Полный текст (5 943 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات وبالسيئات، فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود، ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير في إلا مبتلى إما بفوات محبوب أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم، أو ظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا، وإن متعت قليلًا منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة إلا ملأتها عبرة، ولا سرته بيوم سرور، إلا خبأت له يوم شرور. قال ابن مسعود: لكل فرحة ترحة، وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا.
الحواشي
(١) عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟، قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، واسترجع، ثم صلى مع النبي ﷺ ، ثم أخبره بما كان منهما، فقال: "لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما".
وفي رواية اللهم بارك لهما، فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة، قال بعض الأنصار: فرأيت له تسعة أولاد، كلهم قد قرءوا القرآن، كما مر ذلك مبسوطًا في الصحيحين وغيرهما.
"والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره ويجيء ربه فردًا" كما قال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ، "كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن" يأتي "بالحسنات" إن كان محسنًا، "وبالسيئات" إن كان مسيئًا، "فإذا كانت هذه الحالة بداية العبد ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى" أي يحزن "على مفقود، ففكره في مبدئه، ومعاده" عوده يوم القيامة، "من أعظم علاج هذا الداء، قال: ومن علاجه أن يطفئ نار مصيبته ببرد التأسي" الاقتداء "بأهل المصائب، وأنه لو فتش العالم لم ير فيه إلا مبتلى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم" تشبيه بليغ بحذف الأداة، "أو ظل زائل" عن قريب، "إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا ساءت دهرًا" زمنًا طويلًا، "وإن متعت قليلًا" بشيء من زهرتها "منعت طويلًا، وما ملأت دارًا حبرة" "بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة" أي نعمة وسعة "إلا ملأتها عبرة" "بفتح المهملة" الدمع قبل أن يفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء: جمعها عبرات، كما في القاموس، "ولا سرته بيوم سرور إلا خبأت له يوم شرور".
"قال ابن مسعود" عبد الله الصحابي: "لكل فرحة ترحة" "بفتح الفوقية وسكون الراء"، هم: "وما ملئ بيت فرحًا إلا ملئ ترحًا" "بفتحتين"، أي هما.стр. 4272
[ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه إلى الرب﴾ :
والكرب عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرضين ورب العرش الكريم"، رواه الشيخان.
وقوله: "عند الكرب" أي عند حلول الكرب.
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من داء الهم والكرب بدواء التوجه:
إضافة بيانية، أي بدواء هو التوجه "إلى الرب" الهم الفكر فيما يتوقع حصوله من أذى حزن، كما في السبل، وفي القاموس: الهم: الحزن، جمعه هموم، "والكرب" الحزن بالنفس، كالكربة بالضم، والإضافة بيانية فيهما، أي من داء هو الهم والكرب، أو المراد بالداء الأثر الحاصل من الهم، من نحو سهر ومرض وصفرة ونحول، فالإضافة حقيقية.
"عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب" "بفتح الكاف وسكون الراء فموحدة" وهو ما يدهم الإنسان، فيأخذ بنفسه، فيغمه ويحزنه: "لا إله إلا الله العظيم" المطلق، البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوره عقل، ولا يحيط بكنهه بصيرة، ولا شيء يعظم عليه، "الحليم" الذي لا يستفزه غضب، ولا يحمله غيظ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام، فيؤخره مع القدرة عليه، "لا إله إلا الله رب العرش العظيم" "بالجر" "لا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرضين، ورب العرش الكريم" "بجره"، كالعظيم قبله نعت للعرش في رواية الجمهور.
ونقل ابن التين عن الداودي؛ أنه رواه برفع العظيم والكريم نعتان للرب، أو نعتان للعرش، على أنه خبر مبتدأ محذوف، قطع عما قبله للمدح، ورجح بحصول توافق القرائن، ورجح بعضهم الأول، بأن وصف الرب بالعظيم والكريم أولى من وصف العرش بهما، وتعقب بأن وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى من تعظيم العظيم، وقد نعت الهدهد عرش بلقيس؛ بأنه عرش عظيم، ولم ينكر عليه سلميان، ووصف العرش بالكرم؛ لأنه الرحمة تنزل منه، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين.
قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب؛ لأنه يقتضي التربية، "رواه الشيخان" في الدعوات بهذا اللفظ من طريق هشام، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، "وقوله عند الكرب، أي عند حلول الكرب" أي نزوله وقيامه به، "وعند مسلم" منстр. 4273
وعند مسلم: كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب.
وعنده أيضًا: كان إذا حزبه أمر -وهو بفتح المهملة والزاي- أي هجم عليه أو غلبه.
قال الطبري: معنى قول ابن عباس "يدعو", وإنما هو تهليل وتعظيم، يحتمل أمرين: أحدهما، أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء، كما عند عبد بن حميد "كان إذا حزبه أمر قال ... " فذكر الذكر المأثور، وزاد، ثم دعا. قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء. ثانيهما: ما أجاب به ابن عيينة وقد سئل عن الحديث الذي فيه "أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" الحديث. فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه
الحواشي
(١) طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ "كان يدعو بهن" أي بالكلمات المذكورة بعطف التفسير، بقوله: "ويقولهن عند الكرب" فذكره بمثل حديث هشام، غير أنه قال رب السماوات والأرض، قاله مسلم، أي أنه أسقط رب قبل الأرض، وهذا على عادة مسلم في تحري الألفاظ، "وعنده أيضًا" من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي العالية، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ "كان إذا حزبه أمر" فذكر مثله، "وهو بفتح المهملة والزاي" المنقوطة وموحدة، "أي هجم عليه أو غلبه" وهما متقاربان.
"قال الطبري: معنى قول ابن عباس: يدعو، وإنما هو تهليل وتعظيم يحتمل أمرين".
"أحدهما أن المراد تقديم ذلك قبل الدعاء" ولا يبعده قوله يدعو بهن؛ لأن المراد يدعو ملتبسًا أو متوسلًا بهن، "كما عند" "بالنون" "عبد" بلا إضافة "ابن حميد" أحد الحفاظ، أي كما رواه في مسنده، بلفظ: "كان إذا حزبه أمر ال فذكر الذكر المأثور" أي: لا إله إلا الله إلى آخره، "وزاد: ثم دعا" وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه، بلفظ: ثم يدعو، ورواه الطبراني في الكبير، وزاد في آخره: اصرف عني شر فلان، أي يعينه باسمه، فإن له أثرًا بينًا في دفع شره.
"قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش" سليمان بن مهران، "عن إبراهيم" النخعي، "قال: كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء" أي قدمه عليه، فالظرف بيان للمقدم عليه، "استجيب له، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء" في الاستجابة وعدمها.
"ثانيهما: ما أجاب به" سفيان "ابن عيينة، وقد سئل عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث" وقد رواهстр. 4274
دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه : "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضك الثناء
الحواشي
(١) ابن أبي شيبة عن علي، مرفوعًا: "أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، "فقال سفيان: هو ذكر وليس فيه دعاء، ولكن قال النبي ﷺ " فيما يرويه "عن ربه " بواسطة الملك أو بدون واسطة، وجهان في جميع الأحاديث الإلهية: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" تصريح الدعاء.
"وقال أمية بن أبي الصلت" عبد الله بن ربيعة الثقفي: كان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث، وينشد في ثنائه الشعر المليح، ويطمع في النبوة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حصار الطائف سنة ثمان كافرًا.
وفي مسلم عن الشريد بن سويد: أنه أنشد النبي ﷺ من شعر أمية مئة بيت، وفي ابن عساكر وغيره مرفوعًا: "آمن شعر أمية بن أبي الصلت وكفر قلبه" "في مدح عبد الله بن جدعان" "بضم الجيم وإسكان الدال، ثم عين مهملتين، فألف، فنون" ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، يكنى أبا زهير، وهو أحد من حرم الخمر في الجاهلية، وابن عم عائشة، ولذا قالت للنبي ﷺ : إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف، فهل ينفعه ذلك؟، فقال: "لا. إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".
رواه مسلم: "أأذكر حاجتي أم قد كفاني" يحتمل أن الاستفهام تقريري والظاهر أنه استفهام إنكاري أي لا أذكرها بل قد كفاني "حياؤك" بفتح المهملة والتحتية والمد، عن ذكر حاجتي، "إن شيمتك" "بمعجمة" طبيعتك التي خلقت عليها "الحياء" المقتضى مزيد الكرم، المغني عن ذكر الحاجة، ويحتمل أنه "بكسر الحاء وموحدة فيهما" أي عطاؤك بلا عوض "إذا أثنى عليك" أي مدحك "المرء يومًا" قطعة من الزمان لا حقيقة اليوم، "كفاه من تعرضك" "مصدر مضاف لمفعوله"، أي كفاه من سؤاله لك، أو من طلب معروفك "الثناء" أي ثناؤه عليك، وأنشده غير المصنف من تعرضه الثناء، وهو ظاهر، والمعنى على الضبط الأول: إن الثناء عليك يحملك على البحث عن حاجة المثنى والتقيد بأمره، فيكفيه ذلك عن ذكرها. وعلى الثاني: إن عطاءك بمعنى إعطائك، يغني ذا الحاجة عن السؤال، ويجعل مجرد الثناء كافيًا، بل لا يحتاج إليه، فإن مجرد علمك بالحاجة كاف في بذل معروفك، فليس القصد بالثناء إلا مجردстр. 4275
فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق.
ثم إن حديث ابن عباس هذا -كما قال ابن القيم- قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء، ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي، الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل
الحواشي
(١) الحضور عندك، وبعد البيتين:
كريم لا بغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء
"فهذا المخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال، فكيف بالخالق" وأيد الاحتمال الثاني بحديث سعد بن أبي وقاص، رفعه: دعوة ذي النون إذ دعا، وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله تعالى له.
أخرجه الترمذي والنسائي، وفي لفظ للحاكم: فقال رجل: كانت ليونس، خاصة أم للمؤمنين عامة، فقال ﷺ : "ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين﴾ " [الأنبياء: ٨٨] ، "ثم إن حديث ابن عباس هذا كما قاله ابن القيم" ف زاد المعاد في هدى خير العباد، "قد اشتمل على توحيد الإلهية والربوبية" بكلمة الإخلاص، وكونه رب كل شيء، وذلك أصل التنزيهات الجلالية، "ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم" بقوله: العظيم الحليم، "وهاتان الصفتان" أي التوحيد والوصف "مستلزمتان لكمال القدرة" من لفظ العظيم؛ لأن العظمة دالة على كمال القدرة "والرحمة والإحسان والتجاوز عن المسيء" بقوله: الحليم الذي يدل على العلم؛ إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية، "ووصفه بكمال ربوبيته الشاملة للعالم العلوي والسفلي والعرش والكرسي".
كذا في بعض النسخ، وفي أكثرها سقوطه والكرسي، وهو الذي في الهدي "الذي هو" أي العرش "سقف المخلوقات" لارتفاعه عن جميعها، فهو مظل على جميل العالم، كالسقف، "وأعظمها" جرمًا، "والربوبية التامة تستلزم توحيده، وإنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له،стр. 4276
كمال له، وسلب كل نقص وتمثيل عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه. فعلم القلب ومعرفته بذلك توجه محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور وما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه، كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب أولى أو أحرى. ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور. وإنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه أنوارها وباشر قلبه حقائقها.
قال ابن بطال: حدثني أبو بكر الرازي قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي قد سعي به عند السلطان فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح لا يفتر، فقال لي
الحواشي
(١) وسلب كل نقص وتمثيل عنه" وذلك أصل التنزيهات الجلالية، كما قاله الطيبي؛ "وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه" إذ الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة، كما مر، "فعلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهم والغم، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسره ويفرحه ويقوي نفسه كيف تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسي، فحصول هذا الشفاء للقلب" إذا ورد عليه ما سبق عند علمه بكمال العظمة ... إلخ "أولى أو أحرى" عطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ، "ثم إذا قابلت بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها هذا الحديث وجدته في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق وخروج القلب منه إلى سعة البهجة" أي إلى السعة الحاصلة للداعي بسبب ما قام به من البهجة "والسرور، إنما يصدق هذه الأمور من أشرقت فيه" أي في ذاته "أنوارها وباشر قلبه حقائقها" لا من لم يصل إلى ذلك.
"قال ابن بطال" العلامة المحدث أبو الحسن علي شارح البخاري: "حدثني أبو بكر الرازي" "قال: كنت بأصبهان عند أبي نعيم" الحافظ أحمد بن عبد الله الأصبهاني، صاحب الحلية وغيرها، "فقال له شيخ: إن أبا بكر بن علي" لفظ ابن بطال، وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي، عليه مدار الفتيا، "قد سعى به عند السلطان، فسجن، فرأيت النبي ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفيته بالتسبيح" أي تنزيه الله تعالى "لا يفتر" عنه فهو منه كغيره من الملائكة، كالنفس منا لا يشغلنا عنه شاغل، كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارстр. 4277
النبي ﷺ قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه، قال: فأصبحت فأخبرته فدعا به، فلم يمكث إلا قليلًا حتى أخرج.
وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم: لقنني رسول الله ﷺ هذه الكلمات وأمرني إن نزل بي كرب أن شدة أن أقولها: "لا إله إلا الله الكريم العظيم، سبحان الله تبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين"، وفي لفظ: "الحليم الكريم" في الأول، وفي لفظ: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم العلي العظيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له"، وفي لفظ "لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه، ﵎ رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين". أخرجها كلها النسائي.
الحواشي
(١) لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، "فقال لي النبي ﷺ : قل لأبي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه" بخلاصه من السجن، "قال: فأصبحت، فأخبرته" بهذا المنام "فدعا به، فلم يمكث إلا قليلًا حتى أخرج" من السجن.
"وفي حديث علي عند النسائي: وصححه الحاكم" وابن حبان: "لقنني" خاطبني شفاهًا، وفهمني "رسول الله ﷺ هذه الكلمة، وأمرني إن نزل بي كرب" حزن يأخذ بنفسي، "أو شدة" من نحو مرض، "أن أقولها" وهي: "لا إله إلا الله الكريم" المعطي فضلًا، "العظيم" الذي لا شيء يعظم عليه، "سبحان الله" تنزيهًا له عما لا يليق بعلي قدره، "تبارك الله" تعالى وتكاثر خيره، "رب العرش العظيم" "بالجر فقط" هنا صفة للعرش لا بالرفع لتقدم وصف الله تعالى به، "والحمد لله رب العالمين" أي ملك جميع الخلائق من الإنس والجن والملائكة والدواب وغيرهم، وكل منها يطلق عليه عالم، يقال عالم الإنس وعالم الجن، إلى غير ذلك، وغلب في جمعه "بالياء والنون" أولو العلم على غيرهم، وهو من العلامة؛ لأنه علامة على موجده.
"وفي لفظ: "الحليم الكريم" في الأول" أي أنه أبدل العظيم بالحليم.
"وفي لفظ" أي رواية "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم" لكل معلوم، أو البالغ في العلم، فعلمه تعالى شامل لجميع المعلومات، محيط بها، سابق على وجودها، "العلي" فعيل من العلو، وهو البالغ في علو مرتبته إلى حيث لا رتبة إلا وهي منحطة عنه، "العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له" أعاده ليكون أنجع وأغلب.
"وفي لفظ: "لا إله إلا الله، الحليم الكريم، سبحانه ﵎ رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين"، أخرجها كلها النسائي" أحمد بن شعيب المصري، أبو عبد الرحمن،стр. 4278
وروى الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم كان إذا أهمه الأمر رفع طرفه إلى السماء فقال: "سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم".
وعنده أيضًا من حديث أنس: أنه ﷺ كان إذا حزبه أمر قال: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث".
قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" في رفع هذا الداء مناسبة بديعة، فإن صفة "الحياة" متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، صفة "القيومية" متضمنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم، والحياة
الحواشي
(١) أحد الحفاظ، فينبغي للمكروب، أن يأتي بجميع هذه الروايات؛ لأنها كلها فيها حث أكيد، واختلاف ألفاظها إن كان من الرواة، فيتأكد ذكر جميعها حتى يصادف لفظ النبي ﷺ ، وإن كان نطق بجميعها في أوقات، فيتعين التأسي به في ذكر جميعها.
"وروى الترمذي عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا أهمه الأمر" أقلقه وأزعجه، "رفع طرفه" بصره "إلى السماء" متسغيثًا متضرعًا، "فقال: "سبحان الله العظيم"، وإذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم" من أبنية المبالغة، والقيم معناه: القائم بأمور الخلق ومدبر العالم في جميع أحواله، والقيوم: القائم بنفسه مطلقًا لا بغيره، ويقوم به كل موجود حتى لا يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به، "وعنده أيضًا من حديث أنس أنه ﷺ كان إذا حزبه" "بحاء مهملة وزاي وموحدة مفتوحات" "أمر" أي هجم عليه، أو غلبه، أو نزل به هم، أو غم، وفي رواية: حزنه "بنون"، أي أوقعه في الحزن، يقال: أحزنني الأمر وحزنني، فأنا محزون، ولا يقال: محزن.
ذكره ابن الأثير، "قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث" مما نزل بي؛ "قال العلامة ابن القيم: وفي تأثير قوله يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث في رفع هذا الداء" الكرب الذي نزل به "مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال" لأن معنى القيوم: الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه على أحسن الأحوال وأجمعها، "ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به" الله سبحانه "أجاب: وإذا سئل به أعطى، هو اسم الحي القيوم" في أحد الأقوال، والإضافة بيانية، أي الاسم الذي هو الحي القيوم، "والحياة التامة" صفة "تضاد جميع الآلام والأسقام، ولهذا لماстр. 4279
التامة تضاد جميع الآلم والأسقام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات. فالتوسل بصفة "الحياة والقيومية" له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال. فلهذا الاسم "الحي القيوم" تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات ولهذا كان ﷺ إذا اجتهد في الدعاء قال: "يا حي يا قيوم".
وروى أبو داود عن أبي بكر الصديق، أن رسول الله ﷺ قال: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".
وفي هذا الدعاء -كما قاله في زاد المعاد- من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده، والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله ولا يكله إلى نفسه، والتوسل إليه بتوحيده، مما له تأثير في دفع
الحواشي
(١) كملت حياة أهل الجنة، لم يلحقهم هم، ولا غم، ولا حزن، ولا شيء من الآفات، فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة" أي يخالفها "ويضر بالأفعال" "بضم أوله من أضر لتعديه بالباء" فإن تعدي بنفسه، فمن ضر نحو: لن يضروكم، "فلهذا الاسم الحي القيوم تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات، ولهذا كان ﷺ إذا اجتهد في الدعاء، قال: "يا حي يا قيوم" كما في الحديث قبله.
"وروى أبو داود" في الأدب، وأحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان، وصححه "عن أبي بكر الصديق" كذا في النسخ والذي في أبي داود: ومن ذكرت معه إنما هو عن أبي بكرة، واسمه نفيع ن الحارث: "أن رسول الله ﷺ قال: "دعوات المكروب" المغموم المحزون، أي الدعوات النافعة له، المزيلة لكربه، وكأنه جمعها لاشتمالها على أفراد، كأنها محيطة بجميع دعوات المكروب، لاشتمالها على ما هو جامع لكشف كل كرب، أو المراد: أن هذا من جملتها "اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت" ختمه بهذه الكلمة الحضورية الشهودية إشارة إلى أن الدعاء إنما ينفع المكروب ويزيل كربه إذا كان مع حضور وشهود، ومن شهد فيه بالتوحيد والجلال مع جمع الهمة وحضور البال، فهو حري بزوال الكرب في الدنيا، والرحمة ورفع الدرجات في العقبى.
"وفي هذا الدعاء، كما قاله في زاد المعاد" في هدي خير العباد؛ "من تحقيق الرجاء لمن الخير كله بيده والاعتماد عليه وحده، وتفويض الأمر إليه، والتضرع إليه أن يتولى إصلاح شأنه كله، ولا يكله إلى نفسه" ولا أقل قليل، لقوله: طرفة عين، "والتوسل إليهстр. 4280
هذا الداء.
وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود مرفوعًا: "كلمات الكرب: الله ربي لا أشرك به شيئًا".
وفي مسند الإمام أحمد من حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي
الحواشي
(١) بتوحيده" شيء عظيم "مما له" "بميمين"، متعلق بما قدرنا "تأثير" نفع زائد على غيره "في دفع هذا الداء".
وفي نسخة: ما له "بميم واحدة، وهو المبين المقدم عليه بيانه" أي في هذا الدعاء شيء عظيم له تأثير من تحقيق الرجاء إلى آخره؛ "وكذا قوله في حديث أسماء بنت عميس" بمهملتين مصغر الخثعمية، صحابية لها أحاديث، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، "عند أبي داود، مرفوعًا: "كلمات الكرب" الدعوات النافعة له بشرط صدق النية وخلوص الطوية: "الله" "بالرفع مبتدأ والخبر" "ربي لا أشرك به" أي بعبادته "شيئًا" من الخلق برياء أو طلب أجر، كمن يسره أن يطلع على عمله، أو المراد: لا أشرك بسؤاله أحدًا غيره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٠] .
وقد رواه بأتم منه ابن أبي الدنيا، عن أسماء بنت عميس، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أصابه غم أو سقم أو شدة أو لأواء أو أزل، فقال: الله الله ربي، لا أشرك به، كشف ذلك عنه"، ورواه الخطيب عنها مرفوعًا: "إذا أنزل بأحدكم غم، أو هم، أو سقم، أو لأواء وأزل، فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا ثلاث مرات".
وللطبراني في الأوسط، عن عائشة مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم هم أو لأواء، فليقل: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا".
وللنسائي عن عمر بن عبد العزيز، مرسلًا، مرفوعًا: "إذا أصاب أحدكم هم، أو حزن، فليقل سبع مرات: الله الله ربي، لا أشرك به شيئًا"، وذكر الجلالة مرتين استلذاذًا بذكره واستحضارًا لعظمته وتأكيدًا للتوحيد، فإنه الاسم الجامع للصفات الجلالية والجمالية والكمالية.
"وفي مسند الإمام أحمد" وابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم، "من حديث ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدًا" أي مسلمًا، ففي رواية الثلاثة. المذكورين: ما أصاب مسلمًا قط "هم" فكر فيما يتوقع حصوله من أذى "ولا حزن" "بضم فسكون"، "فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك" "برفع ابن صفة ثانية لعبدك، فهو من تعدد الصفات، بحذف العاطف، فتكتب الألف والمراد بالعبد والأمة الجنس الصادق بجميع أصوله، وبهذا يظهر قولهстр. 4281
بيدك، ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزن وهمه، وأبدله مكانه فرحًا".
وإنما كان هذا الدعاء بهذه المنزلة لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته، وأن ناصيته بيده، يصرفها كيف يشاء، وإثبات القدر، وأن أحكام الرب تعالى نافذة في عبده، ماضية فيه، لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها، والله عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، ثم توسله
الحواشي
(١) الآتي: وعبودية آبائه وأمهاته، "ناصيتي بيدك" الناصية قصاص الشعر، جمعها النواصي، كما في المصباح.
وفي القاموس: وقصاص الشعر مثلثة، حيث ينتهي منبته من مقدمه ومؤخره، ولم يرد الناصية خاصة، فهو كخبر الخيل في نواصيها الخير "ماض" أي: نافذ "في حكمك" لا انفكاك لي عنه، ولا حيلة في دفعه، "عدل في قضاؤك" حكمك، لا جور فيه ولا ظلم، "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك" أي جنسه، فيصدق بجميع كتبه المنزلة، "أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت" اختصصت "به في علم الغيب عندك" فلم يطلع عليه أحدًا، "أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي" لأرتع في زهور معارفه "ونور صدري".
وفي رواية ابن أبي الدنيا والطبراني والحاكم: ونور بصري بدل صدري، فينبغي للداعي أن يجمع بينهما، "وجلاء" "بكسر الجيم والمد"، أي كاشف "حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحًا" أي سرورًا.
وفي رواية الثلاثة الذين ذكرتهم: "إلا أذهب الله همه وأبدله مكان حزنه فرحًا"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلم هذه الكلمات، قال: "بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن"، "وإنما كان هذا الدعاء" المذكور "بهذه المنزلة" الرتبة العلية، "لاشتماله على الاعتراف بعبودية الداعي وعبودية آبائه وأمهاته" وذلك صفة الإنسان الحقيقية، "وإن ناصيته" أي: جملته "بيده" قدرته، "يصرفها" أي يقلبها "كيف يشاء" وعبر عن ذلك بالناصية، إشارة إلى أنه بمنزلة الأسير الذي يجره آسره بشعر رأسه، ليفعل به ما يريده، "وإثبات" "بالجر عطف على عبودية الداعي" "القدر" "بفتحتين" "وإن أحكام الرب تعالى نافذة" "بالمعجمة" "في عبده، ماضية فيه" هو بمعنى ما قبله، حسنه اختلاف اللفظ، "لا انفكاك له عنها، ولا حيلة له في دفعها" عنه بوجه، "واللهстр. 4282
بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها، وما لم يعلموا، ومنها ما استأثر به في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل وأحبها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلًا للمطلوب، ثم سؤاله أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية وغيرها، فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء أعقبه شفاء تامًّا.
وفي سنن أبي داود، عن أبي سعيد الخدري قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: "يا أبا أمامة
الحواشي
(١) عدل في هذه الأحكام، غير ظالم لعبده" لأنه المالك الحقيقي، "ثم توسله" "بالجر عطفًا على اشتماله المجرور باللام، أو على الاعتراف" "بأسماء الرب تعالى التي سمى بها نفسه، ما علم العباد منها وما لم يعلموا، ومنها ما استأثربه في علم الغيب عنده، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذه الوسيلة أعظم الوسائل" وهي ما يتقرب به إلى الشيء، "وأحبها إلى الله تعالى، وأقربها تحصيلًا للمطلوب، ثم سؤاله" "بالجر عطف على توسله"، وهي أولى من نسخة: ثم سأله "أن يجعل القرآن العظيم لقلبه ربيعًا، كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان" أي يسعى وينشط، فهو تشبيه بليغ، أو استعارة، "وأن يجعله لصدره كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العباد، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء" يزيله بحيث لا يبقى له أثر، "ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع" جمع طبع، وهو الصدأ والدنس، كما في القاموس، "والأصدية" جمع صدأ، وهو الوسخ الذي يعلو الحديد، فهما متقاربان، ولذا أفرد الضمير في قوله: "وغيرها" لأن المراد منها شيء واحد، وهو الآثار التي تكون في الثياب ونحوها من الدنس، "فإذا صدق العليل في استعمال هذا الدواء، أعقبه شفاء تامًّا" وصدقه باليقين التام، وصدق النية وخلوص الطوية، وأن لا يقصد به التجربة؛ لأن قاصد ذلك عنده شك.
"وفي سنن أبي داود" في الصلاة، "عن أبي سعيد الخدري" سعد بن مالك بن سفيان الصحابي بن الصحابي، "قال: دخل رسول الله ﷺ ذات يوم المسجد" النبوي، "فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة" غير منسوب ولا مسمى، ويجوز أنه أبو أمامة بن ثعلبة الحارثي، لكن أفرده ابن منده، وتبعه أبو نعيم بالترجمة، عنه وعن الباهلي، فهو غيرهما، كما أشار إليه فيстр. 4283
ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة"، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، فقال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك"، قلت: بلى يا رسول الله، قال: "قل إذا أصبحت وإذا أمسيت، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال". قال: ففعلت ذلك
الحواشي
(١) الإصابة، "فقال: "يا أبا أمامة ما لي أراك في المسجد في غير وقت الصلاة"، فقال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، فقال: "أفلا أعلمك كلامًا إذا أنت قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك"، قلت: بلى يا رسول الله" علمني، "قال: "قل إذا أصبحت" دخلت في الصباح، "وإذا أمسيت" دخلت في المساء، فصريحه المبادرة لقول ذلك أول الليل وأول النهار: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن" "بفتح الحاء المهملة والزاي" كما ضبطه المصنف كغيره، وهو الرواية: مصدر حزن كتعب، وهو المناسب، لكونه مستعاذًا منه من الاسم الذي هو الحزن "بضم فسكون".
وفي البخاري: البخل، والبخل واحد مثل الحزن، والحزن، أي "بضم فسكون فيهما، وبفتحتين فيهما، وليس العطف لاختلاف اللفظين مع اتحاد المعنى" كما ظن، بل الهم في أمر يتوقع، والحزن فيما وقع قبل، والهم من الحزن الذي يذيب لإنسان، فهو أشد من الحزن، وهو خشونة في النفس، فالفرق بينهما بالشدة والضعف، "وأعوذ بك من العجز" القصور عن فعل الشيء ضد القدرة، فهو ما لا يستطيعه الإنسان، "والكسل" ترك الشيء والتراخي عنه مع كونه يستطيعه، "وأعوذ بك من الجبن" "بضم الجيم وسكون الموحدة" الخوف والخور من تعاطي الحرب ونحوها، خوفًا على المهجة، "والبخل" ضد الكرم، "وأعوذ بك من غلبة الدين" أي استيلائه وكثرته، "وقهر الرجال" غلبتهم.
وقال التوربتشي: غلبة الدين: أن يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، وقهر الرجال: الغلبة؛ لأن القهر يراد به السلطان، ويراد به الغلبة، كما هنا لما في رواية، وغلبة الرجال، كأنه أراد هيجان النفس من شدة الشبق وإضافته إلى المفعول، أي يغلبهم ذلك إلى هذا المعنى سبق فهمي، ولم أجد في تفسيره نقلًا.
وقال بعضهم: قهر الرجال جور السلطان، وقال الطيبي: من مستهل الدعاء إلى قوله، والجبن يتعلق بإزالة الهم، والآخر بقضاء الدين، فعليه قوله: وقهر الرجال إما أن يكون إضافته إلى الفاعل، أي قهر الدائن إياه وغلبته عليه بالتقاضي، وليس معه ما يقضي دينه، أو إلى المفعول؛ أن لا يكون له أحد يعاونه على قضاء دينه من رجاله وأصحابه.стр. 4284
فأذهب الله همي، وقضي ديني عني.
وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزدوجان: فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان، وضلع الدين وقهر الرجال أخوان، فحصلت الاستعاذة من كل شر.
الحواشي
(١) "قال" أبو أمامة: "ففعلت ذلك" أي لازمت هذا الدعاء صباحًا ومساء، "فأذهب الله همي وقضى ديني عني".
قال في الإصابة: ظاهر سياق أول الحديث أنه من حديث أبي سعيد، وآخره أنه من رواية أبي أمامة، هذا وقد أخل المزي بترجمته في التهذيب والأطراف، وأغفله أبو أحمد الحاكم في الكنى. انتهى.
ولا مخالفة، والحديث إنما هو من رواية أبي سعيد، وقول الأنصاري: قلت: بلى يا رسول الله، ما نقل أبي سعيد عنه بتقدير قال: قلت كما صرح بلفظ قال: ففعلت، ولذا أغفله المزي في كتابيه؛ لأنه لم يرو الحديث، إنما الراوي أبو سعيد، "وقد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان مزودوجان" أي متشاكلان، "فالهم والحزن أخوان" إذ المكروه الوارد على القلب إن كان من مستقبل يتوقعه أحدث الهم، أو من ماض أحدث الحزن، "والعجز والكسل أخوان" لأن التخلف عن أسباب الخير، إن كان لعدم قدرة فالعجز، أو لعدم إرادته فالكسل، "والجبن والبخل أخوان" لأن عدم النفع، إن كان بالبدن فالجبن، أو بالمال فالبخل، "وضلع الدين" "بفتح المعجمة واللام" أي ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء لثقله، حيث لا يجد وفاء، لا سيماء مع المطالبة، "وقهر الرجال أخوان" فإن استيلاء الغير إن كان بحق فضلع الدين، أو بباطل فقهر الرجال، "فحصلت الاستعاذة من كل شر" وهذا قالوه في حديث البخاري وغيره، عن أنس ﵁: كان ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال"، فأتى به المصنف وإن كان لفظ حديثه وغلبة الدين؛ لأنه بمعنى ضلع لدين.
قال بعض العارفين: يجب التدقيق في فهم كلام النبوة ومعرفة ما انطوى تحته من الأسرار، ولا يقف مع الظاهر، فالمحقق ينظر ما سبب حصول القهر من الرجال، فيجده الحجاب عن شهود كونه سبحانه هو المحرك لهم حتى قهروه، فيرجع إلى ربه، فيكفيه قهرهم، والواقف مع الظاهر لا يشهده من الحق، بل من الخلق، فلا يزال في قهر، ولو أن شهد الفعل من الله، لزال القهر ورضي بحكم الله، فما وقعت الاستعاذة إلا من سبب القهر الذي هو الحجاب.стр. 4285
وفي سنن أبي داود -أيضًا- عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار.
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ : "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول
الحواشي
(١) "وفي سنن أبي داود أيضًا" والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، "عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من لزم الاستغفار" أي داوم عليه، وفي رواية أحمد والحاكم: من أكثر من الاستغفار "جعل الله له من كل هم فرجًا" "بفتح الفاء والراء والجيم"، أي كشفًا وخلوصًا منه، "ومن كل ضيق مخرجًا" من ذلك الضيق، "ورزقه من حيث لا يحتسب" يخطر بباله، مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] ، لأن من داوم الاستغفار وقام بحقه، كان متيقنًا وناظرًا إلى قوله تقدس: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠، ١١] .
قال الحكيم الترمذي: أشار بالإكثار إلى أن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة، والعذاب عذابان: أدنى وأكبر، فالأدنى عذاب الذنوب، فإذا كان الإنسان متيقظًا على نفسه، فكلما أذنب أو عاب تبعهما استغفارًا، لم يبق في وبالهما وعذابهما، وإذا لها عن الاستغفار تراكمت ذنوبه، فجاءت الهموم والضيق والعسر والعناء والتعب، فهذا عذابه الأدنى، وفي الآخرة عذاب النار؛ وإذا استغفر تنصل من الهم، فصار له من الهموم فرج، ومن الضيق مخرج، ورزقه من حيث لا يحتسب، "وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق؛ لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة" على "أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب" نحو: الغل والحسد والكبر واحتقار الناس، "وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار" لا ينجع فيها غيرهما.
"وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله" ولا حد للإكثار، وحد بعضهم أقله بثلاثمائة.
"وثبت في الصحيحين: أنها كنز من كنوز الجنة" ففيهما كالسنن الأربع عنстр. 4286
ولا قوة إلا بالله. وثبت في الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة، وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة، وفي بضع الآثار: أنه ما ينزل ملك من السماء ولا يصعد إلا بلا حول ولا قوة إلا بالله.
وروى الطبراني من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد قل توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرًا".
الحواشي
(١) أبي موسى: أن النبي ﷺ قال له: "قل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة".
قال الكرماني: أي كالكنز في كونه نفيسًا مدخرًا، مكنونًا عن أعين الناس، وقال الطيبي: هذا التركيب ليس باستعارة لذكر المشبه، وهو الحوقلة، والمشبه به وهو الكنز، ولا التشبيه العرفي، لبيان الكنز بقوله: من كنوز الجنة، بل هو من إدخال الشيء في جنس، وجعله أحد أنواع على التغليب، فالكنز إذًا نوعان: المتعارف وهو المال الكثير، يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، والثاني غير المتعارف، وهو هذه الكلمة الجامعة، المكتنزة بالمعاني الإلهية، لما أنها محتوية على التوحيد الخفي؛ لأنه إذا نفيت الحيلة والاستطاعة عما من شأنه ذلك، وأثبت لله على سبيل الحصر بإيجاده واستعانته وتوفيقه، لم يخرج شيء من ملكه وملكوته.
"وفي الترمذي: أنها باب من أبواب الجنة" أي أن المكثر لها له باب، أحد أبوابها الثمانية يدعى للدخول منه.
"وفي بعض الآثار: إنه ما ينزل ملك من السماء، ولا يصعد إلا بـ"لا حول ولا قوة إلا بالله" أي بقولها.
"ورو الطبراني" وابن صصرى في أماليه "من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ما كربني أمر" "بفتح الكاف والراء" أي شق علي "إلا تمثل لي جبريل" أي جاءني بصورته المثالية، "فقال: يا محمد قل: توكلت على الحي الذي لا يموت والحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك" أي الألوهية، "ولم يكن له ولي من" أجل "الذل" أي لم يذل فيحتاج إلى ناصر، "وكبره تكبيرًا" عظمه عظمة تامة من اتخاذ الولد والشريك والذل، وكل ما لا يليق به، وترتيب الحمد على ذلك، للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال ذاته وتفرده في صفاته.
روى أحمد عن معاذ الجهني: مرفوعًا: "آية العز الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ... " إلخ السورة، أمره جبريل أن يثق بالله ويسند أمره إليه في استكفاء ما ينوبه مع التمسك بقاعدة التوكل،стр. 4287
وفي كتاب ابن السني من حديث أبي قتادة عن النبي ﷺ : "من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله ".
وعنده -أيضًا- من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ " [الأنبياء: ٨٧] .
الحواشي
(١) وعرفه؛ أن الحي الذي لا يموت حقيق بأن يتوكل عليه وحده، ولا يتكل على غيره من الأحياء الذين يموتون.
وعن بعض السلف: أنه قال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، ذكره الزمخشري.
"وفي كتاب ابن السني" "بضم السين وشد النون" الحافظ أبي بكر، أحمد بن محمد بن إسحاق الدينوري، صاحب التصانيف "من حديث أبي قتادة" الحارث، ويقال: عمرو أو النعمان بن ربعي "بكسر الراء وسكون الموحدة فمهملة" الأنصاري، السلمي، المدني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يح شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين على الأصح الأشهر.
"عن النبي ﷺ "من قرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة" لله ما في السماوات إلى آخرها "عند الكرب أغاثه الله " أي فرج كربه وأزاله، "وعنده" أي ابن السني "أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه" كربه، قدم على الإخبار بها حثًّا عليها وتنويها بنفعها، ليلقى البال لها "كلمة أخي يونس" بن متى، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، ﴿أَنْ﴾ أي بأن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾ أي أنت القادر على حفظ الإنسان حيًّا في بطن الحوت، ولا قدرة لغيرك على ذلك، ثم أردفه بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في ذهابي من بين قومي بلا إذن، تصريحًا بالعجز والإنكسار وإظهارًا للذلة والافتقار.
قال الحسن: ما نجا إلا بإقراره على نفسه بالظلم، وإنما قبل منه ولم يتقبل من فرعون حين قال: لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل؛ لأن يونس ذكرها في الحضور والشهود، وفرعون ذكرها في الغيبة تقليدًا لبني إسرائيل، ذكره الإمام الرازي، ثم المنادى به، لا إله إلا أنت ... إلخ, وما قبله إخبار عن صفة ما كان يقوله يونس وقتًا وصفة، فنبه ﷺ بذكر الآية بتمامها على بيان صفته التي كان عليها وقت الدعاء من التضرع والتذلل، وإن وقته كان شديد العظم كربه، وهذا قد رواه الترمذي والنسائي وابن أبي الدنيا، عن سعد بن أبي وقاص، رفعه: "ألا أخبركم بشيء، إذا نزل برجل منكم كرب أو بلاء من أمر الدنيا، دعا به ربه ففرج عنه"، قالوا: بلى قال: "دعاء ذيстр. 4288
وعند الترمذي: لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له.
وروى الديملي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد -يعني الصادق- قال: حدثني أبي عن جدي أنه ﷺ كان إذا حزبه أمر دعا بهذا الدعاء: "اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، وارحمني بقدرتك علي ولا أهلك وأنت رجائي، فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا، ويا ذات النعمة التي لا تحصى
الحواشي
(١) النون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
"وعند الترمذي" أيضًا والنسائي والحاكم، عن سعد مرفوعًا: "دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"، "لم يدع بها رجل مسلم" بنية صادقة صالحة "في شيء قط إلا استجيب له" وفي رواية: إلا استجاب الله له، أي لأنها لما كانت مسبوقة بالعجز والانكسار ملحوقة بهما، صارت مقبولة: أم من يجيب المضطر إذا دعاه، فإن قيل: هذ ذكر لا دعاء، أجيب؛ بأنه ذكر يفتتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء، أو هو كما ورد: من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، كما مر.
"وروى الديلمي في مسند الفردوس، عن جعفر بن محمد، يعني الصادق" لصدقه في مقاله من سادات آل البيت، "قال: حدثني أبي" محمد الباقر، "عن جدي" علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلًا؛ لأن جده تابعي؛ "أنه ﷺ كان إذا حزبه" "بفتح الحاء المهملة والزاي والموحدة" أي هجم عليه، أو غلبه "أمر" هم، أو غم، "دعا بهذا الدعاء: "اللهم احرسني" "بضم الراء" احفظني "بعينك التي لا تنام واكنفني" أي استرني "بركنك الذي لا يرام" لا يقدر على طلبه، "وارحمني بقدرتك علي" لأن ذلك شأن الكرم الرحمة مع القدرة، "فـ" بسبب ذلك "لا أهلك، وأنت رجائي" أي مرجوي في جميع أموري، "فكم من نعمة أنعمت بها علي قل لك بها شكري" أي قيامي بواجبها من الطاعات، "وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري، فلم يحرمني" "بفتح أوله وضمه وكسر الراء" أي يمنعني من نعمه من حرم، كضرب وأحرم، "ويا من قل عند بليته صبري، فلم يخذلني" "بضم الذال" يترك نصرتي، "ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني" "بفتح الياء والضاد"، يكشف مساوئ، فأفتضح، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ واستغراقه في شهود الجلال، وإلا فمن يشكر ومن يصبر إذا لم يشكر ولم يصبر هو، وأيстр. 4289
عددًا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد وبك أدرأ في نحور الأعداء والجبارين، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته علي، يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك، واغفر لي ما لا يضرك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلًا، ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية -وفي رواية وأسألك تمام العافية وأسألك دوام العافية: وأسألك الشكر على العافية - وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
الحواشي
(١) خطيئة له فضلًا عن خطايا، وهو أيضًا من باب التعليم لأمته "يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدًا" بل هو دائم، "ويا ذا النعمة التي لا تحصى عددًا".
وفي نسخة: النعماء، والأولى أنسب؛ لأنها التي يتعلق بها العد، وأما النعماء، فصفة له تعالى بمعنى الأنعام، لا يتعلق بها العد؛ لأن الصفة لا تعدد فيها ولا تكثر، "أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وبك أدرأ" "بفتح الهمزة وسكون الدال وبالراء" أدفع "في نحور الأعداء والجبارين" العتاة المتكبرين، "اللهم أعني على ديني بالدنيا، وعلى آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه" من الأفعال لتي لا استحضرها، أو من الأهل والمال.
وفي نسخة: فيما غبت عني، بالتثقيل وفتح تاء الخطاب، والمعنى واحد، "ولا تكلني إلى نفسي فيما حظرته" "بحاء مهملة وظاء معجمة، أي منعته" "علي" بل إلى توفيقك لئلا أوقع فيما حظرته، " يا من لا تضره الذنوب، ولا ينقصه العفو، هب لي ما لا ينقصك" وصوله إلي، وهو عفوك.
وفي نسخة: ما لا ينفعك، والمعنى عليهما: هب لي ما لا ينقص شيئًا من قدرك، ولا ينفعك شيء منه، لو لم توصله لي، "واغفر لي ما لا يضرك" وهو الذنوب، "إنك أنت الوهاب" كثير النعم، دائم العطاء: صيغة مبالغة من الهبة، وهي العطية بلا سبب سابق، ولا استحقاق ولا مقابلة ولا جزاء، "أسألك فرجًا قريبًا وصبرًا جميلًا" لا جزع فيه، "ورزقًا واسعًا، والعافية من البلايا، وشكر العافية" "مصدر جاء على فاعله، كناشئة الليل بمعنى نشوء الليل".
"وفي رواية: "وأسألك تمام العافية، وأسألك دوام العافية" أي السلامة من الأسقام، "وأسألك الشكر على العافية" أعادها مظهرة؛ لأن مقام الدعاء يطلب فيه البسط؛ لأنه مقام خطاب وخضوع، "وأسألك الغنى" "بكسر الغين والقصر" "عن الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ختم بها الدعاء لما فيه من التوحيد الخفي كما مر.стр. 4290
[ذكر طبه ﷺ من داء الفقر﴾ :
عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن الدنيا أدبرت عني وتولت قال له: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبه يزرقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة تأتيك الدنيا
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من داء الفقر:
أي مداواته قولًا أو فعلًا، بأن يفعل ما هو سبب للشفاء أو يأمر به، ومثله يقال في نظائره، والإضافة في داء الفقر بيانية، "عن ابن عمر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن الدنيا أدبرت عني" بعد الغنى، ويحتمل أنه فقير من أول أمره، والأول أولى لاحتياج الثاني لتأويل أدبرت، بمعنى: لم تأتني، وبعده لا يخفى، لا سيما مع قوله: "وتولت" إذ حقيقة الإدبار والتولي إنما يكون بعد المجيء.
وفي رواية المستغفري: قلت ذات يدي، "قال له: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبه" أي التسبيح "يرزقون" "استفهام" أي كيف يغيب عنك علم ذلك، والقصد من الاستفهام حثه على قول ذلك ليأتيه الغنى، وعبر من الملائكة بالصلاة التي أريد بها مطلق الثناء، لجزمهم باتصافه تعالى بجميع صفات الكمال، وليس أحد منهم يصفه بخلاف ذلك، مع اعترافهم بأنهم ما عبدوه حق عبادته، وفي الخلائق بالتسبيح؛ لأنهم من حيث هم بقطع النظر عن المؤمنين ينسبون إليه ما لا يليق به، كالشريك، فناسب التعبير بالتسبيح الذي هو التنزيه عما لا يليق، "قل عند طلوع الفجر" وفي رواية المستغفري ما بين الفجر إلى أن تصلي الصبح، وهي مفسرة للعندية، فالحديث واحد: "سبحان الله" أي تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، "وبحمده" "الواو للحال" أي أسبحه ملتبسًا بحمدي له، أو عاطفة، أي أسبحه وأثني عليه بحمده، أو الحمد مضاف للفاعل، والمراد لازمه، أي ما يوجبه من التوفيق، وعلى العطف، فهي جملة أخرى، والتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وقدم التسبيح؛ لأنه من التخلي بمعجمة على التوحيد؛ لأنه من التحلي "بمهملة" "سبحان الله العظيم" كرر هذه تأكيدًا، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة نحو: سبحان وسبح بلفظ الأمر، وسبح بلفظ الماضي، ويسبح بلفظ المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقول بخلاف الكمالات، فإنها تقصر عن إدراك حقائقها.
قال بعض المحققين: حقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السنة، كما في العالم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، فأما علمه، فلا سبيل إليه، قاله الحافظ "استغفر الله".стр. 4291
صاغرة"، فولى الرجل فمكث ثم عاد فقال: يا رسول الله لقد أقبلت علي الدنيا فما أدري أين أضعها. رواه الخطيب في رواية مالك.
الحواشي
(١) قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود: ٣] أي بطيب عيش وسعة رزق إلى أجل مسمى هو الموت، ويؤت كل ذي فضل، أي عمل فضله، أي جزاءه في الآخرة "مائة مرة تأتيك" كذا في جميع النسخ "بالياء" على أنه جواب إذا مقدره، وهي غير جازمة، أي فإنك إذا فعلت ذلك تأتيك، وإلا فالواجب حذفها؛ لأنها في جواب الأمر، أو يقال هو لم يقصد به الجزاء "الدنيا صاغرة" ليلة حقيرة، والمراد بسهولة بلا تعب ولا مشقة.
زاد في رواية المستغفري: راغمة، "فولى الرجل، فمكث" مدة "ثم عاد، فقال: يا رسول الله لقد أقبلت علي الدنيا" بكثرة، "فما أدري أين أضعها" من كثرتها، "رواه الخطيب" أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، الحافظ "في رواة مالك" أي في كتابه المؤلف فيمن روي عن مالك الإمام، فبلغ بهم ألفًا إلا سبعة رووا عن مالك وزاد عليه غيره كثيرًا، وكذا رواه المستغفري.стр. 4292
[ذكر طبه ﷺ من داء الحريق] :
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم
الحواشي
(١) ذكر طبه ﷺ من داء الحريق:
روى ابن السني وابن عدي وابن عساكر من طريق ابن لهيعة، والطبراني في الدعاء من طريق عبد الرحمن بن الحارث، كلاهما "عن عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، السهمي، صدوق، مات سنة ثمان عشرة ومائة، "عن أبيه" شعيب، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله، فالضمير في "عن جده" لشعيب، وإن عاد على عمرو ابنه حمل على جده الأعلى الصحابي، فالحديث متصل، وقد اختلف في الاحتجاج برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، وأصح الأقوال أنها حجة مطلقًا إذا صح السند إليه.
قال ابن الصلاح: وهو قول أكثر أهل الحديث حملًا للجد عند الإطلاق على الصحابي عبد الله بن عمرو دون ابنه محمد، والد شعيب لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وأبا خيثمة وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: ما تركه أحد منهم وثبتوه، فمن الناس بعدهم، وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله مردود، فقد صح سماع شعيب بعدهم، وقول ابن حبان: هي منقطعة؛ لأن شعيبًا لم يلق عبد الله مردود، فقد صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، كما صرح به البخاري في التاريخ وأحمد، وكما رواه الدارقطنيстр. 4293
الحريق فكبروا فإن التكبير يطفئه".
فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير، أجاب صاحب زاد المعاد: بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها، وكان فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطان إعانة عليه
الحواشي
(١) والبيهقي في السنن بإسناد صحيح.
وذكر بعضهم: أن محمدًا مات في حياة أبيه، وإن أباه كفل شعيبًا ورباه، وقيل: لا يحتج به مطلقًا، وقيل: إن أفصح بأن جده عبد الله قبل وإلا فلا، وقيل: إن استوعب ذكر آبائه بالرواية عنهم صريحًا قبل، وإلا فلا. انتهى ملخصًا من شرح زين الحفاظ على ألفيته التي اقتصر فيها على الأصح بقوله:
والأكثر احتجوا بعمرو حملًا ... له على الجد الكبير الأعلى
"قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الحريق فكبروا" أي قولوا: الله أكبر، وكرروا كثيرًا، وينبغي الجهر به مخلصًا لله، ممتثلًا لأمر رسوله، متسحضرًا ما لله من عظيم القدرة، "فإن التكبير يطفئه" "بضم الياء"، إذا صدر عن كمال إخلاص وقوة يقين، وتخصيصه للإيذان بأن من هو أكبر من كل شيء حري بأن يقهر النار ويطفئها.
قال النووي: ويسن أن يدعو معه بدعاء الكرب، وفي تفسير لطبري: إذا كتب أسماء أهل الكهف في شيء وألقي في النار أطفئت، وينبغي أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإنه يصرف عنه البلاء، وأن يقول ما قال إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل، وهذا الحديث رواه البيهقي من الوجه المذكور، بلفظ: استعينوا على إطفاء الحريق بالتكبير، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الطبراني، بلفظ: اطفؤا الحريق بالتكبير، ومن حديث ابن عباس عند ابن عدي، بلفظ: إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإنه يطفئ النار، ومن حديث ابن عباس وجابر، بلفظ: إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح عظيمة، فعليكم بالتكبير، فإنه يجلي العجاج الأسود، فانجبر بذلك ما فيه من ضعف ابن لهيعة، مع أنه لم ينفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن الحارث، كما علم.
"فإن قلت ما وجه الحكمة في إطفاء الحريق بالتكبير" قلت: "أجاب صاحب زاد المعاد" في هدي خير العباد؛ "بأنه لما كان الحريق سببه النار، وهي مادة الشيطان التي خلق منها" أي إنها أعظم الأجزاء التي خلق منها، إلا أنها متمحضة من النار، بل العناصر الأربعة مجتمعة فيه، لكن لما غلبت النار على بقية العناصر جعل مخلوقًا منها.
وفي البيضاوي: من نار السموم، ومن نار باعتبار الغالب، كذا قال شيخنا: "وكان فيه" أي الحريق، أي لهب النار "من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته وفعله، وكان للشيطانстр. 4294
وتنفيذ له، وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدي الشيطان، وإليهما يدعو، وبهما يهلك بني دم، فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء الله تعالى تقمع الشيطان وفعله، فلهذا كان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار التي هي مادة الشيطان. وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى.
ولقد جربت ذلك بطيبة في سنة خمس وتسعين وثمانمائة فوجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور بحريق طيبة الواقع في ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة بالتكبير.
الحواشي
(١) إعانة عليه" أي على وجود الحريق؛ بأن يتسبب في إيصال النار إلى نحو الحطب، فيحصل الحريق، "وتنفيذ له" أي جعله مؤثرًا فيما يصل إليه فيفسده، "وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهما هدي الشيطان" أي صفته التي هو عليها، "وإليهما يدعو" الناس، "وبهما يهلك بني آدم فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض بالبغي والفساد، وكبرياء الله تعالى تقمع" أي تذل "الشيطان وفعله" فتمنعه الفساد، "فلهذا" جواب: لما كان الحريق دخلته الفاء على القليل، ولو حذف، فلهذا، واقتصر على قوله: "كان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق" لكان أولى لاحتياجها لمقدر تدخل عليه تكون علة للجواب، مقدمة على معلولها، والأصل: فكان تكبير الله له أثر في إطفاء الحريق، لهذا "فإن كبرياء الله تعالى لا يقوم لها شيء، فإذا كبر المسلم ربه أثر تكبيره في خمود النار" سكون لهبها، المؤدي إلى طفئها، "التي هي مادة الشيطان، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا فوجدناه كذلك. انتهى" كلام ابن القيم.
"ولقد جربت ذلك بطيبة" لما احترقت "في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، فجدت له أثرًا عظيمًا لم أجده لغيره، ولقد شاع وذاع رؤية طيور" بيض "بحريق طيبة" أي وقت حريقها، أي حريق مسجدها فقط، ولم يصل إلى جوف الحجرة شيء من هدم هذا الحريق، "الواقع في" الثلث الأخير من ليلة "ثالث عشر رمضان في سنة ست وثمانين وثمانمائة، معلنة" تلك الطيور "بالتكبير" كالذي يكفها عن بيوت الجيران، وذلك عبرة وموعظة أبرزها الله تعالى للإنذار، فخص بها حضرة النذير ﷺ ، وقد ثبت؛ أن أعمال أمته تعرض عليه، فلما ساءت ناسب ذلك الإنذار بإظهار عنوان النار المجازي بها في موضع عرضها، قاله الشريف السمهودي، وبسط القصة في تاريخه.стр. 4295
[ذكر ما كان ﵊ يطب به من داء الصرع] :
في الصحيحين أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك". فقالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف
الحواشي
(١) ذكر ما كان ﵊ يطب به:
بكسر الطاء وضمها، كما في القاموس، أي يداوي به "من داء الصرع" مرض يشبه الجنون، "في الصحيحين: إن امرأة" روى البخاري في الطب ومسلم في الأدب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟، قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء "أتت النبي ﷺ " اسمها سعيرة "بمهملات مصغر" الأسدية، كما في تفسير ابن مردويه، وهو عند المستغفري في الصحابة، وأخرجه أبو موسى في الذيل.
قال المستغفري في كتابه: شعيرة "بالشين المعجمة والصحيح بالمهملة" قال في الإصابة: وذكرها ابن منده، وتبعه أبو نعيم "بالمعجمة والقاف" ويقال: بكاف بدل القاف، والصواب: أنها "بمهملتين".
وفي البخاري عن عطاء: أنه رأى أم زفر، تلك امرأة طويلة على ستر الكعبة "بكسر السين"، أي جالسة عليها معتمدة، ففي حديث ابن عباس عند البزار؛ أنها قالت إني أخاف الحب أن يجردني، فدعا لها، فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتي أستار الكعبة فتتعلق بها.
وذكر ابن سعد وعبد الغني في المبهمات، عن الزبير بن بكار، عن سليمان بن عبد الله، عن شيخ من أهل مكة، قال: هي أم زفر ماشطة خديجة، العجوز التي قال صلى الله علي وسلم: "إنها كانت تغشانا زمن خديجة"، وكلام أبي عمر يقتضي أنهما واحدة، وقال أبو موسى: إنه محتمل، قال في الإصابة، وهو بعيد، والعلم عند الله، "فقالت: إني أصرع".
وفي رواية للطبراني والخطيب: إني امرأة أغلب على عقلي، "وإني أتكشف" "بفتح الفوقية والشين المعجمة المشددة" ولأبي ذر: أنكشف "بنون ساكنة بدل الفوقية، وكسر المعجمة مخففة، "فادع الله لي" أن يشفيني من ذلك الصرع، "قال: "إن شئت صبرت" على ذلك، "ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك" من ذلك الصرع.
وفي رواية المستغفري من وجه آخر، عن عطاء: إن ابن عباس قال له: ألا أريك أمرأة من أهل الجنة، فأراني حبشية عظيمة، فقال: هذه سعيرة الأسدية، أتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن بي هذه، تعني الريح، فادع الله أن يشفيني مما بي، فقال: "إن شئت دعوت الله يعافيك مما بك ويثبت لك حسناتك وسيئاتك، وإن شئت فاصبري ولك الجنة"، "فقالت: اصبر".стр. 4296
فدعا لها.
قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان، من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الردية، والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء.
فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلى فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإنه
الحواشي
(١) والجنة، كما زاده في رواية المستغفري، "قالت: فإني أتكشف" روي بالوجهين السابقين أيضًا، "فادع الله" زاد أبو ذر لي: "أن لا أنكشف" بالوجهين أيضًا، "فدعا لها" ﷺ بعدم الكشف، وتجويز أنه دعا بزوال الصرع خلاف الواقع، ولعبد الرزاق عن الحسن؛ أنها كانت تخنق في المسجد، فجاء إخوتها النبي ﷺ ، فشكوا ذلك إليه، فقال: "إن شئتم دعوت الله فبرئت، وإن شئتم كانت كما هي، ولا حساب عليها في الآخرة"، فخيرها إخوتها، فقالت: دعوني كما أنا فتركوها؛ فإن صح هذا، فكأنهم لما أخبروها عنه، جاءت لتسأله بنفسها، وتسمعه وتسأله أن لا تنكشف، وإلا فما في الصحيحين أصح.
ووقع في رواية عن ابن عباس: وفي سعيرة نزلت، ولا تكونوا كالتي نفضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، كانت تجمع الصوف والشعر والليف، فتغزل كبة عظيمة، فإذا ثقلت عليها نقضتها، فقال الله: يا معشر قريش، لا تكونوا مثل سعيرة فتنقضوا أيمانكم بعد توكيدها، أخرجها ابن خزيمة قائلًا: أنا أبرأ إلى الله من عهدة هذا الإسناد.
"قال العلامة ابن القيم: الصرع صرعان من الأرواح الخبيثة الأرضية" يعني الشياطين، لاستحسان تلك الصورة الإنسية، أو المجرد إيقاع الأذية، "وصرع من اأخلاط الردية" بسبب انحباسها من شدة تعرض في بطون الدماغ ومجاري الأعصاب المحركة، فيمنع الأعضاء الرئيسة عن انفصالها منعًا غير تام، أو بخار رديء يسرع إليه منبعض الأعضاء، فلا يبقى الشخص معه منتصبًا، بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة.
"والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء، فأما علاج صرع الأرواح الخبيثة، فيكون بأمرين: أمر من جهة المصروع، وأمر من جهة المعالج، فالذي من جهة المصروع يكون بقوة نفسه" بأن يكون صرعه خفيفًا له معه شعورًا، ويكون في ابتدائه قبل غيبوبته، أو بعد الإفاقة، لئلا يعود عليه، فلا يرد أنه لا يتأتى له ذلك مع قيام العارض به، "وصدق توجهه إلى فاطر" خالق "هذه الأرواح وبارئها" "عطف مساوٍ" حسنه اختلاف اللفظ، "والتعوذ الصحيح الذي قد تواطأ" توافق "عليه القلب واللسان" بأن ينطق مع حضور القلب واعتقاد حقية ما يقوله بلسانه؛стр. 4297
هذا نوع المحاربة، والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا بالأمرين: أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا. والثاني: من جهة المعالج بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا، حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه، أو يقول: بسم الله أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: وقد كان النبي ﷺ يقول: "اخرج عدو الله أنا رسول الله". وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي ويأمر بكثرة قراءة المصروع ومن يعالجه بها وبقراءة المعوذتين.
قال: ومن حدث له الصرع وله خمسة وعشرون سنة وخوصًا بسبب دماغي أنس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذه السن. قال:
الحواشي
(١) "فإنه هذا" العلاج لدفع الصارع عنه "نوع المحاربة والمحارب، لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح، إلا بالأمرين؛ أن يكون السلاح صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعد قويًّا" فإن فقدا أو أحدهما لم ينتصف "والثاني من جهة المعالج فيه بأن يكون فيه هذان الأمران أيضًا" أي صدق التوجه والتعوذ الصحيح، وحال المعالجين أنهم يجتهدون في علاجهم ويتفاوتون فيه، فيكون في بعضهم قوة وشدة، "حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله: اخرج منه" فالغاية لمقدر دل عليه السياق، "أو يقول: بسم الله، أو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله" هكذا في نسخ، بلفظ: يقول مضارعًا فيهما، أي إن بعض المعالجين يكتفي بقوله: اخرج لشدة قوته وتمكنه، وبعضهم يضم إليه ما يؤثر في الإزالة؛ بأن يقول: بسم الله، أو لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: ونحوهما مما عهد استعماله لعلاج المصروع.
وفي نسخة: بموحدة، أي أن بعضهم يكتفي بقوله: اخرج، أو يكتفي بقول: بسم الله ونحوه، ولا يستعمل العزائم القوية التأثير لشدتها عليهم، "قال: وقد كان النبي ﷺ يقول: "اخرج عدو الله" "بالنصب نداء بحذف الأداة"، "أنا رسول الله"، وكان بعضهم يعالج ذلك بآية الكرسي، ويأمر بكثرة قراءة المصروع" آية الكرسي، إذا كان أهلًا للقراءة، ليدفع عن نفسه، "و" يأمر "من يعالجه بها" أي بكثرة قراءتها، "وبقراءة المعوذتين" "بكسر الواو"، قل أعوذ برب الفلق وتاليها.
"قال" ابن القيم: "ومن حدث له الصرع وله خمس وعشرون سنة" أي بلغ ذلك السن، "وخصوصًا بسبب دماغي ليس من برئه، وكذلك إذا حصل له في صغره واستمر به إلى هذا السن" أي بلوغ خمس وعشرين، "قال: فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرعстр. 4298
فهذه المرأة التي جاء في الحديث أنها كانت تصرع وتنكشف بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع فوعدها ﷺ بصبرها على هذا المرض بالجنة.
ولقد جربت الإقسام بالنبي ﷺ على الله تعالى مع قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى آخر سورة الفتح في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا.
ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف واستغثت به ﷺ في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام بأمر النبي ﷺ فوبخته وأقسم أن لا يعود إليها، فاستيقظت وما بها قلبه ومن ثم لم يعد إليها فلله الحمد.
الحواشي
(١) وتنكشف، بجواز أن يكون صرعها من هذا النوع، فوعدها ﷺ بصبرها على هذا المرض بالجنة".
روى عبد الرزاق عن طاوس: كان ﷺ يؤتى بالمجانين، فيضرب صدر أحدهم فيبرأ، فأتي بمجنونة يقال لها أم ظفر، فضرب صدرها، لم تبرأ، ولم يخرج شيطانها، فقال ﷺ : "هو بغيتها في الدنيا، ولها في الآخرة خير"، "ولقد جربت الإقسام بالنبي ﷺ على الله تعالى" في إزالة الصرع "مع" قراءة "قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، إلى آخر سورة الفتح، في ابنتين صغيرتين صرعتا فشفيتا" زال عنهما الصرع، "ومن الغريب قصة غزال الحبشية خادمتنا لما صرعت بدرب الحجاز الشريف" بطريق مكة بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر في سنة خمس وثمانين وثمانمائة، واستمر بها الصرع أيامًا، "واستغثت به ﷺ في ذلك، فجيء إلي بصارعها في المنام، بأمر النبي ﷺ فوبخته، وأقسم أن لا يعود إليها".
وفي المقصد الأخير: فأتاني آت في منامي ومعه الجني الصارع لها، فقال لقد أرسله لك النبي ﷺ ، فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، "فاستيقظت وما بها قلبه" "بفتح القاف واللام والموحدة، أي وجع"، "ومن ثم" أي من هذا الوقت، "لم يعد إليها، فلله الحمد".
وفي المقصد الأخير: ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة في سنة أربع وتسعين.стр. 4299
[ذكر دوائه ﷺ من داء السحر] :
قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعليمه وتعلمه فحرام، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر فاعله واستيب منه، ولا يقتل عندنا، وإن تاب قبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله.
والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر، كما ذكرنا، وعندنا: ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق.
قال القاضي عياض: ويقول مالك قال أحمد بن حنبل وهو مروي عن جماعة
الحواشي
(١) ذكر دوائه ﷺ من داء السحر:
الدواء: "بالفتح والمد" ما يداوى به "ويكسر الدال اسم مصدر" والمراد هنا ما يشمل الأشياء التي يداوى بها والمداوة، فإنه ﷺ بين للناس ما يداوى به، وتداوى هو أيضًا لإزالة السحر، عنه "قال النووي: السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع".
وفي الصحيح مرفوعًا: "اجتنبوا الموبقات الشرك بالله والسحر"، "وقد يكون كفرًا، وقد لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة" فليس السحر عندهم على المعتمد كفرًا بذاته، بل بما ضم إليه، "فإن كان فيه قول" مما يكفر به قائله، "أو فعل" كعبادة شمس ونحوها، "يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا" يكون كفرًا بمجرده، "وأما تعليمه وتعلمه فحرام" ولو قصد به دفع ضرورة السحر عن نفسه، أو عن غيره، أو معرفة حقائق الأشياء عند الأكثر لخوف الافتتان والإضرار، "وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر فاعله" فقط لفعله الحرام، ولا استتابة؛ لأنه لم يكفر، "واستتيب منه" إن كفر به، "ولا يقتل عندنا" أي الشافعية، "وإن تاب قبلت توبته" كالمرتد.
"وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب" أي لا تطلب منه التوبة، "و" إن تاب "لا تقبل توبته، بل يتحتم قتله" لأنه لا تعرف توبته حتى تقبل منه، "والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق" "بزنة قنديل"، قيل: هو المنافق، والأكثر أنه الذي لا يتمسك بدين، وفي القاموس الزنديق "بالكسر" من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة ولا بالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، "لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا، وعندنا ليس بكافر".
قال الماوردي: مذهب الشافعي أنه لا يكفر بالسحر، ولا يجب به قتله، ويسأل عنه، فإن اعترف معه بما يوجب كفره كفر بمعتقده لا بسحره، وكذا لو اعتقد إباحته كفر باعتقاده لا بسرحه، فيقتل حينئذ بما أنضم إلى السحر لا بالسحر، "وعندنا تقبل توبة المنافئق والزنديق" وعند مالك لا.
"قال القاضي عياض: ويقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة منстр. 4300
من الصحابة والتابعين.
قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبًا فعليه القصاص. وإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني.
قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى.
واختلف في السحر:
فقيل: هو تخييل فقط، ولا حقيقة له، وهو اختيار أبي جعفر الإستراباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية وطائفة.
الحواشي
(١) الصحابة والتابعين، قال أصحابنا" الشافعية: "فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا" ذكر أو أنثى، "واعترف" حقيقة "أنه مات بسحره، وأنه يقتل غالبًا" وحكمًا، كقتله بنوع كذا، وشهد عدلان تابا؛ أنه يقتل غالبًا، فهذا عمد، "فعليه القصاص" حيث وجدت المكافأة، "وإن قال مات به، ولكنه قد يقتل، وقد لا يقتل، فلا قصاص، وتجب الدية والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني، قال أصحابنا: ولا يتصور ثبوت القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر. انتهى".
قال شيخنا: قد يتصور بأن يتوب اثنان من السحرة، ويشهدا على الساحر؛ بأنهما شاهداه، يستعمل القسم الفلاني لقتل فلان، وهو يقتل غالبًا، أو بأن يقر بأنه قتل بالقسم الفلاني، فيشهدان عليه؛ بأن ذلك القسم يقتل غالبًا.
"واختلف في السحر، فقيل: هو تخييل فقط" أي يخيل إلى المسحور أنه يفعل الشيء ولم يفعله، "ولا حقيقة له" وإليه ذهب المعتزلة، "وهو اختيار أبي جعفر الإستراباذي" "بكسر الهمزة والفوقية وسكون السين المهملة وفتح الراء والموحدة فألف فمعجمة"، "من الشافعية" ذكره العبادي وبالغ في مدحه، وقال: لم أقف على تاريخ وفاته، "وأبي بكر" أحمد بن علي بن الحسين "الرازي" الإمام الحافظ، "من الحنفية" له تصانيف "وطائفة" كالبغوي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] ، قال المصنف: ولا حجة فيها، أي الآية؛ لأنها وردت في هذه القصة، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أن جميع أنواع السحر تخييل.стр. 4301
قال النووي، والصحيح أن له حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون بأن له حقيقة اختلفوا: هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا وعكسه، فالذي عليه الجمهور هو الأول.
قال المازري: جمهور العلماء على إثبات السحر؛ لأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى
الحواشي
(١) "قال النووي والصحيح" وهو مذهب أهل السنة، "إن له حقيقة" ويكون بالقول والفعل، ويؤلم ويمرض ويقتل ويفرق بين الزوجين، "وبه قطع" أي جزم "الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب" كقوله: فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه؛ إذ لو كان تخييلًا ما حصلت الفرقة به، "والسنة الصحيحة المشهورة" وهي كثيرة.
"قال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلاني: لكن محل النزاع" بين الفريقين: "هل يقع بالسحر انقلاب عين" كجعل البشر جمادًا أو حمارًا، "أو لا" يقع ذلك، "فمن قال: إنه تخييل فقط منع ذلك، والقائلون؛ بأن له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط، بحيث يغير المزاج، فيكون نوعًا من الأمراض، أو ينتهي إلى الإحالة، بحيث يصير الجماد حيوانًا مثلًا، وعكسه" الحيوان جمادًا، "فالذي عليه الجمهور هو الأول".
قال الدميري: والثاني: واضح البطلان؛ لأنه لو قدر على هذا القدر أن يرد نفسه إلى الشباب بعد الهرم، وأن يمنع نفسه من الموت.
"قال المازري" في شرح مسلم "جمهور العلماء على إثبات السحر" أي إن له حقيقة؛ لأن الله ذكره في القرآن العزيز، وأنه يتعلم، وأنه مما يكفر به ومما يفرق به بين المرء وزوجه، وفي الحديث أنه أشياء دفنت وأخرجت، وكيف يتعلم ما لا حقيقة له، هذا كله في كلام المازري وعطف عليه قوله ولأن العقل، وفي غالب نسخ المصنف بحذفها تعليل لما اقتصر عليه من كلام المازري، وهو "لأن العقل لا ينكر أن الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق" مضموم بعضه إلى بعض، تشبيهًا بلفق الثوب، "أو تركيب أجسام" كما وقع لسحرة فرعون، "أو مزج" أي خلط "بين قوى على ترتيب مخصوص" فيخلق الله عندстр. 4302
على ترتيب مخصوص. ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء من مزج بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده فيصير بالتركيب نافعًا.
وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره الله في قوله: ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، لكون المقام مقام تهويل. فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى.
قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك، قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، وإن قلنا إنها ظاهرة في ذلك.
ثم قال: والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة، أن السحر يكون بمعاناه أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا
الحواشي
(١) ذلك التأثير، "ونظير ذلك ما وقع من حذاق الأطباء" مهرتهم، العارفين بغوامض الطب ودقائقه، "من مزج" خلط "بعد العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفرده، فيصير بالتركيب نافعًا".
"وقيل: لا يزيد تأثير السحر على ما ذكره الله في قوله: يفرقون به بين المرء وزوجه" بأن يحدث الله عنده النشوز والاختلاف، وبغض كل منهما للآخر ابتلاء منه، "لكون المقام مقام تهويل" أي تفريع، "فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره الله تعالى" وهو لم يذكره.
"قال المازري: والصحيح من جهة العقل أن يقع به أكثر من ذلك" قيد بالعقل لأنه في مقام الرد على الموافقين على مقتضى العقل، فلا يرد عليه أنه وقع في الخارج ما يزيد على ذلك بكثير.
وقد حكى القرافي وغيره: أنه لم يبلغ أحد في السحر إلى الغاية التي وصل إليها القبط أيام دلوكا ملكة مصر بعد فرعون، فإنهم وضعوا السحر على البرابي، وصوروا فيها صور عساكر الدنيا، فأي عسكر قصدهم أتوا إلى ذلك العسكر المصور، فما فعلوه به من قلع الأعين وقطع الأعضاء وقع نظيره للعسكر القاصد لهم، فتحامتهم العساكر، وأقاموا ستمائة سنة، والنساء هن الملوك والأمراء بمصر بعد غرق فرعون وجنوده.
"قال: والآية ليست نصًّا في منع الزيادة، وإن قلنا: إنها اهرة في ذلك" أي منع الزيادة، "ثم قال" المازري: "والفرق بين السحر" على قول الأشاعرة: إن به يقع خرق العادة، "والمعجزة" للنبي، "والكرامة" للولي "أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال، حتى يتم للساحر ما يريد من سحره، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، إنما تقع غالبًا اتفاقًا" بدون قصد.стр. 4303
اتفاقًا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي.
ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق، ونقل نحوه النووي في "زيادة الروضة" عن المتولي.
وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات، فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر.
وقال القرطبي: والسحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاتها، وأكثره تخييلات بغير حقيقة وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم
الحواشي
(١) "وأما المعجزة، فتمتاز عن الكرامة بالتحدي" لأن النبي يتحدى بها ويعجز بها الخلق، فتدل على صدقه، والولي والساحر لا يتحديان بها، ولا يعجزان بها الخلق، ولو تحديا بها لم تنخرق لهما العادة، وأيضًا يفرق بين الولي والساحر؛ بأنه يكون إخراقها له دليل فسقه وكفره، والولي لا يكون ذلك علمًا على ذلك فيه، هذا أيضًا كلام المازري.
"ونقل إمام الحرمين: الإجماع على أن السحر لا يقع إلا من فاسق" أي لا يظهر أثره، كذا قال شيخنا: "وإن الكرامة لا تظهر على يد فاسق" وإنما تقع على يد ولي عامل بالطاعات، مجتنب للمعاصي، فلو وقعت على يد فاسق، فقد تكون معونة من الله تعالى له واصطفاء بتوفيقه للمتوبة، وقد تكون استدراجًا والعياذ بالله تعالى.
"ونقل نحوه النووي في زيادة الروضة عن المتولي: وينبغي أن يعتبر حال من يقع منه الخارق، فإن كان متمسكًا بالشريعة" عاملًا لما أمرت به، "متجنبًا للموبقات" أي المهلكات من المعاصي، "فالذي يظهر على يديه من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر" وهذا مفاد الإجماع المذكور.
"وقال القرطبي" في شرح مسلم: دل القرآن في غير ما آية، والسنة في غير ما حديث؛ على أن السحر موجود وله أثر في المسحور، فمن كذب بذلك، فهو كافر مكذب لله ولرسوله، ومنكر لما علم بالعيان، ثم إن منكره في السر زنديق، وفي الظاهر مرتد، كذا في القرطبي قبل قوله: "والسحر حيل صناعية، يتوصل إليها بالإكتساب، غير" "نصب استثناء" "أنها لدقتها" أي غموضها وخفاء معناها، "لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته" أي السحر "الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها وأقواتها" أي أزمانها التي تركب فيها، "وأكثرهстр. 4304
عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ، مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالًا وعصيًّا.
وقال أبو بكر الرازي في "الأحكام" أخبر الله تعالى أن الذي ظنه موسى أنها تسعى لم يكن سعيًا حقيقيًّا، وإنما كان تخييلًا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة وقد ملئت زئبقًا، وكذلك الحبال كانت من آدم محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا وجعلوا لها آزاجًا وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى، ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى.
الحواشي
(١) تخييلات بغير حقيقة" كعلم السيمياء، "وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لا يعرف ذلك، كما قال تعالى عن سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ .
في فنه روى أنهم ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا، كأنها حيات ملأت الوادي، وركب بعضها بعضًا، كما في البيضاوي، "مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالًا وعصيًا" بخلاف العصي، فإنها انقلبت حقيقتها خرقًا للعادة وإظهارًا للمعجزة، هذا بقية كلام القرطبي.
"وقال أبو بكر الرازي في الأحكام: أخبر الله تعالى: أن الذي ظنه موسى أنها تسعى" بقوله: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، "لم يكن" ما ظهر من سعيها "سعيًا حقيقيًّا، وإنما كان تخييلًا" سحروا أعين الناس واسترهبوهم، أي خوفوهم حيث صيروها حيات تسعى، "وذلك أن عصيهم كانت مجوفة، قد ملئت زئبقًا" "بكسر الزاي والبناء، بينهما همزة ساكنة، ويجوز تخفيفها"، "وكذلك الحبال كانت من أدم" أي جلد "محشوة زئبقًا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابًا" جمع سرب "بفتحتين" بيت في الأرض لا منفذ له، "وجعلوا له آزاجًا" جمع أزج "بفتح الألف والزاي وجيم" مثل سبب وأسباب: بيت بيني طولًا، كما في المصباح.
وفي القاموس: ضرب من الأبنية، ويجمع أيضًا على أزج "بضمتين" وأزجة كفيلة "وصلوها نارًا، فلما طرحت على ذلك الموضع وحمى الزئبق حركها؛ لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصي" جمع عصا، "صارت تتحرك بحركته، فظن من رآها أنها تسعى" تمشي، "ولم تكن تسعى حقيقة، انتهى".
وفي البيضاوي: يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وذلك أنهم لطخوها بالزئبق، فلماстр. 4305
قال القرطبي: والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض، وبإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم، وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا، أو عكسه، بسحر الساحر.
وقد ثبت في البخاري من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ سحر، حتى إن كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات ليلة عند عائشة دعا ودعا ثم قال: "يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟
الحواشي
(١) ضربت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليها أنها تتحرك. انتهى.
ولا مخالفة لجواز أنهم ملئوا أجوافها بالزئبق، ولطخوها به من خارج أيضًا، ووضعوا الأسراب في محل الشمس، وصلوها نارًا زيادة في الإرهاب.
"قال القرطبي" عقب ما مر، عنه: "والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب، كالحب والبغض، وبإلقاء الخير والشر" والتفرقة بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، كما في القرطبي أيضًا، "و" تأثيرًا "في الأبدان بالألم والسقم" كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة، هكذا في القرطبي: "وإنما المنكر أن ينقلب الجماد حيوانًا: أو عكسه بسحر الساحر" كما مر بيانه.
"وقد ثبت في البخاري" ومسلم "من حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ سحر" بالبناء للمجهول" "حتى إن" "مخففة من الثقيلة، أي أنه" "كان ليخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما فعله".
وفي رواية لهما أيضًا: أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن، "حتى إذا كان ذات ليلة" من إضافة المسمى إلى الاسم، أو ذات مقحمة، "عند عائشة" لفظ البخاري: حتى إنه كان ذات يوم، أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا، قال المصنف: بالشك من الراوي، والمستدرك منه هو قولها: وهو عندي، أي لكنه لم يكن مشتغلًا بي، بل بالدعاء، أو من قولها: كان يخيل إليه، أي أن السحر أثر في بدنه، لا في عقله وفهمه، بحيث إنه توجه إلى الله تعالى، ودعا على الوضع الصحيح والقانون المستقيم، قاله في الكواكب.
وفي رواية للبخاري أيضًا: حتى إذا كان ذات يوم بلا شك، بل بالجزم بيوم، فليس فيه رواية بالجزم بليلة، كما فعل المصنف "دعا ودعا" أي كرر الدعاء.
وفي رواية للبخاري أيضًا: دعا الله ودعاه، وفي مسلم: فدعا، ثم دعا، ثم دعا بالتكرير ثلاثًا، وهو المعهود من عادته، قال عياض: أي أظهر العجز والافتقار إلى الله، لعلمه أنه لا يكشف الضر إلا هو سبحانه، "ثم قال: يا عائشة "أشعرت" "بفتحات وبضم العين أيضًا، وكسر تاءстр. 4306
أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطه وجف طلع نحلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان"،
الحواشي
(١) الخطاب، "أي أعلمت "أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه" قال عياض: أي أجابني فيما دعوته، فسمى الدعاء استفتاء، والجواب فتيًا؛ لأن الداعي طالب، والمجيب مسعف، فاستعير أحدهما للآخر.
زاد غيره: أو المعنى أجابني عما سألته عنه؛ لأن دعاءه كان لأن يطلعه على حقيقة ما هو فيه لما اشتبه عليه من الأمر.
زواد في رواية: قلت: وما ذاك، قال: "أتاني رجلان" قال القرطبي: أي ملكان في صورة رجلين، وظاهره أنه في اليقظة، ويحتمل في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي. انتهى.
وقال المصنف في قوله: ما وجع الرجل إشعار بوقوع ذلك في المنام؛ إذ لو كان يقظة لخاطباه وسألاه.
وفي رواية الإسماعيلي: فانتبه من نومه ذات يوم، لكن في حديث ابن عباس، عند ابن سعد: فهبط عليه ملكان، وهو بين النائم واليقظان.
وفي رواية الطبراني: أتاني ملكان، وعند ابن سعد: بسند منقطع أنهما جبريل وميكائيل، "فقعد أحدهما عند رأسي" هو جبريل، كما جزم به الدمياطي، "والآخر" ميكائيل "عند رجلي" "بشد التحتية مثنى"، "فقال: أحدهما" جبريل أو ميكائيل لصاحبه.
وفي رواية: فقال: الذي عند رأسي للآخر وعند الحميدي: فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: قال الحافظ وكأنها أصوب، "ما وجع الرجل" أي ما مرضه، "قال: مطبوب" أي مسحور، يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنى بالطب عن السحر، كما كنى بالسليم عن اللديغ.
قال ابن الأنباري: الطب من أسماء الأضداد، يقال للعلاج والسحر، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب، أي حاذق، سمي طبيبًا لفطنته، قال عياض: "قال من طبه" أي سحره.
"قال لبيد" "بفتح اللام وكسر الموحدة" "ابن الأعصم" "بمهملتين" بوزن الأحمر، زاد في رواية للشيخين، اليهودي من بني زريق "بضم الزاي وفتح الراء وقاف"، وفي طبقات ابن سعد؛ أن متولي السحر أخوات لبيد، وكن أسحر منه وأنه هو الذي دفنه، "قال: في أي شيء" طبه، "قال: في مشط" "بكسر الميم وضمها وسكون ثانيه" ويجوز الضم، والجمع أمشاط: الآله التي يمشط بها.
وفي رواية القابسي: مشاط الحديد، وغلط قاله الحافظ، وفي القاموس: المشط مثلثة: آلةстр. 4307
فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة
الحواشي
(١) يمتشط بها، وفي القرطبي: "بضم الميم" وأحد الأمشاط التي يمتشط بها، ويطلق على نبت صغير يقال له نبت الذئب، وعلى سلاميات ظهر القدم والعظم العريض من الكف، فيحتمل أن الذي كان فيه أحد الأربعة، "ومشاطة" "بضم الميم وفتح المعجمة مخففة، فألف، فطاء مهملة" ما يخرج من الشعر عند التسريح، وللبيهقي من حديث ابن عباس من شعر رأسه، ومن أسنان مشطه، وفي رواية للبخاري: ومشاقة "بالقاف بدل الطاء" قال الحافظ: وهما بمعنى، وقيل: بالقاف ما يمشط من الكتان. انتهى.
وفي البخاري: يقال المشاطة، أي: بالطاء ما يخرج من الشعر إذا مشطوا لمشاقة، أي: بالقاف من مشاقة الكتان، "وجف طلع نخلة" "بضم الجيم وشد الفاء" الغشاء الذي يكون على الظلع، ويطلق على الذكر والأنثى، فلذا قيده بقوله: "ذكر" بالتنوين، كنخلة، على أن لفظ ذكر صفة لجف، وللمستملي وجب بموحدة بدل الفاء بمعنى واحد.
وقال القرطبي: إنه بالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري، قاله شمر، وللكشميهني: وجف "بالفاء" طلعة "بتاء تأنيث"، قاله المصنف.
"قال: وأين هو قال في بئر ذروان" "بفتح المعجمة وسكون الراء" وفي رواية لهما: ذي أروان "بفتح الهمزة وسكون الراء" وصوبه أبو عبيد البكري والأصمعي.
قال المصنف: وكلاهما صحيح، وعلى الأول: هو من إضافة الشيء لنفسه، قيل: والأصل أوان، ثم لشدة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذروان "بمعجمة بدل الهمزة" وهي بئر كانت معروفة بالمدينة في بستان بني رزيق.
زاد في رواية: تحت راعوفة في بئر ذروان "براء فألف" في رواية الأكثر، ولبعضهم "بلا ألف فعين فواو ففاء" حجر يترك في البئر عند الحفر، ثابت لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي والناظر فيها، وقيل: في أسفل البئر، يجلس عليه الذي ينظفها، لا يمكن قلعه لصلابته؛ "فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه".
وعند ابن سعد عن ابن عباس: فبعث إلى علي وعمار، فأمرهما أن يأتيا البئر، وعنده أيضًا من مرسل عمر بن الحكم، فدعا جبير بن إياس الرزقي، وهو ممن شهد بدرًا فدله على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه، قال: ويقال إن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي.
قال الحافظ: ويجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشر بنفسه، فنسب إليه؛ وأن النبي ﷺ وجههم أولًا، ثم توجه فشاهدها بنفسه، "فجاء" ﷺ بعد أن رجع، "فقال: "يا عائشة كأن ماءها نقاعة" "بضم النون وتخفيف القاف" "الحناء" "بكسر المهملة والمد" يعني أن ماء البئر أحمر،стр. 4308
الحناء، وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين"، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا"، فأمر بها فدفنت.
وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي رأيتها"، قالت عائشة: أفلا تنشرت؟ قال: "أما الله شفاني، وأكره أن أثير على الناس
الحواشي
(١) كالذي ينقع فيه الحناء، أي أنه تغير لرداءته، أو لما خالطه مما ألقي فيه، "وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين" في التناهي في كراهتها وقبح منظرها.
ويحتمل أن يريد رءوس الحيات، فالعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا، وهي حية قبيحة المنظر هائلة جدًّا، "فقلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته، قال: "قد عافني الله" منه، "فكرهت أن أثور" "بضم الهمزة وفتح المثلثة وكسر الواو مشددة" "على الناس فيه".
وللكشميهني: منه "شرًّا" من تذكر المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك، فيؤذي المسلمين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. "فأمر بها" أي بالبئر "فدفنت" "بالبناء للمجهول"؛ "في رواية للبخاري أيضًا: فأتى" ﷺ "البئر حتى استخرجه" فهذه معارضة للتي قبلها، ولرواية: أفلا أخرجته، قال: "لا"، قال المهلب: اختلف الرواة على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان بن عيينة، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أبو أسامة ولفظه، فقلت: يا رسول الله أفاخرجته؟، قال: "لا"، والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده: أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة وزيادة سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين، يعني بالمرة الأولى في قوله: قال: فاستخرج، فبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه ﷺ عنها بدلًا عن الاستخراج، وقد يجمع بأن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان؛ فالمثبت هو استخراج الجف من البئر، والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلموا السحر. انتهى من فتح الباري.
"فقال" ﷺ لعائشة: "هذه البئر التي رأيتها" "براء فهمزة مفتوحتين"، وفي رواية: "أريتها" "بضم الهمزة وكسر الراء" وحذف المصنف من هذه الرواية؛ فكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، قال: فاستخرج، وهو مبني للمجهول، وفاعل قال النبي ﷺ ، كما في المصنف، "قالت عائشة: أفلا تنشرت" أي فعلت النشرة وهي الرقية التي يعالج بها المريض، "قال: "أما الله شفاني" عبارة المصنف في شرحه: أما والله "بتخفيف الميم"، والله جربوا والقسم ولابن عساكر وأبوي ذر والوقت: أما والله، بالتشديد فقد شفاني. انتهى.стр. 4309
شرًّا".
وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل -بسند ضعيف- في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي ﷺ أنهم وجدوا وترًا فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة.
وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع عن ابن عباس أن عليًّا وعمارًا لما
الحواشي
(١) فما ساقه هنا لا يوافق رواية منهما، "وأكره أن أثير على الناس شرًّا" بتذكر السحر، وقد وقع في رواية لمسلم: أن عائشة قالت: أفلا أحرقته؟، قال القاضي عياض: كذا في جميع النسخ، قيل: صوابه أخرجته، كما في الرواية الأخرى؛ لأنه المناسب لقوله: "كرهت أن أثير على الناس شرًّا"، أي بإخراجه؛ لأنه إذا أخرج فقد يوقف على عقه فيتعلم، وكفى بذلك شرًّا، قال: وعندي إن أحرقته صواب، ولا يعترض بما تقدم؛ لأنها تعني بحرقها حين يخرجها، بل أحرقتها أظهر للذي أرادت من إتلاف عينه وإبطال عمله، وما يتوقع من شره مع بقائه لم يغير.
وقال القرطبي: عندي أن رواية أحرقته أولى، وتعني لبيدًا صانع السحر، فأجابها بأنه يثير شرًّا بين المسلمين واليهود لما كان لهم من العهد والذمة، فلو قتلته لثارت فتنة، وتحدث الناس: أن محمدًا يقتل من عاهد. انتهى، وهذا فيه بعد، وكلام عياض أظهر.
"وفي حديث ابن عباس عند البيهقي في الدلائل" النبوية "بسند ضعيف" لأن فيه الكلبي، عن أبي صالح، وهما ضعيفان، "في آخر قصة السحر الذي سحر به النبي ﷺ ؛ أنه وجدوا وترًا" "بفتح الواو والفوقية". "فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت سورة الفلق والناس، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة" ولفظ البيهقي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: مرض ﷺ مرضًا شديدًا، فأتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه ما ترى قال: طب، قال: وما طب؟، قال: سحر، قال: من سحره؟، قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟، قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في ركية، فأتوا الركية فانزحوا ماءها وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الركية فاحرقوها، فلما أصبح ﷺ بعث عمار بن ياسر في نفر، فأتى الركية، فإذا ماؤها مثل ماء الحناء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الركية وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأنزلت عليه هاتان السورتان، فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق﴾ [الفلق: ١] ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس﴾ [الناس: ١] ، وفي سياقه نكارة ومخالفة لحديث الصحيحين ظاهرة.
"وأخرجه ابن سعد بسند آخر منقطع، عن ابن عباس: أن عليًّا وعمارًا لما بعثهماстр. 4310
بعثهما النبي ﷺ لاستخراج السحر وجدا طلعة فيها إحدى عشرة عقدة فذكر نحوه.
وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه وأنه وجد في الطلعة تمثالًا من شمع تمثال النبي ﷺ وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين، فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة.
وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسل قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة ودخل المحرم سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد أن الأعصم، وكان حليفًا في بني رزيق، وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمدًا فلم نصنع شيئًا، ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثًا دنانير.
الحواشي
(١) النبي ﷺ لاستخراج السحر، وجدا طلعة" لنخلة، "فيها إحدى عشرة عقدة، فذكر نحوه" من نزول السورتين وانحلال العقد بقراءتهما.
"وفي رواية ذكرها في فتح الباري: فنزل رجل البئر فاستخرجه، وإنه وجد في الطلعة تمثالًا" بكسر الفوقية، أي صورة "من شمع" بفتح الميم، وتسكن الذي يستصبح به، "تمثال النبي ﷺ " بالنصب بدل من تمثالًا، "وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فنزل جبريل بالمعوذتين" بكسر الواو، "فكلما قرأ آية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا" في بدنه، "ثم يجد بعدها راحة" وهذا كالذي قبله صريحة في أنه استخرج ما حواه الجف، فيتأكد الجمع المتقدم.
"وقد بين الواقدي" محمد بن عمر بن وافد "السنة التي وقع فيها السحر، كما أخرجه عنه" تلميذه محمد "بن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم" المدني، صدوق "مرسل" لأن عمر من أواسط التابعين، "قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم سنة سبع، جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق" بتقديم الزاي مصغر، "وكان ساحرًا، فقالوا: أنت أسحرنا" أعلمنا بالسحر، "وقد سحرنا محمدًا، فلم نصنع شيئًا" ينكؤه، "ونحن نجعل لك جعلًا على أن تسحره لنا سحرًا ينكؤه" بوزن يمنعه، "فجعلوا له ثلاثًا دنانير" فسحره.следующие страницы →