وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت ناقته ﷺ يمسني لعابها، أسمعه يلبي بالحج، وأما عائشة فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذا اطلاعها على باطن أمره وظاهره، وفعله في خلوته وعلانيته، مع كثرة فهمها وعظم فطنتها. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه في الدين والفهم الثاقب معروف، مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله ﷺ التي لم يحفظها غيره، وأخذه إياها من كبار الصحابة.
واحتجوا أيضًا: بأن الخلفاء الراشدين واظبوا على "الإفراد" مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، والمقتدى بهم، فكيف يظن بهم المواظبة على ترك الأفضل. وبأنه لم ينقل عن واحد منهم كراهة الإفراد، وقد نقل عنهم كراهة التمتع والجمع بينهما، حتى فعله علي ﵁ لبيان الجواز. وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف التمتع والقرآن.
стр. 5357
وذهب النووي إلى أن الصواب أنه ﷺ كان قارنا، ويؤيده أنه لم يعتمر في تلك السنة بعد الحج، قال: ولا شك أن القرآن أفضل من الإفراد والذي لا يعتمر في سنته عندنا، ولم يقل أحد: إن الحج وحده أفضل من القرآن. انتهى.
وقد صرح القاضي حسين والمتولي بترجيح الإفراد، ولو لم يعتمر في تلك السنة.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وتترجح رواية من روى القرآن بأمور.
منها: أن معه زيادة علم على من روى الإفراد والتمتع.
وبأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك، وأشهر من روي عنه
стр. 5358
الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته. وابن عمر، وقد ثبت عنه أنه ﷺ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج. وجابر، وقد روى عنه أنه اعتمر مع حجته أيضا.
وبأن القران رواه عنه -صلى الله عليه - جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه.
وبأنه لم يقع في شيء من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت، ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال: "لولا أن معي الهدي لأحللت".
وأيضا: فإن من روى عنه القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف، بخلاف من روى الإفراد فإنه محمول على أول الحال وبه ينتفي التعارض، ويؤيده: أن من
стр. 5359
جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران، ومن روى عنه التمتع فإنه محمول على سفر واحد للنسكين، ويؤيده: أن من جاء عنه التمتع لما وصفه، وصفه بصورة القران؛ لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرته حتى أتم عمل جميع الحج، وهذه إحدى صور القران.
وأيضًا: فإن رواية القرن جاءت عن بضعة عشر صحابيا. انتهى.
وعدهم ابن القيم سبعة عشر: عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعلي، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، وابن عمر، قال: فهؤلاء سبعة عشر صحابيا، منهم من فعله، ومنهم من
стр. 5360
روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به.
فإن قيل: كيف يجعلون منهم ابن عمر وجابر، أو عائشة، وابن عباس؟ وعائشة تقول: أهل رسول الله ﷺ بالحج، وفي لفظ: أفرد الحج، والأول في الصحيحين، والثاني في مسلم. وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخاري، وهذا ابن عباس يقول: أهل بالحج، رواه مسلم. وهذا جابر يقول: أفرد الحج، رواه ابن ماجه.
قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث الباقين لم تتعارض، فهب أن أحاديث من ذكرت ثم لا حجة فيها على القران ولا على الإفراد، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يصدق بعضها بعضا، ولا تعارض بينها. انتهى.
стр. 5361
وهذا يقتضي رفع الشك عنها والمصير إلى أنه ﷺ كان قارنا، ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتع، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال أبو حنيفة وإسحاق بن راهويه واختاره من الشافعية المزني وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، ومن المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، وبحث مع النووي في اختياره بقوله أنه ﷺ كان قارنا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندا إلى أنه ﷺ اختار الإفراد أولا ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار في أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وتعقب: بأن البيان قد سبق منه ﷺ في عمره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها في ذي القعدة، وهي عمرة الحديبية التي صد عن البيت فيها، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط -مع أن الأفضل خلافه- لاكتفي في ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة. انتهى.
стр. 5362
ومذهب الشافعي ومالك وكثيرين أن أفضلها: الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
فإن قلت: إذا كان الراجح أنه ﵊ كان قارنا، فلم رجح الشافعية والمالكية الإفراد على القران؟ فقد أجاب عن ذلك النووي في شرح المهذب: بأن ترجيح الإفراد؛ لأنه ﵊ اختاره أولا، فأهل بالحج وحده، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج،
стр. 5363
وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور كما ذكرته.
وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إلى أن التمتع أفضل، وهو مذهب أحمد، لكونه ﷺ تمناه، فقال: "لولا أني سقت الهدي لأحللت" ولا يتمنى إلا الأفضل.
وأجيب: بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له، واستمر عليه ﷺ .
وأما القائلون بأنه ﷺ لبى بالعمرة واستمر عليها، فحجتهم حديث ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى.
стр. 5364
وقال ابن شهاب عن عروة: إن عائشة أخبرته عن النبي ﷺ في تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر.
وقال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : هذه عمرة استمتعنا بها.
وقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه.
وأجيب: بأن التمتع عندهم يشمل القران، ويدل عليه ما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى علي ذلك أهل بها جميعا.
стр. 5365
فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ . ووافقه عثمان على أنه ﷺ فعله، لكن النزاع بينهما: هل ذلك الأفضل في حقنا أم لا؟
فقد اتفق علي وعثمان على أنه ﷺ تمتع وأن المراد بالتمتع عندهم القران.
وأيضًا: فإنه ﷺ قد تمتع قران باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين. انتهى.
وفي فتح الباري عن أحمد: أن من ساق الهدي فالقران له أفضل ليوافق فعل النبي ﷺ ، ومن لم يسق الهدي فالتمتع له أفضل ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه.
стр. 5366
وأما من قال: إنه ﷺ حج مفردا ثم اعتمر عقبه من التنعيم أو غيره فهو غلط، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا الأئمة والأربعة، ولا أحد من أهل الحديث. قال ابن تيمية.
وأما من قال: إنه حج متمتعا، حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي فحجته حديث معاوية أنه قصر عن رأس النبي ﷺ بمشقص على المروة، وحديثه في الصحيحين، ولا يمكن أن يكون هذا في غير حجة الوداع؛ لأن معاوية أسلم بعد الفتح، والنبي ﷺ لم يكن زمن الفتح محرمًا، ولا يمكن أن يكون في عمرة الجعرانة لوجهين: أحدهما، أنه في بعض ألفاظ الصحيح "وذلك في حجته"، الثاني: أن في رواية النسائي بإسناد صحيح: "وذلك في أيام العشر" وهذا إنما كان في حجته، ولكن هذا مما أنكره الناس على معاوية
стр. 5367
وغلطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر في قوله: إنه اعتمر في رجب كما سيأتي، وسائر الأحاديث الصحيحة كلها تدل على أنه ﷺ لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: "لولا أن معي الهدي لأحللت" وقوله: "إني سقت الهدي وقرنت فلا أحل حتى أنحر"، وهذا خبر عنه لا يدخله الوهم ولا الغلط، بخلاف خبر غيره عنه. قاله في زاد المعاد.
وأما اختلاف الروايات عنه ﷺ في إهلاله، هل هو بالحج أو بالعمرة أو القران، والجمع بينهما، فكل تأول بما يناسب مذهبه الذي قدمته.
قال البغوي: والذي ذكره الشافعي في كتاب "اختلاف الأحاديث" كلاما موجزة: "أن أصحاب رسول الله ﷺ كان منهم المفرد والقارن والمتمتع، وكل كان يأخذ عنه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، ويجوز في لغة الغرب إضافة الفعل إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى
стр. 5368
الفاعل له، كما يقال: بنى فلان دارا، ويريد أنه أمر ببنائه، وكما روي أنه ﵇ رجم ماعزا، وإنما أمر برجمه، ثم احتج بأنه ﵇ كان أفرد الحج. انتهى، وقال الخطابي نحوه.
قال النووي: كان ﷺ أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج، فمن روى الإفراد فهو الأصل، يعني حمله على ما أهل به أول الحال، ومن روى القران أراد أن ما استقر عليه أمره، ومن روى التمتع أراد به التمتع اللغوي والارتفاق، فقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة، وهو الاقتصار على فعل واحد.
стр. 5369
وقال غيره: أراد بالتمتع ما أمر به غيره.
قالوا: وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها ويزول عنها الاضطراب والتناقض.
وقالت طائفة: إنما أحرم ﷺ قارنا ابتداء بالعمرة والحج، واحتجوا بأحاديث صحيحة تزيد على العشرين، منها حديث أنس في صحيح مسلم سمعت رسول الله ﷺ أهل بهما: "لبيك عمرة وحجا" ورواه عن أنس ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم متفقون عن أنس بلفظ أن النبي ﷺ كان إهلاله بحج وعمرة معا.
стр. 5370
وأما من قال: إنه ﵊ أهل بالعمرة وأدخل عليها الحج، فحجته ما في البخاري من حديث ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ ﷺ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج.
وقد تقدم في الأحاديث الكثيرة الصريحة أنه ﷺ بدأ بالإهلال بالحج ثم أدخل عليه العمرة، وهذا عكسه.
والمشكل في هذا الحديث قوله: بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج.
وأجيب عنه: بأن المراد به صورة الإهلال، أي لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما فقال: "لبيك بعمرة وحج معا".
ومذهب الشافعي: أنه لو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف صح، وصار قارنا، ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان للشافعي، أصحهما: لا يصح إحرامه بالعمرة؛ لأن الحج أقوى منها لاختصاصه بالوقوف والرمي. والضعيف لا يدخل على القوي. انتهى.
стр. 5371
وعن ابن عباس قال: صلى ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعى بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين. رواه مسلم وأبو داود.
وفي رواية الترمذي: قلد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن، بذي الحليفة، وأماط عنه الدم.
وفي رواية لأبي داود بمعناه، وقال: ثم سلت الدم بيده، وفي أخرى بأصبعه.
وعند النسائي: أشعر بدنه من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين.
стр. 5372
وفي أخرى: أمر ببدنه فأشعر في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت عنها الدم وقلدها نعلين.
وكان حجه ﷺ على رحل رث يساوي أربعة دراهم. رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه من حديث أنس، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس.
стр. 5373
وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجا حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﷺ ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ ، وجلست إلى جنب أبي بكر، وكانت زمالة رسول الله ﷺ وزمالة أبي بكر واحدة، مع غلام لأبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه بعيره، فقال له أبو بكر: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. قال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما
стр. 5374
يصنع"، وما يزيد على ذلك ويبتسم. رواه أبو داود.
وخرج معه ﷺ أصحابه لا يعرفون إلا الحج -كما قالت عائشة- فبين لهم ﵇ وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار في أشهر الحج فقال: "من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحج فليهل". رواه البخاري.
ولأحمد: "من شاء فليهل بعمرة".
ولما بلغ ﷺ الأبواء أو ودان، أهدى له الصعب بن جثامة حمارا وحشيا
стр. 5375
فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم". رواه البخاري ومسلم. وله في رواية: حمار وحش، وفي أخرى: من لحم حمار وحش، وفي رواية: عجز حمار وحشي يقطر دما، وفي رواية: شق حمار وحش، وفي رواية: عضو من لحم صيد.
стр. 5376
ورواه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله ﷺ ... فذكره.
واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش، وهو بالحجفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقبل اللحم.
قال في فتح الباري: وفي هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رد حيا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعي في "الأم": إن كان الصعب أهدى حمارا حيا
стр. 5377
فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش، وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه. ونقل الترمذي عن الشافعي: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه ﷺ من مكة، ويؤيده: أنه جزم بوقوع ذلك في الجحفة، وهو في غيرها من الروايات: بالأبواء أو بودان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا لا حيا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي ﷺ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبي ﷺ ، قال: ويحتمل أن يكون من أراد حمارا، أطلق وأراد بعضه مجازا، قال: ويحتمل أنه أحفره له حيا فلما رده عليه ذكاه، وأتاه بعضو منه ظنا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. قال: والجمع مهما
стр. 5378
أمكن أولى من توهيم بعض الرواة.
وقال النووي: قال الشافعي وآخرون: ويحرم تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوهما، وفي ملكه إياه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد فإن صاده المحرم أو صيد له فهو حرام، سواء صيد له بأذنه أو بغير إذنه، وإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد به المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلا، سواء صاده أو صاده غيره له، قصده أو لم يقصده، فيحرم مطلقا. حكاه القاضي عياض عن علي وابن عمر وابن عباس لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، قالوا: والمراد بالصيد المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه ﷺ رده وعلل رده عليه بأنه محرم، ولم يقل: بأنك صدته لنا.
стр. 5379
واحتج الشافعي وموافقوه: بحديث أبي قتادة المذكور في صحيح مسلم، فإنه ﷺ قال في الصيد الذي صاده أبو قتادة وهو حلال، قال للمحرمين: "هو حلال فكلوه". وفي الرواية الأخرى قال: "فهل معكم منه شيء"؟ قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله ﷺ فأكلها.
ولما مر ﷺ بوادي عسفان قال: "يا أبا بكر، أي وادي هذا"؟ قال: وادي عسفان قال: "لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطامهما الليف،
стр. 5380
"وأزرهما العباء وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق". رواه أحمد.
وفي رواية مسلم من حديث ابن عباس، لما مر بوادي الأزرق قال: "كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا أصبعيه في أذنيه مارا بهذا الوادي، وله جؤار إلى الله بالتلبية".
ووادي الأزرق خلف أمج -بفتح الهمزة والميم والجيم- قرية ذات مزارع، بينه وبين مكة ميل واحد.
ولم يعين في رواية البخاري الوادي، ولفظه: "أما موسى كأني انظر إليه إذ انحدر من الوادي يلبي".
стр. 5381
قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته؛ لأنه لم يأت في أثر ولا خبر أن موسى حي، وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوي، ويدل عليه قوله في الحديث الآخر: "ليهلن ابن مريم بفج الروحاء". انتهى.
وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وقد ذكر البخاري الحديث في اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاده؟ وفي رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس، أفيقال: إن الراوي الآخر قد غلط فزاد يونس؟
وتعقب أيضًا: بأن توهيم المهلب للراوي وهم منه وإلا فأي فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع إلى السماء نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل.
стр. 5382
وأجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: "كأني أنظر إليه" ولهذا استدل المهلب بحديث أبي هريرة الذي فيه: "ليهلن ابن مريم بالحج".
وقد اختلف في معنى قوله: "كأني أنظر إليه".
فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحي.
وقيل: هو على الحقيقة؛ لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون. فلا مانع أن يحجوا في هذه الحالة، كما في صحيح مسلم عن أنس: أنه رأى موسى قائما في قبره يصلي.
قال القرطبي: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دوعي أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الآية.
стр. 5383
لكن تمام هذا التوجيه أن يقول: المنظور إليه هي أرواحهم، فلعلها مثلت له في الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم فهي في القبور.
قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالا، ويرى في اليقظة كما يرى في النوم.
وقيل: كأنه مثلت له أحوالهم التي كانت في الحياة الدنيا، كيف تعبدوا؟، وكيف حجوا؟، وكيف لبوا؟، ولهذا قال: "كأني"..
وقيل: كأنه أخبر بالوحي عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: "كأني أنظر إليه". انتهى.
وقد ذكرت في مقصد الإسراء من ذلك ما يكفي والله الموفق.
ولما نزل ﷺ بسرف خرج إلى أصحابه فقال: "من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا".
стр. 5384
وحاضت عائشة بسرف فدخل عليها ﷺ وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا هنتاه"؟ قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: "وما شأنك"؟ قالت: لا أصلي، قال: "فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجتك، فعسى الله أن يرزقكيها". رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
وفي رواية قالت عائشة: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يبكيك"؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: "ما لك، لعلك
стр. 5385
"نفست"؟ قلت: نعم، قال: "هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج، غير أن تطوفي بالبيت حتى تطهري". الحديث.
وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، أولا كما اختلف: هل كانت متمتعة أم مفردة؟ وإذا كانت متمتعة فقيل: إنها كانت أحرمت أولًا بالحج، وهو ظاهر هذا الحديث.
وفي حجة الوداع من المغازي عند البخاري، من طريق هشام ابن عروة عن أبيه قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهري: ولم أسق هديا، وفي رواية الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة.
стр. 5386
ويحتمل في الجمع أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردة، كما صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبي ﷺ أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهي حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج.
وقال القاضي عياض: واختلف في الكلام على حديث عائشة، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا.
قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل به في رفض العمرة وجعلها حجا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة. واختلف في جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك احتمال أن يكون معنى قوله: "ارفضي عمرتك" أي اتركي التحلل منها وأدخلي عليها بالحج، فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية لمسلم: "وأمسكي عن العمرة" أي عن أعمالها.
стр. 5387
وإنما قالت عائشة: "وأرجع بحج" لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين.
واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها: "وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة" أخرجه أحمد.
وهذا يقوي قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا في ذلك قوله لها: "دعي عمرتك"، وفي رواية: "اقضي عمرتك" ونحو ذلك.
واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردا كما صنعت عائشة.
لكن في رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال في ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان بسرف حاضت فقال لها النبي ﷺ : "أهلي بالحج" حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: "قد حللت من حجتك وعمرتك"، فقالت: يا رسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فأعمرها من التنعيم.
стр. 5388
ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها النبي ﷺ : "طوفك يسعك لحجك وعمرتك" فهذا صريح في أنها كانت قارنة لقوله: "قد حللت من حجك وعمرتك"، وإنما أعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وقد وقع في رواية لمسلم: وكان ﷺ رجلا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه.
ثم قال ﷺ لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا".
وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفي منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء في رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت كما جاء في
стр. 5389
رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين. وإن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة.
وفي رواية قالت عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال ﷺ : "من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجه".
وهذا الحديث ظاهر في الدلالة لأبي حنيفة وأحمد وموافقيهما، في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر.
ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال، سواء أكان ساق هديا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج.
стр. 5390
وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التي ذكرها مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله ﷺ : "من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا" فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة وتقديرها: ومن أحرم بعمرة فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا التأويل؛ لأن القصة واحدة، والراوي واحد فتعين الجمع بين الروايتين بما ذكر. والله أعلم.
ولما بلغ ﷺ ذا طوى -بضم الطاء وفتحها، وقيدها الأصيلي بالكسر- عند آبار الزاهر، بات بها بي الثنيتين، فلما أصبح صلى الغداة ثم اغتسل. رواه البخاري.
وللنسائي كان ﷺ ينزل بذي طوى، يبيت به حتى يصلي صلاة الصبح
стр. 5391
حين يقدم إلى مكة.
ومصلى رسول الله ﷺ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس في المسجد الذي بنى ثم، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة.
وفي الصحيحين: أنه ﷺ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: كان ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا، يعني أعلى مكة من كداء -بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف- وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة -مقبرة أهل مكة- وهي التي يقال لها: الحجون -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم ...
ولم يقع أنه ﷺ دخل مكة ليلا إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من
стр. 5392
الجعرانة، ودخل مكة ليلا، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي.
وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنه كان إماما، فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس. رواه النسائي.
ثم دخل ﷺ مكة لأربع خلون من ذي الحجة.
ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام في "القواعد".
وكان ﵊ إذا رأى البيت قال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا". رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول.
стр. 5393
وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا وبرا ومهابة".
ولم يركع ﵊ تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف؛ لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد.
ثم استلم ﷺ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري: "استلم الركن"، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله الأزهري، وقيل: من السلام
стр. 5394
-بالكسر- أي الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، وكانت عصاه محنية الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث بـ"المحجن".
واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني: الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان.
وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا. وكان إذا استلم الركن قال: "بسم الله والله أكبر"، وكلما أتى الحجر قال: "الله أكبر" رواه الطبراني.
стр. 5395
وهل كان ﵊ طائفا على بعيره أم على قدميه؟
ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيره.
وفيه عن أبي الطفيل: رأيته ﷺ يطوف بالبيت على بعيره.