Полный текст (5 943 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وإلا فالنبي ﷺ تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل المبعث.
ثم أسلم بعد زيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله......................
الحواشي
(١) "وإلا فالنبي ﷺ تزوج خديجة وسافر" مع غلامها ميسرة "إلى الشام قبل المبعث" بعد تلك السفرة التي كان فيها أبو بكر وكان ذلك سبب التزوج بها وسنه ﷺ خمس وعشرون سنة؛ كما مر فالواو عطفت سابقًا على لاحق على أنه لا يصح إيراد قصة صحبته له في تلك السفرة؛ لأن في بقية خبرها؛ كما مر. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي اتبعه.
"ثم أسلم بعد زيد بن حارثة وعثمان بن عفان" أمير المؤمنين ذو النورين؛ لأنه كما قال المهلب: لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره، أو لأنه كان يختم القرآن في الوتر؛ فالقرآن نور وقيام الليل نور، أو لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين، أخرج أبو سعد في الشرف عنه: كنت بفناء الكعبة، فقيل: أنكح محمد عتبة ابنته رقية، فدخلتني حسرة أن لا أكون سبقت إليها، فانصرفت إلى منزلي فوجدت خالتي سعدى بنت كريز، أي: الصحابية العبشمية فأخبرتني أن الله أرسل محمدًا وذكر حثها له على اتباعه مطولا، قال: وكان لي مجلس من الصديق، فأصبته فيه وحده فسألني عن تفكري، فأخبرته بما سمعت من خالتي فذكر حثه له على الإسلام، قال: فما كان بأسرع من أن مر ﷺ ومعه علي يحمل له ثوابًا، فقام أبو بكر فساره فقعد ﷺ ، ثم أقبل عليّ، فقال: "أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى جميع خلقه" فوالله ما تمالكت حين سمعته أن أسلمت، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية.
"والزبير بن العوام" بن خويلد القرشي الأسدي الحواري وهو ابن اثنتي عشرة سنة عند الأكثر، وقيل: خمس عشرة، وقول عروة وهو ابن ثمان سنين أنكره ابن عبد البر، وكان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه بالنار، ويقول: ارجع، فيقول: لا أكفر أبدًا. "وعبد الرحمن بن عوف" القرشي الزهري أحد العشرة والثمانية والستة، "وسعد بن أبي وقاص" مالك الزهري أحد العشرة وآخرهم موتًا، وأحد الستة والثمانية أسلم بعد ستة هو سابعهم، وهو ابن تسع عشرة سنة؛ كما قاله ابن عبد البر وغيره.
وأما قوله: لقد رأيتني وأنا ثالث الإسلام، أخرجه البخاري فحمل على ما اطلع هو عليه. "وطلحة بن عبيد الله" التيمي أحد العشرة والثمانية السابقين إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى، ويقال: إن سبب إسلامه ما أخرجه ابن سعد عنه، قال: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم أنا، فقال: هل ظهر أحمد؟ قلت: من أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيهстр. 457
بدعاء أبي بكر الصديق، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا.
ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بعد تسعة أنفس. والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجمحي.................
الحواشي
(١) وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخيل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه، فوقع في قلبي فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة، فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة فخرجت حتى أتيت أبا بكر فخرج بي إليه، فأسلمت فأخبرته بخبر الراهب، "بدعاء أبي بكر الصديق" لأنه كان محببًا في قومه فجعل يدعو من وثق به فأسلموا بدعائه، "فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حتى استجابوا له" أي: أجابوا دعاءه إياهم، "فأسلموا وصلوا" أي أظهروا إسلامهم عند المصطفى على ما أفادته الفاء في قوله فجاء بهم من أنه كان عقب إسلامهم والأظهر أن المراد انقاد والدعائة فأسلموا حين جاء بهم لقصة عثمان وطلحة، "ثم أسلم" أمين هذه الأمة، "أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح" القرشي الفهري اشتهر بجده، "وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد" القرشي المخزومي البدري توفي في حياته ﷺ فخلفه على زوجه أم سلمة وأولاده منها، وهم أربعة حال كون إسلامهما جميعًا، "بعد تسعة أنفس" فيكون أبو سلمة الحادي عشر؛ كما قال ابن إسحاق وهم خديجة وعلي وزيد والصديق والخمسة المسلمون على يده، وأبو عبيدة وأبو سلمة.
"والأرقم بن أبي الأرقم" عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي "المخزومي" البدري وشهد أحدًا والمشاهد كلها، وأقطعه ﷺ دارًا بالمدينة، قيل: أسلم بعد عشرة. وفي المستدرك: أسلم سابع سبعة وتوفي سنة خمس أو ثلاث وخمسين وهو ابن خمس وثمانين سنة، وأوصى أن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص، فصلى عليه، "وعثمان بن مظعون" بظاء معجمة وغفل من أهملها؛ كما في النورين حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي، "الجمحي" بضم الجيم وفتح الميم وحاء مهملة نسبة إلى جده المذكور، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا، وهاجر إلى الحبشة.
روى ابن شاهين والبيهقي عنه، قلت: يا رسول الله! إني رجل يشق علي العزبة في المغازي، فتأذن لي في الخصي؟ فقال: $"لا، ولكن عليك يابن مظعون بالصوم"، وشهد بدرًا، وتوفي بعدها في السنة الثانية، وأول مهاجري مات بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم. روى الترمذي عن عائشة: قبل ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي وعيناه تذرفان، فلما توفيстр. 458
وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة ابنة الخطاب.
وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة أختها. كذا قاله ابن إسحاق وغيره. وهو وهم، لأنه لم تكن عائشة ولدت بعد فكيف أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاي وغيره.
الحواشي
(١) ابنه إبراهيم، قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون".
"وأخواه قدامة" يكنى أبا عمر من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهد بدرًا وكانت تحبه صفية بنت الخطاب أخت عمر، واستعمله على البحرين فشرب فأحضره عمر، فلما أراد حده، قال: لو شربت كما قالوا، أي: الذين شهدوا عليه ما كان لكم أن تحدوني، قال الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] الآية، فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم ثم حده، فلما حجا وقفلا من الحج، قال عمر: عجلوا بقدامة، فوالله لقد أتاني آت من منامي، فقال لي: سالم قدامة، فإنه أخوك، فأبى قدامة أن يأتي عمر إن أبى فجروه، فأتى إليه فكلمه واستغفر له، رواه عبد الرزاق وغيره مطولا مات سنة ست وثلاثين أو ست وخمسين، وهو ابن ثمان وستين سنة.
"وعبد الله" يكنى أبا محمد هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا، "وعبيدة" بضم العين وفتح الموحدة، "ابن الحارث بن المطلب" أخي هاشم، "ابن عبد مناف" بن قصي المستشهد يوم بدر، "وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل" بضم النون القرشي العدوي أحد العشرة، "وامرأته فاطمة ابنة الخطاب" بن نفيل المذكور فهي ثانية النساء إسلامًا.
"وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل" لبابة الكبرى بضم اللام وخفة الموحدتين بنت الحارث الهلالية، "زوج العباس" وأم بنيه الستة النجباء ورده في الفتح: بأنها وإن كانت قديمة الإسلام لكنها لا تذكر في السابقين فقد سبقتها سمية والدة عمار وأم أيمن. "وأسماء بنت أبي بكر" ذات النطاقين "وعائشة أختها" وهي صغيرة "كذا قاله ابن إسحاق وغيره" ممن تبعه، فلا يخالف قول العراقي:
كذا ابن إسحاق بذاك انفردا
"وهو وهم" غلط "لأنه لم تكن عائشة ولدت بعد" أي: في ذلك الزمن، وهو أول البعثة. "فكيف أسلمت، وكان مولدها سنة أربع" وبه جزم في العيون والإصابة، وقال ابن إسحاق: سنة خمس "من النبوة، قاله مغلطاي وغيره" وقد قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين؛ كما فيстр. 459
ودخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء.
ثم أمر الله رسوله ﷺ بأن يصدع بما جاءه، أي يواجه المشركين به.
وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود:..............................
الحواشي
(١) الصحيح ولم يذكر بناته ﷺ ؛ لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بهديه وسيرته، وقد روى ابن إسحاق عن عائشة: لما أكرم الله نبيه بالنبوة أسلمت خديجة وبناته، وكان أبو العاص زوج زينب عظيمًا في قريش فكلمته قريش في فراقها على أن يتزوج من أحب من نسائهم، فأبى. وفي الشامية أسلمت رقية حين أسلمت أمها خديجة وبايعت حين بايع النساء، وأم كلثوم حين أسلمت أخواتها وبايعت معهن. ا. هـ. فاطمة لا يسأل منها لولادتها بعد النبوة أو قبلها بخمس سنين.
والحاصل أنه لا يحتاج للنص على سبقهن للإسلام؛ لأنه معلوم هذا، ولا يشكل تزويج زينب بأبي العاصي ورقية وأم كلثوم بولدي أبي لهب مع صيانة النبي ﷺ من قبل البعثة عن الجاهلية؛ لأن تحريم المسلمة على الكافر لم يكن ممنوعًا حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ بعد صلح الحديبية؛ كما صرح به العلماء، وقد كفاه الله ولدي أبي لهب فطلقاهما قبل الدخول، واستمرت زينب حتى أسر أبو العاصي ببدر فأرسلت في فدائه، فلما عاد بعثها إليه ﷺ فلم تزل حتى أسلم وهاجر، فردها إليه ﷺ .
ووقع في حديث عائشة عند ابن إسحاق: أن الإسلام فرق بينهما لكنه ﷺ لم يقدر على نزعها منه حينئذ، "ودخل الناس في الإسلام" أي: تلبسوا به فالظرفية مجازية حال كونهم "أرسالا" جماعات متتابعين، "من الرجال والنساء" وقد عد العراقي وغيره من كل جملة صالحة، "ثم" بعد ذلك فشوة ذكره بمكة، وتحدث الناس به؛ كما عند ابن إسحاق، "أمر الله رسوله ﷺ بأن يصدع بما جاءه" منه "أي: يواجه" يخاطب "المشركين" على وجه العموم فلا يخص بعضًا دون بعض؛ لأنه ﷺ بلغ ما أمر به لمن ظن إجابته دون مبالغة في التعميم فآمن به من مر مع كثيرين، ثم أمر بالمبالغة في إظهار الدعوة، بقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ، "وقال مجاهد: هو" أي: الصدع المفهوم من ﴿فَاصْدَعْ﴾ ، "الجهر بالقرآن في الصلاة" ومن لازمه المواجهة بما جاءه، وخص الصلاة؛ لأنها كانت أعظم ما يخفيه لكنه على طريق الدلالة والأول شفاها؛ كما صرح به قول ابن إسحاق: ينادي الناس بأمره ويدعوهم إليه، "وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود" الكوفي الثقة مشهور بكنيته، قال الحافظ: والأشهر أنه الاسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه،стр. 460
ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فجهر هو وأصحابه.
وقال البيضاوي: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الآية، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا أو أفرق به بين الحق والباطل، وأصله: الإبانة والتمييز. و "ما" مصدرية أو موصولة، "والعائد" محذوف، أي بما تؤمر به من الشرائع انتهى.
قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة، وهي المدة التي أخفى فيها رسول الله ﷺ أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره.
فبادئ قومه بالإسلام وصدع به............................
الحواشي
(١) مات بعد سنة ثمانين.
"ما زال النبي ﷺ مستخفيًا" هو والمسلمون في دار الأرقم، "حتى نزلت ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] ، فجهر هو وأصحابه" ثم بعد بيان المراد من الآية ذكر مأخذها بقوله: "وقال البيضاوي" في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الآية، فاجهر به "من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا" وعطف على فاجهر الذي حذفه المصنف من كلامه، قوله: "أو" يعني: وقيل معناه "افرق به بين الحق والباطل" لأن الصدع الفرق بين الشيئين، فالصدع بالحجة يفرق كلمة من ظهرت عليه وقهر بها وكأنه صدع على جهة البيان والتشبيه لظلمة الجهل والشرك بظلمة الليل، ولنور القرآن بنور الفجر؛ لأن الفرج يسمى صديعًا، قال الشاعر:
ترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض غرته صديع
"و" هو مجاز من صدع الشيء شقه إذ "أصله" لغة "الإبانة والتمييز" وفي القاموس: صدعه كمنعه شقه أو شقه نصفين أو شقه، ولم يفترق ولا منافاة لجواز أن يراد بالإبانة الشق مع الفصل وهو مستفاد من شقه، أي: مطلقًا وبالتميز الشق بلا فاصل، وهو مستفاد من الأول والثالث. "وما مصدرية" أي: بأمرنا لك، "أو موصولة والعائد" على أنها موصولة "محذوف، أي: بما تؤمر به من الشرائع، انتهى" ولا يشكل بأن شرط حذف عائد الموصول أن يجر بمثل ما جر به الموصول لفظًا ومتعلقًا، نحو: ويشرب مما تشربون، أي: منه؛ لأن الصداع بمعنى الأمر المؤثر ولا تشترط المناسبة اللفظية.
"قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة" تبرأ منه لجزم الحافظ في سيرته بأن تزول الآية كان في السنة الثالثة، "وهي المدة التي أخفى رسول الله ﷺ أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره، فبادى" قال البرهان: الظاهر أنه بموحدة، أي: جاهر، "قومه بالإسلام و" لم يقتصر على مجرد المجاهرة بالدعوة بل كرر ذلك وأكده وبالغ في إظهار الحجة حتى كأنه "صدع به"стр. 461
كما أمره الله تعالى.
ولم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، وكان ذلك سنة أربع، كما قال العتقي. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه.
فاشتد الأمر، وتضارب القوم، وأظهر بعضهم لبعض العداوة، وتذامرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم.
ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب وببني هاشم -ما عدا أبا لهب-................
الحواشي
(١) قلوبهم بما أورده عليهم من الحجج والبراهين التي عجزوا عن دفعها "كما أمره الله تعالى و" مع ذلك "لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه" بل كانوا؛ كما قال الزهري: غير منكرين لما يقول وكان إذا مر عليهم في مجالسهم يقولون: هذا ابن عبد المطلب يكلم من السماء واستمروا على ذلك، "حتى ذكر آلهتهم وعابها" لما دخل المسجد يومًا فوجدهم يسجدون للأصنام فنهاهم، وقال: "أبطلتم دين أبيكم إبراهيم"، فقالوا: إنما نسجد لها لتقربنا إلى الله، فلم يرض بذلك منهم وعاب صنعهم، "وكان ذلك في سنة أربع" من النبوة؛ "كما قاله العتقي" بضم المهملة وفتح الفوقية وقاف، وقيل: سنة خمس، وجمع بأن ابتداء الإظهار والمعاداة في الرابعة، وكماله واشتداده في الخامسة.
"فأجمعوا على خلافه" أي: عزموا على مخالفته وصمموا عليه "و" على "عداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام" وهم قليل مستخفون؛ كما في العيون، ولا ينافيه قول الزهري: استجاب له من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به "وحدب" بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين فموحدة، أي: عطف "عليه عمه أبو طالب ومنعه" وأصل الحدب انحناء في الظهر، ثم استعير فيمن عطف على غيره ورق له؛ كما في الشامية. "وقام دونه" كناية عن منعهم من الوصول له، يقال: هذا دون ذلك، أي: أقرب منه، أي: قام في مكان قريب منه حاجزًا بينه وبينهم، "فاشتد الأمر وتضارب القوم" ضرب بعضهم بعضًا بالفعل؛ كما جاء أن سعد بن أبي وقاص كان في نفر من قريش يصلون في بعض شعاب مكة فظهر عليهم نفر من المشركين فعابوا صنعهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا منهم بلحى بعير فشجه، فهو أول دم أهريق في الإسلام، أو المعنى: أرادوا التضارب وعزموا عليه إشارة إلى ما كان بين أبي طالب وقومه.
"وأظهر بعضهم لبعض العداوة وتذامرت قريش" بذال معجمة: حض بعضهم بعضًا؛ كما في النور وغيره. وفي نسخة: توامرت بالواو، أي: تشاورت والأولى أنسب، بقوله: "على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب، وببني هاشمстр. 462
وببني المطلب.
وقال مقاتل: كان ﷺ عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي ﷺ سوءًا، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم. وقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينًا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا
الحواشي
(١) ما عدا أبا لهب وببني المطلب" أخي هاشم بن عبد مناف بطلب أبي طالب لذلك منهم لما رأى ما صنعوا بالمسلمين، فاجتمعوا إليه وأقاموا معه. وفي بعض نسخ العيون: وببني عبد المطلب، قال النور: والصواب الأول.
"وقال مقاتل: كان ﷺ عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي ﷺ سوءًا" هو أنهم أتوه بعمارة بن الوليد ليتخذه ولدًا ويعطيهم النبي ﷺ ليقتلوه، "فقال أبو طالب" والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدًا، وقال: "حين تروح الإبل" ترجع من مراعيها "فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم" تعليق على محال على طريق إلزامهم إنها لا تحن إلى غيره مع كونها عجماء، فكيف أنا مع كوني من ذوي اللب والمعرفة؟ "وقال" شعرًا في النبي تطمينًا له:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
"فاصدع بأمرك" جهرًا بالشيء الذي أمرت بتبليغه، أو الأمر مصدر بمعنى الطلب، أي: اصدع بسبب أمر الله لك، "ما عليك غضاضة" بفتح الغين وضادين معجمات: ذلة ومنقصة، "وابشر" بحذف الهمزة للضرورة، وأصله بقطع الهمزة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠] ، "وقر بذاك منك عيونا" بفتح القاف من قرت عينه سكنت أو بردت، لكنه حول الإسناد من العين إلى ذاته الكريمة وجيء بـ"عيونًا" تمييزًا للنسبة، ولغة نجد كسر القاف وبهما قرئ: "وَقِرِّي عَينًا"، "ودعوتني" طلبت مني الدخول في دينك "وزعمت" ذكرت لي "أنك ناصحي" فلم يستعمل الزعم في معناه المشهور أنه القول الذي لا دليل عليه، بدليل قوله: "ولقد صدقت وكنت ثم" فيما دعوتني إليه "أمينًا" لم تزد فيما أمرت بتبليغه ولم تنقص، "وعرضت" أظهرت لنا "دينًا لا محالة" بفتح الميم: لا حيلة في دفع "إنه من خير أديان البرية دينًا" إذ هو حق ثابتстр. 463
لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا
وقد كفى الله تعالى نبيه المستهزئين. كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي لا تلتفت إلى ما يقولون: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] يعني بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل للتحقيق لأن قول الجمهور: إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش.
الوليد بن المغيرة.
والعاصي بن وائل.
والحارث بن قيس.
الحواشي
(١) بالحجج القاطعة، "لولا الملامة" العذل "أو حذاري" بكسر الحاء مصدر حاذر، أي: خوفي، "سبة" بضم السين عارًا وفتح الحاء تعسف؛ لأنه يكون اسم فعل أمر ولا يصح هنا إلا بتقدير أن خوفي من أن يقال لي حذار، أي: احذر العار مع جعل الياء للإشباع، "لوجدتني سمحًا بذاك" الذي دعوتني إليه، "مبينًا" ولما تكلم على المراد من آية الصدع جره ذلك إلى ذكر الآية الثانية، وإن كان اليعمري إنما ذكره بعد ذلك قبل انشقاق القمر، فقال على ما في بعض النسخ.
"وقد كفى الله تعالى نبيه المستهزئين؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ، أي: لا تلتفت إلى ما يقولون" وهذا كان قبل الأمر بالجهاد، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بك ومن استهزاء الحارث قوله عن محمد نفسه وصحبه إذ وعدهم أن يحيوا بعد الموت: والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والحوادث، رواه ابن جرير عن قتادة. "يعني بقمعهم" مصدر قمع كمنع، أي: بقهرهم وإذلالهم "وإهلاكهم" حكم على المجوع، فلا ينافي أن من أسلم لم يهلك "وقد قيل للتحقيق؛ لأن قول الجمهور" ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه "إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش الوليد بن المغيرة" بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال البغوي: وكان رأسهم، "والعاصي بن وائل" السهمي "والحارث بن قيس" بن عدي السهمي ابن عم العاصي كان أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت الحكومة والأموال التي كانوا يسمونها، قال ابن عبد البر: أسلم وهاجر إلى الحبشة مع بنيه الحارث وبشر ومعمر، وتعقبه ابن الأثير بأن الزبير بن بكار وابن الكلبي ذكر أنه كان من المستهزئين.
وزاد الذهبي في التجريد: لم يذكر أحد أنه أسلم إلا أبو عمر ورده في الإصابة بأنه ذكره في الصحابة أيضًا أبو عبيد ومصعب والطبري وغيرهم، ولا مانع أن يكون تاب وصحب وهاجر، والآية ليست صريحة في عدم توبة بعضهم، انتهى. وأمه كنانية واسمها العيطلة، وينسب إليها.стр. 464
والأسود بن عبد يغوث.
والأسود بن المطلب.
وكانوا يبالغون في إيذائه ﷺ والاستهزاء به. فقال جبريل لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم. فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيمًا لأخذه، فأصاب عرقًا في عقبه فمات، وأومأ إلى أخمص العاصي فدخلت فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالوحي فمات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحًا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات...........
الحواشي
(١) روى ابن جرير عن أبي بكر الهذلي، قال: قيل للزهري: إن سعيد بن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال سعيد: الحارث بن عيطلة، وقال عكرمة: الحارث بن قيس، فقال: صدقا جميعًا، كانت أمه عيطلة وكان أبوه قيسًا، وما ذكر من أنه الحارث هو ما وقفت عليه. وفي نسخ صحيحة، وفي بعضها: وعدي بن قيس، وهو وإن قيل: بأنه منهم لكن يعين الأول قوله الآتي: فأشار إلى أنف الحارث.
"والأسود بن عبد يغوث" بن وهب بن زهرة الزهري ابن خاله ﷺ , من استهزائه: أنه كان يقول: أما كلمت اليوم من السماء يا محمد؟ "والأسود بن المطلب" بن أسد بن عبد العزى "وكانوا يبالغون في إيذائه ﷺ والاستهزاء به" فكان جبريل ﵇ مع النبي ﷺ فمروا بهما واحدًا بعد واحد فشكاهم إلى جبريل، "فقال جبريل لرسول الله ﷺ : أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال" يريش نبله ويصلحها "فتعلق بثوبه سهم" وفي البغوي: فمرض، "فمات" كافرًا "وأومأ" جبريل "إلى أخمص" بفتح أوله وإسكان الخاء المعجمة فميم فصاد مهملة، "العاصي" فخرج يتنزه فنزل شعبًا، "فدخلت فيه شوكة" من رطب الضريع "فانتفخت رجله حتى صارت كالوحي" وفي البغوي: كعنق البعير، "فمات" مقامه.
"وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحًا، فمات" وقيل: أكل حوتًا مملوحًا فما زال يشرب عليه حتى انقد بطنه، وقيل: أخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات. وعلى القول بإسلامه فمعنى: كفيناك بإسلامه وهو لذي يظهر من الإصابة ترجيح، فإنه أورده في القسم الأول ورد على من جزم بخلافه، "و" أشار جبريل "إلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات" علىстр. 465
وإلى عيني الأسود بن عبد المطلب فعمي.
وكان ﷺ يطوف على الناس في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا"، وأبو لهب...........................
الحواشي
(١) كفره، وقيل: أشار جبريل إلى بطنه بإصبعه فاستسقى بطنه فمات، رواه الطبراني بسند ضعيف. وقيل: خرج في رأسه قروح فمات، ويمكن أنها سبب نطحه الشجرة.
وروى الطبراني والبيهقي والضياء بإسناد صحيح: أن جبريل أومأ إلى رأسه فضربته الأكلة فامتخض رأسه قيحًا بخاء وضاد معجمتين، أي: تحرك شديدًا، وعند ابن أبي حاتم والبلاذري بسند صحيح عن عكرمة: أنه حنى ظهره حتى احقوقف صدره، فقال ﷺ : "خالي خالي"، فقال جبريل: دعه عنك، فقد كفيته. احقوقف: انحنى، وقيل: خرج من عند أهله فأصابته السموم حتى صار حبشيًا، فأتى أهله فلم يعرفوه وأغلقوا دونه الباب فرجع وصار يطوف بشعاب مكة حتى مات عطشًا، ويقال: إنه عطش فشرب الماء حتى انشق بطنه وجمع باحتمال أن جميع ذلك وضع له.
"و" أشار جبريل "إلى عيني الأسود بن المطلب" قال ابن عباس: رماه بورقة خضراء، "فعمي" بصره كما عميت بصيرته فلم يميز بين الحسن والقبيح، ورجعت عينه فضرب برأسه الجدار حتى هلك، وهو يقول: قتلني رب محمد، وقال ابن عباس في رواية: كانوا ثمانية، وصححه في الغرر وجزم به ابن عبد البر والعراقي فزادوا أبا لهب هلك بالعدسة، وهي ميتة شنيعة بعد بدر بأيام كما يأتي، وعقبة ابن أبي معيط قتل صبرًا بعد انصرافه ﷺ من بدر، والحكم بن العاصي بن أمية أسلم يوم الفتح، وتوفي في آخر خلافة عثمان. قال العراقي:
ثامنهم أسلم وهو الحكم ... فقد كفاه شره إذ يسلم
وأسقط الشامي ابن أبي معيط وأبدله بمالك بن الطلاطلة وهو خلاف ما في العيون ونظم السيرة على أن اليعمري سماه قبل ذكر المستهزئين بقليل في المجاهرين بالظلم الحارث بن الطلاطلة الخزاعي بطاءين مهملتين، الأولى مضمومة، والثانية مكسورة بينهما لام خفيفة، ثم لام مفتوحة، ثم تاء تأنيث، وهي لغة الداء العضال الذي لا دواء له. وعند ابن إسحاق: أن الحارث هذا مر به ﷺ فأشار إلى رأسه فامتخض قيحًا فقتله كافرًا.
"وكان ﷺ " كما رواه عبد الله في زوائد المسند والحاكم، وقال على شرطهما عن ربيعة بن عباد بكسر العين مخففًا الديلي الكناني الصحابي، قال: رأيت رسول الله ﷺ "يطوف على الناس" في أول أمره "في منازلهم يقول: "إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا"، وأبو لهب عمه على المحفوظ ويروى أبو جهل قال ابن كثير: وقد يكون وهمًا ويحتمل أنهما تناوباстр. 466
وراءه يقول: يا أيها الناس: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم.
ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر، وتبعه قومه عن ذلك.
الحواشي
(١) على إيذائه ﷺ ، قال الشامي: وهو الظاهر.
"وراءه" يتبعه إذا مشى "يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم" وذلك عار عليكم، فانظر هذا الابتلاء في الله فلو كان من غير قريب كان أسهل؛ لأن العرب كانت تقول: قوم الرجل أعلم به، ولذا قال ﷺ : "ما أوذي أحد ما أوذيت"، "ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر" مع اعترافه بأنه باطل، لكنه لعنه الله لما ضاقت عليه المذاهب، قال إنه أقرب القول فيه تنفيرًا للناس عنه.
"وتبعه قومه عن ذلك" بعد التشاور فيما يرمونه به، فعند ابن إسحاق والحاكم والبيهقي بإسناد جيد أنه اجتمع إلى الوليد نفر من قريش وكان ذا سن فيهم، فقال لهم: يا معشر قريش، قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأيًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، قالوا: فأنت فأقم لنا رأيًا نقوله فيه قال: بل أنتم فقولوا: أسمع، قالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه، قالوا: فنقول: مجنون، قال: والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا بخابخه ولا وسوسته، قالوا: شاعر، قال: ما هو بشاعر لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، قالوا: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده، قالوا: فما تقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا لا أعرف إنه باطل وأن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها.
وفي سيرة الحافظ: فانتشر بذلك ذكره في الآفاق، وانقلب مكرهم عليهم حتى كان من أمر الهجرة ما كان وقدم عليه عشرون من نجران، فأسلموا فبلغ أبا جهل فسبهم وأقذع في القول، فقالوا له: سلام عليكم وفيهم نزل: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا﴾ [القصص: ٥٥] الآيات، انتهى.
قال السهيلي: رواه ابن إسحاق لعذق بفتح المهملة وسكون المعجمة استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وهي العذق أفصح من رواية ابن هشام لغذق بفتح المعجمة وكسر المهملة منстр. 467
وآذته قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون.
ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ويجعل الدم على بابه.
ووطئ عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان. وخنقوه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر دونه، فجذبوا رأسه ولحيته ﷺ .............................
الحواشي
(١) الغذق وهو الماء الكثير، ومنه يقال: غيذق الرجل إذا كثر بصاقه؛ لأنها استعارة تامة يشبه آخر الكلام أوله، وإن فزعه لجناه استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي وطاب فرعها إذا جني، انتهى. وفي حواشي أبي ذر: لجناه، أي: فيه ثمر يجنى، انتهى.
فانظر هذا اللعين، كيف تيقنت نفسه الحق وحمله البطر والكبر على خلافه وقد ذمه الله ذمًا بليغًا، في قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] ، حتى قوله: على الخرطوم، وقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ [المدثر: ١١] ، حتى قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] .
"وآذته قريش" أشد الأذية "ورمته بالشعر والكهانة والجنون" وبرأه الله من جميع ذلك في الكتاب العزيز، "ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه" روي أن فرعون هذه الأمة أبا جهل رآه ﷺ عند الحجون فصب التراب على رأسه، ووطئ برجله على عاتقه، "ويجعل الدم على بابه" كما قال ﷺ : "كنت بين شر جارين، بين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، إن كانا ليأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي، حتى إنهم ليأتون ببعض ما يطرحونه من الأذى فيطرحوه على بأبي"، رواه ابن سعد عن عائشة.
"ووطئ عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة، وهو ساجد عند الكعبة، حتى كادت عيناه تبرزان" وروى البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وأبو يعلى وابن حبان، عن عمرو بن العاصي: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل النبي ﷺ إلا يوم أغروا به وهم في ظل الكعبة جلوس وهو يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه وتصايح الناس، وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبع رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، ثم انصرفوا عنه فلما قضى صلاته مر بهم، فقال: "والذي نفسي بيده، ما أرسلت إليكم إلا بالذبح"، فقام له أبو جهل: يا محمد، ما كنت جهولا، فقال: "أنت منهم".
"وخنقوه خنقًا" بفتح الخاء وكسر النون وتسكن للتخفيف؛ كما في المصباح "شديدًا" قويًا ونسبه إليهم مع أن الفعل من عقبة فقط، كما في رواية البخاري الآتية على الأثر لإقرارهم عليه ومعاونتهم له إن لم نقل بتعدد القصة. "فقام أبو بكر دونه فجذبوا رأسه ولحيته ﷺ " وسقطتстр. 468
حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله.
وقال ابن عمرو -كما في البخاري: بينا رسول الله ﷺ بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر فأخذه بمنكبه ودفعه عن رسول الله ﷺ . وفي رواية ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] .
وقد ذكر العلماء............................
الحواشي
(١) الصلاة في نسخة "حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه، وهو" يبكي و"يقول: أتقتلون رجلا" لأجل "أن يقول ربي الله! " فقال ﷺ : "دعهم يا أبا بكر، فوالذي نفسي بيده، إني بعثت إليهم بالذبح"، ففرجوا عنه ﵇.
"وقال" عبد الله "بن عمرو" بفتح العين ابن العاصي الصحابي ابن الصحابي "كما في البخاري" في مناقب أبي بكر، وفي باب ما لقي النبي ﷺ من المشركين بمكة عن عروة بن الزبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاصي، قلت: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ﷺ قال: "بينا" بلا ميم، وفي رواية بالميم "رسول الله ﷺ بفناء الكعبة" لفظ البخاري في الباب المذكور: يصلي في حجر الكعبة، "إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب النبي ﷺ فلف ثوبه" أي: ثوب النبي ﷺ "في عنقه" الشريف "فخنقه" بفتح النون "خنقًا" بكسرها وتسكن "شديدًا فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه" أي: بمنكب عقبة بفتح الميم وكسر الكاف "ودفعه عن رسول الله ﷺ " زاد ابن إسحاق: وهو يبكي، ثم جزم عبد الله بأن هذا أشد ما صنعه المشركون بالمصطفى يخالف ما في البخاري عن عائشة، قلت: هل أتى عليك يوم أشد من أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك"، فذكر قصته بالطائف مع ثقيف لما ذهب إليهم بعد موت أبي طالب ويأتي الحديث في محله. قال الحافظ: والجمع بينهما أن عبد الله استند إلى ما رآه ولم يكن حاضرا للقصة التي وقعت بالطائف.
"وفي رواية" للبخاري أيضًا "ثم قال" الصديق ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨] كراهية لـ ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ بقية الرواية في الباب الآتي، وفي المناقب: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] استفهام إنكاري وفي الكلام ما يدل على حسن هذا الإنكار؛ لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتة.
"وقد ذكر العلماء" وفي شرحه للبخاري بعضهم فكان أصله لبعضهم وسكت الباقونстр. 469
أنا أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر ﵁ فأتبع اللسان يدًا، ونصر بالقول والفعل محمدًا ﷺ .
وفي رواية البخاري أيضًا: "كان ﵊ يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي،
الحواشي
(١) عليه، فنسب للعلماء "أن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون" رجل من أقاربه، وقيل: غريب بينهم يظهر دينهم خوفًا منهم وهو مؤمن باطنًا، قال الحافظ: اختلف في اسمه، فقيل: هو يوشع بن نون وهو بعيد؛ لأنه من ذرية يوسف لا من آل فرعون، وقد قيل: إن قوله من آل فرعون متعلق بيكتم إيمانه والصحيح أنه من آل فرعون، قال الطبري: لأنه لو كان من بني إسرائيل لم يصغ إليه فرعون ولم يسمعه، وقيل: اسمه شمعان بالشين المعجمة، وصححه السهيلي، وقيل: حيزر، وقيل: خرييل، وقيل: جالوت، وقيل: حبيب ابن عم فرعون، وقيل: حبيب النجار وهو غلط، وقيل: خونكة بن سود بن أسلم بن قضاعة. ا. هـ. باختصار. "لأن ذاك اقتصر حين انتصر" لموسى حين أراد فرعون قتله، "على لسان" فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨] الآية.
"وأما أبو بكر ﵁، فاتبع اللسان يدًا ونصر بالقول والفعل محمدًا ﷺ " والمراد أن هذا من جملة ما فضل به أبو بكر، لا أن فضله إنما جاء من هذه الحيثية ضرورة أن الحكم يدور مع العلة كذا أفاده بعض شيوخنا، وأصل هذا المنسوب للعلماء جاء عن علي كرم الله وجهه بمعناه، فقد روى البزار وأبو نعيم من رواية محمد بن علي عن أبيه: أنه خطب، فقال: من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكنه أبو بكر لقد رأيت رسول الله ﷺ أخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلببه، ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، ويدفع هذا، ويقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم بكى علي ثم قال: أنشدكم بالله أمؤمن من آل فرعون أفضل أم أبو بكر، فسكت القوم، فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا أعلن إيمانه.
"وفي رواية البخاري أيضًا" في الطهارة والصلاة والجزية والجهاد والمغازي، والمذكور هنا لفظه في الصلاة عن عبد الله يعني ابن مسعود، "كان ﵊" نقل بالمعنى، فلفظه: بينما رسول الله ﷺ قائم "يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم، إذ قال قائل منهم" هو أبو جهل؛ كما في مسلم.
وفي رواية: قالوا: ولا منافاة لجواز أنه قاله ابتداء وتبعوه عليه، "ألا تنظرون إلى هذا المرئي"стр. 470
أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجئ به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، فلما سجد ﵇ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا، وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي ﷺ ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم....................
الحواشي
(١) يتعبد في الملأ دون الخلوة "أيكم يقوم إلى جزور" بفتح الجيم وضم الزاي يقع على الذكر والأنثى، وفي الفائق الجزور بفتح الجيم قيل: النحر فإذا نحر، قيل: جزور بالضم "آل فلان" زاد مسلم: وقد نحرت جزور بالأمس، "فيعمد" بكسر الميم وتفتح مرفوع عطفًا على يقوم، وفي رواية بالنصب جوابًا للاستفهام، "إلى فرثها" بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة: ما في كرشها، "ودمها وسلاها" بفتح المهملة والقصر: وعاء جنين البهيمة كالمشيمة للآدميات، وبه يعلم أن الجزور كانت أنثى، قال في المحكم: ويقال: الآدميات أيضًا سلى، "فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم" وفي رواية الطهارة: أشقى القوم به، وبه يفسر هذا الضمير وهو عقبة بن أبي معيط؛ كما في الصحيحين، أي: بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا وإيذاء للمصطفى منه لاشتراكهم في الكفر والرضا، وانفراد عقبة بالمباشرة ولذا قتلوا في الحرب وقتل هو صبرًا، وحكى ابن التين عن الداودي أنه أبو جهل، فإن صح احتال أن عقبة لما انبعث حمل أبا جهل شدة كفره فانبعث على أثره، والذي جاء به عقبة.
وفي رواية: فانبعث أشقى قوم بالتنكير وفيه مبالغة ليست في المعرفة؛ لأن معناه أشقى كل قوم من أقوام الدنيا، قال الحافظ: لكن المقام يقتضي التعريف؛ لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى أولئك القوم فقط. "فلما سجد ﵇ وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﷺ ساجدًا" لا يرفع رأسه، كما في رواية "وضحكوا حتى مال بعضهم على" وفي رواية: إلى "بعض من الضحك" استهزاء لعنهم الله "فانطلق منطلق" قال الحافظ: يحتمل أن يكون هو ابن مسعود، انتهى، أي: وأبهم نفسه لغرض صحيح ولا ينافيه رواية فهبنا أن نلقيه عنه لما لا يخفى.
"إلى فاطمة" بنته سيدة نساء هذه الأمة ذات المناقب الجمة، "وهي" يومئذ "جويرية صغيرة" السن؛ لأنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها ﷺ على الصحيح، "فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ ساجدًا حتى ألقته" أي: الذي وضعوه، "عنه وأقبلت عليهم تسبهم" وفي رواية للشيخين: ودعت على من صنع ذلك زاد البزار فلم يردوا عليها شيئًا، قال: في الفتح وفيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها في قومها ونفسها لكونها صرحت بشتمهم وهم رءوسстр. 471
فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش"، ثم سمى فقال: "اللهم عليك بعمرو بن هشام, وعتبة بن ربيعة, وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط،..........................
الحواشي
(١) قريش، فلم يردوا عليها "فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش"، هكذا كرره البخاري في الصلاة لفظًا، وذكره في غيره بلفظ: "اللهم عليك بقريش"، ثلاث مرات. وفي رواية مسلم: وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، والمراد بإهلاك كفارهم على حذف المضاف أو الصفة بقريش الكفار أو من سيأتي منهم بعد فهو عام أريد به الخصوص.
وفي البخاري: فشق عليهم إذ دعا عليهم، وفي مسلم: فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، وصريح الحديث: أن الدعاء بعد الفراغ من الصلاة، وفي رواية: فسمعته يقول وهو قائم يصلي: "اللهم اشدد وطأتك على مضر سنين كسني يوسف"، فيمكن أنه دعا به في الصلاة وبعدها، وهذا خير من تجويز أن معنى قضى صلاته قارب الفراغ منها، وقوله: وهو قائم ثابت في صلاته وإن لم يكن في خصوص القيام؛ لأن فيه مع تعسفه إخراج المتبادر من لفظ كل من الحديثين مع إمكان الجمع بدون ذلك.
"ثم سمى" أي: عين في دعائه وفصل من أجمل فقال: "اللهم عليك بعمرو بن هشام" المخزومي الأحوال المأبو فرعون هذه الأمة كنته العرب بأبي الحكم وكناه الشارع بأبي جهل، ذكره غير واحد، وللبخاري أيضًا: "اللهم عليك بأبي جهل"، قال الحافظ: فلعله سماه وكناه. "وعتبة بن ربيعة و" أخيه "شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة" بن ربيعة ثاني المذكورين، قال الحافظ: لم تختلف الروايات في أنه بعين مهملة بعدها مثناة ساكنة، ثم موحدة لكن عند مسلم من رواية زكريا بالقاف بدل المثناة وهو وهم قديم نبه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم. ا. هـ.
قيل: وسبب الوهم أن الوليد بن عقبة بالقاف لم يكن حينئذ موجودًا، أو كان صغيرًا جدًا، قال في النور: ويوضح فساده أن الزبير وغيره من علماء السير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما عن الهجرة بعد الحديبية ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] نزلت فيه، فالظاهر أنه كان كبيرا؛ كما قال بعضهم، انتهى. يعني: فهو وهم بلا سبب.
"وأمية بن خلف" وفي بعض روايات البخاري: أبي بن خلف، قال في الفتح: وهو وهم والصواب: وهو ما أطبق عليه أصحاب المغازي أمية؛ لأنه المقتول ببدر. وأما أخوه أبي فإنما قتل بأحد، "وعقبة بن أبي معيط" أشقى القوم واسم والده أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بنстр. 472
وعمارة بن الوليد".
قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله ﷺ : "وأتبع أصحاب القليب لعنة".
الحواشي
(١) عبد شمس، "وعمارة" بضم العين وخفة الميم "ابن الوليد" هكذا رواه البخاري في الصلاة جزمًا من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله، ورواه في الوضوء من رواية إسحاق وشعبة عن أبي إسحاق عن عمرو عن ابن مسعود، بلفظ: وعد السابع فلم يحفظه.
ولمسلم من رواية الثوري، قال أبو إسحاق: ونسيت السابع، قال الحافظ: ففيه أن فاعل عد عمرو بن ميمون، ولم يحفظه أبو إسحاق خلاف ترديد الكرماني في فاعل عد بين النبي وابن مسعود، وفاعل فلم يحفظه بين ابن مسعود وعمرو بن ميمون على أن أبا إسحاق تذكره مرة؛ كما عند البخاري في الصلاة وسماع إسرائيل منه في غاية الإتقان للزومه إياه؛ لأنه جده وكان خصيصًا به. قال ابن مهدي: ما فاتني الذي فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا اتكالا على إسرائيل؛ لأنه يأتي به أتم. وقال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق، كما أحفظ سورة الحمد، انتهى ملخصًا.
"قال عبد الله" بن مسعود "فوالله لقد رأيتهم" وفي رواية: فوالذي نفسي بيده، لقد رأيت الذين عد رسول الله ﷺ "صرعى" موتى مطروحين على الأرض، "يوم بدر ثم سحبوا" أي: جروا، "إلى القليب" بفتح القاف وكسر اللام البئر قبل أن تطوى، أي: تبنى بالحجارة ونحوها أو العادية القديمة التي لا يعرف صاحبها، "قليب بدر" الرواية بالجر على البدل ويجوز الرفع بتقدير هو والنصب بأعني، كما أفاده المصنف وغيره. قال العلماء: وإنما أمر بإلقائهم فيه لئلا يتأذى الناس بريحهم، وإلا فالحربي لا يجب دفنه، والظاهر أن البئر لم يكن فيها ماء معين، قال الحافظ.
قال المصنف وتحقيرًا لشأنهم، "ثم قال رسول الله ﷺ : "وأتبع أصحاب القليب لعنة" بضم الهمزة ورفع أصحاب إخبار منه ﷺ بعد إلقائهم في القليب بأن الله أتبعهم، أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا فهم مطرودون في الآخرة عن رحمة الله، ورواه أبو ذر بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب عطفًا على عليك بقريش؛ كأنه قال: أهلكهم في حياتهم وأتبعهم اللعنة في مماتهم، وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم والنسائي والبزار وغيرهم.
قال الحافظ ﵀: وفيه جواز الدعاء على الظالم، لكن قال بعضهم: محله إذا كان كافرًا، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر ما بعد؛ لاحتمال إطلاعه ﷺ على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يدعى لكل أحد بالهداية، وفيه حلمه ﷺ عمن آذاه.стр. 473
واستدل بهذا الحديث: على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقًا.
واستدل به أيضًا: على طهارة فرث، ما يؤكل لحمه، وعلى أن إزالة النجاسة ليست بفرض، وهو ضعيف.
وأجاب النووي: بأنه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده، استصحابًا لأصل الطهارة.
الحواشي
(١) ففي رواية الطيالسي عن ابن مسعود: لم أره دعا عليهم إلا يومئذ وإنما استحقوا الدعاء حينئذ لما قدموا عليه من الاستخفاف به حال عبادة ربه، وفيه استحباب الدعاء ثلاثًا، وغير ذلك.
"واستدل بهذا الحديث على أن من عرض له في صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء" لأن من شروطها طهارة الخبث عند الأكثرين، "لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال" أو لم تستقر عليه "ولا أثر لها، صحت صلاته اتفاقًا" وقال الخطابي: لم يكن إذ ذاك حكم بنجاسة ما ألقي عليه كالخمر، فإنهم كانوا يلاقون بثيابهم وأبدانهم الخمر قبل نزول التحريم، ورده ابن بطال بأنه لا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ؛ لأنها أول ما نزل قبل كل صلاة، اللهم إلا أن يقال المراد بها طهارة القلب ونزاهة النفس عن الدنايا والآثام.
"واستدل به أيضًا على طهارة فرث ما يؤكل لحمه" وتعقب: بأن الفرث لم يفرد بل كان مع الدم؛ كما في رواية إسرائيل والدم نجس اتفاقًا، وأجيب بأن الفرث والدم كانا داخل السلى، وجلدة السلى الظاهرة ظاهرة فكان كحمل القارورة المرصصة ورد بأنها ذبيحة عبدة أوثان، فجميع أجزائها نجسة؛ لأنها ميتة، وأجيب بأن ذلك كان قبل التعبد بتحريم ذبائحهم وتعقب بأنه يحتاج إلى تاريخ ولا يكفي فيه الاحتمال.
"و" استدل به أيضًا "على أن إزالة النجاسة ليست بفرض" بل سنة، "وهو" أي: الاستدلال "ضعيف" لأنها قضية عين مع احتمال كون النجاسة داخل الجلدة، "وأجاب النووي" قائلا: إنه الجواب المرضي، "بأنه ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة" ولا يرد عليه أنه كان ﷺ يرى من خلفه كما ينظر أمامه؛ لجواز أن هذه الخصوصية إنما كانت بعد هذه الواقعة، ولكن تعقب بأنه يدل على علمه بما وضع عليه أنстр. 474
وتعقب: بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة، في مثل هذه الصورة.
وأجيب عنه، بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متسع فلعله أعاد.
وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة.
وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين، لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي: أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره فتوحش، وصار مع البهائم............
الحواشي
(١) فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه، وعقب هو في صلاته بالدعاء عليهم.
"وتعقب" أيضًا "بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة في مثل هذه الصورة" على الصحيح، "وأجيب عنه بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة" فلعل صلاته كانت نافلة، "فإن ثبت أنها فريضة فالوقت متسع، فلعله أعاد" صلاته "وتعقب بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة" وقد خلع نعليه وهو في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيهما قذرًا، ويمكن الانفصال عنه هنا بأنه أقره لمصلحة إغاظة الكفار بإظهار ثباته وعدم التفاته إلى فعلهم؛ كما أقر على السلام من ركعتين لتشريع عدم بطلانها بالسلام سهوًا.
"وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين؛ لأنه لم يقتل ببدر بل ذكر أصحاب المغازي أنه مات بأرض الحبشة وله قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحرًا فنفخ في إحليل" مجرى بول "عمارة من سحره عقوبة له فتوحش وصار مع البهائم" وذلك كما ذكره أبو الفرج الأموي الأصبهاني وغيره أن المسلمين لما هاجروا الهجرة الثانية إلى الحبشة بعثت قريش عمرًا وعمارة إلى النجاشي بهدية، فألقى الله بينهما العداوة في مسيرهما؛ لأن عمرا كان دميمًا ومعه امرأته وعمارة جميل، فهوى امرأة عمرو وهويته فعزما على دفع عمرو في البحر فدفعاه فسبح ونادى أصحاب السفينة فأخذوه فرفعوه إليها فأضمرها في نفسه ولم يبدها لعمارة، بل قال لامرأته: قبلي ابن عمك عمارة لتطيب نفسه، فلما أتيا الحبشة وردهما الله خائبين مكر عمرو بعمارة، فقال له: أنت جميل والنساء يحببن الجمال، فتعرض لامرأة النجاشي فلعلها أن تشفع لنا عنده في قضاء حاجتنا ففعل وتكرر تردده إليها وأخذ من عطرها فأتى عمرو للنجاشي، فأخبره فأدركته عزة الملك، وقال: لولا أنه جاري لقتلته، ولكن سأفعل به ما هو شر من القتل، فأمر الساحرات فنفحن في إحليله نفحة طار منها هائمًا على وجهه حتىстр. 475
إلى أن مات في خلافة عمر.
وأجيب: بأن كلام ابن مسعود -أنه رآهم صرعى في القليب- محمول على الأكثر، ويدل عليه: أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب، وإنما قتل صبرًا بعد أن رحلوا عن بدر بمرحلة. وأمية بن خلف لم يطرح في القليب، كما هو بل مقطعًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: ثم قال رسول الله ﷺ : "وأتبع أصحاب القليب لعنة". يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة ويحتمل أن يكون قاله ﷺ بعد أن ألقوا في القلبيب
الحواشي
(١) لحق بالوحوش في الجبال، وكان إذا رأى آدميًا ينفر منه.
"إلى أن مات في خلافة عمر" لما جاءه ابن عمه عبد الله بن أبي ربيعة الصحابي بعد أن استأذن عمر بن الخطاب في السير إليه لعله يجده، فأذن له فسار إلى الحبشة فأكثر الفحص عنه حتى أخبر أنه في جبل يرد مع الوحوش ويصدر معها فسار إليه حتى كمن له في طريقه إلى الماء، فإذا هو قد غطاه شعره وطالت أظفاره وتمزقت عليه ثيابه حتى كأنه شيطان، فقبض عليه وجعل يذكره بالرحم ويستعطفه وهو ينتفض منه ويقول: أرسلني أرسلني حتى مات بين يديه، ذكره أيضًا أبو الفرج في كتاب الأغاني، وكان عمرو قال يخاطب عمارة:
إذ المرء لم يترك طعامًا يحبه ... ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمما
قضى وطرا منها وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
"وأجيب بأن كلام ابن مسعود نه رآهم صرعى في القليب محمول على الأثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يصرع في القليب"؛ لأنه لم يقتل ببدر بل أسر، "وإنما قتل" أي: قتله عاصم بن ثابت، أو علي بأمر النبي ﷺ "صبرًا" أي: بعد حبسه.
ففي المصباح كل ذي روح يوثق حتى يقتل، فقد قتل صبرًا، "بعد أن" أسروا "رحلوا عن بدر مرحلة" بمحل يقال له: عرق الظبية، "وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو بل مقطعًا" فإنه كان رجلا بادنًا قبل أن يبلغ به إليه؛ "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في غزوة بدر، وفي ذكره تبعًا للفتح أمية شيء؛ لأن كلام ابن مسعود يصدق على أنه رآه ولو مقطعًا إذ لم يقل رأيتهم فيه بلا تقطيع، "وقوله: ثم قال رسول الله ﷺ : "وأتبع أصحاب القليب لعنة". يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي, فيكون عطفًا على قوله: "عليك بقريش"، "فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة" هو أنه أطلع على أنهم سيلقون في القليب، وأخبر بذلك في ضمن دعائه، وجاء كما قال: وهذا على رواية أبي ذر أتبع بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب.стр. 476
" إسلام حمزة ":
ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، وكان إسلامه -فيما قاله العتقي- سنة ست.....................
الحواشي
(١) "ويحتمل أن يكون قاله ﷺ بعد أن ألقوا في القليب" فيكون إخبارًا بأن الله أتبعهم، وهذا على رواية الباقين: أتبع بالبناء للمفعول.
إسلام حمزة:
"ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب" سيد الشهداء أسد الله وأسد رسوله خير أعمام المصطفى وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة؛ كما في الصحيح، ولا يشكل بأنه أسن من النبي ﷺ بسنتين أو أربع؛ لأنها أرضعتهما في زمانين؛ كما قال البلاذري، وقريبه من أمة أيضًا؛ لأن أمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة عم آمنة أم النبي ﷺ ، يكنى أبا عمارة بضم العين بابن له من امرأة من بني النجار، وقيل: هي بنت له كني بها، وقيل: كنيته أبو يعلى وقدمه بعضهم.
قال السهيلي: ولم يعش لحمزة ولد غير يعلى وأعقب خمسة بنين ثم انقرض عقبهم، فيما ذكر مصعب. "وكان" كما قال ابن إسحاق "أعز فتى" أي: أقوى شاب، "في قريش وأشده" أي أشد فتى، والمراد به الجنس؛ لأن اسم التفضيل بعض ما يضاف إليه فلا بد من حمل فتى على ما يشمله وغيره ليكون الأعز والأشد واحدًا منهم، "شكيمة" بفتح المعجمة وكسر الكاف، يقال؛ كما في الصحاح وغيره لمن كان عزيز النفس أبيًا قويًا، وأصله من شكيمة اللجام الحديدة المعترضة في فم الفرس التي فيها الفاس، ويقال: شكيم أيضًا، والجمع شكائم.
"وكان إسلامه فيما قاله العتقي" وابن الجوزي "سنة ست" من النبوة، وقيل: في السنة الثانية بالنون، قطع به في الإصابة، وصدر به في الاستيعاب، وتبعه المصنف في ذكر الأعمام وسببه أن أبا جهل آذى النبي ﷺ وبالغ في تنقيصه وما جاء به عند الصفا؛ كما لابن إسحاق ولغيره عند الحجون ولا مانع من تكرره، فأخبرته مولاة ابن جدعان؛ كما عند ابن إسحاق ولغيره صفية أخته، ولا منافاة فعند ابن أبي حاتم: فأخبره امرأتان فغضب حمزة لما أراد الله من إكرامه فجاء المسجد فعلا رأس اللعين بقوسه فشجه شجة منكرة وقال: أتشتمه أنا على دينه، فرد ذلك علي إن استطعت، فقام رجال من بني مخزوم لنصره، فقال: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وعند ابن أبي حاتم: فقال حمزة: ديني دين محمد، إن كنتم صادقينстр. 477
فعز به رسول الله ﷺ ، وكفت عنه قريش قليلا، وقال حمزة حين أسلم:
حمدت الله حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدين الحنيف
لدين جاء من رب عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف
الحواشي
(١) فامنعوني، فوثبت إليه قريش، فقالوا: يا أبا يعلى، يا أبا يعلى، أي ما هذا الذي تصنع؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ [الفتح: ٢٦] ، إلى قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] ، "فعز به رسول الله ﷺ وكفت عنه قريش قليلا" أي: بعض ما كانوا ينالون منه؛ كما عبر به ابن إسحاق لشدته، وعلمهم أنه يمنعه، "وقال حمزة حين أسلم: حمدت الله حين هدى فؤادي إلى" الثبات على "الإسلام" بعد ترددي في البقاء عليه، فعند يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم رجع حمزة؛ أي: بعد إسلامه وشجه أبا جهل إلى بيته، فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت، خير لك بما صنعت، وقال: اللهم إن كان هذا رشدًا، فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يابن أخي، إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري أهو رشد أم لا؟ غي شديد، فحدثني حديثًا فقد اشتهيت يابن أخي أن تحدثني، فأقبل ﷺ فذكره ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله في قلبه الإيمان بما قاله ﷺ ، فقال: أشهد أنك الصادق، فأظهر دينك، فوالله ما أحب أن لي ما ظلته السماء وأنا على ديني الأول، وتم حمزة إسلامه، وعلى ما بايع عليه النبي ﷺ .
"والدين الحنيف" عطف تفسير بجعل الإسلام نفس الأحكام أو مغاير يحمله على الانقياد الباطني والدين على الأحكام المشروعة، والمعنى: حمدت الله حين دلني على حقيقة هذا الدين، فانقدت إليه باطنًا وتلبست به ظاهرًا فيكون جمع التصديق والإذعان والإقرار والانقياد الظاهري "لدين" بدل من قوله: إلى الإسلام، "جاء من رب عزيز" ممتنع لا يدرك ولا ينال أو غالب أو جليل القدر أو لا نظير له أو معز لغيره، وفي إتيانه بهذا اسم هنا لطاقة ومناسبة ظاهرة للإيماء إلى أن المشركين وإن عاندوا وجحدوا مآلهم إلى الذل بالقتل والأسر، ومآل هذا الدين الحنيف إلى العزة والظهور؛ لمجيئه من العزيز.
"خبير بالعباد" مطلع على حقيقة الشيء عالم به أو مخبر أنبياءه، ورسله بكلامه المنزل عليهم وعباده يوم القيامة بأعمالهم، إذ لا يعزب عن علمه شيء، وفي ذكره إيماء إلى أن سبهم للمصطفى وإيذاءهم سينالون عقابه من الخبير. "بهم" متعلق بقوله: "لطيف" مقدم عليه، أي: لطيف بعباده برهم وفاجرهم، حيث لم يهلكهم جوعًا وعطشًا بمعاصيهم، وفي ذكره رمز إلى أن المشركين لا يغتروا بالنعم، وقد كذبوا المرسلين؛ لأن هذا من لطف الله بهم في الدنيا ومتاعهاстр. 478
إذا تليت رسائله علينا ... تحدر دمع ذي اللب الحصيف
رسائل جاء أحمد من هداها ... بآيات مبينة الحروف
وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغشوه بالقول العنيف
فلا والله نسلمه لقوم ... ولما نقض فيهم بالسيوف
وعند مغلطاي: وسألوه -يعني: النبي ﷺ إن كنت تطلب الشرف فينا
الحواشي
(١) قليل، "إذا تليت رسائله" أي: أحكام الرب التي أمرنا بها "علينا" وسمى ما جاء به من الله رسالة؛ لأن جبريل بلغه إياه عن الله وأمره بتبليغه للناس، "تحدر" تساقط "دمع ذي اللب" العقل "الحصيف" بحاء وصاد مهملتين، أي: الكامل المحكم لينا إليها وتكفرًا وفي أحكامها بعجيب النظم وبديع المعاني وتفصيلها بالأحكام والقصص والمواعظ، "رسائل جاء أحمد من" أجل "هداها" أي: الرشاد بها أو الدلالة عليها "بآيات" ظاهرة "مبينة الحروف" يعني القرآن، "وأحمد مصطفى مختار من الخلق "فينا" متعلق بقوله: "مطاع" أي: واجب الطاعة لما ظهر على يديه من الآيات، فلا عبرة بمخالفة المنكرين ولا اتداد بها لظهور بطلانها، "فلا تغشوه" تغطوا ما جاء به من الحق "بالقول العنيف" الباطل الموقع في المشقة والتعب من العنف بالضم ضد الرفق، "فلا والله نسلمه لقوم" ولا نترك نصرته "ولما نقض" بالنون والبناء للفاعل: نحكم، "فيهم" أي: نستأصلهم قتلا "بالسيوف" بل نقاتل دونه إلى منتهى الطاقة، وهذا أولى من قراءة يقض بتحتية مبنيًا للمفعول، وبعده:
ونترك منهم قتلى بقاع ... عليها الطير كالورد العكوف
وقد خبرت ما صنعت ثقيف ... به فجزى القبائل من ثقيف
إله الناس شر جزاء قوم ... ولا أسقاهمو صوب الخريف
الورد بكسر الواو وسكون الراء العكوف بضم العين، أي: إن الطير مستديرة على القتلى كالقوم المجتمعين على الماء المستديرين حوله، "وعند مغلطاي" بضم الميم وسكون الغين، "وسألوه، يعني النبي ﷺ " حين أسلم حمزة ورأوا الصحابة يزيدون؛ كما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس ﵄، وسمي السائلين أن عتبة وشيبة وابن حرب ورجلا من بني عبد الدار وأبا البختري والأسود بن المطلب وزمعة والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاصي بن وائل ونبيها ومنبهًا اجتمعوا، فقالوا: يا محمد! ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة، فما من قبيح إلا وقد جلبته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، "وإن كنت تطلب الشرف فينا،стр. 479
فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر.
الحواشي
(١) فنحن نسودك علينا" زاد في رواية: حتى لا نقطع أمرًا دونك، "وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا" فانظر إلى حمقهم وجهلهم رضوه ملكًا مع أن الغالب من الملوك التجبر وسلب الأموال بغير حق، ولم يرضوا به نبيًا رسولا يدعوهم إلى الصراط المستقيم، ويوصلهم جنات النعيم.
"وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك رئيًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك" مثلث الطاء العلاج في النفس والجسم؛ كما في النور والقاموس. "حتى نبرئك منه أو نعذر" بفتح النون وضمها من عذر وأعذر، أي: يرتفع عنا اللوم؛ كما في المصباح. وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عمر وأبو يعلى بسند جيد عن جابر: اجتمع نفر من قريش يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، وعند ابن إسحاق والبيهقي وغيرهما عن محمد بن كعب القرظي، قال: حدثت أن عتبة قال يومًا، وكان جالسًا في نادي قريش والنبي ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أورًا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقام حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضي من آبائهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها، فقال ﷺ : "قل يا أبا الوليد أسمع"، قال: يابن أخي! إن كنت ... فذكر الأمور الأربع، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يسمع منه، قال له: "أقد فرغت أبا الوليد"؟ قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: أفعل، قال ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١-٢] ، إلى قوله: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ، فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف، ثم انتهى إلى السجدة سجد. ثم قال: "قد سمعت أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك" الحديث، في عدم رجوع عتبة لقومه وظنهم إسلامه وذهابهم به وغضبه لذلك وحلفه لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب فخفت نزول العذاب عليكم، فأطيعوني واعتزلوه فإن يصبه غيركم كفيتموه، وإن ظهر فملكه ملككم وعزه عزكم، فقال سحرك والله يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم، والظاهر أن هذه القصة في مرة ثانية قبل مجيء عتبة مع الجماعة أو بعده فأجابه المصطفى بما ذكر.стр. 480
فقال لهم ﵊: "ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني رسولا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله بيني وبينكم".
والرئي -بفتح الراء، وقد تكسر، ثم همزة، فياء مشددة جني يرى فيحب، المكسورة للمحبوب منها. قاله في القاموس.
ثم إن النضر بن الحارث،............................
الحواشي
(١) وأما مع الجماعة، فأجابهم: فقال لهم ﵊: "ما بي ما تقولون" أي: ولا شيء منه، بدليل قوله: "ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابًا وأمرني أن أكون لكم بشيرًا" بالجنة إن صدقتم "ونذيرًا" منذرًا بالنار إن كذبتم، "فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر" بالجزم جواب الشرط، "لأمر الله بيني وبينكم".
وفي بقية حديث ابن عباس هذا، فقالوا له: فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا ولا أقل مالا ولا أشد عيشًا منا، فسل ربك فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارًا كالشام والعراق، ويبعث لنا من مضى من آبائنا ويكون فيهم قصي، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول أهو حق أم باطل، وسله يبعث معك ملكًا يصدقك ويراجعنا عنك، ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عن المشي في الأسواق والتماس المعاش، فإن لم تفعل؛ فأسقط السماء علينا كسفًا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن يفعل، فقام ﷺ ... الحديث، وفيه: فأقسم أبو جهل ليرضخن رأسه بحجر غدا، فلم دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا قد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده، وقال: عرض لي فحل إبل ما رأيت مثله، فهم أن يأكلني؛ قال ابن إسحاق: فذكر لي أنه ﷺ قال: "ذاك جبريل لو دنا لأخذه".
"والرئي" بزنة كمي "بفتح الراء، وقد تكسر" لاتباعها ما بعدها، "ثم همزة فياء مشددة جني يرى فيحب" فعيل أو مفعول سمي به؛ لأنه يتراءى لمتبوعه أو هو من الرأي من قولهم، فلان رأى قومه إذا كان صاحب رأيهم؛ كما في النور.
"و" قيل الراء "المكسورة للمحبوب منها" أي: جماعة الجن إلا أن لفظ القاموس منهم وهو أصرح، "قاله في القاموس" اللغوي "ثم إن النضر" بنون وضاد معجمة ساكنة "ابن الحارث"стр. 481
وعقبة بن أبي معيط ذهبا إلى أحبار يهود، فسألاهم عنه ﵇ فقالوا لهما: سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركما بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يجب فهو متقول...............
الحواشي
(١) ابن علقمة بن كلدة بفتح الكاف واللام العبدري المشتري لهو الحديث القائل: اللهم إن كان هذا هو الحق ... إلخ، أسر ببدر وقتل كافرًا بالصفراء بإجماع أهل السير، وهم ابن منده وأبو نعيم، فقالا: شهد حنينًا مع النبي ﷺ وأعطاه مائة من الإبل وكان من المؤلفة وقلبا نسبه فقالا: كلدة بن علقمة، وأطنب الحافظ العز بن الأثير وغيره من الحفاظ في تغليظهما والرد عليهما، وتعقب باحتمال أن يكون له أخ سمي باسمه فهو الذي ذكراه لا هذا المقتول كافرًا؛ كذا في الإصابة، وفي مغازي ابن عبد البر ذكر في المؤلفة قلوبهم النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرًا، انتهى. فجزم بأنه أخوه.
"وعقبة" بقاف "ابن أبي معيط" أحد رءوس الكفر لعنه الله قتل بعد بدر، "ذهبا" إلى المدينة ببعث قريش لهما بعد مراجعة بينهم وبين النضر؛ كما رواه ابن إسحاق والبيهقي، عن ابن عباس، قال: إن النضر كان من شياطين قريش، فقال: يا معشر قريش، والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم وأصدقكم حديثًا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، فلما قال ذلك بعثوه مع عتبة "إلى أحبار" بفتح الهمزة جمع حبر بفتح الحاء وكسرها، أي: علماء "يهود" علم لمن دخل دين اليهودية غير مصروف للعلمية وزن الفعل ويجوز دخول أل فلا يمتنع التنوين لنقله من وزن الفعل إلى باب الأسماء، "فسألاهم عنه ﵇" بعد إخبارهما لهم بصفته وبعض قوله: وقولهما إنكم أهل الكتاب الأول، أي: التوراة، وعندكم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، وقد أتيناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؛ كما في حديث ابن عباس.
"فقالوا لهما: سلوه عن ثلاثة، فإن أخبركم بهن" على طريق الحقيقة والإجمال؛ لأنه لم يجب عن الروح إلا إجمالا، لأنها مما استأثر الله بعلمه. وفي بعض التفاسير: إن أجابكم عن البعض فهو نبي، وفي كتابهم: إن الروح من الله. وفي رواية: إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس بنبي، وإن أجابكم بأنها من أمر الله، فهو نبي.
وفي رواية: إن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء فليس بنبي، وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحد "فهو نبي مرسل" تأسيس إذ لا يلزم من النبوة الرسالة على المشهورة، "وإن لم يجب" عن شيء منها بأن سكت أو أجاب عن جميعها تفصيلا "فهو متقول" اسم فاعل منстр. 482
سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، وعن رجل طواف، وعن الروح ما هو؟
فقال لهم ﵇: "أخبركم غدًا". ولم يقل إن شاء الله تعالى، فلبث الوحي أيامًا، ثم نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] وأنزل الله تعالى ذكر الفتية الذين ذهبوا،
الحواشي
(١) تقول، أي: ذاكر ما لا حقيقة له، "سلوه" أمر من سال مخفف سأل "عن فتية ذهبوا في الدهر الأول" أي: الزمان المتقدم، سموه أول بالنظر لتقدمه على زمانهم بمدة طويلة، وبقية الرواية: ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب "وعن رجل طواف" قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه "وعن الروح" يذكر ويؤنث، ولذا قال: "ما هو" فأقبل النضر وعقبة، وقالا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، فجاءوا رسول الله فسألوه، "فقال لهم ﵇: "أخبركم غدًا" ولم يقل: إن شاء الله فلبث الوحي أيامًا" خمسة عشر يومًا؛ كما عند ابن إسحاق عن ابن عباس، وفي سير التيمي وابن عقبة: إنما أبطأ ثلاثة أيام"، وعن مجاهد: اثنا عشر، وقيل: أربعة، وقيل: أربعين، حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: قد لاه ربه وتركه، وقالت حمالة الحطب: ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك. وفي رواية: فقالت امرأة قريش: أبطأ عليه شيطانه، حتى أحزنه ذلك ﷺ .
وقد نزل في الرد عليهم: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١-٣] ، وأفتاه الله تعالى في سورة الكهف والإسراء عن مسائلهم، "ثم نزل قوله تعالى" عتابًا لنبيه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] استثناه من النهي، أي: لا تقولن لشيء تعزم عليه إني فاعله في المستقبل إلا ملتبسًا بمشيئة الله، قائلا: إن شاء الله، وقيل: المراد وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه، والأول أوفق بكونه عتابًا على عدم الاستثناء، "وأنزل الله تعالى ذكر الفتية" جمع قلة لفتى آثره على جمع الكثرة وهو فتيان لكونهم دون عشرة، "الذين ذهبوا" ولا يعلمهم إلا قليل، قال ابن عباس: أنا من القليل، وذكر أنهم سبعة، وفي رواية عنه: ثمانية، أخرجهما ابن أبي حاتم، وفي التلفظ بأسمائهم خلف تركته لقول الحافظ في النطق بها اختلاف كثير لا يقع الوثوق من ضبطها بشيء، انتهى.
وعن ابن عباس: لم يبق منهم شيء بل صاروا ترابًا قبل البعث، وقيل: لم تأكلهم الأرض ولم تغيرهم، وفي معجمات الأقران أكثر العلماء على أنهم كانوا بعد عيسى، وذهب ابن قتيبة إلى أنهم كانوا قبله، وأنه أخبر قومه خبرهم، وأن يقظتهم بعد رفعه زمن الفترة. وفي تفسير ابن مردويه، عن ابن عباس: أصحاب الكهف أعوان المهدي، قال الحافظ: وسنده ضعيف، فإن ثبت حمل على أنهم لم يموتوا بل هم في المنام إلى أن يبعثوا لإعانة المهدي، وقد ورد حديث آخر بسند واهٍ أنهم يحجون مع عيسى ابن مريم، انتهى.стр. 483
وهم أصحاب الكهف، وذكر الرجل الطواف. وهو ذو القرنين..................
الحواشي
(١) "وهم أصحاب الكهف" الغار الواسع في الجبل اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم أو الصخرة التي أطبقت على الوادي، أو اسم قربتهم أو كلبهم أو لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف، أو كتب فيه شرعهم الذي كانوا عليه، أو الدواة, واختلف في مكان الكهف، فالذي تظافرت به الأخبار أنه في بلاد الروم, وروى الطبري بإسناد ضعيف عن ابن عباس: أنه بالقرب من أيلة، وقيل: قرب طرسوس، وقيل: بين أيلة وفلسطين، وقيل: بقرب زايزا، وقيل: بغرناطة من الأندلس، انتهى ملخصًا من فتح الباري. وذكر غيره أن اسم البلد الذي هو بها بالروم وعريسوس، وفي الفتح أيضًا.
وقد روى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن عباس قصة أصحاب الكهف مطولة غير مرفوعة، وملخصها: أنهم كانوا في مملكة جبار يعبدون الأوثان فخرجوا منها فجمعهم الله على غير ميعاد فأخذ بعضهم على بعض العهود والمواثيق، فجاء أهاليهم يطلبونهم ففقدوهم فأخبروا الملك، فأمر بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزائنه، ودخل الفتية فضرب الله على آذانهم فناموا، فأرسل الله من يقلبهم ويحول الشمس عنهم، فلو طلعت عليهم لأحرقتهم، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض، ثم ذهب الملك وجاء آخر فكسر الأوثان وعبد الله وعدل، فبعث الله أصحاب الكهف فبعثوا أحدهم يأتيهم بما يأكلون، فدخل المدينة مستخفيًا فرأى هيئة وناسًا أنكرهم لطول المدة فدفع درهمًا لخباز فاستنكر ضربه، وهم بأن يرفعه إلى الملك، فقال. أتخوفني بالملك وأبي دهقانه؟ فقال: من أبوك؟ قال: فلان، فلم يعرفه فاجتمع الناس فرفعوه إلى الملك، فسأله قال: علي باللوح وكان قد سمع به فسمى أصحابه فرفعهم من اللوح، فكبر الناس وانطلقوا إلى الكهف وسبق الفتى، لئلا يخافوا من الجيش، فلما دخل عليهم عمى الله على الملك ومن معه المكان، فلم يدر أين ذهب الفتى، فاتفقوا على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون لهم، انتهى.
"وذكر الرجل الطواف وهو ذو القرنين" الأكبر الحميري المختلف في نبوته والأكثر وصح أنه كان من الملوك الصالحين، وذكر الأزرقي وغيره أنه حج وطاف مع إبراهيم وآمن به واتبعه وكان الخضر وزيره. وعن علي: لا نبيًا ولا ملكًا، ولكن كان عبدًا صالحًا دعا قومه إلى عبادة الله فضربوه على قرني رأسه ضربتين، وفيكم مثله -يعني نفسه- رواه الزبير بن بكار وابن عيينة في جامعه بإسناد صحيح وصححه الضياء في المختارة، وقيل: كان من الملائكة، حكاه الثعلبي، وقيل: من بنات آدم وأبوه من الملائكة، حكاه الجاحظ في كتاب الحيوان.
لقب بذي القرنين واسمه الصعب على الراجح؛ كما في الفتح، أو المنذر أو هرمس أوстр. 484
.................................................
الحواشي
(١) هردويس أو عبد الله أو غير ذلك، وفي اسم أبيه أيضًا خلاف لطوافه قرني الدنيا شرقها وغربها؛ كما في حديث، أو لانقراض قرنين من الناس في أيامه، أو لأنه كان له ضفيرتان من شعر، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنًا، أو لأن لتاجه قرنين أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو لكرم طرفيه أما وأبا، أو لرؤياه أنه أخذ بقرني الشمس، أو لغير ذلك أقوال. قال البيضاوي: ويحتمل لشجاعته، كما يقال الكبش للشجاع، لأنه ينطح أقرانه.
وأما ذو القرنين الأصغر فهو الإسكندر اليوناني قتل دارا وسلبه ملكه وتزوج ابنته، واجتمع له الروم وفارس ولذا سمي بذلك. قال السهيلي: ويحتمل أنه لقب به تشبيهًا بالأول، لملكه ما بين المشرق والمغرب فيما قبل أيضًا واستظهره الحافظ وضعف قول من زعم أن الثاني هو المذكور في القرآن، كما أشار إليه البخاري بذكره قبل إبراهيم؛ لأن الإسكندر كان قريبًا من زمن عيسى، وبين إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة، قال: والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم، والفرق بينهما من وجوه:
أحدها: أن الذي يدل على تقدم ذي القرنين ما روى الفاكهي، طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين حج ماشيًا فسمع به إبراهيم، فتلقاه. ومن طريق عطاء عن ابن عباس: أن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه، ويقال: إنه أول من صافح. ومن طريق عثمان بن ساج أنه سأل إبراهيم أن يدعو له، فقال: وكيف وقد أفسدتم بئري؟ فقال: لم يكن ذلك عن أمري، يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه. وذكر ابن هشام في التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في بئر فحكم له.
وروى ابن أبي حاتم من طريق علبا بن أحمر: قدم ذو القرنين مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة، فاستفهمهما عن ذلك، فقالا: نحن عبدان مأموران، فقال: من يشهد لكما؟ فقامت خمسة أكبش فشهدت، فقال: صدقتما، قال: وأظن الأكبش المذكورة حجارة، ويحتمل أن تكون غنمًا، فهذه الآثار يشد بعضها بعضًا وتدل على قدم عهد ذي القرنين.
الوجه الثاني: قال الفخر الرازي: كان ذو القرنين نبيًا والإسكندر كافرًا ومعلمه أرسطاطاليس، وكان يأتمر بأمره وهو من الكفار بلا شك.
ثالثها: كان ذو القرنين من العرب والإسكندر من اليونان من ولد يافث بن نوح على الأرجح، والعرب كلها من ولد سام بن نوح باتفاق، وإن اختلف هل كلهم من ولد إسماعيل أم لا؟ فافترقا، وشبهة من قال: إن ذا القرنين هو الإسكندر.
ما أخرجه ابن جرير ومحمد بن الربيع الجيري: أن رجلا سأل النبي ﷺ عن ذي القرنين،стр. 485
وقال فيما سألوه عن الروح ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية.
وفي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا مع النبي ﷺ في حرث، وهو متكئ على عسيب. إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه.............................
الحواشي
(١) فقال: "كان من الروم فأعطي ملكًا فسار إلى مصر فبنى الإسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به، فقال: انظر ما تحتك، فقال: أرى مدينتي ومدائن حولها، ثم عرج به فقال: انظر ما تحتك، قال أرى مدينة واحدة، قال: تلك الأرض كلها، وإنما أراد الله تعالى أن يريك، وقد جعل الله لك في الأرض سلطانًا، فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم"، وهذا لو صح لرفع النزاع كله، لكنه ضعيف، انتهى. وذكر نحوه الحافظ ابن كثير وصوب أيضًا أن ذا القرنين غير الإسكندر فعض عليه بالنواجذ.
"وقال فيما سألوه" ما مصدرية، أي: في جواب سؤالهم "عن الروح" ولعل حكمة المغايرة بينه وبين ما قبله أنه بين فيه نفس المسئول عنه وهو الفتية والرجل، ولم يبينه هنا بل رد علمه إليه سبحانه، فقال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ، أي: علمه لا تعلمونه.
"وفي البخاري" في العلم والتفسير والاعتصام والتوحيد ما يعارض ما علم من أن السؤال من قريش بمكة، فإنه أخرج "من حديث عبد الله بن مسعود، قال بينا أنا" أمشي "مع النبي ﷺ في حرث" بفتح الحاء وراء مهملتين فمثلثة، أي: زرع، وفي العلم: في خرب المدينة بمعجمة مفتوحة وراء مكسورة وموحدة، قال الحافظ: والأول أصوب لرواية مسلم في نخل، زاد في العلم: بالمدينة، وابن مردويه: للأنصار، "وهو متئ" معتمد، وفي العلم: وهو يتكئ "على عسيب" بفتح العين وكسر السين المهملتين وسكون التحتانية وموحدة، وهي الجريدة التي لا خوص فيها، ولابن حبان: ومعه جريدة، "إذ مر اليهود" كذا في التفسير بالرفع على الفاعلية في المواضع الثلاثة مر بنفر من اليهود، وكذا رواه مسلم، قال الحافظ فيحمل على أن الفريقين تلاقوا فيصدق أن كلا مر بالآخر، ولم أقف في شيء من الطرق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود، "فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح" وفي الاعتصام والتوحيد: وقال بعضهم: لا تسألوه، "فقالوا" وفي العلم والتفسير: قال بالإفراد، أي: بعضهم، "ما رابكم إليه" بلفظ الفعل الماضي بلا همز من الريب، قال عياض: أي ما شككم في أمر الروح، أو ما الريب الذي رابكم حتى احتجتم إلى معرفته والسؤال عنه، أو ما دعاكم إلى شيء يسوءكم عقباه، ألا ترى قوله: لا يستقبلكم ... إلخ، انتهى.стр. 486
وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية.
الحواشي
(١) وللحموي: ما رأبكم بهمزة مفتوحة وموحدة مضمومة من الرأب، وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم إذا أصلح بينهم، قال الحافظ: وفي توجيهه هنا بعد، وقال الخطابي: الصواب ما أربكم بتقديم الهمزة وفتحتين من الأرب وهو الحاجة، وهذا واضح المعنى لو ساعدته الرواية، نعم رأيته في رواية المسعودي عن الأعمش عند الطبري، كذلك قال. وفي رواية القابسي، قال المصنف: رأيته عن الحموي أيضًا، ما رأيكم بسكون الهمزة وتحتية بدل الموحدة من الرأي.
"وقال بعضهم: لا يستقبلكم" بالرفع على الاستئناف، أي: لا تسألوه لئلا يستقبلكم لا بالجزم لانتفاء شرطه وهو صحة وقوع إن الشرطية قبل أداة النهي مع استقامة المعنى، إذ لا يستقيم هنا أن لا تسألوه يستقبلكم، قال في الفتح: ويجوز السكون وكذا النصب أيضًا، انتهى. ولعل الجزم على النهي مبني على رأي من لا يشترط ذلك. "بشيء" وفي العلم: لا تسألوه لا يجيء بشيء "تكرهونه" إن لم يفسره؛ لأنهم قالوا: إن فسره فليس بنبي؛ لأن في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من عباده، فإذا لم يفسره دل على نبوته وهم يكوهونها، وقامت الحجة عليهم في نبوته. وفي الاتصام: لا يسمعكم ما تكرهون، "فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك فلم يرد عليهم شيئًا" وللكشميهني: عليه بالإفراد، أي: السائل. وفي العلم: فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم! ما الروح؟ فسكت.
وفي الاعتصام: فقاموا إليه فقالوا: يا أبا القاسم! حدثنا عن الروح، فأقام ساعة ينظر، قال ابن مسعود: "فعلمت" وفي التوحيد: فظننت، وفي الاعتصام: فقلت "إنه يوحى إليه" وهي متقاربة وإطلاق العلم على الظن مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس؛ كما في الفتح. "فقمت مقامي" أي: مكثت بمحلي الذي كنت فيه.
وفي العلم: فقمت فقط، أي: حتى لا أكون مشوشًا عليه، أو فقمت حائلا بينه وبينهم؛ كما في المصنف. وفي الاعتصام: فتأخرت، قال الحافظ: أي أدبًا معه لئلا يتشوش بقربي منه، انتهى. ولا ينافيه رواية مقامي؛ لأنه تأخر قليلا فكأنه فيه، "فلما نزل الوحي" وفي العلم: فلما انجلى عنه، أي الكرب الذي كان يغشاه حال الوحي.
"قال" وفي الاعتصام حتى صعد الوحي، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي من الإبداعيات الكائنة يكن من غير مادة وتولد عن أصل، واقتصر على هذا الجواب؛ كما اقتصر موسى في جواب وما رب العالمين بذكر بعض صفاته؛ لكونها مما استأثر الله بعلمه،стр. 487
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي -فيما يظهر من بادئ الرأي- أن هذه آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية.
وقد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك, ومما يدل على نزولها بمكة ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت. الحديث. انتهى.
وهذا الحديث رواه الترمذي أيضًا بإسناد رجاله رجال مسلم.
فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير...............................
الحواشي
(١) ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوته، زاد البخاري في التوحيد: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم لا تسألوه.
"قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي فيما يظهر من بادئ الرأي" بالهمز، أي: أوله من غير تثبت وتفكر فيه أو ظاهره دون تفكر فيه باطنًا، "أن هذه آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة مع أن السورة كلها مكية" وقيل: إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] ، إلى آخر ثمان آيات؛ كما في الأنوار، وبه جزم الجلال، "وقد يجاب عن هذا" الاختلاف "بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة؛ كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، ومما يدل على نزولها بمكة ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا" بفتح الهمزة "شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت. الحديث، انتهى".
"وهذا الحديث" الذي عزاه ابن كثير لأحمد، "رواه الترمذي أيضًا" وقال: إنه صحيح فقصر ابن كثير بل عليه معمر في غزوه لأحمد فقط؛ لأن الحديث إذا كان في أحد الستة لا ينقل من غيرها إلا لزيادة أو صحة؛ كما قال مغلطاي، فكيف وقد صرح الترمذي رواية بصحته وهو ظاهر؛ لأنه "بإسناد رجاله رجال مسلم" فهو من المرتبة السادسة من مراتب الصحيح؛ كما في الألفية، وإن كان لا يلزم أنه كصحة ما رواه مسلم نفسه، كما نبه على ذلك ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم، فقال: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في الصحيح بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل ذلك يتوقف على النظر في كيفية روايته عنه، وعلى أخرج حديثه؟ "فيحمل على تعدد النزول؛ كما أشار إليه ابن كثير" وكذا الحافظ ابنстр. 488
ويحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك.
وقد اختلف في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر:
فقيل: روح الإنسان. وقيل: جبريل. وقيل: عيسى: وقيل: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة. وقيل غير ذلك.
الحواشي
(١) حجر، وحيث قلنا بذلك فالعلم حاصل، فما وجه ترك المبادرة بالجواب؟ "و" جهه كما قال الحافظ أنه "يحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك" قال: أعني الحافظ، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح.
وفي الإتقان: إذا استوى الإسنادان صحة رجح أحدهما بحضور رواية القصة ونحو ذلك من وجوه الترجيحات، ومثل بحديثي ابن مسعود وابن عباس المذكورين، ثم قال: وحديث ابن عباس يقتضي نزولها بمكة والأول خلافه، وقد يرجح بأن ما رواه البخاري أصح وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة لكنه نقل في الإتقان نفسه بعد قليل عن الزركشي في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه وتذكيرًا عند حدوث سببه خوف نسيانه، ثم ذكر منه آية الروح، فإن سورة الإسراء مكية وسبب نزولها يدل على أنها نزلت بالمدينة، ولذا أشكل ذلك على بعضهم ولا إشكال؛ لأنها نزلت مرة بعد مرة، انتهى.
"وقد اختلف في المراد بالروح المسئول عنه في هذا الخبر" لأن الروح جاء في التنزيل على معان، "فقيل: روح الإنسان" الذي يحيا به البدن، وقيل: روح الحيوان، "وقيل جبريل" كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] ، "وقيل: عيسى" كقوله: وروح منه. وقيل: القرآن؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾ [الشورى: ٥٢] . وقيل: الوحي؛ كقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥] .
"وقيل: ملك يقوم وحده صفًا يوم القيامة، وقيل غير ذلك" فقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح ووجه، وقيل: ملك له سبعون ألف لسان، وقيل: سبعون ألف وجه في كل وه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله بكلها فيخلق بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة، وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى ورأسه عند قائمة العرش. وقيل: خلق كخلق بني آدم، يقال لهم الروح يأكلون ويشربون لا ينزل ملك من السماء إلا ومعه واحد منهم. وقيل: خلق يرون الملائكة ولا تراهم الملائكة، كالملائكة لبني آدم؛ كذا ذكره ابن التين بزيادات من كلام غيره. قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى: لفنا الروح الوارد في القرآن، لا في خصوص هذه الآية، فمنه نزل به الروح، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾ [الشورى: ٥٢] ،стр. 489
وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح.
وقال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هي متحيزة أم لا؟ وهل هي حالة في متحيز أم لا؟ وهل هي قديمة أم حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد...................
الحواشي
(١) ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ ، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، يوم يقوم الروح تنزل الملائكة والروح، فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوة، والخامس والسادس محتمل لجبريل ولغيره, وورد إطلاق روح الله على عيسى.
وروى إسحاق يعني ابن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس، قال: الروح من أمر الله، وخلق من خلق الله، وصور كبني آدم لا ينزل ملك إلا ومعه واحد من الروح، انتهى.
"قال القرطبي: الراجح" وهو قول الأكثر "أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله" واضح، وأما قوله: "ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح" فغير واضح، إذ سؤالهم تعنت وامتحان لا استفهام، كما هو معلوم، وجنح ابن القيم في كتاب الروح إلى ترجيح أن الروح المسئول عنه، ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] ، قال: فأما أرواح بني آدم فلم تسم في القرآن إلا نفسًا، قال الحافظ: ولا دلالة فيه لما رجحه بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبري من طريق العوفي، عن ابن عباس، أنهم قالوا: أخبرنا عن الروح وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.
"وقال الإمام فخر الدين" الرازي "المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه أن السؤال عن الروح يحتمل" أنه عن "ماهيته" أي حقيقته، "وهل هي متميزة" منفصلة عن البدن غير حالة فيه، تتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق وتدبر أمره على وجه لا يعلمه إلا الله؛ كما قال الغزالي والحكماء وكثير من الصوفية، "أم لا؟ " بل حالة فيه حلول الزيت في الزيتون؛ كما قال جمهور أهل السنة.
"وهل هي حالة في متحيز، أم لا؟ وهل هي قديمة" كما قال الزنادقة، "أم حادثة؟ " مخلوقة، كما أجمع عليه أهل السنة، وممن نقل الإجماع: محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة، ومن الأدلة عليه قوله ﷺ : "الأرواح جنود مجندة، والمجندة لا تكون إلا مخلوقة"، "وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد" بالموت وهو الصحيح والأخبار به طافحة، ففي فنائها عند القيامة ثمстр. 490
وتفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير ذلك من متعلقاتها.
قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية. وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ ، فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه.
قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ :
الحواشي
(١) عودها توفية بظاهر قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ، وعدمه بل تكون مما استثنى الله في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧، الزمر: ٦٨] قولان، حكاهما السبكي في تفسيره، وقال الأقرب الثاني، "أو تفنى؟ " كما قال الفلاسفة وشرذمة قليلة من الأندلسيين وشدد عليهم النكير ورد عليهم بما أخرجه ابن عساكر عن سحنون أنه ذكر عنده رجل يذهب إلى أن الأرواح تموت بموت الأجساد، فقال: معاذ الله، هذا قول أهل البدع.
وقال ابن القيم: الصواب أنه إن أريد بذوقها للموت مفارقتها للجسد، فنعم هي ذائقة الموت بهذا المعنى، وإن أريد أنها تعدم فلا؛ بل هي باقية بإجماع في نعيم أو عذاب. "وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها وغير ذلك من متعلقاتها؟ قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني؛ إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب" الصادر من الله لنبيه "يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع" جمع طبيعة، وهي مزاج الإنسان المركب من الأخلاط؛ كما في المصباح ونحوه في القاموس. "والأخلاط" جمع خلط، قال في القاموس: أخلاط الإنسان أمزجته الأربعة.
"وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ [يس: ٨٢] ، قيل: هو عبارة عن سرعة الحصول، أي: متى تعلقت إرادته تعالى بشيء كان، وقيل: إذا أراد شيئًا قال قولا نفسانيًا له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ، وعليه فكن علامة وسبب لوجود ما أراده تعالى؛ "فكأنه قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه" إيجاده فهو تفسير للأمر، "ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد" بجعل الله تعالى إياها سببًا في وجود الحياة، فلا ينافي أن التأثير إنما هو بإرادته تعالى وخلقه "ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه، قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ،стр. 491
الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي فعله. فيكون الجواب: أنها حادثة.
ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها.
انتهى.
وقال في فتح الباري: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم.
فقيل: هي النفس الداخل الخارج.
وقيل: جسم لطيف، يحل في جميع البدن.
وقيل: هي الدم.
وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة.
ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبي خمسة أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة............
الحواشي
(١) "الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ، أي: مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح، "أي: فعله فيكون الجواب: أنها حادثة، ثم قال: سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها، انتهى" كلام الرازي.
"وقال في فتح الباري" في التفسير بعد نقله كلامي القرطبي والرازي المذكورين، "وقد تنطع قوم" من جميع الفرق؛ أي: تعمقوا وبالغوا في الكلام وخرجوا عن الحد في معرفة ماهية الروح، "فتباينت أقوالهم" قال بعضهم: وما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل، "فقيل: هي النفس الداخل الخارج" وعزى للأشعري "وقيل: جسم لطيف يحل" بضم الحاء، "في جميع البدن" ويسري فيه سريان ماء الورد فيه، وهذا اعتمده عامة المتكلمين من أهل السنة؛ كما قال المصنف وهو أقرب الأقوال "وقيل: هي الدم" أسقط من الفتح، وقيل: هي عرض قبل قوله: "وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة"، وقيل: هي أكثر من ألف قول، قال ابن جماعة: وليس فيها قول صحيح، بل هي قياسات وتخيلات عقلية.
"ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح" فما به حياتهم روح، وما ثبت في قلوبهم من الإيمان روح، وما ترقوا به من معرفة الله وهدايتهم إلى الأعمال الصالحة واجتنابهم المناهي روح، ويشاركهم المؤمنون في الثلاثة، وهو المراد بقوله: "ولكل مؤمن ثلاثة" وأيدت الأنبياء زيادة عليهم بقبول وحي الله ويسمى روحًا لحياة القلوب به وبقوة خلقها اللهстр. 492
ولكل حي واحدة.
وقال ابن العربي: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شيء واحد.....................
الحواشي
(١) فيهم، فيتمكنون بها من سماع كلامه تعالى بلا واسطة فيتحققون أنه ليس من جنس كلام البشر ذكر الخمسة هذه ابن القيم في كتاب الروح ملخصًا، ولا تشكل الأخيرة بأن الكلام لم يقع للجميع؛ لأنه لا يلزم من خلق القوة وقوعه بالفعل، وهذا أولى من تفسير ثلاثة:
المؤمن، بما ذكره الأنصاري في شرح الرسالة القشيرية أن في باطن الجسد روح اليقظة، وهي التي ما دامت فيه كان متيقظًا فإذا فارقته نام ورأى المرائي.
وروح الحياة: التي ما دامت فيه كان حيًا، فإذا فارقته مات فالنوم انقطاع الروح عن ظاهر البدن فقط.
والموت: انقطاعه عن ظاهره وباطنه، وروح الشيطان ومقرها الصدر؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] ، انتهى؛ لأن هذه الثلاثة لا تخص المؤمن بل يشاركه الكافر.
"ولكل حي واحدة" بقية، نقل ابن منده؛ كما في الفتح، وإن سقط في كثير من نسخ المصنف: ونقل ابن القيم عن طائفة أن للكافر والمنافق روحًا واحدة، وقال: أما الروح التي تتوفى وتقبض فواحدة، وما زاد عليها مما سمي روحًا مجاز، والمراد خاصة نسبتها لروح الحياة كنسبة الروح إلى الجسد، فإنه إنما يحس ويدرك ويقوى بحلولها فيه، فإذا فقدها كان بمنزلة الجسد إذا فقد روحه، قال: وتسمى قوى البدن روحًا، فيقال: الروح الباصر والسامع والشام ويطلق على أخص من هذا كله وهو قوة معرفة الله والإنابة إليه وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، فللعلم روح، وللأجساد روح، وللإخلاص روح، انتهى. زاد البقاعي: ولكل من التوكل والمحبة والصدق روح، والناس متفاوتون، فمن غلب عليه الأرواح صار روحانيًا، ومن فقدها أو أكثرها صار أرضيًا مهينًا.
"وقال" القاضي محمد أبو بكر "بن العربي" الحافظ المشهور "اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران" كما عليه فرقة محدثون وفقهاء وصوفية، قال السهيلي: ويدل عليه ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك، ولذا رجحه ابن العربي، فقال: "وهو الحق" فالنفس تخرج في النوم والروح في الجسد، والنفس لا تريد إلا الدنيا والشيطان معها، والروح تدعو إلى الآخرة والملك معها، وقيل: هما شيء واحد" قاله الأكثرون وهو الصحيح؛ كما قال ابن القيم والسيوطي وسبقهما الإمام أبو الوليد بن رشد أحد أئمة المالكية، فقال: إنه الصواب، وجزم به ابن السبكي وأقره شارحوه، وقيل: لابن آدم نفس مطمئنةстр. 493
قال وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس.
وقال ابن بطال القرطبي حقيقتها مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر.
قال: والحكمة في إبهامه، اختيار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه.
وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى.
وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم. وقد قالوا في علم الساعة.
الحواشي
(١) ولوامة وأمارة، قال الصفوي: والتحقيق أنها واحدة لها تسمى باعتبار كل صفة باسم، "قال" أي ابن العربي، "وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس" حقيقة على الثاني ومجازًا على الأول، قال ابن العربي: كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل الجماد مجازًا.
"قال" العلامة أبو الحسن علي بن خلف "بن بطال القرطبي" شارح البخاري أحد شيوخ ابن عبد البر كان من أهل العلم والمعرفة والفهم عنى بالحديث العناية التامة وأتقن ما قيد، ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة، "معرفة حقيقتها مما استأثر بعلمه بدليل هذا الخبر" كالقرآن وتلك الأقوال تنطع، "قال: والحكمة في إبهامه" أي: عدم بيان حقيقته، "اختبار" بموحدة "الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم" يلجئهم "إلى رد العلم إليه" وأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الضاد.
"وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى" ذكره بعد سابقه، إشارة إلى أن الاختبار إذا نسب إلى الحق كان مستعملا في لازمه وهو إظهار عجز المختبر؛ لأن الاختبار الامتحان والقصد به طلب بيان ما عليه المختبر، وإنما يكون ممن لا يعلم حقيقة الحال لا من العليم بما في الصدور.
"وقال بعضهم: ليس في الآية" ولا في الحديث "دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم" بل أمره بعدم إطلاعهم، وذكر في الأنموذج هذا الاحتمال قولا، قال شارحه: والصحيح خلافه، "وقد قالوا في علم الساعة"стр. 494
نحو هذا فالله أعلم. انتهى ملخصًا.
ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان................................................
الحواشي
(١) وباقي الخمس المذكورة في آية ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] "نحو هذا" يعني: أنه أوتي علمها ثم أمر بكتمها، قال بعضهم: وظاهر الأحاديث يأباه، "فالله أعلم" بحقيقة ذلك "انتهى" كلام الفتح "ملخصًا" وفيه بعد هذا: وممن رأى الإمساك عن ذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري، فقال بعد كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدبه ﷺ ، وقد قال الجنيد: إنها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير. وأجاب من خاض في ذلك: بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليظ، لكونه يطلق على أشياء فأضمروا أنه بأي شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فرد الله كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملا كسؤالهم المجمل. وقال السهروردي: يجوز أن من خاض فيها سلك التأويل لا التفسير، إذ لا يسوغ إلا نقلا.
أما التأويل فتمتد العقول إليه بذكر ما تحتمل الآية من غير قطع بأنه المراد، وقد خالف الجنيد ومن تبعه جماعة من متأخري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها وعاب من أمسك عنها، انتهى. ثم ذكر المصنف بعض ما أوذي به المسلمون, سنة الله في الذين خلوا من قبل؛ كما قال تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١-٣] الآية، يقال: نزلت في عمار. وفي البخاري عن خباب: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد برده في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد محمرًا وجهه، فقال: "إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه"، انتهى.
إلا أن المصنف يشعر بأنه بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود وليس بمراد؛ لأن إسلام حمزة في السادسة والهجرة الأولى في الخامسة، نعم يأتي على أن إسلامه في الثانية، فقال:
"ولما كثر المسلمون وظهر الإيمان" لم يقل الإسلام مع أنه أنسب بالمسلمين إيماء إلى أن ما صدقهما واحد إذ لا اعتداد بأحدهما دون الآخر شرعًا؛ فالإسلام النافع هو الانقياد ظاهرًا وباطنًا لإجابة النبي ﷺ ، ولا يتحقق بدون الإيمان، كما أن الإيمان الذي هو التصديق لاعتداد بهстр. 495
أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم.
حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهي تعذب فطعنها في فرجها فقتلها.
وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال
الحواشي
(١) شرعًا بدون انقياد، "أقبل كفار قريش" أي: التفتوا وسعوا لا الإقبال بالوجه "على من آمن" بإغراء أبي جهل "يعذبونهم" بأنواع العذاب إن لم يكن لهم قوة ومنعة، "ويؤذونهم" بالتوبيخ بالكلام ونحوه لمن له منعة؛ كما روي أن أبا جهل كان إذا سمع برجل أسلم وله شرف ومنعة لامه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك ولنغلبن رأيك ولنضعن شرفك؛ وإن كان تاجرًا، قال: لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك؛ وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به، واستمر الملعون في أذاه "حتى إنه" بكسر الهمزة "مر عدو الله أبو جهل بسمية" بضم المهملة مصغر، إحدى السابقات كانت سابع سبعة في الإسلام، "أم عمار بن ياسر وهي تعذب" هي وابناها عمار وعبد الله وأبوهما ياسر بن عامر؛ كما رواه البلاذري عن أم هانئ، قالت: فمر بهم النبي ﷺ ، فقال: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" فمات ياسر في العذاب وأعطيت سمية لأبي جهل "فطعنها في فرجها" بحربة وهي عجوز كبيرة "فقتلها" ورمى عبد الله فسقط، وقد روى ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد أن سمية أول شهداء الإسلام.
وروى ابن عبد البر عن ابن مسعود: أن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سمية أم عمار حتى بلغت فرجها فماتت، فقال عمار: يا رسول الله! بلغ منا أو بلغ منها العذاب كل مبلغ، فقال ﷺ : "اصبر أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من آل ياسر أحد بالنار" وأما عمار ففرج الله عنه بعد طول تعذيبه؛ فقد جاء أنه كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، ورئي في ظهره أثر كالمخيط فسئل، فقال: هذا ما كانت تذبني قريش في رمضاء مكة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار، فمر ﷺ فأمر يده عليه، وقال: "يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار، كما كنت على إبراهيم"، "وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب" أراد ما يشمل الإناث لكونهن فيهم "اشتراه منهم" من سادتهم المعذبين لهم. "وأعتقه" ابتغاء وجه ربه الأعلى، "منهم" من العبيد الذين اشتراهم: "بلال" بن رباح براء مفتوحة فموحدة خفيفة فألف مهملة، الحبشي على المشهور، وهو ما رواه الطبراني وغيره عن أنس، وقيل: النوبي ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، وكان مولى بعض بني جمح، ثم مولى الصديق. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن أبا بكر اشتراهследующие страницы →