Полный текст (5 943 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي فعله. فيكون الجواب: أنها حادثة.
ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها.
انتهى.
وقال في فتح الباري: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم.
فقيل: هي النفس الداخل الخارج.
وقيل: جسم لطيف، يحل في جميع البدن.
وقيل: هي الدم.
وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة.
ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبي خمسة أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة............
الحواشي
(١) "الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ، أي: مرشد أو ذي رشد، وإنما هو غي محض وضلال صريح، "أي: فعله فيكون الجواب: أنها حادثة، ثم قال: سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء والتعمق فيها، انتهى" كلام الرازي.
"وقال في فتح الباري" في التفسير بعد نقله كلامي القرطبي والرازي المذكورين، "وقد تنطع قوم" من جميع الفرق؛ أي: تعمقوا وبالغوا في الكلام وخرجوا عن الحد في معرفة ماهية الروح، "فتباينت أقوالهم" قال بعضهم: وما ظفروا بطائل ولا رجعوا بنائل، "فقيل: هي النفس الداخل الخارج" وعزى للأشعري "وقيل: جسم لطيف يحل" بضم الحاء، "في جميع البدن" ويسري فيه سريان ماء الورد فيه، وهذا اعتمده عامة المتكلمين من أهل السنة؛ كما قال المصنف وهو أقرب الأقوال "وقيل: هي الدم" أسقط من الفتح، وقيل: هي عرض قبل قوله: "وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة"، وقيل: هي أكثر من ألف قول، قال ابن جماعة: وليس فيها قول صحيح، بل هي قياسات وتخيلات عقلية.
"ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح" فما به حياتهم روح، وما ثبت في قلوبهم من الإيمان روح، وما ترقوا به من معرفة الله وهدايتهم إلى الأعمال الصالحة واجتنابهم المناهي روح، ويشاركهم المؤمنون في الثلاثة، وهو المراد بقوله: "ولكل مؤمن ثلاثة" وأيدت الأنبياء زيادة عليهم بقبول وحي الله ويسمى روحًا لحياة القلوب به وبقوة خلقها اللهстр. 492
ولكل حي واحدة.
وقال ابن العربي: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شيء واحد.....................
الحواشي
(١) فيهم، فيتمكنون بها من سماع كلامه تعالى بلا واسطة فيتحققون أنه ليس من جنس كلام البشر ذكر الخمسة هذه ابن القيم في كتاب الروح ملخصًا، ولا تشكل الأخيرة بأن الكلام لم يقع للجميع؛ لأنه لا يلزم من خلق القوة وقوعه بالفعل، وهذا أولى من تفسير ثلاثة:
المؤمن، بما ذكره الأنصاري في شرح الرسالة القشيرية أن في باطن الجسد روح اليقظة، وهي التي ما دامت فيه كان متيقظًا فإذا فارقته نام ورأى المرائي.
وروح الحياة: التي ما دامت فيه كان حيًا، فإذا فارقته مات فالنوم انقطاع الروح عن ظاهر البدن فقط.
والموت: انقطاعه عن ظاهره وباطنه، وروح الشيطان ومقرها الصدر؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] ، انتهى؛ لأن هذه الثلاثة لا تخص المؤمن بل يشاركه الكافر.
"ولكل حي واحدة" بقية، نقل ابن منده؛ كما في الفتح، وإن سقط في كثير من نسخ المصنف: ونقل ابن القيم عن طائفة أن للكافر والمنافق روحًا واحدة، وقال: أما الروح التي تتوفى وتقبض فواحدة، وما زاد عليها مما سمي روحًا مجاز، والمراد خاصة نسبتها لروح الحياة كنسبة الروح إلى الجسد، فإنه إنما يحس ويدرك ويقوى بحلولها فيه، فإذا فقدها كان بمنزلة الجسد إذا فقد روحه، قال: وتسمى قوى البدن روحًا، فيقال: الروح الباصر والسامع والشام ويطلق على أخص من هذا كله وهو قوة معرفة الله والإنابة إليه وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، فللعلم روح، وللأجساد روح، وللإخلاص روح، انتهى. زاد البقاعي: ولكل من التوكل والمحبة والصدق روح، والناس متفاوتون، فمن غلب عليه الأرواح صار روحانيًا، ومن فقدها أو أكثرها صار أرضيًا مهينًا.
"وقال" القاضي محمد أبو بكر "بن العربي" الحافظ المشهور "اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران" كما عليه فرقة محدثون وفقهاء وصوفية، قال السهيلي: ويدل عليه ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] ، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ، فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك، ولذا رجحه ابن العربي، فقال: "وهو الحق" فالنفس تخرج في النوم والروح في الجسد، والنفس لا تريد إلا الدنيا والشيطان معها، والروح تدعو إلى الآخرة والملك معها، وقيل: هما شيء واحد" قاله الأكثرون وهو الصحيح؛ كما قال ابن القيم والسيوطي وسبقهما الإمام أبو الوليد بن رشد أحد أئمة المالكية، فقال: إنه الصواب، وجزم به ابن السبكي وأقره شارحوه، وقيل: لابن آدم نفس مطمئنةстр. 493
قال وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس.
وقال ابن بطال القرطبي حقيقتها مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر.
قال: والحكمة في إبهامه، اختيار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه.
وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى.
وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم. وقد قالوا في علم الساعة.
الحواشي
(١) ولوامة وأمارة، قال الصفوي: والتحقيق أنها واحدة لها تسمى باعتبار كل صفة باسم، "قال" أي ابن العربي، "وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس" حقيقة على الثاني ومجازًا على الأول، قال ابن العربي: كما يعبر عن الروح وعن النفس بالقلب وبالعكس حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل الجماد مجازًا.
"قال" العلامة أبو الحسن علي بن خلف "بن بطال القرطبي" شارح البخاري أحد شيوخ ابن عبد البر كان من أهل العلم والمعرفة والفهم عنى بالحديث العناية التامة وأتقن ما قيد، ومات سنة أربع وأربعين وأربعمائة، "معرفة حقيقتها مما استأثر بعلمه بدليل هذا الخبر" كالقرآن وتلك الأقوال تنطع، "قال: والحكمة في إبهامه" أي: عدم بيان حقيقته، "اختبار" بموحدة "الخلق ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم" يلجئهم "إلى رد العلم إليه" وأبدلت التاء طاء لوقوعها بعد الضاد.
"وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى" ذكره بعد سابقه، إشارة إلى أن الاختبار إذا نسب إلى الحق كان مستعملا في لازمه وهو إظهار عجز المختبر؛ لأن الاختبار الامتحان والقصد به طلب بيان ما عليه المختبر، وإنما يكون ممن لا يعلم حقيقة الحال لا من العليم بما في الصدور.
"وقال بعضهم: ليس في الآية" ولا في الحديث "دلالة على أن الله لم يطلع نبيه على حقيقة الروح، بل يحتمل أن يكون أطلعه ولم يأمره أن يطلعهم" بل أمره بعدم إطلاعهم، وذكر في الأنموذج هذا الاحتمال قولا، قال شارحه: والصحيح خلافه، "وقد قالوا في علم الساعة"стр. 494
نحو هذا فالله أعلم. انتهى ملخصًا.
ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان................................................
الحواشي
(١) وباقي الخمس المذكورة في آية ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] "نحو هذا" يعني: أنه أوتي علمها ثم أمر بكتمها، قال بعضهم: وظاهر الأحاديث يأباه، "فالله أعلم" بحقيقة ذلك "انتهى" كلام الفتح "ملخصًا" وفيه بعد هذا: وممن رأى الإمساك عن ذلك الأستاذ أبو القاسم القشيري، فقال بعد كلام الناس في الروح: وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدبه ﷺ ، وقد قال الجنيد: إنها مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية وجمع من أهل التفسير. وأجاب من خاض في ذلك: بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز وتغليظ، لكونه يطلق على أشياء فأضمروا أنه بأي شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فرد الله كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملا كسؤالهم المجمل. وقال السهروردي: يجوز أن من خاض فيها سلك التأويل لا التفسير، إذ لا يسوغ إلا نقلا.
أما التأويل فتمتد العقول إليه بذكر ما تحتمل الآية من غير قطع بأنه المراد، وقد خالف الجنيد ومن تبعه جماعة من متأخري الصوفية فأكثروا من القول في الروح، وصرح بعضهم بمعرفة حقيقتها وعاب من أمسك عنها، انتهى. ثم ذكر المصنف بعض ما أوذي به المسلمون, سنة الله في الذين خلوا من قبل؛ كما قال تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١-٣] الآية، يقال: نزلت في عمار. وفي البخاري عن خباب: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد برده في ظل الكعبة، ولقد لقينا من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله! ألا تدعو الله لنا؟ فقعد محمرًا وجهه، فقال: "إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه"، انتهى.
إلا أن المصنف يشعر بأنه بعد إسلام حمزة وبعث المشركين إلى اليهود وليس بمراد؛ لأن إسلام حمزة في السادسة والهجرة الأولى في الخامسة، نعم يأتي على أن إسلامه في الثانية، فقال:
"ولما كثر المسلمون وظهر الإيمان" لم يقل الإسلام مع أنه أنسب بالمسلمين إيماء إلى أن ما صدقهما واحد إذ لا اعتداد بأحدهما دون الآخر شرعًا؛ فالإسلام النافع هو الانقياد ظاهرًا وباطنًا لإجابة النبي ﷺ ، ولا يتحقق بدون الإيمان، كما أن الإيمان الذي هو التصديق لاعتداد بهстр. 495
أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم.
حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهي تعذب فطعنها في فرجها فقتلها.
وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال
الحواشي
(١) شرعًا بدون انقياد، "أقبل كفار قريش" أي: التفتوا وسعوا لا الإقبال بالوجه "على من آمن" بإغراء أبي جهل "يعذبونهم" بأنواع العذاب إن لم يكن لهم قوة ومنعة، "ويؤذونهم" بالتوبيخ بالكلام ونحوه لمن له منعة؛ كما روي أن أبا جهل كان إذا سمع برجل أسلم وله شرف ومنعة لامه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك ولنغلبن رأيك ولنضعن شرفك؛ وإن كان تاجرًا، قال: لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك؛ وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به، واستمر الملعون في أذاه "حتى إنه" بكسر الهمزة "مر عدو الله أبو جهل بسمية" بضم المهملة مصغر، إحدى السابقات كانت سابع سبعة في الإسلام، "أم عمار بن ياسر وهي تعذب" هي وابناها عمار وعبد الله وأبوهما ياسر بن عامر؛ كما رواه البلاذري عن أم هانئ، قالت: فمر بهم النبي ﷺ ، فقال: "صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" فمات ياسر في العذاب وأعطيت سمية لأبي جهل "فطعنها في فرجها" بحربة وهي عجوز كبيرة "فقتلها" ورمى عبد الله فسقط، وقد روى ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد أن سمية أول شهداء الإسلام.
وروى ابن عبد البر عن ابن مسعود: أن أبا جهل طعن بحربة في فخذ سمية أم عمار حتى بلغت فرجها فماتت، فقال عمار: يا رسول الله! بلغ منا أو بلغ منها العذاب كل مبلغ، فقال ﷺ : "اصبر أبا اليقظان، اللهم لا تعذب من آل ياسر أحد بالنار" وأما عمار ففرج الله عنه بعد طول تعذيبه؛ فقد جاء أنه كان يعذب حتى لا يدري ما يقول، ورئي في ظهره أثر كالمخيط فسئل، فقال: هذا ما كانت تذبني قريش في رمضاء مكة، وجاء أنهم أحرقوه بالنار، فمر ﷺ فأمر يده عليه، وقال: "يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار، كما كنت على إبراهيم"، "وكان الصديق إذا مر بأحد من العبيد يعذب" أراد ما يشمل الإناث لكونهن فيهم "اشتراه منهم" من سادتهم المعذبين لهم. "وأعتقه" ابتغاء وجه ربه الأعلى، "منهم" من العبيد الذين اشتراهم: "بلال" بن رباح براء مفتوحة فموحدة خفيفة فألف مهملة، الحبشي على المشهور، وهو ما رواه الطبراني وغيره عن أنس، وقيل: النوبي ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، وكان مولى بعض بني جمح، ثم مولى الصديق. روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن أبا بكر اشتراهстр. 496
وعامر بن فهيرة.
وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد......................
الحواشي
(١) بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة، "وعامر بن فهيرة" بضم الفاء وفتح الهاء وإسكان التحتانية وفتح الراء فتاء تأنيث، أسلم قديمًا.
روى الطبراني عن عروة: أنه كان ممن يعذب في الله، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكذا اشترى أبا فكيهة. ذكر ابن إسحاق: أنه أسلم حين أسلم بلال فعذبه أمية بن خلف، فاشتراه أبو بكر فأعتقه، واشترى أيضًا حمامة بفتح المهملة وخفة الميم، أم بلال وجارية بني المؤمل، قال في الإصابة: وردت في غالب الروايات غير مسماة وسماها البلاذري لبينة، أي: بلام وموحدة تصغير لبنة، والنهدية وابنتها وزبيرة وأمة بني زهرة.
"وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام" إظهارًا تامًا لا خفاء معه بحيث لا يبالي بمن علم به "سبعة" فلا ينافي إسلام كثيرين غيرهم، وإظهار بعضهم لبعض خفاء "رسول الله ﷺ " ودعا إلى الله وليس ثم من يوحده وهذا من أقوى شجاعته، "وأبو بكر" وكانت له اليد العليا في الإسلام وعادى قومه بعدما كان محببًا فيهم، ودفع عن المصطفى قولا ويدًا ودعا إلى الله، وحسبه أن فضلاء الصحابة أسلموا على يده. "وعمار" بن ياسر المملوء إيمانًا الصابر على البلوى أولا وآخرًا، المجاهد في الله حق جهاده.
وروى الطبراني في الكبير عنه: قاتلت مع رسول الله ﷺ الجن والإنس, أرسلني إلى بئر بدر فلقيت الشيطان في صورة الإنس فصارعني فصرعته، فجعلت أدقه بفهير أو حجر معي، فقال ﷺ : "عمار لقي الشيطان عند البئر فقاتله"، فرجعت فأخبرته، فقال: "ذاك الشيطان". "وأمه سمية" بنت سلم، قاله ابن سعد. وقال شيخه الواقدي: بنت خاط بمعجمة مضمومة وموحدة ثقيلة، ويقال: بمثناة تحتية، وعند الفاكهي: بنت خبط بفتح أوله بلا ألف مولاة أبي حذيفة بن المغيرة، وكان ياسر حليفًا له فزوجه سمية فولدت عمارًا، فأعتقه.
"وصهيب" بضم الصاد المهملة وفتح الهاء وتحتية ساكنة فموحدة، ابن سنان الرومي مولى عبد الله بن جدعان أسلم هو وعمار في يوم واحد بعد بضع وثلاثين رجلا على يد المصطفى ومكثا عنده بقية يومهما، ثم خرجا مستخفين فدخل عمار على أبويه، فسألاه أين كان، فأخبرهما بإسلامه وقرأ عليهما ما حفظ من القرآن في يومه ذلك، فأعجبهما فأسلما على يده، فكان ﷺ يسميه الطيب المطيب.
"وبلال" المؤذن "والمقداد" بن عمرو المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه, شهد بدرًاстр. 497
فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون ليعذبونهم فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، وإن بلالا هانت نفسه عليه في الله ، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد. رواه أحمد في مسنده.
وعن مجاهد مثله، وزاد في قصة بلال: وجعلوا في عنقه حبلا....................
الحواشي
(١) والمشاهد كلها. "فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله" من أذية الكفار البالغة المتوالية، فلا ينافي وطء عتبة رقبته وسب أبي جهل، ونحو ذلك.
"بعمه أبي طالب" وبغيره كبعث جبريل في صورة فحل ليلتقم أبا جهل لما أراد أذاه، ورؤيته أفق السماء سد عليه لما نذر أن يطأ عنقه الشريف، ورؤيته رجالا عن يمينه وعن شماله معهم رماح، حتى قال: لو خالفته لكانت إياها، أي: لأتوا على نفسه لما أخذ ﷺ بظلامة الزبيدي في جماله التي كان أكسدها عليه وظلمه، فأقبل إليه المصطفى، وقال: "يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت، فترى مني ما تكره" فجعل يقول: لا أعود لا أعود، كما بين في الأخبار، وكستر ملك له بجناحه لما أرادته امرأة أبي لهب فلم تره، وغير ذلك من الآيات البينات.
"وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه" من الأذى المتوالي "وأما سائرهم" أي: باقيهم، "فأخذهم المشركون يعذبونهم فألبسوهم أدراع الحديد" جمع درع ولعل الإضافة للاحتراز عن نحو القمص، "وصهروهم" بفتح الهاء مخففًا طرحوهم، "في الشمس" لتؤثر حرارتها فيهم "وإن بلالا" بكسر الهمزة استئناف، "هانت نفسه عليه في الله " فلم يبال بتعذيبهم، وصبر على أذاهم، "وهان على قومه" أي: مواليه، "فأخذوه فأعطوه الولدان" جمع وليد "فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد" قال البرهان: مرفوع منون كذا أحفظه، وكذا هو في أصلنا من سنن ابن ماجه خبر مبتدأ محذوف، أي: الله أحد، كأنه يشير إلى أني لا أشرك بالله شيئا، ويحتمل أنه مرفوع غير منون، أي: يا أحد، قال شيخنا: وأما النطق به حكاية لكلام بلال، فالظاهر أنه بالسكون لكونه موقوفًا عليه غير موصول بما يقتضي تحريكه، "رواه أحمد في مسنده، وعن مجاهد مثله.
وفيه: أنه نزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ [النحل: ١١٠، ١١٩] الآية، وأخرجه بقي بن مخلد في مسنده، لكنه أبدل المقداد بخباب، "وزاد" مجاهد "في قصة بلال، وجعلوا في عنقه حبلاстр. 498
ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه.
فانظر كيف فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر، وهو يقول: أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وهذا كما وقع له أيضًا عند موته، كانت امرأته تقول: واحرباه وهو يقول: واطرباه. غدا ألقى الأحبة محمدًا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء. ولله در أبي محمد الشقراطسي حيث قال:
لاقى بلال بلاء من أمية قد ... أحله الصبر فيه أكرم النزل
إذ أجهدوه............... ... ........................
الحواشي
(١) ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه" ليرجع إلى الكفر والله يعيذه وحسبه بهذا منقبه، قال عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، وقال ﷺ لبلال: "سمعت دق نعليك في الجنة"، رواهما البخاري.
"فانظر كيف" تأمل صفته مع صبره، فليست كيف للاستفهام أو هي بتقدير مضاف، أي: انظر جواب السائل عن حاله، بقوله: كيف، "فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر" بيان لما "وهو يقول: أحد أحد، فمزج" خلط "مرارة العذاب" مشقته وألمه" بحلاوة الإيمان" أي: الراحة الحاصلة به فهو استعارة تصريحية فشبه تحمله ألم العذاب بمن خلط الصبر ونحوه بنحو سكر فسهل عليه تناوله على أن في كون هذه الحلاوة حقيقية لأولياء الله أو استعارة خلافًا بسطه المصنف في مقصد المحبة.
"وهذا كما وقع له أيضًا عند موته كانت امرأته تقول: واحرباه" روي بفتح الحاء والراء المهملتين والموحدة من الحرب بالتحريك، وهو كما في النهاية نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، وبفتح الحاء والزاي ونون وبضم الحاء وسكون الزاي، وروي: واحوباه بفتح الحاء وسكون الواو فموحدة من الحرب وهو الإثم، والمراد ألمها بشدة جزعها وقلقها في المصيبة أو من الحوبة بمعنى رقة القلب وهو تكلف، كما في النسيم.
"وهو يقول: واطرباه" أي: فرحاه، "غدا ألقى الأحبة" الذين طال شوقي إليهم، "محمدًا وصحبه فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، ولله در أبي محمد الشقراطسي، حيث قال" في قصيدته المشهورة: "لاقى بلال بلاء من أمية قد" وروى إذا "أحله" من الحلول بالمكان، "الصبر فيه" أي: أحله الصبر على البلاء الذي كان يعذب به لما أسلم ليرجع عن دينه فما أعطاهم كلمة مما يريدون، ففي بمعنى على، "أكرم" بالنصب على الظرف مواضع "النزل" وهو طعام الضيف الذي يكرم به إذا نزل وأكرم تلك المواضع هو الجنة، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥] ، وفسر ما لاقاه، بقوله: "إذ" ظرف لقوله: لاقى أو أحله، "أجهدوه" حملوهстр. 499
...... بضنك الأسر وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل
ألقوه بطحا برمضاء البطاح ... وقد عالوا عليه صخورًا جمة الثقل
فوحد الله إخلاصًا وقد ظهرت ... بظهره كندوب الطل في الطلل
إن قد ظهر ولي الله من دبر ... قد قد قلب عدو الله من قبل
الحواشي
(١) فوق طاقته من العذاب من الجهد وهو المشقة "بضنك" ضيق "الأسر وهو على شدائد الأزل" بفتح الهمزة وبالزاي واللام الحبس والتضييق، "ثبت" مصدر بمعنى اسم الفاعل "الأزر" بزاي فراء القوة، أي: ثابت القوة، "لم يزل" بفتح الزاي من زال أخت كان وبضمها، أي: لم يزل عن ذلك وبين سبب ذلك بقوله: "ألقوه بطحًا" مفعول مطلق، أي: إلقاء هو بطح على وجهه أو حال من ضمير الفاعل، أي: باطحين أو المفعول، أي: مبطوحًا "برمضاء" بفتح الراء وسكون الميم وضاد معجمة ممدود، أي: بأرض اشتد وقع الشمس فيها سواء كان بها رمل أو حصى أو غيرهما، قاله أبو شامة.
وفي النور الرمضاء الرمل إذا اشتدت حرارته، "البطاح" جمع بطحاء أبو أبطح على غير القياس إذ قياس أبطح وبطحاء بطحاوات والكل مستعمل والإضافة من الأعم إلى الأخص كشجر أراك، أي: في أرض شديدة الحر، هو أودية واسعة، "وقد عالوا" مثل أعلوا، أي: رفعوا، "عليه صخورًا جمة الثقل" أي: كثيرته وألقوها عليه.
وأخرج الزبير بن بكار وأبو الفتح اليعمري عن عروة، قال مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب يلصق ظهره برمضاء البطحاء في الحر، وهو يقول: أحد أحد، فقال: يا بلال صبرًا يا بلال صبرًا، لم تعذبونه فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا، يقول: لأتمسحن به واستأنف قوله: "فوحد الله" حال كون توحيده "إخلاصًا" أو هو مفعول مطلق في موضع توحيد إلا أنه بمعنى يوحد، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون فوحد الله في موضع الحال من القوه أو من عليه، أي: في حال توحيده لله. ورده شيخنا بأن الحال لا تقع جملة إلا خبرية غير مصدرة بعلم استقبال مرتبطة بالواو والضمير أو بالواو فقط، كما هو مقرر.
"و" الحال أنه "قد ظهرت بظهره كندوب" جمع ندب بفتح الدال، أي: آثار، وقيل: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، "الطل" المطر الضعيف "في الطلل" ما شخص من آثار الديار على وجه الأرض وقد يعبر به عن محل القوم ومنزلهم وهو مراده هنا، فكأنه يقول: أثر التعذيب في ظهره؛ كما أثر المطر في الأطلال فخدد أرضها ومحا وسومها، قاله الطرابلسي.
قال أبو شامة: وإذا كان المطر ضعيفًا ظهرت آثار نقطه في الأرض. "إن قد ظهر ولي لله من دبر قد قد قلب عدو الله من قبل" فيه كما قال أبو شامة: من البديع اللفظي والمعنوي ذكرстр. 500
يعني إن كان ظهر ولي الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده، فقد جوزي عدو الله أمية وقد قلبه ببدر، لأنه قتل يومئذ، وكان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاء لأخوة كانت بينهما في الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا..................
الحواشي
(١) المتصفين في الآيتين إن كان قميصه قد من قبل وإن كان قميصه قد من دبر، وجعل صفة بلال الصفة التي كان عليها نبي الله يوسف، والصفة المكروهة صفة الكافر أمية، فأضاف إلى كل ما يليق بحاله والتجانس بين قد وقد، وبين قلب عدو الله ومن قبل، وذكره للقلب دون غيره من أعضاء الجسد مبالغة في تقطيعه بالسيوف، أي: أنها وصلت إلى قلبه فقدته، والمقابلة بين ولي الله وعدو الله وظهر وقلب إذ القلب من أعضاء الباطن والظهر بخلافه، والإشارة بقوله: من دبر إلى أن تعذيبه، كانت صورته صورة من أتى من ورائه غيلة؛ لأنه عذب بعد أن بطح وألقي عليه الصخر، وعدو الله أتى من قبل وجهه لا غيلة ولا خديعة. "يعني: إن كان ظهر ولي الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده فقد جوزي عدو الله أمية وقد قلبه ببدر؛ لأنه قتل يومئذ" وكان السيف وصل إلى قلبه فقده؛ كما مر؛ وأشار إلى أن حذف الفاء للضرورة؛ لأنه من المواضع التي يجب اقتران الجواب فيها بالفاء؛ لأن الشرط ماض مقرون بقد، وبه جزم الطرابلسي.
وقال أبو شامة: أو هو جواب قسم محذوف، فلا تلزم الفاء نحو: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون لكن حذف لام القسم، أي: لقد قد، فجواب الشرط محذوف؛ لأنه إذا قدر القسم قبله يكون ما اجتمع فيه الشرط والقسم فيحذف جواب المتأخر منهما؛ قال: ويجوز أنه عبر بقد قلبه عن همه ووجعه وتألمه وجزعه بإخبار سعد بن معاذ إياه بمكة أن النبي ﷺ يقتله، ففزع لذلك فزعًا شديدًا ولم يخرج لبدر إلا كرهًا؛ كما في الصحيح. أو عبر بقد قلبه عن انفلاقه وتقطعه حسرة وغيظًا لمشاهدته قتل صناديدهم يوم بدر، واختلال أمرهم وعلو كلمة الإسلام وأسره هو ثم قتله وعذاب بلال كان غير مشعر بشيء من ذلك فكأنه من وراء وراء. وعذاب أمية مباشرة مواجهة، فقال فيه من قبل، وفي بلال من دبر، وهذا معنى دقيق، انتهى.
"وكان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاءه لأخوة كانت بينهما في الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته" وكان حسنًا نديًا فصيحًا، وما يروى سين بلال عند الله شين، أنكره الحافظ المزي وغيره، "يا أنصار الله" خصهم لمزيد اعتنائهم بالنصرة ومعاهدتهم المصطفى عليها، وخشية أن المهاجرين لا يعينونه عليه إكرامًا لعبد الرحمن، "رأس الكفر" قال السيوطي وغيره بالنصب على الإغراء والرفع على حذف المبتدأ، أي: هذا "أمية بن خلف لا نجوت إن نجا" وفي البخاري عن عبد الرحمن فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهمстр. 501
فنهسوه بأسيافهم حتى قتلوه.
وأخرج البيهقي عن عروة أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة منهم: الزنيرة، فذهب بصرها، وكانت ممن تعذب في الله، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى فقالت: والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها.
والزنيرة: بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة، كسكينة: كما في القاموس.
الحواشي
(١) ابنه عليا لأشغلهم فقتلوه، ثم تبعونا وكان رجلا ثقيلا فلما أدركونا، قلت له: آبرك، فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه "فنهسوه" تناولوه "بأسيافهم حتى قتلوه" ففيه استعارة تصريحية تبعية شبه ضربهم بالسيوف بالنهس بالمهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان للأكل وبالمعجمة أخذه بالأسنان والأضراس، وفي نسخة: فنهبوه بموحدة وهو استعارة أيضًا، شبه ما ذكر بالنهب وهو أخذ المال بالغلبة والقهر فظهر مصداق، وأعلم أن النصر مع الصبر صبر على تعذيبه له فكان قتله على يديه قبل، فهناه الصديق بأبيات منها:
هنيئًا زادك الرحمن فضلا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال
"وأخرج البيهقي عن عروة: أنا أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في الله سبعة" هم: بلال وعامر بن فهيرة وأم عنيس بعين مهملة مضمومة فنون، وقيل: بموحدة فتحتي فسين مهملة أمة لبني زهرة، كان الأسود بن عبد يغوث يعذبها، وزنيرة والنهدية وبنتها والمؤملية؛ كما في سيرة ابن هشام. وذكر ابن إسحاق أنه أعتق أبا فكيهة وابن عبد البر, وغيره أنه اعتق أم بلال، فاقتصار عروة على سبعة باعتبار ما بلغه فلا ينافي أنهم تسعة.
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير، قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابًا ضعافًا فلو أنك أعتقت رجالا جلدًا يمنعونك ويقومون دونك، فقال: يا أبة، إني إنما أريد له عند الله، فنزلت هذه الآية فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ، إلى آخر السورة. "منهم الزنيرة" الرومية أمة عمر بن الخطاب أسلمت قبله، فكان يضربها "فذهب بصرها" عميت من شدة العذاب، "وكانت ممن يعذب في الله" وروى الواقدي أن عمر وأبا جهل كانا يعذبانها، "فتأبى إلا الإسلام" وكان أبو جهل يقول: ألا تعجبون إلى هؤلاء وأتباعهم لو كان ما أتى محمد خيرًا وحقًا ما سبقونا إليه، أفتسبقنا زنيرة إلى رشد.
وأخرج ابن المنذر عن عون أبي شداد، قال: كان لعمر أمة أسلمت قبله، يقال لها زنيرة فكان يضربها على إسلامها حتى يفتر، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيرًا ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا﴾ [الأحقاف: ١١] الآية، وروى نحوه ابن سعد عن الضحاك والحسن. "فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى" وعند البلاذري، فقال لها أبو جهل: إنهما فعلا بك ما ترين، فيحتمل أنهم تبعوهстр. 502
" الهجرة الأولى إلى الحبشة ":
ثم أذن رسول الله ﷺ لأصحابه في الهجرة للحبشة...............
الحواشي
(١) في قوله: "فقالت": وهي لا تبصر "والله ما هو كذلك" وما يدري اللات والعزى من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد علي بصري، "فرد الله عليها بصرها" صبيحة تلك الليلة، فقالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر فأعتقها.
"والزنيرة بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة" فتحتية فراء "كسكينة؛ كما في القاموس" قال الشامي: وهي لغة الحصاة الصغيرة، ويروى زنيرة بفتح الزاي وسكون النون فموحدة، انتهى.
وفي الإصابة: زنيرة بكسر الزاي وشد النون المكسورة بعدها تحتية ساكنة: الرومية ووقع في الاستيعاب زنيرة بنون وموحدة وزن عنبرة، وتعقبه ابن فتحون، وحكى عن مغازي الأموي بزاي ونون مصغرة من السابقات إلى الإسلام وممن يعذب في الله، انتهى. والله أعلم.
الهجرة الأولى إلى الحبشة:
"ثم أذن رسول الله ﷺ لأصحابه في الهجرة للحبشة" بالجانب الغربي من بلاد اليمن ومسافتها طويلة جدًا، وهم أجناس وجميع فرق السودان يعطون الطاعة لملك الحبشة ويقال أنهم من ولد حبش بن كوش بن حام، قال ابن دريد: جمع الحبش أحبوش بضم أوله، وأما قولهم الحبشة فعلى غير قياس، وقد قالوا أيضًا: حبشان وأحبش وأصل التحبيش التجميع، ذكره في فتح الباري.
وعند ابن إسحاق أن سبب الهجرة أنه ﷺ لما رأى المشركين يؤذون أصحابه ولا يستطيع أن يكفهم عنهم، قال: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه". فخرجوا إليها مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لما كثر المسلمون وظهر الإسلام أقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم فبلغنا أنه ﷺ قال للمؤمنين: "تفرقوا في الأرض، فإن الله سيجمعكم"، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: "إلى هاهنا"، وأشار بيده إلى أرض الحبشة.стр. 503
وذلك في رجب سنة خمس من النبوة.
فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلا, وقيل: اثنا عشر رجلا, وأربع نسوة, وقيل: وخمس نسوة، وقيل: وامرأتين.
الحواشي
(١) "وذلك في رجب" بالصرف ولو كان معينًا ففي المصباح رجب من الشهور مصروف، "سنة خمس من النبوة" كما قاله الواقدي، وزاد: فأقاموا شعبان وشهر رمضان وفيه كانت السجدة وقدموا في شوال من سنة خمس، "فهاجر إليها ناس ذوو عدد منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلا" عثمان بن عفان، وعبد الرحمن، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة هاربًا من أبيه بدينه، ومصعب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمر والعامريان، وابن مسعود، كذا قال الواقدي.
قال في الفتح: وهو غير مستقيم مع قوله أول كلامه: كانوا إحدى عشر، فالصواب ما قاله ابن إسحاق أنه اختلف في الحادي عشر هل هو أبو سبرة أو حاطب. وجزم ابن إسحاق بأن ابن مسعود إنما كان في الهجرة الثانية، ويؤيده ما عند أحمد بإسناد حسن عنه، قال: بعثنا النبي ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا، انتهى. وقال أبو عمر: اختلف في هجرة أبي سبرة إلى الحبشة، ولم يختلف في شهوده بدرًا، قال في النور: ولم أر أحدًا سماه.
"وقيل: اثنا عشر رجلا" وجزم في العيون والحافظ في سيرته إلا أن الأول ترك الزبير وذكر سليط بن عمرو وأهمل الثاني حاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء، وذكر بدلهما حاطب بن الحارث وهاشم بن عمرو، "وأربع نسوة" السيدة رقية مع زوجها عثمان، وسهلة بنت سهيل مع زوجها أبي حذيفة مراغمة لأبيها فارة عنه بدينها فولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة، وأم سلمة مع زوجها، وليلى العدوية مع زوجها عامر بن ربيعة.
"وقيل: وخمس نسوة" هؤلاء الأربع وأم كلثوم بنت سهل بن عمرو زوج أبي سبرة، وبهذا جزم الحافظ اليعمري قائلا: لم يذكرها ابن إسحاق، وذكر ابن عبد البر وتبعه ابن الأثير في المهاجرات أم أيمن بركة الحاضنة. قال البرهان: وأظنها هاجرت مع رقية؛ لأنها جارية أبيها، انتهى. فلعل من أسقطها لكونها تبعًا.
"وقيل: وامرأتين" بالباء عطفًا على أحد عشر، وفي نسخة بالألف، أي: ومعهم امرأتان أو على لغة من يلزم المثنى الألف، وقيل: كانوا اثني عشر رجلا وثلاث نسوة، وقيل: عشرة رجالстр. 504
وأميرهم عثمان بن مظعون، وأنكر ذلك الزهري وقال: لم يكن لهم أمير، وخرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار.
وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال:
الحواشي
(١) وأربع نسوة. "وأميرهم" قال ابن هشام: فيما بلغني "عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة "وأنكر ذلك الزهري" محمد بن مسلم "وقال: لم يكن لهم أمير" ويحتمل أنهم أمروه بعد سيرهم باختيارهم ولم يؤمر المصطفى عليهم أحدًا، فلا خلف. "وخرجوا" سرًا من مكة "مشاة" ثم عرض لبعضهم الركوب، وانتهوا في خروجهم "إلى البحر" فهو متعلق بمحذوف لا صلة مشاة أو غلب المشاة لكثرتهم على الراكبين، فلا تنافي بينه وبين قول العيون والمنتقى والسبل: فخرجوا متسللين سرًا حتى انتهوا إلى الشعبية منهم الراكب ومنهم الماشي، والشعبية بمعجمة مضمومة ومهملة مفتوحة ساكنة فموحدة فتاء تأنيث: واد، كما قال الصغاني والمجد؛ كما في النور وفي السبل: مكان على ساحل البحر بطريق اليمن، لكن وقع في بعض نسخة الشعبية بزيادة ياء بعد الموحدة وهو تحريف من النساخ لقوله تصغير شعبة، إذ تصغيره بلا ياء وهو الذي في الذيل والقاموس, "فاستأجروا سفينة" جزم به تبعًا لفتح الباري، والذي في العيون وغيرها: فوفق الله ساعة للمسلمين جاءوا سفينتين للتجارة حملوهم فيهما "بنصف دينار" وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهما أحدًا، ويحتمل الجمع بأنهم استأجروا سفينة واحدة لقلتهم فضاقت عنهم لشحنها بالتجار وتجارتهم، فحملوهم في اثنتين، واستئجار واحدة لا ينافي الحمل في اثنتين، وهذا أقرب من إمكان أنهم استأجروا صاحب السفينتين على حملهم إلى مقصودهم في السفينتين أو مجموعهما، فاتفق حملهم بواحدة، فالمصنف نظر إلى الحمل وغيره لما وقع عليه التوافق؛ لأن فيه قصر حملهم في واحدة وأتى به مع قولهم: حملوهم فيهما."وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ " وقيل: حاطب بن عمرو، وقيل: سليط بن عمرو، حكاهما اليعمري هنا وذكر في أزواج المصطفى، وتبعه المصنف ثم أن أم سلمة وزوجها أول من هاجر، فهي أربعة أقوال.
"وأخرج يعقوب بن سفيان" الحافظ الفسوي بالفاء "بسند موصول إلى أنس" وأما بعده فمرسل صحابي "قال: أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال" ﷺ : "صحبهما الله"، كما في نفس رواية يعقوب قبل قوله: "إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط" نبي الله هاجر من كوثي إلى حران ولما وصلوا الحبشة أقاموا عند النجاشي آمنين، وقالوا: جاورنا بها خير جار على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولاстр. 505
إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط.
فلما رأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصي، وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي, واسمه أصحمة, وكان معهما عمارة بن الوليد، ليردهم إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما خائبين ولم يقبل هديتهما.
الحواشي
(١) نسمع شيئًا نكرهه، "فلما رأت قريش استقرارهم في الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصي" القرشي السهمي الصحابي أسلم بعد ذلك على يد النجاشي وهي لطيفة صحابي أسلم على يد تابعي، ولا يعلم مثله. "وعبد الله بن أبي ربيعة" عمر بن المغيرة المخزومي المكي أسلم بعد وصحب وكان حسن الوجه ولاه ﷺ الجندي ومخالفيها فلما حوصر عثمان جاء لينصره فوقع عن راحلته بقرب مكة فمات. "بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشي" بفتح النون وتكسر وخفة الجيم فياء ثقيلة وتخفف، لقب قديم لملك الحبشة، قال الحافظ. وأما اليوم فيقال له الحطي بفتح الحاء وكسر الطاء الخفيفة المهملتين وتحتانية خفيفة، "واسمه" كما في البخاري "أصحمة" بمهملتين بوزن أربعة، وفي مصنف ابن أبي شيبة: صحمة بحذف الهمزة، وحكى الإسماعيلي أصخمة بخاء معجمة، وقيل: أصحبة بموحدة بدل الميم، وقيل: صحبة بلا ألف، وقيل: مصحمة، بميم أوله بدل الهمزة ابن أبجر، وقيل: اسمه مكحول بن صصة، قال مغلطاي. ولقب ملك الترك خاقان، والروم قيصر واليمن تبع، واليونان بطليوس، واليهود القيطون، فيما قيل والمعروف مالخ، وملك الصابئة النمروذ ودهمز، وملك الهند يعفور، والزنج زغانة، ومصر والشام فرعون، فإن أضيف إليهما الإسكندرية سمي العزيز، ويقال المقوقس، ولملك العجم كسرى، ولملك فرغانة الأخشيد، ومل العرب من قبل العجم النعمان، وملك البربر جالوت.
"وكان معهما عمارة بن الوليد" بن المغيرة المخزومي، والذي في العيون: وكان عمرو بن العاصي رسولا في الهجرتين ومعه في أحداهما عمارة وفي الأخرى عبد الله، ثم قال في الهجرة الثانية ولم يذكر ابن إسحاق مع عمرو إلا عبد الله في رواية زياد. وفي رواية ابن بكير لعمارة ذكر. وفي الشامية: الصحيح أن في الأولى عمارة, وفي الثانية عبد الله، انتهى. وهو خلاف ما اقتصر عليه الحافظ في سيرته من أن عمرًا وعمارة ذهبا في الهجرة الثانية، انتهى. ورواه أحمد عن ابن مسعود "ليردهم" أي: ليرد النجاشي المهاجرين "إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما" أي: عمرًا وعبد الله "خائبين" لم يجبهما إلى ما طلبا "ولم يقبل هديتهما" ولم يذكر عمارة لأنه تبع لهما، لا لما تقدم أنه توحش ولم يعد لأن المتقدم إنما هو في الهجرة الثانية، نعم على ما صححه الشامي إن ثبت يكون المعنى لم يجبهما، وزاد عمارة: خيبة بفعله ذلك معه.стр. 506
باب الفهرس:
٣ ترجمة شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني
٦ التعريف بالمواهب اللدنية
٨ ترجمة الزرقاني
٩ المقدمة
١١ شرح مقدمة المواهب
٤٠ محتوى الكتاب: المقصد الأول
٤٢ محتوى الكتاب: المقصد الثاني
٤٣ محتوى الكتاب: المقصد الثالث
٤٤ محتوى الكتاب: المقصد الرابع والخامس
٤٥ محتوى الكتاب: المقصد السادس
٤٦ محتوى الكتاب: المقصد السابع
٤٧ محتوى الكتاب: المقصد الثامن والتاسع
٤٨ محتوى الكتاب: المقصد العاشر
٥٠ المقصد الأول في تشريف الله تعالى له ﵊
١٥٦ عام الفيل وقصة أبرهة
١٩٠ ذكر تزوج عبد الله آمنة
٢٣٦ الاختلاف في شختنه
٢٤٣ وقد اختلف في عام ولادته ﷺ
٢٥٧ وفي مدة حمله
٢٥٨ ذكر رضاعة ﷺ وما معه
٢٨٩ ذكر خاتم النبوة
٣٠٧ ذكر وفاة أمه وما يتعلق بأبويه ﷺ
٣٧٠ تزوجه ﵇ خديحة
٣٧٩ بنيان قريش الكعبة
٣٨٥ باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 507
٤٢٠ مراتب الوحي
٤٤٤ ذكر أول من آمن بالله ورسوله
٤٧٧ إسلام حمزة
٥٠٣ الهجرة الأولى إلى الحبشة
стр. 508
المجلد الثاني
تابع المقصد الأول في تشريف الله تعالى له ﵊
إسلام الفاروق
...
تابع المقصد الأول في تشريف الله تعالى له ﵊:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"إسلام الفاروق":
وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة بثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم بدعوته ﷺ : "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"
الحواشي
(١) إسلام عمر الفاروق:
"وأسلم عمر بن الخطاب" بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بكسر الراء وتحتية، وقيل: بكسرها وموحدة، وهو بعيد ابن عبد الله بن قرط بضم القاف وإسكان الراء وطاء مهملة، ابن رزاح بفتح الراء والزاي، كما قاله الدارقطني وابن ماكولا وخلق، وقيل: بكسر الراء ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في كعب، قال في الفتح: وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت بواحد فبين المصطفى وكعب سبعة آباء، وبينه وبين عمر ثمانية، قال ابن إسحاق: أسلم عقب الهجرة الأولى إلى الحبشة، وذكر ابن سعد عن ابن المسيب في ذي الحجة سنة ست من المبعث، وحكى عليه ابن الجوزي في بعض كتبه الاتفاق
لكنه قال في التلقيح: سنة ست، وقيل: سنة خمس.
"بعد حمزة بثلاثة أيام" لا أشهر كما قيل، "فيما قاله أبو نعيم" لأنه قد رواه عن ابن عباس، قال: سألت عمر عن إسلامه، قال: خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فذكر القصة وهو موافق لما حكاه ابن سعد. أما على قول ابن إسحاق، فلا يجيء لأن الهجرة في الخامسة وإسلام حمزة في السادسة، كما أنه لا يأتي على القول بأن إسلام حمزة في الثانية بالنون "بدعوته ﷺ " كما رواه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل" بن هشام "أو بعمر بن الخطاب"، قال: فأصبح فغدا عمر على رسول الله ﷺ فأسلم، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عمر، قال: قال ﷺ "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر أو بأبي جهل"، وأخرجه خيثمة في فضل الصحابة من حديث علي به، والحاكم عن ابن مسعود بلفظ: أيد بدل جهل.
وفي حديث خباب عند البزار مرفوعا: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أوстр. 509
وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلا، وإحدى عشرة إمرأة.
وكان سبب إسلامه -فيما ذكره أسامه بن زيد عن أبيه عن جده عن......
الحواشي
(١) بعمر بن الخطاب"، فيمكن أنه قال هذا مرة وهذا أخرى، ودعوى أن بأبي جهل رواية بالمعنى لا تصح؛ لأنها رد للروايات المتعددة الطرق لرواية واحدة. وأخرج الحاكم وصححه عن نافع عن ابن عمر عن ابن عباس رفعه: "اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة"، وأخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي من حديث عائشة وجمع ابن عساكر لأنه ﷺ دعا بالأول أولا، فلما أوحى إليه أن أبا جهل لن يسلم خص عمر بدعائه، انتهى. ثم بحديث عائشة هذا الصحيح يرد ما نقل عن الدارقطني أن عائشة قالت: إنما قال ﷺ : "اللهم أعز عمر بالإسلام"؛ لأن الإسلام يعز ولا يُعز. وقد قال السخاوي: ما زعمه أبو بكر التاريخي أن عكرمة سئل عن قوله: "اللهم أيد الإسلام"، فقال: معاذ الله دين الإسلام أعز من ذلك، ولكنه قال: "اللهم أعز عمر بالدين، أو أبا جهل"، فأحسبه غير صحيح، انتهى.
وفي الدر قد اشتهر هذا الحديث الآن على الألسنة، بلفظ: "بأحب العمرين"، ولا أصل له في شيء من طرق الحديث بعد الفحص البالغ.
"وكان المسلمون إذ ذاك بضعة" بكسر الباء وقد تفتح من ثلاثة إلى سبعة ولا تستعمل فيما زاد على عشرين إلا عند بعض المشايخ، كما في المصباح. "وأربعين رجلا" كما قاله السهيلي، زاد: "وإحدى عشرة امرأة" لكنه مخالف لقول فتح الباري في مناقب عمر: روى ابن أبي خيثمة عن عمر: لقد رأيتني وما أسلم مع رسول الله ﷺ إلا تسعة وثلاثون، فكملتهم أربعين فأظهر الله دينه وأعز الإسلام. وروى البزار نحوه من حديث ابن عباس، وقال فيه: فنزل جبريل، فقال: أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين، انتهى. اللهم إلا أن يكون عمر لم يطلع على الزائد؛ لأن غالب من أسلم كان يخفيه خوفا من المشركين لا سيما وقد كان عمر عليهم شديدا، فلذا أطلق أنه كملهم أربعين، ولم يذكر النساء؛ لأنه لا إعزاز بهن لضعفهن.
"وكان سبب إسلامه فيما ذكره أسامة بن زيد" بن أسلم العدوي مولاهم المدني ضعيف من قبل حفظه مات في خلافة المنصور وروى له ابن ماجه "عن أبيه" زيد بن أسلم العدوي مولاهم المدني أبو أسامة أو أبو عبد الله الفقيه العالم المفسر الثقة الحافظ التابعي المتوفى سنة ست وثلاثين ومائة.
روى له الستة، "عن جده" أسلم مولى عمر اشتراه سنة إحدى عشرة كنيته أبو خالد، ويقال: أبو زيد التابعي الكبير، قيل: إنه من سبي عين النمر، وقيل: حبشي روى عن مولاهم والصديق ومعاذ، قال أبو زرعة: ثقة مات سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، أخرج له الجماعة "عنстр. 510
عمر- أنه قال: بلغني إسلام أختي، فدخلت عليها، فقلت يا عدوة نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت، ثم ضربتها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت.
قال: فدخلت وأنا مغضب، فإذا كتاب في ناحية.................
الحواشي
(١) عمر، أنه قال: بلغني" من نعيم بن عبد الله النجام القرشي الصحابي؛ كما في رواية ابن إسحاق، وجزم به ابن بشكواك، وقال: إن في كلام أبي القسم البغوي شاهده أو من سعد بن أبي وقاص؛ كما في الصفوة ويحتمل أن يكونا معا بلغاه ذلك في سيره مريدا قتل النبي، كما اتفق مع قريش على ذلك "إسلام أختي" فاطمة عند الأكثر، وقيل: أميمة، حكاه الدارقطني قال في الإصابة: فكأن اسمها فاطمة ولقبها أميمة وكنيتها أم جميل، وقيل: اسمها رملة لها حديث أخرجه الواقدي عن فاطمة بنت الخطاب أنها سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لا تزال أمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق وقراء جهال، وجوره فإذا ظهرت خشيت أن يعمهم الله بعقاب".
وحذف المصنف صدر حديث أسلم، فلفظه: قال لنا عمر: أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدو إسلامي؟ قلنا: نعم، قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، فبينما أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة، إذ لقيني رجل من قريش، فقال: أين تذهب؟ إنك تزعم أنك هكذا وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد صبأت، فرجعت مغضبا وقد كان ﷺ يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند رجل به قوة فيكونان معه ويصيبان من طعامه، وقد ضم إلى زوج أختي رجلين، فجئت حتى قرعت الباب، فقيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وكان القوم جلوسا يقرءون صحيف معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا واختلفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم، فقامت المرأة معهم فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا، أو قال: نسوا الصحيفة من أيديهم، فقامت المرأة ففتحت لي "فدخلت عليها، فقلت: يا عدو نفسها، قد بلغني عنك أنك صبوت" أي: خرجت من دينك "ثم ضربتها" وفي الصفوة: فوثب عمر على ختنه سعيد بن زيد وبطش بلحيته وضرب به الأرض وجلس على صدره، فجاءته أخته لتكفه عن زوجها فلطمها لطمة شج بها وجهها، "فسال الدم، فلما رأت الدم بكت" وغضب "وقالت" زاد في الصفوة: أتضربني يا عدو الله على أن أوحد الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك، "يابن الخطاب، ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت".
وفي رواية ابن عباس عن عمر عند ابن عساكر والبيهقي: فوجدت همهمة فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته وأدميته، فقامت إلي أختي فأخذت برأسي، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييت حين رأيت الدماء "قال: فدخلت وأنا مغضب" زاد في الرواية: على السرير فنظرت "فإذا كتاب في ناحية" جانب من جوانبстр. 511
البيت، فإذا فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ [الحديد: ٧] فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
الحواشي
(١) "البيت" أسقط من رواية أسلم: فقلت: ما هذا الكتاب؟ أعطينيه، فقالت: لا أعطيكه، لست من أهله أنت لا تغتسل من الجناية ولا تطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون، قال: فلم أزل بها حتى أعطتنيه. وفي الصفوة: قال: أعطوني هذا الكتاب أقرؤه، وكان عمر يقرأ الكتب، قالت أخته: لا أفعل، قال: ويحك وقع في قلبي مما قلت، فأعطينيها أنظر إليها وأعطيك من المواثيق أن لا أخونك حتى تحوزها حيث شئت، قالت: إنك رجس، فانطلق فاغتسل أو توضأ فإنه كتاب لا يمسه إلا المطهرون فخرج ليغتسل، فخرج ليغتسل، فخرج خباب، فقال: أتدفعين كتاب الله إلى كافر، قالت: نعم، إني أرجو أن يهدي الله أخي، فدخل خباب البيت وجاء عمر فدفعته إليه "فإذا فيه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ، فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت" بضم الذال المعجمة وكسر المهملة أفزعت، زاد في رواية البزار: فجعلت أفكر من أي شيء اشتق "ورميت بالصحيفة من يدي، ثم رجعت" لفظ الرواية: ثم رجعت إلى نفسي، أي: فأخذت الصحيفة "فإذا فيها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الحديد: ١] ، زاد البزار: فجعلت أقرأ وأفكر "حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ كما في الروض. ولفظ رواية غيره: فإذا فيها ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] ، هذا لفظ رواية البزار كما في الروض. ولفظ رواية غيره: فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١] ، فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليَّ نفسي، حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [الحديد: ٨] ، "فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله".
وفي رواية ابن عساكر وأبي نعيم عن ابن عباس والدارقطني عن أنس كلاهما عن عمر، فقلت: أروني هذا الكتاب، فقالوا: إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقمت فاغتسلت فأخرجوا لي صحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، فقلت: أسماء طيبة طاهرة، ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١، ٢] إلى قوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] ، فعظمت في صدري، وقلت: من هذا فرت قريش، فأسلمت.
وعند الدارقطني: فقام فتوضأ ثم أخذ الصحيفة، وكذا ذكره ابن إسحاق: وأنه تشهد لما بلغ فلا يصدنك عنها. وزاد يونس عنه: أنه كان فيها مع سورة طه ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] ، وأن عمر انتهى في قراءتها إلى قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَت﴾ [التكوير:стр. 512
فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوه مني، فجئت إلى رسول الله ﷺ في بيت في أسفل الصفا، فدخلت عليه وأخذ رجلان، بعضدي حتى دنوت.....................
الحواشي
(١) ١٤] ، فيمكن أنه توضأ ثم اغتسل أو عكسه، وأنه وجد السور الثلاث في صحيفة أو صحيفتين فقرأها وتشهد عقب بلوغ كل من الآيتين.
وفي الصفوة: فلما بلغ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، قال: ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره!! دلوني على محمد، "فخرج القوم" الذين كانوا عند أخته، يعني زوجها سعيد بن زيد وخباب بن الأرت أحد الرجلين اللذين ضمهما المصطفى إلى سعيد، وكان خباب يقرؤهم القرآن والرجل الثاني، قال في النور: لا أعرفه، "يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوه مني" وحمدوا الله، ثم قالوا: يابن الخطاب! أبشر فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين، فقال: "اللهم أعز الإسلام بعمرو أو عمر"، وإنا نرجو أن تكون دعوته لك فأبشر، فلما عرفوا مني الصدق، قلت: أخبروني بمكانه ﷺ قالوا: هو في أسفل الصفا. "فجئت إلى رسول الله ﷺ في بيت في أسفل الصفا" هي دار الأرقم الصحابي، كان ﷺ مختفيا فيها بمن معه من المسلمين، قال المحب الطبري: ويقال لها اليوم دار الخيزران، وفي الصفوة: فقال عمر: يا خباب، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فقام خباب وسعيد عه.
وفي حديث أسلم: فقرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وقد عرفوا شدتي على رسول الله ولم يعلموا بإسلامي، فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب، فقال ﷺ : "فافتحوا له فإن يرد الله بخيرا يهده"، وأخرجه ابن عائذ من حديث ابن عمر، وقال: وهذا وهم إنما الذي قال: " فإن يرد الله به خيرا يهده وإلا كفيتموه بإذن الله حمزة" وتجويز أن الوهم إنما هو في نسبة قوله: "وإلا كفيتموه" للنبي ﷺ فلا ينافي ما في الشامي من أن: "فإن يرد الله به خيرا يهده" من كلام المصطفى فيه نظر، إذ كيف يأتي هذا مع قول ابن عائذ: إنما الذي ... إلى آخره، والشامي: إنما هو في مقام سياق الحديث الذي حكم ابن عائذ على هذه القطعة منه بالوهم، ولذا حسن من المصنف إسقاطهما.
وفي رواية: فلما رأى حمزة وجل القوم منه، قال فإنه يرد الله به خيرا يسلم ويتبع النبي ﷺ ، وأن يرد غير ذلك كان قتله علينا هينا، والنبي ﷺ يوحى إليه، ففتح الباب "فدخلت عليه وأخذ رجلان" قال البرهان: لا أعرفهما ولعل حمزة أحدهما؛ لأنه الذي أذن في دخوله، "بعضدي" بشد الياء تثنية عضد، وفي هامش: إن حمزة أخذ بيمينه والزبير بيساره "حتى دنوتстр. 513
من النبي ﷺ فقال: "أرسلوه"، فأرسلوني فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع ثيابي فجذبني إليه ثم قال: "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهد قلبه"، قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة واحدة سمعت بطرق مكة.
وكان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت إلى رجل لم يكن يكتم السر،
الحواشي
(١) من النبي ﷺ ، فقال: "أرسلوه"،" يفتح الهمزة: "فأرسلوني، فجلست بين يديه فأخذ بمجمع ثيابي" لفظ رواية أسلم: بمجمع قميصي، وعند ابن إسحاق، بحجزته أو بمجمع ردائه، "فجذبني إليه" جذبه شديدة؛ كما في الرواية، وفي رواية: فاستقبله النبي ﷺ في صحن الدار، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه، وفي لفظ: أخذه ساعة وهزه فارتعد عمر من هيبته وجلس.
وفي آخر: أخذ بمجامع ثيابه فنثره فما تمالك أن وقع عمر على ركبته، وقال له: "فما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك ما أنزل بالوليد بن المغيرة"، يعني الخزي والنكال ولعله ﷺ فعل معه ذلك ليثبته الله على الإسلام ويلقي حبه الطبيعي في قلبه، ويذهب عنه رجز الشيطان، فكان كذلك حتى كان الشيطان يفر منه وليكون شديدا على الكفار وفي الدين، فصار كذلك.
وعند ابن إسحاق، فقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة"، فقال: يا رسول الله! جئت لأؤمن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، "ثم قال" ﷺ بعد اخذه بمجامع ثوبه وهزه، وقوله ما ذكر "أسلم يابن الخطاب، اللهم اهد قلبه" لفظ رواية أسلم اهده؛ كما في العيون والإرشاد للمصنف، فلعه هنا بالمعنى أو جمع بينهما.
وفي رواية: "اللهم هذا عمر بن الخطاب اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب" "قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وانك رسول الله، فكبر المسلمون" بعد تكبير النبي ﷺ ، كما في رواية "تكبير واحدة سمعت بطرق مكة، وكان الرجل إذا أسلم استخفى" بإسلامه، زاد أبو نعيم وابن عساكر في رواية ابن عساكر عن عمر، فقلت: يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق إن متم وإن حييتم"، فقلت: ففيهم الخفاء يا رسول الله؟ علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل؟ فقال: "يا عمر، إنا قليل قد رأيت ما لقينا"، وقال: والذي بعثك بالحق نبينا لا يبقي مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان، ثم خرج في صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلينا فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماه رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق "ثم خرجت" فذهبت بعد كراهتي عدم ضربي كمن آمن وإخباري لخالي ورجل من عظماء قريش بإسلامي وقول رجل، قال في النور: لا أعرفه، ويظهر أنه مسلم: تحب أن يعلم إسلامك، فأرشدني "إلى رجل لم يكتم السر" هو جميل بفتح الجيم وكسر الميم، ابن معمر بفتح الميم بينهما مهملةстр. 514
فقلت له: إني صبوت، قال فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي: ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي، قال: فانكشف الناس عني؛
الحواشي
(١) ساكنه ثم راء، ابن حبيب الجمحي أسلم يوم الفتح وقد شاخ وشهد حنينا وفتح مصر، ومات في خلافة عمر فحزن عليه حزنا شديدا، "فقلت له" سرا "إني صبوت" ملت من دين إلى دين، "قال: فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب" عمر، وكأنه لم يسمه لشهرته فيهم "قد صبأ" وروى ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث، فقيل له: جميل، فغدا عليه وغدوت أتبع أثره وأنا غلام أعقل ما رأيت حتى جاءه فقال: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمدا فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش! وهم في أنديتهم حول الكعبة، ألا إن ابن الخطاب قد صبا، ويقول عمر من خلفه، كذب، ولكني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتعبير عمر لجميل أولا بقوله: صبؤت، يعني على زعمكم "فما زال الناس يضربوني وأضربهم، فقال خالي" يحتمل أنه أبو جهل أو أخوه الحارث بن هشام؛ لأنهما خالاه مجازا لأن عصبة الأم أخوال، الابن وأمه حنتمة بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية فتاء التأنيث ابنه هاشم بن المغيرة المخزومي، وهاشم وهاشم أخوان فهما ابنا عم أمه، ومن قال: إنها بنت هشام فقد أخطأ وصحف هاشما بهشام؛ كما قاله ابن عبد البر والسهيلي والحافظ وغيرهم؛ ويحتمل أنه أراد غيرهما من بني مخزوم.
كما ال البرهان: فالجزم بأنه أبو جهل يحتاج لبرهان واختيار أنه خاله حقيقة مبني على خطأ مخالف، لما نبه عليه الحفاظ وأقره ختامهم في فتح الباري. "ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب فقام" خالي "على الحجر" بكسر الحاء وغلط من فتحها؛ كما في النور "وأشار بكمه، فقال: ألا إني قد أجرت ابن أختي" قال في النور، أي: هو في ذمامي وعهدي وجواري، "قال: فانكشف الناس عني" لجلالة خاله عندهم، وعند ابن إسحاق في حديث ابن عمر أن العاصي بن وائل أجاره منهم حينئذ، فيحتمل أنهما معا أجاراه.
وروى البخاري عن ابن عمر، قال: بينا عمر في الدار خائفا إذ جاءه العاصي بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، فقال: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني لأنني أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قال آمنت، فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد ابن الخطاب الذي قد صبا، قال: لا سبيل إليه، فكر الناس وانصرفوا عنه وطريق الجمع أن العاصي أجاره مرتين، مرة مع خاله والأخرى بعدстр. 515
فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.
الحواشي
(١) كونه في الدار، والله أعلم. "فما زلت" بعد رد جواز خالي كراهة أن لا أكون كالمسلمين وقول خالي: لا تفعل يابن أختي، فقلت: بلى هو ذاك، قال: فما شئت؛ كما في حديث أسلم، قال: فما زلت "أضرب" بالبناء للفاعل "وأضرب" للمفعول "حتى أعز الله الإسلام".
روى حديث أسلم عن عمر هذا بطوله البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي، ورواه الدارقطني من حديث أنس وابن عساكر، والبيهقي عن ابن عباس، وأبو نعيم عن طلحة وعائشة كلهم عن عمر نحوه، فهذه طرق يعضد بعضا، فانجيز ما فيه من ضعف أسامة. وفي فتح الباري ألمح البخاري بإيراد قصة سواد بن قارب في باب إسلام عمر إلى ما جاء عن عائشة وطلحة عن عمر، أن هذه القصة كانت سبيل إسلامه، انتهى.
ومن جملة القصة التي رواها البخاري آخر حديث سواد، قال عمر: بينا أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل فصيح يقول: لا إله إلا أنت، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فما نشبنا إن قيل هذا نبي.
وروى أبو نعيم في الدلائل عن طلحة وعائشة عن عمر: أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدا مائة ناقة حمراء أو سوداء وألف أوقية من فضة، فقلت له: يا أبا الحكم! الضمان صحيح، قال: نعيم، فخرجت متقلدا السيف متنكبا كنانتي أريد رسول الله ﷺ فمررت على عجل وهم يريدون ذبحه فقمت أنظر إليه، فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح رجل يصيح بلسان فصيح يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقلت في نفسي: إن هذا الأمر ما يراد به إلا أنا ثم مررت بصنم، فإذا هاتف من جوفه، يقول:
يا أيها الناس ذوو الأجسام ... ما أنتم وطائش الأحلام
ومسند الحكم إلى الأصنام ... أصبحتهم كراتع الأنعام
أما ترون ما أرى أمامي ... من ساطع يجلو دجى الظلام
قد لاح للناظر من تهام ... وقد بدا للناظر الشآمي
محمد ذو البر والإكرام ... أكرمه الرحمن من إمام
قد جاء بعد الشرك بالإسلام ... يأمر بالصلاة والصيام
والبر والصلات للأرحام ... ويزجر الناس عن الآثام
فبادروا سبقا إلى الإسلام ... بلا فتور وبلا إحجام
قال عمر: فقلت: والله ما أراه إلا أرادني، ثم مررت بالضمائر فإذا هاتف من جوفه، يقول:стр. 516
قال ابن عباس: لما أسلم عمر قال جبريل للنبي ﷺ يا محمد، لقد استبشر أهل
الحواشي
(١) أودي الضمار وكان يعبد مدة ... قبل الكتاب وقبل بعث محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى ... بعد ابن مريم من قريش مهتدي
سيقول من عبد الضمار ومثله ... وليت الضمار ومثله لم يعبد
أبشر أبا حفص بدين صادق ... تهدي إليه وبالكتاب المرشد
واصبر أبا حفص فإنك آمر ... يأتيك عز غير عز بني عدي
لا تعجلن فأنت ناصر دينه ... حقا يقينا باللسان وباليد
قال عمر: فوالله لقد علمت أنه أرادني، فلقيني نعيم وكان يخفي إسلامه فرقا من قومه، فقال: أين تذهب؟ قلت: أريد هذا الصابي الذي فرق أمر قريش فأقتله، فقال نعيم: يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على وجه الأرض وبالغ في منعه، ثم قال: ألا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم، فذكر دخوله على أخته ... القصة بطولها ولا تنافي بينهما فهو حديث واحد طوله مرة واختصره أخرى.
وفي رواية عند ابن إسحاق: أن سبب إسلامه أنه دخل المسجد يريد الطواف فرأى النبي ﷺ يصلي، فقال: لو سمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: إن دنوت منه استمع لأرد عنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابه، أي: البيت، فجعلت أمشي حتى قمت في قبلته وسمعت قراءته، فرق له قبلي فبكيت وداخلني الإسلام فمكثت حتى انصرف، فتبعته فالتفت في أثناء طريقه فرآني، فظن إنما تبعته لأوذيه، فنهمني، ثم قال: "ما جاء بك في هذه الساعة"؟ قلت: جئت لأؤمن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، قال: فمحمد الله ثم قال: "قل هداك الله"، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت عنه، ودخل بيته.
نهمني بالنون، أي: زجرني، والنهم زجر الأسد، كما في الروض. ففيه من شجاعته ﷺ ما لا يخفى. وروى ابن سنجر في مسنده عن عمر: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هو شاعر كما قالت قريش: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠، التكوير: ١٩] إلى آخر السورة، فوقع الإسلام في قلبي كل موقع، الواقعة تكفل شيخنا برده.
"قال ابن عباس: لما أسلم عمر، قال جبريل للنبي ﷺ : يا محمد لقد استبشر أهلстр. 517
السماء بإسلام عمر. رواه ابن ماجه.
الحواشي
(١) السماء بإسلامه عمر" لأن الله أعز به الدين ونصر به المستضعفين، قال ابن مسعود، كان إسلام عمر عزا وهجرته نصرا وإمارته رحمة، والله ما ستطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، رواه ابن أبي شيبة والطبراني، وقال صهيب، لما أسلم عمر، قال المشركون: أنتصف القوم منا، رواه ابن سعد.
وروي: أنه لما أسلم، قال: يا رسول الله! لا ينبغي أن يكتم هذا الدين، أظهر دينك، فخرج ومعه المسلمون وعمر أمامهم معه سيف ينادي: لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد، فقالت قريش: لقد أتاكم عمر مسرورا، ما وراءك يا عمر؟ قال: ورائي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن تحرك أحد منكم لأمكنن سيفي منه، ثم تقدم أمامه ﷺ يطوف ويحميه حتى فرغ من طوافه.
"رواه ابن ماجه" أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني الثقة المتفق عليه المحتج به له معرفة بالحديث وحفظه ومصنفات في السنن والتفسير والتاريخ والسماع بعده أمصار مات سنة ثلاثة وثمانين ومائتين، ورواه أيضا الحاكم وصححه ورده الذهبي بأن فيه عبد الله بن خراش، ضعفه الدارقطني، انتهى. وضعفه أيضا غيره ورواه ابن سعد عن الزهري وداود بن الحصين مرسلا، والله أعلمстр. 518
" دخول الشعب وخبر الصحيفة ":
ولما رأت قريش عزة النبي ﷺ بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام في القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبي ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم..........
الحواشي
(١) دخول الشعب وخير الصحيفة:
"ولما رأت قريش" كما قال ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما بمعناه، "عزة النبي ﷺ بمن معه وإسلام" بالجر، أي: ابن إسحاق ودخولهم في أول المحرم من السابعة، "وعزة أصحابه بالحبشة" يريد بهم أهل الهجرة الثانية، فإن عود الأولين كان في الخامسة؛ كما مر "وفشو الإسلام في القبائل أجمعوا على أن يقتلوا النبي ﷺ " وقالوا: قد أفسد أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ويقتل رجل من غير قريش فتريحوننا وتريحون أنفسكم، "فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وبني" أخيه "المطلب" فأمرهم "فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم" بكسر الشين كانстр. 519
ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه لذلك حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية.
فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب: أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعون منهم شيئا، ولا يبتاعوات منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل.
وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة -وقيل بغيض بن عامر- فشلت
الحواشي
(١) منزل بني هاشم غير مساكنهم ويعرف بشعب ابن يوسف كان لهاشم، فقسمه عبد المطلب بين بنيه حين ضعف بصره وصار للنبي ﷺ فيه خط أبيه؛ كذا في المطالع، وتعقبه في النور: بأن عبد الله مات في حياة أبيه وما أظنهم كانوا يخالفون شرعنا، قال: ويحتمل أنه وصل إليه حصة أبيه بطريق آخر، انتهى.
قال شيخنا في تقريره بجوار أن عبد المطلب قسمه في حياته على أولاده في حياة عبد الله، فلما مات صار للمصطفى حظ أبيه وهو حسن، وإن كان شيخنا البابلي يتوقف فيه بأن القسم لم ينقل عن عبد المطلب في حياة عبد الله؛ لأنه احتمال يكفي في الجواب، يمكن أنهم جعلوا له بعد موت جده حصة أبيه أن لو كان حيا، فهو ابتداء عطية من أعمامه وهذا حسن جدا، وكل هذا على تسليم ظن البرهان أنهم لا يخالفون شرعنا ومن أين ذاك الظن؟
"ومنعوه ممن أراد قتله" لما سألهم أبو طالب "فأجابوا لذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية، فلما رأت قريش ذلك أجمعوا وائتمروا" تشاوروا في "أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني المطلب أن لا ينكحوا إليهم" بفتح حرف المضارعة، أي: لا يتزوجوا المضارعة، أي: لا يتزوجوا منهم فإلى بمعنى من "ولا ينكحوهم" بضمها لا يزوجوهم "ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا" زاد في العيون ولا تأخذهم بهم رأفة "حتى يسلموا" من أسلم أو سلم مثقلا "رسول الله ﷺ للقتل" أي: يخلو بينه وبينهم، "وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة" كما ذكره ابن إسحاق قائلا: فشلت يده فيما يزعمون، وصدر به في الفتح، قال في النور: والظاهر هلاكه على كفره، "وقيل" بخط "بغيض" بموحدة ومعجمتين بينهما تحتية "ابن عامر" بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، قاله ابن سعد. "فشلت" بفتح الشين المعجمة واللام المشددة وضم الشين خطأ، أو قليل أو لغة ردية والشلل نقص في الكف وبطلان لعملها وليس معناه القطع؛ كما زعم بعضهم، قاله المصنف. وفي الفتح: يجوز ضمها في لغة، ذكر الجيلاني.стр. 520
يده، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة.
فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتن أو ثلاثا، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا.
الحواشي
(١) وقال ابن درستويه: هي خطأ. "يده" أي: الكاتب سواء قيل منصور أو بغيض؛ لأن القائل بالأول، قال: شلت كالثاني، قال في النور: الظاهر أنه لم يسلم وهو بغيض كاسمه، قال ابن هشام: ويقال بخط النضر بن الحرث فدعا عليه ﷺ فشلت بعض أصابعه، وقتل كافرا بعد بدر، وقيل: بخط هشام بن عمرو بن الحرث العامري وهو من الذين سعوا في نقضها، قاله ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما، أسلم وكان من المؤلفة، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري، حكاه في الفتح، وقيل: منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم، حكاه الزبير بن بكار مع القول بأنه بغيض فقط، قال السهيلي والزبير: أعلم بالإنسان، وجمع البرهان وتبعه الشامي باحتمال أن يكون كتب بها نسخ.
"وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة" وتمادوا على العمل بما فيها، وكان ذلك "هلال المحرم سنة سبع من النبوة" قال ابن سعد وابن عبد البر وغيرهما، وبه جزم في الفتح، وقيل: سنة ثمان، حكاه الحافظ في سيرته وكان ذلك بخيف بني كنانة؛ كما في الصحيح وهو المحصب، "فانجاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فدخلوا معه في شعبه" أضافه له لأنه كبيرهم؛ كذا نسبه في الفتح لابن إسحاق، وهو ظاهر في أن انحيازهم بعد كتابة الصحيفة للعطف بالفاء، وفي العيون: ودخلوا شعبهم مؤمنهم وكافرهم، فالمؤمن دينا والكافر حمية، فلما رأت قريش أنه قد منعه قومه أجمعوا على كتابة صحيفة، وهذا صريح في أن كتابتها بعد دخولهم.
"إلا أبا لهب فكان مع قريش" وأما المؤمنون من غير بني هاشم والمطلب، فظاهر العيون أنهم ذهبوا كلهم إلى الحبسة، "فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا" قاله ابن إسحاق: وأو تحتمل الشك والإشارة إلى قول وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين.
"وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا" بالبناء للمفعول لقطعهم عنهم الميرة والمادة، "وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا" ولا يحجون إلا من موسم، وكان يصلهم فيه حكيم بن حزام وهشام بن عمرو والعامري وهو أوصلهم لبني هاشم، وكان أبو طالب مدة إقامتهم في الشعب يأمرهم ﷺ فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا أو غائلة، فإذا نام أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه، فاضطجع على فرش المصطفى وأمره أن يأتي بعض فرشهم فيرقدстр. 521
وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ ﵊: ﴿النَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ حتى بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته: تلك الغرانيق العي وإن شفاعتهن لترتجى، فلما ختم السورة سجد ﷺ وسجد معه المشركون،............................
الحواشي
(١) عليها، "وقدم" في شوال سنة خمس؛ كما مر.
"نفر من مهاجرة الحبشة" فخالف شرطه في الترتيب على السنين، ولو رعاه لذكرها قبل إسلام عمر؛ كما فعل اليعمري والشامي وغيرهما، وهذا مما يعطي أن الشرط أغلبي ثم كلامه يقتضي أنهم لم يقدموا كلهم، وهو خلاف قول اليعمري والحافظ وغيرهما كان سبب رجوع الاثني عشر، وفي لقظ: قدم أولئك الفقراء مكة، "حين قرأ ﵊" وهو يصلي أو خارج الصلاة على اختلاف الروايات، كما يأتي عن عياض، وأما ما عند ابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر: صلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ النجم، فسجد بنا فأطال السجود فلم يذكر فيه هذه القصة فلا معنى لذكره هنا الموهم أن ابن عمر روى هذه القصة، ولا قائل به لما يأتي أنها لم ترو عن صحابي سوى عن ابن عباس،" ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] ، حتى بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته" يقال تمنى إذا قرأ، قال حسان يمدح عثمان:
تمنى كتاب الله أول ليلة ... تمنى داود الزبور على رسل
لأن أصل معناه: تفعل من المنى بمعنى القدر، ومنه المنية وقوله إلا أماني، أي: تلاوة بلا معرفة، فأجرى مجرى التمني لما لا وجود له. "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى"، ويروى لترتضى، ويروى أن شافعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق الأولى، وفي أخرى والغرانقة العلى، ذكره في الشفاء، "فلما ختم السورة سجد ﷺ ، وسجد معه المشركون" والجن والإنس؛ كما في الصحيحين غير أمية بن خلف؛ كما في تفسير سورة النجم من البخاري أخذ كفا من تراب فسجد عليه، وقال: يكفيني هذا، وقيل: الوليد بن المغيرة، وقيل: أبو لهب وفيهما نظر؛ لأنهما لم يقتلا، وقيل: عتبة بن ربيعة. قال المنذري: وما رواه البخاري أصح، وقول ابن بزيزة كان منافقا وهم.
قال في النور: لأن النفاق إنما كان بالمدينة، انتهى. وقيل: إنه المطلب بن أبي وداعة، وهو باطل؛ لأنه صحابي أسلم في الفتح؛ والجمع بأنه لا مانع أنهم فعلوه جميعا بعضهم تكبرا وبعضهم عجزا لا يصح فالمانع موجود، وهو قول راوي الحديث الذي شاهده وهو ابن مسعود: فما بقي أحد إلا سجد إلا رجلا، فلقد رأيته قتل كافرا بالله، يعني يوم بدر.стр. 522
لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك في الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه ﷺ ، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعا من الحبشة.
الحواشي
(١) "لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير" كما ارتضاه الحافظ لا خوفا من مخالفة المسلمين في ذلك المجلس؛ كما جوزه الكرماني إذ لا يظهر له وجه بل الظاهر العكس، انتهى. فرضوا وقالوا: قد عرفنا أنه يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذا جعلت لها نصيبا فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله ﷺ حتى جلس في البيت.
"وفشا ذلك في الناس وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة و" بلغ "من بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع النبي ﷺ ، وقد أمن المسلمون بمكة" من الأذى، فقال القوم: عشائرنا أحب إلينا، "فأقبلوا" حال كونهم "سراعا" أي: مسرعين، "من الحبشة" حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم عن قريش، فقالوا: ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعه الملأ ثم عاد لشتم آلهتهم وعادوا له بالشر، فتركناهم على ذلك، فائتمر القوم في الرجوع إلى الحبشة، ثم قالوا: قد بلغنا مكة فندخل فننظر ما فيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله، ثم نرجع؛ فدخلوها ولم يدخل أحد منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود، فإنه مكث يسيرا ثم رجع إلى الحبشة؛ كذا في العيون.
وروى ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عمن حدثه عن عثمان بن مظعون أنه لما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشركين يؤذون المسلمين وهو آمن رد عليه جواره، فبينما هو في مجلس لقريش وفد عليهم لبيد بن ربيعة قبل إسلامه فقعد ينشدهم من شعره، فقال لبيد:
إلا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان، صدقت، فقال:
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال: كذبت، نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: متى كان يؤذي جليسكم يا معشر قريش، فقام رجل منهم فلطم عثمان فاخضرت عينه، فلامه الوليد على رد جواره، فقال: قد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: إن عيني الأخرى إلى ما أصاب أختها في الله لفقيرة، فقال له الوليد: فعد إلى جوارك، فقال: بل أرضى بجوار الله تعالى.стр. 523
والغرانيق في الأصل: الذكور من طير الماء، وأحدها: غرنوق وغرنيق، سمي به لبياضه. وقيل: هو الكركي.
والغرنوق أيضا: الشاب الأبيض الناعم.
وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع.
ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه.
وقد تكلم القاضي عياض ﵀ في "الشفاء" على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفي ويكفي، لكن تعقب في بعضه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الحواشي
(١) "والغرانيق" بغين معجمة المراد بها هنا الأصنام، وهي "في الأصل الذكور من طير الماء" وقيل: طير الماء مطلقا إذا كان أبيض طويل العنق، وهي جمع "واحدها غرنوق" بضم الغين والنون وكسر الغين وإسكان الراء وفتح النون، ذكرهما في النور. "وغرنيق" بضم المعجمة وفتح النون؛ كما في النور والقاموس.
وفي الشامي: بكسر الغين وفتح النون، "سمي به لبياضه، وقيل: هو الكركي، والغرنوق أيضا الشاب الأبيض الناعم، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله وتشفع لهم" عنده كما في التنزيل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، ونقل الحليمي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] ، أن مشركي العرب زعمت في اللات والعزى ومناة أنها بنات الله تقربهم له لسماعهم كلامها، وإنما كان يكلمهم شياطين الجن من أجوافها، "فشبهت" الأصنام "بالطيور التي تعلو في السماء وترتفع" تشبيها بليغا بحذف الأداة أو استعارة بحذف المشبه، والأصل تلك آلهة مرتفعة كالغرانيق في ارتفاعها، فحذف المشبه واستعمل اسم المشبه به فيه بجامع الارتفاع فيهما: المعنوي للأصنام الحسي للطيور، "ولما تبين للمشركين عدم ذلك" الذي توهموه من تعظيم النبي ﷺ لآلهتهم حاشاه "رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه" من إيذائه وإيذاء أصحابه ولقي مهاجرو الحبشة منهم الأذى الشديد "وقد تكلم القاضي عياض في الشفاء على هذه القصة" لإشكالها إذ مدح إله غير الله كفر ولا يصح نسبته إلى نبي، فذكر لها محامل على تقدير الصحة.
"و" تكلم على "توهين" تضعيف "أصلها" من جهة الرواة "بما يشفي ويكفي لكن تعقب في بعضه" وهو دعواه بطلانها، وفي بعض المحامل "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" قريبا.стр. 524
وقال الإمام فخر الدين الرازي -مما لخصته من تفسيره- هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] وقال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] .
وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون.
وأيضا: فقد روى البخاري في صحيحه أنه ﵊ قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.
ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون ...
الحواشي
(١) "وقال الإمام فخر الدين الرازي" نحو كلام عياض "مما لخصته من تفسيره: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها"، إلا مع بيان بطلانها كما هو شأن الموضوع. "قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾ بما يأتيكم به ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ هوى نفسه، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] "، إليه "وقال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] "، فإنه كان ﷺ إذا أتاه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من الوحي حتى يتكلم ﷺ بأوله مخافة أن ينساه فأنزل الله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ، رواه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عبس بإسناد ضعيف.
"وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون" من الحذف والإيصال، أي: مطعون، أي: مقدوح فيهم، "وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه" وكذا مسلم عن ابن مسعود "أنه ﵊ قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق" فدل على خطأ من ذكرها "بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة" بهمزة قطع على غير قياس "حديث الغرانيق" فهذا دليل بطلانها من جهة الإسناد والرواية.
"و" أما من جهة النظر فإنه "لا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه"، وعطف سببا على مسبب قوله: "وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكونстр. 525
كذلك. ويبطل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه.
فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا أصل لها. انتهى.
وليس كذلك. بل لها أصل.
فقد خرجها: ابن أبي حاتم، والطبري، وابن المنذر، من طرق عن شعبة عن ابن بشر، عن سعيد جبير.
الحواشي
(١) كذلك" أي: مما ألقاه الشيطان على لسانه، "ويبطل قوله تعالى" أي: فائدة قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] "، أي: فلم تكن عاملا بالآية؛ إذ العمل بها تبليغ ما أنزل إليه، فلو زاد انتفى التبليغ؛ "فإنه لا فرق في الفعل بين النقصان في الوحي والزيادة فيه، فبهذه الوجوه" النقلية والعقلية "عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة، وقد قيل: إن هذه القصة من موضوع الزنادقة لا اصل لها، انتهى". قال عياض: لا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين، ليلبس على ضعفاء المسلمين، انتهى.
"وليس كذلك بل لها أصل" قوي "فقد خرجها ابن أبي حاتم" الحافظ، أو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، صاحب التصانيف الكثيرة الثقة، كان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال وزاهدا يعد من الأبدال، توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وقد ناهز التسعين، "والطبري" محمد بن جرير البغدادي عالم الدنيا "و" محمد بن إبراهيم "ابن المنذر" النيسابوري نزيل مكة صاحب التصانيف الحافظ كان غاية في معرفة الخلاف والدليل فقيها مجهدا لا يقلد أحدا مات سنة تسع أو عشر أو ست عشرة أو ثمان عشرة وثلاثمائة، "من طرق عن شعبة" بضم المعجمة وسكون المهملة، ابن الحجاج الواسطي ثم البصري أمير المؤمنين في الحديث كان من سادات زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، قال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق، ولد سنة اثنتين وثمانين ومات بالبصرة سنة ستين ومائة. "عن أبي بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة، جعفر بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وشد التحتية، اسمه إياس بالكسر وخفة التحتية، الواسطي الثقة من رجال الصحيح توفي سنة ربع أو خمس أو ست وعشرين ومائة، "عن سعيد بن جبير"، التابعي المشهورстр. 526
وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة.
كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا متعقب بما سيأتي:
وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل العسقلاني فال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة والنجم،...............
الحواشي
(١) المقتول ظلما، "وكذا" خرجها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى "ابن مردوديه" بفتح الميم وتكسر، كما مر.
"والبزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، "وابن إسحاق" محمد "في السيرة وموسى بن عقبة" بالقاف ابن أبي عياش القرشي مولاهم المدني التابعي الصغير الثقة الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة "في المغازي" له التي كان تلميذه ملك إذا سئل عنها، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتاب موسى مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، رواه الخطيب.
"وأبو معشر" بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وابن معين ليس بالقوي، وابن عدي يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة سبعين ومائة. "في السيرة" وقد قال مغلطاي: أبو معشر من المعتمدين في السير "كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال" ابن كثير "إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة" أي: موصولة، "من وجه صحيح وهذا متعقب بما سيأتي" قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس، وجوابه: أنه قيد عدم رؤيته بالصحة والآتي لم يبلغها فلا يتعقب به، "وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ السلام والحافظ أو الفضل" أحمد بن علي بن حجر "العسقلاني، فقال: أخرج ابن أبي حاتم" الحافظ الكبير ابن الحافظ الشهير. "والطبري" محمد بن جرير "وابن المنذر" بضم الميم وإسكان النون وكسر المعجمة ثم راء، "من طرق عن شعبة" ابن الحجاج بن الورد وليس الثقفي الظالم، "عن أبي بشر" جعفر بن إياس "عن سعيد بن جبير" تقدم الستة قريبا "قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة والنجم" في رمضان سنة خمس من المبعث، وكان خروج أهل الحبشة إليها في رجب وقدومهم في شوال، قاله الواقدي.стр. 527
فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآية.
وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلا إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.
قال: إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك لا يعتمد عليه.
الحواشي
(١) قال في النور: فهذا تباين لكن يحتمل أنه تحدث بذلك قبل وقوعه وفيه ما فيه، انتهى. وقد يقال: لا تباين؛ لأن الحبشة باليمن كما مر، فيمكن وصول الخبر في تلك المدة ولا سيما البحر قد يقطع فيه مسافات كثيرة في أيام قليلة، "فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ، ألقى الشيطان على لسانه، تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد" لما ختم السورة "وسجدوا" معه وكبر ذلك على النبي ﷺ "فنزلت هذه الآية" تسلية له ﴿وَمَا أَرْسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ، أي: في قراءته بين كلمات القرآن "الآية" أتلها "وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد" ابن الأسود العنسي، أبي عبد الله البصري، مات سنة مائتين أو وإحدى "عن شعبة، فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب" أي: أظن، "ثم ساق الحديث" المذكور.
"وقال البزار" عقب تخريجه "لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور" أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مع كون سعيد لم يجزم بوصله إنما ظنه كما علم، "وقال" البزار أيضا "إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح" باذان بنون أو باذام بميم وذاله معجمة عن مولاته أم هانئ وعلي وعنه السدي وغيره، أخرج له أصحاب السنن، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وفي التقريب: إنه مقبول "عن ابن عباس، انتهى".
"والكلبي" وهو محمد بن السائب "متروك لا يعتمد عليه"، بل قال ابن الجوزي إنه من كبار الوضاعين، وشيخه أبو صالح فيه مقال، وقال ابن حبان يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابنстр. 528
وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي.
وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري.
وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري.
وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي.
ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب............
الحواشي
(١) عباس، التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به، "وكذا أخرجه النحاس" الحافظ الإمام الصدوق أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى المصري نزيل نيسابور ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيدة، روى عنه الحاكم، وقال: حافظ يتحرى الصدق في مذاكراته مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة عن خمس وثمانين سنة "بسند آخر فيه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني الذي استقر الإجماع على وهنه؛ كما في الميزان.
"وذكرها ابن إسحاق في السيرة" ذكرا "مطولا وأسندها عن محمد بن كعب" القرظي "وكذلك" ذكرها "موسى بن عقبة في المغازي عن" شيخه "ابن شهاب" محمد بن مسلم "الزهري" "وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي" بضم القاف وفتح الراء وظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة، نزل الكوفة مدة ثقة عالم ولد سنة أربعين، ووهم من قال في عهد النبي ﷺ ، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت في سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك.
"ومحمد بن قيس" شيخ أبي معشر ضعيف، ووهم من خلطه بمحمد بن قيس المدني القاص الثقة؛ كما في التقريب. "وأورده من طريقه" أي: أبي معشر، "الطبري" محمد بن جرير "وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط" بن نصر الهمداني بسكون الميم، قال في التقريب: صدوق كثير الخطأ يغرب "عن السدي" بضم السين وشد الدال المهملتين إسماعيل بن عبد الرحمن "ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب" قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك، وابن المديني ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في الصناعة أنها موضوعة، وقال زكريا الساجي: كانت كتبه ملأى من الكذب، وقالстр. 529
عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة وعن سليمان التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس.
وأوردها الطبري أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد.
وكلها سوى طريق................
الحواشي
(١) أبو داود: هو صدوق فيما قد روى، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وجمع الحافظ في الأمالي بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه.
"عن يحيى بن كثير" أبي النضر ضعيف "عن الكلبي عن أبي صالح" البصري اشتهر بكنيته ومراسمه "وعن أبي بكر الهذلي" قيل: اسمه سلمى بضم السين المهملة ابن عبد الله، وقيل: روح الأخباري متروك الحديث؛ كما في التقريب مات سنة سبع وستين ومائة، روى له ابن ماجه.
"وأيوب" بن كيسان البصري التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيوب سيد الفقهاء ما رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة عدلا جامعا، ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، ويقال له السختياني: بفتح المهملة على الصحيح وحكى ضمها وكسرها وفتح الفوقية؛ كما في اللباب، وكرها كما في المطالع نسبه إلى بيع السختيان، هو الجلد أو إلى عمله.
"عن عكرمة" بن عبد الله البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام الكبار، كان بحرا من البحار ونسبته للكذب على سيده أو البدعة أو سوء العقيدة لا تثبت، كما بسطه الحافظ في مقدمة الفتح مات سنة ست أو سبع ومائة.
"و" رواه ابن مردويه أيضا عن "سليمان" بن بلال "التيمي" مولاهم المدني أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا ثقة كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. "عمن حدثه ثلاثتهم" يعني أبا صالح وعكرمة والذي حدث سليمان "عن ابن عباس وأوردها الطبربي من طريق العوفي" بسكون الواو وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة بجيم مضمومة فنون خفيفة، الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبي الحسن: صدوق شيعي مدلس يخطئ كثيرا؛ إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصا مع الشاهد وهذا له شواهد كما ترى، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أخرج له أبو داود والنسائي والترمذي وتجويز أن المراد سليمان بن يحيى قاضي مرو؛ لأنه يروي عن ابن عباس وابن عمر مردود، فقد جزم في الأنساب من التقريب بأن العوفي عطية بن سعد.
"عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها" أي: كل طريق منها "سوى طريقстр. 530
سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا.
مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح.
أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فذكر نحوه.
والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
الحواشي
(١) سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا" وإن كان فيها ذلك "مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح أحدهما" أي: الطريقين، والطرق يذكر ويؤنث "ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد" بتحتية وزاي، الأيلي الحافظ روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه الليث وابن وهب والأوزاعي وخلق، مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة على الصحيح، روى له الجميع ووثقه الجمهور مطلقا حتى بالغ أحمد بن صالح، فقال: لا نقدم على يونس في الزهري أحدا، "عن" محمد بن مسلم "بن شهاد" الزهري العلم الشهير، قال: "حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" بن المغيرة المخزومي المدني الثقة أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث من سادات قريش، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته واحد، ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، "فذكر نحوه" وهذا رجاله على شرط الشيخين. "والثاني: ما أخرجه" ابن جرير" أيضا من طريق المعتمر بن سليمان" بن طرخان التيمي الثقة الحافظ البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستة.
"وحماد بن سلمة" بفتحات ابن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات العابد الزاهد الحافظ مجاب الدعوة، كان يعد من الأبدال تزود سبعين امرأة، فلم يولد له؛ لأنه لا يولد للبدل، احتج به مسلم والأربعة والبخاري في التاريخ وعلق له في الصحيح، قال الحافظ: ولم يخرج له فيه احتجاجا ولا مقرونا ولا متابعة إلا في موضع واحد في الرقاق؛ لأنه ساء حفظه في الآخر، مات سنة سبع وستين ومائة.
"كلاهما عن داود بن أبي هند" القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة، فهذا على شرط مسلم. "عن أبي العالية" بمهملة وتحتية، رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي براء وتحتية ومهملة، البصري التابعي الكبير أسلمследующие страницы →