصديقهما بالنبي ﷺ انتهى.
الحواشي
(١) وتصديقهما النبي ﷺ " قال في التعظيم والمنة واستدلاله على عدم تجدد الوقت بقصة رجوع الشمس في غاية الحسن، ولهذا حكم يكون الصلاة أداء وإلا لم يكن لرجوعها فائدة إذ كان يصح قضاء العصر بعد الغروب، وقد ظفرت باستدلال أوضح منه وهو ما ورد أن أصحاب الكهف يبعثون آخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الأمة تشريفًا لهم بذلك، وروى ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعًا: "أصحاب الكهف أعوان المهدي" فقد اعتد بما يفعله أهل الكهف بعد إحيائهم عن الموت، ولا بدع في أن يكون الله تعالى كتب لأبوي النبي ﷺ عمرًا، ثم قبضهما قبل استيفائه، ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به ويكون تأخير تلك اللحظة الباقية بالمدة الفاضلة بينهما لاستدراك الإيمان من جملة ما أكرم الله به نبيه كما أن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به ليحوزوا شرف الدخول في هذه الأمة، "انتهى" ما نقله من كلام القرطبي. وبقيته: وقد قبل الله إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبسهم بالعذاب، كما هو أحد الأقوال، وهو ظاهر القرآن.
وأما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما من العذاب، انتهى. ومراده بالآية ما روي فيها من التفسير الذي احتج به ابن دحية، وكأنه يفرض التسليم للمروي وإلا فقد مر قول السيوطي في الفوائد أنه معضل ضعيف لا تقوم به حجة، وصرح في مسالك الحنفاء بأنه لم يخرج في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وإنما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتج به ولا يعول عليه، قال: ثم إن هذا السبب مردود من وجوه آخر من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان وأطال في بيان ذلك، قال شيخنا: ولعل المصنف أسقط إشارة القرطبي لقصة قوم يونس لعدم صراحتها في نفع الإيمان، بعد الأسباب المحققة للعذاب؛ كصراحة إحياء الموتى ورد الشمس، انتهى. وعلى كل حال هي شاهد حسن في المدعي، وإن لم تكن صريحة.
وقد نقل الحافظ ابن سيد الناس نحو ما أشار له القرطبي من الخصوصية، فقال في العيون بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق، في أن أبا طالب أسلم عند الموت، ما نصه: وقد روي أن عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب أبوي النبي ﷺ أسلما أيضًا، وأن الله أحياهما له فآمنا به، وروي ذلك في حق جده عبد المطلب وهو مخالف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! أين أمي؟ قال: "أمك في النار" قلت فأين من مضى من أهلك؟ قال: "أما ترضى أن تكون أمك مع أمي". وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات، ما حاصله: أن النبي ﷺ لم يزل راقيًا في المقامات السنية صاعدًا إلى الدرجات العلية إلى أن قبض الله روحه الطاهرة إليه، وأزلفه بما خصه به لديه من الكرامات إلى حين القدوم عليه،стр. 322
وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات.
وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضًا بأنهما ماتا قبل البعثة، في زمن الفترة، ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا.
الحواشي
(١) فمن الجائز أن تكون هذه درجة حصلت له ﷺ بعد أن لم تكن، وأن يكون الإحياء والإيمان متأخرًا عن تلك الأحاديث فلا تعارض، انتهى. وهو حسن، إلا أن ما ذكره في عبد المطلب باطل، كما يأتي.
"وقد طعن بعضهم في حديث رد الشمس" الذي أشار له القرطبي وهو الإمام أحمد، فقال: لا أصل له وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات وكذا صرح ابن تيمية بوضعه، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات" لكن رد مغلطاي والحافظ ابن حجر القطب والخيضري والسيوطي وغيرهم على ابن الجوزي، وقالوا: إنه أخطأ فقد أخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث أبي هريرة وإسنادهما حسن، ومن ثم صححه الطحاوي والقاضي عياض، قال العلامة الشامي: وأما قول الإمام أحمد وجماعة من الحفاظ بوضعه، فالظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذابين، وإلا فطرقه السابقة، أي: في كلامه يتعذر معها الحكم عليه بالضعف فضلا عن الوضع، انتهى.
وأما المتمسكون بغير الحديث، فإليهم أشار بقوله: "وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضًا، بأنهما ماتا قبل البعثة في زمن الفترة" التي عم الجهل فيها طبق الأرض، وفقد فيها من بليغ الدعوة على وجهها خصوصًا وقد ماتا في حداثة السن، فإن والده ﷺ صحح الحافظ صلاح الدين العلائي، أنه عاش من العمر نحو ثمان عشرة سنة، ووالدته ماتت وهي في حدود العشرين تقريبًا، ومثل هذا العمر لا يسع الفحص عن المطلوب في مثل ذلك الزمان، وحكم من لم تبلغه الدعوة، أنه يموت ناجيًا ولا يعذب ويدخل الجنة، قاله في سبل النجاة.
"ولا تعذيب قبلها" أي: البعثة؛ "لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] "، يبين لهم الحجج ويمهد لهم الشرائع، ففيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع. "قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الأصول والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيًا" ويدخل الجنة.
قال السيوطي هذا مذهب لا خلاف فيه بين الشافعية في الفقه والأشاعرة في الأصول،стр. 323
...........................................................
الحواشي
(١) ونص على ذلك الشافعي في الأم والمختصر وتبعه سائر الأصحاب، فلم يشر أحد منهم لخلاف، واستدلوا على ذلك بعدة آيات منها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وهي مسألة فقهية مقررة في كتب الفقه، وهي فرع من فروع قاعدة أصولية متفق عليها عند الأشاعرة، وهي قاعدة شكر المنعم وأنه واجب بالسمع لا بالعقل، ومرجعها إلى قاعدة كلامية هي التحسين والتقبيح العقليين، وإنكارهما متفق عليه بين الأشاعرة؛ كما هو معروف في كتب الكلام والأصول وأطنب الأئمة في تقرير هاتين القاعدتين والاستدلال عليهما. والجواب عن حجج المخالفين إطنابًا عظيمًا خصوصًا إمام الحرمين في البرهان، والغزالي في المستصفى، والمنخول والكيا الهراسي في تعليقه، والرازي في المحصول، وابن السمعاني في القواطع والباقلاني في التقريب وغيرهم من أئمة لا يحصون كثرة، وترجع مسألة من لم تبلغه الدعوة ثانية أصولية، وهي أن الغافل لا يكلف، وهذا هو الصواب في الأصول؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] ، ثم اختلف عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة فأحسنها من قال إنه ناج، وإياها اختار السبكي، ومنهم من قال على الفترة، ومنهم من قال مسلم.
قال الغزالي: والتحقيق أن يقال في معنى مسلم، وقد مشى على هذا السبيل في والدي رسول الله ﷺ قوم من العلماء فصرحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة، حكاه عنهم سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان وغيره. ومشى عليه الآبي في شرح مسلم، وكان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي يعول عليه ويجيب به إذا سئل عنهما، قال: وقد ورد في أهل الفترة أحاديث أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهي كثيرة. والمصحح منها ثلاثة:
الأول: حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا مرفوعًا: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة" الحديث، أخرجه أحمد وابن راهويه والبيهقي وصححه، وفيه: "وأمال الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها".
والثاني: حديث أبي هريرة موقوفًا، وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم إسناده صحيح على شرط الشيخين.
والثالث: حديث ثوبان مرفوعًا، أخرجه البزار والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح علىстр. 324
.........................................
الحواشي
(١) شرط الشيخين، وأقره الذهبي. ورابع عند البزار وابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعًا، وفيه عطية العوفي وفيه ضعف، إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصًا إذا كان له شاهد وهذا له عدة شواهد؛ كما ترى.
وخامس عند البزار وأبي يعلى عن أنس مرفوعًا. وسادس عند الطبراني وأبي نعيم عن معاذ وسند كل منهما ضعيف، والعمدة على الثلاثة الأول الصحيحة. قال: وهذا السبيل نقل حافظ العصر ابن حجر عن بعضهم أنه مشى عليه فيما نحن فيه، ثم قال: والظن بآله ﷺ كلهم الذين ماتوا في الفترة أن يطيعوا عند الامتحان لتقربهم عينه. وذكر الحافظ ابن كثير قضية الامتحان في والديه ﷺ وسائر أهل الفترة، وقال: منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، إلا أنه لم يقل الظن في الوالدين أن يجيبا، ولا شك أن الظن أن الله يوفقهما للإجابة بشفاعته؛ كما رواه تمام في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر: أنه ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي" الحديث.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه ﷺ سئل عن أبويه، فقال: "ما سألتهم ربي فيعطيني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود" فهذا تلويح بأنه يرتجى أن يشفع لهما في ذلك المقام ليوفقا للطاعة عند الامتحان، وينضم إلى ذلك ما أخرجه أبو سعد في شرف النبوة وغيره عن عمران مرفوعًا: "سألت ربي أن لا يدخل النار أحد من أهل بيتي فأعطاني ذلك" وما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] ، قال: من رضا محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا؛ لأن الحديث الضعيف إذا كثرت طرقه أفاد ذلك قوة، كما تقرر في علوم الحديث.
وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه، قال: وهذا السبيل قد يعد مغايرًا للأول، يعني أنهما لم تبلغهما الدعوة كما مشيت عليه هنا، وفي الكتاب المطول؛ لأن مقتضى الأول الجزم بنجاة من لم تبلغه الدعوة ودخوله الجنة من غير توقف على الامتحان، وقد يعد مراد قاله: كما مشيت عليه في مسالك الحنفاء، وفي الدرج المنيفة وفي المقامة السندسية، وهو أقرب إلى التحقيق ويكون معنى قولهم: أنه ناج، أي: بشرط لا مطلقًا وقولهم: لا يعذب، أي: ابتداء كما يعذب من عاند بل يجري فيه الامتحان ويكون امتحانه في الآخرة منزلا منزلة بلوغه دعوة الرسل في الدنيا وعصيانه في الآخرة بمنزلة مخالفته للرسل، ويؤيد ذلك أن أبا هريرة راوي حديث أهل الفترة استدل في آخره بالآية التي استدل بها الأئمة على انتفاء التعذيب قبل البعثة.
ولفظه فيما أخرجه عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر الثلاثة من طريقстр. 325
قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه "أسرار التنزيل" ما نصه: "قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارًا، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨، ٢١٩] قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد
الحواشي
(١) عبد الرزاق، عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة، قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة والمعتوه والأصم والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام، ثم أرسل إليهم رسلا أن ادخلوا النار، فيقولون: كيف ولم تأتنا رسل؟ قال: وايم الله، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا، ثم يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يعطيه".
ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، ففهم ﵁ من الآية ما هو أعم من رسل الدنيا والرسول المبعوث إليهم يوم القيامة أن ادخلوا النار ولا تستنكر هذا الفهم العظيم من مثله، وعلى هذين السبيلين؛ فالجواب عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار بأنها قبل ورود قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨] ، وسائر الأحاديث المخالفة لتلك.
وقال بعض أئمة المالكية في الجواب عن تلك الأحاديث الواردة في الأبوين: إنها أخبار آحاد، فلا تعارض القاطع، وهو قله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، ونحوها من الآيات في معناها.
قلت: مع ضميمة أن أكثرها ضعيف الإسناد، والصحيح منها قابل للتأويل، إلى هنا كلام هذا الإمام، إذا قالت: حذام، ولا تقل: طولت بنقله فكله طائل ولا أكثرت، فكم رجعت منه بنائل.
"قال: وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه أسرار التنزيل" اسم تفسير ما يصرح بأنهما كانا على الحنيفية دين إبراهيم، كما كان زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه وهو سبيل آخر ثالث في نجاتهما، فإنه قال "ما نصه: قيل: إن آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمه واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارًا" تشريفًا لمقام النبوة وكذلك أمهاتهم، كما جزم به الفوائد واستدل عليه بالاستقراء وذكر أدلة ذلك تفصيلا وإجمالا.
"ويدل عليه" أي: على أن آزر لم يكن والد إبراهيم "وجوه، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨, ٢١٩] ، قيل: معناه أنه كان ينتقل نوره من ساجدстр. 326
إلى ساجد، قال ففيه دلالة على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين".
ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد ﷺ ما كانوا مشركين، قوله ﵊: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا.............................
الحواشي
(١) إلى ساجد"، من آدم إلى أن ظهر ﷺ ، ولهذا يتضح قوله: "قال" أي: الرازي، "ففيه دلالة" وإنما قال: فالآية دالة "على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين" وإلا فمجرد انتقاله من ساجد إلى ساجد لا يقتضي ذلك لجواز كونه في بعض أصوله، "ثم قال" أشار إلى أنه حذف منه ولفظه، وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، على وجوه أخرى، وإذا وردت الروايات بالكل ولا منافاة بينها، وجب حمل الآية على الكل، ومتى صح ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان.
"ومما يدل على أن آباء محمد ﷺ ما كانوا مشركين، قوله ﵊" فيما رواه أبو نعيم عن ابن عباس: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ، وإذا قيل: إن فيهم مشركًا نافى الحديث، "فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركًا" وقد ارتضى ذلك العلامة المحقق السنوسي والتلمساني محشى الشفاء، فقالا: لم يتقدم لوالديه صلى الله عله وسلم شرك، وكانا مسلمين؛ لأنه ﵊ انتقل من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، لا يكون ذلك إلا مع الإيمان بالله تعالى، وما نقله المؤرخون قلة حياء وأدب، انتهى.
وهذا لازم في جميع الآباء وإن قصراه على الأبوين والإلزام المحذور، قال السيوطي: وقد وجدت لكلام الرازي أدلة قوية ما بين عام وخاص، فالعام مركب من مقدمتين، إحداهما: أنه ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده ﷺ خير قرنه؛ كحديث البخاري: "بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا حتى بعثت من القرى الذي كنت فيه".
والثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين، فصاعدا يدفع الله بهم عن أهل الأرض، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي: قال: "لم يزل على وجه الدهر سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها".
وأخرج أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين،стр. 327
.....................................................
الحواشي
(١) عن ابن عباس، قال: "ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض" وإذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام؛ لأنه إن كان كل جد من أجداده من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدعي، وإن كانوا غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيرًا منهم، وهو باطل لمخالفته الحديث الصحيح. وإما أن يكونوا خيرًا، وهم على الشرك وهو باطل بالإجماع. وفي التنزيل: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنُ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض في زمانهم.
وأما الخاص، فأخرج ابن سعد عن ابن عباس، قال: ما بين نوح إلى آدم من الآباء، كانوا على الإسلام، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والبزار والحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين" قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله كان الناس أمة واحدة، فاختلفوا.
وفي التنزيل حكاية عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ وسام بن نوح مؤمن بنص القرآن والإجماع، بل ورد في أثر أنه نبي وولده أرفخشذ صرح بإيمانه في أثر عن ابن عباس، أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر وفيه: أنه أدرك جده نوحًا ودعا له أن يجعل الله الملك والنبوة في ولده. وروى ابن سعد من طريق الكلبي: أن الناس ما زالوا ببابل وهم على الإسلام من عهد نوح إلى أن ملكهم نمروذ فدعاهم إلى عبادة الأوثان، وفي عهد نمروذ كان إبراهيم وآزر, وأما ذرية إبراهيم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧، ٢٨] .
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ومجاهد في الآية: أنها لا إله إلا الله باقية في عقب إبراهيم، وأخرج عن قتادة في الآية: قال شهادة أن لا إله إلا الله والتوحيد لا يزال في ذريته من يقولها من بعده، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، الآية، أخرج ابن جرير عن مجاهد فيها، قال: فاستجاب الله لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنمًا بعد دعوته.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنه سئل هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام؟ قال: لا، ألم تسمع قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، قيل: فكيف ما يدخل ولد إسحاق وسائر ولد إبراهيم؟ قال: لا لأنه دعا لأهل البلد أن لا يعبدوا إذا أسكنهم إياه، قال: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، ولم يدع لجميع البلدان، بذلك فقال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] ، فيه وقد خص أهله، وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِيстр. 328
كذا قال.
وهو متعقب:
بأنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ على ما ادعاه، وقد ذكر البيضاوي -في تفسيره- أن معنى الآية: وترددك في تصفح أحوال المتهجدين،
الحواشي
(١) ب ِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] ، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠] ، قال: "فلن تزال من ذرية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون الله"، وقد صحت الأحاديث في البخاري وغيره، وتظافرت نصوص العلماء بأن العرب من عهد إبراهيم على دينه لم يكفر أحد منهم إلى أن جاء عمرو بن عامر الخزاعي، وهو الذي يقال له عمرو بن لحي فهو أول من عبد الأصنام، وغير دين إبراهيم، وكان قريبًا من كنانة جد النبي ﵇، ثم ساق أدلة تشهد بأن عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد وإلياس وكعبًا على ملة إبراهيم، ثم قال: فتلخص من مجموع ما سقناه أن أجداده من آدم إلى كعب وولد مرة مصرح بإيمانهم إلا آزر، فإنه مختلف فيه، فإن كان والد إبراهيم فإنه يستثنى، وإن كان عمه كما هو أحد القولين، فهو خارج عن الأجداد وسلمت سلسلة النسب، وبقي بين مرة وعبد المطلب أربعة لم أظفر فيهم بنقل وعبد المطلب فيه خلاف، حكاه السهيلي عن المسعودي. والأشبه فيه أنه لم تبلغه الدعوة، وإلى هذا أشار الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدمشقي، فقال:
تنقل أحمد نورًا عظيما ... تلألأ في جباه الساجدين
تنقل فيهم قرنًا فقرنا ... إلى أن جاء خبر المرسلينا
انتهى كلامه في سبل النجاة. وذكر في الفوائد أدلة تشهد بأن عبد المطلب كان على الحنيفية والتوحيد وكذا في الدرج المنيفة، وزاد فيه قوله ساقط: أن الله أحياه حتى آمن به ﷺ ، حكاه ابن سيد الناس وغيره، وهو مردود لا أعرفه عن أحد من أئمة السنة، إنما يحكى عن بعض الشيعة، وهو قول لا دليل عليه، ولم يرد فيه قط حديث لا ضعيف ولا غيره، انتهى.
وأغرب المصنف فتبرأ من كلام الإمام، بقوله: "كذا قال" الرازي "وهو متعقب بأنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، على ما" الذي "ادعاه" الحال أنه "قد ذكر البيضاوي" ما يعارضه "في تفسيره أن معنى الآية: وترددك في تصفح" تأمل "أحوال المتهجدين" في العبادة ببحثك عنها مرة بعد أخرى مأخوذ من تصفحت الكتاب إذا قلبت وجوهстр. 329
كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصًا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى.
وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم ﵊ مات على كفر، كما صرح به البيضاوي وغيره، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ، وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى.
الحواشي
(١) أوراقه لتنظر إليها، "كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصًا على كثرة طاعتهم، فوجدها كبيوت الزنابير" جمع زنبور بضم الزاي، أي: الدبابير، "لما سمع لها من دندنتهم" أصواتهم الخفية وما موصول، والعائد محذوف ومن دندنتهم بيان لما، أي: للأصوات التي سمعها، "بذكر الله تعالى" وهذا التعقب بيت العنكبوت إذ ليس في كلام البيضاوي نفي لغير ما ذكره من التفسير، ولا حكاية إجماع عليه بل ذكر بعده تفسيرًا آخر أن المراد بهم المصلون والرازي أيضًا لم ينف غير التفسير الذي ذكره، بل قال أقصى ما في الباب حمل الآية على وجوه أخرى لا منافاة بينها، فتعقبه بأحد تفاسير اعترف هو بها، وأشار إلى الجمع بينها مما لا يليق تسطيره على أن ما فسر به الرازي هو الأولى بالقبول، فقد أخرج ابن سعد والبزار والطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، قال: من نبي إلى نبي، ومن نبي إلى نبي حتى أخرجتك نبيًا، ففسر تقلبه في الساجدين بتقلبه في أصلاب الأنبياء، ولو مع الوسائط، قال في الفوائد: وحمل الآية على أعم منهم، وهم المصلون الذين لم يزالو في ذرية إبراهيم أوضح؛ لأنه ليس في أجداده ﷺ أنبياء بكثرة بل إسماعيل وإبراهيم ونوح وشيث وآدم وإدريس في قول، انتهى.
"وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم ﵊ مات على كفر، كما صرح به البيضاوي وغيره" ممن استروح وتساهل وذكر ما زعم أنه النص، بقوله: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] بالموت على الكفر أو أوحي إليه أنه لن يؤمن ذكرهما البيضاوي واقتصر الجلال على الأول، "تبرأ منه" وترك الاستغفار له، واستشعر نقض قوله النص بأنه ليس نصًا؛ لأن العرب تسمي العم أبا وبلغتهم جاء القرآن، فقال: "وأما قوله: إنه كان عمه" وفيه: أنه لم يقله بل نقله وهو إمام ثبت حجة في النقل، ثم قال وجد عن السلف، "فعدول عن الظاهر من غير دليل" بل دليله كالشمس، فقد صرح الشهاب الهيثمي بأن أهل الكتابين والتاريخ أجمعوا على أنه لم يكن أباه حقيقة، وإنما كان عمه والعرب تسمي العم أبا؛ كما جزم به الفخر بل في القرآن ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِلَهَстр. 330
وأجاب صاحب العقائق بأنهم كانوا ساجدين، بعضهم للصمد، وبعضهم للصنم.
ونقل أبو حيان في "البحر" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وبقوله ﵊: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين" انتهى.
الحواشي
(١) آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ، مع أنه عم يعقوب، بل لو لم يجمعوا على ذلك وجب تأويله بهذا جمعًا بين الأحاديث. قال: وأما من أخذ بظاهره كالبيضاوي وغيره فقد استروح وتساهل، انتهى.
وقال في الدرج المنيفة: الأرجح أن آزر عم إبراهيم؛ كما قال الرازي لا أبوه، وقد سبقه إلى ذلك جماعة من السلف، فروينا بالأسانيد عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج والسدي، قالوا: ليس آزر أبا إبراهيم إنما هو إبراهيم بن تارخ ووقفت على أثر في تاريخ ابن المنذر صرح فيه بأنه عمه، "انتهى" وبه تعلم ما تحامل به بعض المتأخرين جدًا، فخطأ من قال: إنه عمه وزعم أنه تبع الشيعة، وأنه مخالف للكتاب والسنة وأهلها وغيرهم، وزعم اتفاق المفسرين وغيرهم على أن والد إبراهيم كان كافرًا، وإنما الخلاف في اسمه وأطال في بيان ذلك بما لا طائل تحته. وحاصله: أنه احتجاج فقيه بمحل النزاع وتخطئته هي الخطأ وحصره القول به للشيعة هو صنو قول أبي حيان: أنهم الرافضة، ويأتي رده ولا دخل للرفض ولا للتشيع في ذلك، وزعمه الاتفاق باطل، كيف وقد قال أولئك السلف أنه عمه، وحكاه الرازي ونقله حافظ السنة في عصره وأقصره وأيده بما لا محيص عنه إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
"وأجاب صاحب العقائق" عن احتجاج الرازي بالآية، "بأنهم كانوا ساجدين بعضهم للصمد" الذي لا جوف له أو المقصود في الحوائج على الدوام ، "وبعضهم للصنم" كذا رأيت هذا الجواب في بعض نسخ المتن العتيقة وأكثرها سقوطه، وهو لا يساوي فلسًا ولا ينبغي كتبه، فإن سياق الآيات للامتنان على النبي ﷺ واطلاع ربه على تنقله حالا وماضيًا، فكيف يليق أن يمتن عليه بأنه رأى تقلبه في بعض آبائه الساجدين للصنم، إن هذا لجمود عظيم.
"ونقل أبو حيان في البحر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبي ﷺ كانوا مؤمنين مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، وبقوله ﵊: "لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين، انتهى" ومراده من نقله: تقوية تعقبه على الرازي، وقد عرض به وشدد عليه النكير الشهاب الهيثمي، فقال: وقول بعضهم أبو حيان ... إلخ سوء تصرف منه؛ لأنه أعني ناقلстр. 331
وقد روى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرًا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ.
الحواشي
(١) هذا الكلام عن أبي حيان، لو كان له أدنى مسكة من علم أو فهم، لتعقب قوله: إن الرافضة هم القائلون بذلك، وقال له: هذا الحصر باطل منك أيها النحوي البعيد عن مدارك الأصول والفروع، كيف والأئمة الأشاعرة من الشافعية وغيرهم على ما مر التصريح به في نجاة سائر آبائه ﷺ كبقية أهل الفترة، فلو كنت ذا إلمام بذلك لما حصرت نقله الرافضة، وزعمت أنهم المستدلون بالآية والحديث، وهذا الفخر من أكابر أئمة أهل السنة قد استدل بهما ونقل ذلك عن غيره، فليتك أيها الناقل عن أبي حيان سكت عن ذلك، ووقيت عرضه وعرضك من رشق سهام الصواب فيهما، انتهى.
وقد وافقه على الاستدلال بالآية لهذا المعنى: الماوردي من أئمة الشافعية، وناهيك بهما ثم أيد المصنف تعقبه بأحاديث، وقبل أخذك الجواب عنها واحدًا واحدًا مفصلا، فقد علمت أنا أسلفنا لك عنها جوابين أنها أخبار آحاد، فلا تعارض القاطع؛ كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، مع ضعف أكثرها وقبول صحيحها للتأويل، وأنها منسوخة بما ورد في الأبوين مما يخالفها، فلا تغفل.
فقال: "وقد روى" محم "بن جرير" بن يزيد بن كثير الإمام الحافظ الفرد، أبو جعفر الطبري، أحد الأعلام المجتهد المطلق، صاحب التصانيف، المتوفى سنة عشر وثلاثمائة، "عن علقمة بن مرثد" بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة الحضرمي، أبي الحارث الكوفي الثقة، "عن سليمان بن بريدة" بن الحصيب الأسلمي المروزي، قاضيها الثقة المتوفى سنة خمس ومائة عن تسعين سنة.
"عن أبيه" بريدة بن الحصيب بحاء وصاد مهملتين مصغر، قال الغساني: وصحف من قاله بخاء معجمة، "أن النبي ﷺ لما قدم مكة" سنة الفتح؛ كما رواه ابن سعد وابن شاهين من هذا الوجه، أتى رسم قبر" أثره لانمحاء صورته "فجلس إليه" عنده "فجعل يخاطب" بكسر الطاء، وفي حديث ابن مسعود: فناجاه طويلا، "ثم قام مستعبرًا" بموحدة: جاري الدمع، "فقلنا: يا رسول الله! إنا رأينا ما صنعت؟ قال: "إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي ثم استأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي"، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ".
ورواه ابن سعد وابن شاهين عن بريدة بنحوه، وابن جرير من وجه آخر عنه، بلفظ: لما قدمстр. 332
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنته في الدعاء لها فلم يأذن لي، وأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] فأخذني ما يأخذ الولد للوالد.........................
الحواشي
(١) مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها، فنزلت الآية، قاله السيوطي وله علتان مخالفته الحديث الصحيح في نزول الآية في أبي طالب، والثانية: قال ابن سعد في الطبقات: هذا غلط ليس قبرها بمكة، قبرها بالأبواء، انتهى. ويأتي قريبًا الجواب عن عدم الإذن في الاستغفار عن البكاء.
"وروى ابن أبي حاتم" الإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر بن داود الرازي الحنظلي التميمي، الثقة الزاهد الذي يعد في الإبدال البحر في العلوم ومعرفة الرجال، كساه الله بهاء نور يسر به من نظر إليه، مات في محرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة "ي تفسيره" وكذا الحاكم "عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله ﷺ أومأ" أشار "إلى المقابر" أنه يريد الذهاب إليها، "فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى" جانب "قبر منها" وفي رواية الحاكم: خرج ينظر في المقابر وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور، حتى انتهى إلى قبر منها، "فناجاه طويلا، ثم بكى" وفي رواية الحاكم: ثم ارتفع نحيبه باكيًا، "فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب ﵁، فدعاه ثم دعانا، فقال: "ما أبكاكم"؟. فقلنا: بكينا لبكائك".
وفي رواية الحاكم: ثم أقبل إلينا، فتلقاه عمر، فقال: يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ فقد أبكانا وأفزعنا، فجاء فجلس إلينا، فقال: "أفزعكم بكائي"؟ قلنا: نعم، فقال: "إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة". زاد الحاكم: بنت وهب، "وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي وإني استأذنته في الدعاء". وفي رواية الحاكم: في الاستغفار، "لها فلم يأذن لي وأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد". من الرقة والشفقة.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح ورده الذهبي في اختصار المستدرك بأن فيه أيوب بنстр. 333
ورواه الطبراني من حديث ابن عباس.
وفي مسلم: "استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة".
الحواشي
(١) هانئ ضعفه ابن معين، قال السيوطي: فهذه علة تقدح في صحته والعجب من الذهبي كيف صححه في الميزان اعتمادًا على تصحيح الحاكم، مع أنه خالفه في مختصره، قال: وله علة ثانية هي مخالفته لما في البخاري وغيره من أن هذه الآية نزلت بمكة عقب موت أبي طالب واستغفار النبي ﷺ له، ووردت أحاديث أخر في الترمذي وغيره فيها سبب غير قصة آمنة، فإن كان الذهبي رد حديث الإحياء لمخالفته هذا الحديث، فهذا الحديث يرد لمخالفته المقطوع بصحته في صحيح البخاري وغيره، انتهى.
"ورواه الطبراني من حديث ابن عباس" بلفظ: أن النبي ﷺ لما أقبل من غزوة واعتمر هبط من ثنية عسفان، فنزل على قبر أمه، فذكر نحو حديث ابن مسعود وفيه نزول الآية، قال السيوطي: وله علتان مخالفة الحديث الصحيح كما سبق وإسناده ضعيف، ثم قال: فبان بهذا أن طرق الحديث كلها معلولة خصوصًا قصة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدم نزولها في قصة أبي طالب وغيره، وأصح طرق هذا الحديث ما أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن بريدة: أن النبي ﷺ زار قبر أمه في ألف مقنع، فما رؤي باكيًا أكثر من يومئذ هذا القدر، لا علة له وليس فيه مخالفة لشيء من الأحاديث ولا نهي عن الاستغفار، وقد يكون البكاء لمجرد الرقة التي تحصل لزيارة الموتى من غير سبب تعذيب ونحوه، انتهى.
والحافظ ابن حجر لما أبدى احتمالا أن لنزول الآية سببين متقدم وهو أمر آمنة رده بأن الأصل عدم تكرار النزول، ثم لا يشكل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين، وبراءة من أواخر ما نزل بالمدينة؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية، كما نقله في الإتقان عن بعضهم وأقره، فلا حاجة لجواب الطيبي ونحوه بجواز أنه ﷺ كان يستغفر له إلى نزولها، فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة؛ لأنه مجرد تجويز مبني على أن جميع السورة مدني.
"وفي مسلم" من حديث أبي هريرة مرفوعًا "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة" وكذا رواه ابن ماجه، إلا أنه قال: "فإنها تذكركم الموت"، فهذا حديث صحيح معارض لحديث إحيائهما وكلام الرازين وهذا الذي أراده المصنف أورده في الفوائد بطريق السؤال، فقال: كيف قررتстр. 334
قال القاضي عياض: بكاؤه ﵇ على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به.
الحواشي
(١) أنها كانت موحدة في حياتها ومتحنفة؟ وهذا الحديث في أنه استغفر لها فلم يؤذن له، وقوله في الحديث الآخر، أي: "مع أمكما"، يؤذنان بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلق بحديث الإحياء بأنهما متقدمان في التاريخ وذاك متأخر وكان ناسخًا، فما تقول في هذا فإن الموت على التوحيد ينفي التعذيب البتة.
وأجاب: بأن حديث عدم الإذن في الاستغفار لا يلزم منه الكفر بدليل أنه ﷺ كان ممنوعًا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك له وفاء، ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وعلل بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله في الجنة، والمديون محبوس عن مقامه حتى يقضي دينه؛ كما في الحديث، فقد تكون أمه مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار إلى أن أذن الله له في بعد ذلك، قال: وأما حديث "أمي مع أمكما" على ضعف إسناده فلا يلزم منه كونها في النار؛ لجواز أنه أراد بالمعية كونها معها في دار البرزخ أو غير ذلك وعبر بذلك تورية وليها ما تطييبا لقلوبهما، قال: وأحسن منه أنه صدر ذلك منه قبل أن يوحى إليه أنها من أهل الجنة؛ كما قال في تبع: "لا أدري تبعًا ألعينًا كان أم لا"؟. أخرجه الحاكم وابن شاهين عن أبي هريرة، وقال بعد أن أوحي إليه في شأنه: "لا تسبوا تبعًا، فإنه كان قد أسلم"، أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ عن سهل وابن عباس، فكأنه أولا لم يوح إليه في شأنها ولم يبلغه القول الذي قالته عند موتها، ولا تذكره، فأطلق القول بأنها مع أمها جريًا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحي إليه أمرها بعد ويؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه: "ما سألتهما ربي"، قال: ويمكن الجواب عن الحديثين: بأنها كانت موحدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث والنشور، وذلك أصل كبير فأحياها الله له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما في شريعته، ولذا تأخر إحياؤها إلى حجة الوداع حتى تمت الشريعة: ونزل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل عليه، قال: وهذا معنى نفيس بليغ.
"قال القاضي عياض: بكاؤه ﵇" ليس لتعذيبها إنما هو أسف "على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به" وقد رحم الله تعالى بكاءه فأحياها له حتى آمنت به، وما ألطف هذه العبارة من القاضي، فإنها صريحة في أن البكاء إنما هو لكونها لم تحز شرف الدخول في هذه الأمة، لا لكونها على غير الحنيفية.стр. 335
وفي مسلم أيضًا: أن رجلا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار"، فلما قفا دعاه، قال: "إن أبي وأباك في النار".
الحواشي
(١) "وفي مسلم أيضًا" وأبي داود كلاهما من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أن رجلا" هو أبو رزين العقيلي، فيما قاله ابن أبي خيثمة أو حصين بن عبيد والد عمران فيما ذكره ابن رشيد وتعقب البرهان الأول بأن والد أبي رزين أسلم، واسمه عامر بن صبرة، قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار". وفي مسند أحمد: أن أبا رزين سأل عن أمه أين هي؟ فقال: كذلك، وجمع البرهان بأنه سأل عن أبيه مرة وعن أمه أخرى، ويتأكد ما قدمه أن أباه أسلم، "فلما قفا" بقاف ففاء مخففة، أي: انصرف عنه وولى بأن جعل قفاه إلى جهته ﷺ ولا يرد أن قفا، إنما هو بمعنى تبع على مقتضى الصحاح؛ لأنه هنا بمعنى اتبع الجهة التي جاء منها منصرفًا إليها ومن لازمها توليه عن المصطفى.
دعاه، فقال: "إن أبي وأباك في النار". فهذا صريح في رد حديث الإحياء، وكلام الرازي ومن قال إنهما أهل فترة لم تبلغهما دعوة، والجواب: أنه منسوخ بالآيات والأحاديث الواردة في أهل الفترة وأراد بأبيه عمه أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا حقيقة، ولأنه رباه والعرب تسمي المربي أبا، أو أنه خبر آحاد فلا يعارض القاطع وهو نص: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، واستظهر في شرح الهمزية الثاني فلم يتم ماد المصنف من سوقه على أن حديث مسلم هذا، كما قال السيوطي: لا يصح للاحتجاج به فإنه انفرد به عن البخاري، وفي إفراده أحاديث تكلم فيها يوشك أن هذا منها، وذلك أن ثابتًا وإن كان إمامًا ثقة فقد ذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: وقع في أحاديثه نكرة من الرواة عنه؛ لأنه روى عنه ضعفاء.
وقد أعل السهيلي هذا الحديث بأن معمر بن راشد في روايته عن ثابت عن أنس خالف حمادًا، فلم يذكر أن أبي وأباك في النار، بل قال: إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهو كما قال فمعمر أثبت في الرواية من حماد؛ لاتفاق الشيخين على تخريج حديثه، ولم يتكلم في حفظه ولم ينكر عليه شيء من حديثه، وحماد وإن كان إمامًا عالمًا عابدًا فقد تكلم جماعة في روايته، ولم يخرج له البخاري شيئًا في صحيحه، وما خرج له مسلم في الأصول إلا من حديثه عن ثابت، وأخرج له في الشواهد عن طائفة، صرح به الحاكم في المدخل.
وقال الذهبي: حماد ثقة له أوهام ومناكير كثيرة، وكانوا يقولون: إنها دست في كتبه من ربيبه ابن أبي العوجاء، وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم، ومن ثم لم يخرج له البخاري فحديث معمر أثبت وقد وجدناه ورد بمثل رواية معمر عن ثابت عن أنس، ومن حديث سعد بنстр. 336
.........................................
الحواشي
(١) مالك، ومن حديث ابن عمر.
أخرج البيهقي والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح، عن سعد بن أبي وقاص: أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: "في النار"، قال: فأين أبوك؟ قال: "حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار"، زاد الطبراني: فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.
وروى ابن ماجه عن ابن عمر، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان، فأين هو؟ قال: "في النار" فكأنه وجد من ذلك، فقال: أين أبوك أنت؟ فقال: "حيثما مررت بقبر كافر، فبشره بالنار" فأسلم الأعرابي بعد، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار، فبين أن السائل أعرابي وهو مظنة خشية الفتنة والردة والمصطفى كان إذا سأله أعرابي وخاف من إفصاح الجواب له فتنته واضطراب قلبه، أجاب بجواب فيه تورية وإيهام وهذا كذلك إذا لم يصرح فيه بالأدب الكريم، إنما قال: حيثما مررت ... إلخ، وهذه جملة لا تدل بالمطابقة على ذلك فكره ﷺ أن يفصح له بحقيقة الحال ومخالفة أبيه لأبيه في المحل الذي هو فيه خشية ارتداده لما جلبت عليه النفوس من كراهة الاستئثار عليها، ولما كانت عليه العرب من الجفاء وغلظ القلوب، فأورد له جوابًا موهمًا تطمينًا لقلبه، فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره وقد أوضحت الزيادة، بلا شك أن هذا اللفظ العام هو الصادر من النبي ﷺ ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرًا مقتضيًا للامتثال فلم يسعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أنه تصرف الرواة وأن هذه الطريق في غاية الإتقان.
ولذا قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه، أي: لاختلاف الرواة في إسناده وألفاظه، فهذا الحديث معلل من هذه الحيثية وليس ذلك قد حافى صحته من أصله بل في هذه اللفظة فقط، ثم لو فرض اتفاق الرواة على لفظ مسلم كان معارضًا بالأدلة القرآنية والأدلة الواردة في أهل الفترة والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه؛ كما هو مقرر في الأصول، انتهى ملخصًا.
وقد تقدم تأويله، فإن قيل: حيث قررت أن أهل الفترة لا يقضى عليهم بشيء حتى يمتحنوا، فكيف حكم ﷺ على أبي السائل بأنه في النار؟ أجاب السوطي: بجواز أنه يعصي عند الامتحان وأوحى إليه بذلك فحكم بأنه من أهل النار وبأن حديثه متقدم على أحاديث أهل الفترة، فيكون منسوخًا بها وبجواز أنه عاش حتى أدرك البعثة، وبلغه وأصر ومات في عهده وهذا لا عذرстр. 337
قال النووي: فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا ينفعه قرابة المقربين. وفيه: أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو في النار، وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء.
الحواشي
(١) له البتة، انتهى.
وفي الثالث نظر؛ لأنه لو كان كذلك لما كان السؤال عن الأب الكريم وجه إذ الفرق لائح؛ لأن أباه بلغته البعثة والأب الشريف لم تبلغه، اللهم إلا أن يجاب بأن الأعرابي توهم أنه لا يكفي بلوغ البعثة حتى يشاهد النبي ولا ينكر هذا منه؛ لأنه لم يكن حينئذ تفقه في الدين بل لم يكن أسلم؛ كما صرح به في حديث سعد وابن عمر.
"قال النووي فيه" أي: حديث مسلم، إفادة " أن من مات على الكفر، فهو في النار ولا ينفعه قرابة المقربين" قال السيوطي: ينبغي عندي أن النووي أراد الحكم على أبي السائل وكلامه ساكت عن الحكم على الأب الشريف، "وفيه" أيضًا إفادة أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو في النار" ووجه استفادة هذا منه أن أبا الأعرابي كان في الفترة بدليل سؤاله عن الأب الكريم، "وليس في هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء" وهذا خلاف ما أطبقت عليه الأشاعرة من أهل الكلام والأصول والشافعية من أن أهل الفترة لا يعذبون؛ كما تقدم بسطه وقد ورد السيوطي كلام النووي هذا، بما محصله: أنا لو اعتبرنا مطلق وجود بعثة الأنبياء لاستحال وجود من تبلغهم الدعوة إذ ما من فترة إلا وقبلها نبي إلى آدم وهو أول الأنبياء، ولسقطت الأحاديث والآثار الواردة في أهل الفترة بأسرها على كثرتها وصحتها، ولحكم عليهم أجمعين بأنهم في النار من غير امتحان.
وفي هذا إلغاء ورد للأحاديث الصحيحة بلا دليل كيف وفي حديث ثوبان: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم"، وذكر بقية الحديث في الامتحان، فهذا نص في المسألة وإذا لم يكن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة، فليت شعري من هم وهل يمكن أن يوجد في الأرض من لم يبلغها، أن الله بعث نبيًا لدن آدم وبعثة أنبياء الله ووقائعهم مع أممهم وإهلاكاتهم مشهورة، ولو لم يكن إلا بعثة نوح وإقامته ألف سنة، والطوفان الذي غرق أهل الأرض جميعًا لكفى على أن العرب ما كانوا مكلفين بشريعة إبراهيم ولا غيره؛ كما دلت عليه الأحاديث وبه صرح القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥] الآيتين. أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد، قال: الطائفتين اليهودстр. 338
وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه في النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين، في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا.......................
الحواشي
(١) والنصارى خاف أن تقوله قريش، انتهى.
وحكى في شرح الهمزية الاتفاق على أن العرب ما كانوا مكلفين بشرع أحد، ورد به كلام النووي هذا وكلام الرازي الذي ذكره المصنف، بقوله: "وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركًا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين كانوا قد غيروا" الملة "الحنيفية" أي: المائلة إلى الحق "دين إبراهيم" بدل من الحنيفية "واستبدلوا بها الشرك" أي: أخذوه بدلها، فالباء داخلة على المتروك. وقول الشارح على المأخوذ سبق قلم؛ لأن مادة استبدل وتبدل إنما تدخل الباء فيهما على المتروك؛ كقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل.
"وارتكبوه وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلومًا من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم قبح الشرك والوعيد عليه" بالتذيب "في النار، وأخبار عقوبات الله" عليه "لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلله الحجة البالغة" التامة "على المشركين، في كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده" أي: خلقهم مشتملين "عليه من توحيد ربوبيته وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل" عطف تفسير "أن يكون معه إله آخر" أي: أنه خلقهم قابلين لذلك، وجواب لو محذوف، أي: لكفى ذلك في الحجة "وإن كان لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها" لأن الصحيح أن الإيمان إنما يجب بالشرع لا العقل، فهم وإن أدركوا بعقولهم لكن لا يعذبهم على عدم الجري على مقتضى ما أدركوه.
"فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك" بعبادة الأوثان "مستحق للعذاب في النار لمخالفته دعوى الرسل، وهو مخلد فيها دائمًا" لكن بعد الامتحانстр. 339
كخلود أهل الجنة في الجنة. انتهى.
وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبي من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووي الماضي وفيه "أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار، إلى آخره" بما معناه:
تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبي ﷺ . والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة فإنهم يعنون التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.
الحواشي
(١) فمن عصى خلد فيها، ومن أطاع ففي الجنة؛ كما صرحت به الأحاديث وإن كانت عبارته لا تؤدي ذلك "كخلود أهل الجنة في الجنة، انتهى" كلام الرازي.
"وقد تعقب العلامة أبو عبد الله" محمد بن خلف "الأبي، من" أجل علماء "المالكية" المتأخرين أخذ عن ابن عرفة واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في العلوم وكثر انتقاده لشيخه مشافهة وربما رجع؛ إليه كما قال أحمد بابا في ذيل الطبقات، وقال الحافظ في التبصير: الأبي بالضم منسوب إلى أبة من قرى تونس عصرينا بالمغرب محمد بن خلف الأبي الأصولي عالم المغرب بالمعقول، سكن تونس، انتهى.
"فيما وضعه على صحيح مسلم" يعني شرحه المسمي بإكمال الإكمال، "قوله النووي الماضي، وفيه: "أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان في النار ... إلخ"، بما معناه: تأمل ما في كلامه من التنافي، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة" وهو قد صرح أولا بأنهم أهل فترة، فهو تنافٍ "لأن أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثاني؛ كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ﵇ ولا لحقوا النبي" محمد ﷺ وأجيب عن التنافي بأن النووي كمن وافقه وإن كان مرجوحًا يكتفى في وجوب الإيمان على كل أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلا إليه، وإنما يتأتى التنافي لو ادعى أن الخليل وغيره أرسلوا إليهم وهو لم يدع ذلك، "والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين؛ كالفترة" التي "بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا في الفترة" وأطلقوا "إنما يعنون" الفترة "التي بين عيسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام".стр. 340
وذكر البخاري عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة.
ولما دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة، علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ورأيت صاحب المحجن في النار"، وهو الذي يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجني.
أجيب بأجوبة: أحدها: أنها أخبار آحاد........................
الحواشي
(١) "وذكر" أي: روى "البخاري عن سلمان" الفارسي موقوفًا عليه "أنها كانت ستمائة سنة" قال ابن كثير: وهو المشهور، وقال قتادة: خمسمائة وستون، والكلبي: وأربعون، وغيرهما: أربعمائة، "ولما دلت القواطع" القرآنية نحو أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، "على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة" ببعث الرسل "علمنا أنهم غير معذبين" إذ لا يجب إيمان ولا يحرم كفر، "فإن قلت" يرد على هذا أنه "قد صحت أحاديث بتعذيب" بعض "أهل الفترة؛ كحديث" البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "ورأيت عمر بن لحي" بضم اللام وفتح الحاء المهملة وشد الياء، وفي رواية لهما أيضًا: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي"، قال عياض: والمعروف في نسبته الأول، وأجاب الأبي أخذًا من كلام ابن عبد البر السهيلي بأن عامرًا اسم أبيه، ولحي لقب عرف به، قال: وكونه خزاعيًا لا ينافي أنه من ولد إلياس بن مضر؛ لأن خزاعة من مضر ومضر أبو خزاعة وعزو الشارح لكتاب المناقب من البخاري عمرو بن عامر المخزومي سبق قلم، فالذي فيه إنما هو الخزاعي وضبطه المصنف في شرحه بضم الخاء وفتح الزاي المخففة وبالمهملة، "يجر قصبه" قال النووي: بضم القاف وسكون الصاد، قال الأكثرون: يعني أمعاءه، "في النار". بقية الحديث: "وكان أول من سيب السائبة".
"و" كحديث مسلم والإمام أحمد عن جابر مرفوعًا، في حديث أوله: "يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله". فذكر الحديث، وفيه: "ورأيت صاحب المحجن في النار". وزان مقود خشبة في طرفها اعوجاج مثل الصولجان، قال ابن دريد: كل عود معطوف الرأس، فهو محجن والجمع المحاجن، قاله المصباح. "وهو الذي يسرق الحاج" أي: متاعه، "بمحجنه فإذا بصر" بضم الصاد وتكسر، أي: علم "به" أحد فالضمير في به لصاحب، وفي بصر للحاج، أي: جنسه، "قال: إنما تعلق بمحجني" لينفي عن نفسه السرقة، ولفظ الحديث عند أحمد ومسلم: "ورأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار، كان يسرق الحاج بمحجنه فإن فطن به قال: إنما تعلق بمحجني، وإن غفل عنه ذهب به"، "أجيب بأجوبة، أحدها: أنها أخبار آحاد" إنما تفيدстр. 341
فلا تعارض القطع.
الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة، كقس بن ساعدة................................
الحواشي
(١) الظن "فلا تعارض القطع" بأنهم غير معذبين وهو القرآن، فوجب تقديمه عليها، وإن صحت "الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء" اتباعًا للوارد ولا نقيس غيرهم عليهم، فلا تنافي القاطع "والله أعلم بالسبب" الموقع لهم في العذاب، وإن كنا نحن لا نعلمه.
"الثالث: قصر التعذيب المذكور في هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة" كابن لحي "بما لا يعذر به من الضلال؛ كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع، فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام، الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته" أي: بعلمه وخبرته فمنعه هذا التبصر عن عبادة غير الله ولا يلزم الاتصاف بالصحة ولا بالأجزاء ولا بغيرهما، "ثم من هؤلاء من لم يدخل في شريعة" بل طلب التوحيد وعبادة الله وانتظر خروج النبي ﷺ ، "كقس بن ساعدة" الأيادي أول من آمن بالبعثة من أهل الجاهلية، وأول من اتكأ على عصا في الخطبة، وأول من قال: أما بعد، وأول من كتب من فلان إلى فلان، وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة، وذكر كثير من أهل العلم أنه عاش ستمائة سنة، وكان خطيبًا حكيمًا عاقلا له نباهة وفضل ذكره المرزباني.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه في سوق عكاظ، فقال في خطبته، سيعلم حق من هذا الوجه، وأشار بيده نحو مكة، قالوا له: وما هذا الحق؟ قال: رجل من ولد لؤي بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص وعيش الأبد ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، ولو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه، وروى الأزدي وغيره من طرق عن أبي هريرة رفعه: رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام له حلاوة ولا أحفظه، فقال بعض قومه: نحن نحفظه، فقال: هاتوه، فذكروا خطبته المشحونة بالحكم والمواعظ، وروى ابن شاهين عن ابن عباس: أنه ﷺ قال: "رحم الله قسا كأني أنظر إليه على جمل أورق تكلم بكلام لا أحفظه"، فقال أبو بكر: أنا أحفظه، قال: "اذكره". فذكره.стр. 342
وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم، كتبع وقومه من حمير وأهل نجران، ورقة بن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
القسم الثاني من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه
الحواشي
(١) وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات الزهد لما قدم وفد بكر بن وائل على النبي ﷺ ، قال لهم: "ما فعل قس بن ساعدة الأيادي"؟ قالوا: مات يا رسول الله، قال: "كأني أنظر إليه في سوق عكاظ على جمل أحمر" ... الحديث، قال في الإصابة: قال الجاحظ في كتاب البيان لقس وقومه فضيلة ليست لأحد من العرب؛ لأن رسول الله ﷺ روى كلامه وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته وعجب من حسن كلامه وأظهر تصويبه، وهذا شرف تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال، وإنما وفق الله ذلك القس لتوحيده وإظهاره الإخلاص وإيمانه بالبعث، ومن ثم كان قس خطيب العرب قاطبة.
"وزيد بن عمرو بن نفيل" بضم النون وفتح الفاء والد سعيد بن زيد أحد العشرة، وعم عمر بن الخطاب فإنه كان ممن طلب التوحيد وخلع الأوثان وجانب الشرك، ومات قبل المبعث، فروى ابن سعد والفاكهي عن عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، قال: قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكان يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيًا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقرئه مني السلام، قال عامر: فلما أعلمت النبي ﷺ بخبره رد ﵇ وترحم عليه، وقال: رأيته في الجنة يسحب ذيولا، وروى الزبير بن بكار، عن عروة، قال: بلغنا أن زيدًا كان بالشام فبلغه مخرج النبي ﷺ ، فأقبل يريده فقتل بأرض البلقاء، وقال ابن إسحاق: لما توسط بلاد لخم قتلوه، وقيل: مات قبل المبعث بخمس سنين.
وفي حديث البزار والطبراني عن سعيد بن زيد: سألت أنا وعمر رسول الله ﷺ ، فقال: "غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم"، انتهى من فتح الباري ملخصًا. وكذا عامر بن الظرب العدواني وقيس بن عاصم التميمي، وصفوان بن أبي أمية الكناني، وزهير ابن أبي سلمى في جماعة ذكرهم الشهرستاني فلا بدع أن يكون الأبوان الشريفان كذلك بل هما أولى؛ كما تقدم.
"ومنهم من دخل في شريعة حق قائمة الرسم" أي: الأثر، "كتبع وقومه من حمير وأهل نجران" بفتح النون وسكون الجيم: بلد قريب من اليمن. "وورقة بن نوفل وعمه عثمان بن الحويرث" فإنهم تنصروا في الجاهلية قبل نسخ دين النصرانية.
"القسم الثاني من أهل الفترة وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد وشرع لنفسه،стр. 343
فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحي، أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام..................
الحواشي
(١) فحلل وحرم وهم الأكثر" من العرب: "عمرو بن لحي" بن قمعة بن إلياس بن مضر "أول من سن للعرب عبادة الأصنام" روى الطبراني عن ابن عباس مرفوعًا أو من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أبو خزاعة وخندف بكسر الخاء المعجمة آخره فاء، هي زوج إلياس كما مر في النسب الشريف فنسب قمعة لأمه وقد ذكر ابن إسحاق في سبب ذلك أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذ العماليق وهم يعبدون الأصنام فاستوهبهم واحدًا منها وجاء به إلى مكة فنصبه إلى الكعبة، وهو هبل؛ وذكر محمد بن حبيب عن ابن الكلبي أن سبب ذلك أنه كان له تابع من الجن، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أجب أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، أدخل بلا ملامة، فقال: ائت سيف جدة تجد آلهة معدة فخذها ولا تهب وادع إلى عبادتها تجب، قال فتوجه إلى جدة فوجد الأصنام التي كانت تعبد زمن نوح فحملها إلى مكة ودعا إلى عبادتها، فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب، ذكره في فتح الباري.
وقال السهيلي في الروض: كان عمرو بن لحي، حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهما من مكة جعلته العرب ربًا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فنحر في موسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة، وقد ذكر ابن إسحاق أنه أول من أدخل الأصنام الحرم وحمل الناس على عبادتها، قال: وكانت التلبية من عهد إبراهيم: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي فبين هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شرك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، فقال: ما هذا؟ فقال: قل: تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو: فدانت بها العرب.
"وشرع الأحكام فبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام" روى البخاري من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى فكانوا يسيبوها بعد بأنثى فكانوا يسيبونها بعد لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر.
والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحام، وفي الأنوار إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها، أي: شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب.стр. 344
وتبعته العرب في ذلك وغيره مما يطول ذكره.
القسم الثالث من أهل الفترة، وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دين، بل بقي عمره على حين غفلة من هذا كله. وفي الجاهلية من كان على ذلك.
وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما تعدوا به من الخبائث، والله تعالى قد سمى جميع هذا القسم كفارًا ومشركين، فإنا نجد القرآن....................
الحواشي
(١) زاد في المدارك: ولا تطرد من ماء ولا مرعى وسموها البحيرة، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت من مرضي أو قدمت من سفري فناقتي سائبة، ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبدًا، قال هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث.
وفي الصحاح: السائبة الناقة التي كانت تسيب في الجاهلية إذا ولدت عشرة أبطن كلها أناث فلا تركب ولا يشرب لبنها إلا ولدها، والضيف حتى تموت فإذا مات أكلها الرجال والنساء جميعًا. وبحرت، أي: شقت أذن بنتها الأخيرة فتسمى البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة.
وفي القاموس: الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن أناث سيبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظما وكانت لا تمنع عن ماء، ولا كلأ، ولا تركب. وفي الأنوار: وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وذكرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدتهما وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: قد حمى ظهره. وفي المدارك: إذا ولدت الشاة سبعة أبطن، والسابع ذكر أو أنثى، قالوا وصلت أخاها، فهي معنى الوصيلة.
"وتبعته العرب في ذلك و" في "غيره مما يطول ذكره" كعبادة الجن والملائكة وخرق البنين والبنات، واتخذوا بيوتًا لها سدنة وحجاب يضاهون بها الكعبة؛ كاللات والعزى ومنات.
"القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل في شريعة نبي ولا ابتكر لنفسه شريعة ولا" ابتكر "اختراع دين بل بقي عمره" أي: مدته "على حين غفلة من هذا كله، وفي الجاهلية من كان على ذلك، وإذا" وحيث "انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة الأقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثاني لـ"أجل" "كفرهم بما" بسبب ما "تعدوا به من الخبائث، والله تعالى قد سمى جميع هذا القسم كفارًا ومشركين، فإنا نجد القرآنстр. 345
كلما حكى حال أحدهم سجل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [المائدة: ١٠٣] .
والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين.
وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال ﵇ في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده".
الحواشي
(١) كلما حكى حال أحدهم سجل عليهم بالكفر والشرك؛ كقوله تعالى: في مقام الرد والإنكار لما ابتدعوه ﴿مَا جَعَلَ﴾ ما شرع ﴿اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [المائدة: ١٠٣] ، يريد: يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون، أي: يفترون عليه في ذلك ونسبته إليه، ولا يعقلون أن ذلك افتراء؛ لأنهم قلدوا فيه آباءهم.
"والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين" اتفاقًا، ومنه: والده ﷺ فنهما لم تبلغهما دعوة لتأخر زمانهما وبعد ما بينهما وبين الأنبياء السابقين، وكونهما في زمن جاهلية عم الجهل فيها شرقًا وغربًا، وفقد فيها من يعرف الشرائع ويبلغ الدعوة على وجهها إلا نفرًا يسيرًا من أحبار أهل الكتاب مفرقين في أقطار الأرض؛ كالشام وغيرها، وما عهد لهما تقلب في الأسفار سوى المدينة، ولا أعطيا عمرًا طويلا يسع الفحص عن المطلوب مع زيادة أن أمه ﷺ مخدرة مصونة محجبة عن الاجتماع بالرجال لا تجد من يخبرها، وإذا كان النساء اليوم مع فشو الإسلام شرقًا وغربًا لا يدرين غالب أحكام الشريعة لعدم مخالطتهن الفقهاء فما ظنك بزمان الجاهلية والفترة الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلا عن نسائه، ولهذا لما بعث ﷺ تعجب أهل مكة، وقالوا: أبعث الله بشرًا رسولا؟ وقالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة، فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل، ما أنكروا ذلك وربما كانوا يظنون أن إبراهيم ﵇ بعث بما هم عليه، فإنهم لم يجدوا من يبلغهم شريعته على وجهها لدثورها، وفقد من يعرفها إذ كان بينهم وبينه أزيد من ثلاثة آلاف سنة، قاله في مسالك الحنفاء والدرج المنفية ملخصًا، وتقدم له مزيد.
وأما أهل القسم الأول؛ كقس وزيد بن عمرو، فقد قال ﵇ في كل منهما: "إنه يبعث أمة وحده". فأخرج الطيالسي عن سعد بن زيد أنه قال للنبي ﷺ : إن أبي كان كما رأيته وكما بلغك فاستغفر له، قال: "نعم، فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" وروى اليعمري عن ابن عباس مرفوعًا: "رحم الله قسًا، إني أرجو أن يبعثه الله أمة وحده" وصرح العلماء بأن الرجاء من الله ومن نبيه واقع. وروى الطبراني في كبيره وأوسطه بسند رجاله ثقات عنه ﷺ : "رحم الله قسًا"، قيل: يا رسول الله! تترحم على قس، قال: "نعم، إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم".стр. 346
وأما عثمان بن الحويرث، وتبع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى ملخصًا وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن شاء الله تعالى.
فهذا ما تيسر في مسألة والديه، وقد كان الأولى ترك ذلك، وإنما جرنا إليه ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر.
ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر.......................
الحواشي
(١) وأخرج البزار عن جابر، قال: سألنا رسول الله ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل، فقلنا: يا رسول الله! إنه كان يستقبل القبلة ويقول: ديني إبراهيم، وإلهي إله إبراهيم، قال: "ذاك أمة وحده، يحشر بيني وبين يدي عيسى ابن مريم"، وقد عدا في الصحابة، لكن قال الذهبي: فتأكد من أورد قسًا في الصحابة كعبدان وابن شاهين، وأما زيد فذكره ابن منده والبغوي وغيرهما في كتب الصحابة، قيل: وإيراد البخاري يميل إليه ورده البرهان، بما حاصله: أن الثابت أنه رأى النبي ﷺ قبل البعثة ومات قبلها، فلم ينطبق عليه حد الصحابي. وقال في الإصابة: فيه نظر؛ لأنه مات قبل البعثة بخمس سنين، ولكنه يجيء على أحد الاحتمالين في تعريف الصحابي، وهو من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به، هل يشترط كون رؤيته بعد البعثة، فيؤمن به حين يراه أو بعد ذلك، أو يكفي كونه مؤمنًا بأنه سيبعث؛ كما في قصة هذا وغيره، انتهى.
"وأما عثمان بن الحويرث وتبع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحدهم الإسلام الناسخ لكل دين" يريد غير تبع فإنه لم يدرك الإسلام، فقد تقدم حديث: "لا أدري تبعًا، ألعينا كان أم لا"، وحديث: "لا تسبوا تبعًا، فإن كان قد أسلم" وأخرج أبو نعيم عن عبد الله بن سلام، قال: لم يمت تبع حتى صدق النبي ﷺ لما كانت ليهود يثرب يخبرونه، "انتهى" كلام الأبي "ملخصًا، وسيأتي ما قيل في ورقة في حديث المبعث إن شاء الله تعالى" من أنه صحابي وأنه أول من أسلم مطلقًا.
"فهذا ما تيسر من البحث في مسألة والديه" ولما قوي عند المؤلف توقفه، قال: "وقد كان الأولى ترك ذلك" تبعًا لقول شيخه السخاوي الذي أراه الكف عن ذلك إثباتًا أو نفيًا، "وإنما جرنا إليه ما وقع من المباحثة فيه مع علماء العصر" وقد أحسن الإمام السيوطي في قوله: ثم إني لم أدع أن المسألة إجماعية، بل هي مسألة ذات خلاف، فحكمها كحكم سائر المسائل المختلف فيها، غير أني اخترت أقوال القائلين بالنجاة؛ لأنه الأنسب بهذا المقام.
"ولقد أحسن الحافظ شمس الدين" محمد "بن ناصر" أي: ناصر "الدين" أبي بكر بنстр. 347
الدين الدمشقي حيث قال:
حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رءوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا
والحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي ﷺ ، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف بوصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة. وقد قال ﵇: "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات". رواه الطبراني في الصغير، ولا ريب.......
الحواشي
(١) عبد الله بن محمد "الدمشقي" بكسر الدال وفتح الميم وبكسرهما، ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وطلب الحديث وصنف تصانيف حسنة، وصار محدث البلاد الدمشقية، ومات في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، "حيث قال" في كتابه مورد الصادي بمولد الهادي، بعد أن خرج الحديث في إحياء أمه من طريق الخطيب:
حبا الله النبي مزيد فضل ... على فضل وكان به رءوفا
فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا
فسلم فالقديم بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا
فصرح بضعف الحديث ولم يلتفت لزعم وضعه وكفى به حجة، وحبا بمهملة فموحدة: أعطى والباء في بذا قدير بمعنى على، كما تفيده اللغة. ولما ساق المصنف تلك الأحاديث خاف أن يستروح منها انتقاصهما، فقال: "والحذر الحذر من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذي النبي ﷺ ؛ لأن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه" بفتح أوله وسكون النون أفصح من ضم الياء وفتح النون وشد القاف، "أو وصف بوصف" قائم "به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة" كيف؟ وقد روى ابن منده وغيره عن أبي هريرة، قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن الناس يقولون: أنت بنت حطب النار، فقام رسول الله ﷺ ، وهو مغضب، فقال: "ما بال أقوام يؤذونني في قرابتي، ومن آذاني فقد آذى الله".
وقد قال ﵇: "لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات"، رواه الطبراني في معجمه "الصغير" وهو عن كل شيخ له حديث واحد من شيوخه، وقد أبعد المصنف النجعة، فقد رواه أحمد والترمذي عن مغيرة بن شعبة رفعه، بلفظ: "لا تسبوا الأموات، فتؤذوا الأحياء"، "ولا ريبстр. 348
أن أذاه ﵇ كفر يقتل فاعله -إن لم يتب- عندنا. وستأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات.
الحواشي
(١) أن أذاه ﵇ كفر يقتل فاعله، إن لم يتب عندنا" أي: الشافعية احترازًا ممن يحتم قتله، ولو تاب كالمالكية؛ لأن حده فإن أنكر ما شهد به عليه أو تاب غسل وصلي عليه ودفن في مقابر المسلمين، وإلا قتل كفرًا ودفن بمقابر الكفار، بلا غسل وصلاة، هذا وقد بينا لك أيها المالكي حكم الأبوين فإذا سئلت عنهما، فقل: هما ناجيان في الجنة، إما لأنهما أحييا حتى آمنا؛ كما جزم به الحافظ السهيلي والقرطبي وناصر الدين بن المنير، وإن كان الحديث ضعيفًا؛ كما جزم به أولهم ووافقه جماعة من الحفاظ؛ لأنه في منقبة وهي يعمل فيها بالحديث الضعيف. وإما لأنههما ماتا في الفترة قبل البعثة ولا تعذيب قبلها؛ كما جزم به الأبي. وإما لأنهما كانا على الحنيفية والتوحيد لم يتقدم لهما شرك؛ كما قطع به الإمام السنوسي والتلمساني المتأخر محشي الشفاء، فهذا ما وقفنا عليه من نصوص علمائنا ولم نر لغيرهم ما يخالفه إلا ما يشم من نفس ابن دحية، وقد تكفل برده القرطبي.
"وسيأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى في الخصائص من مقصد المعجزات" وقد قال السيوطي: ومن العلماء من لم تقو عندهم هذه المسالك، فأبقوا أحاديث مسلم ونحوها على ظاهرها من غير عدول عنها بنسخ ولا غيره، ومع ذلك قالوا: لا يجوز أحد أن يذكر ذلك. قال السهيلي، بعد إيراد حديث مسلم: وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه ﷺ ؛ لقوله: "لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات"، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية، وسئل القاضي أبو بكر أحد أئمة المالكية عن رجل قال: إن أبا النبي ﷺ في النار، فأجاب بأنه ملعون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، ولا أذى أعظم من أن يقال: أبوه في النار.
ومن العلماء من ذهب إلى الوقف، روى التاج الفاكهاني في الفجر المنير: الله أعلم بحال أبويه، وأخرج ابن عساكر وأبو نعيم والهروي في ذم الكلام أن رجلا من كتاب الشام استعمل رجلا على كورة من كوره وكان أبوه يزن بالمنانية، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال: ما حملك على أن تستعمل رجلا على كورة من كور المسلمين، وكان أبوه يزن بالمنانية؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، وما عليّ من كان أبوه، كان أبو النبي ﷺ مشركًا، فقال عمر: آه، ثم سكت ثم رفع رأسه، ثم قال: أأقطع لسانه! أأقطع يده ورجله! أأضرب عنقه؟ ثم قال: لا تل لي شيئًا ما بقيت، وعزله عن الدواوين.стр. 349
ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله يثيبه على قصده الجميل.
الحواشي
(١) "ولقد أطنب بعض العلماء في الاستدلال لإيمانهما، فالله يثيبه على قصده الجميل" وقد بذل السيوطي في ذلك جهده، فألف فيه ست مؤلفات حفلة، ولذا قيل: لعل المصنف أراده فإن ذلك عادته في النقل عنه، قال في مسالك الحنفاء: وقد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتًا أختم بها هذا التأليف، فقلت:
إن الذي بعث النبي محمدا ... أنجى به الثقلين مما يجحف
ولأمه وأبيه حكم شائع ... أبداه أهل العلم فيما صنفوا
فجماعة أجروهما مجرى الذي ... لم يأته خبر الدعاة المسعف
والحكم فيمن لم تجئه دعوة ... أن لا عذاب عليه حكم مؤلف
فبذاك قال الشافعية كلهم ... والأشعرية ما بهم متوقف
وبسورة الإسراء فيه حجة ... وبنحو ذا في الذكرى آي تعرف
ولبعض أهل الفقه في تعليله ... معنى أرق من النسيم وألطف
ونحا الإمام الفخر رازي الورى ... منحى به للسامعين تشنف
إذ هم على الفطر الذي ولدوا ولم ... يظهر عناد منهم وتخلف
قال الأولي ولدوا النبي المصطفى ... كل من التوحيد إذ يتحنف
من آدم لأبيه عبد الله ما ... فيهم أخو شرك ولا يستنكف
فالمشركون كما بسورة توبة ... نجس وكلهم بطهر يوصف
وبسورة الشعراء فيه تقلبا ... في الساجدين فكلهم متحنف
هذا كلام الشيخ فخر الدين في ... أسراره هبطت عليه الذرف
فجزاه رب العرش خير جزائه ... وحباه جنات النعيم تزخرف
فلقد تدين في زمان الجاهليـ ... ـة فرقة دين الهدى وتحنفوا
زيد بن عمرو وابن نوفل هكـ ... ـذا الصديق ما شرك عليه يعكف
قد فسر السبكي بذاك مقالة ... للأشعري وما سواه مزيف
إذ لم تزل عين الرضا منه على الصـ ... ـديق وهو بطول عمر أحنف
عادت عليه صحبة الهادي فما ... في الجاهلية للضلالة يعرف
فلأُمّه وأبوه أحرى سيما ... ورأت من الآيات ما لا يوصفстр. 350
وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه: والظن بآله ﷺ -يعني الذين ماتوا قبل البعثة- أنهم يطيعون عند الامتحان........................
الحواشي
(١) وجماعة ذهبوا إلى إحيائه ... أبويه حتى آمنوا لا تخرفوا
وروى ابن شاهين حديثًا مسندا ... في ذاك لكن الحديث مضعف
هذي مسالك لو تفرد بعضها ... لكفى فكيف بها إذا تتألف
وبحسب من لا يترضيها صمته ... أدبًا ولكن أين من هو منصف
صلى الإله على النبي محمد ... ما جدد الدين الحنيف محنف
وعلى صحابته الكرام وآله ... أوفى رضاه يدوم لا يتوقف
"وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كتبه والظن بآله ﷺ ، يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الامتحان" يوم القيامة. أخرج البزار وأبو يعلى عن أنس، قال: قال ﷺ : "يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود والمعتوه، ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني؛ كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب تعالى لعنق من النار: ابرز، ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه؛ فيقول من كتب عليه الشقاء: يا رب أندخلها ومنها كنا نفر؟ ومن كتبت عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعًا، فيقول الله: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل، هؤلاء الجنة وهؤلاء النار".
وأخرج أحمد وابن راهويه والبيهقي، صححه عن الأسود بن سريع وأبي هريرة معًا، رفعاه: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة, فأما الأصم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا, وأما الأحمق، فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر, وأما الهرم، فيقول: رب لقد جاء الإسلام، وما أعقل شيئًا, وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب ما أتاني لك رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها".
وأخرج البزار عن أبي سعيد رفعه: "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود، يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل؛ فترفع لهم نار فيردها من كان في علم الله سعيدًا ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل".
وروى البزار عن ثوبان والطبراني وأبو نعيم عن معاذ رفعاه: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمرстр. 351
إكرامًا له ﷺ لتقر عينه.
وقال في الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جملة من يدخلها طائعًا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.
الحواشي
(١) أتطيعوني؟ "، وذكر نحو ما تقدم.
وفي الباب أحاديث آخر كما مرت الإشارة إليه، فإذا أطاع جماعة؛ كما هو صريح الأحاديث فما الظن بالآل إلا أنهم يطيعون ويدخلون الجنة. "إكرامًا له ﷺ " وكفى بظن هذا الحافظ حجة إذ لايقوله إلا عن أدلة كالنهار، "وقال في الأحكام" وكذا في الإصابة "ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته الجنة في جملة من يدخلها طائعًا، فينجو" لأنه ورد ما يدل على أنه كان على الحنيفية والتوحيد حيث تبرأ من الصليب وعابديه، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس، أنه قال لما قدم أصحاب الفيل:
لا هم إن المرء يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك
وأورده جماعة بلفظ:
وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
وفي طبقات ابن سعد بأسانيده أن عبد المطلب، قال: لأم أيمن: يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة وإن أهل الكتاب يقولون: إن ابني نبي هذه الأمة، وقال الشهرستاني: مما يدل على إثباته المعاد والمبدأ أنه كان يضرب بالقداح على ابنه، ويقول:
يا رب أنت الملك المحمود ... وأنت ربي الملك المعيد
من عند الطارف والتليد
ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب أمر أبا طالب أن يحضر بالنبي ﷺ وهو صغير، فاستقى به.
"إلا أبا طالب" لا ينجو "فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن" وقد ثبت في الصحيح: أنه أهون أهل النار عذابًا، قال السيوطي: فهذا مما يدل على أن أبوي النبي ﷺ ليسا في النار، إذ لو كانا فيها أهون عذابًا، منه؛ لأنها أقرب منه مكانًا وأبسط عذرًا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلافه، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابًا فليس أبواه من أهلها، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة، ولم يقل وإلا أبا لهب للقطع بكفره فلا يحتاج لإخراجه.стр. 352
وقد كانت أم أيمن، بركة، دابته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: أنت أمي بعد أمي.
ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين -وقيل ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر- وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.
الحواشي
(١) "وقد كانت أم أيمن" بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم وبالنون ابن عبيد الخزرجي المستشهد يوم حنين، "بركة" الحبشية "دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: "أنت أمي بعد أمي" أي: كأمي في رعايتك لي وتعظيمي والشفقة عليّ أو في رعايتي لك واحترامك، وقد كانت تدل عليه ﷺ وكان العمران يزورانها بعده، وكانت تبكي وتقول: أنا أبكي لخبر السماء كيف انقطع عنا.
ومن مناقبها الشريفة ما رواه ابن سعد، قال: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن جرير بن حازم، قال: سمعت عثمان بن القاسم يحدث، قال: هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته فشربته حتى رويت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرض للصوم في الهواجر فما عطشت بعد تلك الشربة.
"ومات جده عبد المطلب كافله" بعد أمه، روى أنها لما ماتت ضمه جده إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه وأولاده لا يجلسون عليه، وذكر ابن إسحاق: أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالا له، وكان ﷺ يأتي حتى يجلس عليه فتذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ويمسح على ظهره بيده، ويقول: إن لابني هذا لشأنا، "وله" ﷺ "ثمان سنين" فيما جزم به ابن إسحاق وتبعه العراقي وتلميذه الحافظ.
"وقيل" مات وله "ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل" وله "تسع، وقيل: عشر، وقيل: ست" حكاها مغلطاي وغيره. "وقيل: ثلاث" حكاه ابن عبد البر ومغلطاي، قائلا: "وفيه نظر" لأن أقل ما قيل أنه كان في موت أمه ابن أربع سنين، واتفقوا على أجده كفله بعدها فكيف يتأتى أن يكون ابن ثلاث، "وله" لعبد المطلب "عشر ومائة سنة" قدمه مغلطاي فتبعه المصنف هنا.
"وقيل: مائة وأربعون سنة" قاله الزبير بن بكار عالم النسب، وقال: إنها على ما قيل فيстр. 353
وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله.
الحواشي
(١) سنه، وجزم به السهيلي والمصنف فيما مر، وقيل: وله مائة وعشرون، لكن قال الواقدي: ليس ذلك يثبت، وقيل: خمس وتسعون، وقيل: اثنتان وثمانون، وقيل: خمس وثمانون، وعمي قبل موته ودفن على ما ذكر ابن عساكر بالحجون.
"وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف" عند الجميع وشذ من قال عمران، بل هو قول باطل نقله ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض، فقال: زعم بعض الروافض في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] ، أن آل عمران هم آل أبي طالب، وأنه اسمه عمران ذكره الحافظ في الفتح، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته، قال: ووجدت بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب علي بن أبي طالب، قال البرهان: وقد رأيت بحلب بحارة المغاربة في مسجد يقال له مسجد غورث فيه عمود أسود مكتوب عليه: كتبه علي بن أبي طالب وقد ذكر هذا العمود الكمال بن العديم في أوائل تاريخ حلب، وأنه خط علي ﵁، انتهى.
"وكان عبد المطلب أوصاه بذلك؛ لكونه شقيق عبد الله" والده دون الحارث ونحوه، فالقصر إضافي فلا يرد أن الزبير شقيقه أيضًا، وقد قيل: شاركه في كفالته وخص أبو طالب بالذكر لامتداد حياته، فإن الزبير لم يدرك الإسلام، وقيل: أقرع عبد المطلب بينهما فخرجت القرعة لأبي طالب.
وفي أسد الغابة للحافظ عز الدين بن الأثير: كفله أبو طالب؛ لأنه شقيق أبيه وكذلك الزبير لكن كفالة أبي طالب إما لوصية عبد المطلب، وإما لأن الزبير كفله حتى مات، ثم كفله أبو طالب، وهذا غلط؛ لأن الزبير شهد حلف الفضول وللمصطفى نيف وعشرون سنة، وأجمع العلماء على أنه شخص مع أبي طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين، فهذا يدل على أن أبا طالب هو الذي كفله، انتهى.
وذكر الواقدي أن عيال أبي طالب كانوا إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل المصطفى معهم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم، يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإذا كان لبنًا شرب أولهم ثم يشربون فيروون كلهم من قعب واحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبًا وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.
وروى أبو نعيم وغيره، عن ابن عباس، قال: كان بنو أبي طالب يصبحون عمشًا رمصًاстр. 354
وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه.........................
الحواشي
(١) ويصبح محمد ﷺ صقيلا دهينًا كحيلا، وكان أبو طالب يحبه حبًا شديدًا لا يحب أولاده كذلك، ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متى خرج.
وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث: أنه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب فيتطاولون إليه ويتقاصر هو وتمتد أيديهم وتنقبض يده تكرمًا منه واستحياء ونزاهة نفس وقناعة قلب، ويصبحون عمصًا رمصًا مصفرة ألوانهم ويصبح هو ﷺ صقيلا دهينًا كأنه في أنعم عيش وأعز كفاية لطفًا من الله به.
"وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة" بضم الجيم وتفتح؛ كما في القاموس "ابن عرفطة" بضم العين والفاء، "قال: قدمت مكة وهم في قحط" بسكون الحاء، وحكى الفراء فتحها، أي: وأهل مكة في زمن شدة لاحتباس المطر عنهم، "فقالت قريش" بعد أن تشاوروا، فلفظ الحديث عند ابن عساكر: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: أعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم: أعمدوا منات الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون، وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل؟ قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: أيها، فقاموا بأجمعهم فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا فثاروا إليه، فقالوا: "يا أبا طالب، أقحط" بالبناء للفاعل والمفعول "الوادي" أصابه القحط، "وأجدب العيال، فهلم" اسم فعل يستعمل متعديًا؛ كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ، ولازمًا كما هنا "فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام" هو النبي ﷺ ، "كأنه شمس دجن" بضم الدال المهملة والجيم وشد النون على مفاد قول القاموس: كعتل الظلمة والغيم المطبق الريان المظلم لا مطر فيه، ثم يحتمل تنوين دجن على الوصف؛ أي: كأنه شمس كسيت ظلمة والإضافة، أي: شمس ذات يوم ظلمة أو ذات يوم دجن، أي: مظلم، "تجلت عنه سحابة قتماء" بفتح القاف وسكون الفوقية والمد تأنيث أقتم، أي: سحابة يعلوها سواد غير شديد وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس يوم الغيم حين ينجلي سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة، "وحوله أغيلمة" تصغير أغلمة جمع غلام، ويجمع أيضًا على غلمة وغلمان؛ كما في القاموس وصغر إشارة إلى صغرهم؛ لأنه الغلام قد يطلق على البالغ؛ كما مر "فأخذه" أي: الغلام، "أبو طالب فألصق ظهره" أي: ظهر الغلام "بالكعبة ولاذ" التجأ "الغلام بأصبعه" أي: أصبع نفسه السبابة على الظاهر؛ لأن الذي يشارстр. 355
وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدوق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. وفي هذا يقول أبو طالب:
وأبيض يستقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
الحواشي
(١) به غالبًا، ولعل المعنى: أشار به إلى السماء كالمتضرع الملتجئ. وفسر الشامي: لاذ بطاف والأول أولى وأغرب من رجع ضمير أصبعه لأبي طالب؛ أي: أمسك المصطفى أصبعه؛ لأنه خلاف الظاهر من معنى لاذ، لأنه إنما جاء بمعنى التجأ ودنا وطاف.
"وما في السماء قزعة" بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات فهاء، أي: قطعة من السحاب كما في القاموس. "فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا" أي: من جميع الجهات لا من جهة دون أخرى، "وأغدق" السحاب، أي: كثر ماؤه والإسناد مجازي، "واغدودق" مرادف، ففي القاموس: أغدق المطر واغدودق كثر قطره، "وانفجر له" للسحاب "الوادي" أي: جرى الماء فيه وسال، "وأخصب النادي" بالنون أهل الحضر "والبادي" بالموحدة أهل البادية، أي: أخصبت الأرض للفريقين، "وفي هذا يقول أبو طالب" يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه ﷺ يده وبركته عليهم من صغره، "وأبيض" بفتح الضاد مجرور برب مقدرة؛ كما صدر به الحافظ كالكراماني والسيوطي، وجزم به في المغني أو منصوب، قال الحافظ: بإضمار أعني أو أخص، قال: والراجح أنه بالنصب عطفًا على سيد المنصوب في البيت قبله، وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب موكل
انتهى. وبه قطع الدماميني في مصابيحه ورد به على ابن هشام، واستظهره في شرح المغني، وقال: هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وقاله الكرماني وأفاده المصنف عن ضبط الشرف اليونيني في نسخته من البخاري، أي: هو أبيض فقوله: سيدًا معمول ترك بسكون الراء، والذمار بكسر الذال المعجمة: ما يحق على الإنسان حمايته. والذرب بذال معجمة وموحدة على زنة كتف سكنت راؤه تخفيفًا، وهو الحاد. والمواكل المتكل على غيره. وفي رواية بدل وأبيض وأبلج من البلج بفتحين وهو نقاء ما بين الحاجبين من الشعر.
"يستسقى" بالبناء للمفعول "الغمام" السحاب "بوجهه" أي: يطلب السقي من الغمام بوجهه، والمراد ذاته، أي: يتوسل إلى الله به، "ثمال اليتامى عصمة للأرامل" قال الدماميني: بنصب ثمال وعصمة ويجوز رفعهما على أنهما خبر محذوف، زاد المصنف: وبجرهما على أن أبيض مجرور.следующие страницы →