← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

حين يقدم إلى مكة. ومصلى رسول الله ﷺ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس في المسجد الذي بنى ثم، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة. وفي الصحيحين: أنه ﷺ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: كان ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا، يعني أعلى مكة من كداء -بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف- وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة -مقبرة أهل مكة- وهي التي يقال لها: الحجون -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم ... ولم يقع أنه ﷺ دخل مكة ليلا إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من

стр. 5392

الجعرانة، ودخل مكة ليلا، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي. وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنه كان إماما، فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس. رواه النسائي. ثم دخل ﷺ مكة لأربع خلون من ذي الحجة. ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام في "القواعد". وكان ﵊ إذا رأى البيت قال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا". رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول.

стр. 5393

وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا وبرا ومهابة". ولم يركع ﵊ تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف؛ لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد. ثم استلم ﷺ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري: "استلم الركن"، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله الأزهري، وقيل: من السلام

стр. 5394

-بالكسر- أي الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، وكانت عصاه محنية الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث بـ"المحجن". واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني: الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان. وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا. وكان إذا استلم الركن قال: "بسم الله والله أكبر"، وكلما أتى الحجر قال: "الله أكبر" رواه الطبراني.

стр. 5395

وهل كان ﵊ طائفا على بعيره أم على قدميه؟ ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيره. وفيه عن أبي الطفيل: رأيته ﷺ يطوف بالبيت على بعيره.

стр. 5396

وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه. فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين. قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﵇ كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث.

стр. 5397

قال بعضهم: وهذا كان -والله أعلم- في طواف الإفاضة، لا في طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي بنفسه. وقال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى. ولما استلم ﷺ الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعًا. وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية، لما قدم ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا

стр. 5398

ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس. ولما كان في حجة الوداع رمل ﷺ وأصحابه، فكان سنة مستقلة. قال الطبري: فقد ثبت أنه ﵇ رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها، فلا عليه. انتهى. قلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيئتها السكينة فلا تغير، والله أعلم.

стр. 5399

ولما فرغ ﷺ من طوافه أتى المقام، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز

стр. 5400

"وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده،" ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة. وفي حديث أبي الطفيل عند مسلم وأبي داود، قال: قلت لابن عباس، أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ كثر

стр. 5401

عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي السعي أفضل. هذا لفظ رواية. وفي أوله ذكر الرمل في طواف البيت. وعند أبي داود أن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل، فيقيموا ثلاثة

стр. 5402

أيام، فقدم ﷺ فقال لأصحابه: "أرملوا بالبيت"، وفيه: طاف ﷺ بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، وتناله أيديهم الحديث. وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة"، فقالم سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله،

стр. 5403

ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج هكذا" -مرتين، "لا بل لأبد أبد". وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة. قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصا، بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه ويتحلل بأعمالها.

стр. 5404

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج. ومما يستدل به الجماهير، حديث أبي ذر في مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة. وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة".

стр. 5405

قال: وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: "لا، بل لأبد أبد" فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، والقران كما سبق تفسيره. فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم. انتهى.

стр. 5406

وفي رواية للنسائي أيضا: لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النسائي ومتعة الحج، يعني فسخ الحج إلى العمرة، ومتعة النساء: هي نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحًا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه. وكان ﷺ مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه المسلمين بظاهر مكة، يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة؛ لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم دخوله ﷺ مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح عشرة أيام سواء.

стр. 5407

وقدم علي من اليمن على رسول الله ﷺ فقال له: "بما أهللت"؟ فقال: بما أهل به رسول الله ﷺ ، فقال: "لولا أن معي الهدي لأحللت". رواه الشيخان من حديث أنس. وفي حديث البراء عند الترمذي والنسائي: دخل علي على فاطمة ﵄ فوجدها قد نضحت البيت بنضوح فغضب. فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال رسول الله ﷺ قال: فأتيته فقال لي رسول الله ﷺ : "كيف صنعت"؟ وقال له: "انحر من البدن سبعا وستين، أو ستا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة". وفي رواية جابر عن مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبا صبيغًا

стр. 5408

واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: صدقت صدقت مرتين، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة. فحل: الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.

стр. 5409

فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب ﷺ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى ﷺ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على طريق ضب، ولا يشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، وكانت "الحمس" وهم قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين الله، أي

стр. 5410

جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] .

стр. 5411

وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك. وفي رواية: كان رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا.

стр. 5412

ولما بلغ ﷺ وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بـ"القصواء" فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء

стр. 5413

الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا،

стр. 5414

ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة من الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن

стр. 5415

فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم

стр. 5416

به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون"؟. قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ويقول: "اللهم

стр. 5417

"اشهد"، ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. وهذا الجمع المذكور يختص بالمسافرين عند الجمهور، وعند مالك والأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع للنسك، فيجوز لكل أحد. قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف.

стр. 5418

وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا الذهاب، إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم. ولما فرغ من صلاته ﷺ ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر

стр. 5419

دعائه ﷺ يوم عرفة في الموقف: "اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح" رواه الترمذي من حديث علي. وفي رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه ﵊ يوم عرفة بعد قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له: اللهم لك الحمد كالذي نقول، اللهم لك

стр. 5420

"صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، وعليك يا رب ثوابي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي شر". وفي الترمذي: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وكان من دعائه في عرفة أيضا -كما في الطبراني الصغير- من حديث ابن عباس: "اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى

стр. 5421

عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذل

стр. 5422

جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين". وأتاه ﷺ ناس من أهل نجد -وهو بعرفة- فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادي: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام

стр. 5423

منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، رواه الترمذي. وفي رواية جابر عند أبي داود قال ﷺ بعرفة: "وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وههنا أنزل علي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " [المائدة: ٣] الآية كما

стр. 5424

في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته -وهو محرم- فمات، فأمر رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- أن يكفن في ثوبيه ولا ميس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي. رواه البخاري ومسلم. أي يبعث على هيئته التي مات عليها. واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال النووي:

стр. 5425

يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تعطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة. ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلا، حين غاب القرص، أفاض ﷺ من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة"، وكلما أتى حبلا

стр. 5426

من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين. وفي رواية ابن عباس أنه ﵊ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، يعني بالإسراع. وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:

стр. 5427

"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا. وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.

стр. 5428

وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: "إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصاري دينها" قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله. والقلق: الانزعاج. والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل. ولما كان ﷺ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك".

стр. 5429

فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها. فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما. وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام

стр. 5430

العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا. وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد. وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه"، قال: "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم"، فلم يجب عشيته، فلما
следующие страницы →