← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩] . وهذا عام في المطيعين لله تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية في هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان. وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ كان

стр. 4027

شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله رسول الله ﷺ عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بي وجع، غير أن إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك؛ لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية. وذكر ابن أبي حاتم الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله

стр. 4028

ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قد مت لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية. وذكر عن عكرمة مرسلًا: أتى فتى صغير السن لرسول الله فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة، لا نراك؛ لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله ﷺ : "أنت معي في الجنة". فيها أيضا روايات أخر ستأتي إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول هذه

стр. 4029

الآية يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى. ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ أنه يكتفي بالطاعة الواحدة؛ لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الكفار والفساق؛ لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشرع بكون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿وَمَنْ

стр. 4030

يُطِعِ اللَّهَ﴾ أي في كونه إلهًا، وطاعة الله في كونه إلهًا هي معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيهًا على أمرين عظيمين من أحوال المعاد. فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة الله، فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب، وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني: أن الله تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجسيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فهذا هو المراد من هذه المعية وقد ثبت

стр. 4031

وصح بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية، وقد ثبت وصح عنه ﷺ أنه قال: "المرء مع من أحب"، وثبت أيضًا أنه قال: "إن المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا نزلتم منزلًا إلا وهم معكم حبسهم

стр. 4032

العذر، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح لا بمجرد البدن، فهي بالقلب لا بالقالب، ولهذا كان النجاشي معه ﷺ وهو أقرب الناس إليه، وهو بين النصارى بأرض الحبشة، وعبد الله بن أبي من أبعد الخلق عنه، وهو معه بالمسجد، وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرًا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون يوم القيامة مع الرسول صلى الله عليه سولم وأصحابه ﵃، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة

стр. 4033

الله فأنزل الله آية المحبة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ وقال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع الرسول ﵊ مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون متابعة لرسوله ﷺ ودل على

стр. 4034

أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه البته ولا يهديه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ

стр. 4035

وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم أو رجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة احد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصًا من كتاب "المدارج"، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ

стр. 4036

وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . أي إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول واتباعه، تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو من الضلالة، فكل ما أتى به الرسول ﵊ يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل. وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] يعني القرآن، فالإيمان به ﷺ واجب متعين على كل أحد، لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] أي ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا للكافرين سعيرًا. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ .

стр. 4037

معناه: فوربك، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾ و"لا" مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما في ﴿لِئَلَّا يَعْلَم﴾ ، ولا يؤمنون جواب. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع أموره، ويرضى بجميع ما حكم به، وينقاد له ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الحكم بما يوافئق أهواءهم أو يخالفها، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، وهذا يدل على

стр. 4038

أن من لم يرض بحكم الرسول ﷺ لا يكون مؤمنًا، وعلى أنه لا بد من حصول الرضى بحكمه في القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن في القلب بأن الذي يحكم به ﵊ هو الحق والصدق، فلا بد من الانقياد باطنًا وظاهرًا، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ مشعر بذلك؛ لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضي ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين الله تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يتلفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليمًا كليًا، قاله الإمام فخر الدين.

стр. 4039

وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكي في جمع الجوامع.

стр. 4040

النوع الثامن: فيما تتضمن الأدب معه ﷺ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] .

стр. 4041

فمن الأدب لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهي ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوما لقيامة لم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء، حتى يقضيه الله على لسانه.

стр. 4042

وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون رسول الله ﷺ . وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى. وانظر أدب الصديق ﵁ معه ﵊ في الصلاة. أن تقدم بين يديه كيف تأخر فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، كيف أورثه مقامة والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك، سعيًا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام

стр. 4043

تنقطع فيها أعناق المطي. ومن الأدب معه ﷺ أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] . قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده ﷺ كما يتكلم العبد عند سيده؛ لأن العبد داخل في قوله تعالى: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ ؛ لأنه للعموم، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي ﷺ كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض. قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة

стр. 4044

ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي ﷺ ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهكلة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي صلى الله عليه سولم، فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره؛ لأن عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي ﷺ لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد، انتهى. إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به. واعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة.

стр. 4045

وروي أن أبا بكر ﵁، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وقد روى وأن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار ما كان يسمع النبي ﷺ حديثه بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وقد روي أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله أدب قومًا فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية ومدح قومًا

стр. 4046

فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الآية، وذم قومًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَات﴾ الآية. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان لها أبو جعفر. ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وفيه قولان للمفسرين. أحدهما: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم الرسول.

стр. 4047

والثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه إياكم، وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته ﷺ . ومن الأدب معه ﷺ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد، أو رباط، لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة له حتى يستأذنه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] . فإذا كان هذا مذهبًا مقيدًا لحاجة عارضة لم

стр. 4048

يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ومن الأدب معه ﷺ أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء بقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجراءة عليه. ورأس الأدب معه ﷺ كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه آراء أذهانهم، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل

стр. 4049

والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، انتهى، ملخصًا من "المدارج" والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه ﷺ فليراجع.

стр. 4050

النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه ﷺ ترفيعًا لشأنه قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١-٢] لما قال المشركون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾

стр. 4051

[الحجر: ٦] ، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم بنفسه منتصرًا له؛ لأن نصرته تعالى له أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده. فأقسم تعالى بما بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته أعداؤه الكفرة، به وتكذيبهم له بقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ "وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون"، هو أو هم؟ وقد علموا هم

стр. 4052

والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به. وقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . ولما رأى العاصي بن وائل السهمي النبي ﷺ يخرج من المسجد، وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي قالوا: من ذا الذي كنت تحدث معه، قال: ذلك الأبتر، يعني النبي ﷺ ، وكان قد توفي ابن لرسول الله ﷺ من خديجة، فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أي عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير. ولما قالوا: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سبأ: ٨] قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِين

стр. 4053

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] . ولما قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] أجاب الله تعالى عنه فقال: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١-٣] . ولما قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ رد الله تعالى عليهم فقال: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فصدقه ثم ذكر وعيد خصمائه فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: ٣٦- ٣٨] . ولما قالوا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ، رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ

стр. 4054

مُبِين﴾ [يس: ٦٩] . ولما حكى الله عنهم قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] سماهم الله تعالى كاذبين بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] . وقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] . ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين﴾ [الشعراء: ٢١٠] ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون. ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] قال الله تعالى: تكذيبًا لهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] .

стр. 4055

ولما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤] ، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] . تسلية له ﵊. ولما قالوا: محمد قلاه ربه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] . ولما قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] . ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته إلا النكاح، رد الله تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس

стр. 4056

عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] . ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولًا من البشر بقولهم الذي حكاه الله عنهم: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وجهلوا أن التجانس يورث التآنس، وأن التخالف يورث التباين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ، أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر.

стр. 4057

فما أجل هذه الكرامة، وقد كان الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَة﴾ [الأعراف: ٦١] ، وقول هود ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة﴾ [الأعراف: ٦٧] وأشباه ذلك.

стр. 4058

فهرس المجلد الثامن: ٣ المقصد الخامس: في تخصيصه ﵊ بخصائص المعراج والإسراء ٢٧١ المقصد السادس: ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره ٢٧٣ تمهيد ٢٧٤ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره ٣٤٣ النوع الثاني في أخذ الله تعالى له الميثاق على النبيين ٣٥٢ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة ٣٩٩ النوع الرابع في التنويه به ﷺ في الكتب السالفة ٤٣٢ النوع الخامس في آيات تتضمن إقسامه تعالى على تحقيق رسالته ٤٣٥ الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم ٤٤٢ الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه ٤٧٨ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه ﵊ ٤٨٣ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده ٤٩٧ النوع السادس في وصفه تعالى له ﵊ بالنور والسراج المنير

стр. 4059

٥٠٤ النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته ٥٢٠ النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه ﷺ ٥٢٩ النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه صلى الله عليه وسلم

стр. 4060

المجلد التاسع تابع: المقصد السادس: ما ورد في آي التنزيل من عظم قدره ورفع ذكره النوع العاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ النوع العاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه عليه الصالة والسلام متشابهات قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] . اعلم أنه قد اتفق العلماء على أنه ﷺ ما ضل لحظة واحدة قط، وهل هو جائز عقلًا على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- قبل النبوة. قالت المعتزلة: هو غير جائز عقلًا لما فيه من التنفير. وعند أصحابنا: أنه جائز في العقول، ثم يكرم الله من أراده بالنبوة، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبي، قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ

стр. 4061

صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] قاله الإمام فخر الدين. وقال الإمام أبو الفضل اليحصبي في "الشفاء": والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله تعالى وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة،

стр. 4062

ولم ينقل احد من أهل الأخبار أن أحدًا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وغشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل. ثم قال: وقد استبان بما قررناه ما هو الحق من عصمته ﷺ عن الجهل بالله وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلًا وإجماعًا، وقبلها سمعًا ونقلًا، ولا بشيء مما قرره من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعًا، عقلاً وشرعًا، وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله

стр. 4063

وأرسله، قصدًا أو غير قصدًا، واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا، ونظرًا وبرهانًا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعًا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا، وعن الصغائر تحقيقًا، وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من رضا وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد ضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبي ﷺ ، أو يجوز أو

стр. 4064

يتسحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه، ولا ينزهه عما لا يجوز أن ياضف إليه، فيهلك من حيث لا يدري، ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار، إذ ظن الباطل به واعتقاده ما لا يجوز عليه يحل صاحبه دار البوار. وقداستدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر، بالمصير إلى امتثال

стр. 4065

أفعالهم واتباع آثارهم وسيرتهم مطلقًا، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب ملك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة بل مطلقًا عند بعضهم، وإن اختلفوا في حكم ذلك، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم، غذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده من القربة والإباحة والظر والمعصية، انتهى. واختلف في تفسير هذه الآية على وجوه كثيرة: أحدها: أي وجد ضالًا عن معالم النبوةب، وهو مروي عن ابن عباس
следующие страницы →