Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
والده وولده وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه. ولذا لم يذكر "النفس" في حديث أبي هريرة، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص.
قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع.
وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس والأمَّارة والمطمئنة، فإن من رجح
الحواشي
(١) أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" "والناس أجمعين" دخل في عمومه النفس على الظاهر، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد نص على النفس في حديث عبد الله بن هشام، كما يأتي انتهى. ووجه بعده أن اللفظ عام، وما ذكر ليس من المخصصات، وحينئذٍ فلا يخرج.
"وفي صحيح" محمد "بن خزيمة" المعروف بإمام الأئمة، من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله" بدل والده وولده.
وكذا لمسلم من طريق ابن علية، والإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد، كلاهما عن عبد العزيز، عن أنس، بلفظ: لا يؤمن الرجل، قال الحافظ: وهو أشمل من جهة، وأحدكم أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي: لا يؤمن أحد، "وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى" أي: أنسب المعنى الذي الكلام فيه، "لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس في حديث أبي هريرة" بل قال: من والده وولده فقط، "وذكر الناس بعد الوالد والولد" في حديث أنس عند الشيخين، كما علم "من عطف العام على الخاص"، وهو كثير، كما في الفتح، فمحبة الوالد محبة إجلال ومحبة الولد رحمة وشفقة، والناس محبة إحسان، وقد ينتهي المحب في المحبة إلى أن يؤثر هوى المحبوب على هوى نفسه فضلا عن ولده، بل يحب أعداء نفسه لمشابهتهم محبوبه قال:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ صار حظي منك حظي منهم
"قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا حب الاختيار"، الذي يقتضي العقل إيثاره وإن خالف الطبع، كمحبة المريض الدواء "لا حب الطبع" الذي لا يدخل تحت اختيار، فإنه لا يؤاخذ به لعدم دخوله تحت استطاعته.
"وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الإمارة"، المائلة بطبعها إلى الشهوات، وتهيم بها، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات، "والمطمئنة" بذكر الله، فإن النفس تترقى في الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته، فتستقر دون معرفته، وتستغنى به عن غيره، أوстр. 4132
جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحًا، ومن رجح جانب الأمَّارة كان حبه بالعكس.
وفي كلام القاضي عياض: إن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وتعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مرادًا، هنا لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى ذلك يومئ قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في "الإيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي: لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال
الحواشي
(١) إلى الحق، بحث لا يريبها شك، والآمنة لا يستفزها خوف ولا حزن، قاله البيضاوي: "فإن من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحًا" حتى على نفسه، "ومن رجح جانب الأمارة كان حبه بالعكس"، أي: مرجوحًا "وفي كلام القاضي عياض" إشارة إلى "أن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال"، باعتقاد عظمته وجلاله ﷺ ، وحمله على ذلك يلزم منه التنقيص عند ضد التعظيم، وهوكفر، فلذا قال: شرط في صحة الإيمان "وتعقبه صاحب المفهم" أبو العباس أحمد بن محمد القرطبي، مرت ترجمته في شرح مسلم، "بأن ذلك ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته" بأن لا يحبه ولا يبغضه، أو يعظمه مع بغضه، يعني: فكما لا يلزم من الأعظمية المحبة، لا يلزم من ضدها البغضاء.
قال شيخنا: هو كذلك عقلا، وأما بحسب العرف، فالعادة قاضية؛ بأن من اعتقد عظمة إنسان أحبه، "قال" صاحب المفهم: "فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه" فقط، لا أنه كافر، "وإلى ذلك يومئ قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في" كتاب "الإيمان والنذور" من صحيحه "من حديث عبد الله بن هشام" بن زهرة بن عثمان التيمي، صحابي، صغير، مات في خلافة معاوية، وأبوه صحابي، "أن عمر بن الخطاب، قال للنبي: لأنت يا رسول الله"، لفظه عن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، والله لأنت "أحب إليَّ" "بشد الياء واللام"، لتأكيد القسم "من كل شيء" في الدنيا وغيرها، "إلا" من "نفسي التي بين جنبي" "بشد الياء" مثنى؛ لأن بين لا تضاف إلا لمتعدد، وهذا كناية عن السر الذي قامت به الحياة، وأضافه إلىстр. 4133
النبي ﷺ : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إليَّ من نفسي التي بين جنبي فقال له النبي ﷺ : "الآن يا عمر"، فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا.
وفي رواية فقال ﷺ : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك.
وأما وقوف عمر في أول أمره، واستثناؤه نفسه؛ فلأن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا
الحواشي
(١) الجنبين، لجرى العادة بسلب الحياة، بسلب ما بينهما وهو القلب، وما يتعلق به من سائر الأعضاء الرئيسة، "فقال النبي ﷺ : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"، فقال عمر": مؤكدًا بالقسم تحقيقًا لخلوص طويته في قوله: "والذي أنزل عليك الكتاب" أوحى إليك القرآن "لأنت أحب من نفسي التي بين جنبي، فقال له النبي ﷺ : "الآن" عرفت، فنطقت بكمال الإيمان، فهو متعلق بمقدر، وهو مبني على الفتح، وأل فيه لازمه، وهو الزمان الحاضر، وصرح بقوله: "يا عمر" إشارة إلى وصوله لرتبة عليه، تخصه بالنسبة لبض من عداه، أي: لا تكفيك الرتبة الأولى، ولا يليق بعلو همتك الاقتصار عليها، "فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا"، بدليل قوله أحب إليّ من كل شيء.
"وفي رواية: فقال النبي ﷺ لعمر: "لا" يكمل إيمانك، "والذي نفسي بيده" أي: بقدرته، أو هو من المتشابه المفوض علمه لله، وهو أسلم وأقسم تأكيدًا، وفيه جواز الحلف على الأمر المبهم للتوكيد، وإن لم يكن هناك محلف "حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال ﷺ : "الآن يا عمر".
هذا بقية هذه الرواية في البخاري: "قال بعض الزهاد: تقدير الكلام" في قوله: لا حتى أكون، "لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه الهلاك" بالجهاد أو إماتة النفس، "وأما وقوف عمر في أول أمره واستثناؤه نفسه، فلأن حب الإنسان نفسه طبع" لا يسلم منه إلا من ملك نفسه: جاهدها، "وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب" المؤدية إلى ذلك، "وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع"، أي:стр. 4134
فجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله: "الآن يا عمر" أي الآن عرفت فنطقت بما يجب.
وإذا كان هذا شأن نبينا محمد ﷺ عبد الله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره قدرها وصفتها، وإفراده بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه
الحواشي
(١) لا طريق إلى تحويلها عما تهواه، "وتغييرها عما جبلت عليه" لأنه لا يدخل تحت الاستطاعة فليس مكلفًا به، ولا مؤاخذًا بعدمه، "وعلى هذا، فجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع" الذي جبل عليه الإنسان من ترجيح نفسه وتقديمها، "ثم تأمل، فعرف بالاستدلال؛ أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه، لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار"، الناشئ من التفكر "فلذلك حصل الجواب، بقوله" ﷺ : "الآن يا عمر"، أي: الآن عرفت فنطقت بما يجب"، وحال عمر أنه لا يفعل غير ما وجب عليه؛ لأنه منهي عنه؛ إذ الأمر بالشئ الموجب له نهى عن ضده، "وإذا كان هذا شأن نبينا محمد ﷺ عبد الله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن" استفهام تعظيم، أي: ظن تظنه، أي: لا تظن إلا أعظم ظن، "بمحبة الله تعالى وجوب تقديمها على محبة ما سواه".
وإلى هذا أشار ﷺ بقوله: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي"، أخرجه الترمذي والحاكم، وصححاه عن ابن عباس:
"ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها"، وفي "إفراده بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله"، ولا انفكاك لأحد عن الاحتياج إليه، "والشيء قد يحب من وجه دون وجه"، كحب العالم لعلمه، وكراهته لبخله مثلًا، "وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا اللهстр. 4135
دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى حده، ولا تصلح الألوهية إلا له. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع.
ومن علامات الحب المذكور لرسول الله ﷺ أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد أصتف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ ، ومن لا فلا.
الحواشي
(١) تعالى وحده".
قال ابن عطاء: الله ما من وقت ولحظة إلا وهو مورد عليك فيهما نعمًا، يجب حبه وشكره عليه دائمًا فمتى فات حق وقت لا يمكن قضاؤه أبدًا؛ إذ ما من وقت إلا وله عليك فيه حق جديد، وهو الشكر، وأمر أكيد وهو الاستغفار والتجريد ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ الآية، "ولا تصلح الألوهية"، أي: العبادة "إلا له والتأله"، أي: التعبد "هو المحبة والطاعة والخضوع"، والغرض من هذه الجملة بعدما تقدم التنبيه على استحقاقه الكمال المطلق، فلا يشاركه أحد في شيء من صفاته إلا في مجرد الاسم إن اتفاق ذلك، ولما كان هذا نتيجة الأسباب المحصلة لمحبة الله تعالى، كما قال بعد أن هذا ثمرة المعرفة، عطفة بالواو في قوله: ولا تصلح، ولم يقل إذا المقتضية للعلة لما قبله، غائية أو غير غائية؛ لأن ذلك يقتضي سبق معرفة العلة الغائية، أو غيرها على الأسباب المحصلة، "ومن علامات الحب المذكور لرسول الله ﷺ : أن يعرض" "بفتح الياء وكسر الراء"، أي: يظهر ويبرز "الإنسان على نفسه أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ﷺ ، أن لو كانت ممكنة"، أي: سهلة في نفسها، بحيث يتمكن منها إذا أرادها، فليس المراد بالإمكان ما قابل الاستحالة "فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه، فقد اتصف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ ، ومن لا" يكن ذلك أشد، "فلا" يتصف بالأحبية المذكورة.
وهذا ذكره الحافظ، وزاد: وليس ذلك محصورًا في الوجود والفقد، بل يأتي مثله في نصرة سنته والذب في شريعته، وقمع مخالفيها، ويدخل فيها باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: وفي هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان، إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه، فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالًا ومآلًا، فإذا تأمل النفع الحاصل من جهة رسول الله ﷺ إما بالمباشرةстр. 4136
قال القرطبي: كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي ﷺ اشتاق إلى رؤية بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم، من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات، انتهى.
ملخصًا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل الإسلام إلا بها، ولكن الناس متفاوتون في محبته ﷺ بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته
الحواشي
(١) وأما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه.
"قال القرطبي" أبو العباس في المفهم: "كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون" فيها بحسب الاستحضار والغفلة "فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات، محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي ﷺ اشتاق إلى رؤيته"، والشوق انجذاب النفس في الغيبة، فهو أخص من المحبة؛ لأنها تكون في الحضور والغيبة، "بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده، ويبذل نفسه": يعطيها بسهولة ويلقيها "في الأمور الخطيرة" "بمعجمة فمهملة" الشاقة الصعبة، "ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه" ولا شك، "وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره و" يؤثر "رؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكره، فيذهب إلى ذلك بدون مراعاة المذكور "لما وقر": ثبت "في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات، انتهى" كلام القرطبي "ملخصًا، فكل مسلم" كائن وثابت "في قلبه محبة الله ورسوله" إذ "لا يدخل الإسلام إلا بها، ولكن الناس متفاوتون في محبته ﷺ ، بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته، من وجوه النفع الشامل لخير الدارين"، وهو أعظم من جميع وجوه الانتفاعات،стр. 4137
من وجوه النفع الشامل لخير الدارين والغفلة عن ذلك، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃ في هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم.
وقد روى ابن إسحاق -كما حكاه في الشفاء- أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله ﷺ فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرًا هو بحمد الله كما تحبين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تعني: صغيرة.
ورواه البيهقي في دلائله، وذكر صاحب البيان بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل
الحواشي
(١) "و" بحسب "الغفلة عن ذلك" الاستحضار "ولا شك أن حظ الصحابة ﵃ في هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم" من غيرهم والله الموفق.
هذا وقد نقل المصنف بعد نحو كراس كلام سهل الذي نقله الشارح هنا عن الشفاء.
"وقد روى ابن إسحاق" محمد إمام المغازي في السيرة، "كما حكاه في الشفاء: أن امرأة من الأنصار" لم تسم، ولفظ ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قال: مر رسول الله ﷺ بامرأة من بني دينار وقد "قتل أبوها وأخوها وزوجها" شهداء "يوم أحد مع رسول الله ﷺ ، فقالت" لما نعوا لها "ما فعل رسول الله" هكذا في أكثر النسخ، وهو اموجود في الشفاء وابن إسحاق رسول بلا باء، وليس المراد السؤال عن فعله حقيقة، وإنما المراد السؤال عن سلامته وحياته، وعبرت بذلك تأدبًا؛ لأن الفعل يستلزم الحياة، فأريد لازمة، وفي بعض نسخ المصنف برسول الله ﷺ بالباء "قالوا" فعل "خيرًا" والمراد أنه بخبر، ولذا قالوا: "هو بحمد الله كما تحبين" أي: سالم منصور مظفر، "قالت: أرونيه"، بالجمع، وهو ما رأيته في ابن إسحاق، وفي نسخة: أرنيه بالإفراد خطابًا لمن سألته "حتى أنظر إليه" فإن الخبر ليس كالعيان، قال في الراوية: فأشير لها إليه، "فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك"، أي: بعد سلامتك ورؤيتك "جلل" "بفتح الجيم واللام"، "تعني صغيرة" وفي النهاية وغيرها، أي: هين حقير، والمعنى متقارب، وفي سيرة ابن هشام: الجلل من القليل والكثير، وهو هنا من القليل، كقوله امرئ القيس:
لقتل بني أسد ربهم ... إلا كل شيء سواه جلل
ومن الكثير قول الحارث بن وعلة، قال:
ولئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن سطوت لأوهنن عظمى
"ورواه البيهقي في دلائله" النبوية من طريق ابن إسحاق، "وذكر صاحب البيان بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل محمد ﵊، وكثرت الصوارخ"، الصائحونстр. 4138
محمد ﵊ وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت بأخيها وابيها وابنها وزوجها قتلى، لا تدري بأيهم استقبلت، وكلما مرت بواحد منهم صريعًا قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما فعل النبي ﷺ ؟ فيقولون: أمامك، حتى ذهبت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سلمت من عطب. وكذا رواه ابن أبي الدنيا بنحوه مختصرًا.
وقال عمرو بن العاص: ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ .
وقال علي بن أبي طالب: كان رسول الله ﷺ أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ.
ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة
الحواشي
(١) "بالمدينة" من هول هذا الخبر "خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت" ضمنه معنى اشتغلت، فعداه بالباء في قوله: "بأخيها وأبيها وزوجها"، فزاد ابنها على الرواية السابقة: "قتلى لا تدري بأيهم استقبلت، وكلما مرت بواحد منهم صريعًا، قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وأبنك، قالت: فما فعل النبي ﷺ "، أي: ما لذي قام به "فيقولون: أمامك حتى ذهبت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه، ثم جعلت تقول" أفديك "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي"، لا أكترث ولا أهتم "إذ سلمت" أنت من القتل "من عطب" "بكسر الطاء" أي: هلك.
"وكذا رواه ابن أبي الدنيا" عبد الله بن محمد الحافظ، الشهير "بنحوه مختصر، وقال عمرو بن العاص" بالياء وحذفها "ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ "، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، حتى لو قيل لي صفه ما استطعت أن أصفه.
أخرجه مسلم في حديث طويل "وقال علي بن أبي طالب" وقد سئل كيف كان حبكم لرسول الله ﷺ ؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا" "بضم الهمزة وكسرها، مع فتح الميم، وكسرها جمع أمهة"، لغة في أم، لكنها تختص ببني آدم، قال: أمهتي خندف واليأس أبي، ويقال في البهائم: أمات "و" أحب "من الماء البارد على الظمأ" بقصره أفصح من مده، أي: شدة العطش، خصه لأنه حال محبة الماء وشدة الرغبة فيه، وأعاد الجار؛ لأنه نوع آخر مما يحب، ولشدة نفعه، "و" روى البيهقي عن عروة، قال: "لماстр. 4139
وتشديد النون- من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكه وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا.
وروي -مما ذكره القاضي عياض- أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء
الحواشي
(١) أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة" بن معاوية بن عبدي بن معاوية بن عامر بن بياضة الأنصاري، البياضي، شهد بدرًا وأحدًا "بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وتشديد النون" وقد تسكن المثلثة وتخفف النون وهاء تأنيث، اسم والده من قولهم دثن الطائر إذا طار حول وكره، ولم يسقط عليه أو من دثن إذا اتخذ عشا، وكان قد أسر يوم الرجيع مع خبيب بن عدي، فاشترى صفوان بن أمية زيد أو غيره خبيبًا، وذلك في ذي القعدة سنة ثلاث؛ فحبسا بمكة حتى خرجت الأشهر الحرم، فخرجوا بهما "من الحرم" تعظيمًا له؛ لأنهم كانوا لا يقتلون فيه، واجتمع هو وخبيب في الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقها من المكاره "ليقتلوه" بالتنعيم.
"قال له أبو سفيان بن حرب" وهو يومئذٍ مشرك: "أنشدك" بفتح الهمزة وضم الشين: أسألك "بالله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه، وإنك في أهلك فقال زيد": مؤكد بالقسم "والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه" مقيم "تصيبه شوكة"، أي: أقل شيء من الأذى فضلًا عما قلتم، "وإني جالس في أهلي" سالم من الأذى، "فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من النس"، ما نافية لا تعجبية، وإن كان مراده التعجب من شدة حبهم له "يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"، مفعول المصدر، وهو حب، ثم قتله نسطاس مولى صفوان، وأسلما بعد ﵄.
وفي رواية: أنهم ناشدوا بذلك خبيبًا فقال: والله ما أحب أن يفديني بشوكة في قدمه، ولا خلف، فقد يكونون قالوه لخبيب، وقاله أبو سفيان لزيد، ومر بسط القصة في المغزي.
"وروى" عند الطبراني في الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس "مما ذكره القاضي عياض أن رجلًا" ثوبان أو عبد الله بن زيد على ما يأتي "أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لأنت" "اللام في جواب قسم مقدر" "أحب إليّ من أهلي ومالي، وإني لأذكرك"، أي: أتذكرك في ذهني وأتصورك، أو أذكر اسمك وصفاتك فهو من الذكر "بالكسر أو الضم" "فما أصبر" أي: لا أستطيع الصبر عنك، أي: عن رؤيتك لشدة حبي لك، "حتى أجيء فأنظرстр. 4140
فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك، فانزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فدعا به فقرأها عليه.
قال: وفي حديث آخر: كان رجل عند النبي ﷺ ينظر إليه لا يطوف، فقال: "ما بالك"؟ قال: بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله الآية.
الحواشي
(١) إليك" فيطمئن قلبي، وتقر عيني برؤيتك "وإني ذكرت موتي وموتك" أي: مكاني ومكانك بعد الموت، "فعرفت": تحققت "إنك إذا دخلت الجنة" بعد الموت "رفعت" إلى الدرجات العلا "مع النبيين" صلوات الله عليهم أجمعين، "وإن دخلتها" أنا "بضم التاء" "لا أراك" بعد الدخول؛ لأنك في مقام لا يصل إليه غيرك، وعبر في جانبه ﷺ بإذا لتحقق دخوله الجنة، ورفعته فيها وفي جانبه هو؛ بأن لعدم جزمه في نفسه بذلك، "فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ " بامتثال أمره ونهيه، ويلزمه محبته له أيضا، ولم تذكر لتحققها لذكر الرجل لها والعلم بخلوصه فيها، " ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ " بنعيم الجنة وعالي مراتبها، ففيه تبشير له بمرافقة أكرم خلق الله وأقربهم، وأرفعهم منزلة " ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ " بيان للمنعم عليهم بما أخفي لهم من قرة أعين " ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ " تعجب أي: ما أحسنهم " ﴿رَفِيقًا﴾ " [النساء: ٦٩] ، تمييز، ولم يجمع لوقوعه على الواحد وغيره، أو لإرادة كل واحد منهم "فدعا به" طلب حضوره "فقرأها عليه" جوابًا له وتبشيرًا، والمراد بالمعية والمرافقة كونه في الجنة يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم متى شاء، لا التسوية في المنزلة.
"قال": عياض: "وفي حديث آخر كان رجل عند النبي ﷺ " أي: ملازمًا لمجلسه "ينظر إليه" أي: يديم النظر إلى وجهه الوجيه "لا يطرف" "بفتح الياء وسكون الطاء وكسر الراء المهملتين وفاء" أي: لا يصرف طرفه عن النظر إليه، أو لا يطبق أحد جفنيه على الآخر، ويغض بصره، وظاهر قول بعضهم، أي: لا يغض بصره مطرقًا راميًا ببصره إلى الأرض، أنه من أطرق "بضم أوله وقاف"، وهو صحيح أيضًا.
قال بعضهم: لكني لا أعرف هل هو رواية أو تحرف عليه أو تسامح في تفسيره: "فقال" له ﷺ : "ما بالك؟ " أي: ما شأنك حتى تحد النظر وتديمه كالمبهوت، "قال": أفديك "بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر"، لفظ الشفاء: بالنظر "إليك" أي: أتلذذ بإدامة نظري في وجهك ما دام ممكنًا في الدنيا لأنتفع به وأتزوده منه، "فإذا كان" وجد "يوم القيامة رفعك الله" إلىстр. 4141
وذكره البغوي في تفسيره بلفظ: نزلت -أي الآية- في ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما غير لونك"؟ فقال يا رسول الله، ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية، وكذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول"، وعزاه الكلبي عن ثوبان.
وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي ﷺ : كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلا ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله الآية.
الحواشي
(١) الدرجات العالية في الجنة، "بتفضيله" لك على جميع خلقه، والباء للسببية "فأنزل الله الآية" المذكورة، "وذكر البغوي" محبي السنة الحسين بن مسعود، أحد الحفاظ "في تفسيره" بلا عزو، "بلفظ: نزلت، أي: الآية في ثوبان مولى رسول الله ﷺ " اشتراه وأعتقه، فلازمه حضرًا وسفرًا، وخدمه حتى مات، فتحول إلى الرملة، ثم حمص، فمات بها سنة أربع وخمسين، "وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ ، قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه"، وعند الثعلبي: تغير وجهه، ونحل جسمه "يعرف الحزن في وجهه"، "فقال له رسول الله ﷺ : ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض" مطلق علة، "ولا وجع" أي: مرض مؤلم، ويقع أيضًا على كل مرض، ولا يراد هنا للمغايرة، "غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة" أي: حصل لي انقطاع بعد قلب عن الود وعدم استئناس، "حتى ألقاك" فتزول وحشتي، ثم ذكرت الآخرة" أي: فكرت في أمرها "فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين" في أعلى الدرجات، "وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك" فتقل رؤيتي لك، بدليل قوله: "وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية" المذكورة.
"وكذا ذكره الواحدي في" كتاب "أسباب النزول، وعزاه الكلبي" محمد بن السائب، "عن ثوبان" الصحابي، المذكور، وذكره شيخه الثعلبي في تفسيره بلا إسناد، ولا راوٍ، "وقال قتادة" كما أسنده ابن جرير.
"قال بعض أصحاب النبي ﷺ ، كيف يكون الحال في الجنة، وأنت في الدرجات العلا، ونحن أسفل منك فكيف نراك، فأنزل الله الآية" المذكورة "وذكره ابن ظفر" محمدстр. 4142
وذكره ابن ظفر في "ينبوع الحياة" بلفظ: إن عامر الشعبي قال: إن رجلًا من الأنصار أتى إلى النبي ﷺ فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أني آتيك فأراك لرأيت أن أموت أو قال أن سوف أموت، وبكى الأنصاري، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبكاك"؟ قال: بكيت أن ذكرت أنك تموت ونموت، وترفع مع النبيين، ونكون نحن إن دخلنا الجنة دونك، فلم يحر النبي ﷺ إليه، بمعنى أي: لم يرجع إليه يقول، فأنزل الله الآية.
قال: وذكر مقاتل بن سليمان مثل هذا، وقال: هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي رأى الأذان. وذكر أيضًا: أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبي ﷺ توفي فقال: اللهم أذهب بصري تى لا أرى بعد حبيبي محمدًا أحدًا، فكف بصره.
الحواشي
(١) "في ينبوع الحياة" اسم تفسيره، وأسنده البيهقي "بلفظ: أن عامر" بالنصب، وإن رسم بصورة الرفع بلا ألف على لغة ربيعة، أو حذفت الألف للتخفيف، كقوله: ولا أذكر الله إلا قليلًا، ولا يختص ذلك بالضرورة خلافًا، فالزاعمة، وفي نسخة: بالألف، ولعلها اصطلاح، وإلا فالنسخ القديمة بدونها، وكذا في نسخة الشيخ الجارحي، تلميذ المصنف، وعليها خط المؤلف "الشعبي"، التابعي، فهو مرسل، "قال: إن رجلًا من الأنصار"، فهو غير ثوبان؛ لأنه ليس من الأنصار، ويأتي أنه ابن زيد "أتى إلى النبي ﷺ فقال له: والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أني آتيك فأراك لرأيت أن أموت، أو قال: أن سوف أموت" شك من الراوي "وبكى الانصاري فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبكاك"؟ قال: بكيت" لأجل "أن ذكرت أنك تموت" "بالتاء" أنت، "ونموت" "بالنون أوله نحن"، "وترفع" أنت "مع النبيين، ونكون نحن إذا دخلنا الجنة دونك" فتتعذر، أو تقل رؤيتنا لك، "فلم يحر" "بفتح التحتية وضم الحاء المهملة وبالراء" من حار إذا رجع "وبضم الياء وكسر الحاء" من أحار.
الجواب رده "النبي ﷺ إليه، بمعنى" ومقتضى قوله: "أي: لم يرجع إليه" أنه بالضبط الأول؛ إذ هو تفسير ليحر، "يقول": تفسير لقوله، بمعنى: "فأنزل الله الآية، قال" ابن ظفر "وذكر مقاتل بن سليمان مثل هذا، وقال: هو" أي: الرجل الأنصاري، "عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري"، الخزرجي "الذي رأى الأذان" مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: استشهد بأحد، "وذكر" ابن ظفر "أيضًا، أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة" بستان "له فأتاه ابنه، فأخبره أن النبي ﷺ توفي، فقال: اللهم أذهب بصري حتى لا أرى بعد حبيبي محمدстр. 4143
واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه أحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب، والإنسان عند محبوبه كائنًا ما كان كما قيل:
أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين فكذلك القلب لا يتسع لمحبتين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شيء سواه، فمن
الحواشي
(١) أحدًا، فكف بصره" عمي.
وفي الحديث: إن منكم معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، وفي تفسير القرطبي؛ أنه ﷺ لما قرأ الآية على الرجل، دعا الله أن يعميه حتى لا يرى أحدًا غيره في الدنيا، فعمي مكانه، وتقدم مزيد لهذا النوع السابع من المقصد السادس، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد في المقصد العاشر.
"واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة"، أي: الخالصة التي لا يشوبها رياء ولا مداهنة، ويعرف بالقرائن والأحوال، وصفها بذلك تنزيلًا لدلالتها على صدق صاحبها منزلتها، ووصف غير العاقل بالصدق، وهو الإخبار بما يطابق الواقع، كثير في كلامهم، ومنه صدق القتال إذا قوي واشتد، "تقتضي توحيد المحبوب" أي: جعله واحدًا، بحيث لا تتعلق محبته بغيره، فإذا تعلق قلب إنسان بمحبة شخصين لم تكن محبته لواحد منهما صادقة، فإن أراد صدقها، "فليختر المر لنفسه إحدى المحبتين" المتعلقتين بالشخصين، بالاقتصار على محبة واحد منهما، "فإنهما لا يجتمعان في القلب والإنسان عند محبوبه"، منقاد إليه، مسلم له جميع أموره، فيصير معه كعبد عامل بمقتضى العبودية من انقياده إلى سيده ظاهرًا وباطنًا وحرصه على طاعته وفعل مراده، وإن لم يأمره "كائنًا ما كان، كما قيل" قائله ابن الفارض: "أنت القتيل، بأي من أحببته"، لاستيلاء الحب عليك، فنقني في حبه بالانقياد له، فتصير كالميت الذي لا قدرة له على فعل شيء، فكأن المحبوب أزال شعور المحب لاستفراغه في هواه، "فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي"، أي: من تعده صافيًا في الدين، بحيث يحملك على ملازمة الطاعة سرا وإعلانا، وليس المراد من نختار؛ لأنه يصير في غاية الركة، كأنه قال: اختر من تختار، "ولبعض الحكماء: كما أن الغمد" "بكسر الغين المعجمة" "لا يتسع لعضبين": "بفتح المهملة وإسكان المعجمة" تثنية عضب، وهو السيف القاطع تسمية بالمصدر، فهو أخص من مطلق السيف، "فكذلك القلب لا يتسع لمحبتين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شيء سواه، فمن داهن في المحبة" أي: أظهر خلاف ما يبطن "أوстр. 4144
داهن في المحبة أو داجى، فقد عرض لمدى الغيرة أوداجًا، فمحبة الرسول ﵊ -بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها؛ إذ محبته من محبة الله تعالى.
وقد حكي عن أبي سعيد الخراز -مما ذكره القشيري في رسالته- أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله أعذرني فإن محبة الله شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك من أحب الله فقد أحبني.
الحواشي
(١) داجى"، بأن دارى، والمراد بها الأخذ للشيء والتوصل إليه بحيلة، "فقد عرض لمدى" "بضم الميم" جمع مدية السكين "الغيرة أوداجًا": جمع ودج، أي: العروق المكتنفة ثغرة البحر يمينًا وشمالًا، والمعنى: من لم يخلص المحبة عرض نفسه لأسباب الهلاك، الناشئة من غيرته على حبه لعدم وصوله لمراده منه، فيصاب بأسباب قاتلة كالمدى في شدة تأثيرها في البدن، "فمحبة الرسول ﵊، بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء لا يتم الإيمان إلا بها". أي: لا يوجد ولا يكمل، فاستعمله بمعنى الوجود فيما قبل الإضراب، وبمعنى الكمال فيما بعده، "إذ محبته من محبة الله تعالى"، الواجبة لذاته، كما مر.
"وقد حكي عن أبي سعيد" إبراهيم، وقيل: أحمد بن عيسى البغدادي، "الخراز": بالخاء المعجمة وشد الراء فألف فزاي منقوطة، نسبة إلى خرز جلود القرب، ونحوها من أئمة القوم وجلة المشايخ، قيل: وهو أول من تكلم في علمي الفناء والبقاء، وقيل: فيه قمر الصوفية صحب السري، وذا النون المصري، وبشر الحافي وغيرهم.
قال الجنيد: لو طالبنا الله بحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا أقام كذا وكذا، سنة ما فاته ذكر الله بين الخرزتين.
مات سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين ومائتي، ومرت ترجمته أيضًا، "مما ذكره القشيري" أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، الإمام العلامة، المفسر، المحدث، الولي، الذي ما رأى الراءون مثله، مر بعض ترجمته "في رسالته أنه" أي: أبا سعيد "قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله أعذرني" "بكسر الهمزة، وسكون العين، وكسر الذال المعجمة، وهمزته وهمزة وصل من عذر، كضرب، وبفتح الهمزة، وكسر الذال، وهمزته همزة قطع من أعذروهما، لغتان سوى بينهما المجد، ولم نر ضم الهمزة وكسر الذال، وهمزته همزة قطع من أعذروهما، لغتان سوى بينهما المجد، ولم نر ضم الهمزة والذال، والمعنى، أقبل عذري، فلا تؤاخذني بتقصيري، وارفع اللوم عني، "فإن محبة الله شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك": اسم مفعول من البركة، وهي الزيادة والتنمية، هذا أصله لغة، ثم استعمل عرفًا في قليل الفطنة، فيحتمل أنه المراد هنا دفعًا لتوهمه، أن محبة الله تنافي محبته، ويعد المشتغل بها مقصرًاстр. 4145
وقيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه ﷺ يقظة، ولابن أبي المجد سيدي إبراهيم الدسوقي.
ألا يا محب المصطفى زد صبابة ... وضمخ لسان الذكر منك بطيبه
ولا تعبان بالمبطلين فإنما ... علامة حب الله حب حبيبه
وكذلك كل حب في الله، كما في الصحيحين، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب
الحواشي
(١) في حبه ﵊، مع أنها عينها، كما قال: "من أحب الله فقد أحبني"؛ لأني الداعي إلى الله، الموصل إليه.
"وقيل: إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه ﷺ يقظة"، فإن ثبت فلا منافاة، كما لا يخفى، "ولابن أبي المجد" العارف بالله تعالى، "سيدي إبراهيم الدسوقي"، الشريف، الحسينيد، وقد ذكر نسبه في اللواقح، فقال إبراهيم بن أبي المجد بن قرش بن محمد بن أبي النجاء بن زين العابدين بن عبد الخالق بن محمد بن أبي الطيب بن عبد الله الكاتم بن عبد الخالق بن أبي القاسم بن جعفر الزكي بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي الزاهد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، تفقه على مذهب الشافعي، ثم اقتفى آثار الصوفية وجلس في مرتبة الشيخوخة، وحمل الراية البيضاء، وعاش ثلاثًا وأربعين سنة، ولم يغفل قط عن امجاهدة للنفس والهوى والشيطان، حتى مات سنة ست وسبعين وستمائة، "ألا يا محب المصطفى زد صبابة" "بفتح الصاد" شوقًا، أو رقته وحرارته، أو رقة هوى "وضمخ" "بمعجمتين بينهما ميم" الطخ "لسان الذكر" لله تعالى الذي تستعمله "منك بطيبه"، بإثناء عليه وتعظيمه ﷺ "ولا تعبان" أي: لا تهتم ولا تبال "بالمبطلين"، الزاعمين أن ذلك يشغل عن الله تعالى "فإنما علامة حب الله حب حبيبه" وزعمهم باطل، كيف، وقد قال: أحبوني لحب الله "وكذلك كل حب في الله، ولله كما في الصحيحين".
البخاري في الإيمان والأدب، ومسلم في الإيمان، عن أبي قلابة "عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث" مبتدأ، خبره جملة "من كن" أي: حصلن "فيه"، فهي تامة "وجد"، أي: أصاب، ولذا اكتفى بمفعول واحد، أعني "حلاوة الإيمان"، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ثلاث خصال، أو لأنه صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ حقيقة، أي: خصال ثلاث، أو لأن الجملة الشرطية صفته، والخبر "أن يكون الله ورسوله أحب"،стр. 4146
إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"، فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربًَّا، وعلق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه، ولا يتم إلا به، وهوكونه سبحانه أحب الأشياء إلى
الحواشي
(١) بالنصب خبر يكون "إليه مما سواهما" ولم يثن أحب ليطابق خبر كان اسمها؛ لأن أفعل التفضيل إذا وصل بمن، فهو مفرد مذكر دائمًا، ولا تجوز المطابقة لمن هوله "وأن يحب المرء" حال كونه "لا يحبه إلا الله تعالى"، وللنسائي من رواية طلق بن حبيب عن أنس، وأن يحب في الله ويبغض في الله.
قال يحيى بن معاذ: حقيقة الحب في الله أن لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، نقله الحافظ "وأن يكره أن يعود" أي: العود "في الكفر كما يكره أن يقذف" "بضم أوله وفتح ثالثه، أي: مثل كراهة القذف "في النار".
زاد البخاري من وجه آخر بعد أن أنقذه الله منه، قال الحافظ: والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء، بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وعلى الأول، فيحمل قوله يعود على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني، فالعود فيه على ظاهره.
وفي رواية قتادة، عن أنس، عند مسلم والبخاري في الأدب: وحتى أن يقذف في النار أحب إليه ن أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، وهي أبلغ من هذه الرواية؛ لأنه سوى فيها بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، فإن قيل لِمَ عدي العود بقي ولم يعده بالي، فالجواب أنه ضمنه معنى الاستقرار، كأنه قال: يستقر فيه، ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] انتهى.
وزعم العيني أنه تعسف، وإنما "في" هنا بمعنى "إلى" كقوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] ، أي: لتصيرن إلى ملتنا، ومنعه شيخنا في قراءة البخاري بأنه لا تعسف، فكل من الطريقين مسلوك، وذلك لأن الفعل إذا عدي بحرف لا يتعدى به، جاز تأويل الفعل بما يتعدى به، كتأويل يؤمنون بالغيب بيعترفون، وتأويل الحرف مع بقاء الفعل على حقيقته، كالمثال الذي ذكره، بل قال بعضهم: التأويل في الفعل أولى "فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربا"، بقوله ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا"، الحديث الآتي قريبًا، وطعم الإيمان، بمعنى حلاوة الإيمان؛ لأن الثلاثة لا توجد إلا ممن صح إيمانه وانشرح صدره، قال عياض، "وعلق" في هذا الحديث "وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه، ولا يتم إلا به، وهو كونه سبحانه أحب الأشياءстр. 4147
العبد هو ورسوله، فمن رضي الله ربًّا رضيه الله له عبدًا.
ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي.
وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس؛ لأن الهدى من الضلالة، والخلاص من النار، إنما كان بالله على لسان رسوله.
وفي قوله ﵊: "حلاوة الإيمان" استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرًّا،
الحواشي
(١) إلى العبد هو" تعالى "ورسوله" ﵇ "فمن رضي بالله ربا رضيه الله له عبدًا"، بمعنى أثابه جزيل الثواب، "ومعنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين"، فاستعمال الحلاوة فيه مجاز مرسل من ذكر الملزوم وإرادة اللازم "ويؤثر" لفظ الفتح، وإيثار "ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد لله تحصل"، أي: تتحقق وتوجد "بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي": بمعنى أن فعل الطاعة علامة على محبة العبد، فليس عين المحبة، بل هو مسبب عنها، كما أشار إليه البيضاوي، في إن كنتم تحبون الله.
"وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس؛ لأن الهدى من الضلالة والخلاص من النار إنما كان بالله على لسان رسوله"، فكأن حمله على معنى الحديث قبله: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
"وفي قوله ﵊: "حلاوة الإيمان" كما قال الحافظ "استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء، وأضافه إليه"، ولا يتعين هذا فيجوز أنه شبه اللذة الحاصلة من التلبس بالإيمان بحلاوة الحلو، واستعار له اسمه، فتكون استعارة تصريحية، ويجوز أنه مجاز مرسل أطلق الحلاوة وأراد لازمها عند تناولها، وهو اللذة"، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي"، الذي غلب خلط الصفراء على مزاجه، "يجد طعم العسل مرًّا" لفساد مزاجه.стр. 4148
والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك.
وقال العارف ابن أبي جمرة واختلف في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء ومن شابههم، وحملها
الحواشي
(١) "والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما" قليلًا "نقص ذوقه بقدر ذلك".
زاد الحافظ: فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوى به استدلال البخاري على الزيادة والنقص أي: للإيمان، وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إنما عبر بالحلاوة؛ لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشجرة أصل الإيمان، وأغصانها اتباع الإمر واجتناب النهي، وزهرتها ما يهم به المؤمن من الخير، وثمرتها عمل الطاعات، وحلاوة الثمرة جني الشجرة، وغاية كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها. انتهى.
وقال البيضاوي: المراد بالحب العقلي، الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك، تمرن على الاتمار بأمره، بحيث يصير هواه تبعًا له، ويتلذذ به تلذاذًا عقليًّا؛ إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ المحسوسة، وإنما جعل هذه الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين مراد ربه، اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه، فلا يحب إلا ما يحب، ولا يحب من يحب إلا من أجله، وأن يتيقن أن جملة ما وعد وأوعد حق يقينًا، يخيل إليه الموعود، كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود في الكفر إلقاء في النار، انتهى ملخصًا.
وشاهد هذا الحديث من القرآن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٢٤] ، ثم هدد على ذلك، وتواعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فإن فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول، والثاني من الثاني. انتهى كله من فتح الباري.
"وقال العارف ابن أبي جمرة": بجيم وراء، "واختلف في الحلاوة المذكورة" في قوله حلاوة الإيمان "هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى"، بمعنى: أن من وجدتстр. 4149
قوم على المسحوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غيره أن يتأولوه وهم أهل الصفة، أو قال أهل الصوفة. قال: والصواب معهم في ذلك والله أعلم؛ لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل.
قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل
الحواشي
(١) فيه جزم بالإيمان وانقاد إلى أحكامه، "وهم الفقهاء ومن شابههم" من أهل المعقولات "وحملها قوم على المحسوس، وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه، وهم أهل الصفة" "بضم الصاد وشد الفاء" السادة الصوفية، سموا بذلك لجريهم على نحو ما كان عليه أهل الصفة، وهي ظلة في مؤخر المسجد النبوي، يأوي إليها المساكين من الانقطاع إلى الله وعبادته، والإعراض عن الدنيا، "أو قال أهل الصوفة" للبسهم الصوف تقشفًا وإعراضًا عما تنعم به الأغنياء.
"قال" ابن أبي جمرة: "والصواب معهنم في ذلك والله أعلم؛ لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل"، والأصل أنه لا يعدل عن الحقيقة، ما وجد إليها سبيل، والمتبادر من هذا أنها أمر يدرك حلاوته بالفم، كما يدرك حلاوة السكر والعسل ونحوهما، وهذا شيء لا يدركه إلا من وصل إلى ذلك المقام، فلا يليق اعاء أنه غير مراد، بل المراد ما يأتي أنه أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه، كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة؛ لأن الآتي كلام ابن القيم حملا له على المعنى؛ إذ هو لم يذكر القول بأنها محسوسة فلا يرد إليه، وكذا ما نقلناه آنفًا من نفس كلام ابن أبي جمرة، المصرح بأن التعبير بإطلاق الحلاوة إنما هو على وجه التشبيه، أي: يجد في قلبه حلاوة تشبه الحلاوة المأكولة بالفم، إنما هو تقرير للقول بأنها معنوية، وما لنا وللتكلم فيما لا نعرفه ولا يمكننا تخيله:
وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار
"قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح" كالتابعين "وأهل المعاملات" وهي منازل عشرة ينزلها السائرون إلى الحق عز اسمه، وهي الرعاية والمراقبة والحرمة والإخلاص، والتهذيب والاستقامة، التوكل والتفويض، والثقة والتسليم، سميت بالمعاملات؛ لأن العبد لا يصلح له معاملة الحق إلا بأن يتحقق بهذه المقامات، فالمعاملة عندهم عبارة عن توجه النفس الإنساني إلى باطنها، الذي هو الروح الروحاني والسر الرباني، واستمدادها منهما ما يزيل الحجب عنها، ليحصل لها قبول المدد في المقابلة إزالة كل حجاب، وهذا إنما يصح لعبد يملك ناصية الزهد، ثم الورع، ثم الحزن، فمن ملك ناصية هذه الثلاثة استحق أن يصير من أهل المعاملات، وأهم ما عليه أن يتحقق بأعم مقاماتها وأهمه، وهو الإخلاص؛ إذ لا تصبح المعاملة بدونه، ثم المراقبة، ثم التفويض، قاله في الأعلام بإشارات أهل الإلهام، "فإنهمстр. 4150
المعاملات، فإنهم حكوا عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة.
فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وكذلك أيضًا عند موته، أهله يقولون: واحرباه، وهو يقول: واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان.
ومنها حديث الصحابي الذي سُرق فرسه بليل وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من
الحواشي
(١) حكوا عنهم؛ أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة، فمن ذلك حديث بلال"، بن رباح، أحد السابقين الأولين "حين صنع به ما صنع في الرمضاء": "بفتح الراء وسكون الميم وضاد معجمة والمد" أرض اشتد وقع الشمس فيها، سواء كان فيها رمل أو حصى أو غيرهما.
روي أنهم كانوا يلصقون ظهره برمضاء البطحاء في الحر، ولأحمد عن أبي ذران بلالاً، هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة "إكراهًا على الكفر، وهو يقول أحد أحد"، مرفوع منون، كذا أحفظه، وكذا في أصلنا من ابن ماجه خبر مبتدأ محذوف، أي: الله أحد، كأنه يشير إلى أنه لا يشرك بالله شيئًا، ويحتمل أنه غير منون، أي: يا أحد، قاله في النور "فمزج": خلط "مرارة العذاب": مشقته وألمه "بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضًا" وقع له ذلك "عنه موته أهله، يقولون": أي زوجته، كما في الشفاء والمصنف في المقصد الأول، ولفظه: وهذا كما وقع له عند موته، كانت امرأته تقول: "واحرباه": روي بفتح الحاء والراء المهملتين، والموحدة من الحرب بفتحتين، وهو كما في النهاية نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، فكأنها لتفجعا نهبت وسلبت.
وروي بفتح الحاء والزاي، وبضم الحاء وسكون الزاي، وروى واحوباه، بحاء مفتوحة وواو ساكنة فموحدة من الحوب الإثم، والمراد ألمها بشدة جزعها وقلقها في المصيبة، فهي تتفجع على نفسها، أو من الحوبة بمعنى رقة القلب، وهو تكلف، "وهو يقول: واطرباه": أي: فرحاه، والواو للندبة، والألف والهاء مزيدة في آخره، كأنه يستغيث بطربه، ويدعوه في سكرات الموت لما تيقنه من الثواب وملاقاة الأحباب، كما أشار إليه بقوله: "غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه": أصحابه، والمراد بغدا الزمان المستقبل بعد الموت، "فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان"، أي: من جملة حلاوته "ومنها حديث الصحابي الذي سرق فرسه بليل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك"، أي: ليم علىстр. 4151
ذلك، ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك.
ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما ﷺ في بعض مغازيه من قبل العدو، وقد أقبل فرآهما، فكبل الجاسوس القوس ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال: لولا أني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي. وما ذاك إلا لشدة ما وجد فيها من الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح.
قال: ومثل ذلك حكى عن كثير من أهل المعاملات، انتهى.
وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيحه في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" بلفظ: ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ كان في غزوة "ذات الرقاع" فرُمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته. وقد
الحواشي
(١) عدم اتباع السارق وتخليصها منه، "فقال: ما كنت فيه ألذ من ذلك ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك" إذ لو كانت معقولة معنوية ما قدمها على ضياع فرسه "ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما النبي ﷺ في بعض مغازيه من قبل العدو"، أي: من جهته "وقد أقبل" العدو "فرآهما فكبل" "باللام بزنة ضرب والتشديد مبالغة" "الجاسوس القوس" أي: أوتره، عبر عنه بالتكبيل مجازًا تشبيهًا لابتار القوس بوضع القيد في رجل الأسير، لمبالغته في إبتاره، ليتمكن من قوة الرمي، وفي نسخة: فكبد بالدال، أي: جعل النشاب في وسط القوس، "ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه".
"وقال: لولا إني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي"، أي: ما اختصرتها؛ لأنه لم يقطعها بالفعل "وما ذاك": أي: عدم قطعها واعتذاره "إلا لشدة ما وجده فيها من الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح".
"قال: ومثل ذلك حكي عن كثير من أهل المعاملات انتهى". كلام ابن أبي جمرة.
"وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيح في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" من كتاب الوضوء "بلفظ: ويذكر عن جابر" بن عبد الله الصحابي ابن الصحابي؛ "أن النبي ﷺ كان في غزوة ذات الرقاع، فرُمي" "بضم الراء مبنيًّا للمفعول" "رجل" هو عباد بن بشر "بسهم، فنزفه الدم" "بفتح الزاي والفاء" أي: خرج منه دم كثير حتى يضعف.стр. 4152
وصله ابن إسحاق في المغازي قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولًا، وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزمية وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق، قال في فتح الباري، وشيخه "صدقة" ثقة،
الحواشي
(١) قاله الجوهري، وفي أفعال ابن طريف يقال: نزفه الدم وأنزفه.
إذا سال منه كثيرًا حتى يضعفه، فهو نزيف ومنزوف "فركع وسجد، ومضى في صلاته" فلم يقطعها.
قال الحافظ: أراد البخاري بهذا الحديث الرد على الحنفية في أن الدم السائل ينقض الوضوء، فإن قيل: كيف مضى في صلاته مع وجود الدم في بدنه أو ثوبه، واجتناب النجاسة فيها واجب، أجاب الخطابي: باحتمال أن الدم جرى من الجرح على سبيل الدفق، بحيث لم يصب شيئًا من ظاهر بدنه وثيابه وفيه بعد، ويحتمل أن الدم أصاب الثوب، فقط فنزعه عنه، ولم يسل على جسمه إلا قدر يسير معفو عنه، ثم الحجة قائمة به على أن خروج الدم لا ينقض، ولو لم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه.
"وقد وصله ابن إسحاق في المغازي" في غزوة ذات الرقاع، "قال: حدثني صدقة بن يسار" الجزري، نزيل مكة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة "عن عقيل بن جابر" بن عبد الله الأنصاري، المدني، مقبول "عن أبيه" جابر الصحابي "مطولًا" قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع، فأصبنا امرأة رجل من المشركين، فلما قفل ﷺ ، أتى زوجها وكان غائبًا، فحلف لا ينتهي حتى يصيب في أصحاب محمد دمًا، فخرج يتبع أثره ﷺ فنزل منزلًا، فقال: "من رجل يكلؤنا ليلتنا"؟، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول الله، قال: "فكونا في فم الشعب"، وكان ﷺ وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي، فقال الأنصاري للمهاجري: أي الليل تحب أن أكفيك، أوله أم آخره، قال: بل أكفني أوله، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، وأتى الرجل، فلما رأى شخص الرجل، عرف أنه ربيئة القوم، فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه ووضعه، وثبت قائمًا ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه ووضعه وثبت قائمًا ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد، ثم أهب صاحبه، فقال: اجلس فقد أثبت، فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أنه قد نذرا به، فهرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء، قال: سبحانه الله ألا أهببتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفدها، فلما تابع عليَّ الرمي ركعت، فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنقدها.
"وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق"، محمد إمام المغازي، "قال في فتح الباري: وشيخه صدقة ثقة".стр. 4153
وعقيل -بفتح العين- لكني لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يحزم به البخاري، أو لكونه اختصره، أو للاختلاف في ابن إسحاق وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر، وسمي أحدهما: عباد بن بشر الأنصاري، والآخر عمار بن ياسر من المهاجرين، والسورة الكهف.
وإنما قال: "أحب إليه مما سواهما" ولم يقل "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل.
وفي قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: "ومن يعصهما" "بئس الخطيب أنت".
الحواشي
(١) روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعقيل "بفتح العين" وكسر القاف"، وإن كان مقبول الرواية، "لكني لا أعرف راويًا عنه غير صدقة"، فيكون مجهول العين، وهو مردود عند الأكثر، "ولهذا لم يجزم به البخاري" بل أتى بصيغة التمريض، بقوله: يذكر على عادته فيما لم يصح عنده "أو لكونه اختصره"، وهو مسوغ للتمريض، "أو للاختلاف في ابن إسحاق"، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه.
"وأخرجه البيهقي في الدلائل" النبوية "من وجه آخر وسمي أحدهما": أي: الرجلين المبهمين في رواية ابن إسحاق، "عباد بن بشر الأنصاري"، وهو الذي رُمي بالسهام، "و" سمي الرجل "الآخر عمار بن ياسر من المهاجرين" وسمي "السورة" التي كان يقرؤها عباد في صلاته "الكهف" فحصل بهذه الطريق تقوية، رواية ابن إسحاق، مع بيان المبهم في روايته من الرجلين والسورة، "وإنما قال: "أحب إليه مما سواهما"، ولم يقل ممن، ليعم من يعقل ومن لا يعقل" لأن ما موضوعة لهما بخلاف من، فموضوعة للعاقل.
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال البيضاوي: لما استعمل ما للعقلاء، كما استعمل من لغيرهم كان استعماله حيث اجتمعا أولى من إطلاق من تغليبًا للعقلاء "وفي قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"، دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية"، أي: يجوز جمع الله ورسوله في ضمير واحد، "وأما قوله ﷺ للذي خطب"، قال الحافظ برهان الدين في المقتفى: لا أعرفه، وقال بعض الحفاظ: إنه ثبات بن قيس، وقال الطوفي: هو عدي بن حاتم.
روى مسلم وأبو داود عن عدي بن حاتم، أن خطيبًا خطب عند النبي ﷺ "فقال": من يطع الله ورسوله فقد رشد، "ومن يعصهما" فقد غوى، فقال ﷺ : "بئس الخطيب أنت"، قل: "ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، ورشد بفتح الشين المعجمة وكسرها، كما قال المصنف على مسلم.стр. 4154
فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي ﷺ حيث قاله في موضع آخر، قال: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه".
وقيل: إنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب، أن تثنية
الحواشي
(١) "فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح" واجتناب الرمز، ولذا كان ﷺ إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، لتفهم كما في الصحيح، "وأما هنا، فالمراد الإيجاز": الاختصار "في اللفظ ليحفظ" إذ القليل يسهل حفظه وهذا صوبه النووي قائلًا: وهذا هو الفرق بين الحديثين، حديث من يعصهما كان في خطبة، وحديث مما سواهما كان في تعليم حكم، فتقليل اللفظ فيه أولى؛ لأنه أقرب إلى الحفظ "ويدل عليه أن النبي ﷺ حيث قاله في موضع آخر، قال": كما رواه أبو داود عن ابن ابن مسعود أن النبي ﷺ خطب، فقال في خطبته: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه"، واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أيضًا في خطبة النكاح، وأجيب بأن المقصود في خطبة النكاح أيضًا الإيجاز، فلا نقض، وثَمَّ أجوبة أخرى، منها دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولى،؛ لأنه عام، والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنه ناقل، والآخر مبني على الأصل، ولأنه قول، والآخر فعل ورد بأن احتمال التخصيص في القول أيضًا حاصل، بل ليس فيه صيغة عموم أصلًا.
هكذا في الفتح قبل قوله: "وقيل: إنه من الخصائص فيمتنع من غير النبي صلى الله عليه ولم ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية" بينهما؛ لأنه لفظ واحد متصل، لا سيما إذا لوحظ العدول عن العطف، الدال على التفاوت والتبعية، ولذا قال له: قل ومن يعص الله ورسوله "بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك"، لأنه يعطي مقام الربوبية حقه، "وإلى هذا مال ابن عبد السلام" الشيخ عز الدين.
زاد الحافظ: ومنها دعوى التفرقة بوجه آخر، هو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المضمر، وكلام الذي خطب جملتان، فالأولى إقامة الظاهر فيهما.
"ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب أن تثنية الضمير هناстр. 4155
الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد لله، ومحبة الله للعباد. وأما الأمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول، انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي، كما حكاه في فتح الباري.
وفي الصحيح: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد
الحواشي
(١) للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغيه" متروكة، لا اعتداد به "إذ لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله، لا ينفعه ذلك"، كعكسه، "ويشير إليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، فأوقع متابعته مكتنفة" "بفتح النون" اسم مفعول من اكتنفه القوم أحاطوا به "بين قطري" تثنية قطر، أي: جانبي "محبة العباد لله، ومحبة الله للعباد"، والإضافة بيانية، يعني؛ أنه جعل المتابعة محاطًا بها طرفان، أحدهما: محبة الله، والآخر محبة رسوله، وعليه فبين هنا بمعنى الباء؛ لأن بين ظرف لا يظهر معناها إلا بإضافتها لمتعدد "وأما أمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية" "بفتح الغين المعجمة" اسم من غوى غيًا من باب ضرب انهمك في الجهل، وهو خلاف الرشد "إذ العطف في تقدير التكرير"، والاستقلال لقيام الواو مقام تكرار العامل، أو تقديره معها، "والأصل استقلال في كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ، فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول، انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي"، كلاهما في شرح المصابيح، "كما حكاه في فتح الباري" وزاد وهنا أجوبة أخرى فيها نظر، منها: أن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، ومنها: أن له أن يجمع بخلاف غيره، انتهى.
"وفي الصحيح" لمسلم من إفراده، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 4156
رسولًا نبيًّا.
قال في المدارج: فأخبر أن للإيمان طمعًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعم أخرى، ويوجد الحلاوة تارة، كما
الحواشي
(١) يقول: "ذاق طعم الإيمان"، قال عياض: أي: عرف الله سبحانه واستحلى الإيمان "من رضي بالله ربًّا" فالرضا دليل على هذه المعرفة، قال لأبي: لأنه تسبب عنها، ووجود السبب يدل على وجود المسبب، ثم الرضا يكون بمعنى القناعة وبمعنى الإيثار، وهو المراد؛ لأن الأول مشترك بين جميع الناس؛ إذ من لم يقنع بالله ربًّا ليس من الإسلام في شيء، واستحلاء الإيمان من صفة الخواص، فإنما يدل عليها ما هو من صفتهم، فالمعنى عرف الله، واستحلاء الإيمان به من أثره، فإن قيل: هذان هما الغاية، فلو أريد ألم يعبر عنهما بالذوق، وهو مبدأ الفعل؛ إذ لا يعبر عن غاية الشيء بمبدئه، قلت: الذوق إنما هو مبدأ الفعل إذ استعمل في المحسوسات، كذوق الطعام، أما إذا استعمل في المعاني، كما هنا، فإنما هو كناية عن كمال الإدراك، والرضا بالله يستلزم الرضا عنه، انتهى.
وقال الراغب: الذوق، وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يقل تناوله، فإذا كثر، يقال له الأكل، واستعمل في القرآن بمعنى الإصابة، أما في لرحمة نحو ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ ، وأما في العذاب، نحو ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] ، وقال غيره: ضرب الذوق مثلًا لما ينالونه من الخير عند المصطفى "وبالإسلام دينًا" بأن لم يسع في غير طريقه.
قال الطيبي: لا يخلو أما أن يراد به الانقياد، كما في حديث جبريل، أو مجموع ما يعبر بالدين عنه، كخبر بني الإسلام على خمس، ويؤيد الثاني اقترانه بالدين؛ لأنه جامع باتفاق، وعلى التقديرين هو عطف عام على خاص.
وكذا قوله: "وبمحمد رسولا" بأن لم يسلك إلا ما يوافق شرعه، ومن كان هذا نعته فقد وصلت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه، شبه الأمر الحاصل الوجداني من الرضا بالأمور المذكورة بمطعوم يلتذ به، ثم ذكر المشبه به، وأراد المشبه، ورشح بقوله: ذاق، فإن قيل الرضا بالثالث مستلزم للأولين، فلم ذكرهما، قلنا للتصريح، بأن الرضا بكل منها مقصود "ونبيًّا"، كذا في النسخ عطف لازم على ملزوم؛ لأن الرسالة مستلزمة للنبوة، ولكن ليس في مسلم ونبيًَّا، ولم يتكلم شارحاه النووي والأبي على أنها راوية، وقد نسبه السيوطي لأحمد ومسلم والترمذي بدون ونبيًّا، فكأنها دخلت على المصنف من حديث آخر.
"قال في المدارج" لابن القيم "فأخبر أن للإيمان طعمًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب"، أي: بإدراكه لذة الإيمان وسهولة ما بني عليه من فعل الطاعاتстр. 4157
قال "ذاق". وقال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل قال: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى"، وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، وسيأتي تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في الصوم، من مقصد عباداته ﵊.
والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال ﵊: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك".
وللإيمان طعام وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه
الحواشي
(١) واجتناب المعاصي، فعبر بالذوق عن الإدراك، وبالطعم عن السهولة، واطمئنان النفس بما يقتضيه الإيمان مجازًا.
"وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان، وحصوله للقلب، ومباشرته له بالذوق" متعلق بعبر "تارة بالطعم أخرى، ويوجد" "بفتح السكون" مصدر "الحلاوة تارة، كما قال: ذاق" طعم الإيمان "وقال" في الحديث الذي قبله: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" ولذا قال الطيبي: مجاز قوله ذاق طعم الإيمان مجاز قوله: وجد حلاوة الإيمان، وكذلك موقعه كموقعه؛ لأن من أحب أحدًا يتحرى ماضيه ويؤثر رضاه على رضا نفسه "لما نهاهم عن الوصال" في الصوم "قالوا": مستفهمين "أنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى" بما يغذيني به ربي من معارفه، وما يفيض على قلبي من لذة مناجاته، وقرة عيني بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، المغني ذلك عن غذاء الأجسام مدة:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب ويليها عن الزاد
"وقد غلظ" أي: قوي "حجاب من ظن أن هذا" الذي يطعمه ويسقاه حين الوصال "طعام وشراب حسي للفم"، يؤتى له من الجنة؛ لأنه لم يدرك الأمور على حقيقتها، فعبر عن ذلك بالغلظ والحجاب مجازًا، "وسيأتي تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في الصوم من مقصد عباداته ﵊"، وأن الجمهور على أنه مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، كأنه قال: أعطى قوة الطاعم الشارب، "والمقصود" هنا "أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم"، فهو على التشبيه، أي: وجد في فعله حلاوة تشبه الحلاوة والمأكولة، "وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال ﵊" لامرأة رفاعة: "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، وللإيمان طعمстр. 4158
ويجد حلاوته.
وقال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء الله: فيه يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا لأنه لما رضي بالله ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله ربًّا كان له الرضا من الله، وإذا كان له الرضا من الله أوجده الله حلاوة ذلك ليعلم ما من به عليه، وليعلم إحسانه عليه، ولما
الحواشي
(١) وحلاوة يتعلق بها ذوق ووجد" أي: إدراك، "ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحال، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه ويجد حلاوته" المعنوية، المشابهة للحسية.
"وقال العارف الكبير تاج الدين" أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم "بن عطاء الله"، نسبة إلى جده الأعلى لشهرته به الجذامي، الإسكندراني، الإمام، المتكلم على طريقة الشاذلي، الجامع لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه، على مذهب مالك، وصحب في التصوف الشيخ أبا العباس المرسي، وكان أعجوبه زمانه فيه، وأخذ عنه التقي السبكي، واختصر تهذيب المدونة للبرادعي في الفقه، وألف التنوير والحكم وغير ذلك، ومات بالمدرسة المنصورية في القاهرة في ثالث جمادى الآخرة، سنة تسع وسبعمائة ودفن بالقرافة ذكره السيوطي وابن فرحون، في طبقات المالكية وغيرهما. ولا نزاع في أنه مالكي وذكر ابن السبكي له في طبقات الشافعية، لقوله: أراه كان شافعيًّا وليس كما ظن "فيه، يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى"، إضافة أعم إلى أخص، أو بيانية "تتنعم بملذوذات المعاني، كما تتنعم بملذوذات الأطعمة" تشبيه بمطلق اللذاة، فلا ينافي أن لذتهم أقوى قال إبراهيم بن أدهم: والله إنا لفي لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف.
وقال الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم.
وقال عتبة الغلام: كابدت الصالة عشرين سنة، ثم استمتعت بها بقية عمري، "وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا؛ لأنه ما رضي بالله ربًّا" أعاده مظهرًا تلذذًا بذكره:
أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع
"استسلم له وانقاد لحكمه"، عطف تفسير، "وألقى قياده" "بكسر القاف" "إليه" أي: أطاعه وأذعن له، فهي ألفاظ متقاربة "فوجد لذاذة" "بالفتح بزنة سلامة مصرد لذيذ لذاذًا ولذاذة بالفتح" "العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله ربًّا كان له الرضا من الله" جزاء من جنسстр. 4159
سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه. وقوله ﷺ : "وبالإسلام دينًا" لأنه إذا رضي بالإسلام دينًا فقد رضي مما رضي به المولى، ولازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا، وأن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناة وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولًا وفعلًا، وأخذًا وتركًا، وحبًّا وبغضًا، فمن رضي بالله استسلم له، وانقاد ومن رضي بالإسلام عمل له، ومن رضي بمحمد ﷺ تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها؛ إذ محال أن يرضى بالله ربًّا ولا يرضى بالإسلام دينًا، أو يرضى بالإسلام دينًا ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه، انتهى ملخصًا.
واعلم أن محبة الله تعالى على قسمين: فرض وندب.
فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصي،
الحواشي
(١) العمل، "وإذا كان له الرضا من الله أوجده الله حلاوة ذلك، ليعلم ما من" "بشد النون": أنعم "به عليه، وليعلم إحسان الله عليه"، فيزداد شكره، فيزيد ثوابه، "ولما سبقت لهذا العبد العناية" الحفظ "خرجت له العطايا من خزائن المنن"، جمع منه "فلما واصلته أمداد الله": زياداته "وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام": الأمراض المهلكة، "فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته، لصحة إدراكه وسلامة ذوقه"، مما يغير طعمه عليه، "وقوله ﷺ : "وبالإسلام دينًا" لأنه إذا رضي بالإسلام دينًا فقد رضي مما رضي به المولى" ﵎، كما قال: ورضيتت لكم الإسلام دينًا "ولازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكونه له وليًّا"، مواليًا، "وأن يتأدب بآدابه، ويتخلق بأخلاقه زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناة", بضم الجيم جمع جان، أي: المذنبين ذنبًا يؤاخذ به، "وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولًا وفعلًا وأخذًا وتركًا وحبًّا وبغضًا، فمن رضي بالله استسلم له وانقاد، ومن رضي بالإسلام عمل له، ومن رضي بمحمد ﷺ " رسولًا "تابعه" متابعة تامة، "ولا يكون" لا يوجد "واحد منها إلا بكلها إذ محال أن يرضى بالله ربًّا ولا يرضى بالإسلام دينًا أو يرضى بالإسلام دينًا ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بين لا فخاء فيه. انتهى ملخصًا" كلام ابن عطاء الله.
"واعلم أن محبة الله تعالى"، كما نقله في فتح الباري عن بعضهم "على قسمين فرضстр. 4160
والرضى بما يقدره، فمن قوع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم.
والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك عموم الأوقات والأحوال نادر.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى
الحواشي
(١) وندب، فالفرض المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر" المفيدة للفرضية، وأطلقها؛ لأن إطلاقها على غير الواجب مجاز، كما حققه المحلى لا مشترك، "والانتهاء عن المعاصي والرضى بما يقدره" أي: بقدره أن حمل على التقدير الأزلي، أو يقدره حالًا ومآلًا أن حمل على التعلق التنجيزي والصلوحي، "فمن وقع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب"، عبر عن الأمرين المتقدمين بواحد، وأن تحته فردين إشارة إلى تلازمهما، وإن اختلفا بحسب المفهوم، وما صدقهما؛ إذ الأول هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا حازمًا، والثاني الفعل الذي نهى عنه نهيًا جازمًا، "فلتقصيره في محبة الله حيث قدم هوى نفسه" حيثية تعليل، فهو تعليل للتعليل، فإن قيل: يلزم عليه تعليل الشيء بنفسه؛ لأن المعنى: أن الوقوع في المعصية سببه فعلها، الذي هو اتباع هوى نفسه، فالجواب أنه دفع ذلك بقوله: "والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها"، ووجه الدفع أن التقصير الذي هو سبب العصيان ليس ناشئًا عن اتباع هوى نفسه، الذي هو المعصية فقط؛ إذ هواها لا يختص بالمعصية، فيحمل على أمر مباح ليصح مغايرة السبب للمسبب "فيورث" ذلك الاسترسال والاستكثار "الغفلة" عما يحمله على امتثال الأمر واجتناب النهي، لغفلته عن الرغبة في الثواب والخوف من العقاب، "المقتضية للتوسع في الرجاء" لرحمة الله، كأن يقوم في نفسه أنه وإن أكثر من الشبهات لا يناله مكروه، "فيقدم" بذلك، أي: يجترئ "على المعصية" ويرجو المغفرة.
زاد في الفتح: "أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم" وإليه يشير حديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" "والندب أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات"، وهي ما ليس بواضح الحل والحرمة، مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني والأسباب، فبعضها يعضده دليل الحرام، وبعضها يعضده دليل الحلال، "والمتصف بذلك عموم الأوقات والأحوال نادر".
زاد المحافظ: وكذا محبة الرسول على قسمين كما تقدم، ويزاد أن لا يتلقى شيئًا منстр. 4161
أنه قال: "ما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه -وفي رواية: بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه- ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
الحواشي
(١) المأمورات والمنهيات إلا من مشكلته، ولا يسلك إلا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضين ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها، فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك انتهى.
"وفي البخاري" في الرقائق "من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى أنه قال" لفظه: حدثني محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي" وللكشميهني عبد "بحذف الياء" "بمثل أداء ما افترضته عليه" عينًا أو كفاية، وظاهره اختصاصه بما ابتدأ الله فرضه، وفي دخول ما أوجبه المكلف على نفسه نظر للتقييد، بقوله: افترضت إلا أن يوجه من جهة المعنى الأعم، قاله الحافظ.
"وفي رواية "بشيء أحب"، بالفتح صفة لشيء، فهو مفتوح في موضع جر، وبالرفع بتقدير هو أحب "إليَّ من أداء ما افترضت عليه" أي: تأديته لا المقابل للقضاء فقط، بل المراد فعل ما افترض عليه، "ولا يزال" بلفظ المضارع، وللحموي والمستملي، وما زال "عبدي" بإضافة التشريف "يتقرب إلي بالنوافل" مع الفرائض، كالصلاة والصيام "حتى أحبه"، بضم أوله، أي: أرضى عنه، "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها" "بضم الطاء وكسرها" روايتان: وبهما قرئ أم لهم أيد يبطشون بها، أي: تأخذ بقوة، "ورجله التي يمشي بها".
زاد في حديث عائشة عند أحمد والبيهقي في الزهد، "وفؤاده الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به".
وفي حديث أنس عند أبي يعلى وغيره: "ومن أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا"، وقوله: "فبي يسمع وبي يبصر، وبي يبطش وبي يمشي".
ليست هذه الجمل في رواية البخاري: "ولئن سألني"، زاد في حديث عائشة عبدي "لأعطيننه" ما سأل مما يعود بنفع عليه، كصحة وتوفيق إلى طاعه، "ولئن استعاذني"، قالстр. 4162
ويستفاد من قوله: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما
الحواشي
(١) المصنف: بالنون بعد الذال المعجمة في الفرع كأصله، وبالموحدة في غيرهما "لأعيذنه" مما يخاف.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني والبيهقي في الزهد: وإذا استنصرني نصرته.
وفي حديث حذيفة عند الطبراني: ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة، وفيه: أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات حتى يكون محبوبًا لله تعالى، لا ينقطع عن الطلب من الله لما فيه من الخضوع وإظهار العبودية، "وما ترددت عن" بمعنى في أو ضمن تردد معنى تأخر؛ لأنه لازمه "شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن"، تشبيه بليغ بحذف الأداة، ولم يقل نفس عبدي للاستغناء بوصف الإيمان، أي: ما أخرت وما توقفت توقف المتردد في أمر أنا فاعله إلا في قبض نفس المؤمن، حتى يسهل عليه ويميل قلبه مشوقًا إليه، لانخراطه في سلك المقربين، والتبوء في عليين، أو إزالة كراهة الموت مما يبتلى به من نحو مرض وفقر، فأخذه المؤمن عن حب الحياة شيئًا فشيئًا بهذه الأسباب يشبه فعل المتردد، فعبر به مجازًا؛ لأن حقيقة التردد التحير، بأن يظهر له ما يقتضي الفعل وما يقتضي الترك، فينشأ من ذلك الحيرة لمريد الفعل لتعارض مقتضاهما عنده، والله منزه عن ذلك، كما يأتي "يكره الموت" لصعوبته وشدته ومرارته وشدة ائتلاف روحه لجسده وتعلقها به، ولعدم معرفته بما هو صائر إليه بعده "وأنا أكره مساءته" بفتح الميم والمهملة بعدها همزة ففوقية، أي: أن أفعل به ما يحزنه، والجملة في موضع التعليل للتردد، وهو استئناف بياني، كأنه جواب سؤال.
قال الذهبي في الميزان حديث غريب جدًّا: لولا هيبة الجامع الصحيح لعدوه في منكرات خالد بن مخلد القطواني لغرابة لفظه، ولأنها مما تفرد به شريك، وليس بالحافظ، ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد، ولأخرجه من عند البخاري، ولا أظنه في مسند أحمد.
قال الحافظ: ليس في مسند أحمد جزمًا، وإطلاق أنه لم يرو إلا بهذا الإسناد مردود، وشريك شيخ شيخ خالد، فيه مقال أيضًا، لكن للحديث طرق يدل مجموعها على أن له أصلًا، فرواه أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا، والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون عن عروة، عن عائشة، وذكر ابن حبان وابن عدي أن عبد الواحد تفرد به.
وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث، لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد، عن عروة وقال: لم يروه عن عروة إلا يعقوب وعبد الواحد.
وأخرجه الإسماعيلي من حديث علي والطبراني والبيهقي، عن أبي أمامه بسند ضعيف،стр. 4163
افترضته عليه" أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى.
وعلى هذا فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة ولا تنتجها الفرائض؟
وأجيب: بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها ويؤيده: أن في رواية أبي أمامة "ابن آدم، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك"، أو يجاب: بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة لا لخوف
الحواشي
(١) وأبو يعلى والبزار والطبراني عن أنس، وفي سنده ضعف، والطبراني عن حذيفة مختصرًا، وسنده حسن غريب، وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية، عن معاذ بن جبل مختصرًا، وسنده ضعيف، وأحمد في الزاهد، وأبو نعيم في الحلية، عن وهب بن منبه مقطوعًا انتهى.
وهو أصل عظيم في السلوك إلى الله تعالى والوصول إلى معرفته ومحبته؛ لأن المفترض إما باطن وهو الإيمان، وظاهر وهو الإسلام، أو مركب منهما وهو الإحسان، المتضمن مقامات السالكين، كالإخلاص والزهد، والتوكل والمراقبة، فقد جمع هذا الحديث الشريعة والحقيقة، "ويستفاد من قوله: وما تقرب إلي عبدي بشيء" من الطاعات "أحب إليَّ من أداء ما افترضته عليه، أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى"، أي: فعلها لا مقابل القضاء، كما مر، فالمراد اللغوي، فشمل النذر أخذًا للافتراض بالمعنى الأعم؛ لأن من نذر شيئًا فرض الله عليه الوفاء به، فلا ينافي قوله مما افترضته، ومر أن الحافظ نظر فيه، وأشار إلى الجواب بنحو هذا، "وعلى هذا" المستفاد "فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة" لأنه تعالى جعلها مرتبة على كثرة النوافل، "ولا تنتجها الفرائض" لأنه سبحانه جعلها أحب الأشياء إليه، ولم يذكر سبب الأحبية، فلم تترتب المحبة على أداء الفرائض.
"وأجيب بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها"، لا مطلقًا فإنما انتجت المحبة من حيث الاشتمال والتكميل.
"ويؤيده أن في رواية أبي أمامة" الباهلي، عند الطبراني، والبيهقي مرفوعًا: "ابن" "بفتح الهمزة وكسرها" "آدم إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك"، فلا يعتد بالنوافل بدون الفرائض.
قال ابن أبي جمرة: إنما سميت نافلة؛ لأنها تأتي زائدة على الفريضة، فلو لم تؤد الفريضة لا تحصل، ومن أداها، ثم زاد النفل وأدامه، محضت منه إرادة التقرب، وقد جرت العادة، بأن التقرب يكون غالبًا بغير ما وجب على المتقرب، كهديه وتحفة، بخلاف ما يجب عليه، أو يقتضي ما لزمه، ومما يحقق ذلك أن جملة ما شرع له النفل جبره الفرض، فالمراد من التقرب بالنفل، أن يقع ممن أدى الفرض، لا ممن أخل به.стр. 4164
العقاب على الترك، بخلاف الفرائض.
وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى إياه.
وقد استشكل أيضًا: كيف يكون الباري جل وعلا "سمع العبد وبصره" إلخ.
وأجيب بأجوبة:
منها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
الحواشي
(١) قال بعض الأكابر: من شغله الفرض عن النفل، فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض، فهو مغرور، انتهى.
"أو يجاب، بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة، لا لخوف العقاب على الترك"فاستحق محبة الله، لكونه لا في مقابلة شيء، "بخلاف الفرائض"، ففعلها مانع من العقاب على تركها، فهو في مقابلة عوض، وإن كانت أفضل.
"وقال الفاكهاني" عمر بن علي بن سالم اللخمي، المالكي، الشهير بتاج الدين الفاكهاني الفقهي، الفاضل، المتفنن في الحديث والفقه والأصول، والعربية والأدب، والدين المتين، والصلاح العظيم، والتخلق بأخلاق الأولياء، وصحب منهم جماعة، وحج غير مرة، وولد بالإسكندرية سنة أربع، وقيل: سنة ست وخمسين وستمائة، ومات بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وله مصنفات عديدة.
"معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما"، وبين الفاكهاني نفسه ذلك الغير، فقال في شرح الأربعين: من صلاة في الليل، أو في النهار، لا سيما التوابع للمفروضات، أو صيام أو صدقة، أو حج تطوع، أو جهاد غير متعين، أو إصلاح بين اثنين، أو جبر خاطر يتيم، أو إغاثة مسلم أو تيسير على معسر أو فعل خير من حيث الجملة "أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى إياه" أي: أوصله لها، فالباء زائدة للتوكيد.
"وقد استشكل أيضًا كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره ... إلخ". يعني: ويده ورجله، مع أن السمع عرض؛ إذ هو قوة منبثة في مقعر الصماخ، والله تعالى ذات، والذات لا تقوم في العرض، بل العكس مع استحالة حلوله الحق تعالى في غيره، فتضمن السؤال أمرين، كما لا يخفى.
"وأجيب بأجوبة، منها: أنه ورد على سبيل التمثيل والمعنى: كنت كسمعه وبصرهстр. 4165
ومنها: أن المعنى أن كليته مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.
ومنها: أن المعنى، كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.
ومنها: انه على حذف مضاف، أي حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصره كذلك إلخ. قاله الفاكهاني.
قال: ويحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله: وهو: أن يكون بمعنى مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملي، بمعنى: مأمولي، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يتلذذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر
الحواشي
(١) في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي، ويؤثر خدمتي، كما يحب هذه الجوارح"، فهو من التشبيه البيلغ، كزيد أسد.
"ومنها أن المعنى أن كليته"، أي: جملته لا الكلية المنطقية، التي هي الحكم على جميع الأفراد المقابلة للكلي، وهو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وللكل وهو ما كان ذا أجزاء "مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به", ولا يبطش إلا لمرضاتي، ولا يمشي إلا فيما يقربه إلى.
"ومنها: أن المعنى كنت له في النصرة" "بضم النون" الإعانة والتقوية" "كسمعه وبصره، ويده ورجله في المعاونة"، بيان للنصرة "على عدوه"، وهذا أيضًا على جهة التمثيل، لكنه من جهة أخرى، فغاير الأول.
"ومنها: أنه على حذف مضاف، أي: حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصهر كذلك"، أي: فلا يبصر إلا لحلال، "إلخ"، يعني: وحافظ يده وحافظ رجله كذلك، والدليل على المضاف الاستحالة، "قاله" أي: هذا الجواب الرابع "الفاكهاني" في شرح الأربعين، ولم يذكر فيه سواه، وسوى ما نقله بقوله.
"قال" الفاكهاني: "ويحتمل" في الحديث "معنى"، فهو فاعل، أو يحتمل الحديث معنى، فهو نصب المفعولية، والأول أظهر، والخطب سهل "آخر، أدق من الذي قبله، وهو أن يكون" سمعه "بمعنى مسموعة؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل فلان أملي بمعنى مأمولي"، فأمل مصدر أمل يأمل، من باب طلب، واسم مفعوله مأمول، واسم فاعله آمل، وعبارة الفاكهاني: قالوا: أنت رجائي بمعنى مرجوي "والمعنى أنه لا يسمع إلا ذكري"، سماع تلذذ، "ولا يتلذذ إلاстр. 4166
إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيمال فيه رضاي، ورجله كذلك.
وقال غيره: اتفق العلماء -ممن يعتد بقوله- على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"، قال: والاتحادية زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، والنجح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وعن أبي عثمان الحيرى -أحد أئمة الطريق- قال: معناه كنت أسرع إلى
الحواشي
(١) بتلاوة كتابي، ولا يأنس إلا بمناجاتي" في الصلاة وغيرها "ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي"، كمدها بالصدقة ونحوها، وعبر هنا بالمد إشارة إلى أن المراد مطلق حركة يده، لا حقيقة المد، وفي الحديث بالبطش لشرفه، وهو الأخذ بقوة "ورجله كذلك"، لا يسعى بها إلا فيما فيه رضاي.
"وقال غيره"، وهو الطوافي: "اتفق العلماء ممن يعتد بقوله" بأفراد الضمير على لفظ من، وهو أكثر، كقوله: ومنهم من يؤمن به "على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد"، مصدر مضاف لمفعوله، أي: عن نصرة الله عبده، "وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها"، أي: أن أفعاله لا توجد إلا بإرادته وأقداره عليها، لا أنه بمنزلة الآلة الحقيقية.
"ولهذا وقع في رواية: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، قال" ذلك الغير، "والاتحادية" نسبة إلى الاتحاد، وهو تصيير الذاتين ذاتًا واحدة، وهو محال لأنه إن كانت عين كل واحدة منهما موجودة في حال الاتحاد، فهما اثنتنان لا واحدة، وإن عدمت واحدة، فليس ذلك باتحاد، بل عدم إحداهما، وإن عدمتا كان عدم الاتحاد أظهر، "زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد"، محتجين بمجيء جبريل في صورة دحية، "تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا"، وللشيخ قطب الدين القسطلاني كتاب بديع في الرد عليهم.
"وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء والنجح" "بضم النون" الظفر بالقصد "في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان" أي: تصرفاته في أعماله "كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة".стр. 4167
قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع وعينه في النظر، ويده في اللمس ورجله في المشي، كذا أسنده عنه البيهقي في "الزهد".
وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى تصفى من الكدورات، أنه يصير في معنى الحق، تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه، الموحد لنفسه، والمحب، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا.
وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله في بقية الحديث ولئن سألني، زاد في رواية عبد الواحد عبدي، انتهى ملخصًا.
الحواشي
(١) "وعن أبي عثمان" سعيد بن إسماعيل النيسابوري "الحيرى" بحاء مكسورة وراء مهملتين، بينهما تحتية ساكنة"، نسبة إلى الحيرة، محلة بنيسابور غير المدينة المعروفة بالكوفة، وأصله من الري، وصحب قديمًا يحيى بن معاذ الرازي، وشاه بن شجاع الكرماني، ثم رحل إلى نيسابور قاصدًا أبا حفص الحداد، فأخذ عنه طريقته، وزوجه ابنته "أحد أئمة الطريق".
قال أبو نعيم: كان بالحلم منتطقًا، وللمريدين نصيحًا مشفقًا، وقال الخطيب، كان مجاب الدعوة وكان يقول: من أمر السنة على نفسه قولًا وفعلًا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى عليها نطق بالبدعة، وإن تطيعوه تهتدوا مات بنيسابور سنة ثمان وتسعين ومائتين، وقيل: غير ذلك "قال: معناه كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وعينه في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي، كذا أسنده" أي: رواه "عنه البيهقي في" كتاب "الزهد، وحمله بعض أهل الزيغ": الضلال والميل عن الحق إلى الباطل "على ما يدعونه من أن العبد إذا لازم العبارة الظاهرة والباطنة حتى تصفى من الكدورات أنه" تأكيد لقوله: إن العبد أعاده لطول الفصل وهو وراد في الفصيح، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ، والخبر قوله: "يصير في معنى الحق، تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه، الموحد"، "بالحاء المهملة" "لنفسه المحب، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا"، وهذا ضلال مبين، "وعلى الأوجه" السبعة السابقة "كلها، فلا متمسك فيه للاتحادية، ولا القائلين بالوحدة المطلقة لقوله في بقية الحديث: ولئن سألني، زاد في رواية عبد الواحد"، بن ميمون عن عروة، عن عائشة "عبدي"، فإن كلا من سألني، وعبدي نص فيстр. 4168
وقال العلامة ابن القيم:
تضمن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين، أداء الفرائض، والتقرب إليه بالنوافل، وأن المحب لا يزال يكثر في النوافل حتى يصير محبوبًا لله، فإذا صار محبوبًا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبة ألبثة، فصار ذكر محبوبة وحبه ومثله الأعلى مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في
الحواشي
(١) نفي الاتحاد والوحدة المطلقة "انتهى ملخصًا".
"وقال العلامة بن القيم" شمس الدين محمد بن أبي بكر: "تضمن هذا الحديث الشريف الإلهي" المنسوب إلى الإله تعالى مما تلقاه المصطفى عنه بلا واسطة أو بها "الذي حرام" أي: ممنوع، فالحرمة لغة المنع ومنه، وحرام على قرية "على غليظ الطبع"، شديده في التباعد عن الحق وعدم الانقياد له، "كثيف القلب"، المراد هنا معنى ما قبله، فهو مساوٍ له، حسنه اختلاف اللفظ، فحرام خبر مقدم، والمبتدأ "فهم معناه و" فهم "المراد به"، فهو بالجر عطف على معناه، وإن اتحدا معنى، كسابقه لاختلاف اللفظ، وقوله "حصر" بالنصب مفعول تضمن "أسباب محبته" تعالى لعبده، فالمصدر مضاف لفاعله "في أمرين، أداء الفرائض والتقرب إليه بالنوافل"، بدل من أمرين ولا يقرأ قوله، والمراد بالرفع مبتدأ خبره حصر، ويعترض عليه، بأن الظاهر حذفه؛ لأن حصر مفعول تضمن؛ إذ لا ملجئ لذلك، فالكلام صحيح بجر المراد، وهو الظاهر أو المتعين "و" تضمن أيضًا "أن المحب لا يزال يكثر في النوافل حتى يصير محبوبًا لله"، فالسبب الثاني هو المحقق لصيرورة العبد محبوبًا لله، بحيث يكون سمعه ... إلخ.
"فإذا صار محبوبًا لله أوجبت"، أثبتت "محبة الله له محبة أخرى منه"، أي: العبد "لله فوق المحبة الأولى"، الحاصلة منه قبل "فشغلت هذه المحبة" الثانية "قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه"، وهو الله "وملكت" أي: قصرت تلك المحبة "عليه"، أي: على المحبوب "روحه"، أي: لمحب، بحيث لا تجاوزه للتعلق لغيره، "ولم" الأولى، فلم "بالفاء" "يبق فيه سعة لغيره محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه" "بضم الحاء والرفع" "ومثله" "بفتحتين"، وصفه "الأعلى" العجيب الشأن، كالقدرة العامة والحكمة التامة، "مالكًا لزمام قلبه" خبر، أي: صار ما ذكر مانعًا لقلبه من التلفت إلى غيره، ففيه استعارة بالكناية،стр. 4169
محبته التي قد اجتمعت قوى محبته كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر بمحبوبه، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه، وأنيسه وصاحبه.
والباء -هنا- باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الأخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة.
قال: ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال: "ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" أي
الحواشي
(١) وتخييلية، شبه القلب بالبعير الممنوع من استرساله مع هواه استعارة بالكناية، وإثبات الزمام له تخييل، "مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبه، الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى محبته كلها له"، فسمع محبه وبصره وغيرهما. من بقية المعاني صارت حافظة للمحب مانعة من لحوق ضرر به مقوية له على مطلوبه من زيادة القرب ودوامه، فكأنها مختصة به، لا تتجاوزه إلى غيره، "ولا ريب"، شك "أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر بمحبوبه، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه وأنيسه وصاحبه"، ويقرب من هذا جواب العارف والأستاذ علي بن وفي؛ بأن معنى كنت سمعه ... إلخ أن ذلك الكون الشهودي مرتب على ذلك الشرط، الذي هو حصول المحبة، فمن حيث الترتب الشهودي جاز الحدوث، المشار إليه بقوله: كنت سمعه، لا من حيث التقدير الوجودي، وقال في الفتوحات لابن العربي: المراد به انكشاف أمر لمن تقرب إليه تعالى بالنوافل، لا أنه لم يكن الحق تعالى سمعه قبل التقرب، ثم كان تعالى عن ذلك وعن العوارض الطارئة، وهذه من غرر المسائل الإلهية، نقلهما في اليواقيت والجواهر، "والباء هنا" في قوله: فبي يسمع ... إلخ "باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها"؛ لأن الأصل في الصحبة إطلاقها على من حصل له رؤية ومجالسة، ووراء ذلك شروط للأصوليين، وتطلق مجازًا على من تمذهب بمذهب إمام، كأصحاب الشافعي، ولا يصح حملها هنا على شيء من ذلك، "ولا تدرك بمجرد الإخبار عنها والعلم بها"؛ لأنها لا نظير لها، تصور به في الخارج، فإنما يدركها من قامت به، كالملاحة تدرك ولا توصف، بعبارة تحصل حقيقتها وصورتها للمخاطب، "فالمسألة: حالية" أي: حال من أحوال النفس، يدركها من قامت به "لا علمية محضة" أي: ليست متعلقًا للعلم، بحيث يصورها بما يميزها من غيرها خارجا.
"قال" ابن القيم: "ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه" جمع حب، كمحاسن جمع حسن على غير قياس، "حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه،стр. 4170
كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري، والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما سألني أن أفعله به، وفيما يستعيذني أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب في إماتة عبده لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا
الحواشي
(١) فقال: "ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"، أي: كما وافقني في مرادي، بامتثال أوامري والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته" فيما عندي، "ورهبته": خوفه مني "فيما سألني أن أفعله به" عائد لرغبته"، "وفيما يستعيذني أن يناله"، عائد لرهبته، ففي وعده المحقق، المؤكد بالقسم
إيذان بأن من تقرب إليه بما مر لا يرد دعاءه وأن الكمل يطلب منهم الدعاء.
وقال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق، أقوى ما قاله الشراح بحسب الظاهر في هذا الحديث: كنت سمعه، فلا يسمع ما لم يأذن الشرع بسماعه، ولا يبصر ما لم يأذن في النظر إليه، ولا يبطش إلا ما أذن ببطشه، ولا يسعى إلا فيما أذن بالسعي إليه، وبحسب الباطن: لا يزال العبد يتقرب إلى الله بأنواع الطاعات وأصناف الرياضات، ويترقى من مقام إلى أعلى منه حتى يحبه الله، فيجعل سلطان حبه غالبًا عليه حتى يسلب منه الاهتمام بكل شيء غير تقربه إليه، فيصير منخلعًا عن الشهوات، ذاهلًا عن اللذات، مستغرقًا بملاحظة جناب قدسه، بحيث ما لاحظ شيئًا إلا لاحظ ربه، ولا التفت إلى شيء إلا رأى ربه، وهذا آخر درجات السالكين، وأول درجات الواصلين، فيكون بهذا الاعتبار سمعه وبصره، وهذا نفس محجوب، والذائق يقول: العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يكون الرب، صفات عبده المذكورة لتحصل له المناسبة الصفتية بين المحب والمحبوب، فإنها لا بد منها ولذا جعل السبب فيه أداء النوافل، فإن الله فاعل مختار، ليس عليه إيجاب لأحد النوافل ليست بإيجاب، فكان ذلك مناسبة أخرى بين المحب والمحبوب، وهذا يسمى قرب النوافل، وثمة قرب الفرائض، وهو أعظم من قرب النوافل، انتهى.
"وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب في إماتة عبده؛ لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته، ولكن مصلحته في إماتته"، فتفصل بفعل المصلحة، "فإنه ما أماته إلا ليحييه" الحياة الأبدية، "ولا أمرضه إلا ليصحه" "بضم التحتية وكسر الصاد"، أي: يزيلследующие страницы →