Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
٧] ، أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ.
وقد كان ابن مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه -وإن فقد بصره- كان يسمع مخاطبة الرسول ﷺ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه ﵇ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﵇ بعد سماعه إيذاء له ﵇ وذلك معصية عظيمة. فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية وأن الذي فعله الرسول ﷺ كان هو الواجب المتعين، وقد كان ﵊ مأذونًا له في تأديب أصحابه، لكن ابن أم مكتوم بسبب عماه
الحواشي
(١) لأن فيه بعض أعراض، كما زعم ابن عطية "أي: ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، أي: لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم" لأنه كان شديد الحرص على إسلام قريش وأسماعهم، لما جبله الله عليه من الرأفة والرحمة، "أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم" إلى الإسلام "أن" ما "عليك إلا البلاغ" وقد فعلت، وأما قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ فضميره لابن أم مكتوم.
وقيل للكافر، أي: إذا طمعت في أن يزكى بالإسلام أو يذكر فتنفعه، أي: تفر به الذكرىإلى قبول الحق، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن، ورجح الأول بأن ما في القرآن من يدريك، فهو مما أعلمه الله به وما فيه من إدراك مما لم يعلمه به وأيضًا فالكافر لم يسبق له ذكر صريح.
زاد عياض: وقيل: المراد ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ الكافر الذي كان مع النبي ﷺ قاله أبو تمام، انتهى.
وتعقب بأنه قول في غاية الضعف، بعيد من السياق، مخالف لقول المفسرين، أنه النبي صلى الله عليه سلم وزاد المصنف على الشفاء قوله: "وقد كان ابن أم مكتوم يستحق التأديب والزجر" بحسب ظاهر الحال، إذ في قطع كلامه إيذاء له، "لأنه وإن فقد بصره كان يسمع مخاطبة الرسول ﷺ شدة اهتمامه ﵇ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﵇ بعد سماعه إيذاءً له ﵇، وذلك معصية عظيمة" واعتذر عنه بأنه شدة حرصه على طلب ما ينفعه من النبي ﷺ واشتغاله به صرفه عن معرفة أنه كان مشغولًا بتأليف الكفار، "فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية، وأن الذي فعله الرسول ﷺ كان هو الواجب المتعين" إذ هو مأمور بالإبلاغ والدعوة برفق، "وقد كان ﵊ مأذونًا له في تأديبстр. 4097
استحق مزيد الرفق به.
وأما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] الآية.
فروى ابن أبي حاتم عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، وكذا قال مورق العجلي وغيره.
وقال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون ثم أنزل الذي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إنشاء فقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ، ففوض الأمر إلى رأيه ﵊.
الحواشي
(١) أصحابه، لكن ابن أم مكتوم بسبب عماه استحق مزيد الرفق به" فذكره الله في كتابه بلفظ الأعمى، وأنه جاءه يسعى، أي: يمشي مع عجزه إلى إشارة لذلك، وللصفح عنه، وذكر من فضله أنه يخشى: أي: الله تعالى، وأنه يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى.
وروى أنه ﷺ كان إذا رآه بعد ذلك، قال: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، وبسط له رداءه، واستخلفه على المدينة مرارًا، قال أنس: رأيته يوم القادسية ومعه راية سوداء، وعليه درع، قيل: استشهد بها، وقيل: بل شهدها ورجع، فمات بالمدينة، ولم يسمع له بذكر بعد عمر، ومر بعض شيء من مناقبه في غير موضع ﵁.
وأما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ، في التخلف عن الغزو الآية، فروى ابن أبي حاتم مسعر" "بكسر الميم وسكون السين، وفتح العين المهملتين"، "عن عون" "بالنون" ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الكوفي، الزاهد، الفقيه، الثقة، المتوفى في حدود الستين عد المائة: "قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا، بدأ بالعفو قبل المعاتبة" الصورية لما يأتي أن الخطاب به يدل على التعظيم، ثم لا ينافيه قوله الآتي: لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، لأنهم لما رأوه في غاية الملاطفة ولم يظهر منه لوم لم يعدوه معاتب، لأن شأنها أن تكون على جهه لوم من المعاتب، ولذا قال: لم يعدوه ولم ينسب إليهم، نفي المعاتبة من أصلها.
"وكذا قال مورق" "بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء الثقيلة وقاف" "العجلي" أبو المعتمر البصري، تابعي، ثقة، عابد، مات سنة اثنتين ومائة نسبة إلى عجل بن بكر بن وائل "وغيره".
"وقال قتادة: عاتبه الله تعالى كما تسمعون" في براءة "ثم أنزل الذي في سورة النورن فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أمرهم، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] بالانصراف، "ففوض الأمر إلى رأيه عليه الصلاةстр. 4098
وقال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسرى، فعاتبه الله كما تسعمون. وأما قول بعضهم إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب لأنه تعالى قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ والعفو يستدعي سالفة ذنب، وقول الآخر: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يوجب ذنبًا، ولم لا يقال إن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه، كما يقول الرجل لغيره، إذا كان عظيمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال ﷺ : "عفا الله عنك عن صدقة الخيل والرقيق" ولم تجب عليهم قط، أي لم
الحواشي
(١) والسلام" لكن إنما يتم هذا إن كان التفويض سابقا على الإذن، أما إن كان بعده، كما يشعر به تعبيره بثم، فلا يظهر ذلك.
"وقال عمرو": بفتح العين "ابن ميمون" بن مهران الجزري، ثقة، فاضل، من رواة الجماعة، مات سنة سبع وأربعين ومائة، "اثنتان فعلهما النبي ﷺ ، لم يؤمر فيهما بشيء" أي: لم يبين له فيهما شيء، لا يطلب فعل ولا ترك "إذنه للمنافقين" في التخلف عن الغزو، "وأخذه الفداء من الاسرى" ببدر، "فعاتبه الله كما تسمعون" في القرآن.
"وأما قول بعضهم: إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب، لأنه تعالى قال: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ والعفو يستدعي سالفة" بلام وفاء، أي: سابقة "ذنب".
هذا قول من يجهل لغة العرب، كما يأتي: "وقول الآخر" ممن يجوز الصغائر عليهم، قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ استفهم بمعنى الإنكار، والإنكار يقتضي ذلك "فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يوجب ذنبًا، إذ لم يتقدم فيه نهى من الله حتى يكون ذنبًا، ولا عده الله عليه معصية، ولفظ عفا لا يقتضي ذلك ولا يستلزمه، "ولم لا يقال أن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه" تفسير "كما يقول الرجل لغيره إذا كان عظيمًا عنده عفا الله عنك ما صنعت في أمري" آتيًا بالعفو قبل الاستفهام، حتى لا يبدأ به خطابه تعظيمًا، "ورضي الله عنك، ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا" "بفتح الهمزة أداة استفتاح" "عرفت حقي فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل" تحاشيًا عن جعل الاستفهام أول كلامه للمعظم، عنده "وليس عفا هنا" في الآية" "بمعنى غفر" أي: ستر، وترك المؤاخذة "بل" بمعنى لم يلزمك شيئًا في الإذن، "كما قال ﷺ : عفا الله لكم عن صدقهстр. 4099
يلزمكم ذلك.
ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنبًا.
وأما الجواب عن الثاني فيقال: إما أن يكون صدر من الرسول ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنكارًا عليه، وإن قلنا إنه صدر عنه ذنب - وحاشاه الله من ذلك- فقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ يدل على كون
الحواشي
(١) الخيل والرقيق، ولم تجب عليهم" زكاة في خيل ورقيق "قط، أي: لم يلزمكم ذلك" فليس معناه إسقاط ما كان واجبًا ولا ترك عقوبة هنا.
وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي، مرفوعًا بلفظ: قد عفوت لكم عن زكاة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة.. الحديث بطوله، فنازع بعضهم عياضًا، متبوع المصنف، بأنه لم يقف عليه بلفظ عفا الله لكم، وتعقب بأن عياضًا من الحفاظ، وقف عليه، ومثله لا يقرع له العصا، "ونحوه" أي: ما ذكره "للقشيري" بلفظه من قوله: وليس عفا، وبمعناه من أول قوله: فاعلم، ولفظه عند عياض؛ ومعنى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ ، لم يلزمك ذنبًا.
قال الداودي:
روي أنها تكرمة، وقال مكي: هو استفتاح كلا مثل أصلحك الله وأعزك، وحكى السمرقندي، أن معناه عافاك الله.
قال القشيري: "وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب"، فيقف على معانيه الواردة في لغتهم، كعدم اللزوم الوارد في كلام أفصح العرب، وأصل معنى العفو الترك، وعليه تدور معانيه، "ومعنى عفا الله عنك، أي: لم يلزمك ذنبًا، وأما الجواب عن الثاني، فيقال" على طريق المنزل مع الخصم "إما أن يكون صدر من الرسول ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: أمتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: لم أذنت لهم إنكارًا عليه" إذ من لم يذنب لا ينكر عليه فعله، "وإذن قلنا أنه صدر عنه ذنب، وحاشاه الله من ذلك" أي: نزهة، فقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يدل على حصول العفو وبعد حصول الفعو، يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، إذ بعد العفو كأنه لم يقع منه "فثبت أنه على جميع المقادير" أي: التقديرين المذكورين بناءً على أن الجمع ما زاد على الواحد، "يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ .стр. 4100
الرسول مذنبًا، وهذا جواب شاف كافٍ قاطع، وعند هذا يحمل قوله لم أذنت لهمعلى ترك الاولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي ﷺ معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرًا، فلما أذن لهم اعلمه الله أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم.
الحواشي
(١) يدل على كون الرسول مذنبًا" كما ادعى ذلك البعض.
"وهذا جوا شافٍ" من هذا الداء العضال، وهو نسبة ذنب إلى أفضل الخلق، "كافٍ" في دفع شبهة الخصم، "قاطع" لها أصلًا لما فيه من التنزل معه، "وعند هذا يحمل قوله: لم أذنت لهم على ترك الأولى، والأكمل" فقط لا على الإنكار، "بل لم يعد هذا أهل العلم" أي: أحد منهم "معاتبة" بفعل خلاف الأولى، "ولغطوا من ذهب إلى ذلك" من المفسرين، "فقال نفطويه": "بنون ففاء فطاء مضمومة فواو ساكنة، فياء مفتوحة عند أصحاب الحديث، لأنهم لا يحبون، وبه وعند الأدباء "بفتح الطاء والواو وسكون الياء" وهو لقب لإبراهيم بن محمد الأزدي، النحوي، لدناءة منظرة، مات سنة ثلاث وعشرين وقيل: أربع وعشرين، وثلاثمائة، "ذهب ناس إلى أن النبي ﷺ معاتب بهذه الآية، وحاشاه" الله "من ذلك" أي: برأه ونزهه وأصل معناه جعله في حشي، أي: جانب "بل كان مخيرًا" في الإذن وتركه، وقد كن له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل فيه شيء، فكيف، وقد قال الله تعالى له: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ هكذا في كلام نفطويه، أي: فتعليق الأمر بالمشيئة صريح في أنه مخير "فلما أذن لهم أعلمه الله" بما لم يطلع عليه، "أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا" ولو أمروا بخلاف القعود "لنفاقهم" وهم يدعون بالاستئذان أنه لو لم يأذن ما تخلفوا، فإذا ظهر كذبهم وانكشف مغطاهم لزم شق العصا وما يترتب عليه، فكان ما فعله أولى وأصوب، "و" أعلمه "أنه لا حرج" لا وزر ولا إثم "عليه في الإذن لهم" بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ حيث لم يلزمك أن لا تأذن حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين، أي: لو صبرت لتبين لك أمرهم، فهو إشارة إلى كمال الرفق به ﷺ ، وأنه لم يقع منه تقصير يقتضي العتاب، ولا خطأ في الاجتهاد، ولا ارتكاب خلاف الأولى، وما أحلى قول ابن المنير في تفسيره ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] ، دعامة في الكلام، يقصد بها ملاطفة المخاطب، وهو عادة العرب في التلطف بتقديم الدعاء لاستدعاء الإصغاء أو خير معناه لا عهدة عليك، فهو تخصيص وتمييز، لا أن الإذن ذنب يتعلق به العفو، لأن في تحمله ومسامحته لهم مع أذاهم حملًا للمشقة على نفسه، وإسقاطًا للجظوظ، فهو عتب عليه بلطف لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت ما أجحف بك في محبة الله وطاعته، والرفق بالبرстр. 4101
وأما قوله تعالى في أسارى بدر ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧-٦٨] .
فروى مسلم من إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبي ﷺ أباب بكر وعمر وعليًا، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت
الحواشي
(١) والفاجر، وأين هذا من التخطئة التي بزغ بها الزمخشري، عرق العجمة لإساءة الادب على المصطفى، وأراد بعضهمأن يصلح، فأفسد، فقال: بدأ بالعفو قبل العتب، ولو عكس انقطع نياط قلبه، وكله ذهول عن عتب الحبيب في خيفه على نفسه، وهو تخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، وهذا كما قيل له إذ جهد وجد في العبادة ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ ، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ .
"وأما قوله تعالى في أسارى بدر" ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ﴾ "بالتاء والياء" ﴿لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ حطامها بأخذ الفداء ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] أي: ثوابه بالقتل إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ فروى مسلم في إفراده" عن البخاري فهو من الثالثة من مراتب الصحيح "من حديث عمر بن الخطاب، قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون، وأسر سبعون" مثله في حديث البراء عند البخاري، وابن عباس عند مسلم، ووافقهم آخرون، وبه جزم ابن هشام محتجًا له، بقوله: قد أصبتم مثليها لاتفاق علماء التفسير، على أن الخطاب لأهل أحد، وإصابتهم مثليها يوم بدر، وإن اتفق أهل السير على أن القتلى خمسون، يزيدون قليلًا أو ينقصون، وعدهم ابن إسحاق خمسين.
زاد الواقدي: ثلاثة أو أربعة، وابن هشام زيادة على ستين، لأنه لا يلزم من عدم معرفة أسماء من قتل على التعيين، أن يكونوا جميع القتلى "استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر، وعليًا".
وفي رواية أحمد، عن أنس، فقال: إن الله قد مكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس، "فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم، والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة" أي: مقويًا "لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله" للإسلام" فيكونوا لنا عضدًا": ناصرين، فحاصله أنه رأى عدم القتل استبقاء للقرابة، ولرجاء إسلامهم مع أخذ الفدية، مراعاة للجيش ليقووا على الكفار "فقال ﷺ : ما ترى يا ابنстр. 4102
والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، فهوي ما هوى أبو بكر ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله ﷺ وإذ هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال النبي ﷺ : أبكِ للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة فأنز الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ .
الحواشي
(١) الخطاب، قال: قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان، قريب لعمر، فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل": أخيه، شقيقه، "فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه": يعني العباس: "فيضرب عنقه" أي: يقتله "حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة" "بفتح الهاء والواو فألففدال مهملة فهاء"، ميل ورجوع "للمشركين".
زاد في راوية: هؤلاء أئمة الكفر وصناديد قريش وأئمتهم وقادتهم، فأضرب أعناقهم، ما أرى أن تكون لك أسرى، فإنما نحن رعايا مؤلفون "فهوى" "بكسر الواو"، أحب "ما هوى أبو بكر، ولم يهو ما قلت" لماجبل عليه من الرأفة والرحمة في حال إيذائهم له، فكيف في حال قدرته عليهم، ولم يذكر أيًا عن علي، لأنه لم يظهر له مصلحة حتى يذكرها، أو لأنه لما رأى أن المصطفى هوى قول أبي بكر، رآه أنه الصواب، فسكت عليه، "فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله ﷺ وإذا هو قاعد وأبو بكر الصديق، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ " لأن عمر ما تغير رأيه "فإن وجدت بكاء" أي: سببًا له، بحيث تطاوعني عيني في نزول الدمفع "بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت"، أي: تشبهت بالباكين موافقة لكما، وإن لم يسل دمع، "فقال النبي صلى الله عليهوسلم: أبك للذي عرض"، أي: أظهر لي، يقال: عرض له أمر إذا ظهر "أدنى" أقرب "من هذه الشجرة لجشرة قريبة منه فأنزل الله تعالى".
وفي حديث ابن مسعود عند أحمد والترمذي: فنزل القرآن بقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ .
وفي حديث أنس عند أحمد فأنزل الله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْстр. 4103
وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ : أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الغسلام ويستولي أهله.
وليس في هذا إلزام ذنب للنبي ﷺ بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء ﵊ فكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك كما قال ﵊: "أحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي".
وأما قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فقيل المراد بالخطاب من أراد
الحواشي
(١) عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقالك ﷺ : إن كان ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أيك يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله" على البلاد ويل: معنى يثخن: يتمكن في الأرضن وما كان نفي للكون، وجاء بمعنى لا يليق ولا ينبغي أن يأتي به، وبه سر المستدل بالآية على الصغائر وقد رده، بقوله: "وليس في هذا إلزام ذنب للنبي ﷺ ، بل فيه بيان ما خص به" إكرامًا له، "وفضل به من بين سائر" باقي"الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأنه ، قال: ما كان هذا؟ " أي: لم يقع "لنبي غيرك، كما قال ﵊: أحلت لي الغنائم".
وفي رواية المغانم: "ولم تحل لنبي قبلي"، قيل: ليس في الآية دليل على ما قال المصنف، بخلاف الحديث، ورد بأن الفداء في معنى الغنائم، لأنه مال مأخوذ من الكفرة، فذكرل الحديث إشارة إلى أنه يؤيد هذا التأويل، وفي المسائل الأربعين للرازي، العتاب وقع هنا على ترك الأولى، لأن الأفضل في ذلك الوقت الإثخان وترك الفداء قطعًا للأطماع، ولوا أنه خلاف الأولى، ما فوضه ﷺ لأصحابه، وفي حواشيه للقرافي الصواب إنه فوض الاجتهاد في أمر الاسرى له، ففوضه لأصحابه، فرأى عمر القتل، وكان هو المصلحة، وهو من إحدى موافقاته، واجتهاد الصحابة لم يؤد للمصلحة، فخلص عمر ولم يؤاخذ النبي ﷺ لبذل جهده في اجتهاده، فله الأجر.
ولذا قال: عرض علي عذابكم دون عذابي، لخروجه عن موجبه ببذل جهده وإلى هذا ذهب فحول العلماء جمعًا بين ظاهر الاية وما يجب لمقامه ﷺ من العصمة، وأما قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ "فقيل" في الجواب: "المراد بالخطاب من أراد ذلك منهم" أي: الصحابة: "وتجرد": خلصстр. 4104
ذلك منهم وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي ﷺ ولا عليه أصحابه.
بل قد روي عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فاختلف المفسرون في معنى هذه الآية:
فقيل معناه: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم، فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية.
وقيل: لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم.
الحواشي
(١) وتمحض "غرضه" بمعجمتين، أي: قصده "لعرض" بمهملة "الدنيا وحده"، أي: منفردًا عن قصد ثواب الآخرة، وهو مؤكد لما قبله، "والاستكثار منها" بأخذ ما يناله، "وليس المراد بهذا" الخطاب "النبي ﷺ " لشرف نفسه عن النظر لها، "ولا عليه" "بكسر العين وإسكان اللام وخفة الياء"، أي: معظم "أصحابه" كأبي بكر، وأن أشار بالفداء، فلرجاء الإسلام والتقوى على الكفار ومراعاة القرابة، كما مر، "بل" إضراب انتقالي.
"قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسلب" "بفتحتين" ما يسلب، أي: يؤخذ من القتلى من لباس ونحوه، "وجمع الغنائم عن القتال" متعلق باشتغل "حتى خشي عمر أن يعطف" يرجع "عليهم العدو" كارًا، "ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] ، تقدم على هذه القصة بإحلال الغنائم والاسرى لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] ، "فاختلف المفسرون" في معنى هذه الأية، فإن أردت بيان معناه "فقيل: معناه" كما نقله الطبري عن محمد بن علي بن الحسين "لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم" على ما أخذت من الفداء، إذ لو كان منهيًا عنه محرمًا لاستحق بمخالفته العذاب، فامراد بالكتاب حكم الله الذي كتبه وقدهر، "فهذا" التفسير "ينفي": يمنع "أن يكون أمر الأسرى" أي: فداؤهم "معصية لعدم النهي عنه.
"وقيل": المعنى "لولا إيمانكم بالقرآن، وهو الكتاب السابق"، المراد في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ ، "فاستوجبتم به الصفح": عدم المؤاخذة "لعوقبتم على" أخذстр. 4105
وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم.
وهذا كله ينفي الذبن والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ .
وقيل: بل كان ﵊ قد خير في ذلك، وقد روي عن علي قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه.
الحواشي
(١) "الغنائم" وما في حكمها من الفداء.
قال عياض: ويزاد هذا القول تفسيرًا وبيانًا بأن يقال: لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم كما عوقب من تعدى، أي: تجاوز ما نهى عنه، فالكتاب على هذا القرآن وسبقه تقدمه أزلًا، أو لتقدم ما نزل.
"وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ" المكتوب فيه جميع ما هو كائن، "إنها" أي: الغنائم "حلال لكم" الانتفاع بها والتصرف فيها، "لعوقبتم"على أخذها، "وهذا كله ينفي الذنب والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص"، فلا دليل فيها على تجويز الصغائر على الأنبياء، وأصرح من ذلك ما قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفعال: ٦٩] ، أي: انتفعوا به لا خصوص الأكل وذكره لكثرته وغلبته واستدل به الأكثر على أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة.
"وقيل: بل كان ﵊ قد خير في ذلك" أخذ الفداء والقتل فلما أخذ قيل كان الأولى خلافه، "و" يدل على أنه خير أنه "قد روى" عن الترمذي والنسائي وابن حبان والحكم، بإسناد صحيح، فما كان ينبغي تعبيره.
يروى: "عن علي، قال: جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يوم بدر" أي: زمنه، "فقال: خير أصحابك في الأسارى أن شاؤا الفداء"فليفدوا "على أن يقتل منهم في العام المقبل" التالي لهذا العام أي: إن الله قدر عليهم إن أخذوا الفدا يقتل من الصحابة "مثلهم" سبعين، "فقالوا": نختار "الفداء، ويقتل منا" مثلهم رغبة في الشهادة.
وعند ابن سعد من مرسل قتادة، فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم، ويدخل القابل منا الجنة سبعون، ففادوهم، "وهذا دليل على أنههم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه" فلا ذنبстр. 4106
لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، فكلهم غير عصاة ولا مذنبين.
وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادي في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما
الحواشي
(١) ولا معصية "لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين" وهو الفداء باجتهاده، وهو جائز بحضرته ﵊ "مما كان، الأصلح" للإسلام "غيره من الأثخان والقتل" الذي هو أعز الوجهين بيان لغيره "فعوتبوا على ذلك" أي: اختيار غير الاصلح "وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم" وهو عمر، "فكلهم غير عصاة ولا مذنبين" لأن كلا منهم اختار ما أدى إليه اجتهاده ظانًا أن الخير فيه.
قال عياض: وإلى نحو هذا أشار الطبري، وقوله ﷺ : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر، غشارة إلى أن هذا من تصويب رأيه، ورأى من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين وإظهار كلمته وإبادة عدوه، وأن هذه القصة لو استوجبت عذابًا لنجا عمر، وعينه، لأنه أول من أشار، بقتلهم ولكن الله لم يقدر عليهم ذلك لحله لهم فيما سبق.
وقال الداودي: الخبر بهذا لم يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أنه ﷺ يحكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر فيه إليه، وقد نزهه الله عن ذلك، هكذا في الشفاء قبل قوله: "وقال القاضي بكر" بن محمد "بن العلاء" بن محمد البصري، ثم المصري، أحد كبار المالكية والمحدثين، له تصانيف جليلة، تقدمت ترجمته، "أخبر الله تعالى نبيه في هذه الأية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء"، وكيف لا يكون الفداء حلالهم قبل ذلك، "وقد كان ﷺ قبل هذا"، أي: غزوة بدر "فأدى في سرية عبد الله بن جحش" الأسدي، ابن عمته ﵊ أميمة، أحد السابقين الأولين، استشهد بأحد "التي قتل فيها" عمرو "بن الحضرمي" بسهم رماه به واقد بن عبد الله، وذلك أنه ﵊ بعث عبد الله في سرية يعترض عبر قريش، فنزلوا بطن نخلة، وقتل ابن الحضرمي، وأسر الحكم وعثمان بن عبد الله "بالحكم بن كيسان" متعلق بفادي لا بقتل، وكان الأولى حذف الباء، وأسره المقداد بن الأسود، فأراد ابن جحش قتله، فقال المقداد: دعه، تقدم به على رسول الله ﷺ ، فأسلم وحسن إسلامه، واستشهد ببئر معونة، "وصاحبه" عثمان بن عبد الله ذهب حين فدى إلى مكة، فمات بها كافرًا، "فما عتب الله ذلك عليهم"، فلو كان ممنوعًا لعتب" "وذلك قبل بدرстр. 4107
عبت الله ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من ام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي ﷺ في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة على ما تقدم قبل ذلك فلم ينكره الله عليه. لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدروكثرة أسرارها -والله أعلم- إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا،
الحواشي
(١) بأزيد من عام"، هذا سهو، لأن السرية كانت في رجب، وقيل: في جمادى الآخرة، وبدر في رمضان، كلاهما في ثانية الهجرة، فبينهما أقل من ثلاثة أشهر، وقد تعقبوا الشفاء، متبوع المصنف بهذا، ومثله لا يخفى عليهما، ولكن الكمال لله، "فهذا كله يدل على أن فعل النبي ﷺ في شأن الأسرى كان على تأويل" باجتهاد منه ومن أصحابه، "وبصيرة" جريًا "على ما تقدم قبل"، أي: قبل "ذلك" الفعل "مثله، فلم ينكره الله عليه، لكن الله تعالى أراد" وله ما كان لنبي ... إلخ.
"لعظم أمر بدر" بكسرها شوكة المشركين وإرعاب قلوبهم، فلو زادوا بقتل الاسرى كان أقوى، "وكثرة أسرارها"،جمع أسير، "الله أعلم" بما أراد جملة معترضة" "إظهار نعمته" مفعول أراد، أي: ظهورها على المسلمين، "وتأكيد منته" عليهم "بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ" على أحد الوجوه السابقة قريبًا في المراد بالكتاب "من حل ذلك" لهم، "لا على وجه عتاب" أي: لوم، بل لبيان النعمة "أو إنكار" عليهم "أو تذنيب" أي: نسبتهم لذنب في فعلهم "قال القاضي عياض رحمه الله تعالى": في الشفاء من أول قوله: وليس في هذا إلزام ذنب إلى هنا وهو وجيه خلافًا لقول بعض شراحه؛ أنه تكلف لا ينبغي ارتكابه، والحق أنه عتاب من الله.
وفي فتح الباري: اختلف السلف في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر، لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر، ولما استقر عليه الأمر، ولدخول كثير منهم في الإسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الوقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى في حق من كتب له الرحمة، وأما من رجح الرأي الآخر، فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء، وهو ظاهر، لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول، بل ورد للغشارة إلى ذم من آثر شيئًا من الدنيا على الآخرة، ولو قل: "وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحق بالعصمة، ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾ قاربت ﴿تَرْكَنُ﴾ تميل ﴿إِلَيْهِمْстр. 4108
إذ لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٤] الآية.
فالمعنى: لولا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى إتباع مرادهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلًا عن أن تركن، وهو صريح في أنه ﷺ ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، فالعصمة بتوفيق الله وحفظه، ولو قاربت لأذقناك
الحواشي
(١) شَيْئًا﴾ ركونًا ﴿قَلِيلًا﴾ لشدة احتيالهم وإلحاحهم وهوص ريح في أنه ﷺ ما ركن ولا قارب، ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْحَيَاةِ وَضِعْفَ﴾ عذاب ﴿الْمَمَاتِ﴾ أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدينا والآخرة "الآية" ثم لا تجد لك علينًا نصيرًا مانعًا منه.
أخرج ابن مردويه وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: خرج أمية بن خلف، وأبو جهل، ورجال من قريش، فاتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد تعال، فتمسح بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرق لهم، فأنزل الله ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الأعراف: ٧٣] الآية، إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ .
قال السيوطي: هذا أصح ما ورد في سبب نزولها، وهو إسناد جيد وله شاهد.
أخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: كان ﷺ يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا، فقال صلى الله عليهوسلم: وما علي لو فعلت، والله يعلم مني خلافه، فنزلت "فالمعنى، لولا أن ثبتناك لقاربت": تفسير لكدت "أن تميل إلى اتباع مرادهم" تفسير لتركن من الركون الذي هو أدنى ميل، على ما قال المفتي، وعليه فقوله: شيئًا قليلًا، كالصفة الكاشفة لمعنى تركن، "لكن أدركتك عصمتنا، فمنعت أن تقرب فضلًا عن أن تركن" وببيان المعنى حصل الجواب عن الىي، وإنها من الآيات المادحة للمصطفى، لا أنها من المتشابهات، "وهو صريح في أنه ﷺ ما هم بإجاباتهم"، أي: قريش لما طلبوه منه، من التمسح بآلهتهم والإلمام بها على الأصح في سبب نزولها، وبه استدل من قال هذه الآيات مكية، ومن قال: إنها مدنية، استدل بما رواه ابن مردويه عن ابن عباس، أن ثقيفًا قالوا للنبي ﷺ : أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضنا ما يهدى لها أحرزناه، ثم أسلمنا، فهم أن يؤجلهم فنزلت وإسناده ضعيف.
وذكر الثعلبي بلا إسناد عن ابن عباس، أنها نزلت في ثقيف، قالوا: لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالًا نفختر بها على العرب، لا نعشر، ولا نحضر، ولا نحني في صلاتنا، وكل ربا لنا فهو لنا، وكل ربا علينا فهو موضوع عنا، وإن تمتعنا باللات سنة، وتحرم وادينا كمكة، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك، فقل: إن الله أمرني.
قال الولي العراقي: لم أقف له على إسناد "مع قوة الداعي إليها" لشدة احتيالهم وقوة خدعهم، وكونه في مقام التلطلف بهم والحرص على إيمانهم "فالعصمة بتوفيق الله وحفظه" عنстр. 4109
ضعف الحياة وضعف الممات، أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ الخطير أخطر، وقد أعاذه الله تعالى من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه. ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك قوله:
أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لسان جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد اثبتت ... وإن اثبتت قامت مقام جحود
وفسر الأول وهو النفي المثبت بنحو ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وقد فعلوا والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا: وهو ﷺ ثبت قلبه ولم يركن.
الحواشي
(١) مقاربة ذلك، "ولو قاربت لأذقناك ضعف" عذاب "الحياة وضعف" عذاب "الممات" تفسير لقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ "أي: ضعف ما يعذب في الدارين" الدنيا والآخرة "بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ" أي: ذنب "الخطير" الشريف "أخطر" أعظم من غيره، لأنه لشرفه حقه أن لا يقرب مما يلام عليه، بل يصون نفسه عن الفهوات وإن صغرت، "وقد أعاذه الله تعالى" أي: عصمه "من الركون إلى أعدائه" أي: أعدء الله "بذره من قلبة" أي: بشيء قليل صغير جدًا كالذرةى فضلًا عما فوقها.
"ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك" أي: إن كاد نا، بمعنى قرب "قوله": ملغزًا:
"
انحوى هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لساني جرهم وثمود"
جرهم: بضم الجيم، حي من اليمن، وثمود قوم صالح، وخصهما زيادة في التعمية:
"إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت
وإن أثبتت قامت مقام جحود"
"وفسر الأول، وهو النفي المثبت، بنحو ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] لغلاء ثمن البقرة، "وقد فعلوا" بنص، فذبحوها.
"الثاني: وهو الثبوت المنفي، بنحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ ، قال: أي: العلماء كلهم، "وهو ﷺ ثبت قلبه ولم يركن" بنص قوله: ﴿ثَبَّتْنَاكَ﴾ وأيده بذلك وإن كان ضعيفًا لاشتهاره، كما في شرح الكافية والمغني، وقالا: إن من زعممهم لم يصب، بل حكم كاد حكم سائر الأفعال، فمعناها منفي إذا صحبها حرف نفي، وثابت إذا لم يصحبها، فإذا قيل: كان زيد يبكي، معناه: قارب البكاء، فمقاربة البكاء، ثابتة، وإذا قيل: لم يكد يبكي، فمعناه: لم يقارب البكاء، فمقاربته منفية، ونفسه منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة.стр. 4110
وأما قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦] .
فالمعنى: لو افترى علينا بشيء من عند نفسه لاخذنا منه باليمين وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه، وقد أعاذه الله تعالى من التقول عليه.
فإن قلت: لا مرية أنه يعفي للمحب ولصاحب المحاسن والإحسان العظيم ما لا يعفي لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر:
وغذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
ولا شك أن نبينا ﷺ هو الحبيب الأعظم ذو المحاسن والإحسان الأكبر، فما هذه العقوبة المضاعفة والتهديد الشديد الوارد إن وقع منه ما يكره، وكم منه
الحواشي
(١) وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ، أي: افترى، سمي تقولا، لأنه قول متكلف، والأوال المفتراة أقاويل تحقيرًا لها، كأنها جمع أفعوله من القول، كالأضاحيك ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة والقدرة، ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] الآية، نياط القلب، وهو عرق متصل به إذا انقطع مات صاحبه، "فالمعنى: لو افترى علينا بشيء من عنده نفسه" كما زعم الكفار بنحو: إن هذا إلا إفك افتراه "لأخذنا": لنلنا "منه" عقابًا "باليمين، وقطعنا نياط قلبه، وأهلكناه، وقد أعاذه الله تعالى من التقول عليه"، أفلا تعقون أنه تنزل من رب العالمين، فالآية من جملة مدحه، إذ فيها القسم على تصديقه بجميع الموجودات، وأنه لا يمكنه الافتراء عليه" فإن قلت: لا مرية" لا شك "أنه يعفي للمحب":اسم مفعول المحبوب أو اسم فاعل، أي: لمن أحب غيره، ولا شك أنه ﵇ محب لله ومحبوب له، ولصاحب المحاسن والإحسان العظيم ما لا يعفي لغيره، ويسامح مما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وفي القرآن إشارة إليه ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] ، "ولا شك أن نبينا ﷺ هو الحبيب الأعظم" من كل حبيب، "ذو المحاسن والإحسان الأكبر" الفائق على كل محسن، "فما هذه العقوبة المضاعفة" بقوله: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ إلخ.
"والتهديد الشديد في قوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾ إلخ، "الوارد" كل منهما، "إن وقع منه ما يكره" "بكسر الهمزة وسكون النون شرط"، "وكم من راكن إلى أعدائه"أي: الله تعالىстр. 4111
راكن إلى أعدائه ومتقول عليه تعالى من قبل نفسه لم يعبأ به كأرباب البدع ونحوهم؟
فالجواب: أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة الله، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه بالأنعام وخصه بمزيد القرب والإكرام اقتضت حاله من حفظ مرتبة القرب والولاية والاختصاص أن يراعي مرتبته من أدنى تشويش وقاطع، فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل وأعم، فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذاغفل أو أخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران، وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد بذلك، فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذ بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أحدهما أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك عاملته بهذين الأمرين،
الحواشي
(١) حقيقة، فضلًا عن مقاربته "ومتقول" "بكسر الواو، اسم فاعل كاذب" "عليه تعالى من قبل" جهة "نفسه لم يعبأ" لم يبال "به، كاربابالبدع ونحوهم" من الخوارج وغيرهم.
"فالجواب، أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة الله، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه" "بموحده" "بالأنعام، وخصه بمزيد القرب" المعنوي "والإكرام" وهذا بمعنى ما قبله، فهو اطناب" "اقتضت حاله من حفظ مرتبة القرب والولاية، والاختصاص أن يراعي مرتبته، فيباعد نفسه "من أدنى": أقل "تشويش وقاطع" عن الله، "فلشدة الاعناء به ومزيد تقيبه، واتخاذه لنفسه، واصطفائه": اختياره "على غيره، تكون حقوقه وليوسيدهعليه أتم، ونعمه عليه أكمل وأعم" من غيره "فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذا غفل" "بفتح الفاء، كنصر، وفي لغة بكسرها"، "أو أخل بمقتضى مرتبته" منزلته السنية، "نبه بما لم ينب عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران" عظم مايصدر منه لمنافاته لمرتبته، والمسامحة لمحبته وشدة نصحه لمحبوبه، وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدما تناقضهما، فالواقع" في عرف الآدميين "شاهد بذلك، فإن الملك" السلطان "يسامح خصاته وأولياءه" الموالين له والمعاضدين "بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذ بما لم يؤاخذ به غيرهم" ممن دونهم "وأنت كان لك عبدان أو ولدان، أحدهما: أحب إليك من الآخر وأقرب إلىстр. 4112
واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته عليك، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه، وإتمام نعمك عليه اقتضت معاملته بما لا يعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرت إلى محبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه، وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه.
وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع، حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج، إذا تعداه الزنا الرجم، وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد، وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه وأتم نعمته عليه ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق - الذي لم يجعل له هذه النعمة- نصف ذلك، فسبحان من بهرت حكمته في خلقه.
فلله سر تحت كل لطيفة فأخو البصائر غائص يتعقل انتهى ملخصًا.
الحواشي
(١) قلبك وأعز عليك، عاملته بهذين الأمرين"، المسامحة والمؤاخذة"، واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته عليك، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه وإتمام نعمة عليه، بمعنى حسنه اختلاف اللفظ، "اقتضت" تلك الحالة التي هي النظر لكمال الإحسان "معاملته بما لا يعامل به من دونه به من التنبيه وعدم الإهمال" بيان لما، "وإذا نظرت إلى محبته ولك وطاعته، وخدمته وكمال عبوديته، ونصحه" لك في أمورك "وهبت له وسامحته، وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره، فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه، وقد ظهر اعتبار هذا المعنى" العرفي "في الشرع حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج إذا تعداه إلى الزنا الرجم" لأن الذي مع المزني بها مع زوجته "وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد" لأنه معذور بالنسبة للمتزوج، فكفي جلده في عقوبته، "وكذلك ضاعف الحد على الجلد" لأنه معذور بالنسبة للمتزوج، فكفي جلده في عقوبته، "وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه، وأتم نعمته عليه، ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق الذي لم يجعل له هذه النعمة نصف ذلك" كما قال: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب "فسبحان من بهرت" "بفتح الموحدة والهاء" غلبت وظهرت "حكمته في خلقه" وما أحسن قول القائل:"فلله سر تحت كل لطيفة" أي: رفق بالعبد لا يعلمه إلا هو سبحانه "فأخو البصائر" الناظر بعين البصيرة "غائص" أي: غارق في المعاني والأفكار التي يتوصل بها إلى معرفة كماله "يتعقل"، أي: يستعمل عقله فيما يوصل إليه "اهـ" هذا الجواب.стр. 4113
وأما قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] .
فقيل: معناه ما كنت تدري الإيمان على التفصيل الذي شرع في القرآن.
وقال أبو العالية: هو بمعنى الدعوة إلى الإيمان، لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله تعالى.
وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ، حكاه الماوردي والواحدي والقشيري.
وقيل: إنه من باب حذف المضاف، أي ما كنت تدري أهل الإيمان، أي من الذي يؤمن، أبو طالب، أبو العباس، أو غيرهما.
وقيل: المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان، وقد سمى الله
الحواشي
(١) "ملخصًا" حال.
وأما قوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب" القرآن "ولا الإيمان" مع ما مر أنه ﷺ كان عالمًا بالله وصفاته قبل النبوة "فقيل: معناه ما كنت تدري الإيمان على التفصيل الذي شرع في القرآن"، فلا ينافي أنه كان يدريه إجمالًا.
وقال أبو العلية: رفيع ابن مهران التابعي الكبير "هو بمعنى الدعوة إلى الإيمان" فيكون على حذف مضاف، "لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو" الناس "إلى الإيمان بالله تعالى" فلا ينافي علمه بأنه إله واحد.
وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ" فلا ينافي عرفانه بعد ببصيرته.
حكاه الماوردي: على بن حبيب القاضي أبو الحسن البغدادي البصري، نسب أبوه لعمل الورد أو بيعه، والقياس الوردي صاحب التصانيف الجليلة مات سنة خمسين وأربعمائة عن ست وثمانين سنة "والواحدي" أبو الحسن علي المفسر تلميذ الثعلبي" و"القشيري" الإمام المشهور صاحب الرسالة.
وقيل: أنه من باب حذف المضاف أي: ما كنت تدري أهل الإيمان أي: من الذي يؤمن أبو طالب" عبد مناف "أو العباس أو غيرهما" فلا ينافي أنه مؤمن بالله وصفاته، وقد يدل له بقية الآية، ولكن جعلناه نورًًا نهدي به من نشاء من عبادنا.
وقيل: المراد به أي: الإيمان "شرائع الإيمان ومعالمه، أي: ما يدل عليه فهو على حذف مضاف أيضًا "وهي كلها إيمان وقد سمى الله الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَстр. 4114
الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عامًا والمراد الخصوص، كما قاله ابن قتيبة وابن خزيمة.
وقد اشتهر في الحديث أنه ﷺ كان يوحد الله ويبغض الأوثان ويحج ويعتمر.
وروى أبو نعيم وابن عساكر عن علي: أنه قيل للنبي ﷺ هل عبدت وثنًا قط؟ قال: لا، قيل: فهل شربت خمرًا قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذين هم عليه كفر. وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان. وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل كحج البيت والختان والغسل من الجنابة، وكان ﵊ لا يقرب الأوثان ويعيبها، ولا يعرف شرائع اللهالتي شرعها لعباده
الحواشي
(١) إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٣] الآية، "أي: صلاتكم إلى بيت المقدس" مدة "فيكون اللفظ عامًا" وهو مطلق التصديق، "والمراد الخصوص"، وهو الشرائع والمعالم، "كما قاله ابن قتيبة" عبد الله بن مسلم "وابن خزيمة" محمد إمام الأئمة.
قال بكر القاضي: فكان ﷺ مؤمنًا بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل فزاد بالتكليف إيمانًا.
قال عياض: وهذا أحسن وجهه، "وقد اشتهر في" كتب الحديث، إنه ﷺ كان يوحد الله ويبغض الأوثان" كما في قصة بحيرا الراهب لما استحلفه باللات والعزى وهو صبي فقال صلى الهل عليه وسلم: لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما اسألك، فقال: سل عما بدا لك، "ويحج ويعتمر" مخالفًا للمشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج، فكان من توفيق الله له يقف بعرفة، لأنه موقف إبراهيم.
"وروى أبو نعيم، وابن عساكر، عن علي أنه قيل للنبي ﷺ : هل عبدت وثنًا قط" صنمًا متخذًا من حجارة أو خشب أو غيرهما.
وقيل: الصنم المتخذ من الجواهر المعدنية التي تذوب والوثن المتخذ من حجدر أو خشب "قال: لا" لم أعبده قط، "قيل: فهل شربت خمرًا قط قال: لا" ما شربته "وما زلت أعرف إن الذي هم عليه" من عبادة الأوثان "كفر، وما كنت أدري ما الكتاب، ولا الإيمان، وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل، كحج البيت والختان والغسل من الجنابة" وقد حلف أبو سفيان بعد وقعة بدر لا يغسل رأسه من جنابة حتى يغزو محمدًا، "وكان ﵊ لا يقرب" "بفتح الراء وضمها" "الأوثان" أي: لا يدنو منها "ويعيبها"стр. 4115
على لسانه، فذلك قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون مع شركهم، والله أعلم.
المقصد السابع
في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وصحبه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلًا وشرفًا لديه.
الحواشي
(١) "بفتح الياء" "و" الحال أنه حينئذٍ "لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه، فذلك قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٤] ، هو بمعنى ما قدمه، أعاده لزيادة قوله: "ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون مع شركهم" وقد كانوا في الفترة فهم لا يعذبون، إذ لا يجب فيها إيمان، ولا يمنع كفر على الصحيح.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، ومفهومه أن منهم من مات على الإيمان، ورجح الرازي وغيره أنه لم يكن في آبائه شرك، ومر بسط ذلك في أول الكتاب "انتهى".
هذا المقصد "والله أعلم" وله الحمد على ما أنعم، ونسأله إتمام الإحسان بالإتمام، وأن يجعله خالصًا له بجاه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.стр. 4116
المقصد السابع: في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه
مدخل
...
المقصد السابع: في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه
في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وصحبه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلًا وشرفًا لديه.
وفيه ثلاثة فصول:
الحواشي
(١) "المقصد السابع"
"في" بيان "وجوب محبته و" بيان وجوب "أتباع سنته": طريقته التي كان عليها، وهي شاملة للواجب، والمستحب والمباح، ومعنى وجوب اتباعها اعتقاد حقية ما دلت عليه، وأن مباحًا، وأنه عن الله، وأما مباشرة الفعل، فتختلف بالوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، ولا يشكل بأن المستحب يجب بالنذر فيخالف سنته، لأنه ﷺ أمر بالوفاء به كالقرآن، فهو من سنته "و" بيان وجوب "الاهتداء بهديه وطريقته" بأن يقتدي به فيما ورد عنه، وافق غيره من بقية الأنبياء، كالتوحيد، أوخالفهم كالأحكام الناسخة لشرائع من قبله، "وفرض محبة آله وصحبه" عبر بفرض، وفيما قبله بوجوب تفننا، وذكره اهتمامًا بهم لئلا يتساهل في محبته لعدم بلوغهم رتبته، ولايصح حمله على مذهب الفارقين بين الواجب والفرض، لأن المقام يأباه، إذ يصير المعنى محبة المصطفى بدليل ظني ومحبة آله وصحبه بدليل قطعي "وقرابته وعترته" "بكسر العين وإسكان الفوقية" عطف خاص على عام أو مساوٍ للقرابة.
قال ابن الإعرابي: العتر ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، ولا تعرف العرب من العترةстр. 4117
الفصل الأول: في وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته ﷺ
اعلم أن المحبة -كما قال صاحب "المدارج" هي المنزلةالتي يتنافس فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقو، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها بروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح
الحواشي
(١) غير هذا، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، فهذا الأخير صريح في أنه عطف مساوٍ، والقولان: قبله خاص على عام "وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلًا وشرفًا لديه" أي: عنده والجمع بينهما أطناب، أو الأول لطلب زيادة العلوم والمعارف الباطنة، والثاني: لطلب الأخلاق الكريمة الظاهرة، أو الأول ضد النقص، والثاني: علو المجد وهوميل إلى ترادفهما، وسؤال الزيادة لا يشعر بسبق نقص لقبول الكامل زيادة الترقي في غايات الكمال، فاندفع زعم جمع امتناع الدعاء له عقب نحو ختم القرآن، باللهم اجعل ذلك زيادة في شرفه على أن جميع أعمال أمته يتضاعف له نظيرها، لأنه السبب فيها أضعافًا مضاعفة لا تحصى، فهي زيادة شرفه، وأن يسأل له ذلك، فسؤاله تصريح بالمعلوم، كما في التحفة "وفيه ثلاثة فصول":
الأول: في وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته ﷺ ، اعلم أن المحبة" اللام عوض عن المضاف إليه، أي: محبة المصطفى، وبدأ ببيانها لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، فاعتقادوجوبها إنما يكون بعد تصورها، "كما قال صاحب المدارج" أي: مدارج السالكين اسم لشرح ابن القيم على كتاب منازل السائرين لشيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري، من ولد أبي أيوب الصحابي، المؤلف، الواعظستين سنة للناس، الميت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة عن ست وثمانين سنة "هي المنزلة": الرتبة العلية "التي يتنافس فيها المتنافسون" أي: يتسابقون إليها ويتزاحمون عليها؛ بأن يطلبها كل واحد، وأدًا أنه يبلغ فيها مرتبة لا يبلغها غيره.
وفي القاموس: نافس فيه رغب على وجه المباراة في الكرم، كتنافس "وإليها يشخص العاملون" أي: يرفعون أبصارهم مجتهدين في تحصيلها، والمراد أنهم يجتهدون في الأعمال ويخلصون فيها، لينالوا بها تلك المرتبة السنية، وعبر عن ذلك بشخوص المبصر لما جرت به العادة إن منطلب غائبًا عنه وانتظره كثر تلفته ونظره إلى الجهة التي يأتي منها، "وإلى علمها أي: معرفتها "شمر السابقون" اجتهدوا في معرفتها والوصول إليها "وعليها تفاني"стр. 4118
وقوة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيه، وتوصلهم إلى منازل لم
الحواشي
(١) "بفاء ونون" "المحبون" أي: تغالبوا في فنائهم فيها، فكل يريد أن يغلب غيره فيها، بأن تزيد محبته على محبة غيره، "وبروح نسميها "بفتح الراء"،بمعنى الراء"، بمعنى الراحة، كأنهش به المحبة من حيثاللذة وانبساط النفس بها طيبة هابة، تحيا بها النفوس، واثبت لها النسيم تخييلًا، والروح بمعنى الراحة تشريحًا "بروح" بالتثقيل "العابدون" أي: وصل إليهم رائحة منها اطمأنت بها نفوسهم واستلذوا بها وارتاحوا، "فهي قوت القلوب" أي: هي للقلوب كالقوت من حيث أنها تحيا بها، وتتقوى، كما يقوي البدن بالقوت، وهو مكا يقوم به من الطعام جمعه أقوات "وغذاء" "بكسر الغين وذال معجمتين" "الأرواح": جمع روح، بالضم يذكر ويؤنث، تشبيه بليغ كسابقه، أو كل منهما استعارة نحو زيد أسد، وأضاف القوت للقلوب، لأنها من البدن، وهو ينتفع بما يؤكل، والغذاء للأرواح، لأنها لا تنتفع بما يؤكل وإنما تنتفع بالأذكار ونحوها.
"وقرة" "بضم القاف" "العيون" أي: سرورها بالمحبة وسكونها عن الالتفات إلى غيرها، "وهي الحياة، التي من حرمها فهو جملة الأموات" لأنه لا يجد لذتها كالأموات، ولا عائدتها، "والنور الذي من فقده، ففي بحار الظلمات" أي: فهو كالمنغمر فيها، بحيث لا يهتدي إلى شيء ينفعه، "والشفاء" بالمد.
قال ابن الجوزي في كتابه نزهة البيان: الشفاء ملائم للنفس، يزيل عنها الأذى، ويستعمل في القرآن على ثلاثة أوجه: الفرح، كقوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بسرهم والعاقبة كقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] الآية، والبيان، كقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] ، "الذي من عدمه" "بكسر الدال" فقده "حلت بقلبه جميع الأسقام": الأمراض الطويلة "واللذة التي من لم يظفر": يفز "بها، فعيشه كله هموم" أحزان جمع هم، "والآم" جمع ألم، "وهي روح الإيمان" تشبيه بليغ، أي: له كالروح للأبدان، "و" روح "الأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت" تلك الأربعة "منها، فهي كالجسد الذي لا روح فيهِ" فهو بيان لوجه الشبه في الأربع، ويحتمل أنه بيان لقوله، وهي روح الحياة، إلى هنا "تحمل أثقال" أحمال "السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس": بجهدها "بالغيه" واصلين إليه على غيرها. وأخر بالغيه لرعاية السجع، "وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونهاстр. 4119
يكونوا بدونها أبدًا وأصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها، وهي مطايا القوم التي سراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معيةمحبوبهم أوفر نصيب، وقد قدر الله يوم قدر مقادير الخلق بمشيئة وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة، لقد سبق القوم المحبين السعادة وهم على ظهور الفرش
الحواشي
(١) أبدًا واصليها"، جملة مفسرة لما قبلها "وتبؤوهم": تسكنهم "من مقاعد الصدق": مجالس الحق التي لا لغو فيها ولا تأثيم "إلى مقامات" منازل رفيعة في الجنة "لم يكونوا لولا هي داخليها" وفيها تلميح لمعنى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ والتقوى بالإيمان لا تكون إلا مع محبة الرسول، "وهي مطايا القوم": جمع مطية، فعيلة بمعنى مفعولة البعير ذكرًا أو أنثى، سمي بذلك، لأنه يركب مطاه، أي: ظهره، والمطا بزنة عصا الظهر "التي سراهم" "بضم السين جمع سرية بوزن مدية ومدى".
قال أبو زيد: ويكون السري أول الليل وأوسطه وآخره "في ظهورها دائمًا إلى الحبيب"، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهًا لها بالأجسام واتساعًا ومنه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] المعنى إذا يمضي، وقال البغوي: إذا سار وذهب، وقال جرير:
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كل مرام
"وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى" التي كانوا بها في صلب آدم، وهي الجنة "من قريب" بدون عذاب قبل دخولها للمحبة، وقال شيخنا: الأولى، أي: التي قدر أزلا حصولها لهم، بكن بأعمال يصلون بها إليها، فهي سابقة أزلًا على وجود أصحابه، ثم بعد ظهورهم في الخارج وفقهم الله ببركة المحبة إلى فعل تلك الاعمال، فوصلوا إليها في زمن قليل لا يحصل عادة في مثله ما قدر عليه من العمل، بل ولا ما يقاربه وهو تكلف مستغنى عنه، "تالله لقد ذهب أهلها" المحبة "بشرف الدينا والآخرة" وعلله بقوله: "إذ لهم من معية محبوبهم" المشار لها بقوله: "أنت مع من أحببت" "أوفر نصيب" لشمولها للدارين وإن لم يدركه في الدنيا أو كان بينهما مسافة بعيدة كما تقدم بسطه في المتن، "وقد قدر الله يوم مقادير الخلق" قبل خلق السماوات والأرض، وبخمسين ألف سنة "بمشيئته وحكمته البالغة" التامة "أن المرء مع من أحب" كما أخبر المحبوب صلى عليه علام الغيوب، "فيها لها" "بفتح اللام" "من نعمة على المحبين سابغة" "بغين معجمة" طويلة متسعة، ثم يحتمل أنه مستغاث به، وأنه مستغاث له، لأن اللام الداخلة على المستغاث له يجب فتحها إن كان ضميرًا كان هنا، فإن كان اسمًا ظاهرًا وجب كسرها، والداخلة على المستغاث به يجب فتحها مطلقًا، "لقد سبق القوم المحبين"стр. 4120
نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.
من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدًا وتجي في الأول
أجابوا مؤذن الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح في الجنة، وبذلوا أنفسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، ولقد حمدوا على الوصول مسراهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح.
وقد اختلفوا في تعريف المحبة، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة
الحواشي
(١) مفعول "السعادة" فاعل، سبق فهيأت لهم أنواع النعيم.
وفي نسخة: لقد سبق القوم السعاة: جمع ساع، أي: الماشين بسرعة، فالقوم فاعل، "وهم على ظهور الفش": بضمتين جمع فراش، فعال بمعنى مفعول "نائمون" والجملة حالية، "ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون" أي أنهم، فازوا بالسعادة والتقرب إلى الله بحب المصطفى وإن لم يكن لهم كثير عمل، فأشبهوا من حيث قلة العمل من وقف في سيرة بحبس دابته مثلًا، ومع ذلك حصل ما تمناه، وأنشد لغيره:
من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدًا وتجي في الأول
أي: من يتكفل لي بسير مثل سيرك السهل "أجابوا: مؤذن الشوق" أي: المعلم به والداعي له "إذ نادى بهم حي على الفلاح" أي: هلم إلى الفوز والنجاة، أو البقاء في الجنة، أي: أقبلوا إلى سبب الفلاح والبقاء "في الجنة وبذلوا أنفسهم": أعطوها "في طلب الوصول إلى محبوبهم"، وجرد البذل عن بعض معناه، فاستعمله في مطلق الإعطاء، فلذا قال: "وكان بذلهم بالرضا والسماح" مراعاة للسجع، أو دفعًا لتوهم أنه مجرد الإعطاء وإلا فهو لغة الإعطاء بسماحة وطيب نفس، "ووصلوا إليه السير بالإدلاج"، بالكسر بزنة الإكرام، أي: بسير الليل كله "والغدو" أي: الذهاب وقت الغدوة وهي ما بين الفجر والشمس أو منه، إلى الزوال "والرواح" من الزوال إلى الغروب والمعنى واصلوا سيرهم إليه ليلًا ونهارًا "ولقد حمدوا على الوصول مسراهم" عند وصولهم إلى محبوبهم، حيث ترتب على سيرهم ما قصدوه بلا تعب ومشقة. "وإنما يحمد القوم السري عند الصباح" لوصولهم إلى منازلهم المترتب على سراهم "وقد اختلفوا في تعريف المحبة" بعبارات كثيرة مختلفة، "وعباراتهم وإن كثرت" الواو للحال، لأن الواقع أنها كثيرة فين نفسها، فلا يصح أنها غائية، أو هي غائية بالنظر للواقف عليها، لا في نفس الأمر، أي: سواء كانت قليلة أو كثيرة للواقف عليها، وإن كثرت في الواقع، "فليست فيстр. 4121
ترجع إلى اختلاف مقال، وإنما هي اختلاف أحوال، وأكثرها يرجع إلى ثمراتها، دون حقيقتها.
وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة، من المعلومات التي لا تحد وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه.
وهكذا يقول صاحب مدارج السالكين - تبعًا لغيره: والمحبة لا تحد بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة.
وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها
الحواشي
(١) الحقيقة ترجع إلى اختلاف مقال" في معناها، بحجيث يعتقد كل واحد في معناها غير ما اعتقده الآخر، ومقال مصدر، قال: وإنما هي" عبارات منشؤها "اختلاف أحوال" قامت بالمحبين، فكل عبر بما يليق بالمعنى الذي قام به:
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
"وأكثرها" أي: العبارات "يرجع إلى" بيان "ثمراتها" وهي ما يترتب على المحبة من الفوائد، سماها ثمرات، لمشابهتها لها في الانتفاع بها وترتبها عليها "دون حقيقتها" لاتحادها.
"وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة من المعلومات" لهم، "التي لا تحد، وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه" كلذة المجامع يمكن التعبير عن حقيقتها بعبارة، "وهكذا يقول صاحب مدارج السالكين" ابن القيم "تبعًا لغيره: والمحبة لا تحد بحد أوضح منها" أي: لا تعرف بحد يفيد أكثر مما يفيده لفظ المحبة، لأنها علقة تقوم بالمحب يدركها من نفسه، ولا يمكن أن يوصل خصوص ما قام به إلى غيره، بحيث يكشف له حقيقة ما عنده، وغايته أن يخب بأنه يحب كذا محبة قوية، لا يمكنه التخلف عنه، وليس هذا عين ما قام به، وقريب من هذا قولهم: الحسن يدرك ولا يوصف، أي: لا يبين بعبارة تحقق معناه عند المخاطب "فالحدود لا تزيدها إلا خفاء" لعدم بيانها حقيقة الماهية، "وجفاء" "بالجيم والمد" ويقصر، أي: بعدًا مأخوذ من جفاء السرج عن الفرس: رفعه كإجفاه، "فحدها وجودها" وذلك الوجود لا يمكن بيان حقيقته للغير، "ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة" فلا معنى لحدها بأخفى منها، "وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها" بكسر الجيم عطف تفسير "وعلاماتها" الدالة عليها "وشواهدها" التي تشهد بقيامها بالمحب، "وثمراتها" فوائدها "وأحكامها" التيتبنى عليها، "فحدودها": جمع حدو هو التعريف بذاتياتстр. 4122
وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السنة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الإدراك والمقام الحال.
وقد وضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق، و"الباء" الشفهية التي هي نهايته، فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماة وقوتها، وأعطوا "الحب" وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من
الحواشي
(١) المعرفة، كتعريف الإنسان بالحيوان الناطق، "ورسومهم": جمع رسم، وهو التعريف بخاصة من خواصه، كتعريفه بالضاحك، والمراد بهما هنا شيء واحد، وهو التعريف بالأثر "دارت على هذه السنة" "بنون"،أي: الطريقة، وبفوقية، أي: الستة المذكورة، فهي ألفاظ متقاربة، "وتنوعة بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الإدراك" أي: وصول كل إلى المعنى الذي تصوره من لفظ المحبة، "والمقام" المكان المورد فيه الكحلام الذي يريد التعبير به، "والحال" زممن إيارد ذلك الكلام، فالفرق بينهما اعتباري، وحقيقته صفة الشيء تذكر وتؤنث، فيقال: حال حسنة وحسن، "وقد وضعوا لمعناها" أي: لمعنى المحبة، وهو الحب، وجعل الحب معنى لها لاشتماله على زيادة، وإلا فالحب والمحبة لغة معناهما واحد، وهو الوداد "حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة" أحدهما: "الحاء التي هي من أقصى الحلق، و" الثاني "الباء الشفهية التي هي نهايته" أي: نهاية الصوت وفي نسخة نهاية بلا ضمير، أي: للمخارج "فللحاء الابتداء" لأنها مبدأ الصوت المشتمل على الحروف، وإن كان مخرجها أقصى الحلق، "وللباء الانتهاء" والحاصل، كما قال شيخنا: أنهم جعلوا آخر الحلق مما يلي الصدر أقصى باعتبار وضع الإنسان، لأن كل شيء لها نهايتان، فأيتهما فرضتها أوله كان مقابله آخره، هذا فيما وضع على الامتداد، كالبساط وأما ما وضع على الانتصاب، فأعلاه أوله واسفله آخر، ولذا كان أول المخارج الشفتين، وأولهما مما يلي البشرة التي هي ظاهر الجلد، وآخرها الحلق، وأوله مما يلي اللسان، وآخره بما يلي الصدر، والصوت لما كان مبدؤه من الئة يخرج منها، ثم يمر على الحلق، جعل أول المخارج بهذا الاعتبار، وأقصى الحلق وآخرها الشفتين.
"وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منمه" بأن يرى المحب من المحبوب ما يدعو غلىميله إليه، فيتعلق به، بحيث لا يصير عنده سواه، "وانتهاءها إليه"، إذ هو غاية المطلوب، "وأعطوا الحب" الذي هو المصدر "حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها" "عطف مساو" "مطابقة" "مفعول لأجله"، أي: لمطابقته "لشدة حركة مسماه وقوتها،стр. 4123
الضمة، وخفة المحبوب وذكره على قلوبهم وألسنتهم.
فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنًا ليس لسائر اللغات.
وهذه بعض رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها، والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها.
فمنها: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب، وهذا موجبها ومقتضاها.
ومنها: محوب المحب لصفاته وإثبات المحب لذاته، وهذا من الفناة في المحبة، وهي أن تمحى صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته، وهذا يستدعي بيانًا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه.
ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من محبوبك، وهو لأبي
الحواشي
(١) وأعطوا الحب وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من الضمة، وخفة المحبوب و" خفة "ذكره على قلوبهم وألسنتهم فتأمل هذا اللطف والمطابقة، والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني تطلعك على قدر" أي: شرف "هذه اللغة" العربية وتميزها على غيرها "وأن لها شأنًا ليس لسائر اللغات، وهذه بعض رسول وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها"، علاماتها التي بها يهتدي إليها "وشواهدها" أي: ما يشهد بها ويدل عليها، حتى كأنها شهدت به وأثبتته، "والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها، فمنها موافقة الحبيب في المشهد والمغيب"، أي: في حالتي شهوده، أي: حضوره ومغيبة، "وهذا موجبها" "بفتح الجيم" "ومقتضاها" مساوٍ له في المعنى: أي: أنهما أثر المحبة، ومسبب عنها، "ومنها محو المحب لصفاته" بحيث لا يبقى له صفة، "وإثبات المحب لذاته" بدون صفة، فالمحو في أصل اطصلاحهم رفع أوصاف العادة.
قال ابن عطاء: يمحو أوصافهم، ويثبت أسرارهم، ويقابل المحو الإثبات، وهو إقامة أحكام العادة، "وهذا من الفناء في المحبة، وهو أن تمحى صفات المحب وتفنى": تزول وتضمحل "في صفات محبوبه وذاته، وهذا يستدعي بيانًا أتم من هذا، لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه" أي: الفناء "وأخذه" أي: أخذ الوارد الفناء "منه"، ويسمونه فناء الفناء، وهو الفناء عن شهود هذا الفناء، بحيث يفنى عن كل ما سوى محبوبه، وحينئذٍ يدرك ذلك بالوجدان لا بالعبارة "ومنها استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من محبوبك" كما قيل:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليلстр. 4124
يزيد، وهو أيضًا من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب الصادق لو بذل لمحبوبة جميع ما يقدر عليه لاستقله ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه.
ومنها: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك، وهو قريب من الأول لكنه مخصوص بما من المحب.
ومنها: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وهو لسهل بن عبد الله، وهو أيضًا حكم المحبة وموجبها.
ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء، وهو لسيدنا ابي عبد الله القرشي، وهو أيضًا من موجبات المحبة وأحكامها، والمراد أن تهب
الحواشي
(١) "وهو لأبي يزيد" بياء قبل الزاي، اسمه طيفور، بطاء مهملة وتحتية وفاء، ابن عيسى البسطامي، نادرة زمانه حالاً وأنفاسًا وورعًا وعلمًا وزهدًا وتقي، مات سنة إحدى وستين ومائتين عن ثلاث وسبعين سنة، "وهو أيضًا من أحكامها وموجباتها" "بفتح الجيم" "وشواهدها" الدالة عليها، "والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله": اعتقده قليلًا، "ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه" عدة، واعتقده كثيرًا عظيمًا، "ومنها استكثارًا لقليل من جنايتك واستقلال الكثير من طاعتك، وهو قريب من الأول" أي: ما قبله فهو أول نسي وإلا فهو ثالث "لكنه مخصوص بما من المحب "في الحالين، بخلاف ما قبله فمنه ومن المحبوب، فافترقا، "ومنها معانقة الطاعة" أي: التزام المحب طاعة محبوبه، بحيث يفعل كل ما أمره به، أو فهم أنه يريرده وإن لم يأمره، "ومباينة المخالفة" بأن لا يخالفه في شيء أراده منه، ولا يفعل شيئًا نهاه عنه، وهذا المعنى لازم لالتزام الطاعة، فذكره أيضًا "وهو لسهل بن عبد الله" التستري الولي الذي لم يسمح الدهر بمثله، له كرامات وتصانيف، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين عن ثلاث وثمانين سنة "وهو إيضاحكم المحبة، وموجبها" لا حد لها حقيقي، "ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منه شيء" وعليه أنشد:
تملك بعض حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبًا
"وهو لسيدنا أبي عبد الله" محمد بن أحمد بن إبراهيم "القرشي" من أعيان مشايخ المغرب ومصر، لقي نحو ستمائة شيخ، وجد واجتهد وأخذ عنه كثيرون، منهم البوني، وله كرامات كثيرة، مات ببيت المقدس سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقيل غير ذلك، ودفن به، ثم دفن بجانبه ابن رسلان، وجربت استجاب الدعاء بين قبريهما، "وهو أيضًا من موجبات المحبة،стр. 4125
إرادتك وعزماتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه، وتجعلها حبسًا في مرضاته ومحابه، ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه، فتأخذ منه له.
ومنها: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب، وكمال المحبة يقتضي ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة.
ومنها: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك، وهو للشبلي، ومراده: احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك يحبه.
ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيره، وعن المحبوب هيبة، وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فإن غض طرف القلب
الحواشي
(١) وأحكامها" لا تعريف لها، "والمراد: أن تهب إرادتك وعزماتك" بفتح الزاي جمع عزمة، وهي الاجتهاد في الشيء والمحافظة عليه، "وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه"، والوقت عندهم عبارة عن حال في زمان الحال، لا تعلق فيه بالماضي ولا الاستقبال، فيقال: فلان وقته كذا، أي: حاله كذا، ولذا قالوا: الوقت ما أنت فيه، إن كنت بالدنيا فوقتك بالدنيا، وإن كنت بالعقبى فوقتك العقبى، وإن كنت بالسرور فوقتك السرور، وإن كنت بالحزن فوقتك الحزن، فعنوا بذلك أن وقت الإنسان هو حاله الغالبة عليه، و"تجعلها"، أي: المذكورات "حبسًا"، بضمتين وتسكن الباء لغة، وقفًا "في مرضاته"، أي: مقصورة على رضاه لا تتعداه إلى غيره، "ومحابه" ما يحبه هو، "ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه فتأخذه منه له" لأنه لم يبق لك منك شيء فأخذك ما أعطاك إنما هو له "ومنها أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب" حتى نفسك، وذلك عندما ينسى أوصاف نفسه في ذكر محاسن حبه، كما قيل:
شاهدته وذهلت عني وغيره ... مني عليه فذا المثنى مفرد
"وكمال المحبة يقتضي ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره، فالمحبة مدخولة"، أي: مشوبة بغيرها، ومتى كانت كذلك لم تكن حقيقية.
"ومنها أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك، وهو للشبلي" أبي بكر دلف بن جحدر، وقيل: اسمه جعفر بن يونس، وقيل: غير ذلك صحب الجنيد والنساج وطبقتهما، وصار أوحد وقته علمًا وحالًا، وتفقه على مذهب مالك، وكتب حديثًا كثيرًا، ثم شغلته العبادة عن الراية، مات سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة عن سبع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران ببغداد، "ومراده احتقارك لنفسك، واستصغارها أن يكون مثلك يحبه" لجلالته، فيغار عليه من أن ينسب له الشيء الحقير "ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيره"، مفعول له، "وعن المحبوب هيبة"، أي: لأجل الغيرة والهيبة "وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأماстр. 4126
عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل، ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا، وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم.
ومنها: ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرًّا وجهرًا ثم علمك بتقصيرك في حبه، قال الجنيد: سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك.
ومنها: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد بعضهم:
فأسكر القوم دورًا لكأس بينهم ... لكن سكري نشأ من رؤية الساقي
ومنها: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج لسانه يذكره على الدوام، أما سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن
الحواشي
(١) الثاني، فإن غض طرف القلب عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل"، إذ أصل معنى المحبة ميل القلب، فكيف يصرفه عنه "ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا" بدون اختيار، كأنه لا يدري ما هو عليه، "وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم" للمحبوب "ومنها ميلك إلى الشيء" الذي تحبه "بكليتك" بجملتك "ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرًّا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك في حبه" وهذا بمعنى ما سبق عن القرشي، لكن غرض المصنف بيان العبارات، وإن رجع بعضها إلى بعض.
قال الجنيد: أبو القاسم بن محمد البغدادي شيخ الطريقة، العلم الشهير: "سمعت الحرث" بن أسد البصري، "المحاسبي" قيل: له ذلك لكثرة محاسبته لنفسه، أو لأنه كان له حصى يعدها ويحسبها حال الذكر، أو لغير ذلك صحب الشافعي، وقيل: بل عاصره وكان عابدًا، زاهدًا، راسخًا في الأصول والفقه والحديث والتصوف والكلام، صنف نحو مائتي مؤلف، ومات ببغداد سنة ثلاث وأربعين ومائتين، "يقول ذلك" المذكور في معنى المحبة "ومنها" المحبة "سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه" لأنه عند الطائفة عبارة عن غيبة بوارد قوي، والغيبة عدم الإحساس، وذلك إذا كوشف بنعت الجمال, وطرب وهام قلبه، "ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة" للمحبوب "لا يوصف" بل يحل عن الوصف "وأنشد بعضهم"
"فأسكر القوم دورًا لكأس بينهم ... لكن سكري نشأ من رؤية الساقي"
فالصادق المحبة لا يتوقف سكره على كأس ولا غيرها بل بمجرد رؤية الحب يسكر سكرًا يجل عن الوصف، "ومنها سفر القلب" أي: توجهه "في طلب المحبوب، ولهج لسانه يذكره على الدوام" بحيث لا يفتر عنه، "أما سفر القلب في طلبه، فهو الشوق إلى لقائه"،стр. 4127
من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
ومنها: الميل إلى ما يوافق الإنسان، كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم عن الميل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه كحب الصورة الجميلة بإدراكه بحاسته، أو يكون حبه لذلك لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه، فقد جبلت القلوب على حب
الحواشي
(١) فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، وما أحسن قوله:
وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ... وعفراء يوم الحشر نلتقيان
وأحلى قول الآخر:
إن كان يحلو لديك ظلمي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
"وأما لهج اللسان بذكره؛ فلا ريب أن من أحب شيئًا أكثر من ذكره"، وهو لفظ حديث، رواه أبو نعيم، ثم الديلمي من طريق مقاتل بن حيان، عند داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "من أحب شيئًا أكثر من ذكره"، "ومنها": المحبة: "الميل إلى ما يوافق الإنسان" المحب، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه منه أمرًا محبوبًا "كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك" كالأطعمة والأشربة اللذيذة والروائح الطيبة والملابس الفاخرة "من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم" من غلظ الطبع وفساد الحواس، كالمريض يحد الحلو مر الفساد ذوقه، فلا يرد نقضًا "عن الميل إليها لموافقتها له" طبعا "أو لاستلذاذه" أي: وجود لذته، وهو إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والألم ضده، والمراد بالملائم للشيء كماله اللائق به، كالتكيف بالحلاوة للذائق ونحوه، من المحسوسات، وكتعقل الأشياء على ما هي عليه بالقوة العاقلة، وقيد الحيثية لا الشيء قد يكون ملائمًا من وجه دون آخر، فاللذة حسية، وإليها أشار بقوله: "كحب الصورة الجميلة" وعقيلة، وبينها بقوله: "بإدراكه بحاسته" بعد الوصول إليه لا قبله بمجرد تخيله بحاسة عقله وقلبه معاني لطيفة شريفة، كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف، كما في الشفاء، وفيه تسمح على رأي الحكماء؛ لأن المدرك عندهم القوى الباطنة في الدماغ لا العقل المدرك للكليات، لكن لما يثبتها أهل الشرع تسمح فيها، "أو يكون حبه لذلك لموافقته له" أي: لملائمته وموافقة طبعه "من جهة إحسانه" إنعامه وبذله وجوده "إليه".
وفي نسخة له، أي: لأجل ذلك، فقوله: "وإنعامه عليه" عطف تفسير، "فقد جبلت" خلقت وطبعت "القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها" كما رواه أبو نعيمстр. 4128
من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وإذا كان الإنسان يحب منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا فانيًا منقطعًا أو استنفذه من مهلكة أو مضرة لا تدوم، فما بالك بمن منحه منحًا لا تبيد ولا تزول ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول.
الحواشي
(١) في كتاب الحلية، وأبو الشيخ وغيرهما كانب حبان في "روضة العقلاء" والخطيب في "تاريخ بغداد" وأخرين عن ابن مسعود، موقوفًا.
وأخرجه ابن عدي والبيهقي وابن الجوزي، عنه مرفوعًا، قال السخاوي: وهو باطل موقوفًا ومرفوعًا وقول ابن عدي والبيهقي، الموقوف معروف فيه تأمل ففي سندهما: من أبهم بالكذب والوضع بسياق أجل الأعمش عن مثله، وهو أنه لما ولي الحسن بن عمارة مظالم الكوفة، فقال الأعمش: ظالم ولي مظالم، فبلغ الحسن فبعث إليه بأثواب ونفقة، فقال الأعمش: مثل هذا ولي علينا يرحم صغيرها ويجود على فقيرنا ويوقر كبيرنا فقال له رجل: ما هذا قولك بالأمس، فقال: حدثني خيثمة عن ابن مسعود، فذكره موقوفًا، وأخرجه القضاعي، مرفوعًا من جهة ابن عائشة عن محمد بن عبد الرحمن القرشي، قال: كنت عند الأعمش، فقيل: إن الحسن ولي المظالم، فقال الأعمش: يا عجبًا من ظالم ولي المظالم، ما للحائك بن الحائك والمظالم، فأتيت الحسن، فأخبرته، فقال: عليَّ بمنديل وأثواب، فوجه بها إليه، فبكرت إلى الأعمش من الغاد، فأجربت ذكره، فقال: بخ بخ، هذا الحسن بن عمارة ولي العمل وما زانه، فقلت: بالأمس تقول ما قلت واليوم تقول هذا، فقال: دع عنك هذا.
حدثني خيثمة عن ابن مسعود مرفوعًا به، فقد كان ﵀ زاهدًا، ناسكًا، تاركًا للدنيا، حتى وصفه القائل بقول: ما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر عنده منهم مع فقره وحاجته، وقال آخر: أنه فقير، صبور، مجانب للسلطان، ورع، عالم بالقرآن، انتهى.
وفي تذكرة ابن عبد الهادي، قال مهنأ: سألت أحمد ويحيى عن هذا الحديث، فقالا: ليس له أصل وهو موضوع، "وإذا كان الإنسان يحب منحه" أي: أعطاه "في دنياه" أي: حياته في الدنيا "مرة أو مرتين معروفًا"، أي: شيئًا حسنًا، "فانيًا، منقطعًا" أي: زائلًا في زمن قليل، "أو استنقذه"، نحاه "من مهلكة" أمر مهلك، "أو مضرة" "بفتح الميم والضاد" أمر يضره ويؤذيه "لا تدوم" مدة ذلك "فما بالك بمن منحه منحا لا تبيد" بكسر الموحدة وإسكان التحتية لا تذهب وتنفذ "ولا تزول" عطف تفسير من نعيم الخلد في الجنة، "ووقاه" بالتشديد والتخفيف صانه "من العذاب الأليم"، عذاب النار "ما لا يفنى ولا يحول" عنه إلى غيره، فهذا أحق أن يحب من كل شيء يحب حتى من نفسه وماله وأهله، "وإذا كان المحب يحب غيره على" أي: لأجل "ما فيه من صورة جميلة وسيرة حميدة" كملك وقاضٍ وإن كان بعيد الدارстр. 4129
وإذا كان المحب يحب غيره على ما فيه صورة جميلة وسيرة حميدة، فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان، فهو السبب لبقاء مهجنا البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، فأي إحسان أجل قدرًا وأعظم خطرًا من إحسانه إلينا، فلا منة -وحياته- لأحد بعد الله كما له علينا، ولا فضل لبشر كفضله لدينا.
فكيف ننهض ببعض شكره، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشرة، فقد منحنا الله به منح الدنيا والآخرة، وأسبغ علينا نعمة باطنة وظاهرة، فاستحق ﷺ أن يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، بل لو كان في كل منبت شعرة منا محبة تامة له صلوات
الحواشي
(١) عنه ولم يره، "فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم"، الذي لا أكرم ولا أعظم منه، "الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح" المعطي "لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان"، بالإضافة البيانية فيهما أو من إضافة الأعم إلى الأخص، "وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان، فهو السبب لبقاء مهجنا" بضم ففتح "البقاء الأبدي" الدائم "في النعيم السرمدي" المتواصل الذي لا ينقطع، "فأي: إحسان أجل قدرًا" رتبة "وأعظم خطرًا" بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة، أي: قدرًا أو شرفًا غاير بينهما تفننًا "من إحسانه إلينا" معاشر المؤمنين، وخصهم لأنهم هم المنتفعون به وإن كان إحسانه عامًا، وأي: للتعظيم والتفخيم، كما يقال: عندي رل، أي: رجل كامل الرجولية، "فلا منة وحياته" قسمي "لأحد بعد الله كما له علينا ولا فضل لبشر" ولا لملك "كفضله لدينا" عندنا وقيد بالبشر؛ لأنه المشاهد فضله، "فكيف ننهض" نقوم بسرعة "ببعض شكره" على ما أولانا، "أو" كيف "نقوم من واجب حقه بمعشار عشرة، فقد منحنا الله به منح الدنيا والآخرة وأسبغ: أوسع وأتم "علينا" بسببه "نعمة" أي: الله "باطنة"وهي المعرفة وغيرها، "وظاهرة" حسن الصورة وتسوية الأعضاء، فاستحق ﷺ أن يكون حظه" نصيبه "من محبتنا له أوفى" أتم "وأزكى" أطهر "من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين"، عطف على خاص وهو كثير، "بل" انتقال "لو كان في كل منبت" محل نبات "شعرة منا محبة تامة له صلوات الله وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحقهстр. 4130
الله وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحق علينا.
وقد روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده". رواه البخاري.
وقدم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد، من غير عكس، وفي رواية النسائي تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد الشفقة، وزاد في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أسن والناس أجمعين، وفي صحيح ابن خزيمة: من أهله وماله بدل
الحواشي
(١) علينا".
"وقد روى أبو هريرة أنه ﷺ أنه قال: "لا يؤمن" إيمانًا كاملًا "أحدكم" خطاب للحاضرين عام فيهم وفي غيرهم، بقياسهم عليهم بطريق المساواة بجامع العلة، أو تنزيلًا لهم منزلة المخاطبين، وتوجيه الكلام لجملتهم مجازًا من باب الاستعارة التمثيلية، ويؤيد عمومه رواية مسلم لا يؤمن الرجل.
وفي رواية الأصيلي: لا يؤمن أحد وزعم أن في مسلم: لا يؤمن عبد وابن حبان: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان غلط، فإنما فيهما ذلك في حديث: حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. "حتى أكون أحب" أفعل بمعنى مفعول، وهو مع كثرته على خلاف القياس، وفصل بينه وبين معموله بقوله: "إليه" لأن الممتنع الفصل بأجنبي.
قاله الحافظ وقال المصنف: لأنه يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره "من والده" أي: أبيه، قال الحافظ: وهل تدخل الأم في لفظ والده، إن أريد به من له الولد، فيعم، أو اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر على سبيل التمثيل والمراد، إلا عزة، كأنه قال: أحب إليه من أعزته "وولده" ذكرًا أو أنثى.
"رواه البخاري" من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن، ذكره، وهو عن أبي هريرة من أفراد البخاري، ورواه هو ومسلم من حديث أنس، "وقدم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس" أو نظرًا إلى جانب التعظيم، أو لسبقه بالزمان، قاله المصنف.
"وفي رواية النسائي": لحديث أنس: "تقدم الولد على الوالد، وذلك لمزيد الشفقة"، ونطق ﷺ عند كل من أبي هريرة، وأنس بما رواه عنه، فلا خلف، وليس أحدهما بالمعنى لاختلاف المخرج، وأفاد الحافظ أن الروايات لم تختلف في حديث أبي هريرة "وزاد في رواية عبد العزيز بن صهيب"، بضم المهملة وفتح الحاء وسكون التحتية وموحدة، البناني بضم الموحدة نسبة إلى بنانة: بطن من قريش التابعي، كأبيه "عن أنس" عند البخاري ومسلم: "لا يؤمنстр. 4131
والده وولده وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه. ولذا لم يذكر "النفس" في حديث أبي هريرة، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص.
قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع.
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس والأمَّارة والمطمئنة، فإن من رجح
الحواشي
(١) أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" "والناس أجمعين" دخل في عمومه النفس على الظاهر، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد نص على النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما يأتي انتهى. ووجه بعده أن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذٍ فلا يخرج.
"وفي صحيح" محمد "بن خزيمة" المعروف بإمام الأئمة، من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله" بدل والده وولده.
وكذا لمسلم من طريق ابن علية، والإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز، عن أنس، بلفظ: لا يؤمن الرجل، قال الحافظ: وهو أشمل من جهة، وأحدكم أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي: لا يؤمن أحد، "وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى" أي: أنسب المعنى الذي الكلام فيه، "لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس في حديث أبي هريرة" بل قال: من والده وولده فقط، "وذكر الناس بعد الوالد والولد" في حديث أنس عند الشيخين، كما علم "من عطف العام على الخاص"، وهو كثير، كما في الفتح، فمحبة الوالد محبة إجلال ومحبة الولد رحمة وشفقة، والناس محبة إحسان، وقد ينتهي المحب في المحبة إلى أن يؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه فضلا عن ولده، بل يحب أعداء نفسه لمشابهتهم محبوبه قال:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم
"قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار"، الذي يقتضي العقل إيثاره وإن خالف الطبع، كمحبة المريض الدواء "لا حب الطبع" الذي لا يدخل تحت اختيار، فإنه لا يؤاخذ به لعدم دخوله تحت استطاعته.
"وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الإمارة"، المائلة بطبعها إلى الشهوات، وتهيم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات، "والمطمئنة" بذكر الله، فإن النفس تترقى في الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته، فتستقر دون معرفته، وتستغنى به عن غيره، أوстр. 4132
جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحًا، ومن رجح جانب الأمَّارة كان حبه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض: إن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وتعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مرادًا، هنا لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى ذلك يومئ قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في "الإيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي: لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال
الحواشي
(١) إلى الحق، بحث لا يريبها شك، والآمنة لا يستفزها خوف ولا حزن، قاله البيضاوي: "فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحًا" حتى على نفسه، "ومن رجح جانب الأمارة كان حبه بالعكس"، أي: مرجوحًا "وفي كلام القاضي عياض" إشارة إلى "أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال"، باعتقاد عظمته وجلاله ﷺ ، وحمله على ذلك يلزم منه التنقيص عند ضد التعظيم، وهوكفر، فلذا قال: شرط في صحة الإيمان "وتعقبه صاحب المفهم" أبو العباس أحمد بن محمد القرطبي، مرت ترجمته في شرح مسلم، "بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته" بأن لا يحبه ولا يبغضه، أو يعظمه مع بغضه، يعني: فكما لا يلزم من الأعظمية المحبة، لا يلزم من ضدها البغضاء.
قال شيخنا: هو كذلك عقلا، وأما بحسب العرف، فالعادة قاضية؛ بأن من اعتقد عظمة إنسان أحبه، "قال" صاحب المفهم: "فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه" فقط، لا أنه كافر، "وإلى ذلك يومئ قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في" كتاب "الإيمان والنذور" من صحيحه "من حديث عبد الله بن هشام" بن زهرة بن عثمان التيمي، صحابي، صغير، مات في خلافة معاوية، وأبوه صحابي، "أن عمر بن الخطاب، قال للنبي: لأنت يا رسول الله"، لفظه عن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، والله لأنت "أحب إليَّ" "بشد الياء واللام"، لتأكيد القسم "من كل شيء" في الدنيا وغيرها، "إلا" من "نفسي التي بين جنبي" "بشد الياء" مثنى؛ لأن بين لا تضاف إلا لمتعدد، وهذا كناية عن السر الذي قامت به الحياة، وأضافه إلىстр. 4133
النبي ﷺ : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إليَّ من نفسي التي بين جنبي فقال له النبي ﷺ : "الآن يا عمر"، فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا.
وفي رواية فقال ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك.
وأما وقوف عمر في أول أمره، واستثناؤه نفسه؛ فلأن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا
الحواشي
(١) الجنبين، لجرى العادة بسلب الحياة، بسلب ما بينهما وهو القلب، وما يتعلق به من سائر الأعضاء الرئيسة، "فقال النبي ﷺ : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"، فقال عمر": مؤكدًا بالقسم تحقيقًا لخلوص طويته في قوله: "والذي أنزل عليك الكتاب" أوحى إليك القرآن "لأنت أحب من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ﷺ : "الآن" عرفت، فنطقت بكمال الإيمان، فهو متعلق بمقدر، وهو مبني على الفتح، وأل فيه لازمه، وهو الزمان الحاضر، وصرح بقوله: "يا عمر" إشارة إلى وصوله لرتبة عليه، تخصه بالنسبة لبض من عداه، أي: لا تكفيك الرتبة الأولى، ولا يليق بعلو همتك الاقتصار عليها، "فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا"، بدليل قوله أحب إليّ من كل شيء.
"وفي رواية: فقال النبي ﷺ لعمر: "لا" يكمل إيمانك، "والذي نفسي بيده" أي: بقدرته، أو هو من المتشابه المفوض علمه لله، وهو أسلم وأقسم تأكيدًا، وفيه جواز الحلف على الأمر المبهم للتوكيد، وإن لم يكن هناك محلف "حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال ﷺ : "الآن يا عمر".
هذا بقية هذه الرواية في البخاري: "قال بعض الزهاد: تقدير الكلام" في قوله: لا حتى أكون، "لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك" بالجهاد أو إماتة النفس، "وأما وقوف عمر في أول أمره واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع" لا يسلم منه إلا من ملك نفسه: جاهدها، "وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب" المؤدية إلى ذلك، "وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع"، أي:стр. 4134
فجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله: "الآن يا عمر" أي الآن عرفت فنطقت بما يجب.
وإذا كان هذا شأن نبينا محمد ﷺ عبد الله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره قدرها وصفتها، وإفراده بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه
الحواشي
(١) لا طريق إلى تحويلها عما تهواه، "وتغييرها عما جبلت عليه" لأنه لا يدخل تحت الاستطاعة فليس مكلفًا به، ولا مؤاخذًا بعدمه، "وعلى هذا، فجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع" الذي جبل عليه الإنسان من ترجيح نفسه وتقديمها، "ثم تأمل، فعرف بالاستدلال؛ أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه، لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار"، الناشئ من التفكر "فلذلك حصل الجواب، بقوله" ﷺ : "الآن يا عمر"، أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب"، وحال عمر أنه لا يفعل غير ما وجب عليه؛ لأنه منهي عنه؛ إذ الأمر بالشئ الموجب له نهى عن ضده، "وإذا كان هذا شأن نبينا محمد ﷺ عبد الله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن" استفهام تعظيم، أي: ظن تظنه، أي: لا تظن إلا أعظم ظن، "بمحبة الله تعالى وجوب تقديمها على محبة ما سواه".
وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي"، أخرجه الترمذي والحاكم، وصححاه عن ابن عباس:
"ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها"، وفي "إفراده بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله"، ولا انفكاك لأحد عن الاحتياج إليه، "والشيء قد يحب من وجه دون وجه"، كحب العالم لعلمه، وكراهته لبخله مثلًا، "وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا اللهстр. 4135
دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى حده، ولا تصلح الألوهية إلا له. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع.
ومن علامات الحب المذكور لرسول الله ﷺ أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد أصتف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ ، ومن لا فلا.
الحواشي
(١) تعالى وحده".
قال ابن عطاء: الله ما من وقت ولحظة إلا وهو مورد عليك فيهما نعمًا، يجب حبه وشكره عليه دائمًا فمتى فات حق وقت لا يمكن قضاؤه أبدًا؛ إذ ما من وقت إلا وله عليك فيه حق جديد، وهو الشكر، وأمر أكيد وهو الاستغفار والتجريد ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية، "ولا تصلح الألوهية"، أي: العبادة "إلا له والتأله"، أي: التعبد "هو المحبة والطاعة والخضوع"، والغرض من هذه الجملة بعدما تقدم التنبيه على استحقاقه الكمال المطلق، فلا يشاركه أحد في شيء من صفاته إلا في مجرد الاسم إن اتفاق ذلك، ولما كان هذا نتيجة الأسباب المحصلة لمحبة الله تعالى، كما قال بعد أن هذا ثمرة المعرفة، عطفة بالواو في قوله: ولا تصلح، ولم يقل إذا المقتضية للعلة لما قبله، غائية أو غير غائية؛ لأن ذلك يقتضي سبق معرفة العلة الغائية، أو غيرها على الأسباب المحصلة، "ومن علامات الحب المذكور لرسول الله ﷺ : أن يعرض" "بفتح الياء وكسر الراء"، أي: يظهر ويبرز "الإنسان على نفسه أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ﷺ ، أن لو كانت ممكنة"، أي: سهلة في نفسها، بحيث يتمكن منها إذا أرادها، فليس المراد بالإمكان ما قابل الاستحالة "فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ ، ومن لا" يكن ذلك أشد، "فلا" يتصف بالأحبية المذكورة.
وهذا ذكره الحافظ، وزاد: وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب في شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيها باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان، إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالًا ومآلًا، فإذا تأمل النفع الحاصل من جهة رسول الله ﷺ إما بالمباشرةследующие страницы →