Полный текст (5 943 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وهو متعقب بقول الشيخ تقي الدين السبكي: "إنه قد جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله: كنت نبيًا إلى روحه الشريفة، أو إلى حقيقة من الحقائق، والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها، وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من حين خلق آدم..................
الحواشي
(١) نظرًا إلى صورة تحصيل الشيء في نفسه، وللقرافي في شرح تنقيحه قال الغزالي المختار: عندي أن للشيء في الوجود أربع مراتب حقيقية في نفسه، وثبوت مثاله في الذهن. ويعبر عنه بالعلم التصوري، الثالثة تأليف أصوات بحروف تدل عليه، الرابعة تأليف رقوم تدرك بحاسة البصر دالة على اللفظ، وهي الكتابة؛ فالكتابة تبع للفظ إذ تدل عليه، واللفظ تبع للعلم، والعلم تبع للمعلوم، فهذه الأربعة متطابقة متوازنة إلا أن الأولين وجودان حقيقيان لا يختلفان في الأعصار والأمم واللفظ والكتابة، مختلفان فيهما لوضعهما بالاختيار.
"وهو" أي: ما قاله الغزالي، "متعقب" أي: مردود "بقول الشيخ" الإمام العلامة أبي الحسن علي بن عبد الكافي الملقب "تقي الدين السبكي" الفقيه الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الجدلي الخلافي، النظار شيخ الإسلام، بقية المجتهدين. ولد بسبك من أعمال المنوفية في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبرع في العلوم، وانتهت إليه الرئاسة بمصر، وصنف تصانيف عديدة، وتوفي بجزيرة الفيل على شاطئ النيل يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة "إنه جاء أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد" وإذا كان كذلك "فقد تكون الإشارة بقوله" ﷺ : "كنت نبيًا لى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق" فيكون لنبوته محل قامت به.
وهذا جواب قول السائل لا بد للوصف من محل يقوم به، وترك جواب أنها إنما تكون بعد الأربعين. وأجاب شيخنا بجواز أن محله في النبوة المتعلقة بالجسد بعد ارتباط الروح به، فلا ينافي أن إفاضة النبوة على الروح ووصفها به حقيقة لعدم اشتراط المحل الذي تقوم به النبوة خارجًا عن هذا.
قال: وقد يؤخذ ذلك من إقصاره على إفاضة النبوة على روحه، إذ من لازم حصولها على الروح عدم اشتراط وجود الجسد في الأعيان، فضلا عن بلوغ أربعين، ولما استشعر سؤال: ما تلك الحقائق؟ قال مجيبًا: "والحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنما يعلمها خالقها ومن أمده الله بنور إلهي" يدرك ما يخفي من لم يمده، "ثم إن تلك الحقائق يؤتي الله كل حقيقة منها ما في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي ﷺ قد تكون من حين خلق آدم", أي: من وقتстр. 72
آتاها الله ذلك الوصف، بأن يكون خلقها متهيئة لذلك، وأفاضه عليها من ذلك الوقت، فصار نبيًا، وكتب اسمه على العرش، وأخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم كرامته عنده.
فحقيقته موجودة من ذلك الوقت وإن تأخر جسده الشريف المتصف بها، واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، وإنما يتأخر البعث والتبليغ.... ...................
الحواشي
(١) ابتدائه وقبل تمامه، "آتاها الله" بالمد أعطاها "ذلك الوصف" وصور الإعطاء بقوله: "بأن يكون خلقها متهيئة لذلك" أي: لقبول النبوة، "وأفاضه" أي: ذلك الوصف "عليها من ذلك الوقت" فحقيقته سابقة على خلق آدم وحصول النبوة عند خلقه, وفي اللطائف والسبل: وهذه، أي: الصفة التي هي النبوة الثابتة، مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي.
قال شيخنا: فأفاد أن نبوته مقدره في العلم أولا، ثم تعلق بها الكتابة، ثم تعلق بها الإبراز والإيجاد للملائكة في الوجود العيني, وقضية ما مر من إبراز حقيقته قبل سائر الموجودات، أن المراتب أربع تعلق العلم بأنه يصير نبيًا، ثم خلق نوره، ثم كتب في أم الكتاب، ثم إظهاره الملائكة، وقد يشعر بهذا قوله: وهي انتقاله ... إلخ.
"فصار" ﵇، أي: حقيقته أو روحه "نبيًا وكتب" الله تعالى "اسمه" ﵇، "على العرش وأخبر" الله "عنه بالرسالة ليعلم ملائكته وغيرهم" من العالم الموجود حينئذ، أو الذي سيوجد من بني آدم "كرامته عنده، فحقيقته موجودة من ذلك الوقت، وإن تأخر جسده الشريف" أي: إيجاده "المتصف بها" وقوله: "واتصاف حقيقته" مبتدأ "بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه" صفتان للأوصاف، "من الحضرة الإلهية" متعلقة بمفاضة بلا ريب وجعله خبر اتصاف يمجه السمع ويأباه الطبع، فليس القصد الإخبار بأن اتصافه كائن من الحضرة، بل حصوله من ذلك الوقت وإنما سقط خبر المبتدأ من قلم المصنف سهوًا.
وهو ثابت في كلام السبكي الناقل عنه لمصنف، ولفظه واتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المفاضة عليه من الحضرة الإلهية، حاصل من ذلك الوقت؛ "وإنما يتأخر البعث والتبليغ" فلا حاجة أيضًا لجعل اتصاف عطفًا على جسده، أي: تأخر اتصافه بالأوصاف في الوجود العيني لجسده وأنه أقرب، بل هو تعسف أيضًا يأباه قوله بعد وإنما المتأخر تكونه وتنقله ويبعده الحصر في قوله: إنما يتأخر ... إلخ. يصير معناه عسرًا، ولكن قد علمت أن منشأ هذا التحمل سقوط الخير، وأنه موجود في كلام من عزا إليه، فلا معدل عنه وبه استقام الكلام، بلا تعسف.стр. 73
وكل ما له من جهة الله ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته معجل لا تأخر فيه, وكذلك استنباؤه وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة، وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ﷺ .
وقد علم من هذا: أن من فسره بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى، لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت, ولو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير في المستقبل لم يكن له السلام خصوصية بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية للنبي ﷺ لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته ليعرفوا قدره عند الله تعالى.
الحواشي
(١) "وكل ما له من جهة الله، ومن جهة أهل ذاته الشريفة وحقيقته، معجل لا تأخر فيه" جملة خبرية كالمفسرة لما قبلها؛ كقوله: "وكذلك استنباؤه", أي: جعله نبيًا، فالسين للتوكيد لا للطلب. "وإيتاؤه الكتاب والحكم والنبوة" متقدم على ذاته، "وإنما المتأخر تكونه وتنقله إلى أن ظهر ﷺ ، وقد علم من هذا" الخبر الذي هو أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، "أن من فسره" أي: الكون نبيًا وآدم بين الروح والجسد، كالغزالي.
"بعلم الله بأنه سيصير نبيًا لم يصل إلى هذا المعنى؛ لأن علم الله محيط بجميع الأشياء، ووصف النبي ﷺ بالنبوة في ذلك الوقت، ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، ولو كان المراد بذلك مجرد العلم" أي: علم الله، "بما سيصير في المستقبل".
"لم يكن له" عليه "السلام خصوصية" بضم الخاء وفتحها، وهو أفصح، كذا في المختار كأصله الصحاح، وفي المصباح والفتح: لغة، وكذا أفاده القاموس بقوله: وتفتح "بأنه نبي وآدم بين الروح والجسد؛ لأن جميع الأنبياء، يعلم الله تعالى نبوتهم في ذلك الوقت وقبله، فلا بد من خصوصية" أمر ثابت "للنبي ﷺ " دون غيره؛ "لأجلها أخبر بهذا الخبر إعلامًا لأمته، ليعرفوا قدره عند الله تعالى".
إلى هنا كلام السبكي بتقديم وتأخير حسبما ذكره في رسالة لطيفة سماها التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه، وفهمه المصنف ردًا على الغزالي بقوله وهو متعقب، وفيه أنه إنما عبر بالتقدير وهو مرتبة غير العلم، فيجوز أنه أمر اختص به قبل خلق آدم، دون بقية الأنبياء فلا يتم رده به, ويحتمل أن مراد السبكي الرد على غير الغزالي، وهو ظاهر قوله. ومن فسر دون منстр. 74
وعن الشعبي قال رجل: يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد، حين أخذ مني الميثاق". رواه ابن سعد من رواية جابر الجعفي فيما ذكره ابن رجب.
فهذا يدل على أنه من حين صور آدم طينًا استخرج منه محمد ﷺ .........
الحواشي
(١) قدر، وفي نسيم الرياض قد يقال من فسره بالعلم مراده علم أظهره الله لغيره من الملائكة والأرواح، تشريفًا له وتعظيمًا، وكونه إشارة إلى حقيقته إن أراد به روحه، رجع إلى ما قبله وإن أراد غيره، فلا يعقل عند من خلع ربقة التقليد من جيده، انتهى.
"وعن الشعبي" بفتح المعجمة وسكون المهملة، فموحدة، نسبة إلى شعب بطن من همدان بسكون الميم كما في الكواكب، وصدر به في اللب, وقال ابن الأثير: بطن من حمير عامر بن شراحيل الكوفي، أبي عمرو التابعي الوسط، ولد لست مضين من خلافة عمر على المشهور، وروي عن علي والسبطين وسعد وسعيد وابني عباس وعمر وغيرهم، وقال: أدركت خمسمائة صحابي، وما كتبت سوداء في بيضاء قط، ولا حدثني أحد بحديث إلا حفظته. مر به ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها مني قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، وابن عيينة كان أكبر الناس في زمانه، مات بالكوفة سنة ثلاث ومائة أو أربع أو سبع أو عشر ومائة.
"قال رجل" يحتمل أنه عمر: "يا رسول الله، متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق" ", وعند أبي نعيم عن الصنابحي عن عمر بن الخطاب، أنه قال: يا رسول الله، متى جعلت نبيًا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، "رواه" أبو عبد الله محمد "بن سعد" بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري كاتب الواقدي روى عنه كثيرًا، وعن هشيم وابن عيينة وابن علية وطبقتهم، وكتب الفقه والحديث والغريب والعربية، وصنف الطبقات الكبير والصغير والتاريخ.
قال أبو حاتم وغيره: صدوق مات في جمادى الآخرة سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائتين عن اثنتين وستين سنة, "من رواية جابر" بن يزيد بن الحارث "الجعفي" بضم الجيم وسكون العين، أي عبد الله الكوفي، عن الشعبي وأبي الطفيل، وعنه شعبة والسفيانان ضعيف شيعي تركه الحفاظ ووثقه شعبة، فشذ, قال أبو داود: ليس له في كتابي حديث سوى السهو، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
"فيما ذكره ابن رجب" الحافظ عبد الرحمن، "فهذا" أي: مرسل الشعبي على ضعفه المعتضد بحديث عمر السابق، "يدل على أنه من حين صور آدم طينًا، استخرج منه محمد صلى الله عليه وسلمстр. 75
ونبئ وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه فهو أولهم خلقًا.
لا يقال: يلزم خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ مواتًا لا روح فيه، ومحمد ﷺ كان حيًا حين استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا.
فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دل عليه أكثر الأحاديث، والذي تقرر هنا: أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم ﵊.
أجاب بعضهم: بأنه ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح, فإن محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنساني، وهو عينه وخلاصته وواسطة
الحواشي
(١) ونبئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قدر الله خروجه فيه، فهو أولهم خلقًا لا يقال يلزم" على ما تقدم "خلق آدم قبله" لأنه استخرج من طينته فينا في خبر كنت أول الأنبياء خلقًا, "لأن آدم" تعليل لنفي القول لا للقول المنفي، فهو نفس الجواب.
"كان حينئذ"، أي: حين نبئ النبي وأخذ منه الميثاق، "مواتًا" بفتح الميم" "لا روح فيه" صفة كاشفة، ففي الصحاح: الموات بالضم الموت، وبالفتح ما لا روح فيه. "ومحمد ﷺ كان حيًا حين استخرج" من طينة آدم "ونبئ وأخذ منه ميثاقه، فهو أول النبيين خلقًا وآخرهم بعثًا" كما قال: "فإن قلت إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه؛ كما دل عليه أكثر الأحاديث" وأقلها أنه استخراج قبل نفخ الروح. روي عن سلمان وغيره، قال في اللطائف: ويدل له ظاهر قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] ، الآية على ما فسر به مجاهد وغيره، أن المراد إخراج ذرية آدم من ظهره، قبل أمر الملائكة بالسجود له، ويحتمل أن يدل له أيضًا قول آدم بين الروح والجسد جوابًا لمتى استنبئت.
"والذي تقرر هنا أنه استخرج ونبئ وأخذ منه الميثاق قبل نفخ الروح في آدم ﵊"، هذه خصوصية للمصطفى؟ أم مبني على خلاف ما دل عليه أكثر الأحاديث؟ "أجاب بعضهم بأنه ﷺ خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه، فإن محمدًا ﷺ هو المقصود من خلق النوع الإنساني"، إذ لولاه ما خلق. "وهو عينه وخلاصتهстр. 76
عقده. والأحاديث السابقة صريحة في ذلك، والله أعلم.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لم يبعث الله تعالى نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث، وهو حي، ليؤمنن به ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه.
وهو مروي عن ابن عباس أيضًا, كما ذكره العماد بن كثير في تفسيره.
الحواشي
(١) وواسطة عقده" بكسر العين، أي: الجوهر الذي في وسط القلادة، وهو أجودها، "والأحاديث السابقة صريحة في ذلك" الذي قلنا: إنه خصوصية له، "والله أعلم".
قال العلامة الشهاب القرافي: لفظ والله أعلم لا ينبغي أن توضع هي ونحوها إلا وينوي بها ذكر الله، فإن استعمال ألفاظ الأذكار لا على وجه الذكر والتعظيم، قلة أدب مع الله تعالى ينهى عنه، بل ينوي بها معناها الذي وضعت له لغة وشرعًا، انتهى.
"وروي" عند ابني جرير وكثير، "عن علي بن أبي طالب" أمير المؤمنين، زوج البتول الزهراء، تربية من خص بالنظر ليلة الإسراء القائل في حقه: "من كنت مولاه فعلي مولاه". رواه الترمذي والنسائي وغيرهما بأسانيد صحيحة.
وعند مسلم وأحمد: "ولا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق"، مناقبه شهيرة كثيرة جدًا، حتى قال أحمد والنسائي وإسماعيل القاضي ولم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في حق علي ﵁، "أنه قال" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآية، "لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده" إلى عيسى، إن قلنا بالمشهور من أنه ليس بينه وبين المصطفى نبي أو إلى من بعده أيضًا؛ كخالد بن سنان، "إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه" المبعوث فيهم الرواية بنصب يأخذ عن عياض؛ كما أفاده الشمني والمصنف في حواشيهما للشفاء، قائلين عطفًا على يؤمنن نون التوكيد الخفيفة ورد بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط فيلزم أن الأخذ من الأمة بعد بعثه المصطفى وليس المراد؛ فالعطف على جملة: لئن بعث ... إلخ، على أنها في موضع مفرد، والوجه أو التقدير وأمر أن يأخذ نحو علفتها تبنًا، "وهو مروي عن ابن عباس أيضًا" موقوف عليها لفظًا، مرفوع حكمًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، "كما ذكره العماد" الحافظ ذو الفضائل إسماعيل بن عمر "ابن كثير" القيسي المفتي المحدث البارع المتقن كثير الاستحضار، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، مات سنة أربع وسبعين وسبعمائة عن أربع وسبعين سنة. "في تفسيره" الذي لم يؤلف على نمطه مثله، ورواه ابن عساكر والبغويстр. 77
وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد ﷺ أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فغشيهم من نوره ما أنطقهم الله به وقالوا: يا ربنا، من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله، إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته فقال الله تعالى: أشهد عليكم؟ قالوا: نعم. فذلك قوله تعالى:............
الحواشي
(١) بنحوه، ووقع للزركشي وابن كثير والحافظ في الفتح عزوه لصحيح البخاري. قال الشامي: ولم أظفر به فيه، انتهى.
وقال البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ الميثاق من النبيين أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته وأن يصدق بعضهم بعضًا، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده وينصره إن أدركه، وأن يأمر قومه بنصره فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد، وقيل: إنما أخذ الميثاق عليهم في محمد ﷺ ، واختلف على هذا فقيل: الأخذ على النبيين وأممهم كلهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد على المتبوع عهد على التابع وهو معنى قول علي وابن عباس.
وقال مجاهد والربيع: أخذ الميثاق إنما هو على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيون، ألا ترى قوله: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] ... إلخ، وإنما كان مبعوثًا لأهل الكتاب دون النبيين, يدل عليه قراءة ابن مسعود وأبي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وأما القراءة المعروفة، فالمراد منها أن الله أخذ عهد النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم بذلك، انتهى ملخصًا.
"وقيل: إن الله تعالى لما خلق نور نبينا محمد ﷺ " أي: أكمل خلقه بإفاضة الكمالات والنبوة على نوره "أمره أن ينظر إلى أنوار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" لا خلق نفس النور فلا يرد اقتضاؤه خلق نور الأنبياء قبل نوره؛ لأن تعليق الحكم على شيء يستدعي وجوده قبله، أو المراد لما خلق نوره أخرج منه أنوار بقية الأنبياء، ثم أمرهم بذلك، ولو قبل إفاضة النبوة على ذلك النور، لكن الأول أوفق بقولهم: آمنا به وبنبوته، إذ المتبادر إفاضة النبوة عليه بالفعل.
"فغشيهم من نوره ما" أي: الذي "أنطقهم الله به، وقالوا: يا ربنا من غشينا نوره؟ فقال الله تعالى: هذا نور محمد بن عبد الله إن آمنتم به جعلتكم أنبياء، قالوا: آمنا به وبنبوته، فقال الله تعالى" لهم: "أشهد عليكم" بحذف همزة الاستفهام المقدرة، "قالوا: نعم" أشهد علينا، "فذلك قوله تعالى" واذكر " ﴿وَإِذْ﴾ " حين " ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ " [آل عمران: ٨١] ، عهدهم.стр. 78
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] .
قال الشيخ تقي الدين السبكي: في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي ﷺ وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه مع ذلك: أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق، من آدم إلى يوم القيامة، ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته، ويكون قوله: "وبعثت إلى الناس كافة". لا يختص به الناس من زمانه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا.
الحواشي
(١) "لما" بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلق بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي "ءاتيتكم" إياه وقرئ: "آتَيْنَاكُمْ "من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم"" [آل عمران: ٨١] ، من الكتاب والحكمة، وهو محمد ﷺ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] ، جواب القسم وأممهم تبع لهم في ذلك، إلى قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] عليكم وعلى أممكم.
"قال الشيخ تقي الدين السبكي" في رسالة صغيرة له سماها التعظيم والمنة، في ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] ،"في هذه الآية الشريفة من التنويه بالنبي ﷺ وتعظيم قدره العلي ما لا يخفى، وفيه" كأنه ذكر على معنى نظم الآية، وإلا فقياس سابقه وفيها: "مع ذلك أنه على تقدير مجيئه في زمانهم يكون مرسلا إليهم فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من آدم إلى يوم القيامة" بهذا التقدير، "ويكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته" مع بقاء الأنبياء على نبوتهم، "ويكون قوله" ﷺ في أثناء حديث رواه الشيخان وغيرهما: ""وبعثت إلى الناس كافة"" قومي وغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر.
وفي رواية لمسلم: "إلى الخلق كافة"، وهو يتناول الجن إجماعًا والملائكة في أحد القولين، ورجحه ابن حزم والبارزي والسبكي وغيرهم، ويأتي بسطه إن شاء الله في الخصائص، "لا يختص به الناس" الكائنون "من زمنه إلى يوم القيامة، بل يتناول من قبلهم أيضًا" ونحوه للبارزي في توثيق عرا الإيمان، وادعى بعضهم أن ما ذكره السبكي غريب لا يوافقه عليه من يعتد به، فالجمهور على أن المراد بالكافة ناس زمنه فمن بعدهم إلى يوم القيامة، ودفعه شيخنا لما ذكرته له بأنه لا ينافي كلام الجمهور إلا إذا أريد التبليغ بالفعل. أما إذا أريدстр. 79
ويتبين بذلك معنى قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد".
ثم قال: فإذا عرف هذا فالنبي ﷺ نبي الأنبياء، ولهذا ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم. ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته. وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق. انتهى وسيأتي إن شاء الله تعالى لذلك في المقصد السادس.
الحواشي
(١) بالبعث اتصافه ﷺ بكونهم مأمورين في الأزل بتبعيته إذا وجد؛ كما هو صريح كلامه، فلا يخالفه واحد فضلا عن الجمهور.
"ويتبين بذلك" وفي نسخة بهذا، أي: المذكور من أنه نبي وأخذ الميثاق عليهم باتباعه وأن الأرواح قبل الأجساد، "معنى قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد" " فقد يكون إشارة إلى روحه أو حقيقة من الحقائق إلى آخر ما مر، ومعناه: أن حقيقته ظهرت بالنبوة قبل خلق آدم وحلول الروح في جسده. "ثم قال" بعد نحو ورقة من جملتها ما قدمه عنه قريبًا، "فإذا عرف هذا، فالنبي ﷺ نبي الأنبياء" أي: مرسل إلى الجميع مع بقائهم على نبوتهم، "ولهذا" أي: كونه نبي الأنبياء "ظهر في الآخرة جميع الأنبياء تحت لوائه" كما قال ﷺ في حديث أنس عند أحمد: "وبيدي لواء الحمد آدم فمن دونه تحت لوائي"، وهو معنوي. وهو انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رءوس الخلائق؛ كما جزم به الطيبي والسيوطي أو حقيقي مسمى بذلك وعند الله علم حقيقته ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان المصطفى أحمد الخلق في الدارين أعطيه ليأوي إليه الأولون والآخرون، ولذا قال آدم فمن دونه ... إلخ؛ كما قاله التوربشتي والطبري.
وأما ما رواه ابن منيع والطبري وغيرهما في صفته، فقال الطبري: موضوع بين الوضع. "وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم" إمامًا "ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح" سمي به لنوحه على ذنوب أمته، واسمه عبد الجبار؛ كما في حياة الحيوان، أو عبد الغفار؛ كما في الأنس الجليل، أو يشكر أو لكثرة بكائه على نفسه من قوله في كلب ما أوحشه فأوحى إليه: أخلق أنت أحسن منه، فكان يبكي اعتذارًا من تلك المقالة، فأوحى الله إليه: يا نوح إلى كم تنوح، فسماه بذلك الله؛ كما في تفسير القشيري.
وفي ربيع الأبرار بكى نوح ثلاثمائة سنة على قوله: إن ابني من أهلي. "وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته، وبذلك أخذ الله عليهم الميثاق، انتهى، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السادس".стр. 80
وذكر العارف الرباني عبد الله بن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس" ومن قبله ابن سبع في "شفاء الصدور" عن كعب الأحبار..................................
الحواشي
(١) وهو نقل رسالة السبكي برمتها، ومن جملتها أن الأنبياء نواب له بشرائعهم، وأنه شرعه لأولئك القوم، وقد عاب عليه وشنع صاحب نسيم الرياض، بأن النصوص العقلية والنقلية ناطقان بخلافه؛ كقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] ، وما في معناها من الآيات، والأنبياء مع تعظيمهم له ومحبتهم غير مكلفين بأحكام شرعه، وإلا لم يكونوا أصحاب شرع، فما تبجح به السبكي واستحسنه هو ومن بعده لا وجه له عند من له أدنى بصيرة، وكيف يتأتى قوله مع قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ، فإنه عكسه، وقد طلب موسى أن يكون من أمته فأجابه الله بقوله: استقدمت واستأخر ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال، انتهى. وتعسفه لا يخفى فإن قوله ذلك من جملة مدخول لو في قوله: لو اتفق مجيئه ... إلخ؛ كما هو صريح رسالته فسقط جميع ما قاله. ومن أقوى تعسفه قوله: غير مكلفين بأحكام شرعه، فإنه لم يدع تكليفهم به، بل إن شرائعهم على تقدير وجوده في أزمانهم شرع له فيهم، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
"وذكر" الإمام "العارف الرباني" بشد الموحدة، فألف فنون ينسب هذه النسبة من يوصف بسعة العلم والديانة، قاله في التبصير "عبد الله بن أبي جمرة" المقري المالك العالم البارع الناسك، قال ابن كثير: كان قوالا بالحق، أمارًا بالمعروف، مات بمصر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستمائة. وفي التبصير في تعداد من هو بجيم وراء ما لفظه والشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة المغربي نزيل مصر، كان عالمًا عابدًا خيرًا شهير الذكر، شرح منتخبًا له من البخاري، نفع الله ببركته، وهو من بيت كبير بالمغرب شهير الذكر، انتهى.
"في كتابه بهجة النفوس" وتحليها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على ما انتخبه من البخاري، "ومن قبله" الإمام أبو الربيع "بن سبع" بإسكان الموحدة وقد تضم؛ كما في التبصير. "في شفاء الصدور" ورواه أبو سعد في شرف المصطفى وابن الجوزي في الوفاء، "عن كعب الأحبار" جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، وإليه يضاف؛ كالأول لكثرة كتابته بالحبر، حكاه أبو عبيد والأزهري عن الفراء.
وقال ابن قتيبة وغيره: كعب الأحبار العلماء واحدهم حبر، كما في مشارق القاضي وتهذيب النووي ومثلثات ابن السيد والنور وغيرهم، وأغرب صاحب القاموس في قوله كعب الحبر ولا تقل الأحبار، فإنها دعوى نفي غير مسموعة مع مزيد عدالة المثبتين، بل إضافته إلى الجمع سواء قلنا أنه المداد، أو العلماء، أي: ملجؤهم أقوى في المدح، وهو كعب بن مانعстр. 81
قال: لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدًا، أمر جبريل أن يأتيه بالطينه التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع الأعلى، فقبض قبضة رسول الله ﷺ من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منير، فعجنت بماء التسنيم في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وفي.......................
الحواشي
(١) بالفوقية أبو إسحاق الحميري التابعي المخضرم، أدرك المصطفى وما رآه؛ المتفق على علمه وتوثيقه، سمع عمر وجماعة، وعنه العبادلة الأربعة، وأبو هريرة وأنس ومعاوية، وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر وكان يهوديًا يسكن اليمن، وأسلم زمن الصديق، وقيل عمر، وشهر، وقيل: زمن المصطفى على يد علي، حكاه المصنف. وسكن الشام وتوفي فيما ذكره ابن الجوزي والحافظ سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان، وقد جاوز المائة، وما وقع في الكشاف وغيره من أدرك زمن معاوية فلا عبرة به، روى له الستة إلا البخاري، فإنما له فيه حكاية لمعاوية عنه.
"قال: لما أراد الله أن يخلق محمدًا ﷺ أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها" هو الحسن؛ كما في القاموس. "ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس وملائكة الرقيع" بالراء والقاف: السماء السابعة كما أشار إليه بقوله: "الأعلى" لأنها العليا وذكر مع أن السماء مؤنثة لانتفاء علامة التأنيث في الرقيع فكأنه قال: الجرم أو المكان الأعلى، "فقبض قبضة رسول الله ﷺ من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم" وهو أرفع شراب الجنة، ويقال تسنيم: عين تجري من فوقهم تسنمهم في منازلهم، أي: تنزل عليهم من عال.
يقال: سنم الفحل الناقة إذا علاها، قال العزيزي بضم العين المهملة وزاءين معجمتين صاحب غريب القرآن، هكذا سار في الآفاق ومر الكلام فيه في الأسماء، قال في التبصير. وملخص الغريب المشهور، ضبطه الدارقطني وخلق بزاي مكررة، وتعقبهم ابن ناصر وخلق بأنه بزاي فراء مهملة، لكنهم لم يستندوا إلى ضبط بالحروف، وإنما عولوا على الخط وضبط القلم ولا يفيد القلم بأن آخره راء إذ الكاتب قد يذهل عن نقط الزاي فكيف يقطع بالوهم على الدارقطني مع أنه لقيه وأخذ عنه، ثم قال: وبالفتح، فذكر جماعة فلا يتوهم أحد أنه لم يتعرض لكونه مكبرًا أو مصغرًا، وإنما نشأ من عدم استيفاء الكلام. وفي القاموس: أن كونه بالراء تصحيف. "في معين أنهار الجنة حتى صارت كالدرة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة، "البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش" وحول "الكرسي، وفيстр. 82
السماوات والأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق سيدنا محمدًا وفضله قبل أن تعرف آدم ﵊.
وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . أجاب موضع الكعبة الشريفة، ومن السماء ما يحاذيها. وقد قال ابن عباس: أصل طينة رسول الله ﷺ من سرة الأرض بمكة. فقال بعض العلماء: هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة المصطفى محمد ﷺ ، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض فصار رسول الله ﷺ هو الأصل في التكوين...........................
الحواشي
(١) السماوات والأرض والجبال والبحار" التي في الأرض وغيرها. "فعرفت الملائكة وجميع الخلق" عطف عام على خاص، "سيدنا محمدا ﷺ وفضله قبل أن تعرف آدم ﵊" قال بعض العلماء: وهذا لا يقال من قبل الرأي، انتهى. يعني: فهو إما عن الكتب القديمة لأنه حبرها، أو عن المصطفى بواسطة، فهو مرسل، وتضعيف بعض المتأخرين جدًا له باحتمال أنه من الكتب القديمة وقد بدلت غير مسموع، فإن التضعيف إنما هو من جهة السند لأنه المرقاة كما هو معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، وليس كل ما ينقل من الكتب القديمة مردودًا بمثل هذا الاحتمال.
"وقيل: لما خاطب الله تعالى السماوات والأرض بقوله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ " [فصلت: ١١] ، إلى مرادي منكما " ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ " [فصلت: ١١] ، بمن فينا "طائعين، أجاب" أي: كان المجيب من الأرض. "موضع الكعبة الشريفة ومن السماء ما يحاذيها" ووافقهما على الجواب البقية، فلا ينافي أتينا طائعين.
وقال السهيلي: لم يجبه إلا أرض الحرم، أي: من الأرض، وهو أعم مما هنا، ووجه ذكره لهذا قوله: "وقد قال ابن عباس" عبد الله الحبر البحر ترجمان القرآن. كان الفاروق يجله ويدخله مع أشياخ بدر، "أصل طينة رسول الله ﷺ من سرة الأرض بمكة" وهذا حكمه الرفع إذ لا يقال رأيًا، "فقال بعض العلماء": هو السهروردي صاحب العوارف "هذا" الذي قاله ابن عباس مع ما قبله، "يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا درة" بضم الدال المهملة: اللؤلؤة العظيمة جمعها در ودرر ودرات؛ كما في القاموس عبر بها عن طينة "المصطفى محمد ﷺ " لنفاستها وقراءتها بذال معجمة تصحيف غير لائق بالمقام، فإنها النملة الصغيرة جدًا، وقد مر قريبًا قوله: "صارت كالدرة البيضاء"، ويجيء التعبير عنها بجوهرة. "ومن موضع الكعبة دحيت" مدت "الأرض، فصار رسول الله ﷺ هو الأصل في التكوين"، أي: الإحداث. القاموس، كونه أحدثه والله الأشياءстр. 83
والكائنات تبع له. وقيل: لذلك سمي أميًا لأن مكة أم القرى، ودرته أم الخليفة.
فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه ﵊ بمكة، حيث كانت تربته منها.
فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف -أفاض الله علينا من عوارفه، وتعطف علينا بعواطفه- بأنه قيل: إن الماء لما تموج رمى الزبد إلى النواحي، فوقعت جوهرة النبي ﷺ .............................
الحواشي
(١) أوجدها، "والكائنات تبع له" حذف من كلام السهروردي ما لفظه: وإليه والإشارة بقوله: "كنت نبيًا وآدم بين
الماء والطين"، وفي رواية: "بين الروح والجسد"، قال: "وقيل لذلك" الذي قاله ابن عباس "سمي أميًا؛ لأن مكة أم القرى ودرته أم الخليفة" وإنما حذف ذلك من كلامه؛ لأنه قدم إنه لم يرو اللفظ الأول، "فإن قلت: تربة الشخص مدفنه، فكان مقتضى هذا أن يكون مدفنه ﵊ بمكة حيث كانت تربته منها" فلا تقل ذلك وتذهل عن جوابه. "فقد أجاب عنه صاحب عوارف المعارف" هو العلامة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي، بضم السين المهملة وسكون الهاء وضم الراء وفتح الواو وسكون الراء الثانية فدال مهملة، نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان كما في التبصير وغيره، الفقيه الشافعي الزاهد الإمام الورع الصوفي أخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف ثم انقطع ولازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلم على الناس عند علو سنه ثم كف وأقعد، ومع ذلك ما أخل بذكر ولا حضور جمع، ولازم الحج لى أن دخل في عشر المائة ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثيرون من العصاة، وكانت محفته تحمل على أعناق الرجال من العراق إلى البيت الحرام، ورأى من الجاه عند الملوك ما لم يره أحد ولما حج آخر حجاته ورأى ازدحام الناس عليه في المطاف واقتداءهم بأقواله وأفعاله، قال في سره: يا ترى أنا عند الله كما يظن هؤلاء فيّ، فكاشفه ابن الفارض وخاطبه بقوله:
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
فصرخ وخلع ما عليه وألقاه، فخلع المشايخ والفقراء ما عليهم وألقوه وكان أربعمائة خلعة، ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وتوفي ببغداد مستهل محرم سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
"أفاض الله علينا من عوارفه" أي: الله أو السهروردي فهو من التوجيه، "وتعطف علينا بعواطفه بأنه قيل: إن الماء" الذي كان عليه العرش "لما تموج رمى الزبد إلى النواحي فوقعت جوهرة" واحدة جوهر معرب؛ كما في الصحاح. أي: طينة "النبي ﷺ وفي القاموس الجوهر: كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، انتهى. وبه يعلم حسن تسميته الطينة الشريفة جوهرة، كماстр. 84
إلى ما يحاذي تربته بالمدينة، فكان ﷺ مكيًا مدنيًا، حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة. انتهى.
وفي "المولد الشريف" لابن طغربك: ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم، ألهمه أن قال: يا رب، لم كنيتني أبا محمد، قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك، فرفع رأسه فرأى نور محمد في سرادق العرش..................
الحواشي
(١) لا يخفى. "إلى ما يحاذي تربته بالمدينة" أي: وبقي منها بمكة ما أخذه جبريل حين أراد الله إبراز المصطفى، "فكان ﷺ مكيًا" لأن طينته من مكة، "مدنيًا" لدفنه بالمدينة، كما أشار له بقوله: "حنينه" أي: شوقه، "إلى مكة وتربته بالمدينة، انتهى".
ووقع لبعض بعد نحو هذا، فهبط جبريل في ملائكة الفردوس والرقيع الأعلى، فقبضها من محل قبره الشريف وأصلها من مكة موجها الطوفان إلى هناك، فعجنت بماء التسنيم، ويتعين أن المراد بالطوفان الماء الكثير الذي كان عليه العرش، فإنه يطلق لغة على المطر الغالب والماء الغالب يغشى كل شيء؛ كقوله تعالى في قوم موسى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ، إلا الكائن في زمن نوح؛ لأن أمر جبريل كان قبل وجود آدم.
"وفي" كتاب "المولد الشريف" المسمى بالدر النظيم في مولد النبي الكريم "لابن طغربك" بطاء مهملة مضمومة وغين معجمة ساكنة وراء مضمومة وفتح الموحدة، وكأنه علم مركب من طغر وبك، لقب للإمام العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر الحميري التركماني الدمشقي الحنفي، لم أر له في ابن خلكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء بهذا الضبط وزيادة لام ساكنة بعد الراء.
"ويرى أنه لما خلق الله تعالى آدم ألهمه" قبل أن يناديه أحد من الملائكة به، فيكون ألهمه القول والكنية معًا أو بعد علمه بأنه كني بذلك بطريق آخر على ما يشعر به ألهمه، "أن قال" إذ معناه قول "يا رب لم كنيتني أبا محمد؟ " بالتشديد والتخفيف؛ كما في القاموس, واقتصر المختار على أن الكنية بالتشديد لا غير، وأن المخفف إنما هو فيمن تكلم بشيء مريدًا غيره، "قال الله تعالى: يا آدم ارفع رأسك فرفع رأسه فرأى نور محمد"، أي: النور الذي هو صورته، فالإضافة بيانية، لما مر من جعل نوره صورة روحانية "في سرادق العرش" شبهه من حيث الدلالة على كمال العظمة بسرادق حول الخباء مثلا دلالة على عظمة صاحبه، فالمعنى، رأى نوره في العرش الذي هو كالسرادق فهو من إضافته المشبه به إلى المشبه، أو هي بيانية، أو المعنى رأى نوره حول العرش. وسمي ما حوله سرادقًا على التشبيه، فشبه المحيط به بمحيط بخباء، فسماه باسمه؛ كما قال القاضي في أحاط بهم سرادقها فسطاطها، شبه به ما يحيط بهمстр. 85
فقال: يا رب، ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا.
ويشهد لهذا، ما رواه الحاكم في صحيحه أن آدم ﵊ رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم لولا محمد ما خلقتك.
ولله در من قال:
وكان لدى الفردوس في زمن الصبا ... .................................
الحواشي
(١) من النار، قال شيخنا: والأول أقرب.
"فقال: يا رب ما هذا النور؟ قال: هذا نور نبي من ذريتك اسمه" المشهور به "في السماء" بين الملائكة "أحمدو" اسمه المشهور به "في الأرض" بين أهلها "محمد" فلا ينافي أن كتابه محمد على قوائم العرش واطلاع الملائكة عليها، كما يجيء صريح في تسميته في السماء بمحمد أيضًا، "لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماء ولا أرضًا ويشهد لهذا" المروي المنقول من المولد من أوله في الجملة، أي: يقويه، "ما رواه الحاكم في صحيحه" المستدرك عن عمر رفعه، "أن آدم ﵊ رأى اسم محمد مكتوبًا على العرش، وأن الله تعالى قال لآدم: لولا محمد ما خلقتك".
وروى أبو الشيخ في طبقات الأصفهانيين والحاكم عن ابن عباس: أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، فسكن. صححه الحاكم وأقره السبكي في شفاء السقام والبلقيني في فتاويه، ومثله لا يقال رأيًا فحكمه الرفع.
وقال الذهبي: في سنده عمرو بن أوس لا يدرى من هو، وعند الديلمي: عن ابن عباس رفعه: "أتاني جبريل" فقال: إن الله يقول لولاك ما خلقت الجنة وللاك ما خلقت النار"، وذكر ابن سبع والعزفي بمهملة وزاي مفتوحتين وفاء؛ عن علي: أن الله قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء وأموج الموج وأرفع السماء وأجعل الثواب والعقاب، قيل وهذا ليس لغيره من نبي ولا ملك:
وما عجب إكرام ألف لواحد ... لعين تفدى ألف عين وتكرم
"ولله در" أي: عمل مجازًا استعمل في المدح تعظيمًا، أي: أن اللبن الذي ربي به لا ينسب لغير الله، لخروج كمال الممدوح به عن العادة، "من قال" مضمنًا هذا الخبر وتوسل آدم بالمصطفى في قبول توبته، وهو صالح بن حسين الشاعر، قال بعض ما عمل مثلها في عصره.
"وكان" آدم "لدى الفردوس في زمن الصبا" أي: في أول أمره بعد ارتباط الروح بجسدهстр. 86
......................... ... وأثواب شمل الأنس محكمة السدى
يشاهد في عدن ضياء مشعشعا ... يزيد على الأنوار في الضوء والهدى
فقال إلهي ما الضياء الذي أرى ... جنود السما تعشو إليه ترددا
فقال نبي خير من وطئ الثرى ... وأفضل من في الخير راح أو اغتدى
تخيرته من قبل خلقك سيدا ... وألبسته قبل النبيين سؤددا
الحواشي
(١) لا المعنى اللغوي، وفي نسخ كالشامي الرضا، أي: زمن كونه في الجنة قبل هبوطه، "وأثواب شمل الأنس محكمة السدى" كناية عن قربه من الله، والسدى وزان الحصى من الثوب خلاف اللحمة، "يشاهد" آدم "في عدن" الجنة وعبر به، وفي سابقه بالفردوس إشارة لتعدد أسمائها، والجار والمجرور حال من فاعل يشاهد أو من ضياء بناء على أنه في الأصل نعت له، ونعت المنكرة إذا قدم عليها أعرب حالا، "ضياء" أي: نورًا قويًا، "مشعشعًا" أي: منتشرًا؛ كما في الشامي.
"يزيد على الأنوار" المتعارفة "في الضوء والهدى" أي: زيادة النور والاهتداء، فلا ينافي أن الضوء من جملة النور؛ كما في الأنوار. "فقال" آدم "إلهي ما" هذا "الضياء" بالنسبة لبقية الأضواء، "الذي أرى، جنود السما" بالقصر للوزن، "تعشو" بعين مهملة تقصده للاستضاءة به، "إليه ترددًا" مترددين إليه مرة بعد أخرى، "فقال" الله تعالى هو "نبي" أي: ضياؤه "خير من وطئ الثرى" بمثلثة التراب الندى، فإن لم يكن نديًا فتراب لكن المراد هنا الأرض مطلقًا، وسماها ثرى من إطلاق الجزء على الكل.
"وأفضل من في" طرق "الخير راح أو اغتدى" أي: أخذ فيه وحصله، أي وقت ليلا أو نهارًا لاستعمال العرب الغدو والرواح في السير مطلقًا على نقل الأزهري، أي مجازًا. "تخيرته من قبل خلقك" يا آدم، "سيدا" حال من المفعول في تخيرته، "وألبسته قبل النبيين سؤددًا" بالضم سيادة فذكره بعد سيدًا إطناب، إذا حيث ثبتت قبل آدم علم ثبوتها قبل الأنبياء، أو المراد اخترته بتقديم السيادة له قبل خلقك، ثم ألبستها له بالفعل قبل النبيين، فهو كما مر في أن إفاضة النبوة عليه بعد النقل من التقدير إلى الكتابة ثم إلى النبوة وبقي من القصيدة أبيات، وهي:
وأعددته يوم القيامة شافعًا ... مطاعًا إذا ما الغير حاد وحيدا
فيشفع في إنقاذ كل موحد ... ويدخله جنات عدن مخلدا
وإن له أسماء سميته بها ... ولكنني أحببت منها محمدًا
فقال إلهي امنن علي بتوبة ... تكون على غسل الخطيئة مسعدا
بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ... خصصت بها دون الخليفة أحمداстр. 87
فإن قلت: مذهب الأشاعرة: أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض، فكيف تكون خلقة محمد علة في خلق آدم ﵇؟
أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات ومنافع لأفعاله تعالى، لا بواعث على إقدامه، ولا علل مقتضية لفاعليته، لأن ذلك محال في حقه تعالى، لما فيه من استكمال بغيره. والنصوص شاهدة بذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة، فالتعليل لفظي لا حقيقي،
الحواشي
(١) أقلني عثاري يا إلهي فإن لي ... عدوًا لعينًا جار في القصد واعتدى
فتاب عليه ربه وحماه من ... جناية ما أخطاه لا متعمدًا
ذكرها بتمامها صاحب مصباح الظلام وغيره، ثم أورد على قوله: لولاه ما خلقتك، "فإن قلت: مذهب الأشاعرة" يعني أهل السنة القائلين بما عليه إمامهم أبو الحسن الأشعري، من ذرية أبي موسى نسبة إلى أشعر، وهو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبالان، أمه ولدته والشعر على بدنه، "أن أفعال الله تعالى ليست معللة بالأغراض فكيف تكون خلقة محمد" اسم مصدر، أي: وجود.
وفي نسخة: خلقه محمد، أي: إيجاده. "علة في خلق آدم ﷺ " إذ لولا حرف امتناع لوجود، فتدل على امتناع جوابها لوجود شرطها، وجوابها هنا، وهو ما خلقتك نفي وامتناعه ثبوت، فكأنه قال: خلقتك لأجل خلق محمد، قلت: "أجيب: بأن الظاهر من الأدلة تعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح التي هي غايات" أي: ثمرات، "ومنافع" عطف تفسير "لأفعاله تعالى" أي: تترتب عليها، فاللام بمعنى على والغاية بمعنى الترتب "لا بواعث على إقدامه" أي: أسباب حاملة على الفعل، "ولا علل مقتضية" مستلزمة "لفاعليته" بحيث يلزم من وجودها كونه فاعلا؛ "لأن ذلك محال في حقه تعالى" علة لقوله: لا بواعث ... إلخ، وعلل الاستحالة بقوله: "لما فيه من استكماله" أي: الله، أي: التكمل بمعنى صيرورته كاملا أو طلب الكمال "بغيره" وهو محال، "والنصوص شاهدة بذلك" أي: بتعليل بعض الأفعال بالحكم والمصالح يعني على سبيل الظهور، فلا يخالف قوله: بأن الظاهر، وذكره توطئة لقوله: " ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ " [الذاريات: ٥٦] ، ولا ينافيه أن كثيرًا لا يعبدون؛ لأنها عام خص بمؤمنيهم؛ كما قيل أو لما ذكره بقوله: "أي: قرنت الخلق بالعبادة، أي: خلقتهم وفرضت عليهم العبادة" ولا يلزم من الفرض قيامهم بها، "فالتعليل لفظي لا حقيقي" وحاصله تسليم كونها لا تعلل بالمعنى السابق،стр. 88
لأن الله تعالى مستغن عن المنافع، فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل.
وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء. قال ﷺ : "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك................
الحواشي
(١) وما وقع من صورة تعليل ليس المراد به ذلك؛ "لأن الله تعالى مستغن عن المنافع"علة لقوله: لا حقيقي، "فلا يكون فعله" تعالى" لمنفعة راجعة" أي: واصلة، "إليه ولا إلى غيره؛ لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل", فلا يتوقف عليه وصول المنفعة.
وفي نسخة: فلا يكون فعله لمنفعته؛ لأن الله قادر بإسقاط راجعة إليه ولا إلى غيره، والظاهر أنه ضمير منفعته عائد للعبد المفهوم من ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، كما يدل عليه؛ لأن الله قادر ... إلخ.
"وروى عبد الرزاق" بن همام بن نافع الحميري مولاهم الحافظ أبو بكر الصنعاني، أحد الأعلام روى عن معمر وابن جريج ومالك والسفيانين والأوزاعي وخلق، وعنه أحمد وإسحاق وغيرهما, مات سنة إحدى عشرة ومائتين ببغداد عن خمس وثمانين سنة، "بسنده" إيضاح وإلا فهو مدلول.
روى "عن جابر بن عبد الله" بن عمرو بن حرام، بمهملة وراء، الأنصاري الخزرجي السلمي بفتحتين الصحابي ابن الصحابي غزا تسع عشرة غزوة، ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن إحدى وتسعين سنة.
"قال: قلت: يا رسول الله" أفديك "ببي أنت وأمي" كلمة تستعملها العرب لتعظيم المفدى بهما، "أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء، قال" ﷺ : "يا جابر، إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك", لم يقل نوري، وإن كان مقتضى الظاهر للتفخيم، ولا
_________
١ حديث جابر هذا المنسوب إلى عبد الرزاق موضوع لا أصل له، وقد عزاه غير واحد إلى عبد الرزاق خطأ فهو غير موجود في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره, ومن الذين نسبوه إلى عبد الرزاق ابن العربي الحاتمي في "تلقيح الأذهان" والديار بكري في كتاب "الخميس في تاريخ أنفس نفيس" والعجلوني في "كشف الخفاء" وفي "الأوائل العجلونية". وقال السيوطي في الحاوي في الفتاوى ١/ ٣٢٥: أما حديث أولية النور المحمدي فلا يثبت. وقد حكم الشيخ عبد الله بن الصديق في رسالة "مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر" على هذا الحديث بالوضع وقد سبقه إلى ذلك أخوه أحمد بن الصديق فليتنبه إلى ذلك، فقد ساق المؤلف هنا عدة روايات بأسانيدها كلها لا تثبت والله أعلم.стр. 89
من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء، ولا أرض ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد الله تعالى أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول القلم........................
الحواشي
(١) يشكل بأن النور عرض لا يقوم بذاته؛ لأن هذا من خرق العوائد. "من نوره" إضافة تشريف وإشعار بأنه خلق عجيب، وأن له شأنًا له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية على حد قوله تعالى: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] ، وهي بيانية، أي: من نور هو ذاته، لا بمعنى إنها مادة خلق نوره منها، بل بمعنى تعلق الإرادة به بلا واسطة شيء في وجوده، وهذا أولى من احتمال أن المراد من سبق مخلوق له تعالى قبل خلق نور المصطفى، وأضافه إليه لتوليه خلقه وإيجاده لما يلزم عليه من سبق مخلوق على نور المصطفى، وهو خلاف المنصوص.
والمراد ومن تجويز أنه معنى عبر عنه بالنور مشابهة، أي: خلق نور المصطفى من معنى يشبه النور موجود أزلا؛ كوجود الصفات القديمة القائمة به تعالى فإنها لا أول لوجودها لما فيه من إثبات ما لم يرد والقلاقة بإيهامه تعد القدماء، وإن كان المراد التشبيه في مطلق الوجود.
"فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله، ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار" وإنما خلقوا بعد وخلقت الجنة قبل النار؛ كما رواه أبو الشيخ عن ابن عباس موقوفًا، وحكمه الرفع "ولا ملك" بفتح اللام، "ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي" ولم يقل: ولم يكن في ذلك الوقت شيء وإن شمل المذكورات وغيرها، لئلا يتوهم اختصاصه ببعضها، فأدار النص على سبق وجوده على جميعها، ولأن الشيء يشمل صفاته تعالى وهي موجودة قائمة بذاته، لا أول لها "فلما أراد الله أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء" أي: زاد فيه؛ لا أنه قسم ذلك النور الذي هو نور المصطفى، إذ الظاهر أنه حيث صوره بصورة مماثلة لصورته التي سيصير عليها لا يقسمه إليه وإلى غيره.
"فخلق من الجزء الأول القلم" فهو من نور وبه صرح في غير ما حديث؛ كخبر ابن عباس: "قلمه نور" وعند أبي الشيخ عن مجاهد: أول ما خلق الله اليراع القصب، ثم خلق من ذلك اليراع القلم، فقال: اكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فإن صح فلعل تجسمه من نور على صفة اليراع، وإلا فما في المرفوع أولى بالقبول وطوله خمسمائة عام، رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، وعنده أيضًا بسند رواه أن عرضه كذلك وسنه مشقوقة ينبع منه المداد ولا يعارضه ما في خبر مرسل أنه من لؤلؤ طوله سبعمائة عام؛ لأن الإخبار بالأقل لا ينفي الأكثر، وكونه من لؤلؤ لعله على التشبيه لشدة بياضه، إذ هو نور.стр. 90
ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش. ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول حملة العرش، ومن الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثانين نور قلوبهم -وهي المعرفة بالله- ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله ... الحديث.
الحواشي
(١) "ومن الثاني: اللوح، ومن الثالث: العرش، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء" مقتضى ثم تأخر خلق العرش عن اللوح والقلم. وفي المشكاة: تقديمه، ثم الكرسي عليهما فلعلها بمعنى الواو، مردويه وابن خزيمة والحاكم وصححه وغيرهم، عن العباس موقوفًا. ورواه ابن المنذر وغيره من حسان بن عطية وهارون بن رياب بلفظ: "حملة العرش ثمانية"، وكذا رواه عبد بن حميد عن الربيع وهو معضل عن الثلاثة، وقد روى ابن جرير عن ابن زيد رفعه مرسلا: "يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية"، وأخرجه أبو الشيخ من طريقين عن وهب معضلا، وعند ابن جرير وغيره، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ، قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله.
"ومن الثاني الكرسي" فيه حجة للقول الصحيح أنه غير العرش، "ومن الثالث باقي الملائكة" وهم أكثر المخلوقات. وحديث عبد الرزاق هذا مفسر لقوله ﷺ في مسلم: "خلقت الملائكة من نور". وعند أبي الشيخ عن عكرمة، قال: "خلقت الملائكة من نور العزة" وعنده عن يزيد بن رومان أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح الله.
"ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول السماوات" السبع، "ومن الثاني الأرضين" السبع وهي سابقة على خلق السماوات؛ كما فصل في فصلت. وأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠] ، فمعناه: بسطها؛ كما قال ابن عباس وغيره، وكانت مخلوقة قبلها من غير دحو "ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأول نور أبصار" بمعنى بصائر "المؤمنين" أو الأعم منها ومن الحسية ولم يعتبر أبصار الكفار؛ لأنهم لما فقدوا نفعها كانت ضرورة عليهم لا منفعة لهم. "ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن الثالث نور أنسهم، وهو التوحيد" وبينه بقوله: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" الحديث. ولم يذكر الرابع من هذا الجزء فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة.стр. 91
وقد اختلف: هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟
فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني: الأصح أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش, والتقدير وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة بن الصامت، مرفوعًا: أول ما خلق الله القلم قال له اكتب، قال:...............
الحواشي
(١) "وقد اختلف" في جواب قول السائل "هل القلم أول المخلوقات بعد النور المحمدي؟ فقال الحافظ أبو يعلى الهمداني" بفتح الحاء وسكون الميم فمهملة العلامة شيخ الإسلام الحسن بن أحمد المتقن المتفنن في عدة علوم، البارع على حفاظ عصره، الذي لا يغشى السلاطين ولا يقبل منهم شيئًا ولا مدرسة ولا رباطًا ولا تأخذه في الله لومة لائم، توفي سنة تسع وستين وخمسمائة. "الأصح" وهو مذهب الجمهور "أن العرش" خلق "قبل القلم، لما ثبت في الصحيح" أي: صحيح مسلم، "عن عبد الله بن عمرو" بن العاصي، أنه "قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض" أي: شيئًا منهما فلا يرد صدقه بخلقه بين خلقهما، "بخمسين ألف سنة" كناية عن الكثرة أو حقيقة، كما مر.
"وكان عرشه على الماء فهذا صريح" في "أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير" للأشياء المذكورة في قوله: "قدر الله"، "وقع عند أول خلق القلم لحديث عبادة" بضم العين، "ابن الصامت" بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني النقيب البدري كان طويلا جسيمًا جميلا فاضلا خيرًا، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. وفي الاستيعاب: وجهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا، فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وبها مات، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين ودفن ببيت المقدس، وقبره به معروف.
"مرفوعًا" لفظة استعملها المحدثون بدل قال ﷺ ، "أول ما" أي: شيء "خلق الله القلم" بالرفع كما أفاده كلام الحافظ وغيره على الخبرية والأولية نسبية، أي: أول ما خلق الله بعد العرش القلم، ويجوز نصبه مفعول خلق، فالخبر قوله: "قال له: اكتب" لكن قال السيوطي في حواشي الترمذي عن ابن السيد البطليوسي: الوجه الرفع، وما أعلم أحدًا رواه بالنصب وهو خطأ؛ لأن المراد أن القلم أول مخلوق لله، كما دلت عليه الأحاديث، فإن ثبت رواية صحيحة بنصبه خرجت على لغة نصب أن الجزأين، يعني في رواية: "إن أول، كما يجيء قريبًا على وجه أنه مفعول خلق لفساده في المعنى والإعراب، انتهى.
"قال": القلم بخلق الله له قوة النطق، كما خلقها في الأعضاء ومحبة أحد وبغض غيرстр. 92
رب، وما أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء رواه أحمد، والترمذي.
ورويا أيضًا من رواية أبي رزين العقيلي مرفوعًا: "إن الماء خلق قبل العرش".
وروى السدي...................................
الحواشي
(١) وغير ذلك، فاحتمال غيره خروج عن المتبادر بلا دليل ولا طائل، يا "رب، وما أكتب؟ قال: "اكتب مقادير كل شيء" أسقط منه عند من عزاه لهما ما كان وما هو كائن إلى الأبد، أي: ما كان قبل القلم؛ لأن أوليته نسبية كما علم، فلا يرد تصريحه بأن أول مخلوق. والمراد: "بما هو كائن" انقضاء هذا العالم وما بعده مما يمكن تناهيه دون نعيم الآخرة وجحيمها، إذ لا نهاية له فلا يدخل تحت الكتابة، وبه صرح في أبي داود بلفظ: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.
"رواه أحمد" بلفظه، "والترمذي" بلفظ: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، من مات على غير هذا فليس مني"، قال شيخنا: وفي الاستدلال به على أن التقدير وقع عند أول خلق القلم نظرًا لجواز أنه إنما قال له: اكتب مقادير الأشياء التي قد أبرزت تقديرها في الوجود الخارجي، وإن كانت مقدرة في علمه في الأزل.
"ورويا أيضًا" وفي نسخ: وروى أحمد والترمذي، وصححه أيضًا "من رواية أبي رزين" بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبنون لقيط بفتح اللام وكسر القاف بن عامر "العقيلي" بضم العين وفتح القاف نسبة إلى عقيل بن كعب صحابي مشهور غير لقيط بن صبرة عند الأكثر؛ كما في التقريب، وعزاه في الأصابة لابن المديني وخليفة وابن أبي خيثمة وابن سعد ومسلم والبغوي والدارمي والبارودي وابن قانع وغيرهم، وبه جزم المزي في الأطراف، وقيل: هو لقيط بن صبرة بن عامر فنسب لجده، قاله ابن معين وأحمد. ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان وابن السكن، وعبد الغني وابن عبد البر ضعفًا كونه غيره، وجزم به المزي في التهذيب، ورجح في الإصابة الأول بأن ابن عامر معروف بكنيته وابن صبرة لا كنية له إلا ما شذ به ابن شاهين، فكناه أبا رزين أيضًا وبأن الرواة عن أبي رزين جماعة، وابن صبرة لا يعرف له راوٍ إلا ابنه.
"مرفوعًا: إن الماء خلق قبل العرش" فهذا صريح أن القلم ليس أول المخلوقات إذ الماء قبل العرش الذي هو قبل القلم، "وروى" إسماعيل بن عبد الرحمن "السدي" الكبير المفسر المشهور عن أنس وابن عباس وعنه شعبة والثوري وزائدة، ضعفه ابن معين، ووثقه أحمد، واحتجстр. 93
بأسانيد متعددة: أن الله تعالى لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء. فيجمع بينه وبين ما قبله، بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا النور النبوي المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل: الأولية في كل بالإضافة إلى جنسه، أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري، وكذا في باقيها.
وفي أحكام ابن القطان، فيما ذكره ابن مرزوق.................
الحواشي
(١) به مسلم وفي التقريب أنه صدوق يهم ويتشيع، مات سنة سبع وعشرين ومائة، روى له الجماعة إلا البخاري، وهو بضم السين وشد الدال المهملتين، قال الذهبي: تبعًا لعبد الغني في الكمال لقعوده في باب جامع الكوفة، وفي اللب كأصله لبيعه عند سدته، أي: بابه. وفي صحاح الجوهري، وسمي إسماعيل السدي لأنه كان يبيع الخمر والمقانع في سدة مسجد الكوفة، وهي ما يبقى من الطاق المسدودة، وتبعه القاموس مقتصرًا على المقانع فقعوده عند السدة كان للبيع. وأغرب الحافظ أبو الفتح اليعمري، فقال: كان يجلس بالمدينة في مكان يقال له السد، فنسب إليه.
"بأسانيد متعددة أن الله لم يخلق شيئًا مما خلق" أي: من جميع المخلوقات، "قبل الماء، فيجمع بينه وبين ما قبله" من حديثي جابر وأبي رزين، "بأن أولية" خلقه "القلم بالنسبة إلى ما عدا النور المحمدي والماء والعرش، انتهى. وقيل": في الجمع أيضًا "الأولية في كل" من المذكرات "بالإضافة إلى جنسه، أي: أول ما خلق الله من الأنوار نوري" الضمير له ﷺ ، "وكذا" يقال "في باقيها" أي: وأول ما خلق مما يكتب القلم الذي كتب المقادير، وأول ما خلق مما يصدق عليه العرش عرش الله إذ العرش يطلق على معان، كما في القاموس وغيره. وقيد البيضاوي الأولية بأولية الأجرام لا مطلقًا، قال في قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ، الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها.
"وفي أحكام ابن القطان" الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكناني الفاسي، سمع أبا ذر الخشني وطبقته، وكان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية في الرواية معروفًا بالحفظ والإتقان، صنف الوهم والإيهام على الأحكام الكبرى لعبد الحق، ومات سنة ثمان عشرة وستمائة.
"فيما ذكره" أي: نقله عنه العلامة محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر "بن مرزوق" التلمساني، عرف بالخطيب ولد عام عشرة وسبعمائة ومهر وبرع وشرح العمدة والشفاء والبردة والأحكام الصغرى لعبد الحق ومختصر ابن الحاجب الفرعي ومحلات من مختصر الشيخ خليل، ومات في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القاسم وأشهبстр. 94
عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "كنت نورًا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام".
الحواشي
(١) "عن علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الملقب زين العابدين التابعي الوسط، قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه ولا أفقه. وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا كثير الحديث عالمًا عابدًا، ولم يكن في أهل البيت مثله، وكان إذا توضأ يصفر لونه فإذا قام يصلي أرعد من الخوف، فقيل له في ذلك: فقال: أتدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجي، وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكثير الصدقات سيما ليلا، وإذا خرج من منزله قال: اللهم إني أتصدق أو أهب عرضي اليوم لمن يغتابني، ولد سنة ثلاث وثلاثين، وتوفي أول سنة أربع وتسعين عند الجمهور، أو سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو تسع وتسعين، وأغرب المدائني، فقال سنة مائة ودفن في قبر عمه بالبقيع ابن عساكر، ومسجده بدمشق معروف، وهو الذي يقال له مشهد علي بجامع دمشق ابن تيمية كون قبره بمصر كذب، إنما مات بالمدينة.
"عن أبيه" الحسين السبط أشبه الناس بجده، كما قال أنس عند البخاري المقتول ظلمًا وعدوانًا يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بكربلاء، ودفن جسده حيث قتل، وأما رأسه ففي المشهد الحسيني بالقاهرة عند بعض المصريين، ونفاه بعضهم، قال الحافظ فيما نقله السخاوي. وقال ابن تيمية: اتفق العلماء كلهم على أن المشهد الذي بقاهرة مصر المسمى مشهد الحسين باطل ليس فيه رأسه ولا شيء منه، وإنما حدث بمصر في دولة بني عبيد القداح ملوك مصر المدعين أنهم من ولد فاطمة، والعلماء يقولون: لا نسب لهم بها في أثناء المائة الخامسة بناه طلائع بن رزيك الرافضي، ونقل من عسقلان زعمًا أنه كان في مشهد بها وهو باطل، فإن بني أمية مع ما أظهروه من القتل والعداوة لا يتصور أن يبنوا على الرأس مشهدًا للزيارة، وحجة العلماء ما ذكره عالم النسب الزبير بن بكار أن الرأس حمل إلى المدينة ودفن بها، قال ابن دحية: لم يصح سواه، انتهى ملخصًا.
"عن جده" علي كرم الله وجهه، "أن النبي ﷺ قال: "كنت نورًا بين يدي ربي" " أي؛ في غاية القرب المعنوي منه، فاستعار لهذا اليدين؛ لأن من قرب من إنسان وقابله يكون بين يديه، "قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام" لا ينافي ما مر أن نوره مخلوق قبل الأشياء، وأن الله قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ لأن نوره خلق قبل الأشياء وجعل يدور بالقدرة حيث شاء الله، ثم كتب في اللوح، ثم جسم صورته على شكل أخص من ذلك النور؛ ولأن التعبير بين اليدين إشارة لزيادة القرب، فالمقدر بهذه المدة مرتبة أظهرت له لم تكنстр. 95
وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره فكان يلمع في جبينه، فيغلب على سائر نوره، ثم رفعه الله تعالى على سرير مملكته وحمله على أكناف ملائكته وأمرهم فطافوا به في السماوات ليرى عجائب ملكوته.
قال جعفر بن محمد: مكث الروح في رأس أدم مائة عام، وفي...............
الحواشي
(١) قبل، وروى محمد بن عمر العدني شيخ مسلم في مسنده عن ابن عباس أن قريشًا، أي: المسعدة بالإسلام كانت نورًا بين يدي الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، قال ابن القطان: يجتمع من هذا مع ما في حديث علي، يعني المذكور في المصنف أن النور النبوي جسم قبل خلقه باثني عشر ألف عام، وزيد فيه سائر قريش وأنطق بالتسبيح.
"وفي الخبر: لما خلق الله تعالى آدم جعل" أودع "ذلك النور" نور المصطفى "في ظهره فكان" لشدته "يلمع في جبينه فيغلب على سائر" باقي "نوره" أي: نور آدم الذي في بدنه أو يغلب على بقية النور الذي خلقه في غير آدم؛ كأنوار الأنبياء. "ثم "رفعه" أي آدم "الله تعالى على سرير مملكته" روى الحكيم الترمذي: لما أكمل الله خلق آدم رفعه على أكناف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل على سرير من ذهب أو ياقوت أحمر له تسعمائة قائمة، فقال: طوفوا به في سمواتي ليرى عجائبها، ثم أمرهم أن يحولوا وجوههم إلى العرش ليسجدوا قبالته ففعلوا، ولذلك يحمل جنازة أولاده أربعة، انتهى. وكان هذا السرير مسمى فيما بينهم سرير المملكة، فقول الشارح أنه من باب التمثيل، أي: رفعه إلى مكان عال وعظمه فجعل حالته تلك كحالة من مكن على سرير وطيف به في جهات غير ظاهرة، فالأصل الحقيقة.
"وحمله على أكناف ملائكته" بالنون، أي: أجنحتهم. وفي القاموس: الكنف من الطائر جناحه، ويحتمل أنه بالفوقية جمع كتف؛ لأن لهم قوة التشكل. "وأمرهم" أي: أمر الله ملائكته، "فطافوا به في السماوات ليرى" آدم "عجائب ملكوته" أي: ملكه العظيم، وتاؤه للمبالغة وسئل كعب: كم طاف الملائكة بآدم في السماوات مكرمًا؟ قال: ثلاث مرات، أولها على سرير الكرم، والثاني: على أكناف الملائكة، والثالث: على الفرس الميمون وهو مخلوق من المسك الأذفر وله جناحان من الدر والمرجان، وجبريل آخذ بلجامها وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، فطافوا به في السماوات كلها، وهو يسلم على الملائكة عن يمينه وشماله، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فيردون عليه كذلك، فقيل: هذه تحيتك وتحية ذريتك إلى يوم القيامة.
"قال جعفر بن محمد: مكثت الروح في رأس آدم مائة عام" من أعوام الدنيا، "وفي صدره مائة عام، وفي ساقيه وقدميه مائة عام" لعل المراد بالرأس ما فوق الصدر وبه ما فوقстр. 96
صدره مائة عام وفي ساقيه وقدميه مائة عام، ثم علمه الله تعالى أسماء جميع المخلوقات، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، فطرده الله تعالى وأبعده وخزاه.
الحواشي
(١) الساقين، أو المراد بالساقين ما تحت الصدر فيدخل البطن وما يتصل به في الصدر على الأول، وفي الساقين على الثاني. قال شيخنا: ولعل المراد بذا العد التكثير فلا ينافي أن المدة من ابتداء خلقه إلى نزوله إلى الدنيا ثلاث وثمانون سنة، انتهى.
قلت: هذا قول ابن جرير ونقص منه وأربعة أشهر، وقال غيره: إن المدة فوق ذلك بكثير، وقد تكلف الشيخ فيما يجيء للتوفيق بينه وبين ما هنا عن جعفر بأنه مبني على أن مدة كونه طينًا كانت قبل دخول الجنة، أو أنه إنما أخرج منها بعد اليوم الذي ابتدأ خلقه فيه، وأن خلقه لم يتم إلا بعد مدة طويلة، وفيه أنه قد لا يقول جعفر يقول ابن جرير ولا يرضاه، فقد قال ابن عباس، مكث في الجنة خمسمائة عام، وقيل: مكثت الملائكة في سجودهم كذلك، وقيل أكثر، فهي أقوال متباينة؛ فاللائق الترجيح لا تعسف الجمع بتجويز عقلي.
"ثم علمه الله تعالى" بإلهام أو بخلق علم ضروري فيه أو إلقاء في خاطره، أو على لسان ملك، قال القرطبي: وهو جبريل، "أسماء جميع المخلوقات" كلها روى وكيع في تفسيره عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ، قال: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة والفسوة والفسية، "ثم أمر" الله "الملائكة بالسجود له" أي: كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص أو ملائكة الأرض أو إبليس ومن كان معه في محاربة الجن، فإن تعالى أسكنهم الأرض أولا فأفسدوا فيها فبعث لهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم في الجزائر والجبال، وظاهر إتيان المصنف بثم اختيار القول بتراخي الأمر بالسجود عن التعليم وإنبائهم بالأسماء وإظهار فضله عليهم وإيجاب خدمتهم له بسبب العلم، وظاهر نظم البقرة يدل عليه، وقيل: سجدوا لما نفخ فيه الروح لقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] ، والفاء للتعقيب، والأظهر كما قال ابن عقيل وصاحب الخميس الأول: والفاء تكون للتعقيب مع التراخي؛ كقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] ، وذلك بعد مدة. والقول بأنهم سجدوا مرتين للآيتين رده النقاش بأنه لم يقل به أحد وإنما سجدوا مرة واحدة.
"فسجدوا إلا إبليس" أبي "فطرده الله تعالى" عن رحمته، "وأبعده" عن جنته "وخزاه" في الدارين بعدما كان من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن عند ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وعزاه القرطبي للجمهور، وصححه النووي بأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود، والأصل أنстр. 97
وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية، لا سجود عبادة، كسجود أخوة يوسف له، فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى، وآدم كالقبلة.
وروي عن جعفر الصادق..........................
الحواشي
(١) الاستثناء من الجنس ولكن ذهب الأكثرون؛ كما قال عياض: إلى أنه لم يكن منهم طرفة عين وهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم صغيرًا، وذهب به إلى السماء؛ فالاستثناء منقطع عياض والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب، قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ، ورجحه السيوطي بأنه الذي دلت عليه الآثار.
وقول النووي: لم ينقل أمر غيرهم مردود بحكاية ابن عقيل في تفسيره والخميس قولا بأن الملائكة وجميع العالم حينئذ أمروا وخصوا بالخطاب دون غيرهم لكونهم الأشرف حينئذ، وكان من عداهم تبعًا واختلف في كيفية السجود لآدم، فقال الجمهور: هو أمر للملائكة بوضع الجباه على الأرض؛ كسجود الصلاة، لأنه الظاهر من السجود شرعًا وعرفًا ويدل له آية فقعوا له ساجدين، وعن أبي وابن عباس هو الانحناء لا الخرور على الأرض، أي: كما يفعل في لقاء العظماء. وقال قوم: إنما هو اللغوي من التذلل والانقياد، فإن الله سخرهم لآدم وذريته في إنزال المطر وحفظ آثارهم وكتب أعمالهم والعروج بها إلى السماء.
"وكان السجود لآدم سجود تعظيم وتحية" وإظهار الفضلة وطاعة لله "لا سجود عبادة" لأنه لا عبادة إلا لله تعالى، "كسجود أخوة يوسف له" فإنه ما كان سجود عبادة، "فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى" تفريع على المنفي "وآدم؛ كالقبلة" وهذا ظاهر في أن المراد الشرعي، ففيه إشارة لمذهب الجمهور، وقال قتادة: كان خدمة لله وحرمة لآدم كصلاة الجنازة عبادة لله ودعاء للميت، وقال الحسن: والأصح أنه كان تحية لآدم على الخصوص، ولو كان عبادة لله وآدم قبله لما تكبر إبليس، انتهى.
وفيه نظر، فقد حكى القرطبي الاتفاق على أنه لم يكن سجود عبادة واللازم ممنوع؛ لأن تكبره من حيث أنه لم يكن هو قبله لظنه فضله عليه وعلى غيره، قال الشعبي: ومعنى ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ، إلى آدم، كما يقال: صلى للقبلة ورد بأنه يقال: صلى إلى القبلة لا لها ودفع بقوله في علي.
أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن
"وروي عن جعفر الصادق" لقب به لصدقه في مقاله ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي ﵃، كان من سادات أهل البيت ولد سنة ثمانين أو ثلاث وثمانين،стр. 98
أنه قال: كان أول من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون.
وعن أبي الحسن النقاش: أول من سجد إسرافيل، قال: ولذا جوزي بتولية اللوح المحفوظ.
الحواشي
(١) وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، قال ابن خلكان وابن قتيبة في أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد كتبه جعفر الصادق كتب فيه لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة، قال الدميري ونسبه الجفر إلى علي وهم، والصواب لجعفر الصادق.
"أنه قال: كان أول" بالنصب خبر، "من سجد لآدم جبريل ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل" ملك الموت القباض لجميع أرواح الجن والإنس والبهائم والمخلوقات، خلافًا لقول المبتدعة إنما يقبض أرواح الجن والإنس صرح به الجزولي في شرح الرسالة، وكأنهم تمسكوا بما أخرجه أبو الشيخ والعقيلي في الضعفاء، والديلمي عن أنس مرفوعًا: "آجال البهائم وخشاش الأرض والقمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها والبقر وغير ذلك في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها وليس إلى ملك الموت منها شيء"، وهو حديث ضعيف جدًا، بل قال العقيلي: لا أصل له، وابن الجوزي موضوع ولا حجة فيه إذ لا حجة بضعيف، ولا سيما مع معارضته لعموم القاطع وهو الله يتوفى الأنفس حين موتها، ولذا لم يلتفت الإمام مالك إلى هذا الحديث بل احتج بالآية لما سأله رجل عن البراغيت: أملك الموت يقبض روحها؟ فأطرق طويلا، ثم قال: ألها نفس؟ قال: نعم، قال: فإن ملك الموت يقبض أرواحها، الله يتوفى الأنفس حين موتها، أخرجه الخطيب وأيد بما أخرجه الطبراني وابن منده وأبو نعيم أن عزرائيل قال للنبي ﷺ : والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت حتى يأذن الله بقبضها.
"ثم الملائكة المقربون" أي: ثم بقة الملائكة ونحوه قول وهب بن منبه أول من سجد لآدم جبريل، فأكرمه الله بإنزال الوحي على النبيين خصوصًا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة. "و" روي "عن أبي الحسن النقاش أن أول من سجد إسرافيل" وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ضمرة والسلفي عن عمر بن عبد العزيز، "قال: ولذا" أي: لكونه أول من سجد "جوزي" أي: جازاه الله، "بتولية اللوح المحفوظ" بأن جعل مطلعًا عليه ومتصرفًا فيه بنقل ما فيه مثلا إلى الملائكة، وقيل: رفع رأسه وقد ظهر القرآن كله مكتوبًا على جبهته كرامة له على سبقه فهذا يعارض ما روي عن جعفر، وجمع شيخنا بأن أول من سجد بالفعل إسرافيل، وأول من سجد بامتثال الأمر جبريل، قال: ولعل الحكمة في عدم سجودهم دفعة واحدة أن الساجد أولا فهم بالإشارة أنه المخاطب به أولا، وفي الجمع وقفة.стр. 99
وعن ابن عباس: كان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر.
ثم خلق الله تعالى له حواء زوجته من ضلع من أضلاعه اليسرى، وهو نائم، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ ورآها سكن إليها....................
الحواشي
(١) "وعن ابن عباس: كان" زمن "السجود" لآدم "يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر" لو فرض من أيام الدنيا فلا يشكل بخبر أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة المقدر بألف سنة، "ثم خلق الله تعالى له حواء" بفتح الحاء وشد الواو والمد "زوجته" كذا في نسخ بالهاء على لغة قليلة حكاها الفراء، وشاهدها قول عمار بن ياسر عند البخاري: والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة -يعني عائشة- وقول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
أي: يطلب بولها، وقيل: يأخذ أولادها، والكثير وهو لغة القرآن زوج بلا هاء، حتى قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة. "من ضلع" بكسر المعجمة وفتح اللام وتسكن مذكر، وقيل: مؤنث، وقيل: يذكر ويؤنث. "من أضلاعه اليسرى" قال في الفتح: أي: أخرجت منه كما تخرج النخلة من النواة، وجعل مكانه لحم، وقال القرطبي: يحتمل أن معناه أنها خلقت من ضلع فهو كالضلع، أي: عوجاء، "وهو نائم" لم يشعر بذلك ولا تألم، والألم يعطف رجل على امرأته، قال القرطبي وغيره. "وسميت حواء؛ لأنها خلقت من حي" وفي القرطبي: أول من سماها آدم لما انتبه قيل: من هذه؟ قال: امرأة، قيل: وما اسمها؟ قال: حواء، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرء أخذت، قيل: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. وروي: أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه.
وفي الفتح: قيل سميت حواء بالمد لأنها أم كل شيء. "فلما استيقظ ورآها سكن" اطمأن ومال "إليها"، بإلهام الله تعالى، واختلف في أنها خلقت في الجنة، فقال ابن إسحاق خلقت قبل دخول آدم الجنة لقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، روي عن ابن عباس وقطع به السيوطي في التوشيح: وقيل: بل خلقت في الجنة بعد دخول آدم؛ لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشًا، فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها، قال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وأسكن إليك، قاله ابن عباس وابن مسعود وغيرهم من الصحابة، واقتصر عليه القرطبي والخازن.
قال ابن عقيل: ونسب لأكثر المفسرين، وعلى هذا قيل: قال الله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، بعد خلقها وهما في الجنة، وقيل: قبل خلقها وتوجه الخطاب للمعدوم لوجوده في علم الله، انتهى.стр. 100
ومد يده إليها فقالت الملائكة مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ تصلي على محمد ﷺ ثلاث مرات.
وذكر ابن الجوزي في كتابه "سلوة الأحزان": أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر، فقال: يا رب، وماذا أعطيها، فقال: يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل.
الحواشي
(١) "ومد يده إليها" يريد جماعها أو التلذذ بلا جماع، "فقالت الملائكة: مه يا آدم، قال: ولم وقد خلقها الله لي؟ " وكأنه علم ذلك بإلهام أو علم ضروري أو من إخبارها بأنها خلقت له، "فقالوا: حتى تؤدي مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: تصلي على محمد ﷺ ثلاث مرات".
والظاهر: أن علمهم بذلك بالوحي، "وذكر ابن الجوزي" العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الحافظ البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ صاحب التصانيف السائرة في الفنون، قال في تاريخ الحافظ: ما علمت أحدًا صنف ما صنف، وحصل له من الحظوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط، قيل: حضرة في بعض المجالس مائة ألف وحضرة ملوك ووزراء وخلفاء، وقال على المنبر كتبت بإصبعي ألف مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألفًا، مات يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وقيل له الجوزي لجوزة كانت في دراهم لم يكن بواسط سواها، انتهى.
وكأن من قال إلى الجوز ببيع أو غيره لم يحرره "في كتابه سلوة الأحزان أنه لما رام القرب منها طلبت منه المهر" لسماعها قول الملائكة أو ألهمت أو بعلم ضروري، "فقال: يا رب، وماذا أعطيها؟ قال" الله وحيًا أو شفاها، والظاهر الأول: "يا آدم صل على حبيبي محمد بن عبد الله عشرين مرة" وكأنه رام زيادة البيان من الله تعالى فسأله يعطيها ماذا، فلا ينافي إخبار الملائكة بما يعطيها أو فهم أنهم قالوه اجتهادا فطلب أمر الله والإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، أو قول الملائكة بأمر منهم مقدمة لحصول الألفة، وقوله تعلى كان حين إرادة القرب، كما هو ظاهر قوله لما رام فجملة المهر الثلاثة والعشرون لكن الأخير على أن مد يده كان للتلذذ لا الجماع، وصح كون الصلاة مهرًا؛ لأنه لما قالها بقصده كان ثوابها لحواء لكونها في مقابلة آدم ما أمر به من الصلاة عليه ﷺ ، وفي رواية: قالت الملائكة: مه يا آدم، حتى تنكحها، فزوجه الله إياها وخطب، فقال: الحمد لله والعظمة إزاري والكبرياء ردائي والخلق كلهم عبيدي وإمائي، اشهدوا يا ملائكتي وحملة عشري وسكان سماواتي أني زوجت حواء أمتي عبدي آدم بديعстр. 101
ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة، ونهاهما عن شجرة الحنطة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: التين، فحسدهما إبليس، فهو أول من حسد وتكبر......................
الحواشي
(١) قطرتي وصنيع يدي على صداق تقديسي وتسبيحي وتهليلي، يا آدم ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، الآية، كذا في الخميس، والعلم عند الله.
"ثم إن الله تعالى أباح لهما نعيم الجنة" فقال: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، قال القرطبي: وفيه تنبيه على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكًا بل مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول ثواب، انتهى.
وقال ابن عطية في الحظر بقوله: ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، دليل على أن سكناهما بها لا تدوم، فالمخلد لا يخطر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى. "ونهاهما عن شجرة الحنطة" في قول ابن عباس والحسن وعطية وقتادة والقرظي ومحارب ومقاتل، قال وهب: وهي التي جعلها الله رزق أولاده في الدنيا وكانت كل حبة ككلى البقر أحلى من العسل، وألين من الزبد. "وقيل" عن "شجرة العنب" وهو قول ابن مسعود وابن جبير والسدي وجعدة بن هبيرة، قالوا: ولذلك حرمت الخمر على بنيه ونسبه مكي لأكثر المفسرين.
"وقيل: التين" عند قتادة وابن جريج وحكاه عن بعض الصحابة. قال السهيلي: ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها لندم آدم على أكلها، وعن علي: هي الكافور والدينوري شجرة العلم وهي علم الخير والشر من أكلها علم الأشياء، وابن إسحاق: شجرة الحنظل، وأبي مالك، هي النخلة، وقيل: شجرة من أكل منها أحدث، وقيل غير ذلك مما يطول جلبه. وقد قال ابن عطية: ليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله نهى آدم عن شجرة فخالف وأكل منها، وقال أبو نصر القشيري: كان والدي يقول نعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة، وقال ابن جرير: الأولى أن لا تبين، فإن العلم بها علم لا ينفع وجهل لا يضر.
قال السيوطي: وقد يقال إن فيها نفعًا ما إذا قلنا إنها الكرم، فإن فيها إشارة إلى أن الخمر أم الخبائث أولا، فتجتنب لئلا يكون مانعًا من العود إليها في الآخرة، انتهى.
"فحسدهما إبليس" وزن إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله فلم ينصرف؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية، قاله أبو عبيدة وغيره, وقال الزجاج وغيره: هو أعجمي لا اشتقاق له، فلم يصرف للعجمة والتعريف. قال النووي: وهو الصحيح. وحكى الثعلبي عن ابن عباس، قال: كان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وفي الدميري: قال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله. "فهو أول من حسد وتكبر".стр. 102
فأتى إلى باب الجنة فاحتال حتى دخل الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف وناح نياحة أحزنتهما، فهو أول من ناح، فقالا: ما يبكيك؟ قال: عليكما، تموتان وتفقدان النعيم، ألا أدلكما على شجرة الخلد، فكلا منها، وحلف لهما أنه ناصح.........
الحواشي
(١) قال القرطبي: وسبب تكبره أنه كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفًا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكبر فعصى فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت في معصية فارجه، وقيل: إنه عبد الله ثمانين ألف سنة وأعطي الرئاسة والخزانة على الجنة استدراجًا كما أعطي المنافقون الشهادة على طرف لسانهم، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه، وكان في رئاسته والكبر متمكن في نفسه. قال ابن عباس: كان يرى لنفسه فضيلة على الملائكة، فلذا قال: أنا خير منه.
"فأتى إلى باب الجنة" فجلس في صورة شيخ يعبد ثلاثمائة سنة من الدنيا انتظارًا لأن يخرج منها أحد يأتيه بخبر آدم، فخرج الطاوس، فقال له: من أين؟ قال: من حديقة آدم وبستانه، قال: ما الخبر عنه؟ قال: هو في أحسن الحال وأطيب العيش هنأت له الجنان ونحن من خدامه، فقال: هل تستطيع أن تدخلني عليه؟ قال: من أنت؟ قال: من الكروبيين عندي له نصيحة، قال: اذهب إلى رضوان فإنه لا يمنع أحد من النصيحة، قال: أريد أن أخفيها عنهم، قال: المخفية لا تكون نصيحة، قال: نحن معاشر الكروبيين لا نقول الأسرار إن فعلت ما أقول أعلمك دعاء لن تشيب بعده أبدًا، فقال: ما أقدر ولكن أدلك على الحية، فخرجت إليه فقالت: كيف أدخلك ورضوان لا يمكنني، فقال: أنا أتحول ريحًا فاجعليني بين أنيابك، ففعلت وأطبقت فاها، فقال: اذهبي إلى شجرة البر فذهبت، هكذا في العرائس وغيرها وإياه عنى بقوله: "فاحتال حتى دخل" باب "الجنة، وأتى إلى آدم وحواء، فوقف" عند شجرة البر وغنى بمزمار وهو في فم الحية، فجاء آدم وحواء يسمعان المزمار ظنًا أن الحية هي التي تغني، فقال لهما إبليس: تقدما فقالا: نهينا عن قرب هذه الشجرة، فبكى "وناح نياحة أحزنتهما" بها "فهو أول من ناح، فقالا" أي آدم وحواء، وفي رواية: فقال له آدم "ما يبكيك؟ قال: "أبكي "عليكما" لأنكما "تموتان وتفقدان" بكسر القاف هذا "النعيم" فقالا له: وما الموت؟ فقال: تذهب الروح والقوة وتعدم حركة الأعضاء ولا يبقى للعين رؤية ولا للأذن سماع، فوقع ذلك في أنفسهما واغتما، فقال لعنه الله: "ألا أدلكما على شجرة الخلد" وملك لا يبلى، "فكلا منها" فقالا: نهينا عنها، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] ، الآية، "وحلف لهما أنه ناصح" أي: أقسم لهما على ذلك والمفاعلة في الآية للمبالغة، وقيل: أقسما عليه بالله أنهстр. 103
فهو أول من حلف كاذبًا، وأول من غش.
فأكلت حواء منها، ثم زينت لآدم حتى أكل، وظنا أن أحدًا لا يتجاسر أن يحلف بالله كاذبًا، فقال الله تعالى: يا آدم، ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة
الحواشي
(١) ناصح، فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة، "فهو أول من حلف كاذبًا وأول من غش" ولما قاسمهما الله، قال: أيكما بادر إلى الأكل فله الغلبة على صاحبه، "فأكلت حواء منها" حبة واحدة "ثم زينت لآدم حتى أكل" فأتت له بثلاث حبات، وقالت: أنا أكلت منها واحدة فكانت طيبة الطعم، وما أصابني منها مضرة، فمكث آدم مائة سنة بعد أكلها لم يأكل، ثم ناول وأخذ منها الحبات وجعل منها حبة في فيه، فقبل أن يصل طعمها إلى حلقة وجرمها إلى جوفه طار من رأسه تاجه المكلل بالدر والياقوت والجوهر ينادي: يا آدم طالت حسرتك وتزحزح السرير من تحتهما، وقال: أستحيي من الله أن أكون سريرًا لمن عصاه، وتساقط ما عليهما من سوار ودملج وخلخال ومنطقة مرصعة ونزع عنهما لباسهما، وكان على آدم سبعمائة حلة وكان من أمرهما ما كان. "و" إنما أكلا منها لأنهما "ظنا أن أحدًا لا يتجاسر" لا يجترئ على "أنه يحلف بالله كاذبًا" لعظمته في قلوبهما، بل لم يكن الكذب مطلقًا معروفًا، وظاهر سياق المصنف: أن اللعين شافههما بالإغواء، قال القرطبي: وهو قول ابن مسعود وابن عباس والجمهور، لقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] ، والمقاسمة ظاهرها المشافهة، وقيل: بل وسوس لهما وأغواهما بشيطانه وسلطانه الذي أعطاه الله؛ كما قال ﷺ : "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، انتهى.
واختلف في صفة توصله إلى إزلالهما بعدما قيل له: ﴿اخرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] ، فقيل: منع دخول التكرمة لا الوسوسة ابتلاء، وروي أنه قصد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية، وقيل: لم يدخلها بعد إخراجه منها، قال الحسن: رآهما ببابها وكان يخرجان، وقيل: كانا يدنوا من السماء فيكلمهما، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وقيل: نادى من الأرض فسمعاه من الجنة، حكاه في التعليق الوجيز، وقال قبله: الصحيح أنه لم يدخلها بل وقف بالباب وردته الخزنة عن الدخول، لكن قال السيوطي الوارد عن ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس أنه دخل في فم الحية وقاولهما بذلك، كما أسنده عنهم ابن جرير ولم يسند شيئًا من الأقوال المذكورة عن أحد، انتهى. وفيه: أن كونه لم يسندها لا ينفي ورودها، والله أعلم.
"قال الله تعالى": ابتلاء وعتابًا، "يا آدم ألم يكن فيما أبحت لك من الجنة مندوحة".стр. 104
عن هذه الشجرة؟! قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا، قال الله: وعزتي وجلالي، لأهبطنك إلى الأرض، لا تنال العيش إلا كدا، فأهبط من الجنة.
الحواشي
(١) بفتح الميم سعة وفسحة، "عن هذه الشجرة، قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ظننت أن أحدًا لا يحلف بك كاذبًا" فهذا الذي حملني على الأكل منها، "قال الله: وعزتي وجلالي لأهبطنك إلى الأرض لا تنال العيش" الكسب "إلا كدًا" بفتح الكاف ودال مهملة مشددة، أي: تعبا فتضرع آدم واعتذر، فقال: لا يجاورني من عصاني اخرج، فسأله بحق محمد أن يغفر له، فقال: قد غفرت لك بحقه ولكن لا يجاورني من عصاني، فبكى وودع كل من في الجنة حتى بكت عليه أشجارها إلا العود، فقيل له: لم تبك؟ قال: أبكي على عاص، فنودي: كما عظمت أمرنا عظمناك، ولكن هيأناك للإحراق، فقال: ما هذا؟ فنودي: أنت عظمتنا فكذلك يعظمونك لكن لم يحترق قلبك على محبينا فلذلك يحرقونك، فلما انتهى لباب الجنة ووضع إحدى رجليه خارج الباب، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له جبريل: تكلمت بكلمة عظيمة، فقف ساعة فربما يظهر من الغيب لطف، فنودي: أن دعه يخرج، فقال: إلهي دعاك رحيمًا فارحمه، فقال: إن أرحمه لا ينقص من رحمتي شيء وإن يذهب لا يعاب عليه شيء، فخل عنه يذهب ثم يرجع في مائة ألوف من أولاده عصاة حتى يشاهد فضلنا على أولاده ويعلم سعة رحمتنا، هذا ملخص ما ساقه أصحاب القصص.
"فأهبط من الجنة" بسرنديب بسين وراء مهملتين فنون فدال مهملة فتحتية فموحدة من الهند بجبل نوذ بفتح النون وذال معجمة، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هنالك طيبًا وأهبطت حواء بجدة، وقيل: بعرفة، وقيل: بالمزدلفة، وإبليس بالأبلة بضم الهمزة والموحدة وشد اللام، بلد بقرب البصرة، وقيل: أهبط بجدة والحية ببيسان، وقيل: بسجستان، وقيل: بأصفهان، وقيل غير ذلك. واختلف في قدر مكثه في الجنة. فعن ابن عباس مكث فيها نصف يوم من الآخرة وهو خمسمائة عام، وهذا قول الكلبي.
وقال الضحاك: دخلها ضحوة وخرج بين الصلاتين، وقال الحسن البصري: لبث فيها ساعة من نهار وهي مائة وثلاثون سنة من سني الدنيا. وعن وهب وابن جرير: مكث ثلاثة وأربعين عامًا من أعوام الدنيا، وقيل: بعض يوم من أيامها. وروى أحمد ومسلم والنسائي في حديث أبي هريرة مرفوعًا، "وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة" قال ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه وقلنا الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، وقلنا: بأن كل يوم بألف سنة؛ كما قال ابن عباسстр. 105
وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم، ما حملك على ما صنعت؟ قال: زينته لي حواء، قال: فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرهًا، ولا تضع إلا كرهًا، ولأدمينها في الشهر مرتين.
وقال وهب بن منبه:........................
الحواشي
(١) ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة، انتهى. وهذا الحديث تكلم فيه البخاري وشيخه ابن المديني وغيرهما من الحفاظ وجعلوه من قول كعب، وإنما سمعه أبو هريرة منه فاشتبه على بعض رواته فرفعه.
"وعن ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت، قال: زينته لي حواء" وقد ورد النساء حبائل الشيطان، "قال فإني أعقبها" بضم الهمزة وسكون المهملة وكسر القاف أجازيها "أن لا تحمل إلا كرهًا ولا تضع إلا كرهًا" أي: بمشقة "ولأدمينها في الشهر مرتين" قال الشارح: لعل المراد أن يدميها بحصول ذلك لها في مرة أو بإمكانه لها واستحقاقها إياه وأن تخلف؛ كما في العفو عن المعاصي المستحقة للعقوبة، انتهى. ولا يتم إلا أن ثبت أنه لم يداومها كل شهر مرتين وأنى به، وقيل: إنما عوقبت به لكونها أدمت الشجرة وقيل: بكسرها قوائم الحية ويحتمل أنه لذلك كله.
وقد روى الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس: أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أهبطت من الجنة، وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، فكانت المرأة تتشوف للرجل فألقى الله عليهن الحيض ومنعهن المساجد، وعنده عن عائشة نحوه، وظاهره: أن أول إرساله على نساء بني إسرائيل، قال البخاري: وحديث النبي ﷺ : "إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم"، أكثر بمثلثة أشمل وبموحدة أعظم.
وجمع الحافظ بأن المرسل على بنات إسرائيل طول مكثه بهن عقوبة لهن لا ابتداء بوجوده. وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره: أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] ، أي حاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، انتهى. وثم أجوبة أخر لا يقال إن على بنات آدم مخرج لحواء؛ لأنها لما خلقت من ضلعه نزلت منزلة بناته مجازًا أو أنه ليس قصرًا حقيقيًا، بل اقتصر على بنات آدم لكونهن من الجنس المشارك للمخاطبة بهذا الحديث، وهي عائشة تسلية لها.
"وقال وهب بن منبه" بضم الميم وفتح النون وشد الموحدة المكسورة، ابن كامل الحافظ أبو عبد الله الصنعاني العلامة الأخباري الصدوق ذو التصانيف أخوهما، روى عن ابنстр. 106
لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ له دمع.
وقال المسعودي: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حين أخرجه الله من الجنة.
وقال مجاهد: بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه إلى السماء، وأنبت الله من دموعه العود الرطب والزنجبيل والصندل وأنواع الطيب، وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى.
الحواشي
(١) عباس وابن عمر وعنه آله، وسماك بن الفضل مات سنة أربع عشرة ومائة، "لما أهبط آدم إلى الأرض مكث يبكي ثلاثمائة سنة لا يرقأ" بالهمز والقاف، أي: لا يسكن ولا يجف "له دمع" على ما أصابه، "وقال المسعودي" عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي الحافظ، قال ابن نمير: ثقة اختلط آخرًا، وقال ابن مسعر: ما أعلم أحدًا أعلم بعلم ابن مسعود منه، مات سنة ستين أو خمس وستين ومائة. "لو أن دموع أهل الأرض جمعت" وجمعت دموع آدم؛ "لكانت دموع آدم أكثر" من دموع أهل الأرض "حين أخرجه الله من الجنة" حزنًا على فراقها وفراق أهلها وعلى أكله من الشجرة وإن غفر له قبل الخروج؛ كما جزم به القرطبي وغيره لشدة الخشية وكمال عظمة الله في قلبه، وقول شيخنا: لعل المراد إلى وقت التوبة مبني على أنه لم يتب عليه إلا بعد خروجه بمدة.
"وقال مجاهد" بن جبير بفتح الجيم وسكون الموحدة، وقيل: جبير بالضم مصغرًا والأول أكثر المخزومي مولاهم المكي الثقة الحافظ الإمام في التفسير، وفي العلم أحد الأعلام المجتمع على إمامته. وذكر ابن حبان له في الضعفاء: مردود مات بمكة وهو ساجد سنة ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك، خرج له في الستة. "بكى آدم مائة عام لا يرفع رأسه" حياء من ربه ، "إلى السماء" وبهذا القيد لا ينافي قول وهب فهذه المائة بعض الثلاثمائة وخصت بالذكر للقيد، "وأنبت الله من دموعه العود الرطب" لعل المراد الذي يتبخر به، قال شيخنا: وقد ذكروا أنه مما نزل معه من الجنة، فإن صح ما ترجاه، فيحتمل أنه ما نبت في الأرض إلا بدموعه، "والزنجبيل" عرق يسري في الأرض ونباته كالقصب والبردي، له قوة مخنة يسيرًا باهية مذكية وإن خلط برطوبة كبد المعز وجفف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر، "والصندل" خشب معرف أجوده الأحمر أو الأبيض محلل للأورام نافع للخفقان والصداع ولضعف المعدة الحارة والحميات، قاله وما قبله القاموس. "وأنواع الطيب" عام على خاص أي: الذي له رائحة وإن استعمل لغيرها، "وبكت حواء حتى أنبت الله من دموعها القرنفل والأقاوى" الطيب، وتطلق علىстр. 107
يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعله واحدة ثلثمائة سنة، فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار، كان آدم كلما رأى الملائكة تصعد وتهبط ازداد شوقًا إلى الأوطان، وتذكر العهد والجيران، يا أصحاب الذنوب احذروا زلة يقول فيها الحبيب: هذا فراق بيني وبينك، فياذا العقل السليم، انظر كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة........................................
الحواشي
(١) توابل الطعام؛ كما في المصباح.
وفي القاموس: الأفواه التوابل الواحد فوه كسوق وجمع الجمع أفاويه، ونحوه في المصباح. فسقوط الهاء من المصنف تخفيف أو لغة قليلة ثم وشح المؤلف تلك القصة بمنزع صوفي على عادته، فقال: "يا بني آدم، انظروا كيف بكى أبوكم على فعلة واحدة" بفتح الفاء اسم للمرة من الفعل، وفي نسخة على صغيرة واحدة ولا يناسب ترديده الآتي، كذا قيل وأنت خبير بأن الترديد إنما هو على لسان السائل مع الجزم بأنها صغيرة في الجواب، فكلتاهما مناسبة "ثلاثماة سنة" مع النسيان والتأويل، "فكيف بكم يا أصحاب الكبائر العظيمة"؟ العمد "فاعتبروا" اتعظوا وقيسوا حالكم في استحقاق العقوبة بالذنب على حال أبيكم في إخراجه من الجنة بفعلة "يا أولي الأبصار" البصائر، "كان آدم" ﵇ "كلما رأى الملائكة تصعد" بفتح العين مضارع صعد بكسرها، "وتهبط، ازداد شوقًا إلى الأوطان" جمع وطن، أي: أماكن الجنة سماها بذلك؛ لأنه أبيح له نعيمها بلا تخصيص محل منها دون آخر، وفيه إشعار بتكرر رؤيته للملائكة وأنها حقيقة وهل على صورهم الأصلية أو غيرها محل نظر، وقد ذكروا أن من خصائص المصطفى رؤية جبريل على صورته مرتين، "وتذكر العهد" الأمان الذي كان فيه قب هبوطه أو المنزل، فهو كالتفسير للأوطان أوائل عهدية، أي: تذكر عهد الله الذي نسيه فصار في هذه الحالة، "والجيران" جمع جار وهو المجاور في السكن والمراد الملائكة وغيرهم من الحيوان سماهم جيرانًا، لكونهم معه في الجنة، "يا أصحاب الذنوب، احذروا زلة يقول فيها الحبيب" لمحبه "هذا فراق بيني وبينك" تلميح بقصة موسى مع الخضر؛ لأن آدم لما أكل تباعد عنه أحبابه وما أواه أحد فكأنهم قالوا له ذلك، "فيا ذا العقل السليم، انظر" بعقلك "كيف جلس أبوك آدم على سرير المملكة" مر قول الحكيم أنه من ذهب أو ياقوت أحمر له سبعمائة قائمة، ونحوه في المشكاة وذلك يأبى ادعاء أنه تمثيل من حيث جعله سرير المملكة، وإن سلم فهو صورة جعلت لآدم اجلس عليها تكريمًا، وعبر عنها بذلك مجازًا، فإن الأصل الحقيقة وإثبات الصورة يمنع التمثيل وغاية الأمر أن التجوز في الإضافة للمملكة مع أنه مسمى بذلك عندهم؛ كما أفاده الخبر وما به ضرر، فليس أقوى من إضافة العرش والكرسي لله في التنزيل مع تنزههстр. 108
فمد يده إلى لقمة نهى عنها فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به نزلت به وحطته عن مرتبته.
فإن قلت: هذه الفعلة التي أهبط بها آدم من الجنة، إن كانت كبيرة فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء، وإن كانت صغيرة فلم جرى عليه بسببها ما جرى من نزع اللباس والإخراج من الجنة وغير ذلك؟
أجاب الزمخشري: بأنها ما كانت إلا صغيرة، مغمورة بأعمال قلبه من الإخلاص والأذكار الصالحة التي هي أجل الطاعات، وأعظم الأعمال، وإنما جرى عليه ما..................
الحواشي
(١) سبحانه عن الحلول والجسم، "فمد يده إلى لقمة نهى عنها، فأخرج من الجنة، فاحذروا يا بنيه عواقب المعاصي فإنها من نزلت به" أي: أصابته، "نزلت به" أي: خفضته، "وحطته عن مرتبته" عطف تفسير، "فإن قلت: هذه الفعلة" بفتح الفاء للمرة كما مر، وبكسرها اسمًا للهيئة، أي: ما هيئة هذه الفعلة؟ "التي أهبط بها آدم من الجنة" أبالغة في المخالفة، فتكون كبيرة أم لا؟ "إن كانت كبيرة، فالكبيرة لا تجوز على الأنبياء" إجماعًا لا قبل النبوة ولا بعدها، "وإن كانت صغيرة" وقلتم بجوازها عليهم، فالصغائر مغفورة باجتناب الكبائر لآحاد الأمة فكيف بنبي ولد الأنبياء؟ "فلم جرى عليها بسببها ما جرى من نزع اللباس" بمجرد تعلق الإرادة لا بفعل فاعل لما مر أنه بمجرد وضع الحية في فيه طار عنه تاجه وتهافتت ثيابه، "والإخراج من الجنة، وغير ذلك" من المعاتبة بنحو قوله: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة والفضيحة يبدو السوأة وتهافت اللباس ووهن الجلد، بعدما كان الظفر والإخراج من الجنة مع النداء: لا يجاورني من عصاني، والفرقة بينه وبين حواء مدة والعداوة بعضكم لبعض عدو، والنداء بالنسيان: فنسي ولم نجد له عزمًا، وتسليط العدو على ولده وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، وجعل الدنيا سجنًا له وولده والتعب والشقاء فلا يخرجنكما من الجنة فتشقا، فهذه خصال ابتلي بها آدم ﵇ وبها ابتليت حواء مع خمس عشرة معها تطلب من التواريخ.
قلت: "أجاب الزمخشري" أبو القاسم محمود العلامة جار الله المعتزلي، قال ابن خلكان وغيره: كان يتظاهر به وإذا استأذن على صاحب له بالدخول يقول أبو القسم المعتزلي بالباب وأول ما صنف الكشاف، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة. "بأنها ما كانت إلا صغيرة مغمورة" بغين معجمة، مستورة "بأعمال قليلة من الإخلاص والأذكار الصالحة، التي هي أجل الطاعات وأعظم الأعمال" والصغيرة إذا غلبتها الطاعات لا يؤاخذ بها، "وإنما جرى عليه ماстр. 109
جرى تعظيمًا للخطيئة، وتفظيعًا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفًا له ولذريته في اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم.
يا هذا، انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين، واجتهاد العابدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين...................
الحواشي
(١) جرى تعظيمًا للخطيئة وتفظيعًا" بفاء معجمة، إظهارًا "لشأنها" أي: قبحها، وفي القاموس: الشأن: الخطب والأمر، فلعل الإضافة بيانية ولم يقل لها قصد للمبالغة كما هو عادتهم، "وتهويلا" تخويفًا لمرتكب الخطيئة؛ "ليكون ذلك لطفًا" بضم اللام، رفقًا "له ولذريته في اجتناب الخطايا" لأن ذلك كان سببًا لما حصل له من الكمالات في الدنيا المفيدة لكثرة الثواب وعظم المنزلة في الآخرة، "واتقاء المآثم" جمع مأثم عطف تفسير، وصريح ذا الجواب جواز وقوع الصغيرة من الأنبياء.
قال القرطبي: وهو مذهب الأكثرين، والمراد نسيانًا إلا الدالة على خسة كسرقة لقمة، بل قال الطبري وغيره من الفقهاء المتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم خلافًا للرافضة، لكن قال جمهور الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها، انتهى.
والأخير رأي الإسفراييني وعياض والشهرستاني والتقي السبكي: لكرامتهم على الله أن يصدر منهم ذنب وقد استدل الأولون بظواهر من الكتاب والسنة إن التزموها أفضت بهم إلى الكفر وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلفت فيه وتقابلت الاحتمالات في معناه؛ كما بسطه عياض في الشفاء، ولذا قال شيخنا: الأولى، والجواب بأن محل عصمتهم من الصغائر إن لم يترتب عليها تشريع ونحوه، فجاز وقوع ما هو صورة صغيرة من آدم لما ترتب عليها من المنافع له ولذريته، فلا ينافي أنها لا تقع منهم لا عمدًا ولا سهوًا.
"يا هذا انظر كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم من الجنة إلى الأرض" الظاهر: أن الحكمة هنا الفائدة المترتبة على هبوطه، كما يشير إليه قوله: "لولا نزوله لما ظهر جهاد المجتهدين واجتهاد العابدين" وإن كانت الحكمة في الأصل تحقيق العلم وإتقان العمل، "وا صعدت" بكسر العين، "زفرات" بفتح الزاي والفاء وتسكن للشعر جمع زفرة، أي: أصوات "أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين" وفي تفسير القرطبي: لم يكن إخراج الله آدم منстр. 110
يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب مجيب، أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، وإن كان فاتك في السماء زجل المسبحين فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين، أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم، زجل المسبحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار، "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم".
الحواشي
(١) الجنة عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته، وإنما أهبطه تأديبًا أو تغليظًا للمحنة، والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم، ويترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا داري تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه ولله فعل ما شاء، وقد قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، وقال أرباب المعاني، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] ، إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه لا تدوم؛ لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل عليه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ، انتهى.
وفي الأحوذي: خروج منها سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم، ووجود الأنبياء والمرسلين والصالحين ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطاره ثم يعود إليها، انتهى. ولما تاب الله على آدم بين له بالوحي والإلهام ما اطمأنت به نفسه، وذهب به روعه، حتى كأنه قال له: "يا آدم إن كنت أهبطت من دار القرب" فلا تحزن "فإني قريب مجيب" فقربي لك في الجنة، كهو في الأرض "أجيب دعوة الداعي، إن كان حصل لك من الإخراج كسر" وهو الواقع "فأنا عند المنكسرة قلوبهم" اسم فاعل من انكسر مطاوع كسر من باب ضرب، ووصف القلب به تجوزا كأنه شبه ضعفه وذلته بتفرق أجزاء شيء منكسر، "من أجلي" وليس هذا بحديث قدسي، فغاية ما في المقاصد حديث أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، جرى في البداية للغزالي.
"وإن كان فاتك في السماء زجل" بفتح الزاي والجيم ولام: أصوات "المسبحين، فقد تعوضت في الأرض أنين المذنبين" ولا تقل فرق بينهما فـ"أنين المذنبين أحب إلينا من تسبيحهم" أي: المسبحين، وإذا أحب إلينا فأنت تحب ما نحب، "زجل المسبحين" من حيث هم لا مسبحي السماء، "ربما يشوبه الافتخار" فيفسده "وأنين المذنبين يزينه الانكسار" فبواسطته فاق الثلاثة ثم رشح هذا الوارد الصوفي المساق عن الحق ﷻ على طريق الصوفية، بقوله ﷺ فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "والذي نفسي بيده " لو لمследующие страницы →