Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
تعالى، لكن لما عز هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني.
وفي البخاري، من حديث عائشة، أنه ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات وهي الفلق والناس والإخلاص فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس.
وكذلك كل ما ورد التعويذ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين﴾ [المؤمنون: ٩٧] .
وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود: أن رسول
الحواشي
(١) كان على لسان الأبرار" جمع بر، وهو الصادق، أو المتقي "من الخلق" بأن يصدر منهم قراءة أو كتابة، "حصل الشفاء بإذن الله تعالى، لكن لما هذا النوع" أي: قل لقلة أهله "فزع" "بفتح الزاي وكسرها، أي لجأ" "الناس إلى الطب الجسماني" بالأدوية.
"وفي البخاري" ومسلم، كلاهما في الطب "من حديث عائشة: أنه ﷺ كان ينفث" "بضم الفاء وكسرها بعدها مثلثة، أي ينفخ نفخًا لطيفًا أقل من النقل" "على نفسه في المرض الذي مات فيه" كالمرض الذي قبله، فاستمر ذلك ولم ينسخ "بالمعوذات" "بكسر الواو".
قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة، أو الهواء الذي ماسه الذكر، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وفيه تفاؤل بزوال الألم وانفصاله، كانفصال ذلك النفث.
وبقية الحديث: فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، أمسح بيد نفسه لبركتها، فسألت الزهري كيف ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه، وقائل: سألت معمرًا، راوية عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قال بعضهم: لعله ﷺ لما علم أنه آخر مرضه، وارتحاله عن قرب ترك ذلك، "وهي" أي المعوذات "الفلق والناس والإخلاص، فيكون من باب التغليب" أي أطلق على الإخلاص اسم التعويذ لوقوعها مع المعوذتين، "أو المراد القلق والناس" فقط، إما مجازًا من باب تسمية الجزء باسم الكل، أو بناء على أن أقل الجمع اثنان، وفي أنه حقيقي أو مجازي، كالتغليب قولان: وقد روى ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر، عن عائشة: كان ﷺ إذا اشتكى قرأ على نفسه بقل هو الله أحد والمعوذتين، وهذا يرجح أو يقنن التغليب، ولذا قال الحافظ المعتمد؛ أنه تغليب، لا لأن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد الكلمات التي يتعوذ بها من السورتين، "وكذلك كل ما ورد من التعويذ في القرآن" فإنه من الطب الروحاني، "كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين﴾ [المؤمنون: ٩٧] ، نزغاتهم مما يوسوسون به.
"وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث" عبد الرحمن بن حرملة، عنстр. 4237
الله ﷺ كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه. على تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة.
وأما حديث أبي سعيد عند النسائي: كان ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما، وحسنه الترمذي، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، ولا سيما مع
الحواشي
(١) "ابن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة" بن عمرو الأسلمي، المدني، مات سنة خمس وأربعين ومائة.
"قال البخاري: لا يصح حديثه" فلا يرد على قولنا: وكذلك كل ما ورد من التعويذ في القرآن، "وعلى تقدير صحته" لأن مسلمًا روى له، كأصحاب السنن الأربعة.
وفي التقريب: أنه صدوق، ربما أخطأ، "فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة" أي إقرار الذي رقي بها على ذلك، وقوله: "وما يدريك أنها رقية، خذوها"، أي الشياه "واضربوا لي معكم بسهم"، كما في الصحيحين.
هذا ولفظ الحديث عند من عزاه لهم لتكميل الفائدة، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ كان يكره عشر خصال: الصفرة، وتغيير الشيب، وجر الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير محله، وفساد الصبي غير محرمه، والصفرة الخلوق بالزعفران، والتبرج، أي تبرج النساء في غير محلها "بفتح الحاء وتكسر" وهو تزين المرأة لزوجها، والكعاب: جمع كعب، وهو فصوص النرد، وعزل الماء، قال الخطابي: هو أن يعزل الرجل ماءه عن فرج المرأة، وهو محل الماء.
قال في النهاية: وفيه التعريض بإتيان الدبر، وفساد الصبي، أي فطمه قبل أوانه، أو وطء المرضع، فيعرضها للحمل، فيفسد الصبي، وربما قطع اللبن بحملها، وغير محرمه معناه لم يبلغ بالكراهة. التحريم عائد إلى فساد الصبي فقط.
"وأما حديث أبي سعيد عند النسائي" والترمذي وابن ماجه: "كان ﷺ يتعوذ من الجان" أي يقول أعوذ بالله من الجان، كما جزم به بعض الشراح، "وعين الإنسان" من ناس ينوس إذا تحرك، وذلك يشترك فيه الإنس والجن، وعين كل ناظر، "حتى نزلت المعوذتان" الفلق والناس، "فأخذ بهما وترك ما سواهما".
"وحسنه الترمذي" فقال: حسن غريب، وصححه الضياء في المختارة، "فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية" أي أن التعوذ بهما أولى من التعوذстр. 4238
ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلًا.
وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
الحواشي
(١) بغيرهما، "ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما" هكذا قاله الحافظ: يعني من القرآن وغيره، وقال غيره: وترك ما سواهما مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن، لما ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة تارة، وبالمعوذتين أخرى، وكلام الحافظ أحسن، "وإنما اجتزأ بهما" "بجيم، ثم زاي فألف"، أي اكتفى بهما، لكونهما كافيتين عما سواهما، كما أرشد إلى ذلك، بقوله: "لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة" فهذه النسخة مساوية لنسخة اختارهما، أي قدمهما ورجحهما على غيرهما، وليس المراد على الأولى؛ أنه اكتفى بهما وإن لم يكونا كافيتين، بدليل السياق والتعليل، "من كل مكروه جملة وتفصيلًا" إذ الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه في الأشباح والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق إذا وقب، وهو الليل إذا أظلم، أو القمر إذا غاب تتضمن الاستعاذة من شر ما انتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شر النفاثات تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن، ومن شر حاسد تتضمن الاستعاذة من شر النفوس الخبيثة المؤذية.
والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر الإنس والجن، المشار له بقوله الوسواس، أي الذي يوسوس للآدمي عند غفلته عن ذكر الله، الخناس: الذي يخنس عند ذكر الله، من الجنة والناس، بيان للشيطان الموسوس أنه جني وإنسي، لقوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن﴾ [الأنعام: ١٢٢] ، أو من الجنة، بيان له، والناس عطف على الوسواس، واعترض الأول؛ بأن الناس، لا يوسوسون في صدور الناس إنما يوسوس في صدورهم الجن.
وأجيب بأن الناس يوسوسون أيضًا بمعنى يليق بهم في الظاهر، ثم تصل وسوستهم إلى القلب، وتثبت فيه بالطريق المؤدي إلى ذلك.
"وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط" الأول: "أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، و" الثاني: أن تكون "باللسان العربي" ولم يقيده بما يفهم معناه؛ لأن الغالب على لسان العرب فهمه لمستعمله، "أو بما يعرف معناه من غيره" لا من لا يعرف، لجواز كونه شركًا، "و" الثالث: "أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير اللهстр. 4239
واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لا بد من اعتبارها.
وفي صحيح مسلم من وحديث عوف بن مالك: قال كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله ﷺ ، فكيف ترى في ذلك؟ فقال: "عرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقي إذا لم يكن فيه شرك".
وله من حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ عن الرقي، فجاء آل عمرو بن
الحواشي
(١) تعالى"، وهذا الشرط لا بد منه للجواز، فإن انتفى لم يجز، بل ربما جر إلى الكفر، "واختلفوا في كونها" أي اجتماع الثلاثة "شرطًا" ليحصل المقصود بها أولًا "والراجح أنه لا بد من اعتبارها" ليحصل المقصود؛ لأنه عند انتفائها قد يحصل، وقد لا يحصل، وهو الغالب، هكذا قال في الحاشية، وقال في تقريره قوله: وأجمعوا يخالف قوله، واختلفوا إلا أن يؤول؛ بأن معناه شرطًا في الجواز، كما دل عليه قوله بعد، والشرط الثالث لا بد منه، أي للجواز، فالثلاثة لحصول القصد، ولكن الثالث للجواز أيضًا، فإذا انتفى انتفى الجواز، بل ربما جر إلى الكفر. انتهى، وفيه شيء مع قوله: أجمعوا على جواز.
"وفي صحيح مسلم" وأبي داود "من حديث عوف بن مالك" الأشجعي، صحابي مشهور من مسلمة الفتح وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، "قال: كنا نرقي" "بفتح النون وسكون الراء" "في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى" لنا "في ذلك" أنفعله أم نتركه؟ وفيه استفهام العالم عما جهل حكمه، "فقال: اعرضوا" "بكسر الهمزة والراء بينهما عين مهملة ساكنة" وهي همزة وصل تسقط في الدرج وتثبت في الابتداء مكسورة، أي أبرزوا "على رقاكم" لأني العالم الأكبر، المتلقي عن معلم العلماء ومفهم الحكماء ومفهم الحكماء، فلما عرضوها عليه، قال: "لا بأس بالرقي"، أي جائزة "إذا لم يكن فيه" أي فيما رقي به "شرك" أي شيء يوجب اعتقاده الكفر، أو شيء من كلام أهل الشرك، الذي لا يوافق أصول الإسلام، ولذا منع الرقي بالسرياني والعبراني، ونحوهما مما جهل معناه خوف الوقوع في ذلك، وفيه أن على المفتي أن يسأل المستفتي عما أبهمه في السؤال قبل الجواب، وجواز الرقي بما لا ضرر فيه، وإن كان بغير أسماء الله وكلامه، لكن إذا فهم معناه، والحث على السعي في إزالة المرض والضرر عن المسلمين بكل ممكن جائز.
"وله" أي لمسلم بمعنى روى أيضًا "من حديث جابر" بن عبد الله: "نهى رسول الله ﷺ عن الرقي" خوف الوقوع في محذور، فجاء آل عمرو بن حزم بن يزيد الأنصاري، الصحابي المشهور، قال في مقدمة الفتح، وفي موطأ ابن وهب التصريح بعبارة بن حزم من آل عمرو،стр. 4240
حزم بن يزيد الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: "اعرضوها علي"، قال: فعرضوا عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه".
وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا. والشرط الأخير لا بد منه.
الحواشي
(١) "فقالوا: يا رسول الله إنه" أي الشأن والحال، "كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب" وإنك نهيت عن الرقي.
هذا سقط من قلم المصنف، وهو في مسلم وغيره، قال النووي: أجاب العلماء عنه بأجوبة، أحدها كان نهي أول، ثم نسخ ذلك وأذن فيها، وفعلها واستقر الشرع على الإذن، والثاني: أن النهي عن الرقي المجهولة، والثالث: أن النهي كان لقوم يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة، "قال: "اعرضوها علي" قال: فعرضوا عليه" الرقية التي كانوا يرقون بها، "فقال: "ما أرى بأسًا من استطاع" منكم "أن ينفع أخاه" من الدين، "فلينفعه" ندبًا مؤكدًا، وقد يجب في بعض الصور، وحذف المنتفع به لإرادة التعميم فيشمل كل ما ينتفع به من رقية، أو علم، أو جاه، أو مال، أو نحو ذلك.
فقول الفردوس: يعني بالرقية فيه نظر، وفيه قوله منكم الساقطة من قلم المصنف، إشارة إلى أن نفع الكافر أخاه بنحو صدقة عليه لا يثاب عليه في الآخرة، وهو ما عليه جمع، والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن جابر قال: لدغت رجلًا منا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ ، فقال رجل: يا رسول الله أرقى، فقال: "من استطاع"، فذكره.
قال التوربشتي: كأن السائل عرف أن من حق الإيمان اعتقاد أن المقدور كائن لا محالة، ووجد الشرع يرخص في الاسترقاء ويأمر بالتداوي وبالاتقاء عن مواطن المهلكات، فأشكل عليه الأمر، كما أشكل على الصحب حين أخبروا أن الكتاب يسبق على الرجل، فقالوا: ففيم العمل، "وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها" لأن نفعها يبعدها عن التأدية إلى الشرك، "لكن دل حديث عوف" المذكور؛ على "أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا" ولو جربت منفعتها، "والشرط الأخير" هو أن يعتقد أنها لا تؤثر بذاتها "لا بد منه".стр. 4241
وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين: لا رقية إلا من عين أو حمة.
وأجيب: بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس أو نحو ذلك؛ لاشتراكهما في كونهما ينشأان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، يلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية. وقد وقع عند أبي داود من حديث أنس مثل حديث عمران وزاد: أو دم، وفي مسلم من حديث أنس أيضًا رخص رسول الله ﷺ في
الحواشي
(١) فإن اعتقد أن تأثيرها بذاتها لم يجز الرقي بها، بل ربما أدت إلى الكفر.
"وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين" عند البخاري موقوفًا: "لا رقية إلا من عين" يصيب العائن بها غيره إذا استحسنه عند رؤيته، "أو حمة" "بضم الحاء المهملة وخفة الميم".
قال في النهاية: وقد تشد، وأنكره الأزهري، وهي السم، وتطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم يخرج منها، وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة أو الياء.
وقال الخطابي: الحمة اسم ذوات السموم، وقد تسمى إبرة العقرب، والزنبور حمة؛ لأنها مجرى الشم، وكذا رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب موقوفًا عليه، لكن رواه أبو داود، وصححه الحاكم من حديث أنس، عن النبي ﷺ .
"وأجيب؛ بأن معنى الحصر فيه؛ أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية" من الأمراض والأوجاع، لورود الرقية في ذلك، "فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل" "بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة" جنون، وشبهه كالهوج والبله والخبل "بفتح الباء أيضًا" الجنون، كما في المصباح، "أو مس" من جن غير عقله، وصيره كالمجنون، "أو نحو ذلك؛ لاشتراكهما في كونهما ينشأان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، ويلتحق بالسم" الحاصل من لدغة العقرب "كل ما عرض للبدن من قرح" "بفتح القاف وضمها"، "ونحوه من المواد السمية" فتطلب الرقية من ذلك كله.
"وقد وقع عند أبي داود" وصححه الحاكم "من حديث أنس" عن النبي ﷺ "مثل حديث عمران" الموقوف عله، "وزاد" من حديث أنس: "أو دم" لا يرقأ، هذا بقيته عند أبي داود، فبان بهذه الزيادة أن الحصر ليس بمراد.
"وفي مسلم من حديث أنس أيضًا: رخص رسول الله ﷺ في الرقية من العينстр. 4242
الرقية من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والأذن، ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا تعلمين هذه -يعني حفصة- رقية النملة"؟.
والنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد.
وقيل: المراد بالحصر يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف أقطع إلا ذو الفقار.
الحواشي
(١) والحمة والنملة" فزيادة النملة تعطي أن الحصر ليس بحقيقي.
"وفي حديث آخر: والأذن" أي وجع الأذن، فهذه ثلاث، ورد النص عليها الدم والنملة والأذن، فليس الحصر بمراد، "ولأبي داود من حديث الشفاء" بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء والمد"، كما قاله ابن الأثير وغيره، وضبطها ابن نقطة وغيره بالقصر، وهو المعتمد "بنت عبد الله" بن عبد شمس القرشية العدوية، لها أحاديث، وهي غير الشفاء بنت عوف التي حضرت ولادته ﷺ : "أن النبي ﷺ قال" لها: "ألا تعلمين هذه -يعني حفصة-" بنت عمر أم المؤمنين، "رقية النملة" فقالت: بسم الله ضلت حتى تعود من أفواهها ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف الباس رب الناس، ترقي بها على عود سبع مرات، وتقصد مكانًا نظيفًا وتدلكه على حجر بخل خمر حاذق، وتطليه على النملة، ذكر المصنف فيما يأتي.
وفي النهاية قيل: إن هذا الكلام لعب وممازحة، كقوله للعجوز: "لن يدخل الجنة عجوز"، وذلك أن رقية النملة شيء كانت تستعمله النساء، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل، وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، فأراد ﷺ بهذا المقال: تأبين حفصة؛ لأنه ألقى إليها سرًّا، فأفشته. انتهى.
"والنملة" "بفتح النون" وإسكان الميم "قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد" كالساق، سمي بذلك لأن صاحبه يحس ف مكانه، كأن نملة تدب عليه وتعضه، وقال الخطابي: هي قروح تخرج في الجنبين، ويقال: إنها قد تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.
"وقيل: المراد بالحصر" في حديث، لا رقية إلا من عين أو حمة، "يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع" ولا أولى من رقية هذين، لما فيهما من زيادة الضرر، "كما قيل" في شرح خبر: لا سيف إلا ذو الفقار، الذي أخرجه الحسن بن عرفة عن أبي جعفر الباقر، قال: نادى ملك من السماء يوم بدر: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي؛ أن معناه: "لا سيف أقطع إلا ذوстр. 4243
وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما.
وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود: "رفعه إن الرقى والتمائم والتولة شرك".
والتمائم: جمع تميمية وهي خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات.
والتولة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر.
وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند
الحواشي
(١) الفقار" اسم لأحد أسيافه ﷺ ، فلا ينافي أن السيوف كثيرة، وفي نسخة: بحذف أقطع، ولعلها لا تصح لقوله: كما قيل: نعم. لو قال كما في خبر لتعين حذفها.
"وقال قوم، المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء" لئلا يقع به فيسيء اعتقاده، ولأنها طب روحاني، وأطباء الأدوية الجسمانية ينهون عن استعمال الدواء بلا مرض، "والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما" وله وجه.
"وروى أبو داود وابن ماجه" والإمام أحمد، "وصححه الحاكم" وأقره الذهبي "عن ابن مسعود، رفعه: "إن الرقى والتمائم" "بفوقية فميمين بينهما همزة"، "والتولة" "بكسر التاء وضمها" "شرك" أي: من الشرك سماها شركًا؛ لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية، وكان مشتملًا على ما يتضمن الشرك، ولأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها ويفضي إلى الشرك، قاله البيضاوي، وقال الطيبي: المراد بالشرك اعتقاد أن ذلك سبب قوي وله تأثير، وذلك ينافي التوكل والانخراط في زمرة الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.
"والتمائم: جمع تميه، وهي" في الأصل "خرزوة أو قلادة تعلق في الرأس" للأولاد لدفع العين، ثم توسعوا فيها، فسموا بها كل عوذة، "كانوا في الجاهلية يعتقون أن ذلك يدفع الآفات" بذاته، فلذا أطلق عليه اسم الشرك.
"والتولة بكسر المثناة" الفوقية وضمها كما في ابن رسلان "وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها" إليها، "وهو ضرب من السحر".
وفي القاموس: التولة: كهمزة السحر، أو شبهة وخرزة تحبب معها المرأة إلى زوجها، كالتولة، كعنبة فيهما، "وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافعстр. 4244
غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا إليه ، في كل ما وقع وما يتوقع.
وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني آدم تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك.
وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة.
الحواشي
(١) من عند غير الله" وهكذا كان اعتقادهم، "ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه" ولا من عقلها تبركًا بذكر الله، عالمًا لا أنه لا كاشف إلا الله، "فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى" ففيه رد على القوم الذين حملوا النهي على ما قبل الوقوع، "ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا" عطف تفسير إليه في كل ما وقع وما يتوقع" فهذا الاتفاق يرد أيضًا على أولئك القوم.
"وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقي هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه" يخلطه المعزم وغيره "من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم" عتاتهم الخارجين عن الطاعة، "ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني آدم تصادق الشياطين، لكونهم أعداء بني آدم فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين، أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء" أي أسماء الشياطين "سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأمائه، خاصة" وكتابه من ذكر "وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك، وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة" يريد وبغير أسمائه وذكره.стр. 4245
وقال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية؛ مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك.
والثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب.
والثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله، وبما يعرف من ذكر الله، فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما تعرف من كتاب الله وذكر الله.
وفي الموطأ: أن أبا بكر قال لليهودية التي كان ترقي عائشة: أرقيها
الحواشي
(١) "وقال القرطبي: الرقي ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية؛ مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى شرك، والثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز" اتفاقًا، "فإن كان مأثورًا" عن النبي ﷺ أو أصحابه، "فيستحب" فعله، "والثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات. كالعرش".
"قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله تعالى به والتبرك بأسمائه، فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقي به" كأن وصفه بأوصافه تقتضي تعظيمه حتى استحق أن يتبرك به، ويجعل ذكره سببًا لشفاء المريض، "فينبغي أن يجتنب، كالحلف بغير الله تعالى" المختلف في كراهته وحرمته.
"وقال الربيع" بين سليمان: "سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وبما يعرف من ذكر الله، فقلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين، قال: نعم إذا رقوا بما تعرف" "بفتح التاء وكسر الراء" يا ربيع "وبضم التاء فتح الراء" صفة لما، أي برقية تعرف "وبتحتية مبني للمفعول" "من كتاب الله" لعل المراد به ما يعظمونه، كغير المبدل من التوراة والإنجيل، ويحتمل العموم، ويقيد واز تمكينهم من القرآن بمن رجي إسلامه منهم.
قال شيخنا: "وذكر الله" تعالى، "وفي الموطأ" في كتاب الجامع، عن يحيى بن سعيدстр. 4246
بكتاب الله. قال النووي وقال القاضي عياض: واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم، بالجواز قال الشافعي والله أعلم.
وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم، رقية الذي يصاف بالعين.
روى مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".
أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وهو من جملة ما تحقق كونه.
قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من المبتدعة
الحواشي
(١) الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن؛ "أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة" لفظه: أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: "أرقيها بكتاب الله" القرآن والتوراة إن كانت معربة بالعربي، أو أمن تغييرهم لها.
"قال النووي: وقال القاضي عياض، واختلف قول مالك في رقية اليهودي والنصراني المسلم" بالجواز وعدمه، "وبالجواز قال الشافعي، والله أعلم" بالصواب من القولين، "وروى ابن وهب عن مالك كراهية الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط، والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم" تعليل للكراهة "رقية الذي يصاب بالعين" أي هذا بيان ما يرقى به المصاب بالعين، وأنها حق "روى مسلم" في الطب من صحيحه، والإمام أحمد، "عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر" "بفتحتين" أي: لو فرض أن لشيء قوة بحيث يسبق القدر "لسبقته العين" لكنها لا تسبق القدر، فكيف غيرها، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
قال القرطبي: فلو مبالغة في تحقيق إصابة العين جرى مجرى التمثيل؛ إذ لا يرد القدر شيء، فإنه عبارة عن سابق علم الله ونفوذ مشيئته، ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه فهو كقولهم: لأطلبنك ولو تحت الثرى ولو صعدت السماء وقال البيضاوي معناه أن إصابة العين لها تأثير ولو أمكن أن يعاجل القدر شيء فيؤثر في إفناء شيء وزواله قبل أوانه المقدر لسبقته العين "أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود" تفسير لقوله: حق، "وهو من جملة ما تحقق كونه" أي وجوده بالفعل، لا أنه بطريق الإمكان.
"قال المازري" بفتح الزاي وكسرها نسبة إلى جزيرة بصقلية" كما في الديباج وغيره، وتقدم مرارًا "أخذ الجمهور بظاهر الحديث" من تأثيرها بإرادة الله وخلقه، "وأنكره طوائف منстр. 4247
لغير معنى؛ لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول. فإذا أخبر الشارع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة.
وقد اشتكى بعض الناس هذه الإصابة فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟
وأجيب: بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون. وقد نقل عن بعض من كان معيانًا أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني. ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد. ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد.
الحواشي
(١) المبتدعة لغير معنى" كقول بعض الطبائعيين: لا شيء إلا ما يدركه الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، وهذا لا معنى له، "لأن كل شيء ليس محالًا في نفسه، ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا إفساد دليل، فهو من مجوزات العقول" أي من الأمور التي تقول العقول بإمكانها، وكل ما جوزته وجاء في السنة وجب قبوله والأخذ بظاهره، كما أشار له بقوله: "فإذا أخبر الشارع بوقوعه، لم يكن لإنكاره معنى" سوى العناد والمكابرة، "وهل من فرق بين إنكارهم هذا" أي إصابة العين استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا فرق بين إنكارهم هذا "و" بين "إنكارهم ما يخبر به من أمور الآخرة" ومعلوم أنه لا يعبأ به، بل قد يكون كفرًا.
"وقد اشتكى بعض الناس هذه الإصابة، فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ " اسم مفعول من عانه، إذا أصابه بالعين تقول، كما في الفتح: عنت الرجل أصبته بعينك، فهو معين ومعيون؛ "وأجيب بأن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعون" فيحصل له الضرر بتقدير الله.
"وقد نقل عن بعض من كان معيانًا" "بكسر الميم شديد الإصابة بالعين كعيون" "أنه قال: إذا رأيت شيئًا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني" أي فإذا خرجت قد تصل إلى بدن المعيون، "ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لا يفسد" وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها، كما في الفتح، "ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء" "بالمد مؤنس أرمد، كحمراء مؤنس أحمر" "فيرمد" ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو.стр. 4248
وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد. وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه. وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقية أو لا؟ وهو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه. ومن قال ممن ينتمي إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السم فقد أخطأ بدعوى القطع، ولكنه
الحواشي
(١) "وقال المازري: زعم بعض الطبائعين أن العائن ينبعث" يخرج "من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك" يموت "أو يفسد" جسمه أو عقله، "وهو كإصابة السم من نظر الأفعى" حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، لا تزال مستديرة على نفسها، لا ينفع منها ترياق ولا رقية، فالمراد أن جنسًا من الأفاعي إذا وقع بصرها على الإنسان هلك، فكذلك العائن، وعبارة المازري عقب قوله: فيهلك أو يفسد، قالوا: ولا يمتنع هذا، كما لا يمتنع انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب، تتصل باللديغ فيهلك، وإن كان غير محسوس لنا، فكذا العين، وهذا غير مسلم لأنا بينا في علم الكلام أن لا فاعل إلا الله، وبينا فساد القول بالطبائع، وأن المحدث لا يفعل في غيره شيئًا، فبطل ما قالوه، ثم المنبعث من العين إن كان عرضًا فباطل لأنه لا يقبل الانتقال وإن كان جوهرًا فباطل أيضًا لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسد لبعضها بأولى من عكسه، فبطل ما قالوه.
"وأشر" المازري "إلى منع الحصر في ذلك" أي خروج سمية من عين العائن "مع تجويزه" خروجها، لا على سبيل القطع، "وإن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة: أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى، أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر، وهل ثم جواهر حقيقة" تخرج من العين، ولفظ المازري خفية، أي غير ظاهرة، "أو لا هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه" إذا لا مستند لذلك، وإنما هو من مجوزات العقل، وإنما يقطع بنفي الفعل عنها وإضافته إلى الله.
"ومن قال ممن ينتمي" ينتسب "إلى الإسلام من أصحاب الطبائع بالقطع بأن ثم" هناك "جواهر لطيفة غير مرئية ينبعث من العائن فتتصل بالمعيون، وتتخلل مسام جسمه، فيخلق الباري" سبحانه "الهلاك عندها، كما يخلق الهلاك عند شرب السم" وعند قطع الرأس، "فقد أخطأ بدعوى القطع" إذ لا دليل عليه، "ولكنه جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة"стр. 4249
جائز أن يكون عادة ليس ضرورة ولا طبيعة. انتهى.
وهو كلام سديد. وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون. وقد أخرج البزار بسنده عن جابر رفعه: "أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس". قال الراوي: يعني العين.
وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، كذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه. وكثير من
الحواشي
(١) ألجأ العقل إليها. "انتهى" كلام المازري، "وهو كلام سديد" أي صواب، لموافقته مذهب أهل السنة.
وقال ابن العربي: الحق أن الله تعالى يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يرفعه قبل وقوعه بالرقية، "وليس المراد بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة" أن إصابة العين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها، ثم تؤثر في غيرها، وقيل: إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه، كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به، كما في الفتح؛ "بل" المراد "ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون" بخلق الله تعالى.
"وقد أخرج البزار" والبخاري في التاريخ، والطيالسي والحكيم الترمذي "بسنده" قال الحافظ، وتبعه السخاوي بسند حسن وصححه الضياء "عن جابر، رفعه: "أكثر من يموت" من أمتي، كما في البزار وغيره، فكأنه سقط من قلم المؤلف ""بعد قضاء الله وقدره" أي بعد تحتمها فيما سبق، فهو حال من الخبر، أو المبتدأ عند سيبويه ""بالنفس".
"قال الراوي: يعني العين" لأنه جاء صريحًا عند من عزيناه لهم بلفظ بالعين، قال الحكيم الترمذي: وذلك لأن هذه لأمة فضلت باليقين على سائر الأمم، فحجبوا أنفسهم بالشهوات، فعوقبوا بآفة العين، فإذا نظر أحدهم بعين الغفلة، كانت عينه أعظم، والذم له ألزم، ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ ، فلما فضلهم الله باليقين لم يرض منهم أن ينظروا إلى الأشياء بعين الغفلة، وتتعطل منة الله عليهم وتفضيله لهم؛ "وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه" أي يستحيي منه "من الخجل" هو كالاستحياء، "فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك" النظر، "وكذلك الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم" "بفتح الياءстр. 4250
الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه. وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين، وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفيتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.
والحاصل: أن التأثير بإرادة الله وخلقه ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية، وأخرى بتوجه الروح، كالذي يحدث من الأدعية والرقى والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي، إن صادف البدن -لا وقاية له- أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره.
قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي لهذه العلة، فمن التعوذات والرقى:
الحواشي
(١) والقاف"، يمرض "بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات لشدة ارتباطها بالعين" لفظ الفتح، ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، أي نسبة مجازية، "وليست هي المؤثرة، وإنما التأثير للروح والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها وخواصها، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها" صفتها "الخبيثة، والحاصل أن التأثير بإرادة الله وخلقه" وعبارة الفتح، والمعنى أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله تعالى السابق لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور، "ليس مقصورًا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به، وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح" وهذا الحادث بلا مماسة العين بشيء من أجزاء المعيون، "كالذي يحدث" في البدن "من" لشفاء من المرض ونحوه بسبب "الأدعية والرقي والالتجاء إلى الله تعالى، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن" حال كونه، "لا وقاية له" أي غير متحصن بشيء يمنع من تأثير العين، كالأدعية وخشب شجر المخيط.
قال السخاوي: بلغني أن الولي العراقي لم يكن يفارق رأسه، فتبعته "أثر فيه" الضرر بخلق الله، "وإلا لم ينفذ فيه السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء. انتهى ملخصًا من فتح الباري وغيره".
"قال ابن القيم: والغرض العلاج النبوي" الوارد في الأحاديث من الرقي بالأدعية ونحوهاстр. 4251
الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.
الحواشي
(١) "لهذه العلة" أي إصابة العين، "فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين" لحديث عائشة السابق: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، ولحديثها أيضًا: كان ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم يقرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. رواه البخاري.
"والفاتحة" لحديث الصحيحين في الذي رقى اللديغ بالفاتحة، فقال ﷺ : "وما أدراك أنها رقية"؟. وروى البيهقي في الشعب، عن جابر، رفعه: "ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن"؟ قلت: بلى، قال: "فاتحة الكتاب"، قال راويه: وأحسبه قال: "فيها شفاء من كل داء". وله ولسعيد بن منصور، عن أبي سعيد مرفوعًا: "فاتحة الكتاب شفاء من السم"، وللديلمي عن عمران بن حصين، مرفوعًا: "في كتاب الله ثمان آيات للعين، لا يقرؤها عبد في دار فتصيبهم في ذلك اليوم عين إنس أو جن فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي"، هكذا في نسخة صحيحة بخط الحافظ ابن حجر من الفردوس للديلمي، فأوهم السخاوي في قوله، فذكر منها الفاتحة وآية الكرسي، والصواب أن يسقط قوله، فذكر منها لإبهامه أنه بقي ست آيات، مع أنه بين أن السبع الفاتحة وآية الكرسي الثامنة، بقوله ﷺ : "فاتحة الكتاب سبع آيات وآية الكرسي"، يعني الثامنة، "وآية الكرسي" سميت بذلك لذكره فيها.
روى الديلمي، عن أبي إمامة: سمعت عليًّا يقول: ما أرى رجلًا أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ ، فلو تعلمون ما هي، أو ما فيها لما تركتموها، على حال أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي"؛ قال علي: فما بت ليلة منذ سمعته من رسول الله ﷺ حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من علي، ثم سلسلة الباقون إلى الديلمي، وفي خبر سيدة البقرة آية الكرسي، أما إن فيها خمس كلمات، في كل كلمة خمسون بركة.
"ومنها: التعوذات النبوية، نحو: أعوذ بكلمات الله" صفاته القائمة بذاته، وقيل: العلم؛ لأنه أعم الصفات، وقيل: القرآن، وقيل: جميع ما أنزله على أنبيائه؛ لأن الجمع المضاف إلى المعارف يعم "التامة" أي الفاضلة التي لا يدخلها نقص "من كل شيطان وهامة" "بشد الميم" ما له سم يقتل، كالحية، قاله الأزهري، وجمعها هوام مثل دابة ودواب، وقد يطلق على ما لا يقتل، كالحشرات، كقوله ﷺ لكعب بن عجرة: "أيؤذيك هوام رأسك"؟، يعني القمل علىстр. 4252
ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن.
وإذا كان يخشى ضرر عينه وغصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه. كما قال ﷺ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: "ألا برَّكت عليه".
الحواشي
(١) الاستعارة بجامع الأذى، "ومن كل عين لامة" أي مصيبة بسوء، وهي كل ما يخاف من فزع وشر، قاله المجد.
وفي النهاية: أي ذات لمم، ولذا لم يقل ملمة، واللمم طرف من الجنون يلم بالإنسان، أي يقرب منه ويعتريه؛ "ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات" بالجمع، وفي السابقة بالإفراد.
قال الحكيم الترمذي: وهما بمعنى، فالمراد بالجمع الجملة، وبالواحدة ما تفرق في الأمور والأوقات، ووصفها بالتمام إشارة إلى أنها خالصة من الريب والشبه، وتمت كلمات ربك صدقًا وعدلًا، "التي لا يجاوزهن" لا يتعداهن "بر" "بفتح الياء" تقي محسن، "ولا فاجر" مائل عن الحق، أي لا ينتهي علم أحد إلى ما يزيد عليها "من شر ما خلق وبرأ وذرأ" قيل: هما بمعنى خلق.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْض﴾ [الملك: ٢٤] .
وقال: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم﴾ [البقرة: ٥٤] ، فذكر الثلاثة لإفادة اتحاد معناها، وقيل: البرء والذرء يكون طبقة بعد طبقة وجيلًا بعد جيل، والخلق لا يلزم فيه ذلك، "ومن شر ما ينزل من السماء" من العقوبات، كالصواعق، "ومن شر ما يعرج فيها" مما يوجب العقوبة، وهو الأعمال السيئة، "ومن شر ما ذرأ" خلق "في الأرض" على ظهرها، "ومن شر ما يخرج منها" مما خلقه في بطنها، "ومن شر فتن الليل والنهار" الواقعة فيهما وهو من الإضافة إلى الظرف "ومن شر طوارق الليل والنهار" جمع طارق، وهو الحادث الآتي بالليل، وإطلاقه على الآتي نهارًا على سبيل الاتساع "إلا طارقًا" نصب؛ لأنه استثناء متصل من كلام موجب، فهو منصوب.
وفي نسخة: بالجر بدلًا من طوارق؛ لأنه نفي معنى، أي فلا يصيبني شيء من طوارق الليل إلا طارق "يطرق" "بضم الراء" أي ياتي "بخير يا رحمن" وفي ختمه بذلك مزيد الاستعطاف.
"وإذا كان يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين، فليدفع شرها بقوله: اللهم بارك عليه" لأنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة، "كما قال ﷺ لعامر بن ربيعة" بن كعب بنстр. 4253
ومما يدفع إصابة العين: قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
ومنها رقية جبريل النبي ﷺ كما رواه مسلم: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد. الله يشفيك: بسم الله أرقيك.
وعنده أيضًا من حديث عائشة: كان جبريل يرقي النبي ﷺ إذا اشتكى: بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، ومن شر كل
الحواشي
(١) مالك العنزي "بنون ساكنة وزاي منقوطة" حليف الخطاب، أسلم قديمًا، وهاجر وشهد بدرًا، ومات ليالي قتل عثمان، "لما عان سهل" "بسكون الهاء" "ابن حنيف" "بضم المهملة وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء" ابن واهب الأنصاري، الأوسي، البدري، مات في خلافة علي. "الأ" "بالفتح والتشديد"، بمعنى هلا، وبها جاء في بعض طرقه: "بركت عليه" أي قلت بارك الله فيك، فإن ذلك يبطل ما يخاف من العين ويذهب تأثيره، قاله الباجي.
"ومما يدفع إصابة العين قول ما شاء الله لا قوة إلا بالله" كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] ، وقال ﷺ : "من رأى شيئًا فأعجبه، فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره"، رواه البزار وابن السني عن أنس، ففيهما استحباب هذا الذكر عند رؤية ما يعجب. واستدل مالك بالآية على استحبابه لكل من دخل منزله، كما قاله ابن العربي، وأخرج ابن أبي حاتم، عن مظرف قال: كان مالك إذا دخل بيته قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، قلت له: لم تقول هذا؟، قال: ألا تسمع الله تعالى يقول: وتلا الآية.
وأخرج عن الزهري مثله، "ومنها: رقية جبريل النبي ﷺ ، كما رواه مسلم" في الطب عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد اشتكيت، قال: "نعم"، قال: "بسم الله أرقيك" "بفتح الهمزة" من رقى يرقي، كرمى يرمي "من كل شيء يؤذيك، من شر كل ذي نفس أو عين حاسد".
قال عياض: يحتمل أن يريد بالنفس نفس الحيوان، ويحتمل أن يريد بها العين؛ لأن النفس تطلق على العين، يقال: أصابته نفس، أي عين، والنافس العائن، وتطلق النفس والعين على أشياء أخر ليست مراده هنا "الله يشفيك" "بفتح أوله" يعافيك، "بسم الله أرقيك" ختمه بما بدأه به، ليكون أنجع، فإن في تكرار الرقية نفعًا مشاهدًا، "وعنده" أي مسلم "أيضًا" في الطب "من حديث عائشة: "كان جبريل يرقي النبي ﷺ إذا اشتكى" أي مرض، والشكاية المرض، وليس المراد أنه أخبر بما يجد من الألم والاستقراء، يدل أن تداويه أو أكثره، إنما هو بالرقي لا بأدوية؛ لأن الأدوية إنما تستعمل في الأمراض التي من قبل فساد المزاج، ومزاجه ﷺ خير الأمزجة، قاله أبو عبد الله الأبي: "بسم الله" لفظ مسلم، قال: بسم الله "يبريك".стр. 4254
ذي عين.
وأخرى مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا".
وظاهر الأمر الوجوب، وحكى المازري فيه خلافًا وصحح الوجوب، وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى.
الحواشي
(١) قال القرطبي: الاسم هنا المسمى، فكأنه قال: الله يبريك، كما قال: سبح اسم ربك الأعلى، أي سبح ربك، والاسم في الأصل عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها إلا أنه يتوسع، فيوضع الاسم موضع المسمى مسامحة، فتدبر هذا، فإنه موضع كثر فيه الغلط وتاه فيه كثير من الجهال، "ومن كل داء يشفيك ومن شر حاسد إذا حسد" خصه بعد التعميم لخفاء شره، "ومن شر كل ذي عين" عطف خاص على عام؛ لأن كل عائن حاسد، ولا عكس، فلما كان الحاسد أعم، كان تقديم الاستعاذة منه أهم، قال عياض: فيه دليل على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا ما في جسمه، بمرض أو في ماله، وذلك بإذن الله سبحانه.
وقال ابن القيم: أعاذه من الحاسد؛ لأن روحه مؤذية للمحسود، مؤثرة فيه أثرًا بينًا، لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين.
"وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين" أعاده لأنه ترك سابقًا بقينه، وهي: "وإذا استغسلتم" أي إذا طلب منكم أيها المتهمون بأنكم عنتم غسل الأعضاء الآتي بيانها، "فاغسلوا" ندبًا أو وجوبًا، وهو الأصح كما يأتي، ولأحمد والطبراني، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: العين حق تستنزل الحالق "بحاء مهملة" الجبل العالي.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: "العين حق"، وزاد أحمد برجال الصحيح من حديثه، ويحضرها الشيطان وحسد اب آدم، وحديث: "العين حق تدخل الرجل القبر والجمل القدر"، رواه أبو نعيم وابن عدي من حديث أبي ذر، وفي إسنادهما مقال، "وظاهر الأمر" في قوله: فاغسلوا "الوجوب" لأنه الأصل فيه.
"وحكى المازري: فيه خلافًا" بالوجوب والندب "وصحح الوجوب" وتبعه القرطبي، فقال: هو خطاب للعائن إذا فهم أنه أصاب بالعين، فيجب عليه الغسل، ويبعد "وقال" المازري: ويبعد الخلاف فيه "متى خشي الهلاك، وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به، فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجب بذل الطعام للمضطر، وهذا أولى" قال: وبهذا التقرير يرتفعстр. 4255
ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي: أن أباه حدثه أن النبي ﷺ خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف وكان أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة قال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل -أي صرع- وسقط إلى الأرض. فأتى
الحواشي
(١) الخلاف.
وقال ابن عبد البر: الأمر للوجوب؛ لأن الأمر حقيقته الوجوب، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينفعه ولا يضره، لا سيما إذا كان بسببه، وكان هو الجاني عليه، فواجب على العائن الغسل، "ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال".
"قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع" وفي نسخة: وقعت: أي صفة الاغتسال "في حديث سهل بن حنيف" "بضم ففتح" "عند أحمد والنسائي" سقط من قلم المصنف قول الحافظ، وصححه ابن حبان من طريق الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وبه يصح قوله "إن أباه" أي أبا أبي أمامة وهو سهل بن حنيف، أما على السقط ففاسد، إذ تصير الصحبة لحنيف، ولا صحبة له، إنما هي لابنه سهل، "حدثه: أن النبي ﷺ خرج، وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كان بشعب الخرار" "بفتح الخاء المعجمة والراء الأولى الشديدة" موضع قرب الجحفة، قاله ابن الأثير وغيره، وقال ابن عبد البر: موضع بالمدينة، وقيل: من أوديتها. انتهى.
لكن يؤيد الأول قوله "من الجحفة: اغتسل سهل بن حنيف" وفي رواية مالك عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه، فنزع، أي سهل جبة كانت عليه، "وكان أبيض حسن" أي مليح "الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة، فقال: ما رأيت كاليوم" أي ما رأيت في يوم جلدًا في البياض والحسن كهذا الجلد، "ولا جلد مخبأة" "بضم الميم وخاء معجمة وموحدة وهمز" وهي المخدرة المكنونة التي لا تراها العيون ولا تبرز للشمس فتغيرها، يعني: أن جلد سهل كجلد المخبأة إعجابًا بحسنه.
وفي رواية الك المذكورة: ولا جلد عذارء بدل مخبأة، فكأنه جمع بينهما، فاقتصر كل راو على ما سمعه، أو أحدهما بالمعنى، لكن لا شك أن مخبأة أخص، "فلبط سهل" "بضم اللام وكسر الموحدة وطاء مهملة"، "أي صرع وسقط إلى الأرض" وزنًا ومعنى.
وقال ابن وهب: لبط: وعك، وكأنه فسره برواية مالك بلفظ: فوعك سهل مكانه، واشتد وعكه، جمعًا بين الروايتين لاتحاد القصة والمخرج، ولا يتعين لجواز أن سقوطه من شدة وعكه، وهذا أولى إبقاء للفظين على حقيقتهما.стр. 4256
رسول الله ﷺ فقال: "هل تتهمون من أحد"؟ قالوا: عامر بن ربيعة، فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت". ثم قال: "اغتسل له"، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره، ثم كفأ القدح ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.
الحواشي
(١) زاد في رواية: حتى ما يعقل لشدة الوجع، "فأتى رسول الله ﷺ " زاد مالك عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف؟ والله ما يرفع رأسه "فقال: "هل تتهمون من أحد"؟ عانه، "قالوا:" نتهم "عامر بن ربيعة" وكأنهم لما قالوا ذلك ذهب ﷺ إلى سهل لتثبت الخبر منه.
ففي رواية مالك، عن محمد بن أبي أمامة، عن أبيه: فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبر أن سهلًا وعك، وأنه غير رائح معك، فأتاه ﷺ ، فأخبره سهل بالذي كان من أن عامر بن ربيعة، "فدعا عامرًا، فتغيظ عليه، فقال: "علام" أي لم، وفيه معنى الإنكار "يقتل أحدكم أخاه" في الإسلام، أي يكون سببًا في قتله بالعين، زاد في رواية: وهو غني عن قتله، "هلا إذا رأيت ما يعجبك برت" به، كما هو الرواية، قال أبو عمر: أي قلت: تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، فيجب على كل من أعجبه شيء أن يبارك فإذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة.
وقال الباجي: أي قلت: بارك الله فيك، وللنسائي وابن ماجه عن أبي إمامة، وابن السني عن عامر بن ربيعة، كلاهما مرفوعًا: "إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه، فليدع له بالبركة".
وروى ابن السني، عن سعيد بن حكيم قال: كان ﷺ إذا خاف أن يصيب شيئًا بعينه، قال: "اللهم بارك فيه ولا تضره"، "ثم قال: "اغتسل له" ولمالك عن محمد: توضأ له، وظاهر أنه ليس المراد الوضوء ولا الغسل الشرعيين، بل الصفة التي بينها، بقوله: "فغسل" عامر "وجهه ويديه" وفي رواية بدل هذا، وظاهر كفيه "ومرفقيه" زاد في رواية: وغسل صدره "وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح" زاد في رواية، قال: وحسبته قال: وأمر فحسًا منه حسوات، "ثم صب ذلك الماء عليه رجل من خلفه على رأسه وظهره" وظاهره، أو صريحه أن الصاب غير العائن.
ووقع عند ابن ماجه عن أبي أمامة: ثم دعا ﷺ بماء، فأمر عامرًا أن يتوضأ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه "ثم كفأ" "بالهمز"، أي قلب "القدح، ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس" لزوال علته.
قال المازري: المراد بداخلة إزاره الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن: "بفتح الحاءстр. 4257
قال المازري: وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج. انتهى.
وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار. وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد، وقيل: أراد وركه لأنه معقد الإزار.
ورأيت مما عزي لخط شيخنا الحافظ أبي الخير السخاوي: قال ابن بكير راويه عن مالك، إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد.
وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء فيدخل كفه فيه فيتمضمض ثم يمجه في القدح ثم يغسل وجهه فيه، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على يده اليمنى، ثم يدخل يده
الحواشي
(١) المهملة وسكون القاف موضع الإزار، وقيل: الحاضرة فقط، وهذا التفسير نقله ابن عبد البر عن ابن حبيب، وقال نحوه ابن وهب عن مالك.
"قال المازري": "وظن بعضهم أنه كناية عن الفرج" والجمهور على الأول. "انتهى" كلام المازري.
"وزاد القاضي عياض: أن المراد ما يلي جسده من الإزار" بيان لما، فداخلة الإزار على قوله هي القطعة من الإزار التي تلاقي البدن، "وقيل: أراد موضع الإزار من الجسد" أي أنه يغسل من بدنه ما ستره الإزار، فما قبله فسرها بما يلاقي البدن من الثوب، وهذا بما يلاقيه الثوب من البدن.
"وقيل: أراد وركه" بفتح الواو وكسرها وسكون الراء، وبفتحها وكسر الراء ما فوق الفخذ مؤنثة، كما في القاموس، فقوله: "لأنه معقد الإزار" وجهه أنه لما كان قريبًا من محل عقده سماه معقدًا، "ورأيت ما عزى لخط شيخنا الحافظ أبي الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي".
"قال ابن بكير" هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي، مولاهم المصري، وقد ينسب إلى جده ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين وله سبع وسبعون سنة "راويه" أي الحديث "عن مالك" وهو من جملة رواة الموطأ؛ "إنه كناية عن الثوب الذي يلي الجلد".
"وقال ابن الأثير في النهاية: كان من عادتهم أن الإنسان إذا أصابته العين من أحد جاء إلى العائن بقدح فيه ماء، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض" بغرفة منه "ثم يمجه في القدح، ثم" يأخذ منه ماء "يغسل وجهه فيه" أي القدح مرة واحدة، "ثم يدخل يده اليسرى" فيстр. 4258
اليمنى فيصب على يده اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على قدمه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى المستعمل على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة فيبرأ بإذن الله تعالى، انتهى.
قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه.
الحواشي
(١) القدح، "فيصب على يده اليمنى" صبة واحدة، "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على يده اليسرى" واحدة "ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفقه الأيمن" واحدة، "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر" صبة واحدة، "ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه اليمنى" واحدة "ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى" صبة واحدة "ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ثم يدخل يده اليمنى فيصب على ركبته اليسرى" صبة واحدة فيهما، "ثم يغسل داخل إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض" حتى يفرغ، "ثم يصب ذلك الماء المستعمل" فاعل يصب "على رأس المصاب بالعين من خلفه صبة واحدة، فيبرأ بإذن الله تعالى. انتهى" كلام النهاية.
وأصله من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري، وقال: إنه من العلم. رواه ابن أبي شيبة.
قال ابن عبد البر: وهو أحسن ما فسر به؛ لأن الزهري راوي الحديث، زاد عياض: أن الزهري أخبر أنه أدرك العلماء يصفونه، واستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، قال: وجاء من رواية عقيل عن الزهري مثله، إلا أن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، وفيه في غسل القدمين، أنه لا يغسل جميعهما، وإنما قال: ثم يفعل مثل ذلك من طرف قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه، واليسرى كذلك. انتهى.
وهو أقرب لقول الحديث: وأطراف رجليه، وهذه الصفة تنفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام، فقد أرشد ﷺ إلى ما يدفعه، بقوله: ألا بركت عليه، وفي رواية فليدع بالبركة كما مر.
"قال المازري: وهذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه" قال: وليس في قوة العقل الاطلاع على أسرار جميع المعلومات.стр. 4259
وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة، أو متفلسف؛ فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله: الخواص.
قال ابن القيم: ومن علاج ذلك والاحتراز عنه، ستر محاسن من يخاف عليه العين، بما يردها عنه، كما ذكره البغوي في كتاب شرح السنة: أن عثمان بن عفان رأى صبيًّا مليحًا، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال في تفسيره، ومعنى دسموا نونته: أي سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصغير.
الحواشي
(١) "وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا: الله ورسوله أعلم" يعني أنه من التعبد كغيره من الأحكام التعبدية، "وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة" فوجب قبوله وإن لم يعقل معناه، "أو متفلسف، فالرد عليه أظهر؛ لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل" عنده "بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص" أي أنه تفعل بخاصية فيها، فليكن ذلك على قوله مثله، وهذا مجاراة للخصم وإن لم يقل به.
وقال ابن القيم: هذه الصفة لا ينتفع بها من أنكرها، ولا من سخر بها، ولا من شك فيها، أو فعلها مجربًا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها، بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصة، فما الذي ينكر جهلتهم من الخواص الشرعية، هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية، بوضع اليد على بدن الغضبان، فيسكن، فكان أثر تلك العين كشعلة من نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة، ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرق من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصًا، وفيه أيضًا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذًا، فتطفأ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء. انتهى.
"قال ابن القيم: ومن علاج ذلك" أي دفع العين قبل حصولها "والاحتراز عنه ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه، كما ذكره البغوي" المتأخر، محيي السنة، صاحب التفسير "في كتاب شرح السنة أن عثمان بن عفان رأى صبيًّا مليحًا" أي حسنًا، "فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين، ثم قال" البغوي "في تفسيره" أي تفسير هذا اللفظ في كتاب شرح السنة: "ومعنى دسموا نونته، أي سودوا نونته، والنونة النقرة التي تكون في ذقن الصغير" "بفتح الذال والقاف" مجتمع اللحيين من أسفلهما.стр. 4260
وذكر عن أبي عبد الله الساجي أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان في الرفقة رجل عائن فلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى. فقال: دلوني عليه، فوقف عليه فقال: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير. فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها. انتهى.
الحواشي
(١) "وذكر" وأخرجه ابن عساكر وغيره "عن أبي عبد الله" واسمه سعيد بن يزيد "الساجي" "بسين مهملة وجيم" نسبة إلى الساج الخشب، كان له آيات باهرة وكرامات ظاهرة، "أنه كان في بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة" نشطة خفيفة، "فكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين" "بالنون" أي ترصد "غيبة" أي وقت غيبة، "أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه" فدلوه على مكانه، "فوقف عليه، فقال بسم الله حبس" "بفتح فسكون"، كما سمعته من الوالد مرارًا ناقلًا له عن شيخه الأجهوري، فهو مبتدأ خبره بسم الله، أي منع "حابس" أي مانع تأثير ضرر عين العائن، "وحجر يابس" يصيب العائن، "وشهاب قابس" كوكب يحرق العائن، "رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه" ممن هو لى شكله، أو المراد أحب الأشياء إليه، فيصدق ببعض أجزائه كعينيه، "فارجع البصر هل ترى من فطور" صدوع وشقوق، "ثم ارجع البصر كرتين" كرة بعد كرة "ينقلب" يرجع "إليك البصر خاسئًا" ذليلًا لعدم إدراك خلل، "وهو حسير" منقطع عن رؤية خلل، "فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها" لفك العين عنها. "انتهى" وهذا من المجربات في إزالة أثر العين.
ومما يدفع العين أيضًا ما ذكره القاضي حسين، أحد أئمة الشافعية، قال: نظر بعض الأنبياء إلى قومه يومًا فاستكثرهم وأعجبوه، فمات منهم في ساعة سبعون ألفًا، فأوحى الله إليه أنك عنتهم، ولو أنك إذ عنتهم حصنتهم لم يهلكوا، قال: وبأي شيء أحصنهم، فأوحى الله إليه، تقول: حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا ودفعت عنكم السوء بلا حول ولا قوةстр. 4261
وفي حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضي عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين قد تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الإصابة بالعين قد تقتل.
وقد اختلف في جريان القصاص بذلك:
فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا. انتهى.
ولم تتعرض الشافعية للقصاص، بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبًا ولا يعد
الحواشي
(١) إلا بالله العلي العظيم.
قال المعلق عن القاضي: وكانت عادة القاضي حسين إذا نظر إلى أصحابه فأعجبه سمتهم وحسن حالهم حصنهم بهذا.
"وفي حديث هذا الباب: من الفوائد أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال" على الوجه المتقدم، "وإن الاغتسال من النشرة" "بضم النون" رقية يعالج بها المجنون والمريض، كما في القاموس: "النافعة" وتأتي للمصنف صفتها في الكلام على السحر، "وإن العين قد تكون مع الإعجاب، ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب ومن الرجل الصالح" إذ لا شك أن عامر بن ربيعة من الصالحين؛ إذ هو من أهل بدر، وأسلم قديمًا، "وإن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه" من قوله: ألا بركت، "وأن الإصابة بالعين قد تقتل" لقوله: علام يقتل أحدكم أخاه.
"وقد اختلف في جريان القصاص بذلك، فقال القرطبي: ولو أتلف العائن شيئًا ضمنه، ولو قتل، فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه، بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرًا" وأما عندنا، فيقتل قتل بسحره أم لا؛ لأنه كالزنديق "انتهى" كلام القرطبي بما زدته.
"ولم تتعرض الشافعية للقصاص" أي لم يقولوا به، فلا ينافي قوله: "بل منعوه" وإلا فمنعهم القصاص تعرض، "وقالوا: إنه" أي النظر الذي يصيب به "لا يقتل غالبًا، ولا يعدстр. 4262
مهلكا. وقال النووي في "الروضة": ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة، وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: ولا يعكر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه، والفرق بينهما عسر.
ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس، وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره
الحواشي
(١) مهلكًا".
"وقال النووي في الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس وبعض الأحوال مما لا انضباط له، كيف" يقتص من العائن "ولم يقع منه فعل أصلًا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة" "عطف تفسير، لحسد"، "وأيضًا: فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. انتهى".
لكن يقال عليه لما حصل زوال الحياة بالإصابة بالعين وإن لم يتعين في الأصل طلب بما يطلب به من أزال الحياة بالضرب مثلًا.
"قال الحافظ ابن حجر: ولا يعجر عليه إلا الحكم بقتل الساحر، فإنه في معناه" أي العائن، فإن السحر ليس بمنضبط ولا عام، والذي ينشأ عن حصول مكروه لا يتعين في زوال الحياة، "والفرق بينهما عسر".
قال شيخنا: ويمكن الفرق بأن الساحر يحصل منه أفعال يضاف إليها القتل عادة، كالعزائم التي يقصد بها القتل، ولذا قالوا: يثبت السحر، بقوله: قتلته بسحري، وسحري يقتل غالبًا، أو بالقسم الفلاني، وشهد عدلان كانا يعرفان السحر وتابا أن هذا القسم يقتل غالبًا انتهى وتعسفه لا يخفى.
"ونقل ابن بطال" العلامة أبو الحسن علي، "عن بعض أهل العلم أنه ينبغي للإمام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس" مخالطتهم، "وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرًا رزقه" أعطاه "ما يقوم به" وجوبًا من بيت المال وكف أذاه عن الناس، "فإن ضرره أشد من ضررстр. 4263
أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس وأشد من ضرر الثوم الذي منع أكله من حضور الجماعة. قال النووي: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف من غيره تصريح بخلافه ذكر رقيته ﷺ .
زاد المصنف هنا وفي شرحه في التي كان يرقى بها عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: قل اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا. رواه البخاري.
وقوله: "اذهب الباس": بغير همزة للمواخاة، وأصله الهمز.
الحواشي
(١) المجذوم الذي منعه عمر" بن الخطاب والعلماء بعده "من مخالطة الناس، وأشد من ضرر الثوم" بضم المثلثة "الذي منع آكله" أي منعه النبي ﷺ "من حضور الجماعة" بالمسجد لئلا يؤذي المسلمين، ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بإبعادها إلى حيث لا يتأذى بها، هذا بقية نقل ابن بطال.
"قال النووي" تبعًا لعياض، "وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه" فيعمل به، "ذكر رقيته ﷺ " هذه الترجمة للبخاري بلفظ: باب رقية النبي ﷺ .
"زاد المصنف هنا، وفي شرحه في التي كان يرقى بها" غالبًا من الرقى العامة، لا في داء بعينه، فلا يرد أن ما كان يرقى به لا يختص بهذه "عن عبد العزيز" بن صهيب البناني بموحدة ونونين، البصري، مات سنة ثلاثين ومائة، "قال: دخلت أنا وثابت" بن أسلم البناني أبو محمد البصري، مات سنة بضع وعشرين ومائة وله ست وثمانون سنة "على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة" بمهملة وزاي كنية أنس، "اشتكيت" بضم التاء، أي مرضت.
وفي رواية: إني اشتكيت، "فقال أنس: ألا" "بتخفيف اللام للعرض والتنبيه "أرقيك" بفتح الهمزة "برقية رسول الله ﷺ " من إضافة المصدر إلى فاعله، أي بالرقية التي كان يرقى بها، وحديث مسلم السابق في المصنف يدل على أن الإضافة في مثل هذه للمفعول، كما في الفتح، "قال" ثابت: "بلى" ارقني، "قال: قل اللهم رب الناس مذهب" بضم الميم وكسر الهاء "الباس" الشدة "اشف" بكسر الهمزة "أنت الشافي" فيه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن ما لم يوهم نقصًا، وكان له أصل في القرآن كهذا، ففيه: وإذا مرضت فهو يشفين، "لا شافي إلا أنت" إذ لا ينفع الدواء إلا بتقديرك، "شفاء" بالنصب على أنه مصدر اشف، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ، أي هو "لا يغادر سقمًا" بفتحتين وبضم ثم سكون "رواه البخاري" في الطب.
"وقوله: أذهب" كذا في النسخ تبعًا للفتح، مع أن المصنف قدمه بلفظ: مذهب، وضبطهстр. 4264
وفي قوله: "لا شافي إلا أنت" إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله وإلا فلا ينجع.
وقوله: "لا يغادر" -بالعين المعجمة- أي لا يترك.
وفي البخاري أيضًا عن مسروق عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس اذهب البأس، واشفه وأنت الشافعي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا". وقوله "يمسح بيده" أي على الوجع.
الحواشي
(١) في شرحه "بضم الميم" "البأس بغير همز للمواخاة" لقوله الناس، "وأصله الهمز".
زاد المصنف في شرحه، وفي الفرع "بالهمز على الأصل".
"وفي قوله: لا شافي إلا أنت إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله، وإلا فلا ينجع" جواب الشرط الأول، وجواب الثاني، وهو: وإلا محذوف، أي نجع، أي إن لم يصادف لم ينجع، وإن صادف نجع.
"وقوله: لا يغادر -بالغين المعجمة- أي لا يترك سقمًا إلا أذهبه.
"وفي البخاري أيضًا" تلو هذا الحديث، وبعده بباب "عن مسروق" بن الأجدع بن مالك الهمداني، الوادعي، الكوفي، الفقيه، العابد، المخضرم، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين "عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعوذ" "بضم الياء وكسر الواو الثقيلة وذال معجمة"، أي يطلب من الله عصمة "بعض أهله".
قال الحافظ: لم أقف على تعيينه، "يمسح بيده اليمنى" على الوجع، على طريق التفاؤل لزوال ذلك الوجع قاله الطبري، وظاهر الحديث: كان المسح بحائل أم لا، لكن الأولى بلا حائل إلا لمانع، ككون المرض بالعورة، "ويقول: "اللهم رب الناس أذهب" "بهمزة مفتوحة قبل الذال" "البأس".
قال المصنف: "بالهمز في فرع اليونينية، والمشهور حذفه ليناسب سابقه" "واشفه" "بكسر الهاء" أي العليل، أو هي هاء السكت، "وأنت الشافي بإثبات الواو في الكلمتين للحموي والمستملي، وحذفها فيهما للكشميهني، "لا شفاء" "بالمد مبنى على الفتح والخبر محذوف، أي حاصل لنا أو له "إلا شفاؤك شفاء" أي اشف "شفاء لا يغادر سقمًا" "التنوين للتقليل".
"وقوله: يمسح بيده، أي على الوجع" تفاؤلًا لزوال ذلك الوجع، "وقوله: إلا شفاؤك،стр. 4265
وقوله "إلا شفاؤك" بالرفع بدل من موضع: لا شفاء.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يرقي يقول: "امسح الباس رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت". رواه البخاري أيضًا.
وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال النبي ﷺ : "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".
الحواشي
(١) بالرفع بدل من موضع لا شفاء".
وقال في المصابيح: الكلام في عرابه، كالكلام في لا إله إلا الله, ولا يخفى أنه بحسب صدر الكلام نفي لكل إله سواه تعالى، وبحسب الاستثناء إثبات له وللألوهية؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، لا سيما إذا كان بدلًا، وأنه يكون هو المقصود بالنسبة، ولهذا كان البدل الذي هو المختار في كل كلام تام غير موجب بمنزلة الواجب في هذه الكلمة الشريفة، حتى لا يكاد يستعمل لا إله إلا الله بالنصب، ولا إله إلا إياه، فإن قيل: كيف يصح، مع أن البدل هو المقصود، والنسبة إلى المبدل منه سلبية فالجواب إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض بإلا، فالبدل هو المقصود المعتبر في المبدل، منه لكن بعد نقضه ونفي النفي إثبات.
"وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يرقي" "بفتح أوله وكسر القاف" وهو بمعنى قوله في الرواية قبله: كان يعوذ، حال كونه "يقول: امسح" أي أزل، وهو بمعنى الرواية قبله: أذهب "البأس" الضرر "رب الناس، بيدك الشفاء" لا بيد غيرك، "لا كاشف له" أي المرض "إلا أنت" وهو بمعنى قوله: اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، "رواه البخاري أيضًا" تلو الحديث قبله من الباب المذكور، وهذا من إفراده عن مسلم.
"وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي، الطائفي، استعمله النبي ﷺ على الطائف، ومات بالبصرة في خلافة معاوية، "أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم".
وفي الموطأ قال عثمان: وبي وجع قد كاد يهلكني، "فقال" له "النبي ﷺ : "ضع يدك" اليمنى "على الذي تألم" "بفتح اللام" "من جسدك".
وفي رواية الطبراني والحاكم: ضع يمينك على المكان الذي تشتكي، فامسح بها سبع مرات، وفي الموطأ، فقال: امسحه بيمينك سبع مرات، "وقل: بسم الله" أي هذا اللفظ "ثلاثًا" من المرات، "وقل سبع مرات: أعوذ" أعتصم "بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" منстр. 4266
وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة.
الحواشي
(١) وجعي هذا، كما زاده في حديث أنس عند الترمذي، وحسنه، والحاكم، وصححه عن محمد بن سالم، قال: قال لي ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت، فضع يدك حيث تشتكي، ثم قال: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترًا، قال: فإن أنس بن مالك حدثني: أن رسول الله ﷺ حدثني بذلك.
وفي رواية الطبراني والحاكم عن عثمان أنه يقول ذلك في كل مسحة من السبع. ومعنى أحاذر: أخاف، زاد في رواية الموطأ: قال عثمان: فقلت ذلك، فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر بها أهلي وغيرهم، وهذا من الأدوية الإلهية والطب النبوي، لما فيه من ذكر الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزته وقدرته.
قال بعضهم: ويظهر أنه إذا كان المريض نحو طفل، أن يقول من يعوذه من شر ما يجد ويحاذر، وأن يقول: أعيذك، قال شيخنا: ويحتمل أن يقول هذا اللفظ مطلقًا، تبركًا بالمروي، ويلاحظ أن المعنى ما أجده بهذا المريض وأخافه عليه، لكن يؤيد الأول حديث البخاري عن ابن عباس: كان ﷺ يعوِّذ الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق"، "وإنما كرره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء" الطبيعي "لإخراج المادة" أي لاستقصاء إخراجها، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها، وقد حض ﷺ على السبع في غير ما موضع، بشرط قوة اليقين وصدق النية.стр. 4267
[ذكر طبه ﷺ من الفزع والأرق المانع من النوم:]
عن بريدة قال: شكا خالد إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما أنام الليل.
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من الفزع والأرق المانع من النوم:
الفزع: الخوف والأرق، "بفتحتين" السهر بالليل، ولم يذكر تحت الترجمة شيئًا للفزع، فلعله أراد الأرق ونحوه من كل ما يحذر، ومنه الفزع، وربما يشعر به قول الحديث: من شر خلقك كلهم، ويحتمل؛ أنه بيض لذكر حديث للفزع فنسي، وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: بلغني أن خالد بن الوليد قال لرسول الله ﷺ : إني أروع في منامي، فقال له ﷺ : "قل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون"، "عن بريدة" ابن الحصيب "بالتصغير فيهما وحاء وصاد مهملتين" الأسملي، الصحابي المشهور، "قال: شكا خالد" بن الوليد المخزومي سيف الله "إلىстр. 4268
من الأرق، فقال ﷺ : "إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين السبع وما أقلت ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا أن يفرط علي أحد منهم أو يبغي علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك". رواه الترمذي.
الحواشي
(١) النبي ﷺ ، يا رسول الله ما أنام الليل من الأرق" السهر، ثم يحتمل أنه أراد الليل كله أو معظمه، كخبر: لا يضع العصا عن عاتقه، "فقال ﷺ : "إذا أويت" "بقصر الهمزة" على الأفصح، قال شيخ الإسلام وغيره: إن كان أوى لازمًا كما هنا، فالقصر أفصح وإن كان متعديًا، كالحمد لله الذي آوانا، فالمد أفصح، عكس ما وقع لبعضهم "إلى فراشك" أي انضممت إليه ودخلت فيه لتنام، "فقل" استحبابًا: "اللهم رب السماوات السبع وما أظلت" أي سترت، "ورب الأرضين السبع"، كما في الترمذي، فسقط من المصنف: "وما أقلت" أي حملت، "ورب الشياطين وما أضلت" أغوت، وعبر بما إرادة للعموم، نحو: لله ما في السماوات وما في الأرض، "كن لي جارا" أي مجيرًا، مؤمنًا لي مما أخاف "من شر خلقك كلهم جميعًا" جمع بين التأكيدين زيادة في التأكيد، "أن يفرط" "بضم الراء، أي يتعدى" "علي أحد منهم" بكلام أو غيره، يؤذيني "أو يبغي علي" أي يظلمني ويعتدي "عز" غلب "جارك" من أجرته، "وجل" عظم "ثناؤك" "بالمد" مدحك، فلا يمكن إحصاره، "ولا إله غيرك" يرجى لكشف الضر وإجابة الدعاء، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، "رواه الترمذي" في سننه.стр. 4269
[ذكر طبه ﵊ من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى] :
في المسند مرفوعًا: "ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: "إنا لله وإنا إليه
الحواشي
(١) ذكر طبه ﵊ من حر المصيبة ببرد الرجوع إلى الله تعالى:
"في المسند" يطلق، كما في الألفية على المرفوع وعلى المتصل، وهو المراد بقوله: "مرفوعًا" ولا ينبغي أن يريد مسند أحمد لئلا يعاب بقصر العزو له، مع أن هذا الحديث أخرجه أحمد ومسلم ومالك وأصحاب السنن، عن أم سلمة، سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ما من أحد" وفي رواية: ما من مسلم، وأخرى: ما من عبد.
قال الطيبي: نكرة وقعت في سياق النفي، وضم إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول "تصيبه مصيبة" أي مصيبة كانت، لقوله ﷺ : "كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة"، رواه ابن السني.стр. 4270
راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرًا منها".
قال في الهدى النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عالجته وأجلته فإنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته.
أحدهما: أن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
الحواشي
(١) قال الباجي: لفظ مصيبة موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله خير أو شر، لكن خص في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره، "فيقول" زاد في رواية، كما أمره الله، أي بالثناء والتبشير لقائله المقتضى ندبه، والمندوب مأمور به على المختار في الأصول، "إنا لله" ملكًا وعبيدًا يفعل بنا ما يشاء "وإنا إليه راجعون" في الآخرة فيجازينا، "اللهم أجرني" "بقصر الهمزة وضم الجيم وسكون الراء".
قال عياض: يقال أجر "بالقصر والمد"، والأكثر أنه مقصور لا يمد، أي أعطني أجري وجزاء صبري وهمي "في مصيبتي، واخلف" "بقطع الهمزة وكسر اللام" "لي خيرًا منها إلا أجره الله" أثابه وأعطاه الأجر "في مصيبته، واخلف له خيرًا منها" فينبغي لكل من أصيب بمصيبة أن يفزع إلى ذلك تأسيًا بكتاب الله وسنة رسوله.
قال ابن جريج: ما يمنعه أن يستوجب على الله ثلاث خصال، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، صلوات الله ورحمته والهدى، قاله أبو عمر بن عبد البر.
وبقية الحديث قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها: فأخلف الله لي خيرًا منه، رسول الله ﷺ .
"قال" ابن القيم "في الهدي النبوي: وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له في عاجلته" الدنيا، "وآجلته" الآخرة، "فإنها تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق" أي اتصف "العبد بمعرفتهما، تسلي عن مصيبته" وصبر "أحدهما" أي الأصلين؛ "إن العبد وأهله وماله ملك لله تعالى حقيقة، وقد جعله عند العبد عارية، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير" وقد ضربت المثل بالعارية أم سليم لزوجها أبي طلحة لما مات ابنه منها أبو عمير وتحته في جانب البيت، وكان أبو طلحة خارجًا عنه، فلما جاء قال: كيف الغلام؟، قالت: هدأت نفسه، وأرجو أنه استراح، وقربت له العشاء، فتعشى، ثم تطيبت وتعرضت له حتى واقعها، فلما أراد أن يخرج، قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا قد أعاروا أهل البيت عارية، فطلبواстр. 4271
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات وبالسيئات، فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير في إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور، إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا.
الحواشي
(١) عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، واسترجع، ثم صلى مع النبي ﷺ ، ثم أخبره بما كان منهما، فقال: "لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما".
وفي رواية اللهم بارك لهما، فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة، قال بعض الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد، كلهم قد قرءوا القرآن، كما مر ذلك مبسوطًا في الصحيحين وغيرهما.
"والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا" كما قال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ، "كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن" يأتي "بالحسنات" إن كان محسنًا، "وبالسيئات" إن كان مسيئًا، "فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى" أي يحزن "على مفقود، ففكره في مبدئه، ومعاده" عوده يوم القيامة، "من أعظم علاج هذا الداء، قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي" الاقتداء "بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم" تشبيه بليغ بحذف الأداة، "أو ظل زائل" عن قريب، "إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا" زمنًا طويلًا، "وإن متعت قليلًا" بشيء من زهرتها "منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة" "بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة" أي نعمة وسعة "إلا ملأتها عبرة" "بفتح المهملة" الدمع قبل أن يفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء: جمعها عبرات، كما في القاموس، "ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور".
"قال ابن مسعود" عبد الله الصحابي: "لكل فرحة ترحة" "بفتح الفوقية وسكون الراء"، هم: "وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا" "بفتحتين"، أي هما.стр. 4272
[ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب﴾ :
والكرب عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرضين ورب العرش الكريم"، رواه الشيخان.
وقوله: "عند الكرب" أي عند حلول الكرب.
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه:
إضافة بيانية، أي بدواء هو التوجه "إلى الرب" الهم الفكر فيما يتوقع حصوله من أذى حزن، كما في السبل، وفي القاموس: الهم: الحزن، جمعه هموم، "والكرب" الحزن بالنفس، كالكربة بالضم، والإضافة بيانية فيهما، أي من داء هو الهم والكرب، أو المراد بالداء الأثر الحاصل من الهم، من نحو سهر ومرض وصفرة ونحول، فالإضافة حقيقية.
"عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب" "بفتح الكاف وسكون الراء فموحدة" وهو ما يدهم الإنسان، فيأخذ بنفسه، فيغمه ويحزنه: "لا إله إلا الله العظيم" المطلق، البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، ولا شيء يعظم عليه، "الحليم" الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، فيؤخره مع القدرة عليه، "لا إله إلا الله رب العرش العظيم" "بالجر" "لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرضين، ورب العرش الكريم" "بجره"، كالعظيم قبله نعت للعرش في رواية الجمهور.
ونقل ابن التين عن الداودي؛ أنه رواه برفع العظيم والكريم نعتان للرب، أو نعتان للعرش، على أنه خبر مبتدأ محذوف، قطع عما قبله للمدح، ورجح بحصول توافق القرائن، ورجح بعضهم الأول، بأن وصف الرب بالعظيم والكريم أولى من وصف العرش بهما، وتعقب بأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى من تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس؛ بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سلميان، ووصف العرش بالكرم؛ لأنه الرحمة تنزل منه، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه يقتضي التربية، "رواه الشيخان" في الدعوات بهذا اللفظ من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، "وقوله عند الكرب، أي عند حلول الكرب" أي نزوله وقيامه به، "وعند مسلم" منстр. 4273
وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب.
وعنده أيضًا: كان إذا حزبه أمر -وهو بفتح المهملة والزاي- أي هجم عليه أو غلبه.
قال الطبري: معنى قول ابن عباس "يدعو", وإنما هو تهليل وتعظيم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد "كان إذا حزبه أمر قال ... " فذكر الذكر المأثور، وزاد، ثم دعا. قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة وقد سئل عن الحديث الذي فيه "أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث. فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه
الحواشي
(١) طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ "كان يدعو بهن" أي بالكلمات المذكورة بعطف التفسير، بقوله: "ويقولهن عند الكرب" فذكره بمثل حديث هشام، غير أنه قال رب السماوات والأرض، قاله مسلم، أي أنه أسقط رب قبل الأرض، وهذا على عادة مسلم في تحري الألفاظ، "وعنده أيضًا" من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ "كان إذا حزبه أمر" فذكر مثله، "وهو بفتح المهملة والزاي" المنقوطة وموحدة، "أي هجم عليه أو غلبه" وهما متقاربان.
"قال الطبري: معنى قول ابن عباس: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين".
"أحدهما أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء" ولا يبعده قوله يدعو بهن؛ لأن المراد يدعو ملتبسًا أو متوسلًا بهن، "كما عند" "بالنون" "عبد" بلا إضافة "ابن حميد" أحد الحفاظ، أي كما رواه في مسنده، بلفظ: "كان إذا حزبه أمر ال فذكر الذكر المأثور" أي: لا إله إلا الله إلى آخره، "وزاد: ثم دعا" وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه، بلفظ: ثم يدعو، ورواه الطبراني في الكبير، وزاد في آخره: اصرف عني شر فلان، أي يعينه باسمه، فإن له أثرًا بينًا في دفع شره.
"قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش" سليمان بن مهران، "عن إبراهيم" النخعي، "قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء" أي قدمه عليه، فالظرف بيان للمقدم عليه، "استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء" في الاستجابة وعدمها.
"ثانيهما: ما أجاب به" سفيان "ابن عيينة، وقد سئل عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث" وقد رواهстр. 4274
دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه : "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناء
الحواشي
(١) ابن أبي شيبة عن علي، مرفوعًا: "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، "فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي ﷺ " فيما يرويه "عن ربه " بواسطة الملك أو بدون واسطة، وجهان في جميع الأحاديث الإلهية: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" تصريح الدعاء.
"وقال أمية بن أبي الصلت" عبد الله بن ربيعة الثقفي: كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث، وينشد في ثنائه الشعر المليح، ويطمع في النبوة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حصار الطائف سنة ثمان كافرًا.
وفي مسلم عن الشريد بن سويد: أنه أنشد النبي ﷺ من شعر أمية مئة بيت، وفي ابن عساكر وغيره مرفوعًا: "آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه" "في مدح عبد الله بن جدعان" "بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين، فألف، فنون" ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، يكنى أبا زهير، وهو أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وابن عم عائشة، ولذا قالت للنبي ﷺ : إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف، فهل ينفعه ذلك؟، فقال: "لا. إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
رواه مسلم: "أأذكر حاجتي أم قد كفاني" يحتمل أن الاستفهام تقريري والظاهر أنه استفهام إنكاري أي لا أذكرها بل قد كفاني "حياؤك" بفتح المهملة والتحتية والمد، عن ذكر حاجتي، "إن شيمتك" "بمعجمة" طبيعتك التي خلقت عليها "الحياء" المقتضى مزيد الكرم، المغني عن ذكر الحاجة، ويحتمل أنه "بكسر الحاء وموحدة فيهما" أي عطاؤك بلا عوض "إذا أثنى عليك" أي مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان لا حقيقة اليوم، "كفاه من تعرضك" "مصدر مضاف لمفعوله"، أي كفاه من سؤاله لك، أو من طلب معروفك "الثناء" أي ثناؤه عليك، وأنشده غير المصنف من تعرضه الثناء، وهو ظاهر، والمعنى على الضبط الأول: إن الثناء عليك يحملك على البحث عن حاجة المثنى والتقيد بأمره، فيكفيه ذلك عن ذكرها. وعلى الثاني: إن عطاءك بمعنى إعطائك، يغني ذا الحاجة عن السؤال، ويجعل مجرد الثناء كافيًا، بل لا يحتاج إليه، فإن مجرد علمك بالحاجة كاف في بذل معروفك، فليس القصد بالثناء إلا مجردстр. 4275
فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق.
ثم إن حديث ابن عباس هذا -كما قال ابن القيم- قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء، ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل
الحواشي
(١) الحضور عندك، وبعد البيتين:
كريم لا بغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء
"فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق" وأيد الاحتمال الثاني بحديث سعد بن أبي وقاص، رفعه: دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له.
أخرجه الترمذي والنسائي، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: كانت ليونس، خاصة أم للمؤمنين عامة، فقال ﷺ : "ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين﴾ " [الأنبياء: ٨٨] ، "ثم إن حديث ابن عباس هذا كما قاله ابن القيم" ف زاد المعاد في هدى خير العباد، "قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية" بكلمة الإخلاص، وكونه رب كل شيء، وذلك أصل التنزيهات الجلالية، "ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم" بقوله: العظيم الحليم، "وهاتان الصفتان" أي التوحيد والوصف "مستلزمتان لكمال القدرة" من لفظ العظيم؛ لأن العظمة دالة على كمال القدرة "والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء" بقوله: الحليم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية، "ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي".
كذا في بعض النسخ، وفي أكثرها سقوطه والكرسي، وهو الذي في الهدي "الذي هو" أي العرش "سقف المخلوقات" لارتفاعه عن جميعها، فهو مظل على جميل العالم، كالسقف، "وأعظمها" جرمًا، "والربوبية التامة تستلزم توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له،следующие страницы →