Полный текст (5 943 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق مما أنا فيه إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين............"
الحواشي
(١) "فلم يجبني إلى ما أردت" منه من النصرة والمعاونة والإسلام "فانطلقت وأنا مهموم على وجهي" قال المصنف: أي الجهة المواجهة لي. وقال الطيبي: أي انطلقت حيرانا هائما لا أدري أين أتوجه من شدة ذلك، "فلم أستفق" أي: أرجع "مما أنا فيه" من الغم "إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أطلتني فنظرت" إليها "فإذا فيها جبريل" على غير صورته الأصلية، لما مر أنه لم يره عليها إلا بغار حراء وعند سدرة المنتهى، "فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك" لك، كما في الصحيحين فسقط من قلم المؤلف، والأحسن أنه يعني بقومه قريشا وغيرهم لا خصوص ثقيف؛ لأنهم وإن كانوا قومه؛ لأنه بعث إليهم كغيرهم، لكنهم ليسوا بمكة والأخشبان حيطان بها، "وما ردوا به عليك" ظاهر في إنه إخبار عما قاله أشراف ثقيف، ويحتمل أنه أراد قريشا لما دعاهم للإيمان، فقالوا ساحر شاعر كاهن مجنون، وغير ذلك.
"وقد بعث إليك" وفي رواية الكشميهني: وقد بعث الله إليك "ملك الجبال" الذي سخرت له وبيده أمرها، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، "لتأمره بما شئت" فيهم، قال صلى الله علي وسلم: "فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك" هذا لفظ مسلم، زاد الطبري: فما شئت، ولفظ البخاري: ثم قال: يا محمد! ذلك فيما شئت، قال المصنف: ذلك كما قال جبريل، أو كما سمعت منه فيما، ولأبي ذر عن الكشميهني: مما شئت، استفهام جزاؤه مقدر، أي: فعلت، وعزا المصنف لفظه هنا في شرح البخاري للطبراني مع أنه لفظ مسلم كما علمت؛ لأنه كما في الفتح أخرجه من طريق شيخ البخاري فيه: "إن شئت أن أطبق" بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر الموحدة، "عليهم الأخشبين" بمعجمتين جبلي مكة: أبا قبيس ومقابله قعيقعان؛ كما جزم به المصنف وغيره، وبه صدر البرهان.
وفي الفتح: وكأنه قعيقعان. وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر المشرف وجهه على قعيقعان، انتهى. وجرى ابن الأثير على الثاني. وقول الكرماني: ثور وهموه، سميا بذلكстр. 562
قال النبي ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له".
وعبد يا ليل؛ بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام -ابن عبد كلال- بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام، وكان ابن عبد يا ليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف.
الحواشي
(١) لصلابتهما وغلظ حجارتهما، ويقال: هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد. قال الحافظ: والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يصيرا طبقا واحدا وجزء إن مقدر، أي: فعلت.
"قال للنبي ﷺ " لا أشاء ذلك "بل أرجو" وللكشميهني: أنا أرجو "أن يخرج الله" بضم الياء من الإخراج "من أصلابهم من يعبد الله" يوحده قوله: "وحده لا شريك له" تفسيره وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، وعن عكرمة رفعه مرسلا: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد! إن ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أرسله وأمره أن لا يفعل شيئا إلا بأمرك، فقل له إن شئت دممت عليهم الجبال، وإن شئت خسفت بهم الأرض، قال: يا ملك الجبال، فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون لا إله إلا الله، فقال ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم"، ولعل هذين الاسمين كانا معلومين له عند الملائكة قبل نزول الآية، فلا ينافي أنها من أواخر ما نزل، وبقي أنه قيد فيها بالمؤمنين وهؤلاء كفار فكيف قول الملك، ولعله باعتبار ما رجاه من ربه؛ لأنه محقق.
"وعبد يا ليل بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام" بزنة هابيل؛ كما في القاموس. قال في الإصابة: عبد يا ليل بن عمرو الثقفي، قال ابن حبان: له صحبة ان من الوفد، وقال غيره: إنما هو ولده مسعود اختلف فيه كلام ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: إن القصة لمسعود، انتهى. منه في النوع الرابع فيمن ذكره في الصحابة غلطا.
"ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام" بعد الألف بوزن غراب "وكان ابن عبد ياليل" مسعود أو كنانة "من أكابر أهل الطائف من ثقيف" كأبيه وعميه، وقد روى عبد بن حميد عن مجاهد قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ، قال: نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، ورواه ابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد: يعني كنانة، وقال قتادة: هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، رواه عبد بن حميد. قال ابن عبد البر: وفد كنانة وأسلم مع وفد ثقيف سنة عشر، وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغير واحد. وقالстр. 563
وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل.
وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته ﵊ بالطائف كانت عشرة أيام.
ولما انصرف ﵇ عن أهل الطائف ولم يجيبوه، مر في طريقه بعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما في حائط لهما، فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصراني -غلامهما- قطف...........
الحواشي
(١) المدائني: وفد في قومه فأسلموا إلا كنانة فقالا: لا يرني رجل من قريش، وخرج إلى نجران ثم إلى الروم فمات بها كافرا. قال في الإصابة: ويقويه ما حكاه ابن عبد البر أن هرقل دفع ميراث أبي عامر الفاسق إلى كنانة بن عبد ياليل لكونه من أهل المدر كأبي عامر، انتهى. فقول النور: لا أعلم له إسلاما تقصير شديد.
"وقرن الثعالب" بفتح القاف وإسكان الراء اتفاقا، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، قال: وهو غلط، وذكر القابسي: أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي تتفرق منه. وغلط الجوهري في فتحها ونسبة أويس إليها وإنما هو إلى قرن بفتح الراء بطن من مراد "وهو ميقات أهل نجد" تلقاء مكة على يوم وليلة منها "ويقال له" أيضا "قرن المنازل" قال في النور والفتح: وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
"وأفاد ابن سعد" محمد "أن مدة إقامته ﵊ بالطائف كانت عشرة أيام" خلاف ما مر أنها شهر، ومر الجمع "ولما انصرف ﵇ عن أهل الطائف ولم يجيبوه" ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف؛ كما عند ابن إسحاق. "مر في طريقه بعتبه وشيبة ابني ربيعة" الكافرين المقتولين ببدر "وهما في حائطا" بستان إذا كان عليه عليه جدار؛ كما في النور وغيره، وأطلق المصباح "لهما" بشراء أو غيره وهو من بساتين الطائف المنسوبة إليه كما يفيده قول موسى بن عقبة، فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم، فاستظل في ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وكذا قول ابن إسحاق فاجتمعوا عليه وألجئوه إلى حائط لعتبة وسيبة والحيلة، بفتح الحاء والموحدة وتسكن الأصل أو القضيب، من شجر العنب؛ كما في النهاية وغيرها، ولا ينافي استظلاله قوله في الحديث: "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"؛ لجواز أنه لم يعد استظلاله مكروبا موجعا محزونا مفكرا فيما أصابه إفاقة.
"فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما" قرابتهما؛ لأنهما من بني عبد مناف "فبعثا له مع عداس" بفتح العين وشد الدال فألف فسين مهملات "النصراني غلامهما قطف" بكسر القافстр. 564
عنب، فلما وضع ﷺ يده في القطف قال: "بسم الله، ثم أكل"، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له ﷺ : "من أي البلاد أنت. وما دينك"؟ قال نصراني من نينوى. فقال له ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؟ قال: وما يدريك؟..............
الحواشي
(١) عنقود "عنب" وعند ابن عقبة: ووضعه عداس في طبق بأمرهما، وقالا له: اذهب إلى ذلك الرجل، فقال له يأكل منه، ففعل ولم يذكر زيد بن حارثة لأن هذا من كلام ابن عقبة، وهو ممن قال إنه خرج وحده، أو لأنه تابع والحامل على بعث القطف إنما هو المصطفى فخص بتقديمة له وخطابه، "فلما وضع ﷺ يده في القطف" ليأكل قال: "بسم الله" فقط كما عند ابن عقبة وابن إسحاق، ووقع في الخميس: "الرحمن الرحيم"، "ثم أكل فنظر عداس إلى جهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له ﷺ : "من أي البلاد أنت؟ وما دينك"؟ قال: نصراني من نينوي" بكسر النون وسكون التحتية فنون مفتوحة على الأشهر. قال أبو ذر: وروي بضمها فواو مفتوحة فألف.
قال ياقوت: ممالة بلد قديم مقابل الموصل خرب وبقي من آثار مشي، وبه كان قوم يونس. وقال الصغاني: هي قرية يونس بالموصل. "فقال له ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"، بفتح الميم وشد الفوقية مقصور اسم أبيه.
وفي تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه وتبعه صاحب تاريخ حماة قائلا: لم يشتهر بأمه غيره وغير عيسى ورده الحافظ بحديث ابن عباس عند البخاري لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه، فإن فيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصح، وقيل: سبب قوله: ونسبه إلى أبيه، أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم أبيه وكنى عنه بفلان، فقال الذي نسي يونس بن متى وهي أمه ثم اعتذر، فقال: ونسبه أي شيخه إلى أبيه، أي: سماه فنسيته ولا يخفى بعد هذا التأويل وتكلفه، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى من فتح الباري. يؤيده ما نقله الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو يونس واسم أمه برورة أي: صديقة بارة قانتة وهي من ولد هارون، انتهى. فقول السيوطي التأويل عندي أقوى وإن استبعده الحافظ، فيه نظر.
"فقال" عداس "وما يدريك" ما يونس بن متى؟ كما في الرواية، وعند التيمي: فقال عداس: والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفته وأنت أُمي في أمةстр. 565
قال: "ذاك أخي، وهو نبي مثلي". فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم.
الحواشي
(١) أمية؟ "قال: "ذاك أخي وهو نبي مثلي" وعند ابن عقبة والتيمي: "كان نبيا وأنا نبي"، "فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم" ﵁ وهو معدود في الصحابة، وفي سير التيمي، أنه قال: أشهد أنك عبد الله ورسوله.
وعند ابن إسحاق: ونظر إليه ابنا ربيعة، فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، قال: يا سيدي -بشد الياء مثنى- ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإنه خير من دينه. وفي الروض: ذكروا أن عداسا لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما، فقال: أقتال ذلك الرجل الذي رأيت بحائطكما تريدان؟ والله ما تقوم له الجبال، فقالا له: ويحك يا عداس، سحرك بلسانه. وفي الإصابة عن الواقدي: قيل قتل عداس بدر، وقيل: لم يقتل، بل رجع فمات.стр. 566
ذكر الجن:
ولما نزل نخلة -وهو موضع على ليلة من مكة- صرف إليه سبعة من جن نصيبين، مدينة بالشام............
الحواشي
(١) ذكر الجن:
"ولما نزل" ﷺ ، في منصرفه من الطائف سنة عشر، وهو ابن خمسين سنة تقريبا، "نخلة" غير مصروف للعلمية والتأنيث، وفي مسلم: بنخل، قال البرهان: والصواب نخلة، ويحتمل أن يقال الوجهان، انتهى. "وهو موضع على ليلة من مكة صرف إليه" بالبناء للمفعول للعلم به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ، "سبعة" كما رواه الحاكم في المستدرك وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع من طريق عاصم عن زر عن عبد الله، قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ ببطن نخلة، فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا وكانوا سبعة أحدهم زوبعة وإسناده جيد، وقيل: تسعة، وقيل غير ذلك.
"من جن نصيبين" بنون مفتوحة وصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة مكسورة فتحتية ساكنة أيضا فنون، بلد مشهور يجوز صرفه وتركه، وفي خبر أن جبريل رفعها للنبي ﷺ ورآها، قال: "فسألت الله أن يعذب ماؤها، ويطيب ثمرها ويكثر مطرها" وهي بالجزيرة، كما في مسلم وبه جزم غير واحد، قال البرهان: ووهم من قال باليمن، وقوله: "مدينة بالشام" تبع فيه ابنстр. 567
وكان ﵇ قد قام في جوف الليل يصلي فاستعموا له وهو يقرأ سورة الجن.
وفي الصحيح أن الذي آذنه ﷺ بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدكم أو فرما كان لحما،..............
الحواشي
(١) التين السفاقسي، قال الحافظ: وفيه تجوز فإن الجزيرة بين الشام والعراق، انتهى. وفي تفسير عبد بن حميد أنهم من نينوى، وقيل: ثلاثة من نجران وأربعة من نصيبين، وعن عكرمة: كانوا اثني عشر ألفا من جزيرة الموصل.
"وكان ﵇ قد قام في جوف الليل يصلي" كما ذكره ابن إسحاق ولا يعارضه ما في الصحيحين عن ابن عباس: وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه كان قبل في أول مرة عند المبعث لما منعوا من استراق السمع، نعم وقع لبعض من ساق هذه القصة التي هنا وهو يصلي الفجر، فإن صح فيكون أطلق على وقت الفجر جوف الليل لاتصاله به، أو ابتدأ الصلاة في الجوف واستمر حتى دخل وقت الفجر، أو صلى فيهما وسمعوهما معا، والمراد بالفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس، وإطلاق الفجر عليهما صحيح لوقوعهما بعد دخول وقته، فسقط اعتراض البرهان بأن صلاة الفجر لم تكن فرضت، وقال الحافظ في حديث ابن عباس وهو يصلي بأصحابه: لم يضبط من كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقاه لما رجع، انتهى. وكأنه بناه على تسليم اتحاد مجيء الجن.
"فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن" قاله ابن إسحاق وأقره اليعمري ومغلطاي واعتراضه البرهان بما في الصحيح أنها إنما نزلت بعد استماعهم، وجوابه أن الذي في الصحيح كان في المرة الأولى عند المبعث كما هو صريحه، وهذه بعده بمدة فلا تعترض به.
"وفي الصحيح" عن ان مسعود "أن الذي آذنه" بالمد أعلمه ﷺ "بالجن ليلة الجن شجرة" هي كما في مسند إسحاق بن راهويه سمرة فتح السن وضم الميم من شجر الطلح جمعه كرجل وفيه معجزة باهرة، "وأنهم سألوه الزاد" أي: ما يفضل من طعام الإنس، وقد يتعلق به من يقول الأشياء قبل الشرع على الخطر حتى ترد الإباحة، ويجاب عنه بمنع الدلالة على ذلك، بل لا حكم قبل الشرع على الصحيح، قاله في فتح الباري. وقال شيخنا: أي نوعا يخصهم به كما جعل للإنس في المطعوم حلالا وحراما ولعلهم قبل السؤال كانوا يأكلون ما اتفق لهم أكله بغير قيد نوع مخصوص أو ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام الإنس. "فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه" هو زادكم "يقع في يد أحدكم أو فرما كان لحما" ولأبي داود: "كل عظمстр. 568
وكل بعر علف لدوابكم".
وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب.
الحواشي
(١) لم يذكر اسم الله عليه"، وجمع بأن رواية مسلم في حق المؤمنين، وهذه في حق شياطينهم.
قال السهيلي: وهو صحيح يعضده الأحاديث. "وكل بعر علف لدوابكم" زاد في سلام في تفسيره: أن البعر يعود خضرا لدوابهم واعترض على المؤلف ومتبوعه السهيلي في سياق حديث الصحيح هنا بما صرح به الحافظ الدمياطي أنه ﷺ لم يشعر بهم حين استمعوه في رجوعه من الطائف حتى نزل عليه ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية، قال: وسؤالهم الزاد كان في قصة أخرى.
"وفي هذا" دليل على أن الجن يأكلون ويشربون و"رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب" لأن صيرورته لحما إنما تكون للأكل حقيقة، ثم اختلف هل أكلهم مضغ وبلع أو يتعذون بالشم، وقوله ﵊: "إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"، مجاز أي: يحبه الشيطان ويزينه ويدعو إليه، قال ابن عبد البر: وهذا ليس بشيء فلا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما انتهى.
وهو الراجح عند جماعة من العلماء حتى قال ابن العربي: من نفى عن الجن الأكل والشرب فقد وقع في حبالة إلحاد وعدم رشاد، بل الشيطان وجميع الجان يأكلون ويشربون وينكحون ويولد لهم ويموتون وذلك جائز عقلا، وورد به الشرع، وتظافرت به الأخبار لا يخرج عن هذا المضمار إلا حمار، ومن زعم أن أكلهم شم فما شم رائحة العلم، انتهى. ورى ابن عبد البر عن وهب بن منبه: الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون وصنف يفعل ذلك ومنهم السعالي والغيلان والقطرب، قال الحافظ: وهذا إن ثبت كان جامعا للقولين، ويؤيده ما روى ابن حبن والحاكم عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا: "الجن تلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون ويرحلون".
وروى ابن بي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب"، انتهى. قال السهيلي: ولعل هذا الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ولا يشرب إن صح القول به، انتهى. وقال صاحب آكام المرجان: وبالجملة فالقائلون الجن لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل؛ لمصادمة الأحاديث الصحيحة وإن أرادوا صنفا منهم فمحتمل، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون.стр. 569
وذكر صاحب الروض من أسماء السبعة الذين أتوه ﵇، عن ابن دريد: منشى وناشى وشاصر وماصر والأحقب. لم يزد على تسمية هؤلاء.
الحواشي
(١) "وذكر صاحب الروض" السهيلي فيه هنا "من أسماء السبعة الذين أتوه ﵇ عن ابن دريد منشى" بميم فنون فمعجمة "وناشى" بنون "وشاصر" بشين معجمة فألف فصاد فراء "وماصر" بميم فألف فمعجمة ضبطهما في الإصابة، "والأحقب" قال في الروض "لم يزد" ابن دريد "على تسمية هؤلاء" الخمسة، وقد ذكرنا تمام أسمائهم فيما تقدم يعني قبيل المبعث، إذ قال وعمرو بن جابر وسرق، انتهى.
وفي الإصابة: الأرقم الجني أحد من استمع القرآن من جن نصيبين، ذكر إسماعيل بن زياد في تفسيره عن ابن عباس أنهم تسعة: سليط وشاصر وماضر وحسا ونسا وبجعم والأرقم والأدرس وخاضر، نقلته مجودا من خط مغلطاي، ثم ضبط في الإصابة خاضرا بخاء وضاد معجمتين وآخره راء، وسرق بضم السين وفتح الراء المشددة المهملتين وقاف، قال: وضبطه العسكري بتخفيف الراء على وزن عمر وأنكر على أصحاب الحديث شد الراء، انتهى. فهؤلاء أربعة عشر صحابة من الجن، وترجم في الإصابة أبيض الجني ذكره في كتاب السنن لأبي علي بن الأشعث أحد المتروكين المتهمين، فأخرج إسناده أنه ﷺ قال لعائشة: "أخزى الله شيطانك" الحديث، وفيه: "ولكن الله أعانني عليه حتى أسلم واسمه أبيض وهو في الجنة، وهامة بن الهيم بن الأقيس بن إبليس في الجنة"، انتهى. وفي التجريد هامة بن الهيم حديثه موضوع، انتهى.
وسمحج بسين مهلمة أوله بوزن أحمر آخره جيم وسماه المصطفى عبد الله، رواه الفاكهي وغيره؛ كا في الإصابة، وعد أبو موسى المديني في الصحابة عمرو بن جابر المتقدم ومالك بن مالك وعمرو بن طارق وزوبعة ووردان.
قال الذهبي: وزوبعة إما لقب لواحد منهم أو اسم له والمذكور لقب، ولم يذكر ذلك صاحب الإصابة، بل ترجم لكل منهم، فاقتضى أن زوبعة اسم علم على جني غير الأربعة وهو الأصل، وذكر في عمرو بن طلق، ويقال ابن طارق، أخرج الطبراني في الكبير عن عثمان بن صالح، قال: حدثني عمر والجني، قال: كنت عند النبي ﷺ فقرأ سورة النجم فسجد وسجدت معه. وأخرج ابن عدي عن عثمان بن صالح، قال: رأيت عمرو بن طلق الجني، فقلت له: رأيت رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم وبايعته وأسلمت معه وصليت خلفه الصبح، فقرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين، وعثيم الجني وعرفطة بن سمراح الجني من بني نجاح ذكره الخرائطي في الهواتف عن سلمان الفارسي بسند ضعيف جدا، انتهى.
وعبد النور الجني، قال الذهبي: روى شيخنا ابن حمويه عن رجل عنه، وهذه خرفةстр. 570
قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه ﵇ إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين.
قالك وهذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء،............
الحواشي
(١) مهتوكة، انتهى. وامرأة اسمها رفاعة، وفي رواية عفراء، قال ابن الجوزي: حديثها موضوع، ولو صح لعدت في الصحابيات، ولم أر أحدا ذكرها لا في رفاعة ولا في عفراء، ثم ذكر الحديث من وجه آخر وسماها الفارعة بنت المستورد، وترجم لها في الإصابة الفارعة وذكر حديثها، وقال: في سنده من لا يعرف، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وقال أعني صاحب الإصابة في ترجمة زوبعة: أنكر ابن الأثير على أبي موسى المديني ترجمة الجن في الصحابة، ولا معنى لإنكاره؛ لأنهم مكلفون وقد أرسل إليهم النبي ﷺ وأما قوله كان الأولى أن يذكر جبريل، ففيه نظر؛ لأن الخلاف في أنه أرسل إلى الملائكة مشهور بخلاف الجن.
وفي فتح الباري الراجح دخول الجن؛ لأنه ﷺ بعث إليهم قطعا وهم ملكفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة، وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافا بين الأصوليين، حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعكس بعضهم، انتهى.
"قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه ﵇ إلى أهل الطائف ودعاءه إياهم وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن" أي: بعضه، وهو كما مر سورة الجن، وقيل: اقرأ، وقيل: الرحمن وجمع بأن اقرأ في الأولى والرحمن في الثانية، أي: والجن في الثالثة. "فاستمعه الجن من أهل نصيبين" من العرب من يجعله اسما واحدا ويلزمه الإعراب كالأسماء المفردة الممنوعة الصرف، والنسبة نصيبين بإثبات النون، ومنهم من يجريه مجرى الجمع، والنسبة نصيبي بحذف النون، وعكس ذلك الجوهري فاعترض لأن المثنى والجمع وما ألحق بهما إن جعلا علمين وبقي إعرابها بالحروف ثم نسب إليهما ردا إلى مفردهما، وإن جعلا اسمين تامين أعربا بالحركات على النون ونسب إليهما على لفظهما بلا خلاف.
"وقال: وهذا صحيح لكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء" ولا نظر، فهذه المرة بعد تلك، وقد جزم في فتح الباري بأنстр. 571
ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوه حقا وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض.
ورواه النسائي وصححه الترمذي.
الحواشي
(١) كلام ابن إسحاق ليس صريحا في أولية قدوم بعضهم، قال: والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك عند المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا عن ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذا لم يقيد البخاري الترجمة بقدوم ولا وفادة أي وإنما، قال باب ذكر الجن: لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم، قدموا فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة، انتهى.
ونقله الشامي عن ابن كثير نفسه أيضا. "ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد، قال: كان الجن يستمعون الوحي" هو ما كانت تسمعه الملائكة مما ينزل الأرض، فيتكلمون به، "فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا فيكون ما سمعوه حقا، وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك" البعث النوي "فلما بعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصابه منه" ولا يشكل هذا بما مر أن السماء حرست بمولده ﷺ لجواز أنه بقي لهم بعض قدرة على الاستماع كاللص، فلما بعث زال ذلك، بل قال السهيلي: إنه بقي منه بقايا يسيرة بدليل وجوده نادرا في بعض الأزمنة وبعض البلاد. وقال البيضاوي: لعل المراد منعهم من كثرة وقوعه.
"فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث فبث جنوده" في الأرض، وفي الصحيحين: فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة "فإذا هم بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة فأخبروه" أي: إبليس، "فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، ورواه النسائي وصححه الترمذي" ورواه الشيخان بنحوه، ولم يعزه لهما لزيادة فيما ذكر على روايتهما.стр. 572
قال: وخروجه علي السلام إلى الطائف كان بعد موت عمه.
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩] .
فهذا مع حديث ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج.
الحواشي
(١) "قال" ابن كثير "وخروجه ﵇ إلى الطائف كان بعد موت عمه" أبي طالب الواقع في السنة العاشرة من النبوة، والاستماع كان عقب البعثة، فلا يصح ما في ابن إسحاق وقد علم جوابه، "وروى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود، قال:" إن الجن "هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن" وفي نسخة: وهو يقرأ الجن، أي: سورة الجن، لكن الأولى هي المعزوة في لباب النقول لابن أبي شيبة "ببطن نخلة فلما سمعوه، قالوا: أنصتوا" حذف من رواية ابن أبي شيبة بعد قوله: أنصتوا، قالوا: صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، "فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية"، يريد جنسها، فلفظ ابن أبي شيبة فأنزل الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ، وقولهم من بعد موسى، قيل: لأنهم كانوا يهودا وفي الجن ملل كالإنس، وقيل: لم يسمعوا بعيسى واستبعد، وقيل: لأنهم كانوا يعلمون بشارة موسى به وكأنهم قالوا هذا الذي بشر به موسى ومن بعده.
"فهذا" أي: حديث ابن مسعود، "مع حديث ابن عباس" الذي قبله "يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم" وبهذا جزم الدمياطي، فقال: فلما انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا إليه وهو يقرأ سورة الجن ولم يشعر بهم حتى نزل عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْك﴾ [الأحقاف: ٢٩] ، انتهى. وبه تعقب قول من قال: لما وصل في رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه. "ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا" بفتح الهمزة وأبدل منه قوله: "قوما بعد قوم وفوجا" أي: جماعة جمعه فؤوج وأفواج وجمع الجمح أفاوج وأفاويج؛ كما في القاموس.
"بعد فوج" كما تفيده الأحاديث العديدة، ففي حديث أنهم كانوا على ستين راحلة وآخرстр. 573
وفي طريقه ﵇ هذه، دعا بالدعاء المشهورة:
"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين،.........
الحواشي
(١) ثلاثمائة وآخر خمسة عشر، وعن عكرمة: اثني عشر ألفا، فهذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم؛ كما أشار إليه البيهقي وابن عطية، وقال: إنه التحرير بمكة والمدينة، فالمتحصل من الأخبار أنهم وفدوا عليه لما خرجوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها لاستكشاف الخبر عن حراسة السماء بالشهب، فوافوه ﷺ بنخلة عامدا سوق عكاظ يصلي بأصحابه الفجر فسمعوا القرآن، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا، فأنزل الله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] ، وما قرأ عليهم ولا رآهم؛ كما قاله ابن عباس في الصحيحين وغيرهما وأخرى بنخلة وهو عائد من الطائف وأخرى بالحجون.
وفي لفظ: بأعلى مكة بالجبال، لما أتاه داعي الجن فذهب معه وقرأ عليهم القرآن، ورجع لأصحابه من جهة حراء، وأخرى ببقيع الغرقد، وفي هاتين حضر ابن مسعود وخط عليه خطا بأمر المصطفى وأخرى خارج المدينة وحضرها الزبير، وأخرى في بعض أسفار لها وحضرها بلال بن الحارث؛ بل حديث أبي هريرة في الصحيح يحتمل أنهم أتوه حين حمل أبو هريرة للنبي ﷺ الأدواة وإنما قدم أبو هريرة في سابعة الهجرة، وبهذا لا يبق تعارض بين الأخبار ويحصل الجمع؛ كا قال الحافظ بين نفي ابن عباس رؤية النبي ﷺ لهم، قال المصنف: وهو ظهر القرآن وبين ما أثبته غيره من رؤيته لهم، والله أعلم.
"وفي طريقه ﵇ هذه" لما اطمأن في ظل الحيلة، أي: الكرمة، "دعا بالدعاء المشهور" المسمى كما قال بعضهم بدعاء الطائف، وهو: "اللهم إليك أشكو" قدم المعمول ليفيد الحصر، أي: لا إلى غيرك فإن الشكوى إلى الغير لا تنفع "ضعف قوتي" بضم الضاد أرجح من فتحها وهما لغتان؛ كما في الأنوار، وفي المصباح: الضم لغة قريش.
وفي القاموس: الضعف بالفتح والضم ويحرك ضد القوة. "وقلة حيلتي" في مخلص أتوصل به إلى القيام بما كلفني، "وهواني على الناس" احتقارهم واستهانتهم بي واستخفافهم بشأني واستهزاءهم، والشكوى إليه لا تنافي أمره بالصبر في التزيل؛ لأن إعراضه عن الشكوى لغيره وجعلها إليه وحده هو الصبر، والله سبحانه يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه، "يا أرحم الراحمين" أي: يا موصوفا بكمال الإحسان، "أنت أرحم الراحمين" وصف له تعالى بغاية الرحمة بعدما ذكر لنفسه ما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب بصريح اللفظ تلطفا في السؤال وأدبا وأكد ذلك ولمح للمراد، فقال: "وأنت رب المستضعفين"стр. 574
إلى من تكلني إلى عدو بعيد يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبانا علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات............
الحواشي
(١) في ذكر لفظ رب والإضافة إليهم مزيد الاستعطاف، فطوى في ضمن هذه الألفاظ العذبة البديعة نحو أن يقول: فقوني واجعل لي المخلص وأعزني في الناس، وعدل إلى الثناء على ربه بهاتين الجملتين الثابتتين عند ابن إسحاق الساقطتين في رواية الطبراني؛ لأن الكريم بالثناء يعطي المراج ولا أكرم منه .
"إلى من تكلني" تفوض أمري "إلى عدو بعيد" وسقط في رواية الطبراني لفظ بعيد "يتجهمني" بتحتية ففوقية فجيم فهاء مشددة مفتوحات والاستفهام للاستعطاف بحذف أداة، أي: اتكلني إلى عدو "أم إلى صديق قريب ملكته أمري" جعلته مسلطا على إيذائي ولا أستطيع دفعه، والجملة دالة على المدعو به، أي: لا تجعل لي ذلك.
"إن لم تكن غضبانا" وفي رواية: إن لم تكن ساخطا، وأخرى: إن لم يكن بك سخط وأخرى إن لم يكن بك غضب، "علي لا أبالي" بما تصنع بي أعدائي وأقاربي من الإيذاء طلبا لمرضاتك ووثوقا بما عندك، "غير أن عافيتك" وهي السلامة من البلايا والأسقام مصدر جاء على فاعله، "أوسع لي" فيه أن الدعاء بالعافية مطلوب محبوب ونحوه ل تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، وهكذا عادة الأنبياء ﵈ إنما يسألون بعد البلاء عنهم، "أعوذ بنور وجهك" أي: ذاتك، زاد الطبراني: الكريم، أي: الشريف والكريم يطلق على الشريف النافع الدائم نفعه، قال السهيلي: وأتى بالوجه إيذانا بأن بغيته الرضا والقبول والإقبال؛ لأن من رضى عنك أقبل عليك بوجهه لا صلة للتأكيد؛ كما زعم من غلظ طبعه ولو قال بنورك لحسن ولكنه توصل إليه بما أودع قلبه من نوره، فتوسل إلى نعمته بنعمته وإلى فضله ورحمته بفضله ورحمته، انتهى.
"الذي" زاد الطبراني الأضاءت له السماوات والأرض و "أشرقت" بالبناء للفاعل، أي: أضاءت "له الظلمات" أي: أزيلت، وعطفه عليه في رواية الطبراني مع أنه بمعناه؛ لأن اختلاف اللفظ سوغ العطف ولذا غاير في التعبير كراهة توالي لفظين بمعنى، ولم يسقطه للإطناب المطلوب في الدعاء، وضبط بعضهم أشرقت بالبناء للمفعول لقول الزمخشري في قراءة: واشرقت الأرض بنور ربها بالمفعول من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به مردود، فإنما هو ظاهر في الآية لا الحديث، إذ لا يظهر فيه امتلأت الظلمات بالضوء إلا بتعسف، قال في الروض: النور هنا عبارة من الظهور وانكشاف الحقائق الإلهية وأشرقت الظلمات، أي: محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلمات الجهالات والشكوك فاستنارت بنور الله تعالى، قال: وقد تكون الظلمات هنا أيضاстр. 575
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
أورده ابن إسحاق، ورواه الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب، خرج النبي ﷺ ماشيا إلى الطائف،..............
الحواشي
(١) المحسوسة وإشراقها دلالتها على خالقها وكذلك الأنوار المحسوسة الكل دال عليه فهو نور النور، أي: مظهره ومنور الظلمات، أي: جاعلها نورا في حكم الدلالة عليه سبحانه، انتهى.
والحمل على ما يشمل الحسي والمعنوي أولى، وإن أخره وقلله، فيكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه أو عموم المجاز، ثم لا يشكل الحديث بأن المعروف أنه لا ظلمة في الملأ الأعلى؛ لأنه إنما هو به تعالى وله وما أحسن قول صاحب الحكم الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه، فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو قبله أو عنده أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار، انتهى.
"وصلح" بفتح اللام وتضم استقام وانتظم، "عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل" بكسر الحاء يجب وضمها، أي: ينزل وبهما قرئ: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] ، "بي سخطك" أي: غضبك فهو من عطف الرديف مرفوعان فاعل ينزل، ويحل بالتحتية ومنصوبان على المفعولية لكن بالفوقية في الفعلين مضمومة مع كسر حاء تحل فقط، وأفاد بعضهم أن الوجهين رواية في لفظ الطبراني أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك.
"ولك العتبى" بضم العين وألف مقصور أي: أطلب رضاك "حتى ترضى" قال في النهاية: استعتب طلب أن يرضى عنه، وقال الهروي: ويقال عتب عليه وجد فإذا فاوضه ما عتب عليه، قيل: عاتبه والاسم العتبى وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي المعاتب، انتهى. ولا يظهر تفسير الشامي العتبى بالرضا لركة قولنا لك الرضا حتى ترضى.
"ولا حول" أي: تحول عن المعاصي، "ولا قوة" على فعل الطاعات "إلا بك" بتوفيقك واستعاذ بهما بعد الاستعاذة بذاته تعالى للإشارة إلى أنه لا توجد حركة ولا سكون في خير أو شر إلا بأمره تعالى التابع لمشيئته إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، "وأورده ابن إسحاق" محمد في السيرة بلفظ: فلما اطمأن، قال فيما ذكره فساقه "ورواه الطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب "في كتاب الدعاء" وهو مجلد، وكذا رواه في معجمة الكبير "عن عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الصحابي ابن الصحابي، "قال" وهذا مرسل صحابي؛ لأنه ولد بالحبشة فلم يدرك ما حدث به لقوله: "لما توفي أبو طالب خرج النبي ﷺ ماشيا إلى الطائف" بلد معروف سمي بذلك لأن رجلا من حضرموت أصاب دما في قومه وفر إليه، فقال لهم: ألا أبني لكمстр. 576
فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: "اللهم إليك أشكو". فذكره.
وقوله: يتجهمني -بتقديم الجيم على الهاء- أي يلقاني بالغلظة والوجه الكريه.
ثم دخل ﵇ مكة في جوار المطعم بن عدي.
الحواشي
(١) حائطا يطيف ببلدتكم، فبناه. أو لأن الطائف المذكور في القرآن وهو جبريل اقتلع الجنة التي كانت بصوران على فراسخ من صنعاء، فأصبحت كالصريم وهو الليل وأتى بها إلى مكة فطاف بها ثم وضعها به فكان الماء والشجر بالطائف دون ما حولها؛ أو لغير ذلك أقوال.
"فدعاهم إلى الإسلام" أو إلى نصره وعونه حتى يبلغ رسالة ربه، "فلم يجيبوه" لا إلى الإسلام ولا إلى غيره، "فأتى ظل شجرة" من عنب، فعند ابن إسحاق جلس إلى ظل حبلة بمهملة فموحدة مفتوحة، قال السهيلي: وسكونها ليس بالمعروف، أي: كرمة اشتق اسمها من الحبل؛ لأنها تحبل بالعنب، ولذا فتح حمل الشجرة والنخلة فقيل: حمل بفتح الحاء تشبيها بحمل المرأة وقد يقال حمل بكسرها تشبيها بالحمل على الظهر، انتهى. "فصلى ركعتين" قبل الدعاء ليكون أسرع إجابة وليزول غمه وهمه مناجاة ربه فيها، "ثم قال: "اللهم إليك أشكو" ... فذكره بنحو ما أورده ابن إسحاق، وقد بينا ألفاظه التي زادها ونقصها.
"وقوله: يتجهمني بتقديم الجيم على الهاء" المشددة "أي: يلقاني بالعلظة والوجه الكريه" قاله في النهاية، وقال الزمخشري: وجه جهم غليظ وهو البائس الكريه ويوصف به الأسد وتجهمت الرجل وجهمته استقبلته بوجه كريه، وقيل: هو أن يغلظ له في القول ومن المجاز الدهر يتجهم الكرام، وتجهمه: أمله إذا لم يصبه، "ثم دخل ﵇ مكة في جوار المطعم بن عدي" بعد أن أقام بنخلة أيام، وقال له زيد بن حارثة: كيف دخل عليهم وهم قد أخرجوك؟ فقال: "يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله مظهر دينه وناصر نبيه"، ثم انتهى إلى حراء، وبعث عبد الله بن الأريقط إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو، فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه فدخل ﷺ فبات عنده، فلما أصبح تسلح المطعم هو وبنوه وهم ستة أو سبعة، فقالوا له ﷺ : "طف، واحتبوا بحمائل سيوفهم بالمطاف"، فقال أبو سفيان للمطعم: أمجير أم تابع، قال: بل مجير، قال: إذن لا تخفر قد أجرنا من أجرت فقضى ﷺ طوافه وانصرفوا معه إلى منزله، ذكر ابن إسحاق هذه القصة مبسوطة، وأوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل، لكن فيه أنه أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح وقام كل واحد عند ركن من الكعبة،стр. 577
وقت الإسراء:
ولما كان في شهر ربيع الأول أسرى بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام................
الحواشي
(١) فقالت له قريش: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك، ويمكن الجمع بأن الأربعة عند الأركان والمطعم وباقيهم في المطاف، قال في النور: وفي جواب سهيل والأخنس نظر؛ لأنهما لو لم يكونا ممن يجير لما سألهما النبي ﷺ ، كيف وعامر الذي هو جد سهيل وكعب أخوان ولدا لؤي، انتهى.
قيل: ولذا قال ﷺ في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، وقيل: لقيامه في نقض الصحيفة ولا مانع أنه لكليهما وسماهم نتنى لكفرهم؛ كما في النهاية وغيرها. وقول المصنف: المراد قتلى بدر الذين صاروا جيفا يرده قول الحديث في أسارى بدر وهذا من شيمه ﷺ الكريمة تذكر وقت النصر والظفر للمطعم هذا الجميل، ولم يذكر قوله صبح الإسراء كل أمرك كان قبل اليوم أمما هو يشهد أنك كاذب، وقد قال واصفه: لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولما مات المطعم قبل وقعة بدر رثاه حسان بن ثابت؛ كما سأذكره إن شاء الله في غزوتها، ولا ضير فيه؛ لأن الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب أن فعله مع المصطفى من أجلها، فلا مانع منه ومن ذكر نحو كرم أصله وشرفهم هذا، وذكر ابن الجوزي في دخوله ﷺ في جوار كافر، وقوله في المواسم: "من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي"، حكمتين، إحداهما: اختبار المبتلى، أي: معاملته معاملة من يختبر ليسكن قلبه إلى الرضا بالبلاء فيؤدي القلب ما كلف به من ذلك، والثانية: أن بت الشبهة في خلال الحجج لثبات المجتهد في دفع الشبهة، انتهى.
وقت الإسراء:
"ولما كان في شهر ربيع الأول" أو الآخر أو رجب أو رمضان أو شوال، أقوال خمسة "أسرى بروحه وجسده يقظة" لا مناما مرة واحدة في ليلة واحدة عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عنه، وقيل: وقع الإسراء والمعراج في مرتين مناما ويقظة، وقيل: الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، وقيل: الإسراء يقظة والمعراج منام، وقيل: الخلاف في أنه يقظة أو منام خاص بالمعراج لا بالإسراء، وقيل: الإسراء مرتان يقظة الأولى بلا معراج والثانية به، "من المسجد الحرام" عند البيت في الحطيم أو الحجز.стр. 578
إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سماوات، ورأى ربه بعيني رأسه، وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلاة، ثم انصرف في ليلته إلى مكة.
فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله.
وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس، فمثله الله له،............
الحواشي
(١) وفي رواية: فرج سقف بيتي، وفي أخرى أنه أسرى به من شعب أبي طالب، وفي أخرى: من بيت أم هانئ، وجمع الحافظ بأنه كان في بيت أم هانئ وهو عند شعب أبي طالب ففرج سقف بيته وأضافه إليه؛ لأنه كان يسكنه فنزل منه الملك فأخرجه منه حتى أتى المسجد وبه أثر النعاس ثم أخرجه إلى باب المسجد فأركبه البراق، "إلى المسجد الأقصى" وصرحت السنة بأن دخله، وإليه أشار بقوله: "ثم عرض به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سماوات" إلى حيث شاء العلي الأعلى "ورأى ربه بعيني رأسه" على ما رجحه جمع ونفتها عائشة وابن مسعود، ورجح في المفهم القول بالوقف وعزاه لجماعة من المحققين، وقول عائشة: ما فقدت جسده، إنما احتج به من قال إن الإسراء كان مناما؛ كما سيأتي بسط ذلك للمصنف في مقصده.
"وأوحى إليه ما أوحى" أيهم للتعظيم فلا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به أو ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦] الآية، ألخ أو الجثة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك أو تخصيصه بالكوثر أو الصلوات الخمس، أقوال.
"وفرض عليه الصلاة ثم انصرف في ليلته إلى مكة، فأخبر بذلك" الناس مؤمنهم وكافرهم "فصدقه الصديق" قيل: فلقب بذلك يومئذ، "وكل من آمن بالله" تعالى إيمانا قويا لا تعرض له الشكوك والأوهام فلا ينافي أنه ارتد كثيرا استبعادا للخبر "وكذبه الكفار" وزادوا عليه عتوا "واستوصفوه مسجد بيت المقدس" فسألوه عن أشياء لم يثبتها، قال ﷺ : "فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله قط"، ومن جملة اأشياء قولهم: كم للمسجد من باب، قال: ولم أكن عددتها، "فمثله الله له" وعند ابن سعد: "فخيل إلي بيت المقدس وطفقت أخبرهم عن آياته"، قال الحافظ: يحتمل أن المراد مثل قريبا منه كما قيل في حديث: "أريت الجنة والنار".
وفي البخاري: "فجلى الله لي بيت المقدس"، أي: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأته ويحتمل أنه حمل حتى وضع حيث يراه ثم أعيد، ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: "فجيء بالمسجد وأنا انظر إليه"، وهذا أبلغ في المعجزة ولا استحالة فيه فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين، انتهى ملخصا.стр. 579
فجعل ينظر إليه ويصفه.
قال الزهري: وكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه عنه القاضي عياض، ورجحه القرطبي والنووي. واحتج: بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
وتعقب: بأن موت خديجة عبد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. ويؤيده إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما تردده في سنة وفاتها فيرده جزم عائشة بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين قاله الحافظ ابن حجر.
الحواشي
(١) "فجعل ينظر إليه ويصفه" فيطابق ما عندهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد، "قال الزهري" الأولى العطف بالواو؛ لأنه مقابل ما أفاده قوله في شهر ربيع الأول من أنه من سنة إحدى عشرة من المبعث؛ لأنه يرتب الوقائع على السنين. "وكان ذلك" الإسراء "بعد المبعث" كذا في النسخ والذي في الفتح عن الزهري قيل الهجرة "بخمس سنين" فيكون بعد المبعث بثمان؛ لأنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، اللهم إلا أن يكون المصنف ألغى مدة الفترة على أنها ثلاث سنين وهذا إن أمكن به صحته لكن المنقول عن الزهري كما ترى خلافه "حكاه عنه القاضي عياض" ورجحه كما في الفتح عنه.
"و" كذا "رجحه القرطبي والنووي" تبعا لعياض ثلاثتهم في شرح مسلم "واحتج" عياض وتابعاه "بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعض فرض الصلاة ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة، إما بثلاث أو بخمس ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء وتعقب بأن موت خديجة بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح في رمضان وذلك قبل أن تفرض الصلاة" فبطل قولهم: صلت معه الخمس اتفاقا "ويؤيده" أي: الصحيح، "إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما تردده" أي: عياض وتابعيه "في سنة وفاتها" بقوله: إما بثلاث أو بخمس "فيرده جزم عائشة" عند البخاري، "بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، قاله الحافظ ابن حجر" في فتح الباري، وقال فيه في باب المعراج في جميع ما نفاه أي: عياض وتابعاه من الخلاف نظر، أما أولا فقد حكى العسكري أنا ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل: بأربع، وعن ابن الأعرابي أنها ماتت عامстр. 580
وقيل: الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السيدي وأخرجه من طريقه الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال.
وقيل: كان في رجب. حكاه ابن عبد البر، وقبله ابن قتيبة، وبه جزم النووي في الروضة.
وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون في ذي الحجة، وبه جزم ابن فارس.
وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير.
الحواشي
(١) الهجرة، وأما ثانيا فإن فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وأما الذي فرض ليلة الإسراء، فالصلوات الخمس، وأما ثالثا: فقد جزمت عائشة بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة المكتوبة فالمعتمد أن مراد من قال بعد أن فرضت الصلاة ما فرض قبل الصلوات الخمس إن ثبت ذلك، ومراد عائشة الصلوات الخمس، فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء، انتهى.
"وقيل" كان الإسراء "قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدي، وأخرجه من طريقه" أي: عنه، "الطبري" ابن جرير "والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال" لما يجيء أنه خرج إلى المدينة لهلال ربيع الأول وقدمها لاثنتي عشرة خلت منه، وقال الحافظ: فعلى هذا كان في رمضان أو شوال على إلغاء الكسرين، "وقيل: كان في رجب حكاه" أبو عمرو يوسف "بن عبد البر" النمري بفتحتين القرطبي الحافظ المشهور ساد أهل الزمان في الحفظ والاتقان ولد في ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، ومات سنة ثلاث وستين وأربعمائة، مر بعض ترجمته.
"و" حكاه "قبله" بسكون الباء ظرف أبو محمد عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" الدينوري بفتح الدال وتكسر النحوي اللغوي مؤلف أدب الكاتب وغيره ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة سبع وستين ومائتين، "وبه جزم النووي الروضة" تبعا للرافعي وقيل: قبل الهجرة بسنة واحدة قاله ابن سعد وغيره، وبه جزم النووي وقاله ابن حزم وبالغ وادعى فيه الإجماع قال الحافظ: وهو مردود، ففي ذلك خلاف يزيد على عشرة أقوال، "وقيل: قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر فعلى هذا يكون في ذي الحجة" لما مر في خروجه من المدينة، "وبه جزم" أحمد "بن فارس" اللغوي أبو الحسين الرازي الإمام في علوم شتى المالكي الفقيه غل عليه علم النحو ولسان العرب فشهر به له مصنفات وأشعار جيدة مات سنة تسعين، وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة.
"وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكر ابن الأثير" وقيل: قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستةстр. 581
وقال الحربي: إنه كان في سابع عشري ربيع الآخر، وكذا قال النووي في فتاويه، لكن قال في شرح مسلم: في ربيع الأول.
وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي.
وأما اليوم الذي يسفر عن ليلتها، فقيل الجمعة، وقيل السبت،.............
الحواشي
(١) أشهر، حكاهما ابن الجوزي، وقيل: بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر "وقال": إبراهيم بن إسحاق "الحربي" نسبة إلى محلة الحربية ببغداد، البغدادي شيخ الإسلام الإمام البارع في العلوم الزاهد، مات في ذي الحجة سنة خمس وسبعين ومائتين، "أنه كان في سابع عشري ربيع الآخر" قبل الهجرة بسنة واحدة، ورجحه ابن المنير في شرح سيرة ابن عبد البر كذا نسبه للحربي جمع منهم الحافظ في الفتح، وابن دحية في الابتهاج، والذي نقله ابن دحية في التنوير والمعراج الصغير، وأبو شامة في الباعث، والحافظ في فضائل رجل عن الحربي ربيع الأول.
"وكذا قال النووي في فتاويه" على ما في بعض نسخها "لكن قال في شرح مسلم" على ما في بعض نسخه "ربيع الأول" وفي أكثر نسخ الشرح ربيع الآخر والذي في النسخ المعتمدة من الفتاوى الأول، وهكذا نقله عنها الإسنوي والأذرعي والدميري، "وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب" وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى، فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف ولم يقم دليل على الترجيح واقترن العمل بأحد القولين أو الاقوال، وتلقى بالقبول فإن ذلك مما يغلب على الظن كونه راجحا.
"و" لذا "اختاره الحافظ عبد الغني" ابن عبد الواحد بن علي "بن سرور المقدسي" فنسبه لجد أبيه الحنبلي الإمام أوحد زمانه في الحديث والحفظ الزاهد العابد صاحب العمدة والكمال وغير ذلك، نزل مصر في آخر عمره وبها مات يوم الاثنين ثالث عشرى ربيع الآخر سنة ستمائة وله تسع وخمسون سنة، وقال ابن عطية بعد نقل الخلاف: والتحقيق أنه كان بعد شق الصحيفة، قبل بيعة العقبة، وقيل: كان قبل المبعث، قال الحافظ: وهو شاذ إلا أن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام.
"وأما اليوم الذي يسفر" بفتح الياء وكسر الفاء من سفرت الشمس: طلعت، "عن ليلتها" أي: الذي يطلع فجره بعد ليلتها وبضمها من أسفر الصبح إسفارا أضاء، أي: الذي يضيء بعد ليلتها وعن بمعنى بعد عليهما، "فقيل" هو "الجمعة" أي: اليوم المسمى به، "وقيل": هو "السبت" أي: يومه.стр. 582
وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة.
وستأتي إن شاء الله تعالى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث والله الموفق والمعين.
الحواشي
(١) "وعن ابن دحية" الحافظ أبي الخطاب عمر بفتح الدال وكسرها نسبة إلى جده الأعلى دحية بن خليفة الكلبي الصحابي؛ لأنه كان يقول إنه من ولده، "يكون إن شاء الله تعالى يوم الاثنين ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة" لكن في عده المعراج شيء؛ لأنه محل النزاع فكيف يستدل به؟ وحاصله؛ كما قال الشامي أنه استنبطه بمقدمات حساب من تاريخ الهجرة وحاول موافقته لتلك الأطوار، وقال: يكون الاثنين في حقه كالجمعة لآدم، "وستأتي إن شاء الله تعالى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث" في المقصد الخامس، وإنما ذكر هنا زمن وقوعه مراعاة لالتزامه ترتيب الوقائع، "والله الموفق" للخير "والمعين" عليه لا غيره.стр. 583
ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار:
ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج ﷺ في الموسم الذي لقي فيه الأنصار -الأوس والخزرج.
الحواشي
(١) ذكر عرض المصطفى نفسه على القبائل ووفود الأنصار:
"ولما أراد الله تعالى إظهار دينه" انتشاره بين الناس ودخولهم فيه، "وإعزاز نبيه" تصييره عزيزا معظما عند جميع الناس، ومنع من يريده بسوء بعدما لقي من قومه، "وإنجاز موعده" تعالى "له" ﷺ ، أي: نصره على أعدائه، فهو تفسير لما قبله، وقد قال تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣] ، وفي الصحيح: "إن الله روى ليس الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما روى لي منها".
"خرج ﷺ في الموسم" وكان في رجب كما في حديث جابر عند أصحاب السنن "الذي لقي فيه الأنصار" جمع ناصر كأصحاب وصاحب على تقدير حذف ألف ناصر لزيادتها، فهو ثلاثي يجمع على أفعال قياسا، ويقال: جمع نصير كشريف وأشراف على القياس وجمعوا جمع قلة وإن كانوا ألوفا؛ لأن جمع القلة والكثرة إنما يعبتران في نكرات الجموع.стр. 584
فعرض ﷺ نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم،..........
الحواشي
(١) أما في المعارف فلا فرق بينهما وتسميتهم بالأنصار حينئذ باعتبار المآل وإلا فهو اسم إسلامي لما فازوا به دون غيرهم من نصره ﷺ وإيوائه ومن معه ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم. "الأوس والخزرج" بنصبهما على البدلية، وفي نسخة بواو عطف التفسير سموا باسم جديهما الأعليين الأوس والخزرج الأكبر، ولدى حارثة بن ثعلبة، قال السهيلي: الأوس في الأصل الذئب والعطية والخرزج الريح الباردة، وفي الصحاح الأوس العطية والذئب وبه سمي الرجل، وفيه أيضا الخزرج ريح، قال الفراء: الجنوب غير مجراة فلم يقيده بالباردة، وتبعه القاموس لكنه قال الأوس إلا عطاء، وبينه وبين العطية التي عبر بها فرق.
"فعرض ﷺ نفسه على قبائل العرب" بأمر الله تعالى؛ كما في حديث علي الآتي، "كما كان يصنع في كل موسم" ذكر الواقدي أنه ﷺ مكث ثلاث سنين مستخفيا، ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة فيردون عليه أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: قومك أعلم بك، فكان ممن سمي لنا من تلك القبائل بنو عامر بن صعصعة ومحارب وفزارة وغسان ومرة وحنيفة وسليم وعبس وبنو نصر والبكاء وكندة وكعب والحارث بن كعب وعذرة والحضارمة، وذكر نحوه ابن إسحاق بأسانيد متفرقة.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان قبل الهجرة يعرض نفسه على القبائل ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم إلا أن يؤوه ويمنعوه، ويقول: "لا أكره أحد منكم بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالات ربي"، فلا يقبله أحد بل يقولون: قوم الرجل أعلم به، وأخرج أحمد والبيهقي وصححه ابن حبان عن ربيعة بن عباد بكسر المهملة وخفة الموحدة، قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله تعالى.
وروى أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم، عن جابر: كان ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموسم، فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"، فأتاه رجل من همدان فأجابه ثم خشي أن لا يتبعه قومه فجاء إليه، فقال: آتي قومي فأخبرهم ثم أتيك من العام المقبل، فانطلق الرجل وجاء وفد الأنصار في رجب.
وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس: حدثني علي بن أبي طالب، قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر وكان نسابة، فقال: من القوم؟ قالوا:стр. 585
فبينما هو عند العقبة، لقي رهطا من الخزرج، أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: "من أنتم"؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال: "أفلا تجلسون أكلمكم"؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكان من صنع الله، أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا سيبعث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه. فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض:
الحواشي
(١) من ربيعة، قال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل، فذكر حديثا طويلا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرا عن الإجابة، قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخرزج وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضنا حتى بايعوا النبي ﷺ .
"فبينما هو عند العقبة" الأولى كما في ابن إسحاق، أي: عقبة الجمرة كما جزم به غير واحد، واستظهره البرهان تبعا للمحب الطبري إذ ليس ثم عقبة أظهر منها، ويجوز أن المراد بها المكان المرتفع عن يسار قاصد منى، ويعرف عند أهل مكة مسجد البيعة، وعليه فالمعنى في مكان قريب من العقبة، "لقي رهطا" رجالا دون عشرة "من الخزرج" لا ينافي قوله: أولا الأوس والخرزج؛ لجواز أنه لقيهم من جملة القبائل قبل لقي أولئك الرهط من الخزرج، "أراد الله بهم خيرا" هو الهداية للدين القويم، "فقال لهم: "من أنتم"؟ قالوا: نفر" بفتحتين "من الخزرج" زاد ابن إسحاق: قال: "أمن موالي يهود"؟ قالوا: نعم، يعني من حلفائهم؛ لأنهم كانوا تحالفوا على التناصر والتعاضد، "قال: "أفلا تجلسون أكلمكم" بالجزم جواب الطلب وجازمه شرط مقدر على الصحيح، ويجوز الرفع على الاستئناف، "قالوا: بلى" زاد في رواية: من أنت؟ فانتسب لهم وأخبرهم خبره، "فجلسوا معه" وفي رواية: وجدهم يحلقون رءوسهم فجلس إليهم، "فدعاهم إلى الله" وبين المراد منه بقوله: "وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن" أي: بعضه، "وكان من صنع الله أن اليهود كانوا معهم" مع الأوس والخزرج "في بلادهم كانوا أهل كتاب" وعلم وكانوا هم أصحاب شرك أصحاب أوثان وكانوا قد عزوهم ببلادهم؛ كما عند ابن إسحاق "وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء" من خصومة أو محاربة "قالوا" أي: اليهود "إن نبيا سيبعث" السين لتخليص الفعل عن وقت التكلم فلا تنافي بينه وبين قوله: "الآن" أي: الزمان الذي فيه الحروب والمخالفة بينهم وإن امتد وأطلق اسم الآن عليه للعرف في مثله، ولفظ المصنف هو ما في الفتح عن ابن إسحاق، ولفظ العيون عنه أن نبيا مبعوث الآن "قد أظل" قرب "زمانه نتبعه فنقتلكم معه" قتل عاد وإرم؛ كما في ابن إسحاق، أي: نستأصلكم، "فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت" الوصف الذي كانوا يسمعونه قبل من اليهود، "فقال بعضهم لبعض"стр. 586
لا تسبقنا اليهود إليه.
فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج وهم:
أبو أمامة، أسعد بن زرارة.
وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء.
ورافع بن مالك بن العجلان.
الحواشي
(١) بادروا لاتباعه "لاتسبقنا اليهود إليه" وفي رواية: فلما سمعوا قوله أيقنوا به واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه وعرفوا ما كانوا يسمعون من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به اليهود فلا يسبقونكم إليه، "فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام" وكانوا من أسباب الخير الذي سبب له ﷺ ، "فأسلم منهم ستة نفر" وقيل: ثمانية، ذكره غير واحد "وكلهم من الخزرج" أتى به مع علمه من قوله: لقي رهطا من الخزرج لما قد يتوهم أنه انضم إليهم وقت الإسلام بعض الأوس، أو لدفع توهم التغليب لما جرت به عادتهم من تغليب الخزرج على الأوس والخزرج معا، قال شيخنا البابلي: ولم يعكس ذلك فرارا من إشعار لفظ الأوس بالذم؛ لأنه معناه لغة الذئب ولزجر البقر والمعز بخلاف لفظ الخزرج، فإنما يشعر بالمدح لأنه الريح أو الريح الباردة.
"وهم أبو أمامة أسعد" بألف قبل السين الساكنة "ابن زرارة" بضم الزاي النجاري شهد العقبات الثلاث، وكان أول من صلى الجمعة على قول، وأول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأول ميت صلى عليه النبي ﷺ هذا قول الأنصار، أما المهاجرون، فقالوا: أول ميت صلى عليه عثمان بن مظعون، رواه الواقدي. قال في الإصابة: واتفق أهل المغازي والأخبار على أن أسعد مات في حياته ﷺ بالمدينة سنة إحدى من الهجرة في شوال.
"وعوف بن الحارث بن رفاعة" بكسر الراء وبالفاء النجاري استشهد ببدر، "وهو ابن عفراء" بنت عيد النجارية الصحابية وهي أم معاذ ومعوذ وإليها ينسبون، "ورافع بن مالك بن العجلان" ضد المتاني الزرقي بزاي فراء فقاف العقبي اختلف في شهوده بدرا، قال ابن إسحاق: هو أول من قدم المدينة بسورة يوسف.
وروى الزبير بن بكار عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن، وأن رافع بن مالك لما لقيه ﷺ بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت، فقدم به رافع المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه، قال: وتعجب ﷺ من اعتدال قبلته،стр. 587
وقطبة بن عامر بن حديدة
وعقبة بن عامر بن نابي.
وجابر بن عبد الله بن رئاب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام.
الحواشي
(١) استشهد بأحد، "وقطبة" بضم القاف وسكون المهملة "ابن عامر بن جديدة" بفتح الحاء وكسر الدال المهملتين، أبو الوليد السلمي، حضر العقبات الثلاث وبدرا والمشاهد، قال أبو حاتم: مات في خلافة عمر، وقال ابن حبان: في خلافة عثمان. "وعقبة" بضم العين وسكون القاف "ابن عامر بن نابي" بنون فألف فموحدة منقوص كالقاضي، قال ابن دريد: من نبا ينبو إذا ارتفع؛ كما في النور، وفي سبل الرشاد بنون فألف فموحدة فتحتية، السلمي حضر بدرا وسائر المشاهد واستشهد باليمامة، "وجابر بن عبد الله بن رياب" بكسر الراء فتحتية خفيفة فألف فموحدة ضبطه ابن ماكولا وغيره ابن النعمان بن سنان السلمي شهد بدرا وما بعدها، له حديث عند الكلبي عن أبي صالح عنه رفعه في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ، قال: يمحو من الرزق، قال ابن عبد البر: لا أعلم له غيره، ورده في الإصابة بأن البغوي وابن السكن وغيرهما رووا عنه: أنه ﷺ قال: "مر بي ميكائيل في نفر من الملائكة" الحديث، قال البغوي: لا أعرف له غيره، وهو مردود أيضا بالحديث قبله، وبأن البخاري في التاريخ روى عنه قصة أبي ياسر بن أخطب والأحاديث الثلاثة طرقها ضعيفة، انتهى ملخصا.
"وليس" جابر هذا "بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام" بفتح المهملة الأنصاري الصحابي بن الصحابي، وجابر بن عبد الله في الصحابة خمسة، الثالث جابر بن عبد الله العبدي من عبد القيس، الرابع: جابر ن عبد الله الراسبي نزل البصرة، روى ابن منده عنه رفعه: "من عفا عن قاتله دخل الجنة"، قال ابن منده: غريب إن كان محفوظا.
وقال أبو نعيم: قوله الراسبي وهم، إنما هو الأنصاري. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري استصغره النبي ﷺ يوم أحد فرده وليس بالذي يروى عنه الحديث، رواه ابن سعد عن زيد بن حارثة وذكره الطبري وكذا اليعمري في المغازي كما في الإصابة، فقصر البرهان في قوله: إنهم أربعة، فترك الخامس مع أن ممن ذكره اليعمري الذي حشاه هو ونبه على أنه غير راوي الحديث، لكن البرهان قال في غزوة أحد: هو إما الراسبي أو العبدي، انتهى.
وفيه نظر للتصريح بأنه أنصاري وأيضا فالعبدي من وفد عبد القيس وإنما وفدوا سنة تسع ولهم قدمة قبلها سنة خمس، وأُحد سنة ثلاث باتفاق. وقوله أيضا: لا أعلم رواية لغير جابر بن عبد الله بن عمرو تقصير، فقد علمت أن لابن رياب ثلاثة أحاديث وكذا العبدي، فقد روى أحمدстр. 588
ومن أهل العلم بالسير، من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، ويسقط جابر بن رئاب، فقال لهم النبي ﷺ : "تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي".
فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث أول عام أول، يوم من أيامنا، اقتتلنا به،
الحواشي
(١) والبغوي عنه، قال: كنت في وفد عبد القيس مع أبي فنهاهم ﷺ عن الشرب في الأوعية.. الحديث.
"ومن أهل العلم بالسير" كما قال أبو عمر "من يجعل فيهم عبادة بن الصامت" أبا الوليد البدري وحضر سائر المشاهد، مات بفلسطين ودفن ببيت المقدس عن الأشهر، وقيل: بالرملة سنة أربع وثلاثين، وحكى ابن سعد أنه بقي إلى خلافة معاوية وأمه قرة العين بنت عبادة أسلمت وبايعت. "ويسقط جابر بن رياب" نسبة لجده كما علم، ولكن الأول قول ابن إسحاق وتبعه جماعة وبه صدر في الفتح، ثم قال: وقال موسى بن عقبة عن الزهري وأبو الأسود عن عروة هم أسعد ورافع ومعاذ بن عفراء، ويزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة، ويقال كان فيهم عبادة بن الصامت وذكوان، انتهى.
واختلف في أول الأنصار إسلاما، فقال ابن الكلبي وغيره: أولهم رافع بن مالك، وقال ابن عبد البر: جابر بن عبد الله بن رياب، وقال مغلطاي: لما ذكر ابتداء إسلام الأنصار فأسلم منهم أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، فلما كان من العام المقبل في رجب أسلم منهم ستة، وقيل: ثمانية فذكرهم، انتهى. ويمكن الجمع بأن أسعد ما أظهره إلا مع الخمسة أو السبعة المذكورين معه وإن رافعا وابن رياب أول من أظهره من الستة.
"فقال لهم النبي ﷺ : "تمنعون ظهري حتى أبلغ رسالة ربي"، فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث" بضم الموحدة، وحكى القزاز فتحها وتخفيف المهملة فألف فمثلثة، وذكر الأزهري أن الليث صحفه عن الخليل بغين معجمة، وذكر عياض أن الأصيلي رواه بالمهملة والمعجمة، وأن رواية أبي ذر بالمعجمة فقط، ويقال: إن أبا عبيدة ذكره بالمعجمة أيضا وهو مكان، ويقال: حصن، يقال: مزرعة عند بني قريظة على ميلين من المدينة كانت به وقعة بين الأوس والخزرج قتل فيها كثير منهم وكان رئيس الأوس حضير والد أسيد الصحابي، ويقال له رئيس الكتاب، ورئيس الخزرج عمرو بن النعمان البياضي وقتلا يومئذ وكان النصر فيها أولا للخزرج، ثم ثبتهم حضير فرجعوا وانتصرت الأوس، ذكره الفتح، قال في المطالع: يجوز صرف بعاث وتركه. قال العيني: إذا كان اسم يوم صرف وإذا كان اسم بقعة منع للتأنيث والعلمية، انتهى. "أول عام أول" بالإضافة ومنعه ابن السكيت وأجازه غيره كالعام الأول، وهو "يوم من أيامنا اقتتلنا به" ذكر أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني أن سبب ذلك أنه كان من قاعدتهم أن الأصيلстр. 589
فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا، لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وندعوهم إلى ما دعوتنا، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل.
وانصرفوا إلى المدينة. ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) لا يقتل بالحليف، فقتل أوسي حليفا للخزرج فأرادوا أنه يقتدوه فامتنعت فوقعت الحرب بينهم لأجل ذلك فقتل فيها من أكابر من كان لا يؤمن، أي: لا يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وإلى ذلك أشارت عائشة ﵂؛ بقولها في الصحيح: كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله ﷺ ، فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم وقتلت سرواتهم وجرحوا، قال الحافظ: وقد كان بقي منهم من هذا النحو عبد الله بن أُبي ابن سلول وكانت هذه الوقعة قبل الهجرة بخمس سنين على الأصح، وقيل: بأربعين سنة، وقيل بأكثر.
"فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا" وقد فعل كما أشار إليه ﷺ يوم خطبهم، بقوله: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي"، "وندعوهم" أي: عشائرنا، "إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد" بالنصب اسم لا النافية للجنس، "أعز منك" بالرفع خبرها وهو أظهر من رفع أحد ونصب أعز على أنها نافية للوحدة لإفادة النافية للجنس التنصيص على العموم.
"وموعدك الموسم العام المقبل وانصرفوا إلى المدينة، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ " لتحدثهم بما علموا منه فظهر وانتشر، "فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا، وفي الإكليل" اسم كتاب للحكام بكسر الهمزة وسكون الكاف وهو في الأصل؛ كما في الفتح العصابة التي تحيط بالرأس وأكثر استعماله إذا كانت العصابة مكللة بالجوهر، وهي من سمات ملوك الفرس، وقيل: أصله ما أحاط بالظفر من اللحم ثم أطلق على كل ما أحاط بشيء ما.стр. 590
فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا -وفي الإكليل: أحد عشر- وهي العقبة الثانية، فأسلموا فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم: أبو أمامة. وعوف بن عفراء، ورفع بن مالك وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، ولم يكن جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها. والسبعة تتمة الاثني عشر هم:
معاذ بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور.
وذكوان بن عبد قيس الزرقي، وقيل إنه رحل إلى رسول الله ﷺ إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري قتل يوم أحد.
الحواشي
(١) "أحد عشر وهي العقبة الثانية" وعدها أولى ابن إسحاق وغيره باعتبار المبايعة أو بالنسبة للثالثة؛ كما في نحو: ادخلوا الأول فالأول فسمى غير الأول أولا بالنسبة لمن بعده، "فأسلموا فيهم خمسة من الستة المذكورين" في الأولى "وهم أبو أمامة" أسعد بن زرارة "وعوف بن عفراء ورافع بن مالك وقطبة بن عامر بن حديدة وعقبة بن عامر بن نابي ولم يكن منهم جابر بن عبد الله بن رياب لم يحضرها" صفة لازمة لمجرد التأكيد "والسبعة تتمة الاثني عشر وهم معاذ بن الحارث بن رفاعة" كما في العيون وأقره البرهان وبه جزم في الإصابة، وأبدل الشامي معاذا بأخيه معوذ وضبطه بصيغة اسم الفاعل ولكن لم يذكر ذلك في الإصابة في ترجمة معوذ، "وهو" أي: معاذ المشهور بأنه "ابن عفراء" أمه "أخو عوف المذكور" وأخو معوذ أيضا الثلاثة أشقاء وأخوتهم لأمهم إياس وعاقل وخالد وعامر بنو البكير الليثي وشهد السبعة بدرا وهل جرح معاذ بأحد فمات بالمدينة من جراحته أو شهد جميع المشاهد، ومات في خلافة عثمان وفي خلافة علي أقوال حكاها أبو عمر. قال ابن الأثير: وزعم ابن الكلبي أنه استشهد ببدر لم يوافق عليه، "وذكوان" بفتح المعجمة وإسكان الكاف، "ابن عبد قيس" البدري "الزرقي" بتقديم الزاي المضمومة على الراء وكذا كل ما في نسب الأنصار، قاله ابن ماكولا وغيره نسبه إلى جده زريق الخزرجي يكنى أبا اليسع.
"وقيل: إنه رحل إلى رسول الله ﷺ إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجري أنصاري" وبه جزم أبو عمر وتبعه الذهبي وروى الواقدي عن حبيب بن عبد الرحمن، قال: خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس إلى عتبة بن ربيعة بمكة فسمعا برسول الله ﷺ فأتياه فأسلما ولم يقربا عتبة وكانا أول من قدم المدينة بالإسلام، "قتل يوم أحد" قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق فشد علي ﵁ على أبي الحكم فقتله، وقال ﷺ : "من أحب أن ينظر إلى رجل يطأ بقدمه غدًا خضرة الجنة، فلينظر إلى هذا"، رواه ابن المبارك.стр. 591
وعبادة بن الصامت بن قيس.
وأبو عبد الرحمن، يزيد بن ثعلبة البلوي.
والعباس بن عبادة بن نضلة.
وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان:
أبو الهيثم بن التيهان، من بني عبد الأشهل.
الحواشي
(١) "وعبادة" بمهملة مضمومة فموحدة "ابن الصامت بن قيس" بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن الخزرج، "وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة" بن خزمة بفتح المعجمتين ضبطه الدارقطني كالطبري، وقال ابن إسحاق والكلبي بسكون الزاي ابن أصرم بن عمرو بن عمارة بفتح العين وشد الميم ابن مالك بن فران بفتح الفاء وتخفيف الراء وتشديدها، ويقال فيه أيضا فاران بن بلى، "البلوي" بفتحتين نسبة إلى جده: بلى هذا حليف الخزرج، ذكر ابن إسحاق أنه شهد العقبة الثانية، وقال الطبري شهد العقبتين، "والعباس بن عبادة بن نضلة" بنون مفتوحة وضاد معجمة ابن مالك بن العجلان، روى ابن إسحاق أنه قال: إنكم تأخذون محمدا على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذ أنهكتكم الحرب أسلمتموه، فمن الآن فاتركوه وإن صبرتم على ذلك فخذوه، قال عاصم بن عمر: والله ما قال ذلك إلا ليشد العقد، وقال عبد الله بن أبي بكر لحضور ابن سلول: وأقام العباس بمكة حتى هاجر معه ﷺ فكان أنصاريا مهاجريا واستشهد بأحد، "وهؤلاء من الخزرج ومن الأوس رجلان أبو الهيثم" مالك، ويقال: عبد الله "ابن التيهان" بفتح الفوقية فتحتية مخففة عند أهل الحجاز مشددة عند غيرهم، قال السهيلي: واسمه أيضا مالك، لكن في الإصابة: يقال التيهان لقب واسمه مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاري الأوسي، وزعوراء وأخو عبد الأشهل شهد العقبة وبدرا والمشاهد كلها وشهد صفين مع علي في قول الأكثر، ويقال: قتل بها سنة سبع وثلاثين، ويقال: مات سنة عشرين، ويقال: سنة إحدى وعشرين، قال أبو أحمد الحاكم: ولعلها أصوب، وقد قال الواقدي: لم أر من يعرف أنه قتل بصفين ولا يثبته، وقيل: مات في حياة النبي ﷺ ، قال أبو عمر: هذا لم يتابع عليه قائله، انتهى ملخصا. "من بني عبد الأشهل" على حذف مضاف، أي: بني أخي عبد الأشهل، وفي الاستيعاب: حليف بني عبد الأشهل، ونسبه أوسيا، قال السهيلي: وأنشد فيه ابن رواحة:
فلم أر كالإسلام عزا لأهله ... ولا مثل أضياف الأراشي معشرا
فجعله أراشيا نسبة إلى أرأشه في خزاعة، وإلى أراش بن لحيان بن الغوث، وقيل: إنه بلوي من بني أرأشة بن فاران بن بلى والهيثم لغة العقاب وضرب من العشب، وبه أو بالأول سميстр. 592
وعويم بن ساعدة.
فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، أي وفق بيعتهم التي أنزلت عند فتح مكة وهي: أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، والسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط.............
الحواشي
(١) الرجل، انتهى.
"وعويم" بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية فميم ليس بعدها راء، "ابن ساعدة" ابن عائش بتحتية وشين معجمة بن قيس بن النعمان شهد العقبتين وبدرا وباقي المشاهد، ومات في خلافة عمر عن خمس أو ست وستين سنة، ووقف عمر على قبره، وقال: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر، ما نصبت لرسول الله ﷺ راية إلا وعويم تحت ظلها، أخرجه البخاري في التاريخ، وبه جزم غير واحد وهو أصح من قول الواقدي: مات عويم في حياته ﷺ ؛ كما في الإصابة.
"فأسلموا وبايعوا" كما رواه ابن إسحاق عن عبادة، قال: كنت فيمن حضر العقبة وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ "على بيعة النساء، أي: على وفق بيعتهم" أي: المذكورين من إضافة المصدر لمفعوله، أي: إن بيعة النساء "التي أنزلت عند فتح مكة" وفق بيعة هؤلاء النفر، وجعل بيعة النساء موافقة لتأخيرها عن هذه "وهي أن لا نشرك بالله شيئا" عام؛ لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي وقدم على ما بعده؛ لأنه الأصل "ولا نسرق" بحذف المفعول ليدل على العموم كان فيه قطع أم لا، "ولا نزني ولا نقتل أولادنا" خصهم بالذكر؛ لأنهم كانوا غالبا يقتلونهم خشية الإملاق ولأنه قتل وقطيعة رحم فصرف العناية إليه أكثر، "ولا نأتي ببهتان" قال المصنف وغيره، أي: يكذب يبهت سامعه، أي: يدهشه لفظاعته، كالرمي بالزنا والفضيحة والعار "نفتريه" نختلقه "بين أيدينا وأرجلنا" أي: من قبل أنفسنا فكنى باليد والرجل عن الذات؛ لأن معظم الأفعال بهما أو إن البهتان ناشئ عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم يبرزه بلسانه، أو المعنى لا نبهت الناس بالمعايب كفاحا مواجهة، انتهى.
"ولا نعصيه" ﷺ "في معروف" قيد به، تطيبيا لقلوبهم إذ لا يأمر إلا به، أو تنبيها على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، "و" نعطيه "السمع والطاعة" فهما بالنصب بفعل محذوف أو بالجر عطف على بيعة النساء أو على معروف، قال الباجي: السمع هنا يرجع إلى معنى الطاعة، "في العسر واليسر" أي: عسر المال ويسره "والمنشط" بفتح الميم والمعجمةстр. 593
والمكره، وأثره علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم. ثم قال ﵊: فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن غشي من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولم يفرض يومئذ القتال.
الحواشي
(١) بينهما نون ساكنة، أي: ما تنشط له النفوس مما يسرها "والمكره" ما تكرهه النفوس مما يشق عليها، والمراد أنهم يطيعونه ﷺ في كل أمره ونهيه سهل أو شق، "وأثرة" بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما وبكسر الهمزة وسكون المثلثة، كما ذكره المصنف في حديث: "ستلقون بعدي أثرة"، وهو بالجر والنصب أيضا، أي: وعلى أثرة أو نعطيه أثره "علينا" بأن نرضى بفعله استبد لنفسه أو لغيره لكن لم يقع استئثاره لنفسه أو لغيره، لكن لم يقع استئثار لنفسه الشريفة في الأمور الدنيوية عليهم ولا على غيرهم إلا في نحو الزوجات ولسن بدنيوية محضة، "وأن لا ننازع الأمر" الملك والإمارة "أهله" فلا نتعرض لولاة الأمور حيث كانوا على الحق، قال الباجي في شرح الموطأ: يحتمل أنه شرط على الأنصار ومن لبس من قريش أن لا ينازعوا قريشا ويحتمل عمومه في جميع الناس أن لا ينازعوا من ولاه الله الأمر منهم، وإن كان فيهم من يصلح له إذا صار لغيره، قال السيوطي: والصحيح الثاني، ويؤيده أن في مسند أحمد زيادة وإن رأيت أن لك في الأمر حقا ولابن حبان وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وزاد البخاري إلا أن تروا كفر بواحا، أي: ظاهرا باديا، انتهى.
"وأن نقول" ضمنه معنى نعترف فعداه بالباء، "بالحق" أي: "نعترف به" حيث كنا لا نخاف في الله لومة لائم" بل نتصلب في ديننا واللومة المرة من اللوم، وفيها: وفي تنكير لائم مبالغتان "ثم قال ﵊" بعد هذه المبايعة "فإن وفيتم فلكم الجنة" فضلا من الله "ومن غشى" بغين وشين معجمتين، أي: فعل، "من ذلك شيئا كان أمره مفوضا إلى الله إن شاء عذبه" بعدله، "وإن شاء عفا عنه" بفضله، "ولم يفرض يومئذ القتال" فلم يبايعهم عليه.
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما بألفاظ متقاربة لكن لم يقع في رواية الشيخين التصريح بأن المبايعة هذه ليلة العقبة، نعم إخراج البخاري الحديث في وفود الأنصار ظاهر في وقوعها ليلتئذ، وبه جزم عياض وغيره، لكن رجح الحافظ أن المبايعة ليلة العقبة، إنما كانت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، وأما على الصفة المذكورة فإنما هي بعد فتح مكة وبعد نزول آية الممتحنة بدليل ما في البخاري في حديث عبادة هذا أنه ﷺ لما بايعهم قرأ الآية كلها، ولمسلم فتلا علينا آية النساء، وله أيضا أخذ علينا كما أخذ على النساء، وعند النسائي "ألا تبايعوني على ما أبايع عليه النساء".
وفي حديث أبي هريرة: ما أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا وإسلام أبي هريرة متأخر عنстр. 594
ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام.
وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم.
وكتبت الأوس والخزرج إلى النبي ﷺ : ابعث إلينا من يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير.
وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أن
الحواشي
(١) ليلة العقبة عند ابن أبي خيثمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال ﷺ : "أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا"، فذكر نحو حديث عبادة ورجاله ثقات، فإذا كان عبد الله بن عمرو ممن حضر البيعة وليس أنصاريا ولا ممن حضر بيعتهم، وإنما أسلم قرب إسلام أبي هريرة وضح تغاير البيعتين، وإنما حصل الالتباس من جهة أن عبادة حضر البيعتين معا، وكانت بيعة العقبة من أجل ما يتمدح به فكان يذكرها إذا حدث تنويها بسابقيته؛ فلما ذكر هذه البيعة التي صدرت على مثل بيعة النساء، توهم من لم يقف على حقيقة الحال أن بيعة العقبة وقعت على ذلك، وإنما وقعت على الإيواء والنصر وما يتعلق بذلك، انتهى ملخصا.
وقال المصنف: الراجح أن التصريح بذلك، أي: بأن بيعة العبة وقعت على وفق بيعة النساء، وهم من بعض الرواة؛ والذي دل عليه الأحاديث أن البيعة ثلاثة العقبة، وكانت قبل فرض الحرب، والثانية بعد الحرب على عدم الفرار، والثالثة على نظير بيعة النساء، انتهى.
"ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم" وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: كان أبي إذا مسع الأذان للجمعة استغفر لأسعد بن زرارة، فسألته فقال: كان أول من جمع بنا بالمدينة.
"وكتب الأوس والخزرج إلى النبي ﷺ ابعث إلينا من يقرئنا القرآن فبعث إليهم مصعب بن عمير" وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين وكان يسمى بالمدينة المقرئ والقارئ ونزل على أسد بن زرارة، وذلك أن الأوس والخزر كره بعضهم أن يؤمهم بعض، هكذا ذكرها ابن إسحاق في رواية وذكر في رواية أخرى أنه ﷺ بعث مع الاثني عشر رجلا مصعب بن عمير العبدري، وهو الذي ذكره ابن عقبة. قال البيهقي وسياق ابن إسحاق أتم، انتهى. وجمع بجواز أنه أرسله معهم ابتداء واتفق أنهم كانوا كتبوا له قبل علمهم بإرساله وفيه بعد.
"وروى الدارقطني عن ابن عباس أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أنстр. 595
يجمع بهم.. الحديث، وكانوا أربعين رجلا.
فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم في جماعتهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير،.........
الحواشي
(١) يجمع بهم ... الحديث" ولفظه عن ابن عباس: أذن رسول الله ﷺ بالجمعة قبل أن يهاجر ولم يستطع أن يجمع بمكة ولا يبدي ذلك لهم فكتب إلى مصعب بن عمير:
أما بعد، فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا زال النهار عن شطره فتقربوا إلى الله بركعتين. قال: فهو أول من جمع حتى قدم رسول الله ﷺ فجمع عند الزوال وأظهر ذلك، ولا تنافي بين هذا وبين قوله قبل كان أسعد يجمع بهم، الموافق لقول كعب بن مالك: أول من جمع بهم أسعد؛ لأن جمع مصعب بمعاونته لأنه لما نزل عليه وكان يقوم بأمره وسعى في التجميع نسب إليه لكونه سببا في الجمع.
"وكانوا أربعين رجلا" كما رواه أبو داود: وصريح هذا أنهم إنما جمعوا بأمره ﷺ ؛ وروى عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ابن سيرين، قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله المدينة وقبل أن ينزل بهم الجمعة، فقال الأنصار: إن اليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد من زرارة فصلى بهم يومئذ وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، قال الحافظ: فهذا يدل على أنهم اختاروه بالاجتهاد، وقال السهيلي: تجميع الصحابة الجمعة وتسميتهم إياها بهذا الاسم هداية من الله لهم قبل أن يؤمروا بها، ثم نزل سورة الجمعة بعد ن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة فاستقر فرها واستمر حكمها، ولذا قال ﷺ : "أضلته اليهود والنهارى وهداكم الله له"، قال الحافظ: ولا يبعد أنه ﷺ علم بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها.
وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة؛ كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوقيف، انتهى. يعني أنهم لما اجتهدوا فيه، وأجمعوا على فعله يوم الجمعة قدم عليهم الكتاب النبوي إلى مصعب بالجمع بهم فوافق اجتهادهم النص، فلذا قال: هداكم الله له، "فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصاري الأوسي سيدهم وافق حكمه حكم الله واهتز عرش الرحمن لموته، "وأسيد" بضم الهمزة وفتح السين "ابن حضير" بضم المهملة وفتحстр. 596
وأسلم بإسلامهم جميع بني عبد الأشهل في يوم واحد، الرجال والنساء، ولم يبق منهم أحد إلا أسلم، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله ﷺ أنه من أهل الجنة. ولم يكن في بني عبد الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين ﵃.
ثم قدم على النبي ﷺ في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة، أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا وقال ابن سعد: يزيدون.............
الحواشي
(١) المعجمة ابن سماك بن عنيك الأنصاري الأوسي الأشهلي المتوفى في خلافة عمر سنة عشرين على الأصح وصلى عليه عمر، أسلما في يوم واحد أسيد أولا ثم سعد والقصة مبسوطة في السير.
"وأسلم بإسلامهما جميع بني عبد الأشهل" بفتح الهمزة والهاء بينهما معجمة ساكنة آخره لام ابن جشم بن الحارث بن الخزرج الأصغر بن عمرو بن مالك بن الأوس، قال ابن دريد: زعموا أن الأشهل صنم "في يوم واحد الرجال والنساء ولم يبق منهم أحد إلا أسلم" وذلك أن سعدا لما ذهب لمصعب وأسلم أقبل إلى نادي قومه ومعه أسيد، فقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال في الرواية: فوالله ما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
"حاشي الأصيرم" بصاد مهملة تصغير أصرم وبه يلقب أيضا وقدمه بعض على المصغر، "وهو عمرو" بفتح العين "ابن ثابت" بمثلثة "ابن وقش" بفتح الواو وسكون القاف وتفتح وشين معجمة، ويقال: أقيش، وقد ينسب إلى جده فيقال عمرو بن أقيش، "فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد" بأحد "ولم يسجد لله سجدة وأخبر رسول الله ﷺ أنه من أهل الجنة" رواه ابن إسحاق بإسناد حسن مطولا عن أبي هريرة، أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة قط فإذا لم يعرفه الناس، قال: هو أصيرم بني عبد الأشهل ... فذكر الحديث.
"ولم يكن في" بني "عبد الأشهل منافق ولامنافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين ﵃" وهذه منقبة عظيمة "ثم قدم على النبي ﷺ في العقبة الثالثة في العام المقبل في ذي الحجة أوسط أيام التشريق منهم" أي: الأنصار، "سبعون رجلا" كما ورد من حديث جابر وأبي مسعود الأنصاري وقطع به الحافظ في سيرته، وقدمه مغلطاي "وقال ابن سعد: يزيدونстр. 597
رجلا أو رجلين -وامرأتان.
وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون وامرأتان.
وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا.
فكان أول من ضرب على يده ﵇ البراء بن معرور. ويقال أسعد بن زرارة،.........
الحواشي
(١) رجلا أو رجلين وامرأتان" عطف على سبعون "وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان" وعينهما ابن إسحاق، فقال: نسيبة، أي: بفتح النون وكسر المهملة بنت كعب بن عمرو بن عوف المازني البخاري شهدت هذه العقبة مع زوجها زيد بن عاصم وولديها حبيب وعبد الله، والثانية، أسماء بنت عمرو بن عدي بن ناني، وقد صدر في الاستيعاب، يقول ابن إسحاق.
قال اليعمري: هذا العدد هو المعروف وإن زاد في التفصيل على ذلك فليس بزيادة في الجملة، وإنما هو بمحل الخلاف فيمن شهد، فبعض الرواة يثبته وبعضهم يثبت غيره بدله وقد وقع ذلك في أهل بدر وشهداء أحد وغير ذلك، انتهى. وبينهم هو وغيره بما يطول ذكره.
"وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا" هو عين ما قبله إن لم يثبت أنه كان فيهم أكثر من امرأتين، "فكان" كما روى الحاكم من طريق ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس "أول من ضرب على يده ﵇" في البيعة ليلة العقبة "البراء" بفتح الباء الراء ممدود مخففا "ابن معرور" بميم مفتوحة فمهملة ساكنة فراء مضمومة فواو فراء ثانية.
قال السهيلي: معناه مقصود بن صخر الخزرجي السلمي، ابن عمة سعد بن معاذ، كان سيد قومه وأفضلهم، قدم في هذه العقبة مسلما وصلى في سفره ذلك إلى الكعبة مع نسخها باجتهاد منه، وخالفه غيره، فلما سأله ﷺ ، قال له: "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها"، ولم يأمر بالإعادة.
قال السهيلي: لأنه كان مأولا ثم أمره أن يستقبل المقدس فأطاع، فلما حضر موته أمر أهله أن يوجهوه قبل الكعبة، ومات في صفر قبل قدومه ﷺ بشهر، قاله ابن إسحاق وغيره، وأوصى بثلث ماله إلى النبي ﷺ فقبله ثم رده على ولده وهو أول من أوصى بثلثه، "ويقال" كما نله ابن إسحاق عن بني عبد الأشهل "أسعد بن زرارة" ورواه العدني عن جابر، وزاد: وهو أصغر السبعين إلا أنا، وأخرج ابن سعد عن سليمان بن نجيم، قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله ﷺ ليلة العقبة أول الناس، فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب فسألوه، فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أول من ضرب على يده ﷺ تلك الليلةстр. 598
على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود.
وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] وفي الإكليل ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية. ونقب عليهم اثني عشر نقيبا.
وفي حديث جابر عند أحمد بإسناد صحيح، وصححه الحاكم وابن حبان: مكث ﷺ عشر سنين يتتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: "من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة"؟ حتى يعثنا الله له من...........
الحواشي
(١) أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثم أسيد بن الحضير.
"على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وعلى حرب الأحمر والأسود" قال في النور: يعني العرب والعجم، والظاهر أنه يجيء فيه ما جاء في بعثه ﷺ إلى الأسود والأحمر العجم والعرب أو الجن والإنس؛ لأنه مبعوث للكل بخلاف الحرب "وكانت أول آية نزلت في الإذن بالقتال": ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] الآية"، كما قاله الزهري عن عروة عن عائشة أخرجه النسائي، "وفي الإكليل" أول آية نزلت في الإذن به، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، وهذه فائدة استطرادية هنا، المناسبة المبايعة على الحرب، "ونقب عليهم اثني عشر نقيبا" قال السهيلي: اقتداء بقوله تعالى في قوم موسى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] .
قال ابن إسحاق: تسعة من الخزرج: أسعد بن زرارة، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع بن مالك، وأبو جابر عبد الله بن عمرو، والبراء بن معرور، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعيد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، قال ابن هشام: وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة، وروى البيهقي عن الإمام مالك حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير له إلى من يجعله نقيبا، وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن رسول الله ﷺ ، قال للنقباء: "أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم"، قالوا: نعم.
"وفي حديث جابر" بن عبد الله "عند أحمد بإسناد صحيح وصححه الحاكم وابن حبان: مكث ﷺ " بمكة "عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بمنى وغيرها، يقول: "من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة"، أن أسلم "حتى بعثنا" معشر الأنصار "الله له منстр. 599
يثرب، فذكر الحديث. وفيه: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة". الحديث.
وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله ﷺ ، ومؤكدا على أهل يثرب، وكان يومئذ على دين قومه.
الحواشي
(١) يثرب" المدينة المنورة "فذكر الحديث" وهو فصدقناه فرحل إليه منا سبعون رجلا فواعدناه شعب العقبة، فقلنا: علام نبايعك، فقال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
"وفيه" عقب هذا: "وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة".. الحديث، ولأحمد من وجه آخر عن جابر، قال: كان العباس آخذ بيد رسول الله، فلما فرغنا، قال ﷺ : "أخذت وأعطيت"، وللبزار عن جابر، قال: قال ﷺ للنقباء من الأنصار: "تؤوني وتمنعوني"، قالوا: نعم، فما لنا؟ قال: "الجنة".
وروى البيهقي بإسناد قوي عن الشعبي ووصله الطبري من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: انطلق ﷺ معه العباس عمه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة، فقال له أبو أمامة، يعني أسعد بن زرارة، سل يا محمد لربك ولنفسك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب قال: "أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم"، قالوا: فما لنا؟ قال: "الجنة"، قالوا: ذلك لك، وأخرجه أحمد من الوجهين جميعا وعند ابن إسحاق، فقال أبو الهيثم: يا رسول الله! إن بيننا وبين الرجال، أي: اليهود، حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسم ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
"وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله ﷺ ومؤكدا على أهل يثرب وكان يؤمئذ على دين قومه" إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، فلما جلس كان أول متكلم، فقال: إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده، فقالوا: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لربك ولنفسك ما أحببت.. الحديث، ذكره ابن إسحاق، والله أعلم.стр. 600
باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة:
قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله ﷺ ليلة العقبة، وكانت سرا عن كفار قريش، أمر رسول الله ﷺ من كان معه بالهجرة....
الحواشي
(١) باب هجرة المصطفى وأصحابه إلى المدينة:
قال ﷺ : "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب"، رواه الشيخان. وروى البيهقي عن صهيب رفعه: "رأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرتين، فإما أن تكون هجر أو يثرب"، ولم يذكر اليمامة.
وأخرج الترمذي والحاكم عن جابر عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله أوحى إلي -أي هؤلاء الثلاثة- نزلت هي دار هجرتك المدينة أو الحرين أو قنسرين"، زاد الحكام: فاختار المدينة صححه الحاكم وأقره الذهبي في تلخيصه، لكنه قال في الميزان: ما في الصحيح من ذكر اليمامة؛ لأن قنسرين من الشام من جهة حلب واليمامة إلى جهة اليمن، إلا إن حمل على اختلاف المأخذ فالأول جرى على مقتضى الرؤية، والثاني خير بالوحي، فيحتمل أنه أُري أولا ثم خير ثانيا، فاختار المدينة.
وفي الصحيح مرفوعا: "أريت دار هجرتكم بين لابتين"، قال الزهري: وهما الحرتان. قال ابن التين: رأى ﷺ دار هجرته بصفة تجمع المدينة وغيرا ثم رأى الصفة المختصة بالمدينة فتعينت، انتهى.
"قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول لله ﷺ ليلة العقبة، وكانت سرا" عن كفار قومهم و"عن كفار قريش" هكذا عند ابن إسحاق أنها كانت سرا عن الفريقين فكأنه سقط من قلم المصنف أو لم يتعلق به غرضه، أي كفار الأنصار الذين قدموا معهم حجاجا، قال الحاكم: وكانوا خمسمائة، ثم ظهرت لهم بعد، ففي حديث عائشة وأبي أمامة ابن سهل: لما صدر السبعون من عنده ﷺ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة أهل حرب ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلنون من الخروج فضيقوا على أصحابه وأتعبوهم ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكوا للنبي ﷺ ، فقال: "قد أريت دار هجرتكم سبخة"، ثم مكث أياما ثم خروج مسرورا، فقال: "قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد منكم أن يخرج فليخرج إليها"، فجعلوا يتجهزون ويترافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، وهذا معنى قوله: "أمر رسول الله ﷺ من كان معه بالهجرة" بعد الأذى والشكوى، الرؤيا والإخبار بالوحي أنها يثرب، خلاف مقتضى جعله جواب لما من اتصاله بالبيعة، وأنهما في زمن واحد.следующие страницы →