Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
المراد بالمطهرون الملائكة؛ لأنه قد نفى وأثبت وكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أنه أراد: بالمطهرين الآدميين، وبين ذلك ما روي أنه ﵊ قال في كتاب عمرو بن حزم المروي في الدارقطني وغيره: "ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر" ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذًا خبر.
قلنا: أما قول أكثر المفسرين فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل.
الحواشي
(١) الملائكة؛ لأنه قد نفي" بقوله: لا يمسه، "وأثبت" بقوله: إلا المطهرون، "وكأنه قال: يمسه المطهرون، ولا يسمه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع" فحمله على الملائكة يلزم منه انقسامهم لمطهر وغيره، وهو خلاف الإجماع، "فعلم" بذلك، "أنه أراد بالمطهرين الآدميين".
وتعين أنه أراد بكتاب المصحف، "ويبين ذلك" ويزيده وضوحًا "ما روي أنه ﵊ قال في كتاب عمرو" "بفتح العين" "ابن حزم" بن زيد بن لوذان الأنصاري يكنى أبا الضحاك، شهد الخندق وما بعدها، واستعمله النبي ﷺ على نجران، وروى عنه كتابًا، كتبه له فيه الفرائض والزكاة والديات وغير ذلك، وعنه ابنه محمد وجماعة، قال أبو نعيم: مات في خلافة عمر، وكذا قال إبراهيم بن المنذر، ويقال: بعد الخمسين قال في الإصابة: وهو أشبه بالصواب، ففي مسند أبي يعلى برجال ثقات؛ إنه كلم معاوية في أمر بيعته ليزيد بكلام قوي، وفي الطبراني وغيره أنه روى لمعاوية ولعمرو بن العاصي حديث: "يقتل عمارًا الفئة الباغية".
"المروي في الدارقطني وغيره" كأبي داود، والنسائي، وابن حبان، والدارمي: "ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر" فهذا نص صريح في المطلوب، وإن احتملت الآية، "ثم قال" ابن الرفعة: "فإن قيل: قد قال: الواحدي: إن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم" إن المراد المصحف، والمطهرون بنو آدم، "لم يكن فيها دليل" على حرمة مسه للمحدث؛ "لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد، ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذا خبر" لا دلالة فيه على الحرمة، "قلنا: أما قول أكثر المفسرين، فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل".стр. 3992
وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أن نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهي، وهو كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . انتهى.
وأجاب العلامة البساطي في شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب في "شافتيه" انتهى.
وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي الشهير بـ"السمين"، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال في "لا" هذه وجهان، الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم
الحواشي
(١) وهو إنما دل على أن المراد المصحف، فلا نظر إلى كثرة القائلين بخلافه، "وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أنا نقول اللفظ لفظ الخبر، ومعناه النهي" وهو أبلغ في النهي من النهي الصريح، "وهو كثير في القرآن".
وكذا السنة، "قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ بسببه؛ بأن تكره على إرضاعه إذا امتنعت، فلفظه خبر، ومعناه النهي، " ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ " [البقرة: ٢٣٣] ، إذ معناه لتتربص المطلقات، ولا تبادر بالنكاح قبل انقضاء الإفراء. "انتهى" كلام ابن الرفعة.
"وأجاب العلامة البساطي" قاضي المالكية شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، شيخ الإسلام، ولد سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون، ودرس في الشيخونية وغيرها، وصنف تصانيف، ومات في رمضان، سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، "في شرحه لمختصر الشيخ خليل" بن إسحاق، العلم الشهير في الآفاق، "بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة وقالوا: إنه مذهب البصريين ومنهم"، أي: الجماعة "ابن الحاجب في شافيته. انتهى" كلام البساطي.
"وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي، الشهير بالسمين" صاحب إعراب القرآن، وله أيضًا تفسير كبير، تقدم بعض ترجمته "مع زيادة إيضاح وفوائد، فقال: في لا هذه" في لا يمسه "وجهان" الأول: إنها نافية، "الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك" الجزم "فيه، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ " [آل عمران: ١٧٤] ، حيث ظهر الجزم فيه بفك الإدغام، "ولكنه أدغم" فيстр. 3993
حرك آخره بالضم لأجل "هاء" ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم. وفي الحديث: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا. قال: وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه فإنه لا يجيز غيره. والله أعلم.
الحواشي
(١) لا يمسه، "ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم".
"وفي الحديث" الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: "أنا" "بكسر الهمزة" "لم نرده عليك" لعله من العلل، "إلا أنا" بفتح الهمزة" "حرم" "بضم الحاء والراء" أي: محرمون.
زاد في رواية للنسائي: لا نأكل الصيد، قال المصنف: نرده "بفتح الدال" رواية المحدثين، وذكر ثعلب في الفصيح، لكن قال المحققون من النحاة: أنه غلط، والصواب: ضم الدال كآخر المضاعف من كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، كما فتحوها مع المؤنث، نحو: نردها مراعاة للأنف، وجوز الكسر أيضًا، وهو أضعفها، ففيها ثلاثة أوجه، وللحموي والكشميهني: لم نردده بفك الإدغام، فالدال الأولى مضمومة، والثانية مجزومة، وهو واضح. انتهى، "وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا" وبه جاءت الرواية، فهي صحيحة للتخفيف، وليست بغلط.
"قال" السمين: "وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد؛ بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح؛ لأنه خفي عليه واز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو"، أي: ما في هذا ونحوه من آخر كل مضاعف مجزوم اتصل به ضمير المذكر، "لا سيما على رأي: سيبويه، فإنه لا يجيز غيره" بقي أن ابن عطية قال: القول بأن لا يمسه نهي قول فيه ضعف؛ لأنه إذا كان خبرًا، فهو في موضع الصفة، وقوله: تنزيل صفة أيضًا، فإذا جعلناه نهيًا جاء بمعنى أجنبي معترض بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام، فتدبر وفي مصحف ابن مسعود: ما يمسه وهو مما يقوي ما رجحته من الخبر، الذي معناه حقه وقدره؛ أن لا يمسه إلا طاهر. انتهى.
وأجاب شيخنا لما ذكرته له؛ بأن تضعيفه بما ذكر إنما هو في سياق قصد به كله معنى واحد، أما إذ قصد به معنيان أو أكثر، فلا يضر ما قاله، "والله أعلم" بما أراد.стр. 3994
الفصل الرابع: في قسمه تعالى على تحقيق رسالته
قال الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١-٢] .
اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن إلا "ن".
ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك.
واختلف المفسرون في معنى يس على أقوال:
أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيئ، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة
الحواشي
(١) "الفصل الرابع":
"في قسمه تعالى على تحقيق"، أي: إثبات "رسالته" ﷺ ، قال الله تعالى " ﴿يس﴾ "، أمال حمزة والكسائي الياء غير مفرطين، والجمهور يفتحونها، ونافع وسط في ذلك ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ، المحكم فعيل بمعنى مفعل، أي: أحكم في مواعظه وأوامره ونواهيه، ويحتمل أنه بناء فاعل، أي: ذي الحكمة، أو الحكيم صاحبه، "اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر"، كقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] الآية، وينبغي أن المراد به ما يعم لفظه وما تضمن معناه، نحو ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ١] ، ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١] ، ونحوهما.
"أو الكتاب ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَاب﴾ [السجدة: ١] ، "أو القرآن" أو هما ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١، ٢] "إلا سورة "ن" فليس في أوائلها ذلك صريحًا لكن تقدم من جملة الأقوال: إن مبنى يسطرون، يكتبون القرآن وغيره، فعليه تكون ﴿ن﴾ كغيرها، "ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على إنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا أن كشف الله له سر ذلك" بأن يطلعه عليه، وهذا بناء على أنه أريد بها ما خفي لا ما استأثر الله بعلمه، إذ لا يطلع عليه أحدًا.
"واختلف المفسرون في معنى ﴿يس﴾ على أقوال أحدها: أنه يا إنسان بلغة طيئ؛ لأنهم يقولون: يا إيسان، بمعنى يا إنسان، ويجمعونه على إيا سين، فهذا منه، وقالت فرقة: قوله يا حرف نداء، والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف، فأقيم مقامه، قاله ابن عطية، "وهوقول ابن عباس" عند ابن أبي حاتم، والثعلبي، "والحسن" البصري، "وعكرمة" البربري، "والضحاك،стр. 3995
والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي أنها بالسريانية.
قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال يس، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد ﷺ ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ [يس: ٣] .
وتعقبه أبو حيان: بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان: أنيسيان -بياء بعدها ألف- فدل على أن أصله: إنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم؛ لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز؛ لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى.
الحواشي
(١) وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة" حكي عن ابن عباس أيضًا، ومقاتل، "وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي" محمد بن السائب؛ "إنها بالسريانية".
"قال الإمام فخر الدين" الرازي: "وتقريره" أي: هذا المقول؛ إن معناه يا إنسان بأي: لغة مما ذكر، "وهو أن تصغير إنسان أنيسين، وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز" لكثرة النداء به، "وقال: ﴿يس﴾ "، وعلى هذا"، أي: يا إنسان بسائر ما قيل فيه، "فيكون الخطاب مع محمد ﷺ "، ويؤيده حديث: "لي عند ربي عشرة أسماء"، وعد منها " ﴿طه﴾ " و" ﴿يس﴾ "، "ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ "؛ لأنه خطاب له ﷺ بلا نزاع، فيقوي قول يس كذلك، وتبع الزمخشري الإمام على هذا.
"وتعقبه أبو حيان بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان، بيء" بعد السين، و"بعدها ألف، فدل على أن أصله إنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها" فيعرف به كما يعرف بالجمع، "ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره: أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك" ورودًا عن العرب، "فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم؛ لأنه منادى، مقبل عليه" فكان قياسه ضم النون، وقرأه الجمهور بسكون النون وإظهارها، وإن كانت النون الساكنة تخفي مع الحروف، وإنما هي مع الانفصال، وحق هذه الحروف المقطعة أن تظهر، وقرأ عاصم وابن عامر بخلاف، عنهما " ﴿يس وَالْقُرْآنِ﴾ "، بإدغام النون، في الواو، وقرئ بنصب النون وبضمها، "ومع ذلك" وجه ثالث "فلا يجوز؛ لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى" كلام أبي حيان، واعتراضه الأول معارضه بنقل الرازي.стр. 3996
قال الشيخ شهاب الدين السمين: وهذا الاعتراض الأخير صحيح، فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعًا، ولذلك يحكى أن ابن قتيبة لما قال في "المهيمن" إنه مصغر من "مؤمن" والأصل: مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له: هذا يقرب من الكفر، فليتق الله قائله، انتهى.
وقيل معنى يس: يا محمد، قاله ابن الحنيفة والضحاك.
الحواشي
(١) وتبعه الزمخشري والبيضاوي، والمثبت مقدم على النافي، ولا يرد بقوله المنقول عن العرب؛ لأنه باعتبار علمه، وجواب الثاني؛ أنه ينوي ضمه، كما في الأسماء المبنية على الكسر، كسيبويه، فنطق به بالسكون، مع أنه منادى نظرًا إلى أنه لما كان بصورة الحرف أبقى على ما يلفظ به الحرف.
"قال الشيخ شهاب الدين السمين: وهذا الاعتراض الأخير" الثالث "صحيح فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعًا"، كأسماء الله تعالى وأنبيائه، لإيهامه التحقير، وإن جاء للتعظيم في قوله دويهية؛ لأنه إنما جاء فيما يجوز تصغيره تلطفًا منهم، كما قيل:
ما قلت حبيبي من التحقير ... بل يعذب اسم الشيء بالتصغير
وأجاب شيخنا عنه بأن التصغير يراد لغير التحقير، كالشفقة والمحبة، فيحمل اللفظ عليه، سيما مع وجود القرينة الدالة على ذلك، وقد يرد بأنه إنما ورد لغيره فيما يجوز تصغيره، إلا أن يقال: المنع إنما هو إذا وقع من غير الله، أما منه بقصد الملاطفة ونحوها، فلا يمتنع، لكن يرد بأنه ليس نصًا منه تعالى على ذلك، إنما هو على هذا التفسير، ولي بمتعين خصوصًا والمذاهب المنصور في أسماء الحروف، التي في أوائل السور؛ أنها مما استأثر الله بعلمه، "ولذلك يحكى أن" عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" الدينوري "لما قال في المهيمن": بكسر الميم الثانية وفتحها، أي: المراقب "أنه مصغر من مؤمن، والأصل مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء" كراهة اجتماع همزتين في كلمة؛ لأن أصله مؤمن، وقلبت الأولى هاء لاتحاد مخرجهما، "قيل له: هذا يقرب من الكفر"؛ لأن أسماء الله وما في معناها من الأسماء العظيمة لا يناسبها التصغير؛ لأنه ينافي التعظيم، "فليتق الله قائله. انتهى".
ومع ذلك، فهو تكلف لا حاجة إليه مع سماع أبنية يلتحق بها، والياء أصلية لا مبدلة، "وقيل: معنى يس يا محمد"؛ لأنه وضع له ابتداء، أو بواسطة، "قاله ابن الحنفية" محمد بن علي بن أبي طالب، الهاشمي أبو القاسم المدني، ثقة، روى له الجميع، اشتهر بأمه، مات بعد الثمانين، "والضحاك" بن مزاحم، "وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية" رفيع بن مهران التابعي.стр. 3997
وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية.
وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة.
وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر.
وعن جعفر الصادق: أنه أراد يا سيد، مخاطبة للنبي ﷺ وفيه من مزيد
الحواشي
(١) "وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة" وقيل: من أسماء السور، وهما من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، "وعن أبي بكر الوراق" محمود بن الحسن: "يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق" لصدقه في مقاله بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ "أنه أراد: يا سيد، مخاطبة للنبي ﷺ " بفتح الطاء منصوب بدل مما قبله، أو مصدر فعل مقدر أي: خاطبه به مخاطبة مخصوصة به، قيل: فعلى هذا، فهو اكتفاء ببعض الكلمة عن باقيها، وهو مذهب للعرب، حكاه سيبويه وغيره، يقولون: ألاتا، بمعنى تفعل، فيقول: بلى فأي: أفعل، فيكتفون عن الكلمة ببعض حروفها.
وفي الحديث: "كفي بالسيف شا" أي: شاهدًا.
وقال التجاني: التحقيق أنهم يكتفون ببعض حروف الكلمة، معبرين باسم بعض حروفها، كقولهم قلت لها: قفي، فقالت: ﴿ق﴾ ، أي: وقفت، فيحتمل ﴿يس﴾ ، أن يكون عبر عنه بإسمين من أسماء حروفه لا بمسماه، كما قال الرازي: وإن كانت العرب قد تكتفي ببعض الكلمة، كقوله: كانت مناها بأرض لا يبلغها، أي: مناياها، وقوله: درس المنا بمتالع فأبان، أي: المنازل، ونظائره كثيرة.
وفي بديع الاكتفاء للنواحي، قال علماء البديع: الاكتفء أن يدل موجود الكلام على محذوفه، وهذا الحد صادق على نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَة﴾ ، على أحد القولين فيه، ثم قسمه إلى الاكتفاء بكلمة نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَر﴾ الآية، أي: والبرد، وإلى الاكتفاء ببعض الكلمة، وهذا الثاني مما اخترعه المتأخرون من أهل البديع، وأكثر منه الشعراء المتأخرون، والتزموا فيه التورية، كقوله الدماميني:
يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى لى روض ونسر
أي: نسرين، وقول الحافظ ابن حجر:
دع يا عذول رقى الملام فمذ سرى ... عني الحبيب فنيت دام له البقا
والطرف مذ فقد الرقاد بكى مما ... يحكي الغمام فليس يهدي بالرقا
أي: الرقاد: واستشكل بأنه لا يجوز الترخيم في غير المنادى لمخالفة القياس، فكيف يعدстр. 3998
تمجيده وتعظيمه ما لا يخفى.
وعن طلحة عن ابن عباس: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه.
وعن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين.
ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] فأقسم الله باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده.
الحواشي
(١) محسنًا مع إخلاله بالفصاحة، فلا يخرج القرآن عليه وإن كان فيه تورية، اللهم إلا أن يقولوا: إنه مقيس مغتفر في الشعر، وما في القرآن ليس منه، بل من ذكر حرف من كلمة إيماء إلى بقيتها لا من الترخيم، وهو ما أشار إليه المفسرون، "وفيه من مزيد تمجيده" إعزازه وتشريفه، "وتعظيمه" إجلاله "ما لا يخفى" لوصفه بالسيادة، المفيدة للعموم في المقام الخطابي، فيفيد تفوقه على من سواه؛ لأنه ﷺ واسطة كل خير.
"و" روى ابن جرير، "عن طلحة، عن ابن عباس أنه" أي: ﴿يس﴾ "قسم" بمعنى مقسم به أو جعله قسمًا لتضمنه له أو مبالغة "أقسم الله به، وهو من أسمائه" أي: الله تعالى: "وعن كعب" بن مانع، المعروف بكعب الأحبار ﴿يس﴾ قسم "أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام" أي: بمقدار ألفي عام، إذ قبل خلقهما لا أعوام؛ لأن الزمان مقدار حركة الفلك، أو المراد مجرد الكثرة، أو عدم النهاية مجازًا، أو باعتبار أن الفلك الأعظم، وهو العرش مخلوق قبلهما، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ، ونظر في هذا؛ بأن مجرد تقدم العرش لا يقتضي تقدم الزمان بالمعنى المتعارف، واستشكل أيضًا؛ بأن كلام الله قديم، فلا قبلية فيه ولا بعدية، وخلقهما محدث.
وأجيب بأن المراد إبرازه في اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الكائنات، أو أنه أطلع عليه ملائكته قبلهما بهذا المقدار، وهو مناسب هنا لإفادة إظهار علم قدره في الملأ الأعلى، ومثل هذا ورد كثيرًا في الحديث، فتضعيف ما هنا بمجرد الإيراد، وأنه إن صح ترك علمه إلى الله، إذ مثله لا يقال: بالرأي: لا يسمع، فالتضعيف إنما هو من جهة الإسناد، "يا محمد إنك لمن المرسلين" بيان للمخاطب، وليس؛ لأنه لا يناسب إن الله أقسم به.
ولذا ذكر جواب القسم توضيحًا لمراده، وليس مراده أنه جواب مقدر للقسم بيس حتى يلزم عليه اجتماع قسمين من غير عطف على جواب، وقد أباه النحاة، كما في الكشاف، وقال: إن العرب تكرهه، "ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، وهو رد على الكفار، حيث قالوا" للنبي ﷺ ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ ، فأقسم الله باسمه وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيهстр. 3999
وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق.
قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له ﷺ .
الحواشي
(١) إلى عباده" بكسر إن لتقدير القول، والحكاية بالمعنى، أي: قائلًا إنه ولذا لم يقل: إنك "وعلى طريق مستقيم من إيمانه" بيان للطريق وأن المراد بها التوحيد، أو هي تعليلية وزاد الواو إشارة إلى أنه خبر ثان، مقصود، مقسم عليه، لا متعلق بالمرسلين، أي: من أرسل على هذه الطريقة، فالقسم على أمرين، كما قال قبله؛ أن الإرسال على أمرين: رسالته والشهادة بهدايته، لا على أمر واحد، هو أنه ﷺ رسول مهدي على طريقة مستقيمة، ولا حال كما قيل؛ لأنه قريب من هذا، وإن كان جعله قيدًا ينافي القصد؛ لأن هذا أوضح وأتم في المدح، "أي: طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق" "بفتح همزة"، أي: وسكون الياء مخففة، تفسير، للطريق المستقيم وهذا أعم من الإيمان، فهو تفسير ثان، وشد الياء على أن معناه طريق، وأي طريق؛ لأنه اعوجاج ولا عدول.. إلخ.
تفسير لعدم الاعوجاج مخالف للرواية، والظاهر، وإن جاز، "قال النقاش" الحافظ أبو بكر محمد بن الحسن بن أحمد الموصلي، البغدادي، المقري، المفسر، ضعيف في الحديث، وحاله في القراءات، أمثل وأثنى عليه أبو عمرو الداني، وزعم الجعبري أن المضعف له غالط، وتقدم قبل هذا بعض ترجمته، "لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة" أي: بسببها، أو الباء، بمعنى على "في كتابه إلا له ﷺ " كما في هذه الآية، وإ، دلت على أن غيره مرسل أيضًا، لكن المقسم عليه بالقصد الذاتي رسالته ﵊ ولم يقل: رسول أو مرسل، وهو أخصر لتثبيت رسالته، وأنه عريق فيها على نهج قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ ؛ لأن فلانًا من العلماء، أبلغ من العالم، أي: لم يذكر هذا القسم في القرآن لغيره، تشريفًا له وتعظيمًا، ولشدة إنكار قومه لرسالته، فلذا أكد بتأكيدات.стр. 4000
الفصل الخامس: في قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده
الحواشي
(١) إلى عباده" بكسر إن لتقدير القول، والحكاية بالمعنى، أي: قائلًا إنه ولذا لم يقل: إنك "وعلى طريق مستقيم من إيمانه" بيان للطريق وأن المراد بها التوحيد، أو هي تعليلية وزاد الواو إشارة إلى أنه خبر ثان، مقصود، مقسم عليه، لا متعلق بالمرسلين، أي: من أرسل على هذه الطريقة، فالقسم على أمرين، كما قال قبله؛ أن الإرسال على أمرين: رسالته والشهادة بهدايته، لا على أمر واحد، هو أنه ﷺ رسول مهدي على طريقة مستقيمة، ولا حال كما قيل؛ لأنه قريب من هذا، وإن كان جعله قيدًا ينافي القصد؛ لأن هذا أوضح وأتم في المدح، "أي: طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق" "بفتح همزة"، أي: وسكون الياء مخففة، تفسير، للطريق المستقيم وهذا أعم من الإيمان، فهو تفسير ثان، وشد الياء على أن معناه طريق، وأي طريق؛ لأنه اعوجاج ولا عدول.. إلخ.
تفسير لعدم الاعوجاج مخالف للرواية، والظاهر، وإن جاز، "قال النقاش" الحافظ أبو بكر محمد بن الحسن بن أحمد الموصلي، البغدادي، المقري، المفسر، ضعيف في الحديث، وحاله في القراءات، أمثل وأثنى عليه أبو عمرو الداني، وزعم الجعبري أن المضعف له غالط، وتقدم قبل هذا بعض ترجمته، "لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة" أي: بسببها، أو الباء، بمعنى على "في كتابه إلا له ﷺ " كما في هذه الآية، وإ، دلت على أن غيره مرسل أيضًا، لكن المقسم عليه بالقصد الذاتي رسالته ﵊ ولم يقل: رسول أو مرسل، وهو أخصر لتثبيت رسالته، وأنه عريق فيها على نهج قوله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين﴾ ؛ لأن فلانًا من العلماء، أبلغ من العالم، أي: لم يذكر هذا القسم في القرآن لغيره، تشريفًا له وتعظيمًا، ولشدة إنكار قومه لرسالته، فلذا أكد بتأكيدات.
"الفصل الخامس":
"في قسمه تعالى" بمعنى الأقسام، وهو الإيتان بالقسم، ويكون بمعنى المقسم به، والمراد الأول "بمدة حياته" ﷺ فيه تمسح، إذ القسم إنما وقع بنفس الحياة، ولا يصح أن تكون الإضافة بيانية؛ لأن المدة ليست نفس الحياة، وأجاب شيخنا؛ بأنه من إضافة الصفة للموصوف، أي:стр. 4001
قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الحجر: ٧٢] .
العمر والعمر واحد، ولكنه في القسم يفتح للكثرة الاستعمال، فإذا أقسموا قالوا: لعمرك القسم.
قال النحويون: ارتفع قوله: لعمرك بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى، قسمي، فحذف الخبر؛ لأن في الكلام دليلًا عليه, وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: تالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله، فتحذف "أحلف" لعلم المخاطب بأنه حالف.
قال الزجاجي: من قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله فيحذف أحلف،
الحواشي
(١) بحياته، القائمين به في الزمن الذي كان فيه، أو ببقائه حقيقة، أو حكمًا، فشمل هذا الزمن "وعصره وبلده" قدم العصر؛ لأن المواهب الخاصة وأنواع الاهتداء إنما نشأت عن عصره، لا عن خصوص البلد؛ ولأن زيادة تشريف البلد إنما حصلت في عصره، فالاعتناء به أهم، وآخره في الترتيب رعاية لترتيب المصحف، إذ سورة البلد مقدمة على العصر، فزعم بعض أن الصواب تقديم البلد على العصر، لتقدمه عليه في الترتيب ساقط، وأيضًا الواو لا تقتضي ترتيبًا ولا شرفًا، فلا يقال في مثله الصواب، بلا ولا الأنسب.
"قال الله تعالى: " ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ " أي: قوم لوط " ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ " غفلتهم، وغلبة الهوى والشهوة عليهم، حتى صاروا سكارى، لا يميزون الخطأ من الصواب " ﴿يَعْمَهُون﴾ " [الحجر: ٧٢] ، يتحيرون لعمي بصائرهم، "العمر" بالفتح"، "والعمر" "بالضم" واحد، ولكنه في القسم يفتح" أي: يلزم الفتح، وإلا حسن لو عبر به "لكثرة الاستعمال" علة للفتح، أي: بمعنى أن الكثرة يطلب لها التخفيف، والفتح خفيف، فخصوه بالقسم وإن استعمل في غيره قليلًا، والضم أكثر، "فإذا أقسموا قالوا لعمرك" لأفعلن، ومنه الآية، وقوله: "القسم" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو القسم، أو منصوب لجعله مقدرًا، وليس من جملة اليمين، والأظهر لو استغنى عنه، بقوله: "قال النحويون: ارتفع قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ ، بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى قسمي" فسد جواب القسم مسد الخبر، "فحذف الخبر؛ لأن في الكلام دليلًا عليه" لسد جواب القسم مسده، "وباب القسم يحذف منه الفعل نحو تالله لأفعلن، والمعنى أحلف بالله، فتحذف أحلف لعلم المخاطب" بأنه حالف" من ذكر القسم.
"قال الزجاجي" "بفتح الزاي وشد الجيم" أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق، صاحب الجمل والأمالي وغير ذلك، مات بطبرية سنة تسع وثلاثين وقيل: سنة أربعين وثلاثمائة، نسبةстр. 4002
ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك. وقام الإمام الشافعي وإسحاق: لا يكون يمينًا إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عند الشافعي.
واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين:
أحدهما: أن الملائكة قالت للوط ﵇ -لما وعظ قومه وقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، أي يتحيرون، فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟!
والثاني: أن الخطاب لرسول الله ﷺ ، وأنه تعالى أقسم بحياته، وفي هذا
الحواشي
(١) إلى شيخه الزجاج غبراهيم بن محمد البغدادي: "من قال لعمر الله، كأنه حلف ببقاء الله، فيحذف أحلف"، جواب سؤال، حاصله الحلف بالعمر، ظاهر في غيره تعالى؛ لأن الحياة القائمة به صفة لها غاية يعبر عنها عدة العمر، وأما سبحانه، فهو حي أزلًا وأبدًا، لا يقال في مدة حياته: إنها مقدرة بمدة حلف بها، فأجاب بصرف العمر في حقه تعالى للبقاء، وهو صفة له لا نهاية لها، "ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفات ذاته" الثمانية، المنظومة في قوله:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وأبصار كلام مع البقا
"وعن مالك" رواية: "لا يعجبني الحلف بذلك" لظاهر حديث من كان حالفًا، فليحف بالله، "وقال الإمام: الشافعي وإسحاق" بن راهويه: "لا يكون يمينًا إلا بالنية"، لاستعمال الحياة في غيره كثيرًا، ورد بأنه مضاف لله تعالى، وتعقب هذا شيخنا؛ بأن صريح متن البهجة وشرحها أن صفاته تعالى تنعقد بها اليمين، نوى بها اليمين أو أطلق، "وعن أحمد" روايتان "كالمذهبين، والراجح عند، الشافعي" تنعقدان نواها، "واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين":
"أحدهما: أن الملائكة قالت للوط ﵇ لما وعظ" ذكر وخوف "قومه، وقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين" ما تريدون من قضاء الشهوة، فتزوجوهن، ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، أي: يتحيرون" لعمي بصائرهم، والعمه في البصيرة، والعمى في البصر، "فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك" وقدم الكشاف ذا القول؛ لأنه المناسب عنده للسياق.
"والثاني: أن الخطاب لرسول الله ﷺ ، وأنه تعالى أقسم بحياته"، وقدمه البيضاوي. وقال عياض: اتفق عليه أهل التفسير، ومراده أهله الذين هم أهله، وهم مفسرو السلف.стр. 4003
تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض.
قال ابن عباس: ما خلق الله، وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
الحواشي
(١) قال ابن القيم: أكثر المفسرين عن السلف والخلف، بل لا يعرف في السلف، فيه نزاع أنهذا قسم من الله بحياة رسوله ﵊، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره، ولم يوفق الزمخشري لذلك، فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط؛ وأنه من قول الملائكة له، فقال: هو على إرادة القول، أي: قالت الملائكة للوط: لعمرك إنهم لفي سكرتهم، وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين، بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه الطيب، لا أهل التعطيل والاعتزال. انتهى.
فما أوهمه المصنف من تساوي القولين مخالف لكلام أصله، إلا أن يقال لما رأى قوله: وليس في اللفظ ... إلخ.
اقتصر على مجرد حكايتهما بلا ترجيح، لكن قد علم إضراب أصله، بقوله: بل ظاهر اللفظ، إلخ، وعليه، فقيل: ضمير أنهم لقريش، والجملة اعتراض، كما في البيضاوي.
وقال التجاني: أنه بعيد لانقطاع الآية به عما بعدها وما قبلها، "وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه"، أي: منزلة وقدر "عريض"، مجاز بمعنى عظيم، كدعاء عريض.
قال البيضاوي: أي: كبير مستعار مما له عرض متسع للإشعار بكثرته واستمراره، وهو أبلغ من الطول؛ لأنه أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه، كذلك فما ظنك بطوله.
"قال: ابن عباس: ما خلق" أوجد "الله، وما ذرأ، وما برأ" "بالهمز" فيهما، وذكرهما للتأكيد؛ لأنها بمعنى، وقد يفرق بينهما بالاعبار، بأن يكون ذرأ من الذرية، وبرأ بمعنى صور، أي: لم يوجد "نفسًا أكريم عليه من محمد ﷺ " أشرف منه ذاتًا ونسبًا وصورة، ومثل هذه العبارة تفيد عدم المساواة عرفًا، "وما سمعت الله أقسم" أي: ماعلمت من إطلاق السبب على مسببه.
وقيل: إنه هنا من النواسخ الداخلة على المبتدأ والخبر على أن المفعول الأول مصدر الخبر المضاف إلى المبتدأ، وإليه ذهب الرضي وغيره في فعل السماع الداخل على الذوات، كسمعت زيدًا يقول كذا، بشرط كون الخبر مما يسمع، والتقدير ما سمعت أقسام الله "بحياة أحد" والجملة مبينة للمقدر، لكن فيه؛ أنهم شرطوا كون السماع بلا واسطة "غيره" بالجر صفة أحدًا وبدل منه، وبالنصب على الاستثناء، قيل: وهو أحسن للصراحة في أنه أقسم بالنبي، ولم يقسم بغيره، بخلاف الخفض، فإنما يفيد أنه لم يقسم بغيره، وليس فيه أنه أقسم به ولا وجه له،стр. 4004
يَعْمَهُونَ﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. ورواه ابن جرير.
ومراده بقوله: "سمعت الله"؛ سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة.
ورواه البغوي في تفسيره بلفظ: وما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياته صلى الله عليه سولم، وما أقسم بحياة أحد غيره، وذلك يدل على أن أكرم خلق الله على الله، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد ﷺ كلامًا معترضًا في قصة لوط.
وقال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا: أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته.
الحواشي
(١) فإنه يفيدهما على الوجهين بقرينة السياق، وتلاوة الآية، "قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، يقول: وحياتك، وعمرك، وبقائك في الدنيا" وفي الشفاء معناه: وبقائك يا محمد، وقيل: وعيشك، وقيل: وحياتك "إنهم لفي سكرتهم يعمهون، رواه" محمد "بن جرير"، الحافظ الشهير، "ومراده بقوله: سمعت الله، سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة"، وعلى لسان نبيه.
"ورواه البغوي في تفسيره" من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس، "بلفظ: وما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياته ﷺ ، وما أقسم بحياة أحد غيره"، أتى به مع استفادته مما قبله، لاشتماله على النفي والاستثناء، فكأنه قال: أقسم بحياته لا بحياة غيره؛ لأن دلالته على النفي بالمفهوم، وبعض الأئمة، كالحنفية يجعله مسكوتًا عنه، فنفي ذلك بالتصريح به، "وذلك يدل على أنه أكرم خلق الله على الله"، وذلك بإجماع، والكرم صفة جامعة لكل خير وإن خصه العرب الطارئ الآن بالجود، فليس بمراد هنا وحده، "وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد ﷺ كلامًا معترضًا في قصة لوط" تسلية للمصطفى عن أذية قومه له، وهو واضح بجعل ضمير "إنهم" لقريش، أما على أنه لقوم لوط، فلا يظهر جعله اعتراضًا، إذ هو من جملة ما يتعلق بقوم لوط.
نعم. لا يمنع ذلك أن القسم بحياة المصطفى، فغايته أنه تأكيد لحيرة قوم لوط وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، أو لتشبيه الماضي بالحال.
"وقال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه، فإنما أراد بيان التصريح لنا انه يجوز لنا أن نحلف بحياته"، ولا دلالة فيه على ذلك، فإنما المراد التعظيم، والله تعالى له أن يقسم بما شاء، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ، ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ﴾ ، والمقرر في مذهب القرطبي قولان مشهوران:стр. 4005
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: فيمن أقسم بالنبي ﷺ تنعقد يمينه وتجب الكفارة بالحنث، واحتج أحمد بكونه ﷺ أحد ركني الشهادة.
قال ابن خويز منداد واستدل من جوز الحلف به ﵊ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده ﷺ أن يحلفوا به ﷺ حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذاإذا جاء صاحبه وقال له: احلف لي بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي ﷺ .
وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الآية [البلد: ١، ٢] .
الحواشي
(١) فذهب الأكثرون إلى حرمة الحلف بالنبي والكعبة، وكل معظم شرعا، وشهره بهرام في شامله، والأقلون إلى كراهة الحلف بذلك، وشهره التاج الفاكهاني.
وحجة كل قوله ﷺ : فمن كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت، رواه الشيخان، ومحل الخلاف: إذا كان الحالف صادقا وإلا حرم اتفاقا، بل ربما يكون بالنبي كفرا.
"وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: فيمن أقسم بالنبي ﷺ تنعقد يمينه، وتجب الكفارة بالحنث"، ومذهب مالك والشافعي، والجمهور لا تنعقد ولا كفارة، "واحتج أحمد بكونه ﷺ أحد ركني الشهادة" ولا حجة فيه، إذ لا يلزم منذلك انعقاد اليمين به، بل ولا جواز الحلف به، لا سيما مع النهي الصريح عنه ﷺ .
"قال" أبو بكر محمد بن أحمد، المعروف بأنه "ابن خويز منداد" "بضم الخاء وكسر الزاي، وفتح الميم، وسكون النون ودالين بينهما ألف"، ويقال: خواز منداد، تفقه على الأبهري وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن وعنده شواذ، عن مالك، وله اختيارات مخالفة للمذهب، ولم يكن بالجيد النظر، ولا قوي الفقه.
قال الباجي: لم أسمع له في علماء العراق ذكرا، وكان يجانب الكلام، وينافر أهله حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنة، ويحكم على جميعهم بأنهم من أهل الأهواء، قاله في الديباج، "واستدل من جوز الحلف به ﵊؛ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده ﷺ ، أن يحلفوا به" وهذا بفرض تسليمه لا دلالة فيه على الجواز، إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره، "حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا، إذا جاء" من يريد التحليف "صاحبه" الذي يريد تحليفه، "وقال له: احلف" لي "بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي ﷺ " كان ذلك عنده غاية في تغليظ اليمين.
"وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١، ٢] ، من إقامة الظاهرстр. 4006
أقسم تعالى بالبلد الأمين، وهو مكة أم القرى وهو بلده ﵊، وقيده بحلوله فيه إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله قاله البيضاوي.
ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل، وما ولد: محمد ﷺ ، وعلى هذا تتضمن السورة الإقسام به في موضعين، وقيل: المراد به
الحواشي
(١) مقام المضمر، فلم يقل به استعظاما لحلوله فيه، "الآية" أتلها. "أقسم تعالى بالبلد الأمين"، فلا زائدة لإفادة التأكيد والتحسين، وإن كان حذفها لا يغير أصل المعنى، فاندفع قول الإمام الرازي: إنه مانع من الانتظام، وموهم جعل الإثبات نفيا، ويلزمه عدم الاعتماد على القرآن، مع أن لا تأتي زائدة مع القسم كثيرا، وقد تزاد في غيره أيضا.
وقد ذهب بعض المفسرين والنحاة إلى أنه لا يصلق على مثله زائد، بل يقال: صلة تأدبا، وهو حسن، ويحتمل كلام المصنف أنه حمل، لا على أنها واقعة جواب قسم مقدر، أي: ولله؛ لأنا أقسم ويؤيده القراءة الشاذة: لا أقسم، بلام الابتداء، "وهو مكة أم القرى، وهو بلده ﵊، وقيده بحلوله فيه إظهارا لمزيد فضله"، فالمعنى أقسم به، والحال إنك مقيم به لشرفك وعظمتك عندي، "وإشعارًا بأن شرف المكان بشرف أهله"، وفيه إيماء إلى أن القسم بقوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ ، لكونه فيه، فلا تنافي بين الآيتين، فإذا كان فيه، فهو حقيق بالإقسام به، كما قيل:
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
"قاله البيضاوي" غير مقتصر عليه، بل حكى بعده ما يأتي لمصنف، لكنه لم ينقله عنه لوجوده في كلام من تقدمه "ثم أقسم بالوالد وما ولد" آثر ما على من لمعنى التعجب، كقوله: والله أعلم بما وضعت، أو؛ لأن كثيرا منالنحاة زوجوه، أو لتأويله بالمبهم، أي: الولد الكامل، الذي لا يدرك كنه ذاته، أو لاطراده فيما قصد به المعنى الوصفي، كالمولود هنا نظرا للصفة، فإنها ليست منجنس العقلاء، قال في حواشي الكشاف: التفرقة بين من وما إنما هي إذا أريد الذات، وأما إذا أريد الوصف، فيجوز ذهابا إلى الوصف، وقد خفي هذا على بعض الأفاضل، "وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد ﷺ ، وعلى هذا تتضمن السورة الأقسام به في موضعين" أحدهما: في البلد التي هي محله فإذا القسم بمكانه قسم به ﷺ ، أبلغ من القسم بذاته وحياته.
والثاني قوله: وما ولد، وزعم أنه لما أقسم بوالده، وهو في أصله، فكأنه أقسم به في غايةالبعد، اللهم إلا أن يقال لما قصد تعظيمه بالقسم بوالده، كأنه أقسم بصفة من صفاته، وهيстр. 4007
آدم وذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين.
وإنما أقسم تعالى بهم؛ لأنهم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنظر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم.
الحواشي
(١) شرف حسبه.
"وقيل: المراد به" أي: بوالد "آدم و" بما ولد: "ذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين" فما ولد عام شامل لجميع أولاده، لا يختص بمفرد منهم فالقسم على هذا بنوع الإنسان، "وإنما أقسم تعالى بهم" وإن كان فيهم فسقة وكفار للتعليل المذكور بقوله؛ "لأنهم أعجب خلق الله على وجه الأرض" إذ خلقهم في أحسن تقويم، "لما فيهم من البيان" النطق المبين عن المقاصد "والنظر" الاستدلال، "واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء" أريد بهم ما يشمل المرسلين "والدعاة" جمع داع، كالعلماء والأولياء والصلحاء، فالكل يدعون "إلى الله تعالى والأنصار لدينه" بالسيف والحجة، "وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم" كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] .
"وعلى هذا، فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان" آدم، خصه لشرفه وكونه أصلهم، "فمرجع البلاد إلى مكة"؛ لأنها أمها "ومرجع العباد إلى آدم"؛ لأنه أصلهم، ولو قال: ومرجع غير بني آدم إليهم، وفسر أصل السكان بآدم وذريته، كان أوفق بتفسير الولد والوالد؛ بأنهم آدم وذريته، ثم ظاهر هذا التفسير: ولو كان فيهم فسقة وكفار، من حيث تعليله بما ذكر ولا ضير فيه.
وفي الخازن: أقسم بآدم، وبالأنبياء والصالحين من ذريته؛ لأن الكافر وإن كان من ذريته، فلا حرمة له حتى يقسم به. انتهى.
وفيه نظر؛ لأن الإقسام لم يلاحظ فيه الحرمة فقط، بل كونه أعجب الخلق على الأرض، كيف وقد قال ابن عباس: الوالد والولد هنا على العموم، فهي أسماء جنس، يدخل فيها جميع الحيوا.
وقال ابن عباس وابن جبير وعكرمة: والد معناه كل من ولد وانسل، وما ولد لم يبق منه إلا العاقر، الذي لم يلد البتة.
وقيل: المراد نوح وجميع ولده، وقيل: إبراهيم وجميع ولده، حكى ذلك ابن عطية وغيره، وقيل: الوالد محمد ﷺ ، الحديث: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد والولد، أمته أو ذريته"، "وقوله" تعالى:стр. 4008
وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ هو من الحلول، ضد الظعن، فيتضمن إقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع واشتمل على خير العباد، فقد جعل الله تعالى بيته هدى للناس، ونبيه ﷺ إماما وهاديا لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه.
وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد.
وعن قتادة: وأنت حل أي لست بآثم، وحلل لك أن تقتل بمكة من شئت.
الحواشي
(١) ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ ، هو من الحلول" الإقامة "ضد الظعن" أي: الارتحال، وهو أحد مصادر حل، وفي الأخبار به المذاهب الثلاثة، إما أن يؤول بالمشتق، أو بتقدير مضاف، أي: ذو حل أو مبالغة، كزيد عدل.
وفي القاموس: حل المكان وبه يحل ويحل حلا وحلولا، وحللا محركة نادر نزل به، "فيتضمن أقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع" حتى المدينة، أو إلا المدينة، الخلاف الشهير، "واشتمل على خير العباد" بالإجماع، "فقد جعل الله تعالى بيته" الكعبة "هدى للناس، ونبيه ﷺ إماما" قدوة "وهاديا لهم" إلى صراط مستقيم، "وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه".
وفي الشفاء: قيل: لا أقسم به إذا لم تكن فيه، أي: بعد خروجك منه، حكاه مكي، وقيل: لا زائدة، أي: أقسم به، وأنت به يا محمد حلال، أو حل لك ما فعلته فيه على التفسيرين.
"وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين، الذي يأمن فيه الطير والوحش" تفسير الأمين، فهو إسناد مجازي، كعيشة راضية، "وقد استحل فيه قومك حرمتك" وفيه تثبيت له وتعجيب مما جرى عليه، وإشارة إلى علة عدم القسم، فسقط الاعتراض بإن الحال يقتضي عدم القسم بعد الخروج، فيتنافيان.
وهذا كما قال ابن عطية يتجه على أنه قسم، وعلى نفيه، أي: لا أقسم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء وكفرهم، "وهذا مروي" عند الثعلبي وغيره، "عن شرحبيل" "بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون المهملة" "ابن سعد" المدني، مولى الأنصار، تابعي، صدوق، اختلط بآخره، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد قارب المائة.
روى له أبو داود وابن ماجه، "وعن قتادة" بن دعامة الأكمه، المفسر، التابعي: "وأنتстр. 4009
وذلك أن الله تعالى يفتح عليه مكة وأهلها، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره، وحرم دار أبي سفيان.
فإن قلت: هذه السورة مكية، ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟
أجيب: بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
الحواشي
(١) حل، أي: لست بآثم" بالمد؛ لأن حل له معان ضد الحرمة والإقامة بالمكان، والاسم منهما حل بالكسر، وحلال بمعنى جائز ومقيم، "وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت، وذلك أن الله تعالى" وعده بأنه "يفتح عليه مكة وأهلها" أي: ويعطيه أهلها، "وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل" أي: أمر بقتل "ابن خطل" "بفتح المعجمة والمهملة" هلال، أو عبد الله، "وهو متعلق بأستار الكعبة، وقتل "غيره" كما تقدم في فتح مكة، "وحرم دار أبي سفيان" صخر بن حرب، أي: جعل لها حرمة؛ بأن أعطى الأمان من دخلها، بقوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"، أو حرم قتل من دخلها، وعلى هذا، ففي الآية تسلية له ﷺ ، أي: إن أخرجوك منها، فستعود لها، وتفعل فيها ما تريد، وتثبيت ووعد بالنصر، والأول على أنه قسم، والثاني على انتفائه، أو كل منهما جار على التفسيرين.
وقيل: المعنى وأنت حلال، أي: غير محرم بها، إشارة إلى دخولها يوم الفتح حلالًا، فإن قلت: هذه السورة مكية" عند جمهور المفسرين، وبالغ النسفي، فحكي عليه الاتفاق، وينقضه قول ابن عطية.
وقال قول: هي مدنية ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ إخبار عن الحال، و" عن "الواقعة" "والجر عطفا"، ويحتمل الرفع، أي: الحال الواقعة "التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين" المتنافيين بحسب الظاهر.
"أجيب بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى" بالحال "مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ "، أي: ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت، فأطلق الحال، وأراد الاستقبال، لكن استشكل هذا؛ بأنه يلزمه اختلاف زمني الحال، وعاملها إلا أن يقال الجملة معترضة لا حالية، فتضمن وعدا فيه مبالغة، بتنزيل المستقبل المحقق منزلة الحال لا الماضي، كما يدل له قول عياض، أو حل لك ما فعلت فيه.стр. 4010
وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول الله صلى الله علي وسلم ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١] .
الحواشي
(١) "وعلى كل حال، فهذا متضمن للقسم ببلد رسول الله ﷺ " بجعل لا زائدة، "ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم"، حيث أقسم ببلده، بقيد كونه فيه دفعًا لتوهم أن المكان أشرف، أو أن شرفه مكتسب منه.
"وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ " وأقره عليه: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء" في قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، وهذا إن صح دليل لقول الجمهور؛ أنه قسم بالمصطفى لا بلوط؛ لأن عمر قاله للنبي ﷺ وأقره عليه، فهو نص في محل النزاع: "ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك، فقا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد﴾ ، ففيه إشارة إلى أن هذا القسم أدخل في تعظيمه من القسم بذاته وبحياته.
قال عياض: في الشفاء: والمراد بالبلد عند هؤلاء مكة.
وقال الواسطي: أي: يحلف بهذا البلد الذي شرفته الآية، بمكانك فيه حيًا وبركتك ميتًا، يعني المدينة، والأول أصح؛ لأن السورة مكية، وما بعده يصححه قوله: ﴿حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ ، ونحوه قول ابن عطاء في تفسيره قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين﴾ . قال: أمنها الله لمقامه فيها وكونه بها، فإن كون أمان حيث كان. انتهى.
لكن تعقبه الدلجي وغيره بأن القائل لا يسلم أن السورة مكية، والبلد عنده في الموضعين المدينة، والإشارة فيهما لها، وحل بمعنى حال مقيم، فكيف يقام عليه الدليل بما لا يسلمه.
"وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ﴾ اسم جنس ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١] ، نقصان وسوء حال، وذلك بين غاية البيان في الكافر؛ لأنه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر في دنياه، في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذا الدار، فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة، وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التوصي بالحق والصبر، والعمل بحسب الوصاة، فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي: والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان، وفي مصحف عبد الله: والعصر لقد خلقنا الإنسان،стр. 4011
اختلف في تفسير العصر على أقوال:
فقيل: هو الدهر؛ لأنه مشتمل على الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم وغير ذلك.
وقيل: ذكر العصر الذي بمضيه ينقضي عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
الحواشي
(١) وعن علي: لفي خسر، وأنه فيه إلى آخر الدهر ﴿إِلَّا الَّذِين﴾ ، وقرأ عاصم والأعرج ﴿لَفِي خُسْر﴾ بضم السين وقرأ سلام أبو المنذر: ﴿وَالْعَصْر﴾ ، بكسر الصاد ﴿والصبر﴾ ، بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وعن أبي عمرو ﴿بالصبر﴾ ، بكسر الباء إشمامًا، وهذا أيضًا لا يكون إلا في الوقف، قاله ابن عطية ﵀، "اختلف في تفسير العصر على أقوال، فقيل": عن ابن عباس: "هو الدهر"، يقال فيه: عصر، وعصر "بضم العين والصاد".
قال امرؤ القيس: وهل يعمن من كان في العصر الخالي؛ "لأنه مشتمل على الأعاجيب" المختلفة؛ "لأنه يحصل فيه السراء" "بالفتح والمد" الخير والفضل، "والضراء" "بفتح المعجمة والمد" نقيض السراء، "والصحة" في البدن حالة طبيعية، تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، واستعيرت للمعاني، كصحة الصلاة إذا أسقطت القضاء، وصح العقد إذا ترتب عليه أثره، وصح إذا طابق الواقع، "والسقم" "بضم فسكون مصدر سقم" كقرب، "وبفتحتين مصدر سقم كفرح طال مرضه" "وغير ذلك".
"وقيل: ذكر العصر" مبني للمجهول إشارة إلى قول آخر في العصر، أي: قال بعضهم: المراد بالعصر هنا هو "الذي بمضيه" أي: انقضائه "ينقضي عمرك" أيها الإنسان، "فإذا لم يكن في مقابلته كسب" للطاعات "صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
يعني أنه لا فرح بانقضاء الأيام حقيقة وإن كانت في شدة؛ لأنها نقص من أجل الإنسان، وقال قتادة: العصر العشي، وقال أبي بن كعب: سألت النبي ﷺ عن العصر، فقال: أقسم ربك بآخر النهار، وقيل: اليوم والليل، ومنه قول حميد:
ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
أي: قصدا، وقيل: بكرة وعشية، وهما الإيرادان وقال مقاتل: العصر الصلاة الوسطى، أقسم بها، حكاه ابن عطية.стр. 4012
وفي تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما: أنه تعالى أقسم بزمان الرسول ﷺ . قال الإمام الرازي: واحتجوا له بقوله ﷺ : "إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا، فقال الله تعالى: وهل
الحواشي
(١) "وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبيضاوي وغيرهما؛ أنه تعالى أقسم بزمان الرسول ﷺ " وهذا الموافق للترجمة؛ أنه أقسم بمدة حياته وعصره وبلده.
"قال الإمام الرازي: واحتجوا له"، أي: لهذا القول، "بقوله ﷺ : "إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم" من اليهود والنصارى، والمثل في الأصل بمعنى النظير، ثم استعمل لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة لإرادة زيادة التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب، وأقمع للخصم، ليرى المتخيل محققًا والمعقول محسوسًا ولذا أكثر الله في كتابه الأمثال وفشت في كلام الأنبياء والمعنى مثلكم مع نبيكم، ومثل من قبلكم مع أنبيائكم "مثل رجل استأجر أجراء" "بضم الهمزة وفتح الراء جمع أجير".
وفي رواية كرجل استأجر عمالًا: جمع عامل، "فقال: من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط".
زاد في رواية: قيراط، فذكره مرتين ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم؛ لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشيء على متعدد كررته، كما يقال: أقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا: كما في الفتح: "فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط"، قيراط بالتكرير أيضًا، كما في رواية، وهو نصف دانق، والمراد هنا النصيب، "فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى المغرب بقيراطين، فعملتم" أيتها الأمة المحمدية، "فغضبت اليهود والنصارى" أي: الكفار منهم، "وقالوا: نحن أكثر عملًا"؛ لأن الوقت من الفجر إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، وتمسك به بعض الحنفية؛ على أن وقت العصر من مصير ظل كل شيء مثليه؛ لأنه لو كان من مصير مثله لكان مساويًا لوقت الظهر.
وقد قالوا: نحن أكثر عملًا، فدل على أنه دون وقت الظهر، وأجيب بمنع المساواة، وذلك معروف عند علماء هذا الفن أن مدة بين الظهر والعصر أطول من مدة بين العصر والمغرب، وما نقله بعض الحنابلة من الإجماع، على أن وقت العصر ربع النهار محمول على التقريب، إذا فرعنا على أن وقت العصر مصير الظل مثله، كما قال الجمهور، وأما على قول الحنفية؛ فالذي منстр. 4013
نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملًا وأكثر أجرًا. رواه البخاري.
قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصره ﷺ الذي هو فيه،
الحواشي
(١) الظهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة؛ وبأن الخبر إذا ورد في معنى مقصود، لا يؤخذ منه المعارضة، لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر؛ وبأنه ليس في الخبر، نص على أن كلا من الطائفتين أكثر عملًا، لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملا من المسلمين، وباحتمال أن أطلق ذلك تغليبًا، وباحتمال أن ذلك قول اليهود خاصة، فيندفع الاعتراض من أصله، كما جزم به بعضهم، وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادة، بل هو عموم أريد به الخصوص وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمنًا، لاحتمال أن عمل زمنهم أشق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، ومما يؤيده أن المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمن وقصره، اتفاق أهل الأخبار على أن المدة التي بين عيسى ونبينا دون المدة التي بين نبينا وقيام الساعة؛ لأن جمهور أهل الأخبار قالوا: مدة الفترة بين عيسى ونبينا ستمائة سنة، وثبت ذلك في البخاري عن سلمان وقيل: إنها دون ذلك حتى قال بعضهم: إنها مائة وخمس وعشرون سنة ومدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانيين وقصرهما، للزم أن وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به، فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته، كما قاله في الفتح: وأقل أجرًا، فقال الله تعالى: وهل نقصتكم من أجركم" الآية، الذي شرطه لكم شيئًا.
وفي رواية: هو ظلمتكم من حقكم "شيئًا، قولوا: لا". لم تنقصنا شيئًا، وإنما لم يكن ظلمًا؛ لأنه تعالى شرط معهم شرطًا، وقبلوا أن يعملوا به، "قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء" من عبادي.
قال الطيبي: ما ذكر من المقاولة والمكالمة، لعله تخييل وتصوير، ولم يكن حقيقة؛ لأنه لم يكن ثمة هذه الأمة، اللهم إلا أن يحمل ذلك على حصوله عند إخراج الذر، فيكون حقيقة.
قال ﷺ : "فكنتم أقل عملًا وأكثر أجرًا" ممن كان قبلكم، "رواه البخاري" من حديث ابن عمر في الصلاة، والإجارة وفضل القرآن، وفي ذكر بني إسرائيل، وفي التوحيد، بألفاظ متقاربة ليس في محل منها بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ مسلم.
وأخرجه البخاري، بنحوه من حديث أبي موسى، لكن ظاهر سياقهما أنهما قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما، فتعسف كما في الفتح، "قالوا: فهذا الحديث دل على أنстр. 4014
فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ ، وبعمره في قوله: لعمرك، الآية، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى.
الحواشي
(١) العصر هو عصره ﷺ ، الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم الله تعاىلى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ سواء قلنا؛ أنه مكة أو المدينة، إذ كل مكانه، "وبعمره في قوله: ﴿لَعَمْرُك﴾ ، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب": ثبت، وحق "تعظيم الظرف" بالأقسام به، "فكيف حال المظروف" استفهام تعجيب.
"قال" الرازي: "ووجه القسم كأنه تعالى قال": "ما أعظم خسرانهم إذ أعرضوا عنك" انتهى كلام الرازي وهو وجيه.стр. 4015
النوع السادس: في وصفه تعالى له ﵊ بالنور والسراج المنير
اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله ﷺ بـ"النور" في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ، وقيل: المراد القرآن.
الحواشي
(١) العصر هو عصره ﷺ ، الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم الله تعاىلى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ سواء قلنا؛ أنه مكة أو المدينة، إذ كل مكانه، "وبعمره في قوله: ﴿لَعَمْرُك﴾ ، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب": ثبت، وحق "تعظيم الظرف" بالأقسام به، "فكيف حال المظروف" استفهام تعجيب.
"قال" الرازي: "ووجه القسم كأنه تعالى قال": "ما أعظم خسرانهم إذ أعرضوا عنك" انتهى كلام الرازي وهو وجيه.
النوع السادس:
"في وصفه تعالى له ﵊ بالنور والسراج": المصباح، جمعه سرج، ككتاب وكتب "المنير" وصف به للتأكيد، أو؛ لأن بعض السرج لا يضيء إذا رق فتيله وقل زيته، وقد قيل ثلاثة تضني: رسول يضيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر إليها من يجيء، "اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله ﷺ بالنور" أي: أخبر عنه بأنه نور "في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم﴾ الخطاب لأهل الكتاب في قوله: يا أهل الكتاب وهو شامل للتوراة والإنجيل، وكانوا يخفون ما فيها من صفات النبي ﷺ " ﴿مِنَ اللَّهِ نُور﴾ " هو محمد ﷺ " ﴿وَكِتَابٌ مُبِين﴾ " قرآن بين ظاهر.
"وقيل: المراد" بالنور "القرآن"، وعليه فالعطف للتفسير، وقوله: يهدي به الله في موقعه، وعلى الأول أفرده مع تغايرهما وعطفهما بالواو لرجوعه لهما معًا باعتبار المذكور، أو؛ لأنهما معًا كالشيء الواحد وهداية أحدهما عين هداية الآخر، فإن خلقه القرآن، وما أفاده المصنف من ترجيح الأول هو الصحيح، فق اقتصر عليه الجلال، وقد التزم الاقتصار على أرجح الأقوال، وبه جزم عياض في محل وساوى بينهما في آخر، وتبعه المصنف في الأسماء الشريفة، وفسر النور.стр. 4016
وصفه ﵊ أيضًا بـ"السراج المنير" في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] .
والمراد: كونه هاديًا مبينًا كالسراج الذي يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من المشس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي ﷺ تفيد الأنور العقلية لسائر الأنفس البشرية، وكذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] .
الحواشي
(١) أيضًا بالإسلام، "وصفه ﵊ أيضًا بالسراج المنير في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على من أرسلت إليهم " ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ " من صدقك بالجنة، " ﴿وَنَذِيرًا﴾ " منذرًا من كذبك بالنار، " ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ " إلى طاعته " ﴿بِإِذْنِهِ﴾ " أي: أمره فهو على ظاهره؛ لأن أمره إذن له أو المراد به الإرادة، فإنه كثيرًا ما يتجاوز به عنها وعن الأمر، كما في مجاز القرآن لابن عبد السلام، وفسر أيضًا بتوفيقه وتيسيره، " ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ " [الأحزاب: ٤٦] ، يستضاء به من ظلمات الجهالة، ويقتبس من نوره أنوار البصائر، "والمراد كونه هاديًا مبينًا كالسراج يرى الطريق"، أي: يكون سببًا في إراءتها، فالإسناد مجازي "ويبين الهدى والرشاد" الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب، "فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس"؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل والشمس إنما يتبين بها ما يدرك بحاسة البصر من الألوان ونحوها فهو تفريع على قوله يبين الهدى، "وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها، فكذا. نفس النبي ﷺ تفيد الأنوار العقلية لسائر" أي: لجميع "الأنفس البشرية" ولم يقل ولا تستفيد من غيرها، كما قال في الشمس؛ لأنه ﷺ يستفيد الوحي من جبريل، ولذا وقع تشبيهه بالسراج؛ لأنه في غاية الوضوح والبلاغة؛ لأنه يستضيء من الوحي ويضيء للناس بما أتاهم به، ففيه من البلاغة ما ليس في قوله: شسمًا وقمرًا.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماؤنا: سمي سراجًا؛ لأن السراج الواحد يؤخذ منه السرج الكثيرة ولا ينقص من ضوئه شيء، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراجه ﷺ ولم ينقص من أجره شيء "وكذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج، حيث قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] ، وفي قراءة سرجًا بالجمع، أي: نبرات وخص القمرстр. 4017
وكما وصف الله تعالى ورسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [النور: ٣٥] ، فليس فيهما إلا الله، ونوره المقدس هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجًا منيرة، يستمد منها من دونها بوجود الله، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه.
والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولًا، وبواستطها سائر المبصرات،
الحواشي
(١) منها بالذكر لنوع فضيلة، "وكما وصف الله تعالى رسوله بأنه نور وصف نفسه المقدسة، بذلك فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [النور: ٣٥] .
قال ابن عباس وغيره: أي: هادي أهلهما، قال الرازي: في شرح الأسماء وهو حسن، إلا أن تفسيره به في الأسماء التسعة والتسعين لا يجوز؛ لأنه يصير محض تكرار، وأجيب: بجواز أن الهادي أعم، كما قالوه في الرؤوف الرحيم، أو يعتبر به هداية بالغة إلى حد لا يتناهى، فتحصل به المغايرة في الجملة، كالرحمن الرحيم، فلا وجه لقوله: لا يجوز؛ لأن له نظائر في الأسماء، وفي حواشي الكشاف معنى نور السماوات والأرض هادي العالمين، مبين ما يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر ولضلال بوحي منزل ونبي مرسل، "فليس فيهما إلا الله ونوره المقدس" أي: المراد به "هو سر الوجود" أي: إيجاده العالم " والحياة والجمال والكمال" وفي الأنوار أصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم والله موجود بذاته، موجد لما عداه، "وهو الذي أشرق على العالم" كله، وهو ما سوى، لكن وقع ذلك الإشراق على وجوه متنوعة، "فأشرق على العوالم" "بكسر اللام" جمع عالم "الروحانية" بضم الراء"، فهو من عطف المفصل على المجمل نحو توضأ فغسل وجهه، "وهم الملائكة، فصارت سرجًا، "بضمتين" "منيرة يستمد" "بفتح أوله" "منها من دونها "فاعل" "بوجود الله، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم"، أي: جوانبها: جمع جسم، "فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه" "بضم الراء وفتحها"، وعطفه على ما قبله كالمسبب على السبب، فالاستعداد هو الأسباب التي يكون اجتماعها فيه سببًا، لحصول المعرفة وقبول ما يلقى إليه، ورحب التلقي قوة قبوله لما يلقي إليه وحسن استماعه له، "والنور في الأصل" عند الحكماء لا اللغة، فإنه الضوء وأصله من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية، وبه سميت المرأة فوضع للضوء لانتشاره أو لإزالته الظلام فكأنهстр. 4018
كالكيفية الفائضة من النيرين -الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو بمعنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم؛ لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن علي وغيرهما نورًا فعلًا ماضيًا، والأرض بالنصب.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل هداه .
وأضاف النور السماوات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماوات والأرض، أنهم
الحواشي
(١) ينفر منه "كيفية" أي": صفة، لكن لفظ كيفية لم يسمع من العرب، كما صرح به أهل اللغة "يدركها الباصر أولًا، و" يدرك "بواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين الشمس والقمر على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما.
وبعضهم زعم أنه أجرام صغار تنفصل من المضي وتتصل بالمستضيء، "وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله" لاستحالته إذ هو عرض أو جسم، وكلاهما محال عليه "إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم"، فمعنى الله نور، أي: ذو نور، "أو بمعنى منور السماوات والأرض" فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، "فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء" وذلك مأخوذ "من قولهم للرئيس الفائق في التدبير"، وهو فعل الأمر عن فكر وروية، "نور القوم؛ لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب زيد بن علي" بن الحسين بن علي "غيرهما نور فعلًا ماضيًا" مفتوح النون، والواو ومشددة، "والأرض بالنصب" مفعول.
وأدعى الغزالي أنه حقيقة؛ لأن النور معناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وهو ميل لقول الإشراقيين، قال: شارح حكمة الإشراق الله نور السماوات والأرض، لا بمعنى منورهما على ما يقوله بعض المفسرين هربًا من إطلاق اسم النور عليه، بمعنى أنه محض النور البحث، وأن سائر الأنوار تشرق من نوره، كذا قال، "وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ " [النور: ٣٥] ، أي: مثل هداه .
وفسره البيضاوي بالصفة العجيبة، "وأضاف النور إلى السماوات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له، السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماواتстр. 4019
يستضيئون به.
وعن مقاتل: أي مثل الإيمان في قلب محمد ﷺ كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد ﷺ ، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد ﷺ .
وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل عليهما، والمصباح جسد محمد ﷺ ، والشجرة: النبوة والرسالة.
وعن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله في قلب محمد ﷺ .
الحواشي
(١) والأرض" وأضاف النور إليهم لأجل "أنهم يستضيئون به" والإضافة تجيء لأدنى ملابسة.
"وعن مقاتل، أي: مثل الإيمان في قلب محمد ﷺ ، كمشكاة" كوة غير نافذة، والكوة بفتح الكاف وضمها اسم ما لا ينفذ، قيل: معربة من الحبشية، وقيل: هي القنديل، وقيل: موضع الفتيلة منه، وقيل: معلاقة، "فيها مصباح" قنديل أو الفتيلة، مأخوذ من الصباح أو الصباحة، "فالمشكاة نظير صدر".
كذا في جميع النسخ والأولى صلب "عبد الله والزجاجة" مثلثة الزاي، والضم أعرفها وأفصحها، "نظير جسد محمد ﷺ ، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد ﷺ وعن غيره"، أي: غير مقاتل "المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل ﵉، والمصباح جسد محمد ﷺ ، والشجرة النبوة والرسالة" التي يتوقد منها المصباح، ونحوه قول من قال: المشكاة أبدان آبائه، والزجاجة أصلابهم، والمصباح نوره المستودع فيهم، "وعن أبي سعيد الخراز" إبراهيم، وقيل: أحمد بن عيسى البغدادي، قال الخطيب: كان أحد المشهورين بالورع والمراقبة وحسن الرعاية، وحدث يسيرًا صحب السقطي وذا النون وغيرهما.
قال الجنيد: لو طالبنا الله بتحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا، أقام كذا كذا سنة، ما فاته ذكر الحق تعالى بين الخرزتين.
وقال السلمي: الخراز، إمام القوم في كل فن من علومهم وأحسنهم كلهم ما خلا الجنيد، فإنه الإمام لذلك، فإن جماعة يقولون الخراز قمر الصوفية، فأفاد أن أمثلهم مطلقًا الجنيد، فهو الشمس، والخراز القمر، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل: غير ذلك: "المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله في قلب محمد ﷺ ".стр. 4020
وعن كعب وابن جبير: النور الثاني هنا محمد ﷺ .
وعن سهل بن عبد الله: مثل نور نبوة محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاج صدره، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة.
توقد من شجرة مباركة، أي من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة.
الحواشي
(١) "وعن كعب" بن ناتع، بفوقية، المعروف بكعب الأحبار، "وابن جبير" سعيد أحد الأعلام، "النور الثاني هنا" في قوله: مثل نوره "محمد ﷺ " بطريق المجاز الأول هو الله، أضيف لجميع مخلوقاته للتعميم، والثاني مضاف لله تعالى للتشريف والتعظيم، والثالث في قوله ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ إضافته، كلجين الماء أتى به بيانًا للتشبيه الذي بنيت عليه الاستعارة، فالمعنى أنه نور عم نوره جميع مخلوقاته، وخص نبيه ﷺ بأوفر اسم منه، فسماه باسمه وألبسه حلية، كما ألبسه الرأفة والرحمة.
"وعن سهل بن عبد الله" بن يونس بن عيسى التستري، بفوقيتين أولهما مضمومة، وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة، مدينة معروفة، الصالح المشهور، الذي لم يسمع الدهر بمثله علمًا وورعًا، وله كرامات، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل غير ذلك: "مثل نور نبوة محمد إذ كان مستودعًا" "بفتح الدال" في الأصلاب"، أي: أصلاب آبائه، وضمير كان راجع لنور أو لمحمد نفسه، ورجع بأنه كان في صلب آبائه لا نوره، ورد بأن نوره كان ظاهرًا في جباههم من آدم لأبيه عبد الله، كالقمر ليلة البدر، والمستودع في الأصلاب مادة جسمه، والنور تابع لتلك المادة، "كمشكاة صفتها كذا وكذا" كناية عن قوله فيها مصباح.. إلخ، فإنها استعملت كذلك، أي: صفة نوره كصفة نور مشكاة فيها مصباح "وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة صدره" والمشكاة جسده الشريف، "أي: كأنه" أي: صدره الشريف "كوكب دري" أي: مضيء "بضم الدال وكسرها، وفتحها مع الهمزة، وبدونها مشدد الياء"، قيل: أنه منسوب إلى الدر لحسنه وصفاته "لما فيه" أي: الصدر "من الإيمان والحكمة" وجعل ذلك في الصدر بواسطة القلب، ولا يبعد عود الضمير للقلب والحكمة العلم النافع.
وقيل: المراد بها هنا النبوة، كقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النخل: ١٢٥] ، "توقد" المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيًا للمفعول بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية، أي: الزجاجة "من شجرة مباركة، أي: من نور إبراهيم"؛ لأن النسب شبيه بالشجرة، وإبراهيم جده ﷺ ، وهو دعوته، "وضرب المثل" وهو كلام شبه مضربه بمورده، وضربه ذكرهстр. 4021
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي تكاد نبوة محمد ﷺ تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا الأخير القاضي أبو الفضل اليحصبي والفخر الرازي، لكنه عن كعب الأحبار.
وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبد الله بن رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
الحواشي
(١) كذلك بمعنى نباته "بالشجرة المباركة" على استعارة التمثيلية؛ لأنه شبه ظهور نبوته المتصلة بأبيه إبراهيم، وشبه المتصل به بمصباح أضاء بزيت من شجرة مباركة، واقتصر على أجزاء التمثيل لظهور ما فيه، وفائدة التمثيل كما في الكشاف إبراز المعقول في هيئة المحسوس ليتضح ويرسخ في الأذهان، ولذا كثر في الأحاديث والكتب الإلهية.
"وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥] ، ولو لم تمسسه نار، "أي: تكاد نبوة محمد ﷺ تبين" مضارع بأن أي: اتضح "للناس قبل كلامه" أي: تكليمه ودعواه النبوة وتحديه كذا الزيت والكلام يأتي مصدرًا بمعنى التكليم، كقوله: فإن كلاميها شفاء لما بيا، أو المراد ما يتكلم به فيقدر مضاف، أي: قبل إيراد كلامه الذي يتكلم به، وقيل: أن يوحى إليه، "حكي هذا الأخير" من قوله.
وعن سهل "القاضي أبو الفضل" عياض "اليحصبي" "بفتح التحتية وسكون المهملة وتثليث الصاد مهملة" نسبة إلى يحصب بن مالك أبي قبيلة باليمن، "والفخر الرازي، لكنه" أي: الرازي، إنما حكاه "عن كعب الأحبار" لا عن سهل بن عبد الله، فإن صح النقلان فيكونان معًا، قالاه، وفي شرح الشفاء للتجاني؛ أنه تأويل بعيد عن ظاهر القرآن، والصحيح ما عليه جمهور المفسرين أنه تعالى ضرب هذا مثلًا لنوره، وتمثالًا لقصور أفهام الخلق، إذ لولاه ما عرف الله، قال: وما أشبه هذا بتأويل الفضل قول الفرزدق:
أخذنا بأطراف السماء عليكم ... لنا قراها والنجوم الطوالع
لما سأله الرشيد عنه، فقال: أراد بالقمرين إبراهيم ومحمد ﷺ عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآبائك، فقال له الرشيد: أحسنت. انتهى.
"وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة": العلم النافع "قبل الوحي" به إليه، "قال عبد الله بن رواحة" الخزرجي الأمير الشهيد بمؤتة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبرстр. 4022
لكن التفسير الأول في هذه الآية هو المختار؛ لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤] . فإذا كان المراد بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِه﴾ أي مثل هداه كان مطابقًا لما قبله.
الحواشي
(١) وقال نفطويه: يكاد ذريتها يضيء هذا مثل ضربه الله لنبيه، يقول: يكاد نظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنًا، كما قال ابن رواحة: وذكر هذا البيت، "لكن التفسير الأول في هذه الآية هو المختار؛ لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٤٦] الآية، بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بين فيها ما ذكر أو بينته، "فإذا كان المراد بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِه﴾ [النور: ٣٥] ، أي: مثل هداه كان مطابقًا لما قبله" بخلافه على ما بعده من التفاسير، فلا يطابق ما قبله ونحن في غنية عن ذلك، فقد سماه الله نورًا في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وسماه سراجًا منيرًا في آية الأحزاب كما أشار إلى ذلك عياض يذكر هاتين الآيتين بعد آية النور، وبعض تلك التفاسير والله أعلم.стр. 4023
النوع السابع: في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] .
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
الحواشي
(١) النوع السابع:
"في" ذكر "آيات تتضمن"، أي: تدل لا التضمن المنطقي "وجوب طاعته"، أي: الانقياد له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فطاعة اسم مصدر أطاعه إذا انقاد له فيما أمر به قولًا أو فعلًا إذا كان الأمر بصيغة أفعل، وأما مادة، أمر فتحتمل الوجوب والندب، فتكون طاعته في المندوب مندوبة، فوجوبه على هذا الانقياد إلى أمره ولو مندوبًا والعمل به، فقوله: "واتباع سنته" بالجر عطفًا على طاعته، والنصب على وجوب من عطف الخاص على العام.
"قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] ، قال عطاء: باتباع الكتاب والسنة، رواه ابن أبي حاتم، وقدم طاعة الله تمهيدًا لوجوب طاعة رسوله، وإشارة إلى أن طاعته تعالى بطاعة رسوله، وهما شيء واحد، ولذا أفرد الضمير في قوله: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] .
"وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " الآية، أتبع الوعيد، بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] ، بالوعد بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] الآية،стр. 4024
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .
قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب.
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .
يعني: من أطاع الرسول لكونه رسولًا مبلغًا إلى الخلق أحكام الله فهو في
الحواشي
(١) ترهيبًا عن المخالفة وترغيبًا في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل على عزة المطلوب، وأن العبد دائر بين الرجاء والخوف.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ فيما يأمركم به من التوحيد، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الطاعات، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ، من إقامة الظاهر مقام المضمر، أي: لا يحبهم، بمعنى أنه يعاقبهم.
"قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله" تشبيه بليغ، وجعل عينه ادعاء، فلا ينافي الآية؛ لأن الشرط والجزاء متغايران نظرًا لما في نفس الأمر، ولكل مقام مقال، والأولى تأخير هذا عن الآتية؛ لأنها التي صرح فيها بأن طاعته طاعته، ولفظ عياض: وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ [النساء: ٨٠] ، "وقرن طاعته بطاعته" في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ، ونحوه مما أمر فيه بطاعة الله ورسوله معًا، "ووعد على ذلك بجزيل"، أي: عظيم أو كثير "الثواب" بنحو قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ ، "وأوعد على مخالفته بسوء العقاب" أي: أشده: "وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾ .
روي أنه ﵊ قال: "من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله". فقال المنافقون: لقد قارف الشرك، وهو ينهي عنه ما يريد إلا أن تتخذه ربًا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم، فنزلت.
كذا في الكشاف، قال الحافظ ولي الدين العراقي في حواشيه، لم أقف عليه، هكذا ونقله السيوطي عن البيضاوي ولم يزد عليه، "يعني من أطاع الرسول لكونه رسولًا مبلغًا"، علة غائية، أي: وغاية أمر الرسول كونه مبلغًا، "إلى الخلق أحكام الله"؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فلا مفهوم لهذه العبارة، "فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله"، أي: هو مبلغ حقيقة، والآمر هو الله، كما في الكشاف قال الطيبي: هذا التعليل يفيده لفظ الرسول؛ لأنه من وضع المظهر موضعстр. 4025
الحقيقة ما أطاع إلا الله, وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. ﴿مَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق فإن أحدًا من خلق لا يقدر على إرشاده.
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن الله؛ لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضًا وجب أن يكون معصومًا في جميع أحواله؛ لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] . والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له, وانقياد لحكم الله تعالى.
الحواشي
(١) المضمر للإشعار بعلية إيحاب الطاعة له، ويدل عليه السياق، وهو قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ وكان مقتضى الظاهر، ومن تولى فقد عصى الله في مقابلة قوله: فقد أطاع الله، فوضع ذلك موضعه، ليدل على المبالغة، "وذلك" المذكور من الطاعة "في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله"، إذ لو أخذ له ما أطاع رسوله، ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعته فلا يهمنك ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] الآية، حافظًا لأعمالهم، بل نذيرًا وإلينا أمرهم فنجازيهم، وهذا، قبل الأمر بالقتال، كما في الجلال فشار إلى أن جواب الشرط محذوف، والمذكور دليل عليه، وهذا أحد وجهين، الثاني: إنه المذكور باعتبار ما دل عليه، "فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق" المستقيم، "فإن أحدًا من خلق الله لا يقدر على إرشاده"، جواب الشرط، وجملة الشرط وجوابه علة لكونه ما جعل عليهم حفيظًا في أعمالهم، بحيث يلجئهم للطاعة، ويمنعهم عن العصيان، وأشار إلى تحقق ذلك وعدم احتمال خلافه، بالتأكيد بأن، "وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله؛ لأنه لو أخطأ في شيء منها" وأقر عليه، فأمر به أو نهى عنه، ولم يكن كذلك في نفس الأمر، "لم تكن طاعته طاعة لله" بل مخالف لأمره أو نهيه "وأيضًا وجب أن يكون معصومًا في جميع أحواله؛ لأنه تعالى أمر بمتابعته" الأنسب أن يقول باتباعه ليطابق دليله "في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوه﴾ لكنه أشار إلى أن المفاعلة قد ترد لأصل الفعل، فقال: "والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير" ومنه المتابعة في علوم الحديث، "فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله" وجودًا أو عدمًا، "إلا ما خصه الدليل" به "طاعة له" بالآية منطوقا ومفهومًا؛ لأن مفهوم من يطع الرسول، من عصاه فقد عصى الله، "وانقياد لحكم الله تعالى" عطف تفسير.стр. 4026
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩] .
وهذا عام في المطيعين لله تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية في هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ كان
الحواشي
(١) "وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيما أمرا به، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق " ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ القتلى في سبيل الله " ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ " [النساء: ٦٩] الآية، غير من ذكر "الآية" أي: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .
أي: رفقاء في الجنة؛ بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم.
قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام: باعتبار منازلهم في العلم والعمل، وهم الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل، المجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل، ثم صديقون صعدت نفوسهم تارة إلى مراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى إلى معارج القدس بالرياضة والتصفية، حتى اطلعوا على ما لم يطلع عليه غيرهم، ثم شهداء بذلوا نفوسهم في إعلاء كلمة الله وإظهار الحق، ثم صالحون صرفوا أعمارهم في طاعته، وأموالهم في مرضاته. انتهى.
"وهذا عام في المطيعين لله تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية في هذه الدار" الدنيا لعموم اللفظ، "وإن فاتت فيها معية الأبدان"، وذلك فيمن آمن في زمنه ﷺ ولم يره، ومن آمن بعده إلى يوم القيامة بقيد الطاعة، "وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان" بفتح المثلثة والموحدة، ابن بجدد بضم الموحدة وسكون الجيم، وضم الدال المهملة الأولى، وقيل: ابن جحدر، بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة، "مولى رسول الله ﷺ " قال في الإصابة: يقال: إنه من العرب من حكم ابن سعد بن حمير، وقيل: من السراة، اشتراه ثم أعتقه، فخدمه إلى أن مات، ثم تحول إلى الرملة، ثم حمص، ومات بها سنة أربع وخمسين، قاله: ابن سعد وغيره.
وروى ابن السكن، عن يوسف بن عبد الحميد، حدثني ثوبان أن رسول الله ﷺ دعا لأهله، فقلت: أنا من أهل البيت، فقال: في الثالثة نعم، ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميرًا فتسأله.
وروى أبو داود، عن أبي العالية عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "من يتكفل لي أنстр. 4027
شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله رسول الله ﷺ عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بي وجع، غير أن إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك؛ لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية.
وذكر ابن أبي حاتم الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله
الحواشي
(١) "لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة"، فقال ثوبان: أنا، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا، "كان شديد الحب لرسول الله ﷺ ، قليل الصبر عنه" ولذا ألزمه حضرًا وسفرًا، "فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل جسمه" بفتح الحال، وفي لغة بكسرها، وأخرى بضمها مبنيًا للفاعل، فهو لازم، أي: قام بجسمه المرض، ويعدىء، بالهمزة، فيقال: أنحله المرض.
وفي القاموس: نحل، كمنع وعلم ونصر وكرم نحولًا ذهب من مرض أو سفر، "فسأله رسول الله ﷺ عن حاله، فقال: يا رسول الله ما بي وجع" حصل به نحولي، وتغير وجهي، "غير أني إذا لم أرك اشتقتك" ضمنه معنى طلب فعداه بنفسه، وإلا فاشتاق، إنما يتعدى بحرف الجر، وبالتضعيف على أن المنقول في غيره عن ثوبان اشتقت إليك، "واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة" أي: فكرت في أمرها، "بحيث" الذي في غيره: فخفت "لا أراك هناك"؛ لأنه ظهر لي بالفكر، أما عدم رؤياك بالمرة أو قلتها؛ "لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين" فتتعذر رؤيتي لك أو تقل، "وإن أنا لم أدخل الجنة، فحينئذ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية".
قال الشيخ ولي الدين: هذا ذكره الثعلبي في تفسيره بلا إسناد ولا راوٍ، وحكاه الواحدي في أسباب النزول عن اللبي.
وروى الطبراني في معجمه الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن الشعبي، وابن جرير عن سعيد بن جبير، كل منهم يحكي عن رجل، فذكر مثل قصة ثوبان ونزول الآية فيه. انتهى.
فإن ثبت، فالرجل المبهم ثوبان، وذكر ابن ظفر عن مقاتل بن سليمان أن المبهم عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، فإن ثبتا، فلعلهما معًا ذكرصا ذلك والعلم لله، "وذكر"، أي: روى "ابن أبي حاتم" الحافظ، ابن الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، "عن أبي الضحى" مسلم بن صبيح، بالتصغير الهمداني، الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، تابعي، ثقة، فاضل، من رجال الجميع، مات سنة مائة، "عن مسروق" بن الأجدع بن مالك الهمداني،стр. 4028
ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قد مت لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية.
وذكر عن عكرمة مرسلًا: أتى فتى صغير السن لرسول الله فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة، لا نراك؛ لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله ﷺ : "أنت معي في الجنة".
فيها أيضا روايات أخر ستأتي إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊.
لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول هذه
الحواشي
(١) الوداعي، أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه، عابد مخضرم، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين، من رجال الجميع، قال: "قال أصحاب محمد ﷺ : يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك" اعتذارًا عن كثرة ملازمتهم له، المقتضية للملال عادة، "فإنك لو قد" "بفتح فسكون "مت" بضم الميم"، ضبطه بعض العلماء الموثوق بهم، وتجويز ضم القاف وشد الدال مكسورة وسكون الميم، أي: قدمت علينا، أي: سبقتنا تحاشيا عن خطابه، بلفظ مت أدبًا، وأنه أولى خلاف المتبادر "لرفعت فوقنا ولم، نرك، فأنزل الله": ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ "الآية" وفي هذا إن قائلي ذلك جمع كثير لقوله أصحاب محمد، "وذكر" بالبناء للفاعل، أي: ابن أبي حاتم أيضًا بسنده "عن عكرمة" مولى ابن عباس "مرسلًا، قال: أتى فتى" أي: "صغير السن لرسول الله ﷺ ، فقال: يا نبي الله إن لنا منك نظرة في الدنيا"، أي: إنا نراك ونتمتع برؤيتك فيها، وعبر بالوحدة لقصر المدة، "ويوم القيامة لا نراك؛ لأنك في الجنة، في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية" وللطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به، عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت إنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ ، "فقال له رسول الله ﷺ : "أنت معي في الجنة" إن شاء الله، كما هو بقية رواية عكرمة.
وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن المسيب ومسروق والربيع وقتادة والسدي، "وفيها أيضًا روايات أخر" بنحوها "ستأتي إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊" وهو السابع التالي لهذا.
"لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن، سبب نزول هذه الآيةстр. 4029
الآية يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى.
ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ أنه يكتفي بالطاعة الواحدة؛ لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الكفار والفساق؛ لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة.
قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشرع بكون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿وَمَنْ
الحواشي
(١) يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك"، أي: أنه لا ينحصر في تسلية المحبين له والتخفيف عنهم، بل يشمل ذلك وغيره، "وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ"، أي: لا يكون قاصرًا عليه خلافًا لزاعمه، "فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين"، خصهم لوقوع الثواب بعد الأمر المستفاد من قوله: ﴿مَنْ يُطِع﴾ ، إذ لا طاعة فرع الأمر أو النهي، وكلاهما خاص بالمكلف، إذ لا خطاب يتعلق بفعل غيره، وصحة عبادة الصبي وإثابته عليها لا لأمره بها، بل ليعتادها، فلا يتركها إن شاء الله ذلك، "وهو" أي: الأمر الأعظم، "أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز": ظفر "بالدرجات اعالية، والمراتب": المنازل "الشريفة عنده تعالى، ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ، أنه يكتفي بالطاعة الواحدة؛ لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلكا لمسمى مرة واحدة"، فإذا قيل: صل مثلًا برئ من عهدة الطلب بصلاة واحدة؛ لأن الأمر بالشيء لا يقتضي فورًا ولا تكرارًا، أو خرج بالثبوت النهي، فامتثاله إنما يحصل بترك جمع المنهيات، "لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الكفار والفساق؛ لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة" وذلك غير مراد، فوجب حمله على غير ظاهره.
"قال الرازي" الإمام فخر الدين: "قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة" كقوله هنا: فأولئك مع الذين ... إلخ، بعد قوله: ومن يطع "مشروع بكون ذلك الحكم،стр. 4030
يُطِعِ اللَّهَ﴾ أي في كونه إلهًا، وطاعة الله في كونه إلهًا هي معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيهًا على أمرين عظيمين من أحوال المعاد.
فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة الله، فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب، وإلى الفوز بالنجاة أوصل.
والثاني: أن الله تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجسيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فهذا هو المراد من هذه المعية وقد ثبت
الحواشي
(١) معللًا بذلك الوصف، وإذا"، أي: حيث "ثبت هذا" وتقرر في الأصول، "فنقول قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ ، أي: في كونه إلهًا، وطاعة الله في كونه إلهًا هي معرفته" بالآية الدالة عليه، "والإقرار" الاعتراف "بجلاله": عظمته "وعزته": غلبته "وكبريائه" عظمته.
قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، "وصمديته" احتياج الخلق إليه على الدوام، "فصارت هذه الآية تنبيهًا" أي: منبهة "على أمرين عظيمين من أحوال المعاد، فالأول أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله"، المؤدية إلى الإيمان به وطاعة أمره، "فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل" أكثر وصولًا، "والثاني: إن الله تعالى ذكر في الآية السابقة" على هذه اآية، "وعد" مصدر "أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجسيم".
وفي نسخة الجزيل، بقوله: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، وإذا لآتيناهم الآية، "ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كون الكل في درجة واحدة؛ لن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز" بدلالة النصوص الكثيرة، فالمراد كونهم في الجنة "بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهمследующие страницы →