Полный текст (5 943 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
........................... ... ولحسنه خطب القلوب خطيبه
فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولي الألباب، تلفتت عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، في سفر يسفر عن وجه المنح النبوية منيع النقاب،
الحواشي
(١) إذا قال حي على الصلاة قياسًا على حيعل، رده عياض بأن حيعل يطلق عليهما معًا لأنها من حي على كذا ولو صح قياسه لقيل في حي على الفلاح الحيفلة، فكيف وهذا باب مسموع لا يقاس عليه، انتهى.
"ولحسنه خطب القلوب خطيبه "
"فلما سمعت هذه المواهب آذان" جمع أذن بضمتين ويسكن تخفيفًا مؤنثة، "قلوب" ذكر ابن العماد في كشف الأسرار أن للقلب أذنين يسمع بهما، كما في الرأس أذنان "أولي الألباب" جمع لب، قال الراغب: وهو العقل الخالص من الشوائب سمي به لكونه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء، وقيل: هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل ولا عكس، ولهذا علق الله الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولي الألباب نحو: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٦٩] ، إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩, آل عمران: ٧] ، وقال الحر: إلى اللب باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ الحقائق من الملحوظات، وقال ابن الكمال: هو العقل المنور بنور القدس الصافي عن قشور الأوهام والتخيلات، واللب عند الصوفية، قال بعضهم: ما صين من العلوم عن القلوب المعلقة بالكون، "تلفتت" عطفت وصرفت، قال الزمخشري: لفت رداءه على عنقه عطفه، "عيون أعيانهم" جمع عين، أي: أعين القلوب، فللقلب عين كما أن للبدن عينًا، قاله الراغب.
"لتلخيص" هو استيفاء المقاصد بكلام وجيز. "خلاصة جوهر هذا الخطاب" وهو القول الذي يفهم المخاطب بالكسر المخاطب به شيئًا، وأما أحسن جعله تلفت العيون بعد السماع، فهو على حد قوله:
يا قوم أذني لبعض البحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانًا
قالوا بمن لا ترى تهوى فقلت لهم ... الأذن كالعين تؤتي القلب ما كانا
"في سفر" بالكسر، كتاب كبير جمعه أسفار، وسفر الكتاب كتبه، والسفرة الكتبة، ذكره الزمخشري. وقال الراغب: السفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق، انتهى. "يسفر" من أسفر كشف مطلقًا، وقول القاموس: سفرت المرأة تمثيل لا تقييد، كما في النسيم، أي: يكشف "عن وجه المنح النبوية" الوجه الذي به المواجهة، ويكون بمعنى الجهة المقصودة، ويستعار لخيار الشيء وأوله ورأسه ومفعول يسفر، هو "منيع النقاب"؛ ككتاب جمعه نقب ككتب من إضافةстр. 37
فأطلقت عنان القلم إلى تحصيل مآربهم، وتسطير مطالبهم، جانحًا صوب الصواب، مودعًا ما كان مستودعًا لي في غيابات الغيب في هذا الكتاب..................
الحواشي
(١) الصفة للموصوف، أي: النقاب المنيع.
"فأطلقت" من أطلقت الأسير إذا خليت عنه فذهب في سبيله، أي: أرسلت "عنان" ككتاب لجام الدابة من عن يعن اعترض، سمي به لأنه يعن، أي: يعترض الفم فلا يدخله إلا بمحاولة الإدخال. ويقال: جاء ثانيًا عنانه، إذا قضى وطره، وهو ذليل العنان منقاد؛ وفلان طويل العنان، إذا لم يرد عما يرومه لشرفه، "القلم" الذي يكتب فعل بمعنى مفعول؛ كحفر ونقض وخبط، ولذا قالوا: لا يسمى قلما إلا بعد البري وقبله قصبة. قال الأزهري: وسمي السهم قلما لأنه يقلم، أي يبرى، وكل ما قطعت منه شيئًا بعد شيء فقد قلمته، انتهى.
وفي كثير النسخ بدل فأطلقت فثنيت، وفي المصباح ثنيته عن مراده إذا صرفته، فالمعنى هنا صرفت عنان القلم عما كان مشغولا به، "إلى تحصيل" قال ابن فارس: أصل التحصيل استخراج الذهب من المعدن، انتهى. وقال أبو البقاء: التحصيل الإدراك من حصلت الشيء أدركته، وقال غيره: هو إخراج اللب من القشر ومنه: ﴿حُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ ، أي: أظهر ما فيها.
"مآربهم" حاجتهم جمع مأربة بفتح الراء وضمها وهي الأرب بفتحتين، والأرب بالكسر: الحاجة، "وتسطير" كتابة "مطالبهم" جمع مطلب في المصباح، يكون المطلب مصدرًا وموضع الطلب "جانحًا" مائلا "صوب" هو المطر تسمية بالمصدر، وصابه المطر صوبًا من باب قال، كما في المصباح.
وفي غيره صوب الشيء جهته "الصواب" قال الدماميني: كان المراد به الاستقامة من صاب السهم إذا قصد ولم يحد عن الغرض، والصواب المطر أو نزوله ويمكن أن يرادا هنا على الاستعارة، فأما أن الصواب مشبه بالسحاب فهو استعارة بالكناية وإثبات الصواب له استعارة تخييلية، وأما أنه مشبه بالمطر وأثبت له الصوب المراد به نزول المطر، ووجه التشبيه حصول النفع المبهج للنفوس. وفي صوب الصواب ما يشبه جناس الاشتقاق، انتهى.
"مودعًا" بالكسر "ما كان مستودعًا" بالفتح "لي في غيابات" القاموس غيابة: كل شيء ما سترك منه، ومنه غيابات الجب، انتهى. أي: في مستورات "الغيب" وهو ما غاب عنك جمعه غيوب وغياب، كما في القاموس. "في هذا الكتاب" الحاضر في الذهن إن كانت الخطبة قبل تأليفه، والكتاب لغة يدور على الضم، والجمع من جميع وجوهه، وسمى الخط كتابة لجمع الحروف وضم بعضها إلى بعض، ويطلق على اسم الفاعل واسم المفعول.
قال الأردبيلي: يطلق الكتاب على مطلق الخط وعلى الكلام المكتوب تسمية لاسمстр. 38
مستعينًا في ذلك بالقوي الوهاب، حتى أتاح الله لي ذلك، وتمم ما هنالك، فأوضحت ما خفي من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل.
وسميته: "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" ورتبته على عشرة مقاصد تسهيلا للسالك والقاصد:
الحواشي
(١) المفعول بالمصدر، وعلى مطلق الكلام اتساعًا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥] ، ثم شاع استعماله في التعارف، فيما جمع فيه الألفاظ الدالة على نوع من المعنى أو أكثر لما بين المصدر والمكان من التعلق الخاص، فيقال: أتأتي كتاب عن فلان وسيرت إلى فلان كتابًا ومنه اذهب بكتابي هذا، وأما في عرف المؤلفين فيطلق تارة على مكتوب مشتمل على حكم أمر مستقل منفرد عن غيره، وعن آثاره ولواحقه وتوابعه وأسبابه وشروطه، وتارة على مكتوب مشتمل على مسائل علم أو أكثر، وقد يسمى ذلك المكتوب باسم خاص وهو المراد هنا، "مستعينًا في ذلك بالقوي" الذي لا يلحقه ضعف في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ولا يمسه نصب ولا لغب ولا يدركه قصور ولا تعب، "الوهاب" كثير النعم ذي العطايا سبحانه، من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء.
"حتى أتاح" بفتح الهمزة الفوقية فألف فحاء مهملة، أي: يسر "الله لي ذلك وتمم ما هنالك فأوضحت" كشفت وجليت "ما خفي" استتر، "من الدليل" اسم فاعل وهو في الأصل المرشد والمكاشف "ومهدت" سلت "ما توعر" صعب "من السبيل" الطريق يذكر ويؤنث.
"وسميته المواهب اللدنية" المنسوبة للدن، أي: المواهب التي هي من الله لا ينسب منها لغيره شيء لأن ما جرت العادة بحصول مثله من كسب العبد ينسب له، وما كان بالغًا في النفاسة ينسب إلى الله إشارة إلى أنه لا يمكن حصوله من غيره عادة لعزته، على نحو قول العرب لله دره. قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] ، أي: من عندنا، وهذا هو متعلق الصوفية وأهل السلوك في إثبات العلم اللدني نسبة إلى لدن، وهو إلهام المعرفة بالحقائق الغيبية وغيرها، وقال غيره: العلم اللدني يراد به العلم الحاصل بلا كسب ولا عمل للعبد فيه، سمي لدنيًا لحصوله من لدن ربنا لا من كسبنا. وقد صنف الغزالي كتابًا في بيان هذا وبين فيه كيفية حصوله، وأنه لا يمكن أن يحصل بكسب، وذكر فيه قول علي: لو طويت لي وسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، ولقلت في الباء من بسم الله وقر سبعين جملا. قال: ومعلوم أن عليًا -كرم الله وجهه- إنما أخذه من لدن ربه لا من تعليم بشر، انتهى.
ولا يشكل بقوله ﷺ : "إنما العلم بالتعلم"، رواه ابن أبي عاصم والطبراني والعسكري وغيرهم، وسنده حسن. كما قال الحافظ وجزم به البخاري تعليقًا لجواز أن المراد علم الأحكام والقرآن والأحاديث النبوية، إذ لا طريق إلى معرفتها إلا بالتعليم، فأل، عهدية ولا شك أن عليًاстр. 39
المقصد الأول:
في تشريف الله تعالى له ﵊ بسبق نبوته في سابق أزليته،
الحواشي
(١) كان قد تعلم القرآن والسنة والأحكام قبل أن يقول ذلك "بالمنح" الكاملة "المحمدية" فأل، للكمال، فالتعبير بها أولى بالمدح، فلا يرد أنه يوهم استيعابه جميعها هنا، ولا كذلك "ورتبته" أي: الكتاب، أي المقصود منه بالذات فلا ينافي أن الخطبة مقصودة والترتيب لغة جعل كل شيء في مرتبته، وعرفا جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى بعضها بالتقدم والتآخر، والمراد ألفته مرتبا فأل كونه مشتملا "على عشرة مقاصد" جمع مقصد بالكسر، المقصود من مكان أو غيره، وبما ذكر لا يرد أن ترتيبه عليها يفيد أنه غيرها ضرورة أن المرتب على شيء يغاير ما رتب عليه، "تهسيلا" تليينًا "للسالك والقاصد" اسم فاعل، أي: الآتي، أي: الشارع في قراءة "هذا" الكتاب والطالب للوقوف عليه.
"المقصد الأول في" بيان "تشريف الله تعالى" حال لازمة، أي: متعاليًا عما لا يليق بعلى جناب قدسه، قال العكبري: وهو تفاعل من علو القدر والمنزلة هنا، وأصل تفاعل لتعاطي الفعل كتخاشع، وكذا تفعل كتكبر وهما في حقه تعالى بمعنى التفرد لا بمعنى التعالي، انتهى.
"له ﵊" أي: فيما يدل على شرفه من الأحاديث وغيرها، "بسبق نبوته" أي: تقدمها ولم يشتغل الأكثر بتعريف النبوة والرسالة، بل بالنبي والرسول وقد عرفها إمام الحرمين بأنها صفة كلامية هو قول الله تعالى: هو رسولي، وتصديقه بالأمر الخارق، كما مر.
وقال الغزالي: النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره، وهو يختص بأنواع من الخواص، أحدها: أنه يعرف حقائق الأمور المتعلقة بالله وصفاته وملائكته والدار الآخرة، علمًا مخالفًا لعلم غيره، بكثرة المعلومات وزيادة الكشف والتحقيق، ثانيها: أن له في نفسه صفة، بها تتم الأفعال الخارقة للعادة، كما أن لنا صفة تتم بها الحركات المقرونة بإرادتنا وهي القدرة ثالثها: أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم، كما أن للبصير صفة بها يفارق الأعمى، رابعها: أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب، فهذه كمالات وصفات ينقسم كل منها إلى أقسام, انتهى.
"في سابق أزليته" قال في التوقيف الأزل: القدم، ليس له ابتداء ويطلق مجازا على ما آل عمره، والأزل: استمرار الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي، كما أن يد استمراره كذلك في المآل، والأزلي ما ليس مسبوقًا بالقدم وللوجود ثلاثة لا رابع لها، أزليстр. 40
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس كرامته، وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته ورضاعه وحضانته، ودقائق حقائق بعثته وهجرته، ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته، مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته ﷺ وعلى آله وأزواجه وأصحابه.
الحواشي
(١) أبدي وهو الحق ، ولا أزلي ولا أبدي وهو الدنيا، وأبدي غير أزلي وهو الآخرة، وعكسه محال، إذ ما ثبت قدمه استحال عدمه، انتهى.
"ونشره" بوزن نصر مصدر نشر، أي: إظهاره "منشور رسالته" أي: أثرها من الأحكام التي هي حياة للعالم، وبهذا التفسير لا يرد أن نشر المنشور من تحصيل الحاصل أو يراد بالمنشور ما من شأنه أن ينشر، فنشره عبارة عن إخراجه من القوة إلى الفعل "في مجلس مؤانسته" أي: مقام رحمته لعباده في الملأ الأعلى، بجعلهم آمنين غير مستوحشين، فالمراد لازم المؤانسة وبالمجلس أيضًا لازمه، وهو مطلق الوجود لتعاليه سبحانه عن الحسي وهو موضع الجلوس، جمعه مجالس ويطلق على أهله مجازًا تسمية للحال باسم المحل، "وكتبه" أي: إثباته، "توقيع" تعلق "عنايته", ومنه قولهم مواقع الغيث مساقطه "في حظائر قدس كرامته" أي: مواضع طهارته، "وطهارة نسبه" عما كان في الجاهلية من نحو السفاح "وبراهين" حجج "أعلام آيات" إضافة بيانية "حمله وولادته" وضعه "ورضاعه" بفتح الراء كرضاعة مصدر أرضع يرضع بفتحتين لغة، كما في المصباح. قال: ولغة نجد رضع رضعًا من باب تعب، ولغة تهامة من باب ضرب، وأهل مك يتكلمون بها.
"وحضانته ودقائق حقائق بعثته وهجرته" من مكة إلى طابة بكسر الهاء لغة، مفارقة بلد إلى غيره فإن كانت قربة لله فهي الشرعية، كما وقع لكثير من الأنبياء. "ولطائف معارف مغازيه" جمع مغزاة "وسراياه" جمع سرية وتجمع أيضًا على سريات؛ كعطية وعطايا وعطيات، وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه. "وبعوثه" جمع بعث تسمية بالمصدر، وهو الجيش، كما في القاموس وغيره. وفي كلام المصنف الآتي أنه ما افترق من السرية.
"وسيرته" أي: طريقته وهيئته لا ما اصطلح عليه لكونه قدمه حال كوني. "مرتبًا" بالكسر اسم فاعل أو حال كونه مرتبًا بالفتح اسم مفعول أو هو مفعول ثان لجعل مقدرة، أي: وجعلته مرتبًا "على السنين" فيقدم ما وقع في الأولى ثم الثانية وهكذا، وإن كان الأنسب ذكره من حيث ما ينضم إليه في غيره -وهذا أغلبي- لذكره كفاية المستهزئين بعد الأمر بالصدع، لمناسبة كون آيته بعد تلك الآية، وإن كان غيره إنما ذكره قبل انشقاق القمر وكذكره بعض ما وقع للمسلمين من أذى الكفار بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود، "من حين نشأته" أي: وجوده، "إلى وقت" زمن "وفاته" أي: موته، "ونقلته" تحوله "لرياض روضته ﷺ وعلى آلهстр. 41
المقصد الثاني:
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال أخلاقه المنيفة، وأولاده الكرام الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته، وإخوته من الرضاعة، وجداته وخدمه ومواليه وحرسه، وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام ومؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه، وآلات حروبه، ودوابه، والوافدين إليه ﷺ وفيه عشرة فصول.
الحواشي
(١) وأزواجه" جمع زوج على اللغة العالية التي جاء بها القرآن، نحو ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] ، وبالهاء لغة نجدية تكلم بها أهل الحرم، قال أبو حاتم وغيره، وجمعها زوجات، وقول ابن السكيت: أهل الحجاز بلا هاء، وباقي العرب بالهاء فيه نظر، فقد قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. "وأصحابه" كذا في النسخ، والمناسب للسجع وصحابته.
"المقصد الثاني: في ذكر أسمائه" في الفصل الأول منه "الشريفة" مع شرح بعضها "المنبئة" صفة لازمة بين بها دلالة جميعها "على" وفي نسخة عن "كمال أخلاقه" سجاياه، "المنيفة" الزائدة في الكمال على غيرها من قولهم أنافت الدراهم على المائة زادت، ووجه إثباتها من الأسماء التي هي صفات إن أريد بها معنى الوصفية، كالمزمل والمتوكل ظاهر، وأما الأعلام المنقولة كمحمد فباعتبار المعنى اللغوي لا سيما وقد لوحظ ذلك في الوضع، إذ جعل سبب التسمية أو باعتبار أنه يفهم ذلك المعنى منها عند الاستعمال، بالنظر لخصوص أسماء المصطفى، وإن كانت الأعلام بحسب الوضع إنما تدل على مجرد الذات.
"و" الفصل الثاني في ذكر "أولاده الكرام الطاهرين" صفتان كاشفتان "وأزواجه الطاهرات أمهات المؤنين" مع بيان هل يقال لهن أمهات المؤمنات وهو الفصل الثالث، وفيه ذكر سراريه أيضًا، "وأعمامه" جمع عم "وعماته" جمع عمة "وإخوته" آثر جمع المذكر تغليبًا؛ كما في قوله: وإن كان له إخوة، إذ المراد ما يشمل الإناث، كما يأتي في كلامه. "من الرضاعة" قيد لبيان الواقع إذ ليس له أخ ولا أخت من النسب، وقد قال الواقدي: المعروف عندنا وعند أهل العلم أن آمنة وعبد الله لم يلدا غير رسول الله ﷺ ، انتهى.
"وجداته" وهو الفصل الرابع، "وخدمه" جمع خادم، غلامًا كان أو جارية وبالهاء فيها قليل، "ومواليه وحرسه" وهو الفصل الخامس، "وكتابه" جمع كاتب، "وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع"، جمع شريعة سميت باسم الشريعة، وهي مورد الناس للاستقاء لوضوحها وظهورها، "والأحكام ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام" وهو الفصل السادس وفيه ذكرстр. 42
المقصد الثالث:
فيما فضله الله تعالى به من كمال خلقته، وجمال صورته، وكرمه به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف المرضية، وما تدعو ضرورة حياته إليه ﷺ وفيه ثلاثة فصول.
الحواشي
(١) أمرائه ورسله. "و" في ذكر "مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه" وهو الفصل السابع، "وآلات حروبه" جمع آلة وهو الفصل الثامن. "و" في ذكر "دوابه" وهو التاسع، "والوافدين إليه ﷺ " وهو الفصل العاشر، "وفيه عشرة فصول" قد علمتها واستحرت من الكشف.
"المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به"، أي: في صفات صيره بها أفضل من غيره، من فضل مخففًا على غيره زاد. "من كمال خلقته"، إيجاد أجزاء بدنه تامة معتدلة المقادير "وجمال صورته" أي: حسنها الظاهر في جسده بتناسب أعضائه وصفاء لونه واعتدال قده، وقيل: المراد حسن وجهه وحسن الصورة أمر محمود يدل على حسن السريرة ويمدح به كمل الرجال، ولذا خطأ الآمدي من اعترض على أبي تمام في وصف ممدوحه بالجمال؛ لأنه يليق بالغزل لما ذكر، فقال في كتاب الموازنة: جمال الوجه وحسنه مما يتمدح به، لأنه يتميز به ويدل على الخصال الممدوحة ويزيد في الهيبة، والدمامة يذم بها لعكس ذلك، وقد غلط فيه من توهم أنه لا يدخل في مدح العظماء، انتهى. وهذا هو الفصل الأول.
"و" الثاني: فيما "كرمه" أي: عظمه وميزه على غيره، "سبحانه به من الأخلاق الزكية" جمع خلق وهو الموصوف الذي طبع عليه واكتسبه وجمعه بناء على تعدده، كما صار إليه كثيرون، أو باعتبار ما ينشأ عنه من حميد الأوصاف، "وشرفه" أعلاه "به" على غيره في الكتاب العزيز وغيره، "من الأوصاف المرضية" القائمة به مساوٍ في المعنى لما قبله.
"و" الفصل الثالث في "ما تدعو ضرورة حياته إليه" متعلق بتدعو أو بضرورة أو بهما على التنازع، والضرورة شدة الاحتياج باعتبار العادة البشرية، وفي عبارة لطف لإيمائه إلى أنه ليس مضطرًا إليه كغيره، وإنما الضرورة هي التي دعته وطلبته، كما قال البوصيري:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من ... لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
" ﷺ ، وفيه ثلاثة فصول" علمت.стр. 43
المقصد الرابع، المقصد الخامس
...
المقصد الرابع:
في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما خص به من خصائص آياته وبدائع كراماته. وفيه فصلان:
المقصد الخامس:
في تخصيصه ﵊ بلطائف المعراج والإسراء، وتعميما بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.
الحواشي
(١) "المقدمة الرابعة في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته" صفة لازمة لا مخصصة؛ لأن معجزاته كلها دالة على ثبوت، "وصدق رسالته" أي: قوتها، في القاموس الصدق بالكسر الشدة فهو مساوٍ للثبوت فغاير تفننا، أو المراد صدقه في ادعاء الرسالة وهذا الفصل الأول، "و" الثاني في "ما خص به" أي: ثبت له دون غيره من الأنبياء أو أممهم وهو عطف على معجزاته عطف عام على خاص، "من خصائص آياته" من إضافة الصفة للموصوف، أي: آياته الخاصة به أي: الفاضلة في الشرف على غيرها فلا يرد أن شرط المبين أن يزيد على المبين اسم مفعول، "وبدائع كراماته" أي: كراماته البديعة التي تفرد بها من بين المكرمات فالصفة مضافة لموصوفها، والمكرمات أمر أكرم الله به من اصطفاه من عباده المتقين بدون تحد ودعوى نبوة، فتكون للنبي والولي، وأعم من المعجزة لاشتراط مقارنة النبوة والتحدي بالقوة أو بالفعل، فخرج بقولهم أكرم ... إلخ السحر وما يصدر عن الكهنة والشياطين. "وفيه فصلان" علمًا.
"المقصد الخامس: في تخصيصه ﵊ بلطائف" وفي نسخة بخصائص والتخصيص، قال الراغب: تفرد بعض الشيء بما لا تشاركه فيه الجملة. والأصوليون، قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن به وحمله عليه شيخنا، فقال: أي قصره عليها يعني قصرًا إضافيًا دون غيره من الأنبياء فلا يشكل عليه بكثرة المعجزات، فالصواب التعبير بقصرها عليه لأن يجعله إضافيا يساوي ذلك "المعراج" بكسر الميم وتفتح، المصعد مفعال من العروج، "والإسراء" قال الحافظ الدمياطي الإسراء عبارة عن سيرة النبي ﷺ من مكة للمسجد الأقصى، والمعراج سلم من نور أو من جوهر تصعد فيه الأرواح إلى السماء ويطلق كل منهما على ما يشمل الآخر "ونعيمه" تسويده من عمم الرجل بالبناء للمفعول سود، أي: جعل سيدًا لأن العمائم تيجان العرب، كما في الصحاح، وهو لفظ حديث مرفوع أخرجه الديلمي عن ابن عباس، والقضاعي عن علي بزيادة: والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه، وهو ضعيف.
وفي نسخة: تكريمه، "بعموم" أي: كثرة "لطائف الكريم في حضرة التقريب" هي عندстр. 44
المقصد السادس:
فيما ورد في آي التنزيل من عظم قدره، ورفعة ذكره، وشهادته تعالى له بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته واتباع سنته وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنة إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، بأنه صاحب الرسالة والتبجيل، وفيه عشرة أنواع.
الحواشي
(١) الصوفية مقام للكامل المكمل بغير واسطة بشر، وهو النبي يأخذ عن الحق ما به يحصل كمال الحق المخلوق، كما في لطائف الكاشي "بالمكالمة والمشاهدة" لله سبحانه على القول بأنه رآه وهما من أعظم الآيات، فعطفه "والآيات الكبرى" عام على خاص، وأتى بهذا لئلا يتوهم غبي أن المراد القرب المكاني.
"المقصد السادس: فيما ورد في آي التنزيل" القرآن، جمع آية، وهي ألفاظ منه ذات مقطع ومبدأ مندرجة في سورة، "من عظم قدره" أي: مقداره وشرف رتبته وتكون بمعنى التعظيم كما في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ، أي: عظموه حق تعظيمه في أحد الوجوه فيه "ورفعة" بكسر الراء آخر تاء تأنيث مضاف إلى "ذكره" وإن قرئ رفع بفتح الراء، والضمير للتنزيل فذكره بالنصب "وشهادته تعالى" عما لا يليق بعلى كماله "له بصدق نبوته" والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس.
"وثبوت بعثته وقسمه" بفتحتين "تعالى على تحقيق رسالته وعلو منصبه" بفتح الميم وكسر الصاد المهملة في كلام العرب، بمعنى: الحسب والشرف، كما ذكره اللغويون واستفاض في كلام الفصحاء، وفي المصباح يقال له منصب وزان مسجد، أي: علو ورفعة، وفلان له منصب صدق يراد به المنبت والمحتد، وامرأة ذات منصب، انتهى. وأما المنصب بمعنى الولايات ففي النسيم أنه مولد لم يرد في كلامهم أصلا؛ كقوله:
نصب المنصب أوهى جلدي ... وعنائي من مداراة السفل
فكأنه للنصب فيه للنظر في الأمور، أو هو من النصب والحيلة وكذا إطلاقه على ما يوضع عليه القدر مولد. "الجليل" العظيم "ومكانته" عظمته عنده من قولهم كما في المصباح: مكن فلان عند السلطان مكانة، وزان ضخم ضخامة، عظم عنده وارتفع فهو مكين، انتهى. أو استقامته، يقال الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم كما في المختار، وفي النسيم: المكان معروف، فإن زيد فيه الهاء أريد به المرتبة المعنوية؛ كالمنزل والمنزلة. "ووجوب طاعته واتباع سننه"стр. 45
المقصد السابع:
في وجوب محبته واتباع سنته، والاهتداء بهديه وطريقته، وفرض محبة آله وأصحابه، وقرابته وعترته وحكم الصلاة والتسليم عليه، زاده الله فضلا وشرفًا لديه، وفيه ثلاثة فصول.
الحواشي
(١) طريقته "وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا منه إن أدركوه ليؤمنن به ولينصرنه والتنويه به" بالجر، أي: يذكره، يقال: ناه بالشيء نوها من باب قال ونوه به تنويهًا رفع ذكره وعظمه، وفي حديث عمر: أنا أول من نوه بالعرب، أي: رفع ذكرهم بالديوان والإعطاء، كما في المصباح. "في الكتب السالفة" الماضية؛ "كالتوراة والإنجيل" قيل: مشتقان من الورى والنجل، ووزنهما تفعلة وأفعيل ورد بأنه تعسف لأنهما أعجميتان، ويؤيده أنه قرئ الإنجيل بفتح الهمزة، وهو ليس من أبنية العرب.
"بأنه صاحب الرسالة" العامة على وجه لم يوجد لغيره، "والتبجيل" التعظيم والتوقير، "وفيه عشرة أنواع" الأول: في آيات تتضمن عظم قدره إلى آخره، والثاني: في أخذ الله له الميثاق على النبيين فضلا، والثالث: في وصفه له بالشهادة وشهادته له بالرسالة، والرابع: في التنويه به في الكتب السالفة، والخامسة: في أقسامه على تحقيق رسالته وفيه خمسة فصول، والسادس: في وصفه له بالنور والسراج المنير، والسابع: في وجوب طاعته، والثامن: فيما يتضمن الأدب معه، والتاسع: في رده تعالى على عدوه، والعاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه متشابهات. وهذا وإن لم يكن شيئًا، ففيه إراحة للخاطر ولئلا يتوهم أنه على نسق ما قبله وعبر هنا، وفي التاسع بأنواع تفننا إذ المراد من الأنواع والفصول واحد.
"المقصد السابع: في وجوب محبته, و" وجوب اتباع سنته, و" وجوب "الاهتداء بهديه" ومعنى الوجوب اعتقاد حقية ما أمر به عن الله تعالى، وأما مباشرة الفعل فتختلف في الوجوب والندب والإباحة، ولا يشكل بأن المندوب يجب بالنذر لأمره ﷺ بالوفاء بالنذر، كالقرآن فهو من سنته وهديه، "وطريقته" وهذا هو الفصل الأول "وفرض محبة آله وأصحابه وقرابته وعترته" بكسر العين وسكون الفوقية، أي: نسله.
قال الأزهري: وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أن العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه ولا تعرف العرب م العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، ومنه قول أبي بكرстр. 46
المقصد الثامن، المقصد التاسع
...
المقصد الثامن:
في طلبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات، وتعبيره الرؤيا، وإنبائه بالأنباء المغيبات، وفيه ثلاثة فصول.
المقصد التاسع:
في لطيفة من حقائق عبادته، ويشتمل على سبعة أنواع.
الحواشي
(١) نحن عترة رسول الله التي خرج منها، وبيضته التي تفقأت عنه.
وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى، ورهط الرجل قومه وقبيلته الأقربون، وكأنه ذكر فرض للاهتمام بطول الفصل، وغاير في التعبير فلم يقل وجوب تفننًا؛ لأنهما بمعنى عند الأكثرين، ولا يصح حمله هنا على مذهب الفارقين، لأن المقام يأباه، إذا يصير معناه محبة المصطفى بدليل ظني، وآله وما عطف عليه بدليل قطعي وهذا الفصل الثالث باللام، "و" الفصل الثاني بالنون في "حكم الصلاة والتسليم عليه" فرضية وسنية وفضيلة وصفة ومحلا "زاده الله فضلا وشرفًا لديه" عنده, "وفيه ثلاثة فصول".
"المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض" جمع مرض، وهو كما في المصباح حالة خارجة عن الطبع، ضارة بالفعل، ويعلم من هذا أن الآلام والأورام أعراض عن المرض. وقال ابن فارس: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر.
"والعاهات" جمع عاهة في تقدير فعلة -بفتح العين- أو الآفات، وهذا الفصل الأول، "و" الثاني في "تعبيره" تفعيل من عبرت الرؤيا مشددًا للمبالغة وأنكرها الأكثرون، وقالوا الوارد التخفيف؛ كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] ، لكن أثبتها الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل، حيث قال:
رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
أي: تفسيره "الرؤيا" بوزن فعلى، وقد تسهل الهمزة، ما يراه الشخص في منامه، "و" الفصل الثالث في "إنبائه بالأنباء" إخبار الأخبار "المغيبات" بإلهام أو وحي، "وفيه ثلاثة فصول.
"المقصد التاسع: في لطيفة" من لطف بالضم صغر جسمه لا بالفتح إذا رفق "من حقائق عباداته ويشتمل عى سبعة أنواع" الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والاعتكاف والحج، والسابع نبذة من أدعيته وذكره وقراءته.стр. 47
المقصد العاشر:
في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره الشريف، ومسجده المنيف، وتفصيله في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم، والدرجات العمليات، وتشريفه بخصائص الزلفى في مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، وانفراده السؤدد في مجمع مجامع الأولين والآخرين، وترقيه في جنة عدن أرقى معارج السعادة، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي
الحواشي
(١) "المقصد العاشر: في إتمامه تعالى نعمته عليه" قال الإمام الرازي: النعمة المنفعة على جهة الإحسان إلى الغير، فخرج بالمنفعة المضرة المحضة والمنفعة المفعولة لا على جهة الإحسان إلى الغير، كأن قصد الفاعل نفسه كمن أحسن إلى جاريته ليربح فيها، أو أراد استدراجه بمحبوب إلى ألم أو أطعم غيره نحو سكر أو خبيص مسموم ليهلك فليس بنعمة. وقال الراغب: النعمة ما قصد به الإحسان والنفع، "بوفاته" موته وأصله من توفيت الشيء إذا أخذته كله، قاله أبو البقاء.
"ونقلته إليه" وهو الفصل الأول "و" الثاني في "زيارة قبره" هو مقر الميت، وهو في الأصل مصدر قبرته إذا دفنته، وهو هنا بمعنى المقبور فيه، كما في التوقيف. "الشريف" شرفًا ما ناله غيره بحيث صار أفضل البقاع إجماعًا، "ومسجده المنيف" المرتفع في الشرف على غيره، حتى المسجد الحرام أو إلا المسجد الحرام على القولين، "و" الفصل الثالث في "تفضيله" في الآخرة بفضائل الأوليات" أي: بالأمور التي يتقدم وصفه بها على جمع الخلق، ككونه أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول من يقرع باب الجنة "الجامعة لمزايا" فضائل "التكريم والدرجات" جمع درجة، أي: المراتب، "العليات وتشريفه بخصائص الزلفى" فعلى من أزلف، أي: القربى، "في مشاهد الأنبياء والمرسلين وتحميده بالشافعة" العظمى العامة، "والمقام المحمود" وهو مقام يقوم فيه للشفاعة العظمى فيحمده فيه الأولون والآخرون، ولا شك أنه مغاير للشفاعة وإن احتوى عليها على كلام فيه مبين.
"وانفراده بالسؤدد" بالضم المجد والشرف "في مجمع" بكسر الميم وفتحها، وجمعه "مجامع" يطلق على الجمع وعلى موضع الاجتماع، كما في المصباح. "الأولين والآخرين وترقيه في جنة عدن" إقامة "أرقى معارج" جمع معرج ومعراج، كما مر. "السعادة" وهي كما في التوقيف معاونة الأمور الإلهية للإنسان على نيل الخير ويضادها الشقاوة، "وتعاليه في يوم المزيد" وهو يوم الجمعة في الجنة، كما في مسند الشافعي عن المصطفى عن جبريل "أعلى معاليстр. 48
الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول.
والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه النبيه أن يمدني في هذا الكتاب بمدد الإقبال والقبول، وينيلني ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين من لطائف العواطف المحمدية لطائف السول، ونهاية المأمول، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الحواشي
(١) "الحسنى وزيادة".
قال الراغب: الزيادة أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، وقد تكون زيادة مذمومة كالزيادة على الكفاية، كزائد الأصابع، أو قوائم الدابة، وقد تكون محمودة نحو للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وهي النظر إلى وجه الله.
"وفيه ثلاثة فصول" قد علمتها "والله تعالى جل جده" بفتح الجيم وشد الدال تكون بمعنى الحظ والغنى ومنه: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، يقال: جد بمعنى عظم، وإسناد التعالي للمبالغة، كجد جده فهو إسناد مجازي أو استعارة مكنية. "وعز" غلب "مجده" المجد: العز والشرف، ففي إسناد العز له المبالغة والله بالنصب قدم على عامله للتخصيص عند البيانيين، والحصر عند النحاة، أي: والله لا غيره.
"أسأل بوجاهة" هو الحظ والرتبة "وجهه الوجيه" قال بعض العلماء: وجه الله مجاز عن ذاته . تقول العرب: أكرم الله وجهك بمعنى. وفي التوقيف: الوجيه من فيه خصال حميدة من شأنه أن يعرف ولا ينكر، "ونبيه النبيه" الشريف في المصباح، نبه بالضم نباهة شرف، فهو نبيه، "أن يمدني" يعينني "في هذا الكتاب بمدد" بزيادة "الإقبال والقبول" بفتح القاف وضمها لغة حكاها ابن الأعرابي، وهو كما في التوقيف ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.
"وينيلني" يبلغني، "ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين" وإن لم يقع منهم ذلك "من لطائف العواطف المحمدية لطائف السول ونهاية المأمول" قال أبو البقاء: النهاية ما به يصير الشيء ذا كمية، أي: حيث لا يوجد وراءه شيء منه. وقيل: نهاية الشيء آخره أصلا من النهي وهو المنع، والشيء إن بلغ آخره امتنع من الزيادة، فإن قيل: قد قال ﷺ : "لا يسل بوجه الله إلا الجنة". رواه أبو داود، وقال: "ملعون من سأل بوجه الله"، رواه الطبراني.
قلت: لما كان ما سأله يرجع إلى سؤال الجنة ساغ له ذلك، وقد استظهر أن النهي للتنزيه "وعلى الله قصد السبيل" بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلا، "وهو حسبنا" محسبنا وكافينا من أحسبه إذا كفاه، ويدل على أنه بمعنى المحسبстр. 49
المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له ﵊
مدخل
...
المقصد الأول: في تشريف الله تعالى له ﵊
بسبق نبوته في سابق أزليته......
الحواشي
(١) أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفًا في قولك هذا رجل حسبك، "ونعم الوكيل" ونعم الموكول إليه هو، ذكره في الأنوار، وهذا اقتباس، وهو جائز عند المالكية والشافعية بإتفاق غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة هكذا.
حكى اتفاق المذهبين الشيخ داود الشاذلي الباهلي وقد نص على جوازه القاضي عياض وابن عبد البر وابن رشيق والباقلاني وهم من أجلة المالكية، والنووي شيخ الشافعية، ورواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد إلى الإمام مالك أنه كان يستعمله.
قال السيوطي: هذه أكبر حجة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، وقد نفى الخلاف في مذهبه الشيخ داود وهو أعرف بمذهبه، وأما مذهبنا فأنا أعرف أن أئمته مجمعون على جوازه والأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا تحريمه فقد فسر وأبان عن أنه أجهل الجاهلين، انتهى. وهذا منه يقضي بغلطه فيما أورده في عقود الجمعان.
المقصد الأول:
اعلم: أن في أسماء الكتب وألفاظ التراجم احتمالات أقربها أن المراد بها الألفاظ والمعروف أنها ظروف وقوالب للمعاني، فإذا عكس كما هنا فهو بتقدير مضاف، أي: "في" بيان "تشريف الله تعالى له ﵊"، وبيان بمعنى مبين، أي: ما من شأنه أن يبين به، ولا شك أن ما ذكره بعض ما يمكن به البيان، فهو من ظرفية الكل لجزئه ويجوز أنه استعارة أو تشبيه للمعاني بالظروف، بجامع أن الألفاظ لا تزيد المظروف على ظرفه المشتمل عليه، أو -في- بمعنى على والتقدير هذه ألفاظ مخصوصة دالة على تشريف، أو بمعنى اللام والمراد بكونه فيه: أنه مقصود منه فلا ينافي ذكر غيره بطريق التبع، "بسبق" تقدم "نبوته" وذلك السبق موجود "في سابق أزليته" أي: ما هو قبل خلق الأشياء، فلا يقال السبق لا يكون مظروفًا في السبق، أو جعل الأزلية ظرفًا يستدعي عدم مسبوق تقدم نبوته بالأولية, فيلزم أن لا أول لتقدم نبوته، كما أنه لا أولى للأزلي، كذا قال شيخنا قال في المجمل: الأزل: القدم، يقال: هو أزلي، والكلمة ليست بمشهورة في كلام العرب، وأحسب أنهم قالوا في القديم: لم يزل ثم نسب إليه، فلم يستقم إلا باختصار، فقالوا: يزلي ثم أبدلوا الياء ألفًا، وقيل: الأزل اسم لما يضيق القلب عنстр. 50
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في حظائر قدس كرامته.
وطهارة نسبه. وبراهين أعلام آيات حمله وولادته. ورضاعه وحضانته. ودقائق حقائق بعثته. وهجرته. ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه. وسيرته.
مرتبًا على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
اعلم يا ذا العقل.........................
الحواشي
(١) بدايته من الزل وهو الضيق فهمزته أصلية.
"ونشره" إظهاره وإذاعته "منشور رسالته في مجلس مؤانسته" أي الله سبحانه أو النبي ﷺ "وكتبه" إثباته "توقيع" تعلق "عنايته في حظائر قدس كرامته" أي: في المواضع التي تظهر فيها كرامته المنزهة عن النقائص، ككتبها على كل موضع في الجنة وعلى نحو العين، وساق العرش كما يجيء، "وطهارة نسبه" نزاهته عن دنس الجاهلية وسفاف الأمور تعاطيه الهمم العلية "وبراهين" جمع برهان وهو الدليل القوي الذي يحصل به اليقين لا المنطقي ليماوانيا، وإن شمله "أعلام آيات" إضافة بيانية، أي: براهين الأعلام التي هي آيات دالة على "حمله" وإضافة براهين إلى أعلام حقيقة، أي: البراهين الدالة على أن ما أدركته أمة من الآيات، هي أمارات على الحمل حقيقة "وولادته ورضاعه وحضانته ودقائق حقائق بعثته", أراد بها ما لا يفهم أنه من آثار الرسالة إلا بعد النظر الدقيق كرؤية الملك في ابتداء الوحي، فإنه إنما يدل على ذلك بعد التأمل وإمعان النظر فيه.
"وهجرته" هي في اللغة: الترك، ثم خصت بترك مكان لا آخر، وغالب الأنبياء وقع لهم الهجرة لعداوة الناس لهم، "ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته" هيئته وحالته وطريقته، لا ما غلب في لسان الفقهاء من أنها المغازي لكونه قدمها "مرتبًا على السنين" غالبًا، "من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض روضته".
"اعلم" أمر من العلم يصدر به ما يعتني به من الكلام تقوية وتأكيدًا وحثًا على إلقاء البال لما بعده، تنبيهًا على أنه مما ينبغي أن يعلم ولا يترك, وقد ورد في القرآن وكلام العرب. كقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] ، اعلموا ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] ولذا التزم بعده في الغالب أن المؤكدة؛ كقوله:
فاعلم فعلم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا
"يا ذا العقل"، مشتق من العقل مبعنى المنع، ومنه العقال لمنعه الإنسان عما لا يليق, ولذا تطرف في التلميح لأصله القائل:стр. 51
السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم وفقني الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم.................................
الحواشي
(١) قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق
"السليم" من شوائب الكدورات، وإنما خص ذوي العقول بالنداء، لأن شرف الإنسان إنما هو بالعقل، وبه يميز الحسن من القبيح، قال أبو الطيب:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
وفي حقيقته ومحله كلام ألم المصنف فيما يأتي بشيء منه، "والمتصف" بالنصب؛ لأن تابع المناوي المعرب منصوب لا غير، سواء كان التابع معرفة أم نكرة، محلى باللام أم لا، وأجاز الأخفش رفعه "بأوصاف الكمال" لنفسه، "والتتميم" لغيره وغاير تفننا ورعاية للسجع وإلا فهما بمعنى، كما في الصحاح والقاموس وغيرهما.
وقال الزركشي: تفسير الكمال بالتمام خطأ؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ، وقد فرق بينهما الشيخ عبد القاهر: بأن الإتمام لإزالة نقصان الأصل، والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل، وأيضًا التمام يشعر بحصو نقص قبل ذلك والكمال لا يشعر به.
وتعقب بأن الإكمال في الآية للدين، والإتمام للنعمة التي من جعلتها ذلك الإكمال والنصر العام على كل معاند؛ فلم يتعاورا على شيء واحد، ووظيفة اللغوي بيان أصل اللغة، وأهل التفسير والمعاني النظر إلى كل مقام يحسبه ولو معنى مجازيًا, وقد جزم ابن أبي الأصبع بأنه قد يطلق كل منهما على الآخر، ومنه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ الآية.
"وفقني الله وإياك" جملة دعائية والتوفيق الهداية إلى وفق الشيء وقدره وما يوافقه، قاله أبو البقاء، وفيه تفاسير معلومة "بالهداية" الثبات عليها أو زيادتها أو حصول المراتب المرتبة عليها، إذ المسلم مهتد، والمراد خلق الاهتداء لا الدلالة هنا، والباء للتصوير والتحقيق، أي: وفقنا بهدايتنا أو السببية، أي: رزقنا مباشرة الطاعات بسبب هدايته لنا "إلى الصراط المستقيم" المستوى، يعني: طريق الخير أو دين الإسلام, قال صاحب الأنوار: والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] ، وأراد على التهكم ومنه الهدية، وهو أدى الوحش مقدماتها والفعل منه هدى، وهداية الله تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة:
الأول: إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه؛ كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.стр. 52
أنه لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه..................................
الحواشي
(١) والثاني: نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار، حيث قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ، وقال: فهديناه فاستحبوا العمى على الهدى.
والثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإياه عنى بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
والرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي، بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء، وإياه عنى بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى، أو الثبات عليه، أو حصول المراتب المترتبة عليه، فإذا قاله العارف الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا، وتميط به غواشي أبداننا، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك، انتهى.
وفي الأساس يقال: هداه للسبيل وإلى السبيل هداية وهدى، وظاهره عدم الفرق بين المتعدى بنفسه والمتعدى بالحرف، قال ابن كمال: ومنهم من فرق بينهما بأن هداه لكذا أو إلى كذا، إنما يقال إذا لم يكن في ذلك فيصل بالهداية إليه، وهداه كذا لمن يكون فيه فيزداد ويثبت، ولمن لا يكون فيصل.
والقول بأن ما تعدى بنفسه معناه الإيصال إلى المطلوب ولا يكون إلا فعل الله تعالى فلا يسند إلا إليه؛ كقوله: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ، وما تعدى بالحرف، معناه الدلالة على ما توصل إليه، فيسند تارة إلى القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] ، وتارة للنبي، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ [الشورى: ٥٢] ، ليس بتام لمجيء المتعدى بنفسه في القرآن كثيرًا مستندًا إلى غير الله تعالى؛ كقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] ، انتهى.
وفي البيضاوي: وأصله أن يعدى باللام أو إلى فعومل في اهدنا الصراط، معاملة اختار في قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] ، انتهى. والخلاف في أنها الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وإن لم يصل، وهو مذهب أهل السنة أو الموصلة عند المعتزلة مشهور كأدلتهم، "أنه لما تعلقت إرادة الحق" الثابت الوجود على وجه لا يقبل الزوال ولا العدم، ولم يقل: لما أراد؛ لأن الإرادة أزلية والحادث إنما هو التعلق، "بإيجاد خلقه" أي: مخلوقه؛ لأنه الذي يتعلق به الإيجاد نحو: هذا خلق الله، أي: مخلوقه "وتقدير رزقه" أي: الله أو الخلق، فالمصدر مضافстр. 53
أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية، في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق في سابق إرادته وعلمه، ثم أعلمه بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا -كما قال- بين الروح والجسد، ثم انبجست منه ﷺ عيون الأرواح............................
الحواشي
(١) للفاعل أو المفعول، قال السمين: والرزق لغة العطاء وهو مصدر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٧٥] ، وقيل: يجوز أنه فعل بمعنى مفعول كذبح بمعنى مذبوح، وقيل: الرزق بالفتح مصدر وبالكسر اسم للمرزوق، واقتصر على الثاني في المختار والمصباح.
"أبرز الحقيقة المحمدية" هي الذات مع النعت الأول، كما في التوقيف؛ وفي لطائف الكاشي يشيرون بالحقيقة المحمدية إلى الحقيقة المسماة بحقيقة الحقائق الشاملة لها، أي: للحقائق والسارية بكليتها في كلها سريان الكلي في جزئياته، قال: وإنما كانت الحقيقة المحمدية هي صورة لحقيقة الحقائق؛ لأجل ثبوت الحقيقة المحمدية في خلق الوسيطة والبرزخية والعدالة، بحيث لم يغلب عليه ﷺ حكم اسمه أو وصفه أصلا، فكانت هذه البرزخية الوسطية هي عين النور الأحمدي المشار إليه بقوله ﵊: "أول ما خلق الله نوري"، أي: قدر على أصل الوضع اللغوي، وبهذا الاعتبار سمي المصطفى بنور الأنوار، وبأبي الأرواح ثم إنه آخر كل كامل إذ لا يخلق الله بعده مثله، انتهى.
"من الأنوار الصمدية" المنسوبة للصمد والإضافة للتشريف، كما في حديث جابر عند عبد الرزاق مرفوعًا: يا جابر إن الله قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، "في الحضرة الأحدية" هي أول تعينات الذات وأول رتبها، الذي لا اعتبار فيه لغير الذات، كما هو المشار إليه بقوله ﵊: "كان الله ولا شيء معه"، ذكره الكاشي "ثم سلخ" أخرج "منها العوالم كلها" بكسر اللام جمع عالم، بفتحها سماعًا وقياسًا "علوها" بضم العين وكسرها وسكون اللام، "وسفلها" بضم السين وكسرها وسكون الفاء، أي: عاليها وسافلها، يشير إلى العالم العلوي والسفلي، فهو مجاز من إطلاق اسم الكل وإرادة اسم الجزء "على صورة حكمه" أي: التي تعلق بها خطابه الأزلي لا صورة نفس الحكم؛ لأنه قديم.
وفي نسخ حكمته، أي: على الصورة التي اقتضتها حكمته وإرادته والأولى أنسب بالسجعة في قوله: "كما سبق في سابق إرادته وعلمه" على ما سيجيء بيانه في حديث عبد الرزاق "ثم أعلمه بنبوته وبشره برسالته هذا وآدم" الواو للحال "لم يكن إلا كما قال" ﷺ ، "بين الروح والجسد ثم انبجست" تفجرت "منه ﷺ عيون الأرواح" أي: خالصها، كأرواح الأنبياء والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من نوره على أرواح الأنبياء، عبر عنها بالعيون مجازًا لمشابهتها بعيونстр. 54
فظهر بالملأ الأعلى، وهو بالنظر الأجلى، وكان له المورد الأحلى، فهو ﷺ الجنس العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس.
ولما انتهى الزمان بالاسم الباطن في حقه ﷺ إلى وجود جسمه، وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد ﷺ بكليته جسمًا وروحًا..........................
الحواشي
(١) الإنسان للكمال، فلا يرد تأخر الأعلام والبشارة عن سلخ العوالم منه، "فظهر" ﵇، أي: حقيقته "بالملأ" أي: الخلق "الأعلى" وصفهم به إشارة إلى أن المراد المقربون "وهو بالمنظر الأجلى" بالجيم، أي: الأتم في الظهور "وكان له المورد" وزن مسجد تشبيه بليغ، أي: كالمورد الذي يرده الناس ليرتووا منه "الأحلى" بالحاء، الأعذب.
"فهو ﷺ الجنس" أي: كالجنس "العالي" المرتفع "على جميع الأجناس" لتقدمه خلقًا على غيره، "والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس" من حيث أن الجميع خلقوا من نوره، على ما يأتي في حديث عبد الرزاق، وأما ما ذكر أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها فعرفت وذلقت، فخلق الله من كل نقطة نبيًا، وأن القبضة كانت هي النبي ﷺ وأنه كان كوكبًا دريًا، وأن العالم كله خلق منه، وأنه كان موجودًا قبل أن يخلق أبواه، وأنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل وأمثال هذه الأمور, فقال الحافظ أبو العباس أحمد بن تيمية في فتاويه، ونقله الحافظ ابن كثير في تاريخه وأقره: كل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بحديثه، والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي ﷺ ، بل خلق كل واحد من أبوابه، انتهى.
"ولما انتهى" أي: بلغ النهاية، "الزمان" الحال التي كان عليها قبل خلق السماوات والأرض، "بالاسم" متعلق بانتهى، "الباطن، أي: عالم الملكوت المشار إليه بقوله: إبراز الحقيقة ... إلخ، "في حقه ﷺ " متعلق بباطن "إلى وجود جسمه وارتباط الروح به" متعلق بانتهى أيضًا. "انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر" يعني: عالم الملك وهو الموجود في العناصر، والباطن والظاهر وصفان للمصطفى، ويجوز -وهو المناسب هنا- أنهما وصفان لله، أي: الظاهر وجوده لكثرة دلائله، أو الغالب على كل شيء من ظهر إذا غلب.
والباطن حقيقة ذاته فلا يعرف أصلا؛ كما قال الصديق: غاية معرفته القصور عن وصفه أو العالم بالخفيات، والمعنى: أنه تعالى تصرف فيه بمقتضى علمه الخفي على جميع الكائنات الذي هو صفة الباطن إلى تعلق الإرادة بظهوره إلى عالم العناصر فربط روحه الشريفة بجسمه، فأظهره "فظهر محمد ﷺ بكليته" أي: بجملته "جسمًا وروحًا" تمييز أو حال، قال شيخنا: ولوстр. 55
فهو ﷺ وإن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه.
ألا بأبي من كان ملكًا وسيدا ... وآدم بين الماء والطين واقف
فذاك الرسول الأبطحي......
الحواشي
(١) قال بكله كان أوضح، فإن الكل هو الذات المجتمعة من الأجزاء، والكلية إمكان الاشتراك وهي صفة الكلي، وهو ما لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه، ويمكن توجيهه بأنه من نسبة الفرد إلى كله من جهة تحقق الكل، من حيث هو كل في الواحد للشخص من حيث تشخصه فيساوي التعبير به التعبير بالكل.
"فهو ﷺ وإن تأخرت طينته" أي: خلقته "فقد عرفت قيمته" أي: اعتداله وحسن قوامه وطوله حسًا ومعنى في الجميع، ففي الفاموس القيمة الشطاط، وفيه أيضا الشطاط كسحاب وكتاب الطول وحسن القوام أو اعتداله، "فهو خزانة" بكسر الخاء "السر" أي: محل لأسراره تعالى وكمالاته، حيث أفاض الله عليه ما لا يوجد في غيره من الخلق "وموضع نفوذ الأمر" أي: الموضع الذي يظهر منه الكمالات التي تفاض على خاصة خلقه، "فلا ينفذ أمر" شيء، جمعه أمور "إلا منه، ولا ينقل خير" مفرد خيور وخيار، أو هو بموحدة مفرد أخبر "إلا عنه" إذ هو واسطة العقد، وأنشد المؤلف لغيره "ألا" بفتح الهمزة والتخفيف حرف استفتاح يؤتى به للتنبيه والدلالة على تحقق ما بعده: "بأبي" بكسر الباءين بينهما همزة مفتوحة.
قال ابن الأنباري: معناها بأبي هو فحذف هو لكثرة الاستعمال، وأصله أفدية بأبي، "من كان ملكًا" بفتح الميم وسكون اللام تخفيفًا؛ لأن البيت لا يتزن إلا به. في المصباح: ملك على الناس أمرهم، إذا تولى السلطنة فهو ملك بكسر اللام وتخفف بالسكون، انتهى وكذا كل ما كان على وزن فعل، وتوهم إنها لغة قرئ بها غلط؛ لأن ذاك في مصدر مالك: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] ، قرئ بتثليث الميم، وهو في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء، "وسيدًا وآدم بين الماء والطين" أي: بين العلم والجسم، كذا في أنوار المشكاة.
"واقف" ولما لم يستقم للناظم لفظ الوارد بتمامه عدل إلى معناه الذي اشتهر، فإن معناهما واحد؛ كما جزم به صاحب النسيم. فلا يقال: لو قال بين الروح والجسم طابقه، "فذاك الرسول" فعول بمعنى مفعل وهو المرسل، أي: المبعوث إلى غيره وقد يأتي بمعنى الرسالة؛ كقوله:
ألا أبلغ أبا عمرو رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
"الأبطحي" المنسوب إلى بطحاء مكة على ما يفيده الجوهري، أو إلى أبطح مكة، وهو مسيل واد بها وهو ما بين مكة ومنى ومبتدؤه المحصب، كما صرح به غيره، وهو القياس.стр. 56
.............. محمد ... له في العلاء مجد تليد وطارف
أتى بزمان السعد في آخر المدى ... وكان له في كل عصر مواقف
أتى لانكسار الدهر يجبر صدعه ... فأثنت عليه ألسن وعوارف
إذا رام أمرًا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر في الكون صارف
أسبقية نبوته ﷺ :
أخرج مسلم في صحيحه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي............
الحواشي
(١) "محمد له في العلا" الارتفاع "مجد" عز وشرف "تليد" قديم "وطارف" حادث، "أتى بزمان السعد" الباء للآلة، "في آخر المدى" بفتحتين، يعني: الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء، وهو زمن عيسى وبعثة المصطفى في آخر زمان عيسى، فالإضافة حقيقية فلا يشكل إضافة آخر المدى مع أن الغاية أو مطلق الزمان، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، "وكان له في كل عصر مواقف" أحوال لتقدم خلقه، "أتى لانكسار الدهر" وفي نسخة: الدين من إضافة الصفة للموصوف، أي: الدين أو الدهر المنكسر بعبادة غير الله، "يجبر صدعه" شقه، أي: يصلحه ويزيل فساده، "فأثنت عليه ألسن" جمع لسان مذكر وهو الأكثر لغة وبه جاء القرآن، قاله أبو حاتم.
"وعوارف" جمع عارفة، ومعناه: أن الأمور المعروفة في الشرع أثنت عليه لإظهاره لها وذبه عن معارضتها، وهو استعارة مكنية، شبه أمور الشرع في دلالتها على صدقه وكاله بنفوس ناطقة، وأثبت لها ما هو من لوازم النفوس الناطقة إذا فعل معهم الجميل وهو الثناء تخييلا "إذا رام أمرًا لا يكون" يوجد "خلافه وليس لذاك الأمر في الكون" أراد الوجود وله تعاريف معلومة "صارف" مانع، ثم شرع في المقصود وحسن معه تصديره بحديث صحيح، فقال: "خرج مسلم" بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأعلام مناقبه شهيرة، أخذ عن البخاري وشاركه في كثير من شيوخه، وأحمد وخلق وروى عنه كثيرون، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا، مات سنة إحدى وستين ومائتين في رجب، "في صحيحه" الذي صنفه من ثلاثمائة ألف حديث كما نقلوه عنه وهو يلي صحيح البخاري، وتفضيله عليه مردود؛ وفي ألفية السيوطي:
ومن يفضل مسلمًا فإنما ... ترتيبه وصنعه قد أحكما
"من حديث" أحد العبادلة "عبد الله بن عمرو بن العاصي" بن وائل السهمي الصحابي ابن الصحابي أبي محمد عند الأكثر، أو أبي عبد الرحمن الزاهد العابد أحد المكثرين الفقهاء، أسلم قبل أبيه، قيل: بين مولدهما اثنتا عشرة سنة، ويقال: عشرون سنة.
روى ابن سبع والعسكري عنه، أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ ألف مثل. ومن ثمстр. 57
عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة................
الحواشي
(١) ذكر العسكري في كتاب الأمثال ألف مثل عن المصطفى، وحسبك أن أحفظ الصحابة أبا هريرة شهد له بأنه أكثر حديثًا منه؛ لأنه كان يكتب وأبا هريرة لا يكتب، ولا يشكل أن المروي عنه دون المروي عن أبي هريرة بكثير، لأنه سكن مصر والواردون إليها قليل، وأبو هريرة سكن المدينة والمسلمون يقصدونها من كل وجهة, وفي أنه مات بالشام أو مكة أو الطائف أو بمصر أقوال، وهل عام خمس وستين أو ثمان وستين أو تسع وستين أو ثنتين وسبعين أو تسع وسبعين خلاف بسطه في الإصابة.
وقال في تقريبه: مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح، والعاصي بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية وهو قول الجمهور كما قال النووي وغيره. وفي تبصير المنتبه، قال النحاس: سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء لا يجوز حذفها وقد لهجت العامة بحذفها.
قال النحاس: هذا مخالف لجميع النحاة، يعني: أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، والمبرد لم يخالف النحويين في هذا وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف، أي: أقام السيف مقام العصا، وليس هو من العصيان؛ كذا حكاه الآمدي، عنه قلت: وهذا إن مشي في العاصي بن وائل لكنه لا يطرد؛ لأن النبي ﷺ غير اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله فسماه مطيعًا، فهذا يدل على أنه من العصيان، وقال جماعة: لم يسلم من عصاة قريش غيره، فهذا يدل لذلك أيضًا، انتهى.
"عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله كتب مقادير الخلق"" , قال البيضاوي في شرح المصابيح، أي: أجرى القلم على اللوح المحفوظ، وأثبت فيه مقادير الخلائق ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد، وعلى وفق ما تعلقت به إرادته أزلا، وقال الأبي: المقادير بمعنى القدر وهو عبارة عن تعلق علم الله وإرادته أزلا بالكائنات قبل وجودها، وهو بجميع صفاته أزلي لا يتقيد وجوده بزمان، "قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" قال القاضي عياض: حد لكتب ذلك في اللوح المحفوظ، أو فيما شاء الله لا للمقادير فإن ذلك أزلي لا أول له وهي كناية عن الكثرة؛ كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ، قال: ويحتمل أنها حقيقة، ورده القرطبي وتبعه الأبي بأنه لا يتقرر كونها حقيقة بوجه؛ لأن السنين يقدر بها الزمان، والزمان تابع لخلق السماوات لأنه عبارة عن حركات الأفلاك وسير الشمس فيها، فقيل: خلق الزمان لا سماوات، فالخمسون ألف سنة تقديرية، أي:стр. 58
وكان عرشه على الماء.
الحواشي
(١) بمدة في علم الله لو كانت السماوات موجودة فيها لعدت بذلك العدد، انتهى.
وهو متعقب بقول البيضاوي وغيره في شرح المصابيح، معناه: أن طول الأمد وتمادي الأزمان بين التقدير والخلق من المدة خمسون ألف سنة مما تعدون، فإن قيل: كيف يحمل على الزمان وهو مقدار حركة الفلك الذي لم يخلق حينئذ؟ أجيب بأنه إن سلم أن الزمان ذلك، فإن مقدار حركة الفلك الأعظم الذي هو العرش موجود حينئذ، بدليل قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ، أي: ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء، والماء على متن الريح، كما روي عن ابن عباس، وهو يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض، انتهى.
وفي حديث أبي رزين الآتي: أن الماء قبل خلق العرش، وروى أحمد والترمذي وحسنه، وابن ماجه عن أبي رزين العقيلي، أنه قال: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: ""كان" في ماء ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء". وحكى في الفهم أن أول ما خلق الله ياقوتة حمراء ونظر إليها بالهيبة فصارت ماء، فوضع عرشه على الماء، وروى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعد الطائي، قال: "العرش ياقوتة حمراء".
وأخرج أبو الشيخ عن حامد، قال: "خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان وخلق في الأرض ألف أمة، كل أمة تسبح بلسان من ألسن العرش"، وذكر الحافظ محمد بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، عن بعض السلف: أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء، بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، واتساعه خمسون ألف سنة، وبعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وذهبت طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه الفلك التاسع والفك الأطلس.
قال ابن كثير: وليس بجيد؛ لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضًا فالعرش في اللغة سرير الملك وليس هو فلكًا، والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير، وقوائم تحمله الملائكة كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات، انتهى. والصحيح كما قال النعماني: أنه غير الكرسي، وما روي عن الحسن أنه عينه فضعيف، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره، انتهى.
كيف! وقد روى ابن جرير، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن أبي ذر قال: قال ﷺ : "يا أباстр. 59
ومن جملة ما كتب في الذكر أن محمدًا خاتم النبيين.
الحواشي
(١) ذر، ما السماوات السبع في الكرسي، إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
"ومن جملة ما كتب في الذكر" وبينه بقوله: وهو ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩، آل عمران: ٧] ، أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ، إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه وفي أنه حقيقي أو تمثيل، والمراد علم الله، قولان، الأكثر أنه حقيقي وهو الأسعد بصريح الأحاديث والآثار، فقد أخرج الطبراني بطريقين رجال إحداهما ثقات والحاكم والحكيم الترمذي عن ابن عباس، عنه ﷺ : "أن الله خلق لوحًا محفوظا من درة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور". وفي الطبراني أيضًا: أن عرشه ما بين السماء والأرض. وفي كنز الأسرار: أن طوله كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ بسند جيد عن ابن عباس، قال: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام, وأخرج أبو الشيخ عن أنس رفعه: "أن لله لوحًا أحد وجهيه ياقوتة، والوجه الثاني من زمردة خضراء". وأخرج أيضًا عن ابن عباس رفعه: "خلق الله لوحًا من ندرة بيضاء وقفاه من زبرجدة خضراء كتابه نور، يلحظ إليه في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء".
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الشعب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله لوحًا من زبرجدة خضراء تحت العرش، يكتب فيه إني أنا الله لا إله إلا أنا أرحم وأترحم، جعلت بضعة عشر وثلاثمائة خلق من جاء بخلق منها مع شهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وقد جمع بين هذا الاختلاف في لونه بجواز أنه يتلون والبياض لونه الأصلي.
"أن محمدًا خاتم النبيين" في الوجود، فإن قيل: الحديث يفيد، سبق العرش على التقدير، وعلى كتابة محمد خاتم النبيين فيشكل بأن نوره ﷺ خلق قبل العرش وغيره. أجاب شيخنا بجواز أن نوره خلق قبل العرش وكتابته لذلك، وإظهاره كان وقت التقدير وهو بعد خلق العرش وقبل خلق السماوات، انتهى.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الماء والعرش مبتدأ العالم لكونهما خلقا قبل كل شيء وعند أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة: قلت: يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، أنبئني عن أصل كل شيء، قال: "كل شيء خلق من الماء". وهذا يدل على أن الماء أصل لجميع المخلوقات ومادتها، وأنها كلها خلقت منه، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] قال في اللطائف: والقول بأن المراد النطفة التيстр. 60
وعن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ : "إني عند الله لخاتم النبيين" وإن آدم لمنجدل في طينته". رواه أحمد..........................
الحواشي
(١) بخلق منها الحيوانات بعيدة؛ لأن النطفة لا تسمى ماء مطلقًا بل مقيدًا نحو: من ماء دافق، وقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ، وأيضًا من الحيوانات ما يتولد من غير نطفة كدود الخل والفاكهة، فليس كل حيوان مخلوقًا من نطفة. فدل القرآن على أن كل ما يدب وكل ما فيه حياة من الماء، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] ، وقوله ﷺ : "وخلقت الملائكة من نور" لأن أصل النور والنار الماء" ولا يستنكر خلق النار من الماء، فقد جمع الله بقدرته بين الماء والنار في الشجر الأخضر.
وذكر الطبائعيون أن الماء بانحداره يصير بخارًا والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارًا. وزعم مقاتل: أن الماء خلق من النور، وهو مردود بحديث أبي هريرة المتقدم وبغيره، انتهى. ملخصًا، وذكر نحوه المؤلف في الإرشاد.
"وعن العرباض" بكسر العين وسكون الراء بعدها موحدة فألف فمعجمة "ابن سارية" السلمي، قديم الإسلام جدًا من البكائين ومن أهل الصفة، ونزل حمص، وروى عنه خالد بن معدان وأبو أمامة الباهلي وخلق، مات سنة خمس وسبعين، وقيل قبلها زمن فتنة ابن الزبير ﵃.
"عن النبي ﷺ " أنه "قال: "إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم" قال الطيبي: الواو وما بعدها في محل نصب على الحال من المكتوب، والمراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبًا في أم الكتاب في ذلك الحال، قبل نفخ الروح في آدم لا أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين، انتهى. وبه اندفع ما يرد أن هذا ينافي رواية مسلم بخمسين ألف سنة المفيد سبق نبوته على جميع الموجودات. "لمنجدل" بضم الميم وسكون النون مطاوع جدله مخففًا، نائبًا عن جدله مشددًا، أي: ألقاه على الجدالة وهي الأرض الصلبة لا مطاوع جدل مخففًا لفساد المعنى، إذ معناه أخذه من الجدالة وليس بمراد هنا، أشار له الطيبي قائلا: "في طينته" خبر ثان؛ لأن لا متعلق بمنجدل، والألزم أن دم مظروف في طينته مع أنه ظرف له وهو حاصل فيه، "رواه" الإمام "أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغداي أحد كبار الأئمة الحفاظ الطوافين الصابر على البلوي، الذي من الله به على الأمة، ولولاه لكفر الناس في المحنة ذو المناقب الشهيرة. وحسبك قول الشافعي شيخه: خرجت من بغداد فأخلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه.
وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته. ولد سنة أربع وستين ومائة ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.стр. 61
والبيهقي، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وقوله ﵊ لمنجدل، يعني: طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.
وعن ميسرة الضبي...................................
الحواشي
(١) قال ابن خلكان: وحزر من حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستون ألفًا، وأسلم يوم موته عشرون ألفًا من اليهود والنصارى والمجوس، انتهى. وفي تهذيب النووي: أمر المتوكل أن يقاس الموضع الذي وقف الناس للصلاة فيه على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة، ووقع المأتم في أربعة أصناف من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس.
"والبيهقي" نسبة إلى بيهق قرية بناحية نيسابور، أحمد بن الحسين الإمام الحافظ المشهور بالفصاحة والبراعة سمع الحاكم وغيره، وتصانيفه نحو ألف.
قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست كبيرة بل بورك له في مروياته وحسن تصرفه فيها، لحذفه وخبرته بالأبواب والرجال، وأفتى بجميع نصوص الشافعي، وخرج أحاديثها، حتى قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فله على الشافعي منة. ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
"والحاكم" الإمام الحافظ الكبير محمد بن عبد الله الضبي، أبو عبد الله النيسابوري الثقة الثبت المجمع على صدقه، ومعرفته بالحديث حق معرفته، أكثر الرحلة والسماع حتى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ وفي غيرها أكثر، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وتصانيفه نحو خمسمائة، قال الذهبي، أو ألف قاله عبد الغافر الفارسي، وقال غيرهما ألف وخسمائة، وعنه شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
"وقال" الحاكم فيه "صحيح الإسناد" ورواه ابن حبان في صحيحه أيضًا، "وقوله ﷺ : "لمنجدل" يعني طريحًا ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه" لا مأخوذ من الأرض كما قد بادر من بقاء منجدل على أصله، كما مر. "وعن ميسرة" بفتح الميم وسكون التحتية، "الضبي" كذا في النسخ، والذي في العيون والإصابة والسبل كالنور، والمقاصد عن مسند أحمد ميسرة الفجر بفتح الفاء وسكون الجيم، جزم به في السبل، وقاله في النور كذا ضبط في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالقلم، لكن بهامشه بخط ابن الأمين الفجر بفتح الجيم، قيده البخاري في التاريخ وهو العطاء، وفي الصحاح الفجر بالفتح: الكرم.
قال الذهبي: صحابي من أعراب البصرة, وزعم ابن الفرض أن ميسرة لقبه واسمه عبد الله بن أبي الجدعاء، والذي أفاده صنيع الحسيني أنه غيره وهو الظاهر، انتهى. فيحتمل أنهстр. 62
قال: قلت يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". هذا لفظ رواية الإمام أحمد. ورواه البخاري في تاريخه وأبو نعيم في الحلية، وصححه الحاكم.
الحواشي
(١) ضبي ويلقب بالفجر فعدل المصنف عما في المسند لبيان نسبته.
وقول الشارح ينافيه قول الإصابة أنه تميمي، وما ذكر في اللب: أن ضبة في تميم فيه أنه لم يذكر أن ميسرة تميمي إنما قاله في ابن أبي الجدعاء، وذكر في ميسرة ما يفيد أنهما اثنان؛ لأنه ترجم به ثم قال: وقيل إنه ابن أبي الجدعاء الماضي فحكاه مقابلا أو أنه ضبي خلفًا، ونحو ذلك.
"قال: قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد" فإن ورد أن حقيقة آدم هذا الهيكل المخلوق من طين المنفوخ فيه الروح، فمجموعهما هو آدم فما معنى البينية؟ أجيب بأنه مجاز عما قبل تمام خلقه قريبًا منه، كما يقال: فلان بين الصحة والمرض، أي: في حالة تقرب منهما، وقال في النسيم: الظاهر أنه ظرف زمان بمعنى أن نبوته محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وخلق جسده حيث نبأه في عالم الأرواح، وأطلعها على ذلك، وأمرها بمعرفة نبوته والإقرار بها, وهذا المعنى يفيده قوله بين الماء والطين، أي: بعد خلق عناصره غير مركبة ولا منفوخ فيها الروح، فهو بمعنى الحديث الذي صححوه فتكون رواية بالمعنى إذا لم يثبت بهذا اللفظ، وهذا مما لم يحم أحد حول حماه، انتهى.
"هذا لفظ رواية الإمام أحمد" في المسند من طريق بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر وأخرجه من وجه آخر بلفظ متى جعلت، "ورواه البخاري" إمام الفن محمد بن إسماعيل الجعفي مناقبه كالشمس، "في تاريخه" الكبير صنفه وعمره ثمان عشرة سنة عند قبره ﷺ ، قال ابن عقدة: لو كتب الرجل ثلاثين ألفًا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وال السبكي: تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى، فعيال عليه.
"وأبو نعيم" بالتصغير أحمد بن عبد الله الأصفهاني الحافظ المكثر، أخذ عن الطبراني وغيره وعنه الخطيب وغيره، مات بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمائة عن أربع وتسعين سنة، ذكره الذهبي "في الحلية" أي: في كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، قالوا: لما صنفه بيع في حياته بأربعمائة دينار, ورواه البغوي وابن السكن وغيرهم كلهم من هذا الوجه.
"وصححه الحاكم" وفي الإصابة سنده قوي، لكن اختلف فيه على بديل بن ميسرة، فرواه منصور بن سعد عنه هكذا، وخالفه حماد بن زيد فرواه عن بديل عن عبد الله بن شقيق، قال: قيل: يا رسول الله! ولم يذكر ميسرة، وكذا رواه حماد عن والده وعن خالد الحذاء كلاهما عنстр. 63
وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين. فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة": لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى.
وقال العلامة الحافظ ابن رجب، في اللطائف: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيًا................
الحواشي
(١) عبد الله بن شقيق، أخرجه البغوي، وكذا رواه حماد بن سلمة عن خالد عن عبد الله بن شفيق، عن رجل، قال: قلت: يا رسول الله! وأخرجه من هذا الوجه أحمد وسنده صحيح، انتهى. قلت: هذا اختلاف لا يقدح في الحديث؛ لأن راويه حماد بن زيد وموافقيه المرسلة غير قادحة في رواية من وصله لصحة الإسناد، وقد تابع منصورًا على وصله عن بديل إبراهيم بن طهمان أخرجه ابن نجيد، وهي متابعة تامة، وتابعه أيضا في شيخه خالد الحذاء عند أحمد، ورواية ابن سلمة غاية ما فيها إبهام الصحابي، ولا ضير فيه لعدالة جميعهم، واستظهر البرهان في النور أنه ميسرة، قائلا: لم يذكره الحسيني في مبهمات المسند.
"وأما ما اشتهر على الألسنة" ألسنة من لا خبرة له بالحديث من أنه مروي "بلفظ: "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين" فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي" نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر على غير قياس، "في كتابه المقاصد الحسنة" في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة "لم نقف عليه بهذا اللفظ، انتهى" ما نقله من كلام شيخه وبقيته فضلا عن زيادة: "وكنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين". وقد قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- في بعض الأجوبة عن الزيادة أنها ضعيفة والذي قبلها قوي، انتهى. ولعله أراد بالمعنى، وإلا فقد صرح السيوطي في الدرر بأنه لا أصل لهما، والثاني من زيادة العوام وسبقه لذلك الحافظ ابن تيمية فأفتى ببطلان اللفظين وأنهما كذب وأقره في النور.
والسخاوي نفسه في فتاويه أجاب باعتماد كلام ابن تيمية في وضع اللفظين، قائلا: ونهايك به اطلاعًا وحظًا، أقر له بذلك المخالف والموافق، قال: وكيف لا يعتمد كلامه في مثل هذا وقد قال فيه الحافظ الذهبي: ما رأيت أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة، انتهى.
"وقال العلامة الحافظ" زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، "بن رجب" الحنبلي الواعظ المحدث الفقيه البغدادي ثم الدمشقي، أكثر الاشتغال حتى مهر وشرح الترمذي والعلل له وقطعة من البخاري وله طبقات الحنابلة، مات في رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
"في اللطائف وبعضهم يرويه" أي: حديث ميسرة "متى كتبت نبيًا؟ " أي: متى كتبتстр. 64
من الكتابة، انتهى.
قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو، إسماعيل بن نجيد، ولفظه: متى كتبت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها، فإن الكتابة تستعمل فيما هو واجب، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] و ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١] .
وعن أبي هريرة..............................................
الحواشي
(١) نبوتك؟ أي: ثبتت وحصلت "من الكتابة" لا من الكون، "انتهى. قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو" بفتح العين وزيادة واو كما في النور، "وإسماعيل بن نجيد" بضم النون وفتح الجيم فتحتية ساكنة فدال مهملة، ابن أحمد بن يوسف النيسابوري السلمي أحد الأئمة، الفصيح البارع الصوفي الشافعي، حدث عن محمد بن أيوب الرازي وأبي مسلم الكجي والإمام أحمد وغيرهم، وصحب من أئمة الحقائق الجنيد والخيري، حدث عنه خلق منهم سبطه أبو عبد الرحمن السلمي والحاكم والقشيري، ومات سنة ست وستين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة، "ولفظه" يعني بإسناده إلى ميسرة، وهو: حدثنا محمد بن أيوب الرازي، أنبأنا أبو محمد بن سنان العوقي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر، قال: قلت: يا رسول الله! "متى كنت نبيًا؟ قال: "كتبت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". كذا ساقه على أنه من الكتابة، والمذكور في العيون عنه: متى كنت، قال: "كنت من الكون كالأول لا الكتابة".
وهو الذي وقع لنا في جزء ابن نجيد، وهو ستة وخمسون حديثًا بخط جرامرد التركي الناصري الحنفي تلميذ السيوطي وعليه خط السيوطي ولكن مثل هذا لا يرد على المصنف؛ لأن روايته هو وقعت، كما قال: ألم تر قوله رويناه، "فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض على وجوب نبوته وثبوتها" عطف تفسير وعلل الحمل بقوله: "فإن الكتابة تسعمل فيما هو واجب" أما شرعًا؛ كما "قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٢] ، وإما تقديرًا؛ كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: ٢١] أي: قدر.
"وعن أبي هريرة" تصغير هرة، قيل كناه بها المصطفى لأنه رآه وفي كمه هرة، وقيل المكنى له غيره، قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم في الجاهلية والاسم مثل ما اختلف في اسمه على عشرين قولا، وسرد ابن الجوزي في التلقيح منها ثمانية عشر، وقال النووي: تبلغ أكثرстр. 65
أنهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوة قال: "وآدم بين الروح والجسد". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
ورويناه في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني، قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي، كيف صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق من بني آدم من.................
الحواشي
(١) من ثلاثين، قال الحافظ في الفتح: وقد جمعتها في تهذيب التهذيب فلم تبلغ ذلك، فيحمل كلامه على الخلاف في اسمه واسم أبيه معًا، انتهى.
واختلف في أرجحها فذهب جمع إلى أنه عمرو بن عامر، وذهب كثيرون وصححه النووي إلى أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أسلم عام خيبر وشهد بعضها مع المصطفى ثم لزمه وواظبه حتى كان أحفظ أصحابه وأكثر المكثرين. ذكر بقي بن مخلد أنه روى عنه ﷺ خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا، وتوفي بالمدينة سنة تسع أو ثمان أو سبع وخمسين، وأمه اسمها ميمونة، قال الطبراني، وقال أبو موسى المديني: أميمة، وقال ابن قتيبة في المعارف: أميمة بنت صفيح بن الحارث بن دوس أسلمت، فدعا لها المصطفى، وحديث إسلامها مشهور.
"إنهم قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ " أي: حصلت وثبتت "قال: "وآدم بين الروح والجسد". أي: وجبت في هذه الحالة فعامل الحال وصاحبها محذوفان، قال الطيبي "رواه الترمذي" بكسر التاء والميم وضمهما وبفتح التاء وكسر الميم، أبو عيسى محمد بن عيسى أحد أوعية العلم والحفاظ الكبار، كان يضرب به المثل في الحفظ, أخذ عن البخاري وشاركه في شيوخه، بل قال ابن عساكر: كتب عنه البخاري وحسبه بذلك فخرا، مات سنة تسع وثمانين ومائتين. "وقال: حديث حسن وروينا في جزء من أمالي أبي سهل القطان عن سهل بن صالح الهمداني"، بفتح الهاء وسكون الميم وفتح الدال المهملة، نسبة إلى همدان شعب بن قحطان، قال في التبصير: منها الصحابة والتابعون وتابعوهم.
"قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي" بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالباقر، قال النووي: لأنه بقر العلم، أي: شقه. فعرف أصله وخفيه، ولد سنة ست وخمسين، وروى عنه خلق كالزهري وعمرو بن دينار، وكان سيد بني هاشم في زمانه علمًا وفضلا وسؤددًا ونبلا، قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان عشرة ومائة. "كيف صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث، قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق" في عالم الذر "من بني آدم منстр. 66
ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ كان محمد ﷺ أول من قال: بلى، ولذلك صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء، وهو آخر من بعث.
فإن قلت: إن النبوة وصف ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا، وإنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة.................................
الحواشي
(١) ظهورهم" بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار "ذرياتهم" بأن أخرج بعضهم من صلب بعض من صلب آدم نسلا بعد نسل؛ كنحو ما يتوالدون كالذر بنعمان بفتح النون يوم عرفة، ونصب لهم دلائل على ربوبيته، وركب فيهم عقلا، والأخبار والآثار شاهد بهذا فتعسف من جعل الآية للتمثيل: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ، قالوا: بلى "كان محمد ﷺ أول من قال: بلى" أنت ربنا "ولذلك صار محمد ﷺ يتقدم الأنبياء وهو آخر من بعث".
وأورد على قوله وآدم بين الروح والجسد، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر يقوم بالمحل وهو كونه موحى إليه بأمر يعمل به، فالمراد بالوصف الأثر، وهو في الأصل مصدر، "ولا بد أن يكون الموصوف به موجودًا وإنما يكون" الوصف بالنبوة "بعد بلوغ" الموصوف بها "أربعين سنة" إذ هو سن الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعسى هو الصحيح, ففي زاد المعاد ما يذكر أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه. قال الشامي: وهو كما قال فإن ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة.
أخرج الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، عن عائشة أنه ﷺ ، قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة: "إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين". انتهى ملخصًا.
وروى أبو يعلى عن فاطمة مرفوعًا، أن عيسى ابن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة، فهذا مما يؤيد ذاك ولا يرد عليه قوله تعالى في حق عيسى: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ، لأن معناه جعلني مباركًا، نفاعًا للخير، والتعبير بلفظ الماضي باعتبار ما سبق في قضائه، أو لجعل المحقق وقوعه كالواقع. ولا قوله في يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ، لأن معناه الحكمة وفهم التوراة، ومن فسره بالنبوية فهو مجاز لأنه لظهور آثارها كأنه أوتيها، ولا ما في تهذيب النووي وعرائس الثعلبي أن صالحًا بعثه الله إلى قومه وهو شاب، وأقام فيهم عشرين سنة، وتوفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، لجواز أنه على التقريب بإسقاط عامي الولادة والموت، فلا ينافي أنه أرسل على رأس الأربعين، وكونه في ذلك السن، لا ينافي إطلاق الشاب عليه، كماстр. 67
مهمة أيضًا، فكيف يوصف به قبل وجوده وإرساله؟
الحواشي
(١) أطلق أنس لفظ الشاب على المصطفى في حديث الهجرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وقد روى ابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رفعه: "ما بعث الله نبيًا إلا شابًا".
مهمة:
وقع للحافظ الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلى، وشرح النقابة وغيرهما من كتبه الجزم، بأن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين، ويمكث بعد نزوله سبع سنين، وما زلت أتعجب منه مع مزيد حفظه وإتقانه وجمعه للمعقول والمنقول، حتى رأيته في مرقاة الصعود رجع عن ذلك.
فقال في شرح حديث: فيمكث في الأرض أربعين سنة، قال ابن كثير يشكل عليه ما في مسلم أنه يمكث سبع سنين إلا أن يحمل على إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مكثه قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره حينئذ ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور. قلت: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور، هكذا في هذا الحديث: أن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة.
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصة الدجال: فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يلبث الناس بعده سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يمكن مخالفًا للأول، انتهى. فترجح عندي هذا التأويل لوجوه أحدها. إن حديث مسلم ليس نصًا في الإخبار عن مدة لبث عيسى وذلك نص فيها، والثاني: أن ثم تؤيد هذا التأويل لأنها للتراخي. والثالث: قوله يلبث الناس بعده فيتجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له. وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث من طرق مختلفة منها هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وهو صحيح.
ومنها ما أخرجه الطبران عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة"، ومنها ما أخرجه أحمد في الزهد عن أبي هريرة، قال: "يلبث عيسى ابن مريم في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلا لسالت"، ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجال: "فينزل عيسى ابن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلا وحكمًا مقسطًا". ورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني، فهذه الأحاديث الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى.
"أيضًا" أي: كما أنه لا بد للنبوة من محل تقوم به والمتعاطفات هنا اتفقا في الاشتراط فصح لفظ أيضًا، "فكيف يوصف به"، أي: بوصف النبوة "قبل وجوده" ﷺ في الخارج "وإرساله؟ " فيстр. 68
أجاب العلامة الغزالي ﵀ في كتابه "النفخ والتسوية" عن هذا، وعن قوله: كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا: بأن المراد بـ"الخلق" هنا: التقدير دون الإيجاد..............
الحواشي
(١) ذكره مع أن فرض السؤال في النبوة إشعار بأنهما متقاربان وهو الصحيح، وقيل: نبوته سابقة على إرساله.
"أجاب": كذا في نسخ بلا فاء، وفي أخرى بها, والأولى أولى إذ الفعل هنا ماض متصرف، وليس مما تدخل عليه الفاء، فإنها تدخل في سبعة مواضع جمعها القائل:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقد اشتهر أن ذا البيت للفقيه العلامة الأجهوري، وله عزاه شيخنا لكنه قال لنا في قراءة المعنى أنه رآه لأقدم منه، وهو كما قال فقد ذكره الشيخ عمر بن نجيم الحنفي في شرح الكنز في باب تعليق الطلاق، فقال: جواب الشرط يجب اقترانه بالفاء، حيث لم يصلح جعله شرطًا، وذلك في مواضع جمعت في قوله طلبية واسمية ... إلخ. فلعله من توافق الخاطر "العلامة" أبو حامد حجة الإسلام محمد بن محمد "الغزالي" بفتح الغين المعجمة وشدة الزاي على المشهور، كما قال ابن الأثير وفي التبيان عن الغزالي أنه أنكر التشديد، وقال: إنما أنا بالتخفيف، نسبة إلى غزالة من قرى طوس.
وفي المصباح عن بعض ذريته أخطأ الناس في تشديد جدنا، لكن قال ابن الأثير أنه خلاف المشهور، قال: وأظن أنه نسبة إلى الغزالي على عادة أهل جرجان وخوارزم كالعصاري إلى العصار. قال: وحكى لي بعض من ينسب إليه من أهل طوس، أنه منسوب إلى غزالة بنت كعب الأحبار، انتهى. وفي طبقات السبكي كان والده يغزل الصوف ويبيعه بدكان بطوس. "﵀" ذكر له الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة منها هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصل إلى رضا الرحمن يتقرب به إلى الله تعالى كل صديق ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق. قد انفرد في ذلك العصر الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه لإنسان، انتهى. وله كتب نافعة مفيدة خصوصًا الإحياء فلا يستغنى عنه طالب الآخرة، مات بطوس سنة خمس وخمسمائة. "في كتابه النفخ والتسوية عن هذا"، المتقدم وهو وقوله: كنت نبيًا وآدم ... إلخ.
"وعن قوله" ﷺ " "كنت أول الأنبياء خلقًا وآخرهم بعثًا"" , رواه بهذا اللفظ ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو إسحاق الجوذقاني, في تاريخه عن أبي هريرة، رفعه بلفظ، كنت، وما يقع في نسخ بلفظ أنا فتحريف أو رواية بالمعنى، "بأن المراد بالخلق هنا التقدير دون الإيجاد" إذ هوстр. 69
فإن قيل إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير لاحقة في الوجود".
قال: وهو معنى قولهم: "أول الفكرة آخر العمل، أول الفكرة" وبيانه: أن المهندس المقدر للدار، أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دار كاملة، وآخرة ما يوجد من أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرًا، وآخرها وجودًا، لأن ما قبلها من ضرب اللبنات وبناء الحيطان، وتركيب الجذوع، وسيلة إلى غاية وكمال وهي الدار الكاملة، فالغاية هي الدار ولأجلها تقوم الآلات والأعمال.
ثم قال: وأما قوله ﵊: كنت نبيًا فإشارة إلى ما...................
الحواشي
(١) خلاف الواقع، "فإن قيل: إن ولدته أمه لم يكن موجودًا مخلوقًا، ولكن الغايات والكمالات سابقة في التقدير، لاحقة في الوجود. قال: وهو معنى قولهم" أي: المتقدمين، "أول الفكرة آخر العمل أول الفكرة"، كذا في النسخ الفكرة بالهاء في الموضعين، والمذكور في كتاب الغزالي المزبور بدون هاء فيهما، ونظمه القائل:
نعم ما قال زمرة الدول ... أول الفكر آخر العمل
"وبيانه" أي: إيضاح قولهم المذكور، "أن المهندس" قال الجوهري: المهندز الذي يقدر مجاري القنا والأبنية، والعرب صيروا زايه سينا، فقالوا مهندس في كلام العرب زاي قبلها دال، وفي القاموس: هندوس الأمر بالضم العالم به، جمعه هنادسة، والمهندس مقدر مجاري القنا حين تحفر، والاسم الهندسة مشتق من الهنداز معرب اندازه، فأبدلت الزاي لأنهم ليس لهم دال بعده زاي، انتهى. "المقدر للدار أول ما يمثل في نفسه صورة الدار، فيحصل في تقديره دارًا كاملة وآخرة" وزان قصبة كما في المصباح وغيره، وحكى في القاموس ضم أوله، أي: آخر "ما يوجد في أعماله هي الدار الكاملة، فالدار الكاملة هي أول الأشياء في حقه تقديرا وآخرها وجودًا؛ لأن ما قبلها من ضرب اللبنات" بكسر الموحدة جمع لبنة بالكسر وتسكن للتخفيف ما يعمل من الطين ويبنى به، "وبناء الحيطان" جمع حائط الجدار، قال القاموس: والقياس حوطان، "وتركيب الجذوع" جمع جذع، وهو ساق النخلة "وسيلة إلى غاية" أي: نهاية، "وكمال" عطف تفسير، "وهي الدار الكاملة فالغاية هي الدار، ولأجلها تقوم" بضم الفوقية وفتح القاف والواو المشددة، أي: توجد "الآلات والأعمال ثم قال" الغزالي بعد كلام وأما قوله ﵊: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد" "فإشارة" أي: فهو إشارة "إلى ماстр. 70
ذكرناه، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه آدم ﵊، لأنه لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد ﷺ ويستصفى تدريجًا إلى أن يبلغ كمال الصفات".
"قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا في ذهن المهندس ودماغه، والوجود الثاني أنه ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان، والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة. كذلك فاعلم أن الله تعالى يقدر ثم يوجد على وفق التقدير ثانيًا"، انتهى.
الحواشي
(١) ذكرنا، وأنه كان نبيًا في التقدير قبل تمام خلقه" بكسر فسكون "آدم ﵊، لأنه" أي: الحال والشأن "لم ينشأ خلق آدم إلا لينتزع من ذريته محمد ﷺ " وقد قال الله تعالى لآدم: لولاه ما خلقتك، "ويستصفى" أي: يستخلص من الكدورات كإخراج العلقة وشق الصدر، "تدريجًا" أي: شيئًا فشيئًا، "إلى أن يبلغ كمال الصفات" من إضافة الصفة للموصوف، أي: الصفات الكاملة أو بمعنى الكامل من الصفات وهو أعلاها، وهذا على ما في النسخ الصفات بالتاء والذي في كتاب الغزالي المذكور الصفا بلا تاء.
"قال: ولا تفهم هذه الحقيقة إلا بأن يعلم أن للدار وجودين: وجودًا" بالنصب بدل مفصل من مجمل "في ذهن المهندس ودماغه" عطف تفسير لبيان محله عند الحكماء إذ الذهن القوي المدركة الباطنة، وهي حاصلة في مقدم الدماغ، وذكره لبيان تصويره في حد ذاته، فلا ينافي أن الغزالي كغيره من أهل السنة لا يقول به.
"والوجود الثاني: أنه" أي: المهندس "ينظر إلى صورة الدار خارج الذهن في الأعيان والوجود الذهني سبب الوجود الخارج للعين، فهو سابق لا محالة" بفتح الميم، أي: لا بد كما في المختار "كذلك" مبتدأ حذف خبره، أي: كهذين الوجودين فعل الله وتصرفه في خلقه؛ كما أشار إليه بقوله "فاعلم" وهذا جواب شرط مقدر نشأ من قوله وكذلك، أي وإذا أردت معرفة ذلك في حقه تعالى وفيه إشارة إلى استحالة الوجود الذهني في حقه تعالى وأن الشبيه إنما هو من حيث سبق التقدم ثم الإيجاد فقط، "إن الله تعالى يقدر" الأشباء قبل إيجادها، "ثم يوجد" ذلك الذي قدره "على وفق التقدير ثانيًا، انتهى".
واقتصر على هذين الوجودين؛ لأنهما الصالحان في مادة جوابه، وإلا فللشيء من حيث هو وجودان آخران: وجود في الكتابة ووجود في العبارة. صرح به الجعبري مقدمًا العيني على الذهني، نظرًا إلى الإخبار بالشيء بعد تحصيله وتعقله عند المخبر بالكسر، والغزالي قدم الذهنيстр. 71
وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي: "إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: كنت نبيًا إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من حين خلق آدم..................
الحواشي
(١) نظرًا إلى صورة تحصيل الشيء في نفسه، وللقرافي في شرح تنقيحه قال الغزالي المختار: عندي أن للشيء في الوجود أربع مراتب حقيقية في نفسه، وثبوت مثاله في الذهن. ويعبر عنه بالعلم التصوري، الثالثة تأليف أصوات بحروف تدل عليه، الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهي الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم، فهذه الأربعة متطابقة متوازنة إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم واللفظ والكتابة، مختلفان فيهما لوضعهما بالاختيار.
"وهو" أي: ما قاله الغزالي، "متعقب" أي: مردود "بقول الشيخ" الإمام العلامة أبي الحسن علي بن عبد الكافي الملقب "تقي الدين السبكي" الفقيه الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الجدلي الخلافي، النظار شيخ الإسلام، بقية المجتهدين. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة، وتوفي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة "إنه جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد" وإذا كان كذلك "فقد تكون الإشارة بقوله" ﷺ : "كنت نبيًا لى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق" فيكون لنبوته محل قامت به.
وهذا جواب قول السائل لا بد للوصف من محل يقوم به، وترك جواب أنها إنما تكون بعد الأربعين. وأجاب شيخنا بجواز أن محله في النبوة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا ينافي أن إفاضة النبوة على الروح ووصفها به حقيقة لعدم اشتراط المحل الذي تقوم به النبوة خارجًا عن هذا.
قال: وقد يؤخذ ذلك من إقصاره على إفاضة النبوة على روحه، إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد في الأعيان، فضلا عن بلوغ أربعين، ولما استشعر سؤال: ما تلك الحقائق؟ قال مجيبًا: "والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي" يدرك ما يخفي من لم يمده، "ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من حين خلق آدم", أي: من وقتстр. 72
آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده.
فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، وإنما يتأخر البعث والتبليغ.... ...................
الحواشي
(١) ابتدائه وقبل تمامه، "آتاها الله" بالمد أعطاها "ذلك الوصف" وصور الإعطاء بقوله: "بأن يكون خلقها متهيئة لذلك" أي: لقبول النبوة، "وأفاضه" أي: ذلك الوصف "عليها من ذلك الوقت" فحقيقته سابقة على خلق آدم وحصول النبوة عند خلقه, وفي اللطائف والسبل: وهذه، أي: الصفة التي هي النبوة الثابتة، مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي.
قال شيخنا: فأفاد أن نبوته مقدره في العلم أولا، ثم تعلق بها الكتابة، ثم تعلق بها الإبراز والإيجاد للملائكة في الوجود العيني, وقضية ما مر من إبراز حقيقته قبل سائر الموجودات، أن المراتب أربع تعلق العلم بأنه يصير نبيًا، ثم خلق نوره، ثم كتب في أم الكتاب، ثم إظهاره الملائكة، وقد يشعر بهذا قوله: وهي انتقاله ... إلخ.
"فصار" ﵇، أي: حقيقته أو روحه "نبيًا وكتب" الله تعالى "اسمه" ﵇، "على العرش وأخبر" الله "عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم" من العالم الموجود حينئذ، أو الذي سيوجد من بني آدم "كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده الشريف" أي: إيجاده "المتصف بها" وقوله: "واتصاف حقيقته" مبتدأ "بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه" صفتان للأوصاف، "من الحضرة الإلهية" متعلقة بمفاضة بلا ريب وجعله خبر اتصاف يمجه السمع ويأباه الطبع، فليس القصد الإخبار بأن اتصافه كائن من الحضرة، بل حصوله من ذلك الوقت وإنما سقط خبر المبتدأ من قلم المصنف سهوًا.
وهو ثابت في كلام السبكي الناقل عنه لمصنف، ولفظه واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، حاصل من ذلك الوقت؛ "وإنما يتأخر البعث والتبليغ" فلا حاجة أيضًا لجعل اتصاف عطفًا على جسده، أي: تأخر اتصافه بالأوصاف في الوجود العيني لجسده وأنه أقرب، بل هو تعسف أيضًا يأباه قوله بعد وإنما المتأخر تكونه وتنقله ويبعده الحصر في قوله: إنما يتأخر ... إلخ. يصير معناه عسرًا، ولكن قد علمت أن منشأ هذا التحمل سقوط الخير، وأنه موجود في كلام من عزا إليه، فلا معدل عنه وبه استقام الكلام، بلا تعسف.стр. 73
وكل ما له من جهة الله ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه, وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ﷺ .
وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت, ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له السلام خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي ﷺ لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى.
الحواشي
(١) "وكل ما له من جهة الله، ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته، معجل لا تأخر فيه" جملة خبرية كالمفسرة لما قبلها؛ كقوله: "وكذلك استنباؤه", أي: جعله نبيًا، فالسين للتوكيد لا للطلب. "وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة" متقدم على ذاته، "وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ﷺ ، وقد علم من هذا" الخبر الذي هو أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، "أن من فسره" أي: الكون نبيًا وآدم بين الروح والجسد، كالغزالي.
"بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت، ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم" أي: علم الله، "بما سيصير في المستقبل".
"لم يكن له" عليه "السلام خصوصية" بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح، كذا في المختار كأصله الصحاح، وفي المصباح والفتح: لغة، وكذا أفاده القاموس بقوله: وتفتح "بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء، يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية" أمر ثابت "للنبي ﷺ " دون غيره؛ "لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى".
إلى هنا كلام السبكي بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سماها التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه، وفهمه المصنف ردًا على الغزالي بقوله وهو متعقب، وفيه أنه إنما عبر بالتقدير وهو مرتبة غير العلم، فيجوز أنه أمر اختص به قبل خلق آدم، دون بقية الأنبياء فلا يتم رده به, ويحتمل أن مراد السبكي الرد على غير الغزالي، وهو ظاهر قوله. ومن فسر دون منстр. 74
وعن الشعبي قال رجل: يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ مني الميثاق". رواه ابن سعد من رواية جابر الجعفي فيما ذكره ابن رجب.
فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينًا استخرج منه محمد ﷺ .........
الحواشي
(١) قدر، وفي نسيم الرياض قد يقال من فسره بالعلم مراده علم أظهره الله لغيره من الملائكة والأرواح، تشريفًا له وتعظيمًا، وكونه إشارة إلى حقيقته إن أراد به روحه، رجع إلى ما قبله وإن أراد غيره، فلا يعقل عند من خلع ربقة التقليد من جيده، انتهى.
"وعن الشعبي" بفتح المعجمة وسكون المهملة، فموحدة، نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم كما في الكواكب، وصدر به في اللب, وقال ابن الأثير: بطن من حمير عامر بن شراحيل الكوفي، أبي عمرو التابعي الوسط، ولد لست مضين من خلافة عمر على المشهور، وروي عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مر به ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها مني قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وابن عيينة كان أكبر الناس في زمانه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر ومائة.
"قال رجل" يحتمل أنه عمر: "يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق" ", وعند أبي نعيم عن الصنابحي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول الله، متى جعلت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، "رواه" أبو عبد الله محمد "بن سعد" بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري كاتب الواقدي روى عنه كثيرًا، وعن هشيم وابن عيينة وابن علية وطبقتهم، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية، وصنف الطبقات الكبير والصغير والتاريخ.
قال أبو حاتم وغيره: صدوق مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين عن اثنتين وستين سنة, "من رواية جابر" بن يزيد بن الحارث "الجعفي" بضم الجيم وسكون العين، أي عبد الله الكوفي، عن الشعبي وأبي الطفيل، وعنه شعبة والسفيانان ضعيف شيعي تركه الحفاظ ووثقه شعبة، فشذ, قال أبو داود: ليس له في كتابي حديث سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
"فيما ذكره ابن رجب" الحافظ عبد الرحمن، "فهذا" أي: مرسل الشعبي على ضعفه المعتضد بحديث عمر السابق، "يدل على أنه من حين صور آدم طينًا، استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلمстр. 75
ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقًا.
لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتًا لا روح فيه، ومحمد ﷺ كان حيًا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا.
فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم ﵊.
أجاب بعضهم: بأنه ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح, فإن محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته وواسطة
الحواشي
(١) ونبئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه، فهو أولهم خلقًا لا يقال يلزم" على ما تقدم "خلق آدم قبله" لأنه استخرج من طينته فينا في خبر كنت أول الأنبياء خلقًا, "لأن آدم" تعليل لنفي القول لا للقول المنفي، فهو نفس الجواب.
"كان حينئذ"، أي: حين نبئ النبي وأخذ منه الميثاق، "مواتًا" بفتح الميم" "لا روح فيه" صفة كاشفة، ففي الصحاح: الموات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه. "ومحمد ﷺ كان حيًا حين استخرج" من طينة آدم "ونبئ وأخذ منه ميثاقه، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا" كما قال: "فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه؛ كما دل عليه أكثر الأحاديث" وأقلها أنه استخراج قبل نفخ الروح. روي عن سلمان وغيره، قال في اللطائف: ويدل له ظاهر قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ، الآية على ما فسر به مجاهد وغيره، أن المراد إخراج ذرية آدم من ظهره، قبل أمر الملائكة بالسجود له، ويحتمل أن يدل له أيضًا قول آدم بين الروح والجسد جوابًا لمتى استنبئت.
"والذي تقرر هنا أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم ﵊"، هذه خصوصية للمصطفى؟ أم مبني على خلاف ما دل عليه أكثر الأحاديث؟ "أجاب بعضهم بأنه ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه، فإن محمدًا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنساني"، إذ لولاه ما خلق. "وهو عينه وخلاصتهследующие страницы →