Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
حين يقدم إلى مكة.
ومصلى رسول الله ﷺ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس في المسجد الذي بنى ثم، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة.
وفي الصحيحين: أنه ﷺ دخلها من أعلاها. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: كان ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا، يعني أعلى مكة من كداء -بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف- وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة -مقبرة أهل مكة- وهي التي يقال لها: الحجون -بفتح الحاء المهملة وضم الجيم ...
ولم يقع أنه ﷺ دخل مكة ليلا إلا في عمرة الجعرانة، فإنه ﷺ أحرم من
الحواشي
(١) يقدم إلى مكة" ظرف لقوله: ينزل "ومصلى" بضم الميم، أي: مكان صلاة كما في مسلم والنسائي، فحرف من جعلها: فصلى "رسول الله ﷺ ذلك على أكمة" بفتحات تل أو ما دون الجبل أو موضع أشد ارتفاعا مما حوله "خشنة غليظة" قيد بها؛ لأنها تكون غليظة وغير غليظة "ليس في المسجد الذي بنى، ثم" أي: هناك "ولكن أسفل من ذلك على أكمة خشنة" ضد ناعمة "غليظة" ضد رقيقة، وهذا رواه مسلم بلفظه من حديث ابن عمر: إلا أنه لم يقل خشنة إنما قال: على أكمة غليظة أولا وثانيا، فلعل هذا عذر المصنف في قصر عزوه للنسائي.
"وفي الصحيحين" عن عائشة "أنه ﷺ " لما جاء إلى مكة "دخلها من أعلاها" وخرج من أسفلها.
"وفي حديث ابن عمر في الصحيح" للبخاري ومسلم: "كان ﷺ يدخل مكة من الثنية العليا" بضم العين تأنيث الأعلى، زاد في رواية التي بالبطحاء "يعني: أعلى مكة من كداء بفتح الكاف والمد" وإهمال الدال والتنوين و"قال أبو عبيد: لا يصرف" للعلمية والتأنيث على إرادة البقعة "وهذه الثنية هي التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها: الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم".
قال الحافظ: وكانت صعبة المرتقى، فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي، ثم سهل في عصرنا هذا سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع منها، ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة وكل عقبة في جبل أو طريق تسمى ثنية.
وبقية الحديث: وخرج من الثنية السفلى "ولم يقع أنه ﷺ دخل مكة ليلا إلا فيстр. 5392
الجعرانة، ودخل مكة ليلا، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبي.
وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا، إنكم لستم كرسول الله ﷺ ، إنه كان إماما، فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس. رواه النسائي.
ثم دخل ﷺ مكة لأربع خلون من ذي الحجة.
ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف، وهو باب بني شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام في "القواعد".
وكان ﵊ إذا رأى البيت قال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا". رواه الثوري عن أبي سعيد الشامي عن مكحول.
الحواشي
(١) عمرة الجعرانة" بعد انصرافه من قسم غنائم حنين؛ "فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى" أي: فعل "أمر العمرة" الطواف والسعي والحق "ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت" أي: كأنه بات بها "كما رواه أصحاب السنن الثلاثة" أبو داود والترمذي والنسائي "من حديث محرش" بضم الميم وفتح المهملة، وقيل: إنها معجمة وكسر الراء فشين معجمة "الكعبي" الخزاعي الصحابي نزيل مكة، وبه تمسك من قال: إن دخولها نهارا وليلا سواء في الفضل، وأجاب القائل بفضل النهار، بأنه دخلها في تلك المرة ليلا لبيان الجواز.
"وعن عطاء" بن أبي رباح أنه "قال: إن شئتم فادخلوا مكة ليلا إنكم لستم كرسول الله ﷺ إنه كان إماما" قدوة للناس "فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس، رواه النسائي".
قال الحافظ: قضيته أن من كان إمامًا يقتدى به استحب له أن يدخلها نهارًا "ثم دخل ﵊ مكة لأربع خلون من ذي الحجة" كما في حديث: "ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بني عبد مناف وهو باب بني شيبة، والمعنى" أي: السر والحكمة "فيه أن باب الكعبة في جهة ذلك الباب والبيوت تؤتى من أبابها" كما في التنزيل "وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع كما قاله" العز "بن عبد السلام في القواعد" وهما حكمتان لطيفتان "وكان ﵊ إذا رأى البيت، قال: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرا" رواه الثوري" سفيان بن سعيد "عن أبي سعيد الشامي"стр. 5393
وروى الطبراني عن حذيفة بن أسيد قال: كان ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما، وتشريفا وبرا ومهابة".
ولم يركع ﵊ تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف؛ لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد.
ثم استلم ﷺ الحجر الأسود، وفي رواية جابر عند البخاري: "استلم الركن"، والاستلام افتعال من السلام، أي التحية، قاله الأزهري، وقيل: من السلام
الحواشي
(١) مجهول من السابعة كما في التقرير "عن مكحول" الشامي ثقة، فقيه، تابعي، كثير الإرسال.
"وروى الطبراني" في الكبير "عن حذيفة بن أسيد" بفتح الهمزة الغفاري، من أصحاب الشجرة، مات سنة اثنتين وأربعين "قال: كان ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا" أضافه إليه لمزيد التشريف، وأتى باسم الإشارة للتفخيم "تشريفا وتعظيما وتكريما وبرا ومهابة:" إجلالا وعظمة "وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وبرا ومهابة".
قال الطبراني: تفرد به عمرو بن يحيى.
قال الحافظ: وفيه مقال وشيخه عاصم بن سليمان وهو الكوزي متهم بالكذب، ونسب للوضع ووهم من ظنه عاصما الأحول. انتهى.
"ولم يركع ﵊ تحية المسجد إنما بدأ بالطواف؛ لأنه تحية البيت، كما صرح به كثير من أصحابنا" وغيرهم "وليس بتحية المسجد".
وفي المقاصد حديث: تحية البيت الطواف لم أره بهذا اللفظ، وفي الصحيح عن عائشة: أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف.. الحديث، وفيه قول عروة الراوي عنها؛ أنه حج مع أبيه الزبير، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه "ثم استلم ﷺ الحجر الأسود" أي: مسح يده عليه كما رواه الشيخان عن ابن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يضب ثلاثة أطواف من السبع.
"وي رواية جابر عند البخاري: استلم الركن" أي: الحجر الأسود "والاستلام افتعال من السلام" بالفتح "أي: التحية قاله الأزهري" أبو منصور.
"وقيل: من السلام بالكسر" للسين "أي: الحجارة، والمعنى أنه يومئ بعصاه إلىстр. 5394
-بالكسر- أي الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى يصيبه، وكانت عصاه محنية الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث بـ"المحجن".
واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثاني: الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان.
وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا. وكان إذا استلم الركن قال: "بسم الله والله أكبر"، وكلما أتى الحجر قال: "الله أكبر" رواه الطبراني.
الحواشي
(١) الركن حتى يصيبه وكانت عصاه محنية" معوجة "الرأس، وهي المراد بقوله في الحديث: بالمحجن" بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم ونون والحجن الاعوجاج وبذلك سمي الحجون.
"واعلم أن للبيت أربعة أركان:
الأول: له فضيلتان كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد إبراهيم" أي: أساس بنائه.
"وللثاني:" وهو الركن اليماني "الثانية فقط وليس للآخرين شيء منها، فلذلك يقبل الأول" كما في الصحيحين عن ابن عمر؛ أنه ﷺ قبل الحجر الأسود.
وفي البخاري عن ابن عمر: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله "ويستلم الثاني فقط" لما في الصحيح عن ابن عمر أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني "ولا يقبل الآخران ولا يستلمان" اتباعًا للفعل النبوي؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم هذا على قول الجمهور.
واستحب بعضهم تقبيل اليماني أيضا، وأجاب الشافعي عن قول من قال: كمعاوية، وقد قبل الأربعة ليس شيء من البيت مجهورا، فرد عليه ابن عباس، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة بأنا لم ندع استلامهما هجرا للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به، لكنا نتبع السنة فعلا أو تركا ولو كان ترك استلامهما هجرا لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجرا لها ولا قائل به.
"وروى الشافعي عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ الحجر" الأسود "فاستلمه" أي: مسح يده عليه "ثم وضع شفتيه عليه طويلًا" يقبله، ومفاده استحباب الجمع بينهما "وكان إذا استلم الركن، قال: "بسم الله، الله أكبر"، وكلما أتى الحجر، قال: "الله أكبر"، رواهстр. 5395
وهل كان ﵊ طائفا على بعيره أم على قدميه؟
ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعيره.
وفيه عن أبي الطفيل: رأيته ﷺ يطوف بالبيت على بعيره.
الحواشي
(١) الطبراني" واستحب الشافعي والحنابلة وابن حبيب من المالكية أن يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك، واتبعا لسنة محمد ﷺ .
وروى الشافعي عن ابن أبي نجيح، قال: أخبرت أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا، قال: قولوا: "بسم الله، والله أكبر، إيمانا بالله وتصديقا لإجابة محمد ﷺ "، ولم يثبت ذلك كما قاله ابن جماعة وصح في أبي داود والنسائي وابن سعد والحاكم وابن حبان عن عبد الله بن السائب، قال: رأيت رسول الله ﷺ يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
قال ابن المنذر: لا نعلم خبرا ثابتا عنه ﷺ يقال في الطواف غير هذا.
وقال غيره: لم يدع ﷺ عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت الطواف ذكرا معينا لا يفعله ولا بتعليمه، ولذا ذهب مالك إلى أنه يسن الدعاء بلا حد، وأنكر قول الناس: "اللهم إيمانا بك" ... إلخ.
وروي أنه ليس عليه العمل كما في المدونة، أي: ولم يثبت به حديث كما علم.
"وهل كان ﵊ طائفا على بعيره أم على قدميه، ففي مسلم عن عائشة: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع" حول الكعبة "على بعيره" يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس، هذا لفظ مسلم بتمامه.
وفي الصحيحين عن ابن عباس: أنه ﷺ طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن.
"وفيه" أي: مسلم "عن أبي الطفيل" عامر بن واثلة: "رأيته ﷺ يطوف بالبيت على بعيره" لم يقع ذلك في مسلم عن أبي الطفيل، ولفظه: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن، وإنما فيه ذلك من حديث عائشة كما مر من حديث جابر، قال: طاف ﷺ بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه، لأن يراه الناس وليشرف ويسألوه، فإن الناس غشوه. نعم في أبي داود عن أبي الطفيل: رأيت النبي ﷺ يطوف بالبيت على راحلته.стр. 5396
وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه ﷺ قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه. فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين.
قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب.
وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته ﵇ كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث.
الحواشي
(١) "وقد اختلف في علة ذلك" أي: سببه، فإن الطواف راكبا لا يجوز بلا عذر، فمنعه مالك وكرهه الشافعي، وطواف المصطفى راكبا إنما كان لعذر اختلف فيه.
"فروى أبو داود من حديث" يزيد بن أبي زياد عن عكرمة، عن "ابن عباس أنه ﷺ قدم مكة" في حجة الوداع "وهو يشتكي" أي: به مرض "فطاف على راحلته".
"وفي حديث جابر عند مسلم: أنه ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه" نقل بالمعنى وإلا فلفظ مسلم: ما قد رأيت آنفا، وله في راية تلو السابقة عن جابر: طاف ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس ويشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه بفتح الشين ازدحموا عليه.
"فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين" المرض ومشاهدة الناس له فيسألوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم فلا خلف بين الخبرين.
قال الولي العراقي: لكن لم يصح ذلك عن ابن عباس، فإن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به.
قال البيهقي: وقد تفرد بزيادة قوله: وهو يشتكي فلم يوافق عليها.
"قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد" بقياس بقية ما يأكل على البعير "إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن أبوالها لا تنجسه" ولا أرواثها ولا يؤمن ذلك من البعير، فلو كانت نجسه لما عرض المسجد له "بخلاف غيرها م الدواب" التي لا تؤكل.
"وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة" إذ الفعل إنما دل الجواز للحاجة "بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول" وحيث لا يخشى يجوز "و" لا يراد أن ذلك لا يؤمن من الناقة؛ لأنه "قد قيل: إن ناقته ﵇ كانت منوقة، أي: مدربة" مذللة "معلمة" مروضة "فيؤمن معها ما يحذر من التلويث" وهيстр. 5397
قال بعضهم: وهذا كان -والله أعلم- في طواف الإفاضة، لا في طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأول، وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي بنفسه. وقال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى.
ولما استلم ﷺ الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعًا.
وكان ابتداء الرمل في عمرة القضية، لما قدم ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا
الحواشي
(١) سائرة، وتعقب بأن ذلك لم يثبت إنما أبداه الحافظ احتمالا، وللصحيحين أن أم سلمة طافت على البعير لمرضها بأمره ﷺ فترجى بعض أنه كان منوقا أيضا وليس بشيء.
"قال بعضهم: وهذا" أي: طوافه راكبًا "كان والله أعلم في طواف الإفاضة لا في طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه الرمل في الثلاثة الأولى" فقال في سياق حجة الوداع عند مسلم: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا، يعني بلا إسراع.
وللشيخين عن ابن عمر: كان ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثا ومشى أربعا.
قال المصنف وغيره: الطواف الأول الذي يعقبه السعي لا طواف الوداع.
"وذلك لا يكون إلا مع المشي، ولم يقل أحد: رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أي: بنفسه" على المتبادر "و" لذا قال الشافعي: أما سعيه الذي طاف لقدومه فعلى قدميه. انتهى، ولما استلم ﷺ الحجر مضى على يمينه" أي: يمين نفسه فيكون البيت عن يساره "فرمل:" أسرع في مشيه بدون جري "ثلاثًا ومشى أربعًا" كما في مسلم عن جابر: "وكان ابتداء الرمل" بفتح الراء والميم هو الإسراع.
وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، واصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيته "في عمرة القضية" سنة سبع "لما قدم ﷺ وأصحابه مكة وقد وهنتهم" بفوقية بعد النون يستعل لازما، كقوله تعالى: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] ، ومتعديا كما في الحديث، أي: أضعفتهم "حمى يثرب" بمثلثة ممنوع الصرف علم للمدينة النبوية في الجاهلية والموضوع رفع على الفاعلية "فقال المشركون" من قريش: "إنه يقدم" بفتح الدال مضارع قدم بكسرها، أي: يرد "عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة فجلسوا" أي: قريش "مما يلي الحجر" بكسر فسكون "وأمرهم" أي: الصحابة "النبي ﷺ أن يرملوا" بضم الميم "ثلاثة أشواط" جمع شوط، أي:стр. 5398
ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس.
ولما كان في حجة الوداع رمل ﷺ وأصحابه، فكان سنة مستقلة.
قال الطبري: فقد ثبت أنه ﵇ رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها، فلا عليه. انتهى.
قلو ترك الرمل في الثلاث لم يقضه في الأربع؛ لأن هيئتها السكينة فلا تغير، والله أعلم.
الحواشي
(١) الطوفة حول الكعبة "ويمشوا" في كل واحد من الثلاثة "ما بين الركنين" اليمانيين حيث لا يراهم المشركون "ليرى المشركون" بفتح الياء والراء، وفي رواية: ليرى المشركين بضم الياء وكسر الراء "جلدهم" بفتح الجيم واللام قوتهم لهذا الفعل؛ لأنه أقطع في تكذيبهم وأبلغ في نكايتهم.
"فقال المشركون" بعضهم لبعض: "هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم:" أضعفتهم "هؤلاء أجلد من كذا وكذا، رواه الشيخان وغيرهما" كأبي داود والنسائي "من حديث ابن عباس" واللفظ لمسلم "ولما كان في حجة الوداع رمل ﷺ وأصحابه" كما جاء في أحاديث صحيحة "فكان سنة مستقلة" وإن زال سببه، ولذا هم عمر بتركه ورجع وفعله اتباعا للفعل النبوي، فقال: إنما كنا رأينا به المشركين وقد أهلكهم الله، ثم قال شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه كما في الصحيحين، فرجع عما هم به لاحتمال أن له حكمة لم نطلع عليها، ومن جهة المعنى أن الرامل إذا رمل تذكر السبب فيذكر نعمة الله على إعزاز الإسلام وأهله.
"قال الطبري: فقد ثبت أنه ﵇ رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعني في حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل" بالإضافة "بل" تاركا "لهيئة" صفة "مخصوصة فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته ولم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها فلا شيء عليه. انتهى" كلام الطبري.
"فلو ترك الرمل في الثلاث" الأول "لم يقضه في الأربع" الباقية "لأن هيئتها السكينة في تغير، والله أعلم" بالحكم، وحقيقة الحكمة فيه "ولما فرغ ﷺ من طوافه" في "المقام"стр. 5399
ولما فرغ ﷺ من طوافه أتى المقام، فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه.
ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز
الحواشي
(١) كما رواه مسلم وأبو داود في الحديث الطويل عن جابر، بلفظ: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم "فقرأ واتخذوا" بكسر الخاء أيها الناس، وقرأ نافع وابن عامر: بفتح الخاء، خبر "من مقام إبراهيم" الحجر الذي قام عليه عن بناء البيت "مصلى" مكان صلاة بأن يصلوا خلفه ركعتي الطواف "فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما" بعد الفاتحة "بقل يا أيها الكافرون" في الأولى "وقل هو الله أحد" في الثانية "ثم رجع" بعد الصلاة "إلى الركن الذي فيه الحجر" الأسود "فاستلمه ثم خرج من الباب" المقابل للصفا أثر الركعتين "إلى الصفا، فلما دنا": قرب "من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ جبلان مبكة ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أعلام دينه: جمع شعيرة "أبدأ" بصيغة الخبر على الرواية المشهورة "بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا" اعتبارا بتقدم المبدوء به في التلاوة، الظاهر في أن حكمه مقدم على ما بعده، فلو بدأ الساعي بالمروة لم يعتد به عند الجمهور ومالك والشافعي، وأصرح منه رواية النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر للجمع، واحتج به من قال: إن الواو لا ترتب، إذ لو رتبت لم يحتج إلى هذا التوجيه، ومن قال: ترتب لامتثاله ﷺ ذلك "فرقي" بكسر القاف ويجوز فتحها وهي لغة، أي: صعد "عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد الله وكبره" أي: قال: الله أكبر، وقوله: "وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد" زاد في رواية أبي يحيى: "يحيي ويميت" "وهو على كل شيء قدير".
قال الطيبي: يحتمل أنه قول آخر غير التوحيد والتكبير وأن يكون كالتفسير له والبيان والتكبير وإن لم يكن ملفوظا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول، أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال: ووحده حال مؤكدة من الله، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١] ، وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ، في أحد الوجهين، ويجوز أن تكون مفعولا مطلقا، ولا شريك له كذلك حال أو مصدر. ا. هـ.стр. 5400
"وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده،" ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل، حتى إذا صعدنا مشى حتى أتى المروة.
وفي حديث أبي الطفيل عند مسلم وأبي داود، قال: قلت لابن عباس، أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله ﷺ كثر
الحواشي
(١) "لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده" محمدا ﷺ على أعدائه "وهزم الأحزاب" الذين تحزبوا عليه يوم الخندق "وحده" من غير قتال من المسلمين ولا سبب من جهتهم "ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات" سقط لفظ مثل في نسخ وهي ثابتة في مسلم وأبي داود.
قال الطيبي: ثم تقتضي التراخي وأن يكون الدعاء بعد الذكر وبين تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر بأن يدعو بعد قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، الدعاء فتمحل من قال لما فرغ من قوله: "وهزم الأحزاب وحده"، دعا بما شاء ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ذلك ثلاثًا، فهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير بأن يذكر قوله: ثم دعا بين ذلك بعد قوله: قال مثل هذا ثلاث مرات، وتكون ثم للتراخي في الإخبار لا تأخر زمان الدعاء عن الذكر، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين. ا. هـ.
"ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت" بشدة الموحدة، قال عياض: الرواية الواصلة علينا من جميع نسخ مسلم بإثبات لفظة إذا وهكذا في جميع أصول شيوخنا، واانصباب مجاز من قولهم: صب الماء فانصب، أي: انحدرت "قدماه في بطن الوادي رمل" بفتحتين وفي الموطأ سعى، أي: مشى بقوة، أي: أسرع في المشي "حتى إذا صعدنا" بكسر العين، أي: ارتفعت قدماه من بطن المسيل إلى المكان العالي "مشى" المشي المعتاد "حتى أتى المروة" ففعل على المروة كما فعل على الصفا كما في مسلم وأبي داود، أي: من الاستقبال والتوجه والتكبير والدعاء.
"وفي حديث أبي الطفيل" عامر بن واثلة بمثلثة الكناني الليثي آخر الصحابة موتًا "عند مسلم وأبي داود، قال" أبو الطفيل: "قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف" أي: السعي "بين الصفا والمروة راكبًا أسنة" بهمزة الاستفهام "هو" أم لا؟ "فإن قومك يزعمون:" يقولون على غير يقين وتحقيق كما في المشارق "أنه" أي: السعي راكبا "سنة، قال: صدقوا" في أنه ﷺ سعى راكبا "وكذبوا" في أن الركوب سنة "قلت: وما قولك: صدقوا وكذبوا" فإنه تناقضстр. 5401
عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشي السعي أفضل. هذا لفظ رواية. وفي أوله ذكر الرمل في طواف البيت.
وعند أبي داود أن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل، فيقيموا ثلاثة
الحواشي
(١) بحسب الظاهر "قال: إن رسول الله ﷺ كثر عليه الناس" في السعي بين الصفا والمروة "يقولون: هذا محمد هذا محمد" بالتكرار مرتين "حتى خرج العواتق من البيوت:" جمع عاتق، وهي البكر البالغ أو المقاربة للبلوغ، أو التي لم تتزوج، سميت بذلك؛ لأنها عتقت من استخدام أبويها فيما تستخدم فيه الصغيرة من الدخول والخروج والتصرف "قال: وكان رسول الله ﷺ لا يضرب" بالبناء للمفعول نائبه "الناس بين يديه، فلما كثر عليه" الناس "ركب" للعذر المذكور "والمشي والسعي أفضل" من الركوب "هذا لفظ رواية".
فأما رواية أبي داود فيأتي لفظها: ويستفاد من هذا أنه مشى في ابتداء السعي وركب في بقيته، وهو أحسن ما جمع به بين الأحاديث المختلفة في ذلك.
"وفي أوله" عند مسلم: "ذكر الرمل في طاف البيت" ولفظه عن أبي الطفيل: قلت لابن عباس: أرأيت هذا الرمل بالبيت ثلاثة أطواف ومشى أربعة أطواف أسنة هو؟، فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: فقال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما قولك: صدقوا وكذبوا؟، قال: إن رسول الله ﷺ قدم مكة، فقال المشركون: إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال وكانوا يحسدونه، فأمرهم ﷺ أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا.
"و" لفظه "عند أبي داود" قلت لابن عباس: يزعم قومك أنه ﷺ قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما صدقوا وكذبوا؟، قال: صدقوا قد رمل وكذبوا ليس بسنة "أن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا" اتركوا "محمد وأصحابه حتى يموتوا موت النغف:" بفتح النون والغين المعجمة وبالفاء دود في أنوف الإبل والغنم واحده نغفة.
قال أبو عبيد: وهو أيضا دود أبيض يكون في النوى إذا أنقع وما سوى ذلك من الدود فليس بنغف، قاله الجوهري.
"فلما صالحوه على أن يجيئوا" هو ﷺ وأصحابه للعمرة، وفي نسخة من أبي داود: أن يحجوا.
قال الولي العراقي: والأولى أوجه؛ لأنهم لم يحجوا تلك المرة، وإنما اعتمروا إلا أن يراد بالحج مدلوله اللغوي وهو القصد.стр. 5402
أيام، فقدم ﷺ فقال لأصحابه: "أرملوا بالبيت"، وفيه: طاف ﷺ بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، وتناله أيديهم الحديث.
وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة"، فقالم سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله،
الحواشي
(١) "من العام المقبل فيقيموا" بمكة "ثلاثة أيام، فقدم ﷺ " والمشركون من قبل قعيقعان "فقال لأصحابه: "ارملوا" بضم الميم أمر من رمل بزنة اطلبوا، أي أسرعوا في المشي مع تقارب الخطا "بالبيت" ثلاثا وليس بسنة، كذا في الرواية من قول ابن عباس على مذهبه، وخالفه غيره؛ لأنه ﷺ رمل في حجة الوداع وقال: "خذوا عني مناسككم".
"وفيه" أي: أبي داود في بقية هذا الحديث عقب قوله: وليس بسنة، قلت: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ طاف بين الصفا والمروة على بعير، وإن ذلك سنة، ال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا، قال: صدقوا قد "طاف" رسول الله " ﷺ " أي: سعى "بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا" لفظه في أبي داود وكذبوا ليس بسنة، كان الناس "لا يدفعون" بالبناء للمفعول "عنه ﷺ ولا يصرفون عنه" بصاد وفاء كما رأيته في أبي داود بخط الولي من الصرف وهو ما في النسخ الصحيحة، فقراءته بضاد معجمة وموحدة تصحيف "فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه وتناله أيديهم ... الحديث".
كذا في نسخة: مع أنه لم يبق شيء منه، واعلم أن المصنف لو قال عقب قوله: أولا هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ أبي داود: فذكره بلفظه لكان أفيد من هذا التقطيع وما كان يزيد به الكتاب "وكان ﷺ إذا وصل إلى المروة رقي" بكسر القاف وتفتح "عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما فعل على الصفا" كما أفاده قول جابر في حديثه الطويل: حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، وعقب ذلك بقوله: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة" كان تامة، وجوابه إذا: قوله "قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة" أي: لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخرا وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، أي: لما جعلت علي هديا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره، وإنما ينحره يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة ومن لا هدي معه يجوز له فسخه، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعا.стр. 5403
ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج هكذا" -مرتين، "لا بل لأبد أبد".
وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة.
قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟
فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصا، بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج، وليس معه هدي أن يقلب إحرامه ويتحلل بأعمالها.
الحواشي
(١) قال الخطابي: إنما قال هذا استطابة لنفوس أصحابه لئلا يجدوا في أنفسهم أنه أمرهم بخلاف ما يفعله في نفسه، وفيه استعمال لو في القرب وتطيب النفوس "فمن" جواب شرط محذوف، أي: إذا تقرر ما ذكرت من أني أفردت الحج وسقت الهدي فلم أتمكن من الإحلال إلا بعد النحر، فمن "كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها" أي: الحجة "عمرة"، فقام سراقة" بضم السين وراء خفيفة وقاف ابن مالك "بن جعشم" بضم الجيم وسكون المهملة وضم المعجمة وفتحها، لغة حكاها الجوهري وغيره الكناني المدلجي، تقدم مرارا وهو الذي ساخت قوائم فرسه في قصة الهجرة وأسلم في الفتح.
"فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟، فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة" نصب بعامل مضمر، أي: جاعلا واحدة منها "في الأخرى" والحال مؤكدة "وقال: "دخلت العمرة في الحج هكذا" مرتين" هذا لفظ مسلم وأبي داود في الحديث الطويل عن جابر في الحجة النبوية، وإدخال الأصابع بعضها في بعض وتكريرها مرتين إما بالقول أو بالفعل يستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر، ويؤيده حديث ابن عباس فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة، وقوله: "لا" أي: ليس لعامنا هذا "بل لأبد أبد" أي لآخر والأبد الدهر، وفي رواية: بل لا أبد الأبد "وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة" عند أحمد، والظاهر به.
وقال الجمهور: معنى الحديث جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، وأن القصد إبطال زعم الجاهلية منع ذلك.
"قال النووي: وقد اختلف في هذا الفسخ هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة" ممنوع حتى للصحابة بعدها "أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة، فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصا بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها" فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، حتى بالغстр. 5404
وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج.
ومما يستدل به الجماهير، حديث أبي ذر في مسلم: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ خاصة. يعني فسخ الحج إلى العمرة. وفي النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة".
الحواشي
(١) بعض الحنابلة فقال: نحن نشهد الله لو أحرمنا بحج لزمنا فرضا فسخه إلى عمرة تفاديا من غضب رسول الله ﷺ ، ففي السنن عن البراء بن عازب أنه ﷺ خرج وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة، قال: اجعلوها عمرة، فقالوا: قد أحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة، قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا"، فرددوا القول عليه فغضب ... الحديث.
"وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة، لا يجوز بعدها وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج" وأنها من أفجر الفجور، فكسر سورة ما استحبكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكاره بحملهم على أنفسهم.
"ومما يستدل به الجماهير حديث أبي ذر في مسلم" قال: "كانت المتعة في الحج" أي: فسخ الحج إلى العمرة "لأصحاب محمد ﷺ " في تلك السنة "خاصة" وهي حجة الوداع، فلا يجوز بعد ذلك لهم ولا لغيرهم. وعند أبي داود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ .
قال الولي العراقي: وأبو ذر لا يقول هذا إلا عن توقيف.
"وفي النسائي" وأبي داود وابن ماجه من طريق عبد العزيز الدراوردي عن ربيعة "عن الحارث بن بلال" المزني المدني، قال: قال في التقريب: مقبول.
وقال الولي العراقي: لا نعرفه بأكثر مما في هذا الإسناد أنه روى عن أبيه، وروى عنه ربيعة وليس له إلا هذا الحديث في الكتب الثلاثة، ولا نعلم أحدا وثقه فهو مجهول عينا وحالا.
وقال المنذري: شبيه المجهول "عن أبيه" بلال بن الحارث المزني أبي عبد الرحمن المدني، صحابي، مات سنة ستين وله ثمانون سنة.
"قال: قلت: يا رسول الله أرأيت" أي: أخبرني" فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟، فقال رسول الله ﷺ : "بل لنا خاصة" وأجاب الحنابلة عن هذا بقول أحمد:стр. 5405
قال: وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: "لا، بل لأبد أبد" فمعناه: جواز الاعتمار في أشهر الحج، والقران كما سبق تفسيره.
فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم. انتهى.
الحواشي
(١) حديث لا يثبت، وقال أيضا: لا أقول به ولا يعرف هذا الرجل، يعني الحارث بن بلال ولم يروه غير الدراوردي، وأما الفسخ فرواه أحد وعشرون صحابيا وأين يقع بلال بن الحارث منهم، وتعقب بأنه لا معارضة بينه وبينهم حتى يرجح؛ لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة وبلال بن الحارث موافقهم، وزاد زيادة لا تخالفهم، وأما تعليله بتفرد الدراوردي به عن ربيعة، وتفرد ربيعة بن الحارث فهذا غير قادح، فإنهما ثقتان وتفرد الثقة لا يضر، ولذا سكت عليه أبو داود فهو عنده صالح، فلم يبق إلا تفرد الحارث به عن أبيه ولم يعلم توثيقه، لكن ينجبر ذلك بحديث أبي ذر، فإنه وإن لم يصرح برفعه لكنه له حكم الرفع، إذ لا يقوله إلا عن توقيف على أن ابن حبان يرى أن من لم يوثق ولم يجرح ثقة.
وقد قال الحافظ في تقريبه: إنه مقبول، أي: في الرواية وهي من ألفاظ التعديل، ولذا لم يتجرأ الحافظ المنذري على أن يقول: مجهول عينا وحالا، بل قال: شبيه المجهول ولو سلم أنه لا يصلح للحجية، فحديث ابن عباس المتفق عليه: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض.. الحديث صريح في أن سبب الأمر بالفسخ هو قصد ما استقر في نفوسهم في الجاهلية بتقرير الشرع بخلافه.
وقد قال الخطابي: اتفق عوام أهل العلم على أنه إذا أفسد حجه مضى فيه مع الفساد ... ا. هـ، يعني: فإذا لم يجز فسخ الحج الفاسد، فالصحيح أولى بعدم تجويزه.
"قال" النووي: "وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد، فقال: لا بل لأبد أبد، فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج والقران" أي: وجواز القران "كما سبق تفسيره" في كلام النووي، وأن تفسيره بفسخ الحج إلى العمرة ضعيف، لكن تعقب بأن سياق السؤال يقوي تفسيره بذلك فإنه الظاهر منه.
"فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث؛ أن فعل العمرة في أشهر الحج جائزا إلى يوم القيامة وكذلك القران" باتفاق فيهما "وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة" عند الجمهور، وقيل: وأجمع عليه الصحابة إلا ابن عباس ولم يعلم له موافق من الصحابة "والله أعلم. انتهى" كلام النووي.стр. 5406
وفي رواية للنسائي أيضا: لا تصح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النسائي ومتعة الحج، يعني فسخ الحج إلى العمرة، ومتعة النساء: هي نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحًا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه.
وكان ﷺ مدة مقامه بمنزله الذي نزل فيه المسلمين بظاهر مكة، يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة؛ لأنه قدم في الرابع، وخرج في الثامن، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم دخوله ﷺ مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح عشرة أيام سواء.
الحواشي
(١) "وفي رواية للنسائي أيضًا" ومسلم، كلاهما عن أبي ذر، قال: "لا تصح المتعتان إلا لنا" معشر الصحابة في حجة الوداع "خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج، يعني: فسخ الحج إلى العمرة" والتفسير بقوله: يعني إلى آخره وقع في سياق الحديث عن مسلم والنسائي "ومتعة النساء هي نكاح المرأة إلى أجل كان ذلك مباحا ثم نسخ يوم خيبر".
قال عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، وقد قال بعضهم: إنها مما تناوله الإباحة والتحريم والفسخ مرتين كالقبلة "ثم أبيح يوم فتح مكة" لطول غيبتهم عن النساء "ثم نسخ في أيام الفتح" لمكة "واستمر تحريمه إلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول" قبل آخر خلافة عمر "ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه" في أواخر خلافة عمر.
وفي رواية لأبي داود: أنه نهى عن متعة النساء في حجة الوداع.
قال القاضي عياض: الصحيح أن الواقع فيها إنما هو تجديد النهي لاجتماع الناس، وليبلغ الشاهد الغائب ولإتمام الدين والشريعة كما قرر غير شيء يومئذ ... ا. هـ.
"وكان ﷺ مدة مقامه بمنزلة الذي نزل فيه بالمسلمين بظاهر مكة يقصر" بضم الصاد "الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة" أي: بظاهرها "قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة؛ لأنه قدم في الرابع" وهو يوم الأحد من ذي الحجة "وخرج في الثامن" يوم الخميس "فصلى بها إحدى وعشرين صلاة من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن" يعارضه ما يأتي أنه صلى ظهر الثامن بمنى وهو الصحيح "ومن يوم" ابتداء "دخوله ﵊ مكة وخروجه يوم النفر الثاني من منى إلى الأبطح:" بألف فموحدة فطاء فحاء مهملتين مسيل واسع فيه دقاقстр. 5407
وقدم علي من اليمن على رسول الله ﷺ فقال له: "بما أهللت"؟ فقال: بما أهل به رسول الله ﷺ ، فقال: "لولا أن معي الهدي لأحللت". رواه الشيخان من حديث أنس.
وفي حديث البراء عند الترمذي والنسائي: دخل علي على فاطمة ﵄ فوجدها قد نضحت البيت بنضوح فغضب. فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال رسول الله ﷺ قال: فأتيته فقال لي رسول الله ﷺ : "كيف صنعت"؟ وقال له: "انحر من البدن سبعا وستين، أو ستا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها بضعة".
وفي رواية جابر عن مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبا صبيغًا
الحواشي
(١) الحصى "عشرة أيام سواء، وقدم علي" مكة "من اليمن" لأنه كان بعث إليها "على رسول الله ﷺ فقال له: "بما أهللت"؟ أي: أحرمت، وإثبات ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها قليل، ورواه أبو ذر بحذفها على الكثير السائغ نحو: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [عم يتساءلون: ٤٣] "فقال: بما" أي: الذي "أهل به رسول الله ﷺ ، فقال: "لولا أن معي الهدي لأحللت" من الإحرام وتمتعت؛ لأن صاحب الهدي لا يتحل حتى يبلغ الهدي محله وهو يوم النحر "رواه الشيخان" والترمذي "من حديث أنس" بن مالك.
"وفي حديث البراء" بن عازب "عند الترمذي والنسائي" وأبي داود "دخل علي على فاطمة ﵄ فوجدها قد نضحت" بفتح النون والضاد المعجمة، أي: رشت "البيت بنضوح" بفتح النون وضاد معجمة وحاء مهملة ضرب من الطيب تفوح رائحته، قاله الولي العراقي "فغضب" لظنه أنها باقية على الإحرام "فقالت: ما لك فإن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه" أي: "كثيرا منهم "فأحلوا، قال: قلت لها: إني أهللت بإهلال النبي ﷺ " أي: بما أهل به "قال: فأتيته، فقال رسول الله ﷺ : "كيف صنعت" في الإهلال، فأخبره بأنه أهل بما أهل به "وقال له: "انحر من البدن سبعا وستين أو ستا وستين" شك الراوي: "وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين" شك "وأمسك" لي، كما زاده في رواية أبي داود "من كل بدنة منها بضعة": بفتح الموحدة وتكسر وتضم وسكون المعجمة قطعة لنأكل منها.
"وفي رواية جابر عند مسلم" وأبي داود عقب قوله المتقدم: "لا بل لأبد أبد" وقدم علي من اليمن ببدن النبي ﷺ "فوجدنا فاطمة ممن حل" وظاهر هذا أن البدن للمصطفى، وفيстр. 5408
واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبي أمرني بهذا، فقال: صدقت صدقت مرتين، ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معي الهدي فلا تحل. قال جابر: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ مائة. فحل: الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي.
الحواشي
(١) النسائي: قدم علي من اليمن بهدي وساق ﷺ من المدينة هديًا، فظاهره أن الهدي كان لعلي، فيحتمل أن عليا قدم من اليمن بهدي لنفسه وهدي للنبي ﷺ ، فذكر كل راو واحدا منهما "ولبست" بكسر الموحدة "ثيابا صبيغا" أي: مصبوغة غير بيض، فعيل بمعنى: مفعول يستوي فيه المذكر والمؤث "واكتحلت، فأنكر ذلك عليها" لظنه أنها تابعة للنبي ﷺ في إحرامه، ورأى أنه باق على إحرامه.
زاد في رواية أبي داود: وقال: من أمرك بهذا؟ "قالت: أبي أمرني بهذا" أي: بالإحلال الذي نشأ عنه اللبس والاكتحال لا بهما، إذ هما من المباح وهو غبر مأمور به، أو أريد بالأمر الإباحة لا طلب الفعل، وحذف المصنف من الحديث في مسلم وأبي داود، قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله ﷺ محرشًا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها "فقال: "صدقت" فاطمة "صدق" "مرتين" ففاعل قال النبي ﷺ : وصدقت بسكون التاء خلاف ما يوهمه اختصار المصنف أنه بكسرها وفاعل قال علي ولم يقنع علي بقولها: أبي أمرني، وخبر الواحدة مقبول لجواز أنه فهم أنه أمرها بالإحلال ولا يلزم منه لبس الصبيغ والاكتحال لقرب زمن الإحرام الماضي والذي تنشه، أو جوز أن أمره لعموم الصحابة وأن لها أمرا يخصها؛ لأنها بضعة منه فلا تفعل إلا ما يفعله، أو فهم أنها ليست ممن لم يسق الهدي؛ لأن أباها وزوجها ساقاه هي في حكم من ساقه، وفيه جواز قول الشخص أبي ولو كان معظما وأنه ليس تنقيصا له فيؤخذ منه جواز قول الشريف جدي: يريد النبي ﷺ ، قاله الولي العراقي ملخصًا ثم قال ﷺ لعلي: "ماذا قلت حين فرضت الحج"؟ " أي: ألزمت نفسك بالإحرام "قال: قلت: "اللهم إني أهل بما أهل به رسولك" ففيه جواز الإحرام بما أحرم به غيره "قال: "فإن معي الهدي لا تحل".
"قال جابر: فكان جماعة" أي: جملة "الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ " من المدينة "مائة" من البدن "فحل الناس كلهم" أي: أكثرهم ومعظمهم، فهو عام أريد به الخصوص؛ لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي "وقصروا كلهم" مع أن الحلق أفضل لأجل أن تبقى لهم بقية تحلق في الحج "إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي" فلمстр. 5409
فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب ﷺ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى ﷺ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على طريق ضب، ولا يشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، وكانت "الحمس" وهم قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن قطين الله، أي
الحواشي
(١) يحلوا "فلما كان يوم التروية" ثامن الحجة، وقوله: "وكان يوم الخميس ضحى ركب ﷺ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم" لم يقع ذلك في مسلم.
ولأبي داود ولفظهما: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج فركب رسول الله "فصلى ﷺ بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر" أي: الصبح كل صلاة لوقتها، وفيه ندب التوجه إلى منى يوم التروية، وكره مالك التقدم إليها قبله.
وقال الشافعي: إنه خلاف السنة "ثم مكث قليلا" بمنى "حتى طلعت الشمس وأمر بقبة:" خيمة "من شعر فضربت له بنمرة:" بفتح النون وكسر الميم جبل عن يمين الخارج من مأزمي عرفة، وقوله: فضربت بالفاء والبناء للمفعول، هكذا رواه مسلم وأبو داود، وفي رواية لمسلم: تضرب.
قال المصنف في شرحه صفة لقبة أو حال والتقدير أمر بضرب قبة بنمرة قبل قدومه إليها، فحذف المضاف وجعل الصفة دليلا عليه "فسار على طريق ضب" بفتح الضاد المعجمة وشد الموحدة قرية على يمين الناس اليوم، وليس في مسلم ولا في أبي داود على طريق ضب إنما فيهما: فسار رسول الله ﷺ : "ولا يشك قريش، إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية" ظاهره أنه ليس لقريش شك في شيء إلا في وقوفه عند المشعر، فإنهم يشكون فيه وليس المراد ذلك بل عكسه، وهو أنهم لا يشكون في أنه ﷺ سيقف عند المشهر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به ويقف سائر الناس بعرفة، فقال الأبي: الأظهر في إلا أنها زائدة وأن في موضع نصب على إسقاط الجار، أي: ولا يشك قريش في أنه واقف عند المشهر، ثم انفصل المصنف عن حديث جابر دون بيان إلى حديث آخر، فقال: "وكانت الحمس" بضم الحاء المهملة وسكون الميم وسين مهملة "وهم قريش ومن ودان دينها" أي: اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه واتخذ له دينا وعبادة.
روى إبراهيم الحربي عن مجاهد، قال: الحمس قريش ومن كان يأخذ مأخذها من القبائل، كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف وعدوان وبني عامر بن صعصعة، وبني كنانة إلا بني بكرстр. 5410
جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] .
الحواشي
(١) والأحمس لغة: الشديد في دينه لما شددوا على أنفسهم، كانوا إذا أهلوا بالحج لا يأكلون لحما ولا يضربون بيتا من وبر ولا شعر، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم.
وعند الحربي أيضا عن عبد العزيز بن عمران المدني، قال: سموا حمسا؛ لأنهم حمسا بالكعبة؛ لأن حجرها أبيض يضرب إلى سواد.
قال الحافظ: والأول أشهر وأكثر، وذكر الحربي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب، اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس ثقيف وخزاعة وغيرهم، فعلم منه أن المراد من أمهاته قرشية لا جميع القبائل "يقفون بالمزدلة ويقولون: نحن قطين الله:" بقاف وطاء جمع قاطن "أي: جيران بيته فلا نخرج من حرمه".
قال سفيان بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون منه، رواه الحميدي في مسنده "وكان الناس كلهم يبلغون عرفات" يقفون بها "وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ، رواه بهذا السياق الإسماعيلي عن سفيان بن عيينة من قوله، وظاهره أن المرد الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عنده بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيها على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفان إلى المشعر الحرام فذاكروا الله عنده ولتكن من المكان الذي يفيض فيه الناس، ذكره الحافظ وأصل الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم عن عائشة: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] ، ولهما أيضًا عن عائشة: الحمس هم الذي أنزل الله فيهم: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ... الحديث.
قال الحافظ: عرف برواية عائشة أن المخاطب النبي ﷺ والمراد بالناس هنا إبراهيم الخليل، وعنه المراد به الإمام وعن غيره آدم وقرئ شاذا الناسي بكسر السين بوزن العاصي، أي: أن الإفاضة من عرفات كانت في شريعتهما، قال: والأول أصح.
نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره عن يزيد بن شيبان، قال:стр. 5411
وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك.
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا.
الحواشي
(١) كنا وقوفا بعرفة أتانا ابن مربع، فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، يقول لكم: "كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم" ... الحديث، ولا يلزم من ذلك أن المراد خاصة، بل ما هو أعم من ذلك وسببه ما حكته عائشة، وأما ثم في الآية فقيل بمعنى الواو، واختاره الطحاوي، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: إذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا إفاضتكم التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون.
قال الزمخشري: وموقع ثم هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم فتأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة، فقال: ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإفاضتين، وإن إحداهما صواب والآخر خطأ.
قال الخطابي: تضمنت الآية الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبلها، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبدأ الوقوف ومنتهاه ... ا. هـ.
"وعن جبير بن مطعم" القرشي النوفلي الصحابي العالم بالأنساب "قال: أضللت حمارًا لي" أي: أضعته، أو ذهب هو، وفي الصحيحين، عنه: بعيرا لي، فيحتمل التعدد "في الجاهلية" قبل إسلامه، فتطلبته "فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت" يوم الفتح "عرفت أن الله وفقه" ﷺ "لذلك" أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ إسحاق بن راهويه في مسنده.
"وفي رواية" له أيضا ولابن خزيمة عن جبير: "كان رسول الله" لفظه: رأيت رسول الله " ﷺ في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له" زاد محمد بن إسحاق في مغازيه: قبل أن ينزل عليه الوحي "ثم يصبح مع قومه" قريش "بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا" زاد ابن إسحاق توفيقا له من الله.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم، قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي ﷺ واقفا بعرفة، فقلت: هذا والله من الحمس، فما شأنه ههنا، وعلم من الروايتين اللتين ساقهما المصنف أن هذا كان قبل إسلام جبير، فلذا أنكر عليه مخالفته لقومه لا كما ظنстр. 5412
ولما بلغ ﷺ وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بـ"القصواء" فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء
الحواشي
(١) السهيلي أن رؤية جبير لذلك كانت في حجة الوداع فاستشكله، ثم عاد المصنف إلى حديث جابر، فقال: "ولما بلغ ﷺ عرفة" أي: قربها لقوله: "وجد القبة" ولفظه عقب قوله: كما كانت تصنع قريش في الجاهلية، فأجاز، أي: جاوز رسول الله ﷺ ، أي: المزدلفة حتى أتى عرفة فوجد القبة "قد ضربت له بنمرة" وليست من عرفة "فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس" بغين معجمة مالت للزوال "أمر" ﷺ "بالقصواء" بفتح القاف والمد تقدم الكلام فيها غير مرة "فرحلت" بضم الراء وكسر المهملة مخففة "له" أي: شد الرحل على ظهرها "فركب فأتى بطن الوادي" وهو عرنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها نون "فخطب الناس" ففيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية وهو المشهور، فقول النووي: خالف فيها المالكية فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم والمشهور خلافه، واتفق الشافعية أيضا على استحبابها خلافا لما توهمه عياض والقرطبي.
"وقال: "إن دماءكم وأموالكم" زاد في بعض طرق هذا الحديث: وأعراضكم "حرام عليكم" معناه: أن دماء بعضكم على بعض حرام وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه ومال كل واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع، والمعنى: فيه مفهوم ولا تبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي.
قال عياض: فيه أن تحريم الدماء والأموال على حد واحد ونهاية من التحريم، وفيه ضرب الأمثال وقياس ما لم يعلم على ما علم لقوله: "كحرمة يومكم هذا" يوم عرفة "في شهركم هذا" ذي الحجة "في بلدكم هذا" مكة لاتفاقهم على تحريم ذلك وتعظيمه ... ا. هـ.
وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي، فالشهر أقوى من اليوم وهو ظاهر في الشهر لاشتماله على اليوم فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد؛ فلأنه محرم في جميع الشهور لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختص به فهو أقوى منه.
قال التوربشتي: أراد أموال بعضكم على بعض، وإنما ذكره مختصرا اكتفاء بعلم المخاطبين حيث جعل أموالكم قرينة دمائكم، وإنما شبه تحريم ذلك باليوم والشهر والبلد؛ لأنهم يعتقدون أنهاстр. 5413
الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا،
الحواشي
(١) محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفيه مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها الدماء والأموال.
وقال الطيبي: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرم ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدا كحرمة الثلاث، ثم أتبعه بما يؤكده، فقال: "ألا" بالفتح والتخفيف "إن كل شيء من أمر الجاهلية" الذي أحدثوه والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره، قاله في المفهم: "تحت قدمي" بشد الياء مثنى "موضوع" أي: مردود وباطل حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين "ودماء" بكسر الدال وبالهمز والمد "الجاهلية موضوعة".
قال الولي: يمكن أنه عطف خاص على عام لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت "فإن أول دم أضع من دمائنا" أهل الإسلام، أي: أبدأ في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بأهل بيتي "دم ابن ربيعة بن الحارث" بن عبد المطلب واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل: حارثة، وقيل: تمام، وقيل: آدم.
قال الدارقطني: وهو تصحيف، ولبعض رواة مسلم وأبي داود دم ربيعة، وهو وهم؛ لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأوله أبو عبيد بأنه نسبه إليه؛ لأنه ولي دم ابنه وهو حسن ظاهر به تتفق الروايتان.
"كان" هذا الابن طفلا "مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل" بهاء مضمومة معجمة مفتوحة، قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد، وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه وهو مناف لقوله: فقتلته هذيل؛ لأنهم غير بني ليث، إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في أنسابه. انتهى.
"وربا الجاهلية موضوع" أي: الزائد على رأس المال، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وهذا إيضاح، إذ المقصود مفهوم من لفظ ربا، فإذا وضع الرباстр. 5414
ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة من الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن
الحواشي
(١) فمعناه وضع الزيادة، قاله النووي.
قال الولي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من الخاص على العام؛ لأنه من إحداثاتهم وشرعهم الفاسد "وأول ربا أضع" مبتدأ خبره "ربانا ربا العباس" بدل منه، أو خبر محذوف، أي: هو ربا العباس "بن عبد المطلب" وهكذا الرواية في مسلم وأبي داود، فما في نسخة: أضع من ربانا بزيادة من تحريف لم يوجد في الأصول "فإنه موضوع كله" يحتمل عود ضمير أنه لربا العباس تأكيدًا لوضعه، ويحتمل لجميع الربا، أي: ربا العباس موضوع؛ لأن الربا موضوع كله، قاله الولي: وإنما بدأ في وضع دماء الجاهلية ورباها من أهل الإسلام بأهل بيته ليكون أمكن في قلوب السامعين وأسد لأبواب الطمع في الترخيص "فاتفقوا الله في النساء".
قال الطيبي: هو عطف من حيث المعنى على دماءكم وأموالكم، أي: فاتقوا الله في استباحة الدماء ونهب الأموال، وفي النساء: وهو من عطف الطلب على الخبر بالتأويل، كما عطف ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، على قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [يس: ٥٥] .
وقال الولي العراقي: يحتمل أن الفاء زائدة؛ لأن في رواية بدونها وأنها للسببية؛ لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية وكان من جملتها منع النساء من حقوقهن وترك إنصافهن أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا الله في النساء وأنصفوهن، فإذا تركه من أمر الجاهلية، قال: وفي تحتمل السببية نحو فذلكن الذي لمتنني فيه والظرفية مجازا نحو ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، أي: أن النساء ظرف للتقوى المأمور بها "فإنكم أخذتموهن بأمانة الله" أي: بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية، قاله في المفهم.
وفي كثير من أصول مسلم بأمان الله بلا هاء، كما قال النووي وهو يقوي أن في قوله: أخذتموهن دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة تحت زوجها وله التصرف فيها والسلطنة عليها، ويوافقه قوله في رواية أخرى: فإنهن عوان عندكم: جمع عانية وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرة خائفة كغيرها من الأسراء، بل هي أسيرة آمنة "واستحللتم فروجهن بكلمة من الله" أي: قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
قال الخطابي: هذا أحسن الوجوه.
قال المازري: ويحتمل بإباحة الله المنزلة في كتابه.стр. 5415
فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم
الحواشي
(١) قال عياض: قيل: هي التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لا يحل لغير مسلم أن يتزوج مسلمة، وقيل: كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج. انتهى، أي: الصيغ التي تنعقد بها من إيجاب وقبول، ورجح هذا في المفهوم، قال: فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاتقضاء أو التخيير.
وكذا النووي: فقال: المراد بإباحة الله والكلمة: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ، وهذا هو الصحيح. انتهى، ولما ذكر استحلال الزوج بكلمة الله وعلم منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج؛ لأنهم المخاطبون، فقال: "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه" أي: تكرهون دخوله في بيوتكم سواء كرهتم ذاته أم لا، وعبر بفرش؛ لأن الداخل يطأ فراش المنزل الذي يدخل فيه، أي: أنه ليس للزوجة أن تمكن أحدا ولو امرأة أو محرما من دخول بين زوجها إلا إذا علمت عدم كراهية زوجها لذلك.
هكذا حمله القرطبي والنووي على العموم "فإن فعلن ذلك" دون رضاكم بلفظ صريح أو بقرائن، فلو شككن أنهم يكرهونه لم تمكن؛ لأن الأصل المنع "فاضربوهن ضربا غير" بالنصب "مبرح" بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة وحاء مهملة، أي: غير شديد شاق من البرح وهو المشقة.
وقال الخطابي: معنى الحديث أن لا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يعدونه عيبا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب وصار النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هنا نفس الزنا؛ لأنه محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح، وذكر المازري وعياض نحوه، وقال الطيبي: ظاهر قوله: أن لا يوطئن فرشكم أحدا مشعر بالكناية عن الجماع فعبر به عن عدم الإذن مطلقا. انتهى.
"ولهن عليكم" وجوبًا "رزقهن وكسوتهن" بكسر الكاف وضمها لغتان مشهورتان "بالمعروف" على قدر كفايتهن دون سرف ولا تقتير "وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده" يحتمل أن إن زائدة وأنها شرطية حذف شرطها، أي: إن تمسكتم به لا تضلوا، لكن هذا تصحيف من المصنف أو نساخه، فالرواية في مسلم وأبي داود، ولفظها: "ما لن تضلوا بعده" "إن اعتصمتم به" أي: بعد التمسك به والعمل بما فيه، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذاстр. 5416
به كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون"؟.
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ويقول: "اللهم
الحواشي
(١) الشيء الذي تركه فيهم شيئًا جليلًا عظيما فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من هذا التشوق التام للسامع وتوجه إلى استماع ما يرد بعده واشتاقت نفسه إلى معرفته، بينه بقوله: "كتاب الله" بالنصب بدل من مفعول تركت جزم به الولي، فإن كان الرواية وإلا فيجوز رفعه خبر محذوف، أي وهو: ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها لاندراجها تحته، فإن الكاب هو المبين للكل بعضها بلا واسطة وبعضها بواسطة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] ، وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] الآية "وأنتم تسألون عني".
قال الطيبي: عطف على مقدر، أي: قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعا غير تارك لشيء مما بعثت به وأنتم تسألون عني يوم القيامة هل بلغت بأي شيء تجيبون، ودل على هذا المحذوف الفاء في قوله: "فما أنتم قائلون"؟ أي: إذا كان الأمر على هذا، فبأي شيء تجيبونه، ومن ثم طابق جوابهم السؤال فأتوا بالألفاظ الجامعة، حيث "قالوا: نشهد أنك قد بلغت" الرسالة "وأديت" الأمانة "ونصحت" الأمة.
وقال الولي: تسألون عني في القيامة أو البرزخ فما أنتم قائلون حين سؤالكم على الأظهر أو الآن في جوابي، ويترتب عليهما قولهم نشهد، أي: في القيامة على الأظهر أو الآن، قال: وحذف المعمول في الثلاثة يدل على تبليغ جميع ما أمر به ونصحه لجميع الناس الموجودين والذين سيوجدون "فقال:" أي أشار ﷺ "بأصبعه السبابة" حال كونه "يرفعها إلى السماء" أي: رافعًا إياها، فالحال من فاعل قال: أو مرفوعة، فالحال من السبابة.
قال القرطبي: هذه الإشارة إما إلى السماء؛ لأنها قبلة لدعاء، وإما لعلو الله تعالى المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يختص بجهة، وقد بين ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] "وينكتها إلى الناس" بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية.
قال عياض: كذا الرواية في مسلم وهو بعيد المعنى، قيل: صوابه ينكبها بموحدة، وكذا رويناه عن شيخنا أبي الوليد هشام بن أحمد في مسلم، ومن طريق ابن الأعرابي عن أبي داود في سنته بموحدة، ومن طريق أبي بكر التمار عنه بفوقية، ومعناه: يرددها ويقبلها إلى الناس مشيرا لهم وهو من نكب كنانته إذا قلبها، هذا كلامه في الإكمال.
وقال القرطبي: روايتي في هذ اللفظية وتقييدي على من اعتمده من الأئمة المقتدين بضمстр. 5417
"اشهد"، ثلاث مرات.
ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا.
وهذا الجمع المذكور يختص بالمسافرين عند الجمهور، وعند مالك والأوزاعي، وهو وجه عند الشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع للنسك، فيجوز لكل أحد. قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف.
الحواشي
(١) الياء وفتح النون وكسر الكاف مشددة وضم الباء بواحدة، أي: يعدلها إلى الناس وروي ينكبها مخففة الباء والنون وضم الكاف، ومعناه يقلبها وهو قريب من الأول، وروي ينكتها بفوقية وهي أبعدها. انتهى.
وفي البارع قال الأصمعي: ضربه فنكته، أي: بالفوقية، أي: ألقاه على رأسه ووقع متنكتا، وذكره الفارابي في باب قتل: فيحتمل أن يكون الحديث من هذا، والمعنى ينكسها "ويقول: "اللهم اشهد" قالها "ثلاث مرات" كذا رواه مسلم، وفي أبي داود كررها باللفظ ثلاثا ولم يقل: ثلاث مرات وبما رأيته يعلم ما يوجد في بعض نسخ المصنف ينكسها بالسين بعد الكاف تصحيف لم يجئ في رواية، وإنما هو معنى رواية ينكتها بفوقية بعد الكاف، فإن قيل: ليس في هذه الخطبة شيء من المناسك فيرد ذلك على قول الفقهاء يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، أجيب بأنه ﷺ اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح واعتنى بما أهمه في الخطبة التي قالها والخطباء بعده ليست أفعالهم قدوة، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستحب لهم البيان بالقول وفيه حجة للمالكية وغيرهم وأن خطبة عرفة فردة، إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين، وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين فضعيف، كما قاله البيهقي وغيره.
"ثم أذن بلال" بعد فراغ الخطبة "ثم أقام" بلال "فصلى" النبي ﷺ "الظهر ثم أقام" بلال "فصلى" النبي ﷺ "العصر ولم يصل بينهما" الظهر والعصر "شيئا" فلا يتنفل بينهما، وبه قال الجمهور ومالك والشافعي "وهذا الجمع المذكور" بين الظهرين "يختص المسافرين عند الجمهور" لأن سببه عندهم السفر.
"وعند مالك والأوزاعي وهو وجه عند الشافعية أن الجمع بعرفة وجمع" بفتح الجيم وسكون الميم، أي: مزدلفة "للنسك فيجوز لكل أحد، قال الأسنوي: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف" تفريع على قول الجمهور، أو على قول الكل، والمعنى: لا يجوز حالة كون الجواز بلا خلاف، أي: متفقا عليه إلا للمسافر، أما للنسك ففيه الخلاف.стр. 5418
وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا الذهاب، إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم.
ولما فرغ من صلاته ﷺ ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر
الحواشي
(١) "وقال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الحاج" أي: جنسه إذ هو مفرد حجاج وحجيج "يوم التروية ونووا الذهاب إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر" للرباعية "من حين خروجهم، ولما فرغ من صلاته" لفظ جابر: ثم "ركب ﷺ حتى أتى الموقف" عرفة "فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات" المفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، وقدر الطيبي منتهيا وتعقبه الأبي، فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صح تقديره، والأظهر أنه تجوز بالبطن عن الوجه والتقدير وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات في قبلته؛ لأنه إنما وقف مستقبل القبلة.
وقال القرطبي: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته.
قال الولي العراقي: لا حاجة إلى هذا؛ لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها، أي: إلى جانبها وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عاليا عليها.
"وجعل حبل" بفتح المهملة وسكون الموحدة ولام ما طال من الرمل، وقيل: الضخم منه، أو المراد جعل صف "المشاة:" جمع ماش، ومجتمعهم "بين يديه" وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل والأول أشبه بالحديث، قاله عياض، ومثلا لابن الأثير، لكنه صدر بالقول الثاني وحكى الأول بقيل.
وقال النووي: روي حبل بمهملة وموحدة ساكنة وروي بجيم وفتح الباء.
قال عياض: الأول أشبه بالحديث، وحبل المشاة، أي: مجتمعهم وحبل الرمل ما طال منه وضخم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث يسلك الرجالة، وتعقبه الولي العراقي بأن ما ذكره من رواية هذ اللفظة بوجهين وترتيب ذين المعنيين على هذين الوجهين، لم أره في كلام القاضي لا في الإكمال ولا في المشارق ولا في كلام غيره أيضا. ا. هـ، وفيه استحباب الوقوف عند الصخرات.
قال النووي: وما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقفه ﷺ عند الصخرات، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان "واستقبل القبلة"стр. 5419
دعائه ﷺ يوم عرفة في الموقف: "اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ولك رب تراثي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح" رواه الترمذي من حديث علي.
وفي رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه ﵊ يوم عرفة بعد قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له: اللهم لك الحمد كالذي نقول، اللهم لك
الحواشي
(١) فيستحب استقبالها في الوقوف بعرفة للاتباع، ثم فصل المصنف حديث جابر بجمل ويأتي له بقية، فقال: "وكان أكثر دعائه ﷺ يوم عرفة في الموقف" عشية عرفة "اللهم لك الحمد كالذي نقول" بالنون، أي: كالذي نحمدك به من المحامد "وخيرًا مما نقول" بالنون وهو ما حمدت به نفسك؛ لأنا لا نقدر على الثناء عليك فهو نحو قوله: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "اللهم لك صلاتي ونسكي" الذبح في الحج والعمرة أو نفس الحج، أو عبادتي كلها "ومحياي ومماتي" حياتي وموتي، يعني: جميع طاعتي في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح خالص لك "وإليك" لا إلى غيرك "مآبي" بميم فهمزة مفتوحة فألف فموحدة وبالمد مرجعي "ولك رب تراثي" بفوقية مضمومة ومثلثة، أي: ما أخلفه، فبين بهذا أنه لا يورث كحديث: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة" وأن ما يخلفه غيره لورثته من بعده "اللهم إني أعوذ بك من عذاب" أي: عقوبة "القبر" أضيف إليه لوقوعه فيه "ووسوسة الصدر" أي: حديث النفس بما لا ينبغي من أمور الدنيا، فإن قلب ابن آدم بكل واد شعبة "وشتات الأمر" أي: افتراقه "اللهم إني أسألك من خير ما تجيء به الرياح" جمع: ريح "وأعوذ بك من شر ما تجيء به الريح" سأل الله خير المجموعة؛ لأنها للرحمة، وتعوذ من شر المفردة؛ لأنها للعذاب على ما جاء في أسلوب الكتاب، نحو: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ، ونحو الريح العقيم ﴿رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ ، وقد ترد للطيبة إذا وصفت بها، نحو: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ، زاد في رواية: ومن شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر بوائق الدهر "رواه الترمذي من حديث علي" أمير المؤمنين، وقال: ليس إسناده بقوي.
"وفي رواية ذكرها رزين" ابن معاوية السرقسطي الأندلسي في جامعه: "كان أكثر دعائه ﵊ يوم عرفة بعد قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وبهذه الزيادة علم أنه لا مخالفة بين هذا الحديث وبين حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي: كان أكثر دعائه ﷺ يوم عرفة: "لا إلا إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيءстр. 5420
"صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، وعليك يا رب ثوابي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذي شر".
وفي الترمذي: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وكان من دعائه في عرفة أيضا -كما في الطبراني الصغير- من حديث ابن عباس: "اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى
الحواشي
(١) قدير".
أخرجه أحمد برجال ثقات: "اللهم لك الحمد كالذي نقول": لم يقل هنا وخيرا مما تقول تقصيرا من بعض رواته "اللهم لك صلاتي ونسكي" عام بعد خاص إن أريد به العبادات كلها ومغاير إن أريد الذبح في الحج والعمرة "ومحياي ومماتي وإليك مآبي وعليك يا رب ثوابي" فضلا منك بوعدك إثابة الطائع وأنت لا تخلف الميعاد "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر" قال ذلك اعترافا بالعبودية وخوصا للألوهية أو تعليما لأمته وإلا فهو عالم بأنه لا يعذب في قبره ولا يوسوس في صدره "ومن شتات الأمر" افتراقه "ومن شر كل ذي شر" من إنس وجن وغيرهما، كالدواب والهوام.
"وفي الترمذي: "أفضل الدعاء" مبتدأ خبره "يوم عرفة".
وفي الموطأ: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، أي: أعظمه ثوابا وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به اليوم وأن يريد به الحاج خاصة، قاله الباجي.
"وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي" وفي حديث علي عند ابن أبي شيبة: أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد" زاد في حديث أبي هريرة عند البيهقي: يحيي ويميت بيده الخير "وهو على كل شيء قدير".
قال ابن عبد البر: يريد أنه أكثر ثوابا، ويحتمل أفضل ما دعا به والأول أظهر؛ لأنه أورده في تفضيل الأذكار بعضها على بعض والنبيون يدعون بأفضل الدعاء.
"وكان من دعائه في عرفة أيضا كما في" معجم "الطبراني الصغير" وكذا الكبير بإسناد ضعيف، كما قال الحافظ الزين العراقي وغيره "من حديث ابن عباس" قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ في حجة الوداع عشية عرفة: "اللهم إنك تسمع كلامي" أي: لا يعزب عنك مسموع وإن خفي بغير جارحة "وترى مكاني" سواء كنت في ملأ أو خلاء، وفيه أن سمعه متعلق بالمسموعات وبصره بالمبصرات، وعليه أهل السنة "وتعلم سري": ما أخفي "وعلانيتي":стр. 5421
عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذل
الحواشي
(١) ما أظهر "لا يخفى عليك شيء من أمري" تأكيد لما قبله لدفع توهم المجاز أو التخصيص وفيه دلالة لقول أهل السنة؛ أن علمه يتعلق بالجزئيات والكليات "أنا البائس" بموحدة فهمزة فمهملة اسم فاعل، أي: الذي اشتدت ضرورته "الفقير" المحتاج إليك في جميع أحواله وأموره "المستغيث" المستعين، المستنصر بك فاكشف كربتي وأزل شدتي "المستجير": بالجيم الطالب منك الأمان من عذابك "الوجل" بفتح الواو وكسر الجيم، أي: الخائف "المشفق" أي: الحذر، يقال: أشفق من كذا بالألف حذر كما في المصباح.
وقال الزمخشري: أنا مشفق من هذا، أي: خائف منه خوفا يرق القلب ويبلغ منه مبلغا "المقر المعترف بذنوبه" عطف بيان.
قال الجوهري وغيره: أقر بالحق اعترف.
وقال الزمخشري: أقر على نفسه بالذنب اعترف.
"أسألك مسألة المسكين" أي: الخاضع الضعيف، سمي بذلك لسكونه للناس بكسر الميم عند جميع العرب إلا بني أسد فبفتحها، قال بعضهم: نصب مسألة بنزع الخافض أبلغ في قيام الوصف به لإثبات المسألة لنفسه في الخير، أي: أسألك وأنا كذلك، أفاد نظيره البيضاوي أو مفعول به مضاف إلى المسكين لما فيه من الذل والخضوع الموجب كل العطف عليه، وحذف الفاء من أسألك للمبادرة للمطلوب مع الاشتغال عنه بأسلوب آخر من التذلل وهو النوع الثالث، فإنه بدأ بالرب وما له على الانفراد وثنى بالعبد كذلك صريحا، وثلث بما للرب والعبد على وجه الصراحة والكناية في العبد كنظيره في قوله: "وأبتهل إليك ابتهال المذنب" أي: أتضرع إليك تضرع من أخجلته مقارفة الذنوب.
قال الجوهري وغيره: الابتهال: التضرع.
وقال الزمخشري: أبتهل إلى الله: تضرع واجتهد في الدعاء اجتهاد المبتهلين "الذليل" أي: الضعيف المستهان به "وأدعوك دعاء الخائف الضرير" أي: القائم به الضر.
وفي رواية: المضطر وهما بمعنى: قال بعض: هو من الضرر أو من الوصف الخاص، كالعمى لمن لا يهتدي إلى خلاص وإن اهتدى لا يمكن له ذلك، بين بهذا أن العبد وإن علت منزلته فهو دائم الاضطرار؛ لأن حقيقة العبد تعطي الاضطرار، إذ هو ممكن وكل ممكن مضطر إلى ممد يمده، وكما أن الله هو الغني أبدًا، فالعبد مضطر إليه أبدا ولا يزايله هذا الاضطرار في الدنيا والآخرة حتى لو دخل الجنة، فهو محتاج إليه فيها غير أنه غمس اضطراره في المنة التيстр. 5422
جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفا رحيما، يا خير المسؤولين ويا خير المعطين".
وأتاه ﷺ ناس من أهل نجد -وهو بعرفة- فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادي: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام
الحواشي
(١) أفرغت عليه ملابسها، وهذا هو حكم الحقائق، إذ لا يختلف حكمها لا في العيب ولا في الشهادة ولا في الدنيا ولا في الآخرة، ومن اتسعت أنواره لم يتوقف اضطراره، وقد عتب الله قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار، فلما زالت زال اضطرارهم ولما لم تقبل عقول العامة إلى تغطية حقيقة وجودهم سلط الحق عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار ليعرفوا قهر ربوبيته وعظمة إلهيته "من خضعت لك رقبته" أي: نكس رأسه رضا بالتذلل إليك، وقال بعض الشراح: نعت آخر يجوز عوده لجهتي السؤال والدعاء وللثانية أقرب، وأسنده إلى الرقبة لظهور اختصاصه بها وإن كان الرأس الأصل، إذ لا حياة بدونها "وفاضت": سالت "لك عبرته" بفتح العين، أي: سال لك من الخوف دموعه، قيل: الفيض سيلان لا اختيار فيه "وذل" أي: انقاد لك "جسمه" بجميع أركانه الظاهرة والباطنة "ورغم لك أنفة " بكسر الغين المعجمة، أي: لصق بالرغام بالفتح وهو التراب ذلا وهوانا.
وقال ابن الأعربي: رغم بفتح الغين ذل، قاله المنذري.
وفي المصباح: رغم من باب قتل، وفي لغة من باب تعب كناية عن الذل كأنه لصق بالرغام هو أنا.
"اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا" أي: تعبا خائبا في ذلك ولا في غيره.
قال الزمخشري: من المجاز أشقى من رائض، أي: أتعب منه، ولم يزل في شقاء من أمره في تعب والباء للسببية، أو بمعنى مع والمصدر مضاف إلى مفعوله، أي: بدعائي إياك "وكن بي رؤوفا رحيما" أي: عطوفا شفوقا، أي: أوقع الوصفين بي، أي: اجعلهما ملابسين لي "يا خير المسؤولين" أي: من طلب منه "ويا خير المعطين" أي: من أعطى "وأتاه ﷺ ناس".
وعند أبي داود: ناس أو نفر.
قال الولي: فيحتمل أنه شك من الراوي في اللفظ الذي قاله الصحابي، ويحتمل أنه تردد في أنهم ناس كثير، أو نفر يسير من ثلاثة إلى عشرة "من أهل نجد وهو بعرفة فسألوه" وعند أبي داود: فأمر رجلا فنادى رسول الله ﷺ : "كيف الحج فأمر مناديا ينادي" وعند أبي داود: رجلا فنادى "الحج عرفة" مبتدأ وخبر على تقدير مضاف من الجانبين، أي: معظمه، أو ملاكه الوقوف بها لفوات الحج به، قاله البيضاوي.стр. 5423
منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، رواه الترمذي.
وفي رواية جابر عند أبي داود قال ﷺ بعرفة: "وقفت ههنا وعرفة كلها موقف وههنا أنزل علي ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ " [المائدة: ٣] الآية كما
الحواشي
(١) قال الطيبي: تعريفه للجنس وخبره معرفة، فيفيد الحصر نحو ذلك الكتاب. انتهى.
وعند أبي داود: "الحج الحج يوم عرفة"، وفي رواية له: "الحج يوم عرفة".
قال الولي: أي: الحج هو الحج الكائن يوم عرفة وهو الوقوف بها، فأطلق اسم الحج على أحد أركانه؛ لأنه معظمها أو لإبطال اعتقاد قريش، ومن دان بدينها أن ليس من أركان الحج؛ لأنهم كانوا يقفون بالمزدلفة كما مر، فيوم عرفة منصوب على أنه مفعول الحج الثاني، وعلى الرواية التي لم يكرر فيها لفظ الحج الظاهر؛ أن يوم عرفة مرفوع "من جاء ليلة جمع" بفتح فسكون، أي: المزدلفة وهي ليلة العيد، أي: من أدرك الوقوف ليلة النحر " قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج" ومفهومه: أن من لم يدرك ذلك فاته الحج فهو حجة لمالك، ومن وافقه أن الوقوف يوم عرفة ليس الركن، فإذا وقف به دون جزء من ليلة جمع فاته الحج، لكن في السنن وصححه الحاكم مرفوعا: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه"، ولذا قال الأكثر: مبدأ الوقوف من زوال يوم عرفة ومنتهاه طلوع فجر العيد، فأي جزء وقف فيه أدرك الحج "أيام مني ثلاثة أيام" بعد يوم النحر "فمن تعجل" النفر "في يومين فلا إثم عليه" في تعجيله، وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمى اليوم الثالث "ومن تأخر" عن النفر في الثاني حتى نفر في الثالث "فلا إثم عليه" في تأخيره بل هو أفضل، فالتخيير وقع هنا بين الفاضل والأفضل، فإن قيل: الآثم المتعجل فما بال المتأخر، أجيب بأن المتعجل لا إثم عليه في استعمال الرخصة ومن تأخر وترك الرخصة فلا إثم عليه في ترك استعمالها "رواه الترمذي" وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كلهم عن عبد الرحمن بن يعمر بفتح التحتية والميم الديلي بكسر المهملة وإسكان التحتية صحابي نزل الكوفة.
"وفي رواية جابر عند أبي داود" ومسلم، كلاهما مختصر بعد ذكر حديث جابر بطوله في حجة الوداع عن جابر "قال ﷺ " قد نحرت ههنا ومنى كلها منحر وموقف "بعرفة" فقال: "وقفت ههنا وعرفة كلها موقف" ووقفت هنا وجمع كلها موقف، وفي هذا بيان شفقته ﷺ بأمته ورفقه بهم وتنبيه لهم على مصالح دينهم ودنياهم، فذكر لهم الأكمل وهو موضع وقوفه ونحره، والجائز وهو جزء من أجزاء منى وعرفة والمزدلفة "وههنا" أي: وهو واقف بعرفة "أنزل علي" بشد ياء المتكلم ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بالنصرстр. 5424
في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته -وهو محرم- فمات، فأمر رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- أن يكفن في ثوبيه ولا ميس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي. رواه البخاري ومسلم. أي يبعث على هيئته التي مات عليها.
واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال النووي:
الحواشي
(١) والإظهار على الأديان كلها، أو بالنص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد "الآية كما في الصحيحين" البخاري في أربعة مواضع، ومسلم في موضعين.
"عن عمر بن الخطاب:" أن رجلا من اليهود قال له: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أية آية؟، قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه، أنزلت على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
وعند الطبراني وغيره عن كعب الأحبار أنه قال لعمر فذكر الحديث، وفيه فقال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
"وهناك سقط رجل من المسلمين" لم يعرف اسمه "عن راحلته" أي: ناقته التي صلحت للرحل "وهو محرم" بالحج، وفي رواية للشيخين: فوقصته ناقته وهو محرم "فمات" وهو بالقاف والصاد المهملة، أي: كسرت رقبته "فأمر ﷺ أن يكفن في ثوبيه" زاد في رواية النسائي: الذين أحرم فيهما، ومعلوم أنهما لا يحيطان بالبدن، فلعلهما كانا إزارا ورداء "ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر" ولفظ الصحيحين: فقال ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب" " ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" أي قائلا: لبيك اللهم لبيك "رواه البخاري ومسلم" مستوعبا طرقه، واختلاف ألفاظها كلاهما من حديث ابن عباس "أي: يبعث على هيئته التي مات عليها" من الإحرام.
"واستدل بذلك على بقا إحرامه خلافا للمالكية والحنفية" أنه إذا مات فقد انقضى العمل، فيجوز تطييبه وتغطية رأسه ووجهه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنها واقعة عين لا عموم فيها؛ لأنه علل ذلك بأنه يبعث يلبي وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فهو خاص بذلك الرجل، ولو أريد تعميمه في كل محرم لقال: فإن المحرم كما قال: إن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دما، فالتخصيص ظاهر من التعليل، والعدول سلمنا عدم ظهوره، فوقائع الأحوال لا عموم فيها، وذلك كاف في إبطال الاستدلال.стр. 5425
يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تعطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة.
ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلا، حين غاب القرص، أفاض ﷺ من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة"، وكلما أتى حبلا
الحواشي
(١) "قال النووي: يتأول هذا الحديث" لمخالفته مذب الشافعي أن المحرم يجوز له تغطية وجهه "على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه" أي: "يحرم كما قال مالك وموافقوه "بل هو صيانة للرأس" المجمع على حرمة تغطيته "فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى" كلام النووي، وتعقبه الأبي؛ بأن هذا التعليل لا يجري على أصل الشافعي؛ لأنه لا يقول بسد الذرائع.
"قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع" الرجل "المذكور عند الصخرات من عرفة" وبوب عليه البخاري المحرم يموت بعرفة، ثم عاد المصنف إلى حديث جابر، فقال: "ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلا حين غاب القرص أفاض:" دفع " ﷺ من يوم عرفة" ولفظ مسلم عقب قوله سابقا: واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، كذا فيه بلفظ: حتى بفوقية فتحتية غاية، ولأبي داود حين بتحتية فنون، وقيل: إنه الصواب وهو مفهوم الكلام ولحتى وجه قاله عياض.
قال النووي: باحتمال أنه على ظاهره وتكون الغاية بيانًا لقوله: غربت الشمس وذهبت الصفرة؛ لأن غيابها يطلق مجازا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: حتى غاب القرص.
"وأردف أسامة" بن زيد "خلفه" ودفع رسول الله ﷺ ، هذا لفظ الحديث.
قال ابن الأثير: أي ابتدأ السير ودفع نفسه ونحاها، أو دفع ناقته وحملها على الير وحذفه المصنف استغناء عنه بذكر معناه بقوله: أفاض من عرفة "وقد شنق" بفتح الشين المعجمة والنون الخفيفة فقاف "للقصواء الزمام" أي: ضمه وضيقه عليها وكفها به، والزمام والخطام ما يشد به رؤوس الإبل من حبل أو سير أو نحوه لتقاد وتساق به، قاله عياض في المشارق، ثم فسر ذلك بقوله: "حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله" بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء فكاف:стр. 5426
من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد. وأفاض من طريق المأزمين.
وفي رواية ابن عباس أنه ﵊ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل فأشار بسوطه وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع"، يعني بالإسراع.
وفي رواية أبي داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة، فقال:
الحواشي
(١) قطعة من جلد محشوة شبه المخدة تجعل في مقدم الرحل يضع الراكب رجليه عليها متوركا ليستريح من وضعهما في الركاب، فأراد بذلك أنه بالغ في جذب رأسها إليه ليكفها عن السير ورحله بفتح الراء وحاء مهملة، قال المصنف، وفي نسخة من مسلم: رجله بكسر الراء بعدها جيم.
"ويقول" أي: يشير "بيده اليمنى: "أيها الناس" الزموا "السكينة" الزموا "السكينة" مرتين، الرفق والوقار والطمأنينة وعدم الزحمة بالنصب على الإغراء "وكلما أتى حبلا من الحبال" بحاء مهملة مكسورة: جمع حبل التل اللطيف من الرمل الضخم "أرخى لها" للقصواء الزمام "قليلا حتى تصعد" روي بضم الفوقية رباعيا وفتحها ثلاثيا كما قال عياض، والنووي: وفي أمره بالسكينة الرفق بالناس والدواب والأمن من الإذابة خلاف العجلة، كما أن في إرخائه للقصواء الرفق بالدواب لئلا يجتمع عليها مشقة الصعود، ومشقة الشنق صلوات الله وسلامه عليه ما أرأفه وأرحمه، ثم فصل المصنف حديث جابر بجمل، فقال: "وأفاض من طريق المأزمين" بفتح الميم وإسكان الهمزة وكسر الزاي فميم فتحتية فنون تثنية مأزم: موضع معروف بين عرفة والمشعر وهو في الأصل المضيق في الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع ما وراءه والميم زائدة، وكأنه من الأزم وهو القوة والشدة.
"وفي رواية" البخاري من أفراده عن "ابن عباس أنه ﵊ سمع" لفظ البخاري: دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع ﷺ "وراءه زجرا" بفتح الزاي وسكون الجيم بعدها راء أي: صياحا "شديدا" لحث الإبل "وضربا للإبل، فاشار بسوطه" إليهم "وقال: "أيها الناس عليكم بالسكينة" في السير برفق وعدم المزاحمة "فإن البر" أي: ما يتقرب به "ليس بالإيضاع" بكسر الهمزة وسكون التحتية المنقلبة عن الواو، وبالضاد المعجمة وآخره عين مهملة "يعني بالإسراع"، أي: السير السريع، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله: لما خطب بعرفة ليس السابق من سبق بعيره وفرسه ولكن السابق من غفر له.
قال المهلب: إنما نهاهم عن الإسراع إبقاء عليهم لئلا يجحفوا بأنفسهم مع بعد المسافة.
"وفي رواية أبي داود" عن ابن عباس، قال: "أفاض" ﷺ "من عرفة وعليه السكينة"стр. 5427
"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا.
وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.
الحواشي
(١) الوقار والطمأنينة "ورديفه أسامة" بن زيد "فقال" ﷺ حين سمع الزجر وضرب الإبل: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر" أي: ما يتقرب به "ليس بإيجاف" إتعاب "الخيل والإبل" بضربها والسير السريع "فما رأيتها رافعة" بالراء، وفي رواية: بالدال وهما في أبي داود "يديها بالتثنية "عادية" بمهملتين من العدو، أي: ماشية بسرعة "حتى أتى جمعا" أي: المزدلفة، ومن قرأ غادية بإعجام الغين وقال: هذا بناء على استعماله في مطلق الذهاب وإلا فأصله الذهاب بعد الصبح وقبل الشم فقد صحفه وتعسف توجيهه، فإنما هو في أبي داود بالمهملة، وبه ضبطه شارحه ومعناه صحيح بلا تكلف، وقد حمله ابن خزيمة على حال الزحام دون غيره.
"و" استدل لذلك بقوله "في رواية أسامة بن زيد" ﵄ "عند الشيخين" وأبي داود والنسائي وابن ماجه من طريق مالك وغيره عن هشام عن أبيه عروة، قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان ﷺ يسير في حجة الوداع حين دفع؟، قال: "كان يسير العنق" بتفح المهملة والنون سير بين الإبطاء والإسراع.
قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة وانتصب العنق على المصدر المؤكد من معنى الفعل "فإذا وجد فجوة" بفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الواو، أي: مكانا واسعا، هكذا رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي والتنيسي وطائفة عن مالك، ورواه يحيى الأندلسي وأبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهم عن مالك، فجوة بضم الفاء وفتحها وسكون الواو وجيم.
قال ابن عبد البر وغيره: هو بمعنى فجوة.
"نص" بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة، أي: أسرع.
قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء، يقال: نصصت الشيء رفعته، قال الشاعر:
ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه
أي: ارفعه إليهم وانسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير.
"قال هشام" بن عروة: "والنص فوق العنق" أي: ارفع منه في السرعة.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مماстр. 5428
وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول:
"إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصاري دينها"
قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله.
والقلق: الانزعاج.
والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل.
ولما كان ﷺ في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: "الصلاة أمامك".
الحواشي
(١) يلزم إثمة الحاج، فمن دونهم فعله لأجله الاستعجال للصلاة؛ لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة، فيجمع بين المصلحتين الوقار والسكينة عند الزحمة وبين الإسراع عند عدمها لأجل الصلاة.
"وأخرج الطبراني في المعجم عن سالم بن عبد الله" بن عمر أحد الفقهاء "عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول:"
"إليك تعدو قلقا وضينها ... مخالف دين النصارى دينها"
تعدو بالعين والدال المهملتين، قال في المصباح: عدا في مشيه عدوا من باب قال: قارب الهرولة وهو دون الجري، وله عدوة شديدة وقلقا بفتح القاف وكسر اللام فقاف.
"قال في النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله: القلق والانزعاج والوضين" بفتح الواو و"بالضاد المعجمة" المكسورة وتحتية ساكنة ونون بمعنى الموضون كقتيل بمعنى مقتول، قاله أبو عبيدة "حزام الرحل" وقال الجوهري: الوضين للهودج بنزلة البطان للقتب والتصدير للرحل والحزام للسرج، وهما كالتسع إلا أنهما من السيور إذا نسج نساجه بعضه على بعض مضاعفا "ولما كان ﷺ في أثناء الطريق" وهو الشعب الذي دون المزدلفة كما في رواية للشيخين وهو شعب الأذخر بهمزة فمعجمة مفتوحتين فألف فمعجمة مكسورة فراء موضع بين المأزمين على يسار الطريق "نزل" رسول الله ﷺ "فبال وتوضأ" بماء زمزم، كما رواه عبد الله بن أحمد في زوائد مسند أبيه عن علي بإسناد حسن "وضوءا خفيفا" قيل: معناه توضأ مرة مرة، وقيل: خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته، وفي رواية: فتوضأ وضوء ليس بالبالغ، وفي أخرى: فلم يسبغ الوضوء "فقال له أسامة: الصلاة" بالنصب على الإغراء أو بتقدير أتذكر، أو تريد.
ويؤيده رواية للشيخين: أتصلي "يا رسول الله" ويجوز الرفع بتقدير حضرت الصلاة مثلاстр. 5429
فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها.
فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما.
وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام
الحواشي
(١) "فقال: "الصلاة" مبتدأ خبره "أمامك" بفتح الهمزة والنصب ظرف، أي: موضع هذه الصلاة قدامك، وهو المزدلفة فهو من ذكر الحال وإرادة المحل، أو التقدير وقت الصلاة قدامك، فحذف المضاف، إذ الصلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وإذا وجدت لا تكون أمامه، أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها وفيه تذكير التابع ما تركه متبوعه ليفعله، أو يتعذر عنه أو يبين له وجه صوابه "فركب" القصواء "حتى أتى مزدلفة" موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم "وهي المسماة بجمع بفتح الجيم وسكون الميم" وعين مهملة "وسميت جميعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي: دنا" قرب "منها".
"وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين" المغرب والعشاء "وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها" فسميت جمعا "ويزدلفون إلى الله تعالى، أي: يتقربون إليه بالوقوف بها" فسميت مزدلفة "فصلى رسول الله ﷺ بها المغرب والعشاء كل واحدة منهما بإقامة" كما في حديث أسامة في الصحيحين، زاد في نسخ: "ولا صلى أثر كل واحدة منهما"، وظاهره أنه لم يؤذن لهما لاقتصاره على الإقامة، وبه قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية.
وفي حديث جابر عند مسلم: بأذان واحد وإقامتين.
وبه قال الشافعي في القديم وابن الماجشون واختاره الطحاوي.
وعند البخاري والنسائي عن ابن مسعود: بأذانين وإقامتين.
وروى الطحاوي بإسناد صحيح؛ أن عمر كان يفعل ذلك، وبه أخذ مالك واختاره البخاري وقواه ابن عبد البر من جهة النظر؛ بأنه ﷺ جعل الوقت لهما جميعا، وكل صلاة صليت في وقتها يسن الأذان لها، إذ ليست واحدة منهما فائتة تقضي.
"وفي رواية" لمسلم: فركب حتى جئنا المزدلفة "فأقام المغرب ثم أناخ الناس" رواحلهم "في منازلهم ولم يحلوا" بفتح الياء وضمها وكسر الحاء رحالهم من على رواحلهمстр. 5430
العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا.
وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده ﵇ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر بيده الشريف المبارك ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه في شرح تقريب الأسانيد.
وعن عباس بن مرداس أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه"، قال: "أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم"، فلم يجب عشيته، فلما
الحواشي
(١) "حتى أقام العشاء الآخرة فصلى" بالناس "ثم حلوا" رحالهم عن رواحلهم "وترك ﵇ قيام الليل تلك الليلة ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب واجتهاده ﵇ في الدعاء وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا" لها وجمعا لهما جمع تأخير "ورقد بقية ليلته مع كونه ﵇ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة" من التعب، وقد قال: "إن لجسدك عليك حقا" "ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده الشريفة المباركة ثلاثا وستين بدنة" وباقي المائة نحره علي "وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى كما نبه عليه" الولي العراقي "في شرح تقريب الأسانيد" للنووي.
"وعن عباس بن مرداس" بكسر الميم وسكون الراء ودال وسين مهملتين السلمي، أسلم بعد يوم الأحزاب، وسكن البصرة بعد ذلك؛ "أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة" زاد في رواية ابن أحمد: والرحمة فأكثر الدعاء "فأجيب" في رواية ابن أحمد: فأجابه الله "إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ للمظلوم منه" وفي رواية ابن أحمد: فأجابه الله "أن قد فعلت وغفرت لأمتك إلا من ظلم بعضهم بعضا".
زاد الطبراني: "فأما ما بيني وبينهم فقد غفرتها" "قال: "أي رب" عبر به لاقتضاء المقام لذلك لمزيد الاستعطاف، كما عبر بأي نداء للقريب؛ لأنه سبحانه قريب، كما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] "إن شئت أعطيت المظلومследующие страницы →