Полный текст (5 943 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق في السيرة، وموسى بن عقبة في المغازي، وأبو معشر في السيرة.
كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وهذا متعقب بما سيأتي:
وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام والحافظ أبو الفضل العسقلاني فال: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة والنجم،...............
الحواشي
(١) المقتول ظلما، "وكذا" خرجها الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى "ابن مردوديه" بفتح الميم وتكسر، كما مر.
"والبزار" الحافظ العلامة الشهير أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل مات بالرملة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، "وابن إسحاق" محمد "في السيرة وموسى بن عقبة" بالقاف ابن أبي عياش القرشي مولاهم المدني التابعي الصغير الثقة الثبت الحافظ الفقيه، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة "في المغازي" له التي كان تلميذه ملك إذا سئل عنها، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتاب موسى مع صغره وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره، رواه الخطيب.
"وأبو معشر" بفتح الميم وإسكان المهملة وفتح المعجمة نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي، قال أحمد: صدوق لا يقيم الإسناد، وابن معين ليس بالقوي، وابن عدي يكتب حديثه مع ضعفه، مات سنة سبعين ومائة. "في السيرة" وقد قال مغلطاي: أبو معشر من المعتمدين في السير "كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال" ابن كثير "إن طرقها كلها مرسلة وإنه لم يرها مسندة" أي: موصولة، "من وجه صحيح وهذا متعقب بما سيأتي" قريبا من إخراج جماعة لها عن ابن عباس، وجوابه: أنه قيد عدم رؤيته بالصحة والآتي لم يبلغها فلا يتعقب به، "وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ السلام والحافظ أو الفضل" أحمد بن علي بن حجر "العسقلاني، فقال: أخرج ابن أبي حاتم" الحافظ الكبير ابن الحافظ الشهير. "والطبري" محمد بن جرير "وابن المنذر" بضم الميم وإسكان النون وكسر المعجمة ثم راء، "من طرق عن شعبة" ابن الحجاج بن الورد وليس الثقفي الظالم، "عن أبي بشر" جعفر بن إياس "عن سعيد بن جبير" تقدم الستة قريبا "قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة والنجم" في رمضان سنة خمس من المبعث، وكان خروج أهل الحبشة إليها في رجب وقدومهم في شوال، قاله الواقدي.стр. 527
فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآية.
وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروي متصلا إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.
قال: إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبي متروك لا يعتمد عليه.
الحواشي
(١) قال في النور: فهذا تباين لكن يحتمل أنه تحدث بذلك قبل وقوعه وفيه ما فيه، انتهى. وقد يقال: لا تباين؛ لأن الحبشة باليمن كما مر، فيمكن وصول الخبر في تلك المدة ولا سيما البحر قد يقطع فيه مسافات كثيرة في أيام قليلة، "فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ، ألقى الشيطان على لسانه، تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد" لما ختم السورة "وسجدوا" معه وكبر ذلك على النبي ﷺ "فنزلت هذه الآية" تسلية له ﴿وَمَا أَرْسلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ، أي: في قراءته بين كلمات القرآن "الآية" أتلها "وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد" ابن الأسود العنسي، أبي عبد الله البصري، مات سنة مائتين أو وإحدى "عن شعبة، فقال: في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب" أي: أظن، "ثم ساق الحديث" المذكور.
"وقال البزار" عقب تخريجه "لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور" أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مع كون سعيد لم يجزم بوصله إنما ظنه كما علم، "وقال" البزار أيضا "إنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح" باذان بنون أو باذام بميم وذاله معجمة عن مولاته أم هانئ وعلي وعنه السدي وغيره، أخرج له أصحاب السنن، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وفي التقريب: إنه مقبول "عن ابن عباس، انتهى".
"والكلبي" وهو محمد بن السائب "متروك لا يعتمد عليه"، بل قال ابن الجوزي إنه من كبار الوضاعين، وشيخه أبو صالح فيه مقال، وقال ابن حبان يروي الكلبي عن أبي صالح عن ابنстр. 528
وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي.
وذكرها ابن إسحاق في السيرة مطولا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب الزهري.
وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وأورده من طريقه الطبري.
وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي.
ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب............
الحواشي
(١) عباس، التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت الأرض أفلاذ كبدها لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به، "وكذا أخرجه النحاس" الحافظ الإمام الصدوق أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى المصري نزيل نيسابور ذو الرحلة الواسعة والمعرفة الجيدة، روى عنه الحاكم، وقال: حافظ يتحرى الصدق في مذاكراته مات سنة ست وسبعين وثلاثمائة عن خمس وثمانين سنة "بسند آخر فيه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني الذي استقر الإجماع على وهنه؛ كما في الميزان.
"وذكرها ابن إسحاق في السيرة" ذكرا "مطولا وأسندها عن محمد بن كعب" القرظي "وكذلك" ذكرها "موسى بن عقبة في المغازي عن" شيخه "ابن شهاب" محمد بن مسلم "الزهري" "وكذا أبو معشر بالسيرة له عن محمد بن كعب القرظي" بضم القاف وفتح الراء وظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة، نزل الكوفة مدة ثقة عالم ولد سنة أربعين، ووهم من قال في عهد النبي ﷺ ، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت في سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل قبل ذلك.
"ومحمد بن قيس" شيخ أبي معشر ضعيف، ووهم من خلطه بمحمد بن قيس المدني القاص الثقة؛ كما في التقريب. "وأورده من طريقه" أي: أبي معشر، "الطبري" محمد بن جرير "وأورده ابن أبي حاتم من طريق أسباط" بن نصر الهمداني بسكون الميم، قال في التقريب: صدوق كثير الخطأ يغرب "عن السدي" بضم السين وشد الدال المهملتين إسماعيل بن عبد الرحمن "ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب" قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: متروك، وابن المديني ذهب حديثه، وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير حتى يشهد المبتدئ في الصناعة أنها موضوعة، وقال زكريا الساجي: كانت كتبه ملأى من الكذب، وقالстр. 529
عن يحيى بن كثير، عن الكلبي عن أبي صالح، وعن أبي بكر الهذلي، وأيوب عن عكرمة وعن سليمان التيمي عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس.
وأوردها الطبري أيضا من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد.
وكلها سوى طريق................
الحواشي
(١) أبو داود: هو صدوق فيما قد روى، وقال أحمد: ما كان بصاحب كذب، وجمع الحافظ في الأمالي بأنه كان لا يتعمد الكذب بل يقع ذلك في روايته من غلطه وغفلته، ولذا تركوه.
"عن يحيى بن كثير" أبي النضر ضعيف "عن الكلبي عن أبي صالح" البصري اشتهر بكنيته ومراسمه "وعن أبي بكر الهذلي" قيل: اسمه سلمى بضم السين المهملة ابن عبد الله، وقيل: روح الأخباري متروك الحديث؛ كما في التقريب مات سنة سبع وستين ومائة، روى له ابن ماجه.
"وأيوب" بن كيسان البصري التابعي الصغير، قال فيه شعبة: أيوب سيد الفقهاء ما رأيت مثله، وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة عدلا جامعا، ولد سنة أربع وستين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة بالبصرة، ويقال له السختياني: بفتح المهملة على الصحيح وحكى ضمها وكسرها وفتح الفوقية؛ كما في اللباب، وكرها كما في المطالع نسبه إلى بيع السختيان، هو الجلد أو إلى عمله.
"عن عكرمة" بن عبد الله البربري ثم المدني مولى ابن عباس أحد الأعلام الكبار، كان بحرا من البحار ونسبته للكذب على سيده أو البدعة أو سوء العقيدة لا تثبت، كما بسطه الحافظ في مقدمة الفتح مات سنة ست أو سبع ومائة.
"و" رواه ابن مردويه أيضا عن "سليمان" بن بلال "التيمي" مولاهم المدني أحد علماء البصرة، قال ابن سعد: كان بربريا جميلا حسن الهيئة عاقلا ثقة كثير الحديث، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. "عمن حدثه ثلاثتهم" يعني أبا صالح وعكرمة والذي حدث سليمان "عن ابن عباس وأوردها الطبربي من طريق العوفي" بسكون الواو وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة بجيم مضمومة فنون خفيفة، الجدلي بفتح الجيم والمهملة الكوفي أبي الحسن: صدوق شيعي مدلس يخطئ كثيرا؛ إلا أن الترمذي يحسن حديثه خصوصا مع الشاهد وهذا له شواهد كما ترى، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أخرج له أبو داود والنسائي والترمذي وتجويز أن المراد سليمان بن يحيى قاضي مرو؛ لأنه يروي عن ابن عباس وابن عمر مردود، فقد جزم في الأنساب من التقريب بأن العوفي عطية بن سعد.
"عن ابن عباس ومعناهم كلهم في ذلك واحد، وكلها" أي: كل طريق منها "سوى طريقстр. 530
سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا.
مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح.
أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، فذكر نحوه.
والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية.
الحواشي
(١) سعيد بن جبير، إما ضعيف، وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا" وإن كان فيها ذلك "مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح أحدهما" أي: الطريقين، والطرق يذكر ويؤنث "ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد" بتحتية وزاي، الأيلي الحافظ روى عن الزهري ونافع وغيرهما، وعنه الليث وابن وهب والأوزاعي وخلق، مات بمصر سنة سبع وخمسين ومائة على الصحيح، روى له الجميع ووثقه الجمهور مطلقا حتى بالغ أحمد بن صالح، فقال: لا نقدم على يونس في الزهري أحدا، "عن" محمد بن مسلم "بن شهاد" الزهري العلم الشهير، قال: "حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" بن المغيرة المخزومي المدني الثقة أحد الفقهاء السبعة التابعي الكبير، كثير الحديث من سادات قريش، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه وكنيته واحد، ولد في خلافة عمر، ومات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، "فذكر نحوه" وهذا رجاله على شرط الشيخين. "والثاني: ما أخرجه" ابن جرير" أيضا من طريق المعتمر بن سليمان" بن طرخان التيمي الثقة الحافظ البصري المتوفى بها سنة سبع وثمانين ومائة، روى له الستة.
"وحماد بن سلمة" بفتحات ابن دينار البصري أحد الأئمة الأثبات العابد الزاهد الحافظ مجاب الدعوة، كان يعد من الأبدال تزود سبعين امرأة، فلم يولد له؛ لأنه لا يولد للبدل، احتج به مسلم والأربعة والبخاري في التاريخ وعلق له في الصحيح، قال الحافظ: ولم يخرج له فيه احتجاجا ولا مقرونا ولا متابعة إلا في موضع واحد في الرقاق؛ لأنه ساء حفظه في الآخر، مات سنة سبع وستين ومائة.
"كلاهما عن داود بن أبي هند" القشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد، ثقة متقن أخرج له مسلم والأربعة مات سنة أربعين ومائة، فهذا على شرط مسلم. "عن أبي العالية" بمهملة وتحتية، رفيع بضم الراء وفتح الفاء ابن مهران الرياحي براء وتحتية ومهملة، البصري التابعي الكبير أسلمстр. 531
قال الحافظ ابن حجر: وقد تجرأ ابن العربي -كعادته- فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه.
وكذا قول القاضي عياض:
"هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده".
وكذا قوله: "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية".
الحواشي
(١) بعد الوفاة النبوية بسنتين، وقيل فيه: ليس بعد الصحابة أعلم منه بالقرآن مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث، وقيل غير ذلك.
"قال الحافظ ابن حجر" أيضا إذ ما قبله كلامه: "وقد تجرأ ابن العربي" الحافظ المتجر في العلوم محمد بن عبد الله بن أحمد الإشبيلي المالكي القاضي، يكنى أبا بكر، له التصانيف الحسنة والمناقب الجمة والرحلة إلى عدة بلاد في طلب العلوم، توفي سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. "كعادته" في التجرؤ "فقال: ذكر الطبري" يعني ابن جرير "في ذلك روايات كثيرة" باطلة؛ كما في الفتح عنه قبل طوله "لا أصل لها، وهو إطلاق مردود عليه" لكثرة الطرق مع المراسيل الثلاثة الصحيحة، "وكذا قول القاضي عياض" في الشفاء "هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم" أي: سالم من الطعن فيه، "متصل" قال: وإنما أولع به ويمثله المفسرون والمؤرخون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي، حيث قال: لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون.
"مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده" واختلاف كلماته، فقائل تقول في الصلاة وآخر في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول بل حدث نفسها فسها، وآخر قالها الشيطان على لسانه، وأن النبي ﷺ لما عرضها جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها فلما بلغ النبي ذلك، قال: "والله ما هكذا أنزلت"، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة، "وكذا قوله" أي: ياض عقب ما زدته منه "ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين" كالزهري وابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن "والمفسرين" كابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر، "لم يسندها أحد منهم" إلى النبي ﷺ "ولا رفعها إلى صاحب" من أصحابه "وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية" ساقطة غير مرضية.стр. 532
قال: وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله.
"ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير من أسلم. قال: ولم ينقل ذلك". انتهى.
وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد:
فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل على أن لها أصلا.
وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل، وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد.
وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فإن..........
الحواشي
(١) "قال" ابن عياض "وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق" شعبة عن "أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله" من سعيد، وهو قوله: عن ابن عباس فيما أحسب، قال: ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال القاضي: وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار، انتهى كلامه في الشفاء.
قال شارحه: وفي قوله: لقوة ضعفه طباق بديع جدا فهذا رده من حيث الإسناد، "ثم رده" أي: عياض، "من طريق النظر" أي: الفكر الصادر عن عقل سليم مستقيم "بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم" أنهم إذا سمعوه مع قرب عهدهم بالإسلام اعتقدوا في الأصنام النفع فيميلون لها، "قال: ولم ينقل ذلك، انتهى".
قال الحافظ ابن ججر: "وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها" جمع مخرج، أي: محل خروجها "دل ذلك على أن لها أصلا" إذ يبعد اتفاق طوائف متباينين على ما لا أصل له، "وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح" ولو لأحدهما وهي طريق ابن جبير وطريق أبي بكر بن عبد الرحمن وطريق أبي العالية، "وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل" لصحتها "وكذا من لا يحتج بها الاعتضاد" بعضها ببعض فحصلت لها القوة فقامت بها الحجة عند الفريقين "وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فإنстр. 533
ذلك لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته.
وقد سلك العلماء في ذلك مسالك:
فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم الله بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة.
ورده القاضي عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.
وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره.
ورده ابن العربي..........................
الحواشي
(١) ذلك لا يجوز" أي: يحرم بإجماع "حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه" كيف؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة: ٤٤] إلخ.
وقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ﴾ الآية، "وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" وهذا يؤذن بجواز زيادته على ما في القرآن سهوا، إن وافق ما جاء به من التوحيد وفيه ما فيه، فلا يقع منه ذلك ولا سهوا وإجماعا حكاه عياض وغيره "وقد سلك العلماء في ذلك مسالك" عبر عن تلبسهم بالأجوبة المختلفة بالدخول في الطرق المختلفة مجازا، إذ سلوك الطريق الدخول فيه والمسالك الطرق التي يدخل فيها، وقد أنصف في الشفاء، حيث قال: وأجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة، منها الغث والسمين.
"فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته" أي: عرضت له، "سنة" فتور مع وائل النوم قبل الاستغراق فيه، "وهو لا يشعر، فلما علم الله" أظهر علمه للناس "بذلك أحكم آياته، وهذا أخرجه الطبري عن قتادة" ونقله عياض عنه وعن مقاتل، "ورده القاضي عياض بأنه لا يصح" وقوعه منه "لكونه لا يجوز على النبي ﷺ ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم" ولذا احتاجوا للجواب عن نومه في الوادي، وأجاب شارح الهمزية بأن هذا لا يثبت له الولاية عليه؛ غاية الأمر أن الشيطان لما رآه أصابته تلك السنة حكى قراءته بصوت يشبه صوته، ودفعه شيخنا بأن عياض لم يرد بالولاية عليه السلطنة، بحيث يصير فاعلا لما أمره به، بل مراده بنفي الولاية أنه لا تسلط له عليه في شيء مما يريد فعله بوجه ما، أعم من أن يكون بحمله موافقته أو بحكاية شيء عنه على وجه الكذب والبهتان.
"وقيل: إن الشيطان ألجاه إلى أن قال ذلك بغير اختياره ورده" محمد "ابن العربي بقولهстр. 534
بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٢] ، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة.
وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق ذلك بحفظه ﷺ فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا.
وقد رد ذل القاضي عياض فأجاد.
وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار.
قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائز.
وإلى هذا نحا الباقلاني.
الحواشي
(١) تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة" لأنه إذا قدر على إلجائه، وحاشاه من ذلك فما الناس بعده، فهذا الجواب أقبح من القصة. "وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك" بكسر اللام، أي: تعلق "بحفظه ﷺ فجرى على لسانه لما ذكرهم سهوا، وقد رد ذلك القاضي عياض، فأجاد" حيث قال: هذا إنما يصح فيما لم يغير المعاني ويبدل الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن؛ بل الجائز عليه السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة، ولكنه لا يقر عليه بل ينبه عليه ويذكر به للحين، انتهى.
"وقيل: لعله" ﷺ "قال ذلك توبيخا للكفار" كقول إبراهيم: هذا ربي على أحد التأويلات، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت، وبيان الفصل بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته، "قال القاضي عياض: وهذا جائز إذا كانت هناك قرينة تدل على المراد" مع بيان الفصل، وأنه ليس من المتلو "ولا سيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا" لفظ عياض، ولا يعترض هذا بما روي أنه كان في الصلاة، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع.
"وإلى هذا نحا" مال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب "الباقلاني" البصري ثم البغدادي الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة الأصولي الأشعري المالكي مجدد الدين على رأس المائة الرابعة على الصحيح؛ كما قال الزناتي في طبقات المالكية. وفي الديباج: انتهت إليه رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه عيم الجدل، وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة،стр. 535
وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ خشى المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه في تلاوة النبي ﷺ على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ونسب ذلك للشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس.
وقيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك،
الحواشي
(١) وحدث عنه أبو ذر، وتوفي يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأوربعمائة "وقيل: أنه لما وصل إلى قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] ، خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به" كعادته إذا ذكرها "فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي ﷺ على عادتهم في قولهم: لا تسمعوا لهذا القرآن" إذا قرأ "والغوا فيه" أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه بما يشغل عنه الخواطر لعجزهم عن مثله؛ زاد في الشفاء وأشاعوا ذلك وأذاعوه، فحزن النبي ﷺ من كذبهم عليه فسلاه الله بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [يوسف: ١٠٩] ، [الأنبياء: ٢٥] ، وبين للناس الحق من ذلك الباطل، وحفظ القرآن وأحكم آياته ودفع ما ليس به العدو؛ كما ضمنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الآية [الحجر: ٩] .
"ونسب ذلك للشيطان" إبليس "لكونه الحامل لهم على ذلك" كما جزم به عياض، "أو المراد بالشيطان شيطان الإنس" أي: جنسه، قال شيخنا: وهذا الجواب أقرب الأجوبة فيما ينبغي، وإن قال في شرح الهمزية: إنه تعسف.
"وقيل المراد" واستظهره عياض، والمراد: "بالغرانيق العلا الملائكة" كما قاله الكلبي بناء على رواية مجاهد، والغرانقة العلا؛ كما قال عياض، لا على رواية تلك: لأنه لم يتقدم للملائكة ذكر حتى يرجع إليه اسم الإشارة. "وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله ويعبدونها" قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى؛ "ليرد عليهم بقوله: ﴿لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ [النجم: ٢١] ، فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع" جهلا أو عنادا أو تلبيسا، "وقالوا: قد عظن آلهتنا ورضوا بذلك" مع أنه إنما يعود الغرانقة أي: الملائكة؛ لأن استعارة الطير لهم أظهر من استعارة الأصنام.стр. 536
فنسخ الله تينك الكلمتين وأحكم آياته.
وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان في سكته من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة النبي ﷺ بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، وأشاعها.
وقال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير "تمنى" بـ"تلا".
وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله: في أمنيته، أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى أن سنة الله في رسله، إذا قالوا....
الحواشي
(١) قال عياض: ورجاء الشفاعة منهم صحيح "فنسخ الله تينك الكلمتين" اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس، وهما: والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى، عبر عنهما بالكلمتين مجازا من تسمية الكل باسم الجزء، "وأحكم آياته" كما نسخ كثير من القرآن، وكان في كل من إنزالهما ونسخهما حكمة ليضل به من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين، وليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، ذكره القاضي عياض.
"وقيل: كان النبي ﷺ يرتل القرآن" ترتيلا ويفصل الآيات تفصيلا في قراءته، كما رواه عنه الثقات "فارتصده الشيطان في سكتة من تلك السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة" أي: صوت "النبي ﷺ " والنغمة في الأصل الصوت الخفي؛ كما في القاموس. "بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله" أي: مما تلاه من القرآن، "وأشاعها" ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل على ما أنزلت وتحققهم حال النبي ﷺ في ذم الأوثان، بل حكى ابن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم، ويكون حزنه ﷺ لهذه الإشاعة والشبهة، وسبب هذه الفتنة، ذكره عياض مريدا به بيان القرينة القائمة على أنه ليس من قوله ولا مما أوحي إليه، فسقط الاعتراض عليه بأنه لا سبيل للشيطان عليه حتى يتمكن من إدخاله في كلامه ومتلوه ما ليس منه.
"وقال" أي: عياض ما معناه "وهذا أحسن الوجوه" وهو الذي يظهر ويترجح، "ويؤيده ما ورد عن ابن عباس في تفسير تمني بتلا" قال تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] ، أي: تلاوة، "وكذا استحسن ابن العربي" الحافظ محمد "هذا التأويل، وقال: معنى قوله في أمنيته، أي: في تلاوته فأخبر الله تعالى أن سنة الله في رسله" عليهم الصلاة والسلام "إذا قالواстр. 537
قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ قاله.
وقد سبق إلى ذلك الطبري، مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى.
الحواشي
(١) قولا زاد الشيطان فيه من قبل"، بكسر ففتح جهة "نفسه، فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي ﷺ لا أن النبي ﷺ قال" حتى يحتاج للعذر بشيء مما سبق، "وقد سبق" عياضا وابن العربي "إلى ذلك" أبو جعفر بن جرير "الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه" بحيث قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم منه.
وقال الخطيب: كان أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، حافظا للقرآن بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن عالما بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين بصيرا بأيام الناس وأخبارهم، له تاريخ الإسلام والتفسير الذي لم يصنفه مثله.
"وشدة ساعده في النظر" وله في الأصول والفروع كتب كثيرة، وعده السيوطي في العشرة الذين دونت مذاهبهم وكان لهم أتباع يفتون بقولهم ويقضون، ولم ينقرضوا إلا بعد الخمسمائة لموت العلماء، لكن قال ابن فرحون في الديباج: انقطعت أتباع الطبري بعد الأربعمائة. "فصوب هذا المعنى، انتهى" كلام فتح الباري في التفسير، وكذا ارتضاه الإمام الرازي، وقال: إنه الجواب السديد، واختاره أيضا في المواقف والمدارك والأنوار وغيرها، والله أعلم.стр. 538
" الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة ":
ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم،.........
الحواشي
(١) الهجرة الثانية إلى الحبشة ونقض الصحيفة:
"ثم هاجر المسلمون" الهجرة "الثانية إلى أرض الحبشة" بإذنه ﷺ ؛ كما في رواية: لما استقبلوهم حين رجعوا بالأذى والشر، فرجع الأولون ومعهم خلق سواهم، "وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم" فقد شك فيه ابن إسحاق، وقال السهيلي: الأصح عند أهل السير كالواقدي وابن عقبة وغيرهما أنه لم يكن فيهم، انتهى. وجزم في الاستيعاب بهجرته،стр. 539
وثماني عشرة امرأة.
وكان منهم عبيد الله بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصر هناك................
الحواشي
(١) وكلام العيون كما في النور يقتضي اختياره؛ لأنه قال في تعدادهم: وعمار بن ياسر، وفيه خلاف، وقيل: إن أبا موسى كان فيهم، وليس كذلك، ولكنه خرج في طائفة من قومه إلى أرضهم باليمن يريدون المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى الحبشة فأقام هناك حتى قدم مع جعفر، انتهى.
وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود: بعثنا ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا فيهم ابن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى الأشعري ... الحديث.
واستشكل ذكر أبي موسى؛ لأن الذي في الصحيحين عنه: بلغنا مخرج النبي ﷺ ونحن باليمن، فركبنا سفينة فألقتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب قأقمنا معه حتى قدمنا المدينة فوافتنا النبي ﷺ حين افتتح خيبر، فقال: "لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان"، قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن موسى هاجر أولا إلى مكة، فأسلم، فبعثه ﷺ مع من بعث إلى الحبشة، فتوجه إلى بلاد قومه وهم مقابل الحبشة من الجانب الشرقي، فلما تحققوا استقراره ﷺ وأصحابه المدينة، هاجر هو ومن أسلم من قومه إلى المدينة فألقتهم السفينة لأجل هيجان الريح إلى الحبشة، فهذا محتمل وفيه جمع بين الأخبار، فليعتمد.
وعلى هذا فقول أبي موسى بلغنا مخرج النبي ﷺ ، أي: إلى المدينة لا بلغنا مبعثه؛ لأنه يبعد كل البعد أن يتأخر علم مبعثه إلى مضي نحو عشرين سنة، ومع الحمل على مخرجه إلى المدينة فلا بد من زيادة استقراره بها وانتصافه ممن عاداه ونحو ذلك؛ إذ يبعد أيضا أن يخفي عنهم خبر خروجه إلى المدينة ست سنين، ويحتمل أن إقامة أبي موسى بالحبشة طالت لتأخر جعفر عن الحضور إلى المدينة حتى يؤذنه ﷺ بالقدوم، وذكر ابن مظعون فيهم، وإن كان مذكورا في الأولى؛ لأنهم رجعوا معهم، كما ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما.
"وثماني عشر امرأة" إحدى عشرة قرشيات وسبع غرباء؛ كما في العيون، فالجملة مائة أو واثنان إن عد عمار وأبو موسى، قال ابن إسحاق: فلما سمعوا بمهاجر النبي ﷺ إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثمان نسوة، فمات منهم رجلان بمكة وحبس سبعة وشهد منهم بدرا أربعة وعشرون. "وكان منهم: عبيد الله" بضم العين "ابن جحش" أخو عبد الله بفتح العين المستشهد بأحد "مع امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان فتنصر هناك" روى ابن سعد عنها: رأيت في المنام كان زوجي عبيد الله بأسوأ صورة ففزعت فأصبحت فإذا به قد تنصر فأخبرته بالمنامстр. 540
ثم مات على دين النصرانية. وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه ﷺ .
وخرج أبو بكر الصديق ﵁ مهاجرا إلى الحبشة....
الحواشي
(١) فلم يحفل به وأكب على الخمر حتى مات، فأتاني آت في نومي، فقال: يا أم المؤمنين! ففزعت فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن فإذا هي جارية يقال لها: أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك: وكلي من يزوجك، فوكلت خالد بن سعيد بن العاصي.. الحديث، "ثم مات على دين النصرانية، وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة" رملة على الأصح، وقيل: هند اشتهرت بابنتها حبيبة من عبيد الله المذكور، وهي صحابية ربيبة المصطفى اختلف هل ولدت بمكة أو الحبشة، "بنت أبي سفيان" صخر بن حرب ﵁ "سنة سبع من الهجرة إلى المدينة" متعلق بالهجرة "وهي بالحبشة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني عند ذكر أزواجه ﷺ " وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود، قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه وسجدا له وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه والآخر على شماله، فقالا: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: وأين هم؟ قال: هم بأرضك، فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فدخل فسلم فقالوا: ما لك لا تسجد للملك؟ فقال: إنا لا نسجد إلا لله ، قالوا: ولم ذلك؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولا وأمرنا أن لا نسجد إلا لله، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه، قال: فما تقول فيهما؟ قال: نقول كما قال الله تعالى: ﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يعرضها ولد، فرفع النجاشي عودا من الأرض، فقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيد على ما تقولون أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه، وقال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين فردت عليهما؛ وتعجل ابن مسعود فشهد بدرا. وفي رواية: فقال النجاشي: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول الله، وتوفي النجاشي بعد الهجرة سنة تسع عند الأكثر، وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة؛ كما ذكره البيهقي في الدلائل.
"وخرج أبو بكر الصديق" كما في الصحيح عن عائشة: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين ولا يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر "﵁ مهاجرا إلى الحبشة" ليلحق من سبقه من المهاجرينстр. 541
حتى بلغ برك الغماد، ورجع في جوار سيد القارة، ابن الدغنة -بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة، وتخفيف النون. وبضم الدال وتشديد النون-.............
الحواشي
(١) إليها "حتى بلغ برك" بفتح الموحدة وحكى كسرها وسكون الراء فكاف، "الغماد" بكسر المعجمة على المشهور ومن الروايات وجزم ابن خالويه بضمها، وخطأ الكسر، وجوز أبو عبيد وغيره الضم والكسر، والقزاز وغيره الفتح أيضا، وذكره ابن عديس في المثلث، وأغرب من حكى إهمال العين وميم خفيفة فألف فدال مهملة، قال الحازمي: موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. وقال البكري: هي أقاصي هجر، وقال الهمداني: في أقصى اليمن، قال الحافظ: والأول أولى، انتهى.
وعورض هذا بما رواه ابن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة: استأذن أبو بكر رسول الله ﷺ في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة. الحديث، وسنده حسن أو صحيح، وبين برك الغماد وبين يوم أو يومين تباين كثير، وجمع بأنها لم تعن المكان المخصوص بل مكانا بعيدا، فإنها تقال فيما تباعد كسعفان وهجر وحوض الثعلب، أو أرادت حتى بلغ أقصى المعمور من مكة، فإن برك الغماد فسرت بذلك أو حديث الصحيح فيه زيادة، فيؤخذ بها. "ورجع في جوار سيد القارة" بقاف وراء خفيفة قبيلة مشهورة من بني الهون بضم الهاء والتخفيف، ابن خزيمة من مدركة بن إلياس بن مضر، وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش ويضرب بهم المثل في قوة الرمي، قال الشاعر:
قد أنصف القارة من راماها
"ابن الدغنة" قال في النور: لا أعلم له إسلاما، "بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون" كما نسبه الحافظ للرواة، وقال: قال الأصيلي: قرأه لنا المروزي بفتح الغين والصواب الكسر. "وبضم الدال والغين وتشديد النون" عند أهل اللغة وبه رواه أبو ذر في الصحيح، ولذا قال النووي: روي بهما في الصحيح، وفي الفتح: ثبت بالتخفيف والتشديد من طريق وهي أمه، وقيل أم أبيه، وقيل: دايته، وقيل: لاسترخاء كان في لسانه، ومعنى الدغنة المسترخية وأصلها الغمامة الكثيرة المطر، واختلف في اسمه: فعند البلاذري من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري أنه الحارث بن يزيد حكى السهيلي أنه مالك، وقول الكرماني سماه ابن إسحاق ربيعة بن ربيع وهم، فالذي ذكره ابن إسحاق شخص غير هذا سلمي، وهذا من القارة وأيضا إنما ذكره في غزوة حنين وأنه صحابي ولم يذكر في قصة الهجرة وكان رجوعه بطلب ابن الدغنة، ففي الصحيح خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح فيстр. 542
يعبد ربه في داره، وابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا............
الحواشي
(١) الأرض وأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا تخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف عشية في أشراف قريش، فقال: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا له: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك "يعبد ربه في داره" ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره.
قال الحافظ: ولم يقع لي بيان المدة التي أقام فيها أبو بكر على ذلك، "وابتنى" لفظ عائشة: ثم بدا لأبي بكر فابتنى "مسجدا بفناء داره" بكسر الفاء وخفة النون والمد، أي: أمامها، "وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن" أي: ما نزل منه كله أو بعضه، "فيتقصف" بتحتية ففوقية فقاف فصاد مهملة ثقيلة مفتوحتين، أي: يزدحم "عليه نساء المشركين وأبناؤهم" حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر، قال الحافظ: وأطلق يتقصف مبالغة، يعني لأنهم لم يصلوا إلى هذه الحالة. وفي رواية المستملي والمروزي: ينقذف بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فقاف مفتوحة فذال معجمة مكسورة ففاء.
قال الخطابي: ولا معنى له والمحفوظ الأول، إلا أن يكون من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضا بعضا فيتساقطون عليه فيرجع إلى معنى الأول، وفي رواية الكشميهني والجرجاني: فينقصف بنون ساكنة بدل الفوقية وكسر الصاد أي: يسقط، "ويعجبون منه وكان أبو بكر رجلا بكاء" بشد الكاف: كثير البكاء، "لا يملك عينيه" قال الحافظ: أي لا يطيق إمساكهما عن البكاء من رقة قلبه "إذا قرأ القرآن" إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك أو شرطية والجزاء مقدر، "فأفزع ذلك" أي: أخاف ما فعله أبو بكر "أشراف قريش من المشركين" لما يعلمونه من رقة قلوب النساء والشباب أن يميلوا إلى الإسلام.
قال في الرواية: فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، "فقالوا" إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاةстр. 543
إنا قد خسينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك.
فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله الحديث رواه البخاري.
ثم قام رجال في نقض الصحيفة،.............
الحواشي
(١) والقراءة فيه، و"إنا قد خشينا أن يفتن" بفتح أوله أبو بكر "نساءنا وأبناءنا" بالنصب مفعول كذا رواه أبو ذر، ورواه الباقون يفتن بضم أوله: نساؤنا بالرفع على البناء للمجهول، قال الحافظ. "فانهه" عن ذلك "فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله" بفتح السين وسكون اللام بلا همز نسب هذا الحافظ للكشميهني وصدر بقوله: فسأله بالهمز "أن يرد إليك ذمتك" أمانك له، "فإنا قد كرهنا أن نخفرك" بضم النون وسكون المعجمة وكسر الفاء، يقال: خفره إذا حفظه وأخفره إذا غدر، أي: نغدرك.
قال في الرواية: ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، قال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له "فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك" بكسر الجيم وضمها وراء "وأرضى بجوار الله" ، أي: بحمايته، "الحديث، رواه البخاري" في باب الهجرة إلى المدينة مطولا وليس في بقيته غرض يتعلق بما هنا، فإنما أراد المصنف إفادة أن ما ذكره قطعة منه، ورواه البخاري أيضا في مواضع مختصرا، قال الحافظ: وفيه من فضائل الصديق أشياء كثيرة قد امتاز بها عمن سواه ظاهرة لمن تأملها، قال: وفي موافقة ابن الدغنة في وصف الصديق لخديجة فيما وصفت به النبي ﷺ ما يدل على عظيم فضل الصديق واتصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال، انتهى.
ونحوه في النور، وزاد: وفي الحديث: كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان، فسبقته إلى النبوة، وقد خلق النبي ﷺ وأبو بكر وعمر من طينة واحدة، "ثم" في السنة العاشرة أو التاسعة "قام رجال في نقض الصحيفة" التي كتبت على بني هاشم والمطلب أشدهم في ذلك صنيعا هشام بن عمرو بن الحارث العامري أسلم بعد ذلك ﵁، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، وكان يصلهم في الشعب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعاما فعلمت قريش، فمشوا إليه حين أصبح فكلموه، فقال: إني غير عائد لشيء خالفكم،стр. 544
فأطلع الله نبيه ﵊ على أن الأرضة أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء الله فقط،..........
الحواشي
(١) فانصرفوا عنه ثم رد الثانية، فأدخل عليهم حملا أو حملين فغالظته قريش وهمت به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه رجل وصل أهل رحمه أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل لكان أحسن بنا، ثم مشى هشام إلى زهير بن أبي أمية وأسلم بعد وأمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت؟ فقال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع فإنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها، فقال: أنا معك. فقال: ابغنا ثالثا ومشيا جميعا إلى المطعم بن عدي، فقالا له: أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد، فقالا: إنما أنا واحد، فقالا: أنا معك، فقال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري القاضي ابن هشام، فقال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود فقعدوا ليلا بأعلى مكة وتعاقدوا على ذلك، فلما جلسوا في الحجر تكلموا في ذلك وأنكروه، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة ومزقوها وأبطلوا حكمها، وهذا ملخص ما ذكر ابن إسحاق.
"فأطلع الله نبيه ﵊ على أن الأرضة" بفتح الهمز والراء والضاد المعجمة: دويبة صغيرة كالعدسة تأكل الخشيب، "أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا أسماء الله فقط" فيما ذكر ابن هشام، وأما ابن إسحاق وابن عقبة وعروة فذكروا عكس ذلك، وهو أن الأرضة لم تدع اسما لله إلا أكلته، وبقي ما يها من الظلم والقطيعة.
قال البرهان، ما حاصله: وهذا أثبت من الأول فعلى تقدير تساوي الروايتين يجمع بأنهم كتبوا نسختين فأبقت في إحداهما ذكر الله وفي الأخرى خلافه، وعلقوا إحداهما في الكعبة والأخرى عندهم، فأكلت من بعضها اسم الله ومن بعضها ما عداه لئلا يجتمع اسم الله مع ظلمهم، انتهى.
قال في الرواية: فذكر ﷺ ذلك لعمه، فقال: أربك أخبرك بهذا، قال: "نعم"، قال: لا، والثواقب ما كذبتني قط، فانطلق في عصابة من بني هشام والمطلب حتى أتوا المسجد فأنكر قريش ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله ﷺ إليهم، فقال أبو طالب: جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فائتوا بها لعل أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فأتوا بها معجبين لا يشكون أنه ﷺ يدفع إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم، فقال: إنما أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله بعثстр. 545
فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال ﵊. وكان ذلك في السنة العاشرة.
الحواشي
(١) على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها اسما لله إلا لحسته، وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان كما قال فأفيقوا فلا والله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم، فقالوا: رضينا، ففتحوها فوجدوها كما قال ﷺ ، فقالوا: هذا سحر ابن أخيك، وزادهم ذلك بغيا وعدوانا، والجمع بين هذا وبين ما مر من سعي رجال في نقضها باحتمال أنهم لما جلسوا في الحجر وتكالموا وافق قدوم أبي طالب وقومه عليهم بهذا الخبر، فزادهم ذلك رغبة فيما هم فيه.
"فلما أنزلت لتمزق" اللام للعاقبة "وجدت كما قال ﵊" لا للتعليل فلا يرد أنها لم تنزل وقت سؤال أبي طالب لتمزق بل لينظر ما فيها فقط، وإن القائمين في نقضها لم يستندوا إلى أخباره ﷺ . وأجاب شيخنا: بأن إنزالها لتمزق كان بفعل المجتهدين لإنزالها لا لسؤال أبي طالب. "وكان ذلك في السنة العاشرة" من النبوة بناء على ما صدر به فيه ما مر أن إقامتهم بالشعب ثلاث سنين، أما على قول ابن سعد سنتين، فيكون في التاسعة، والله أعلم.стр. 546
وفاة خديجة وأبي طالب:
ولما أتت عليه ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، مات عمه أبو طالب.
وقيل: مات في شوال من السنة العاشرة.
وقال ابن الجزار: قبل هجرته ﵊ بثلاث سنين.
الحواشي
(١) وفاة خديجة وأبي طالب:
"ولما أتت عليه ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما" كما حرره بعض المتقنين "مات عمه أبو طالب" بعد خروجهم من الشعب في ثاني عشر رمضان سنة عشر من النبوة، "وقيل: مات" بعد ذلك بقليل، "في شوال من السنة العاشرة" متعلق بكل من القولين؛ كما علم "وقال ابن الجزار قبل هجرته ﵊ بثلاث سنين" وهذا يأتي على كلا القولين قبله؛ لأنه إذا مات في ذلك كان قبلها بثلاث. وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أول سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب.
وفي سيرة الحافظ: مات في السنة العاشرة بعد خروجهم من الشعب بثمانية أشهرстр. 547
وروي أنه ﷺ كان يقول له عند موته: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة.
فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله ﷺ قال له: يابن أخي، لولا مخافة قريش أني إنما قلتها جزعا.........
الحواشي
(١) وعشرين يوما، "وروي" مرضه لأن مجموع رواية ابن إسحاق ضعيف، فلا يرد أن صدر الحديث إلى قوله: فلما رأى أبو طالب صحيح، فقد أخرجه البخاري في الجنائز والتفسير وبابه قصة أبي طالب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، أي: المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي، "أنه ﷺ كان يقول له عند موته" قبل الغرغرة "يا عم" وفي رواية: "أي عم"، وأي هنا لنداء القريب، "قل: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله؛ لأن الكلمتين صارا كالكلمة الواحدة، ويحتمل أن يكون أبا طالب كان يتحقق أنه رسول الله، ولكن كان لا يقر بتوحيد الله ولذا قال في الأبيات النونية:
ودعوتني وعلمت أنك صادق ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
فاقتصر على أمره له بقوله: لا إله إلا الله فإذا أقر بالتوحيد لم يتوقف على الشهادة له بالرسالة، قاله الحافظ.
"كلمة" نصب بدل من مقول القول وهو لا إله إلا الله أو على الاختصاص، قال الطبيبي: والأول أحسن ويجوز الرفع، أي: هي كلمة "أستحل لك بها الشفاعة" وفي الوفاة أحاج، وفي الجنائز أشهد لك بها عند الله، قال الطيبي: مجزوم على جواب الأمرن أي: أن تقل أشهد. وقال الزركشي: في موضع نصب صفة كلمة.
قال الحافظ: كأنه ﷺ فهم امتناعه من الشهادة في تلك الحالة أنه ظن أن ذلك لا ينفعه لوقوعه عند الموت، أو لكونه لم يتمكن عن سائر الأعمال كالصلاة وغيرها، فلهذا ذكر له المحاجة، وأما لفظ الشهادة فيحتمل أن يكون ظن أن ذلك لا ينفعه إذا لم يحضره حينئذ أحد من المؤمنين مع النبي ﷺ فطيب قلبه بأنه يشهد له بها، فينفعه "يوم القيامة" والشفاعة لا تستلزم أن تكون عن ذنب، بل تكون على نحو رفع الدرجات في الجنة فلا يشكل بأن الإسلام يجب ما قبله، فأي ذنب يشفع فيه لو أسلم ويتعسف الجواب بأنها فيما يحصل من الذنوب بتقدير وقوعها، "فلما رأى أبو طالب حرص رسول الله ﷺ " على إيمانه "قال له يابن أخي، لولا مخافة" قول "قريش إني إنما قلتها جزعا" بجيم وزاي خوفا؛ كما نقله النووي عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الأخبار، أو بخاء معجمة وراء مفتوحتين؛ كما قاله الهروي وثعلب وشمرстр. 548
من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها، فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها. فقال رسول الله ﷺ : لم أسمع. كذا في رواية ابن إسحاق أنه أسلم عند الموت.
وأجيب بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد بقوله ﵊: "لم أسمع"، لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع. ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم.
مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك، كما رويناه في صحيح البخاري من حديث سعيد بن المسيب..........
الحواشي
(١) واختاره الخطابي والزمخشري.
قال عياض: ونبهنا غير واحد من شيوهنا على أنه الصواب، أي: خوارا وضعفا، وقال شمر دهشا "من الموت لقلتها" ولو قلتها "لا أقولها إلا لأسرك بها" لا إذعانا حقيقة حكمة بالغة "فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يابن أخي، والله لقد قال أخي الكملة التي أمرته بها" لم يصرح بها العباس؛ لأنه لم يكن أسلم حينئذ "فقال رسول الله ﷺ : "لم أسمع" وثبت في نسخة زيادة: ولم يكن العباس حينئذ مسلما، وهي وإن صحت في نفسها لكنها ليست عند ابن إسحاق، "كذا في رواية ابن إسحاق" عن ابن عباس بإسناد فيه من لم يسم "أنه" أي: إفادة أنه "أسلم عند الموت" من قول العباس، لقد قال: لم يروه بلفظ أنه أسلم عند الموت كما توهم، فقد ساق ابن هشام في السيرة والحافظ في الفتح لفظه، وما فيه ذلك وبهذا احتج الرافضة ومن تبعهم على إسلامه.
"وأجيب" كما قال الإمام السهيلي في الروض "بأن شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد" شهادته "بقوله ﵇ "لم أسمع لأن الشاهد العدل إذا قال: سمعت، وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع" قال السهيلي لأن عدم السماح يحتمل أسبابا منع الشاهد من السمع، "ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم" فلا تقبل شهادته "مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك؛ كما رويناه في صحيح البخاري" في مواضع "من حديث سعيد بن المسيب" عن أبيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بنстр. 549
حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله ﷺ : "والله..............
الحواشي
(١) المغيرة، فقال: "أي عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزد لإيراد أنه "حتى قال أبو طالب: آخر" تصب على الظرفية "ما كلمهم" وفي رواية: آخر شيء كلمهم به" على ملة عبد المطلب" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو وثبت ذلك في طريق أخرى، قاله الحافظ. قال السهيلي في الروض: ظاهر الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات مشركا، وحكى المسعودي فيه خلافا، وأنه قيل مات مسلما لما رأى من دلائل نبوته ﷺ ، وعلم أنه إنما يبعث بالتوحيد، لكن روى البزار والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال لفاطمة: وقد عزت قوما من الأنصار عن ميتهم: "لعلك بلغت معهم الكدي"، قالت: لا، قال: "لو كنت بلغته معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك"، قال: وقد رواه أبو داود ولم يذكر فيه حتى يراها جد أبيك، وفي قوله: "جد أبيك"، ولم يقل جدك تقوية الحديث الضعيف إن الله أحيا أباه وأه وآمنا به، قال: ويحتمل أنه أراد تخويفهما بذلك؛ لأن قوله ﷺ حق، وبلوغها معهم الكدي لا يوجب خلودا في النار، انتهى.
لكن يؤيد القول بإسلامه أن النبي ﷺ انتسب إليه يوم حنين، فقال: أنا ابن عبد المطلب، مع نهيه عن الانتساب إلى الآباء الكفار في عدة أحاديث وإن كان حديث البخاري المذكور مصادقا قويا لا يوجد له تأويل قريب، والبعيد يأباه أهل الأصول، ولذا وقف السهيلي عن الترجيح. قال السيوطي: وخطر لي في تأويله وجهان بعيدان فتركتهما، وأما حديث النسائي فتأويله قريب. وقد فتح السهيلي بابه ولم يستوفه انتهى.
قلت: التأويل وإن كان بعيدا لكنه قد يتعين هنا جمعا بينه وبين حديث البخاري عن أبي هريرة رفعه: بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه، وفي مسلم: واصطفى من قريش بني هاشم ومعلوم أن الخيرية والاصطفاء من الله تعالى والأفضلية عنده لا تكون مع الشرك. وفي التنزيل: ولعبد مؤمن خير من مشرك وقد أورده في الإصابة، أعني عبد المطلب، وقال: ذكره ابن السكن في الصحابة لما جاء عنه أنه ذكر أن النبي ﷺ سيبعث؛ كما ذكروا بحيرا الراهب أنظاره ممن مات قبل البعثة، انتهى.
"وأبى أن يقول لا إله الله، فقال رسول الله ﷺ : "والله" وفي رواية مسلم: "أما والله" بزيادة، أما قال النووي بألف ودونها وكلاهما صحيح، قال ابن الشجري في أماليه: ما الزائدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام واستعملوا مجموعهما عن وجهين، أحدهما: أن يراد به معنى حقا في قولهم، أما والله لأفعلن، والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ألا كقولك: أما إن زيداстр. 550
لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] .....
الحواشي
(١) منطلق وأكثر ما تحذف الألف إذا وقع بعدها القسم ليدل على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأن الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها إلى الاتصال بالهمز، انتهى.
"لأستغفرن لك" كما استغفر إبراهيم لأبيه "ما لم أنه" بضم الهمزة وسكون النون مبني لمفعول، "عنك" أي: إن لم ينهني الله عن الاستغفار لك، "فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ، ما صح الاستغفار في حكم الله وحكمته من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، أي: ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك فهو كالعلة للمنع من الاستغفار ولا يشكل بأن براءة من أواخر ما نزل بالمدينة وهذه القصة قبل الهجرة بثلاث سنين؛ لأن هذه الآية مستثناة من كون السورة مدنية؛ كما نقله في الإتقان عن بعضهم وأقره فلا حاجة لتجويز أنه كان يستغفر له إلى نزولها؛ لأن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، ثم لفظ البخاري في التفسير: فأنزل الله بعد ذلك، فقال في الفتح الظاهر نزولها بعده بمدة لرواية التفسير، انتهى. وكأنه لم يقف على القول باستثنائها من كونها مدنية، فإن صح فلا يعارضه قوله بعد ذلك لكون المعنى بعد موته والاستغفار له بمكة أو بالمدينة فالبعدية محتملة، وأما قول السيوطي في التوشيح المعروف أنها نزلت لما زار ﷺ قبر أمه واستأذن في الاستغفار لها، كما رواه الحاكم وغيره فتساهل جدالا يليق بمثله فإنها لا تعادل رواية الصحيح.
وقد رد الذهبي في مختصر المستدرك تصحيح الحاكم بأن في إسناده أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين وتعجب السيوطي نفسه في الفوائد من الذهبي كيف أقر الحديث في ميزانه مع رده في مختصر المستدرك، قال وله علة ثانية وهي مخالفته للمقطوع بصحته في البخاري من نزلها عقب موت أبي طالب، ثم قال السيوطي بعد طعنه في جميع أحاديث نزولها في آمنة، فبان بهذا إن طرقه كلها معلولة، خصوصا قصة نزول الآية الناهية عن الاستغفار؛ لأنه لا يمكن الجمع بينها وبين الأحاديث الصحيحة في تقدم نزولها في أبي طالب، انتهى.
وقد تقدم ذلك مبسوطا بما يشفي، ثم هذه الآية وإن كان سببها خاصا عامة في حقه وحق غيره، ولذا استشكل قوله ﷺ يوم أحد: "اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون"، وأجيب بأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم بدليل رواية من روى: "اللهم اهدي قومي"، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من مسخ وخسف.стр. 551
وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
وفي الصحيح عن العباس أنه قال لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح".
الحواشي
(١) "وأنزل الله في أبي طالب" أيضا "فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، هدايته أو لقرابة، أي: ليس ذلك إليك، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وإنما عليك البلاغ ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ؛ لأن الذي أثبته وأضافه إليه هداية الدعوة والدلالة والمنفي هداية التوفيق، "وفي الصحيح" للبخاري ومسلم "عن العباس، أنه قال لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب كان يحوطك" بضم الحاء المهملة من الحياطة، وهي المراعاة وفي رواية: يحفظك، "وينصرك ويغضب لك" يشير إلى ما كان يرد به عنه من قول وفعل، وفيه تلميح إلى ما ذكره ابن إسحاق، قال: ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، وكانت خديجة وزيرة صدق له على الإسلام يسكن إليها وكان أبو طالب له عضدا وناصرا على قومه فلما هلك نالت قريش منه من الأذى ما لم تطمع به في حياته، حتى اعترضه سفيه من سهاء قريش فنثر على رأسه ترابا، فحدثني هشام بن عروة عن أبيه، قال: فدخل رسول الله ﷺ بيته، يقول: "ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب"، ذكره في الفتح.
"فهل ينفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح" بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وأصله ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين فاستعير للنار، قاله المصنف وغيره. وفي الفتح: هو من الماء ما يبلغ الكعب، ويقال أيضا: لما قرب من الماء وهو ضد الغمر والمعنى أنه خفف عنه العذاب، انتهى.
زاد في رواية: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"، وصريح هذا الحديث أنه خفف عنه عذاب القبر في الدنيا، كما يومئ إليه كلام الحافظ ويوم القيامة يكون في ضحضاح أيضا؛ كما في الحديث الآتي، ففي سؤال العباس عن حاله دليل على ضعف رواية ابن إسحاق؛ لأنه كانت تلك الشهادة عنده لم يسأل لعلمه بحاله، وقد قال الحافظ: هذا الحديث لو كان طريقه صحيحة لعارضه هذا الحديث الذي هو أصح منه فضلا عن أنه لا يصح، ويضعف ما ذكره السهيلي أنه رأى في بعض كتب المسعودي أنه أسلم، لا أن مثل ذلك لا يعارض ما في الصحيح.стр. 552
وفي الصحيح أيضا أنه ﷺ قال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه".
وفي روية يونس عن ابن إسحاق زيادة فقال: "يغلي منه دماغه حتى يسيل على قدميه".
قال السهيلي: من باب النظر في حكمة الله تعالى، ومشاكلة الجزاء للعمل؛ أن أبا................
الحواشي
(١) وروى أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة من علي لما مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله! إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: "اذهب فواره"، قلت: إنه مات مشركا، قال: "اذهب فواره"، فلما واريته رجعت إلى النبي ﷺ ، فقال لي: "اغتسل"، وفي الحديث جواز زيارة القريب المشرك وعيادته وأن التوبة مقبولة ولو في شدة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا تقبل؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] ، وأن الكافر إذا شهد شهادة الحق نجا من العذاب؛ لأن الإسلام يجب ما قبله وأن عذاب الكفار متفاوت والنفع الذي حصل لأبي طالب من خصائصه ببركة النبي ﷺ ، وقد قال: "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب" رواه مسلم، انتهى ملخصا.
"وفي صحيح" للبخاري ومسلم "أيضا" عن أبي سعيد الخدري "أنه ﷺ ، قال": وذكر عنده عمه أبو طالب "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي" بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر اللام، "منه دماغه" وفي رواية أم دماغه، أ: رأسه من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاوره وقد صرح العلماء بأن الرجاء من الله ومن نبيه للوقوع، بل في النور عن بعض شيوخه: إذا وردت عن الله ورسله وأوليائه معناها التحقيق.
"وفي رواية يونس" بن كبير الشيباني الحافظ، قال ابن معين: صدوق، وقال أبو داود: ليس بحجة لكن احتج به مسلم، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وعلق له البخاري قليلا. "عن ابن إسحاق زيادة، فقال: "يغلي منه دماغه حتى يسل على قديمه" واستشكل الحديث بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] ، وأجاب البيهقي بأنه خص لثبوت الخبر، ولذا عد في الخصائص النبوية، والقرطبي بأن المنفعة في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث بالتخفيف، وقيل: يجوز أن الله يضع عن بعض الكفار بعض جزاء معاصيهم تطييبا لقلب الشافع، وقيل: شفاعته ﷺ في أبي طالب بالحال لا بالمقال.
"قال السهيلي من باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلة الجزاء للعمل: أن أباстр. 553
طالب كان مع رسول الله ﷺ بجملته متحيزا له، إلا أنه كان متثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب، حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه. ثبتنا الله على الصراط المستقيم.
وفي شرح التنقيح للقرافي: الكفار على أربعة أقسام، فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته. وفي شعره يقول:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل
الحواشي
(١) طالب كان مع رسول الله ﷺ بجملته متحيزا" ناصرا "له" وحده ويجمع بني هاشم والمطلب لمناصرته، "إلا أنه كان مثبتا لقدميه على ملة عبد المطلب حتى قال عند الموت" آخر كل شيء كلمهم "أنا على ملة عبد المطلب فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه" ولا يعارض هذا بقول الإمام الرازي آباء الأنبياء ما كانوا كفارا، وأيده السيوطي بأدلة عامة وخاصة، كما مر؛ لأن هذا بعد نسخ جميع الملل بالملة المحمدية فليس في الحديث ولا كلام السهيلي أن عبد المطلب وآباءه لها كانوا مشركين، "ثبتنا الله على الصراط المستقيم" قال في الفتح: ولا يخلو كلام السهيلي عن نظر، انتهى. فإن كان وجهه أن الثبات على الدين إنما هو بالقلب؛ لأنه اعتقاد فلا يحسن ما ذكر توجيها لتخصيص القدم بالعذاب، أجاب شيخنا بأنه لما لازم ما كان عليه ولم يتحول عنه شبه بمن وقف في محل ولم يتول عنه إلى غيره، وذلك يستدعي ثبوت القدم في المحل الذي وقف فيه خصت العقوبة بالقدم.
"وفي شرح التنقيح" في الأصول والمتن والشرح "للقرافي" العلامة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي البهنسي المصري البارع في العلوم ذي التصانيف الشهيرة كالقواعد والذخيرة وشرح المحصول، مات في جمادى الآخرة سنة أربع وثمانين وستمائة ودفن بالقرافة، "الكفار على أربعة أقسام فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكي عن أبي طالب أنه كان يقول: إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق، ولولا أخاف أن تعيرني نساء قريش لاتبعته، وفي شعره يقول" في قصيدته المشهورة:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل
وفي شعره من هذا النحو كثير.стр. 554
قال فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى.
وحكي عن هشام بن السائب الكلبي، أو أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال:
يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه.............
الحواشي
(١) "قال" القرافي: "فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن" وحبه للمصطفى كان طبيعيا فكان يحوطه وينصره لا شرعيا فسبق القدر فيه، واستمر على كفره ولله الحجة البالغة "انتهى" والأربعة حكاها ابن الأثير في النهاية وكذا البغوي، وهي كفر إنكار وهو أن لا يعرف الله بقلبه ولا يعترف باللسان، وكفر جحود وهو من عرفه بقلبه دون لسانه كإبليس واليهود، وكفر نفاق وهو المقتر باللسان دون القلب، وكفر عناد وهو أن يعرفه بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به كأبي طالب، قال البغوي: وجميع الأربعة سواء في أن الله لا يغفر لأصحابها إذا ماتوا، انتهى. وأقبحها على الراجح كفر النفاق لجمعه بين الكفر والاستهزاء بالإسلام؛ لذا كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، وقيل: أقبحها الكفر ظاهرا وباطنا، وقيل: الكفر صنفان، أحدهما الكفر بأصل الإيمان وهو ضده، والآخر الكفر بفرع من فروع الإسلام فلا يخرج به عن أصل الإسلام، وبهذا صدر في النهاية وقابله بقوله: وقيل الكفر على أربعة أنحاء، فذكرها.
"وحكى عن هشام بن السائب" نسبه لجده لأنه ابن محمد بن السائب "الكلبي" أبي المنذر الكوفي وثقه ابن حبان، وقال الدارقطني: هشام رافضي ليس بثقة مات سنة أربع وثمانين ومائة، "أو أبيه" محمد شك، "أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش" وروى ابن إسحق عن ابن عباس: لما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله، قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وفشا أمر محمد، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب يأخذ لنا على ابن أخيه ويعطه منا، فمشى إليه عتبة وشبية وأبو جهل وأمية وابن حرب في رجال من أشرافهم فأخبروه بما جاءوا له، فبعث أبو طالب إليه ﷺ فجاءه فأخبره بمرادهم، فقال ﵊: "نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم"، فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، فعرض عليهم الإسلام فصفقوا وعجبوا ثم قالوا: ما هو بمعطيكم شيئا، ثم تفرقوا، فيحتمل أن أبا طالب جمعهم بعد ذلك، أو قال لهم ما حكى الكلبي في هذه المرة قبل عرض الإسلام أو بعده وقبل تفرقهم.
"فأوصاهم، فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه" وقلب العرب، فيكم السيد المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضلة ولهم به إليكم الوسيلة،стр. 555
إلى أن قال: وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وايم الله كأني انظر إلى صعاليك العرب، وأهل الأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أرباب، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد
الحواشي
(١) والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية -يعني الكعبة- فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم فإن في صلة الرحم منسأة -أي: فسحة في الأجل- وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبوا الداعي وأعطوا السائل، فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، "إلى أن قال" عقب ما ذكرته "وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق" الكثير الصدق "في العرب" فلم يعرفوه من ابتداء نشأته إلا بالأمانة والصدق، ومن ثم لما كذبوه، قال بعضهم: والله قد ظلمنا محمدا.
"وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به" من هذه الخصال الحميدة التي ذكرها في وصيته لهم ومدحهم بها "وقد جاءنا بأمر قبله الجنان" بالجيم "وأنكره اللسان مخافة الشنآن" أي: البغض لما تعيرونه به من تبعيته لابن أخيه تربيته، "وايم الله" بهمزة وصل عند الجمهور ويجوز القطع مبتدأ حذف خبره، اي: قسمي. وقال الهروي: بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال: عبارة الشامي: أما والله، ثم قال: قال النووي: وقال الهروي بقطع الهمزة ووصلها وهي حلف ووهم الشارح، فقال عبارة الشامي: أما والله، ثم قال: قال النووي ... فذكر كلامه ظنا منه أنه في هذه الوصية مع أن ذاك اللفظ إنما ذكره الشامي كغيره شرحا لقوله ﷺ في رواية مسلم: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك".
"كأني انظر إلى صعاليك" أي: فقراء "العرب" جمع صعلوك كعصفور؛ كما في القاموس. "وأهل الأطراف" النواحي جمع طرف بفتحتين، "والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت" وقد وقع ذلك يوم بدر "فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا" أتباعا وسفلة جمع صنديد وهو السيد الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف؛ كما في القاموس. "ودورها خرابا" حيث قتل سبعون وأسر سبعون، "وضعفاؤها أربابا" ملوكا، قال القاموس: رب كل شيء مالكه ومستحقه أو صاحبه والجمع أرباب وربوب. "وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه" كما وقع يوم فتح مكة، "وأبعدهم منه أحظاهم عنده قدстр. 556
محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي. ثم هلك.
ثم بعد ذلك بثلاثة أيام -وقيل: بخمسة- في رمضان، بعد البعث بعشر سنين، على الصحيح، ماتت...........
الحواشي
(١) محضته" بمهملة فمعجمة أخلصت له "العرب ودادها وأصفت" بالفاء "له فؤادها" أزالت ما فيه من حسد وبغض، وفي نسخة بالغين، أي: استمعوا بقلوبهم، أي: أمالوها له. "وأعطته قيادها" كما انقاد له العرب لما سار بهم إلى فتح مكة، وكما وقع في مجيء هوازن منقادين لحكمه فمن عليهم برد سباياهم.
"يا معشر قريش! " كذا في النسخ، وفيها سقط فلفظه كما في الروض عن الكلبي: دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم "كونوا له ولاة" موالين ومناصرين "ولحزبه حماة" من أعدائهم وتأمل ما في قوله ابن أبيكم من الترقيق والتقريع والتصريح بأنه منهم فعزه عزهم ونصره نصرهم، فكيف يسعون في خذلانه فإنما هو خذلان لأنفسهم، وهذا من حيث النظر إلى مجرد القرابة فكيف وهو على الصراط المستقيم ويدعو إلى ما يوصل إلى جنات النعيم، كما أشار إليه مؤكدا بالقسم، فقال: "والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد" بكسر الشين وفتحها والكسر أولى بالسجع، "ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد" في الدارين "ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز" بهاءين وزاءين منقوطين بعد أولاهما ألف، قال الجوهري: الهزاهز الفتن تهتز فيها الناس، وفي القاموس: الهزاهز تحريك البلايا والحروب في الناس، "ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك" على كفره، فانظر واعتبر كيف وقع جميع ما قاله من باب الفراسة الصادقة، وكف هذه المعرفة التامة بالحق وسبق فيه قدر القهار؛ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ولهذا الحب الطبيعي كان أهون أهل النار عذابا؛ كما في مسلم وفي فتح الباري تكملة من عجائب الاتفاق إن الذين أدركهم الإسلام من أعمام النبي ﷺ أربعة لم يسلم منهم اثنان وأسلم اثنان، وكان اسم من لم يسلم ينافي أسامي المسلمين وهما أبو طالب واسمه عبد مناف وأبو لهب واسمه عبد العزى بخلاف من أسلم وهما: حمزة والعباس.
"ثم بعد ذلك بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة" وقيل: بشهر، وقيل: بشهر وخمسة أيام، وقيل: بخمسين يوما، وقيل: بخمسة أشهر، وقيل: ماتت قبله "في رمضان بعد البعث بعشر سنين على الصحيح" كما قال الحافظ، وزاد: وقيل بعده بثمان سنين وقيل: بسبع، "ماتت" الصديقة الطاهرةстр. 557
خديجة ﵂.
وكان ﵊ يسمى ذلك العام عام الحزن، فيما ذكره صاعد.
وكانت مدة إقامتها معه خمسا وعشرين سنة سنة على الصحيح.
ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج ﵇ بسودة بنت زمعة.
الحواشي
(١) "خديجة ﵂" ودخل عليها ﷺ وهي في الموت، فقال: "تكرهين ما أرى منك، وقد يجعل الله في الكره خيرا"، رواه الزبير بن بكار، وأطعمها من عنب الجنة، رواه الطبراني بسند ضعيف وأسند الواقدي عن حكيم بن حزام أنها دفنت بالحجون ونزل ﷺ في حفرتها وهي ابنة خمس وستين سنة، ولم تكن يومئذ الصلاة على الجنازة. "وكان ﵊ يسمي ذلك العام" الذي ماتا فيه "عام الحزن" وقالت له خولة بنت حكيم: يا رسول الله! كأني أراك قد دخلتك خلة لفقد خديجة؟ قال: "أجل، كانت أم العيال وربة البيت"، وقال عبيد بن عمير: وجد عليها حتى خشي عليه حتى تزوج عائشة، رواهما ابن سعد "فيما ذكره صاعد" بن عبيد البجلي أبو محمد، وأبو سعيد الحراني مقبول من كبار العاشرة؛ كما في التقريب، يعني الطبقة التي أخذت عن تبع التابعين كما أفصح عنه في خطبته.
"وكانت مدة إقامتها معه خمسا وعشرين سنة على الصحيح" كما في الفتح، وزاد: وقال ابن عبد البر أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر.
"ثم بعد أيام ممن موت خديجة" الواقع في رمضان "تزوج ﵇" في شوال "بسودة بنت زمعة" بفتح الزاي وإسكان الميم وتفتح؛ كما في القاموس. وبه يرد قول المصباح: لم أظفر بسكونها في شيء من كتب اللغة. وفي سيرة الدمياطي: ماتت خديجة في رمضان وعقد على سودة في شوال ثم على عائشة وبنى بسودة قبل عائشة، والله أعلم.стр. 558
خروجه ﷺ إلى الطائف:
ثم خرج ﵇ إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، في ليال بقين من شوال سنة عشرة.................
الحواشي
(١) خروجه ﷺ إلى الطائف:
"ثم خرج ﵇ إلى الطائف" قال ابن إسحاق: يلتمس النصر من ثقيف والمنعة ورجاء أن يقبلوا منه ما جاء به من الله تعالى، قال المقريزي: لأنهم كانوا أخواله، قال غيره: ولم يكن بينه وبينهم عداوة. "بعد موت خديجة بثلاثة أشهر في ليال بقين من شوال سنة عشرةстр. 559
من النبوة. لما ناله من قريش بعد موت أبي طالب. وكان معه زيد بن حارثة.
فأقام به شهرا، يدعو أشارف ثقيف إلى الله فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه.
الحواشي
(١) من النبوة" هذا على موتها في رجب، لا على ما جزم به أنه في رمضان، وعادة العلماء أنهم إذا مشوا في محل على قول وفي آخر على غيره، لا يعد تناقضا.
"لما ناله" صلة خرج واللام للتعليل، أي: خرج للأذى الذي ناله "من قريش بعد موت أبي طالب وكان معه زيد بن حارثة" فيما رواه ابن سعد عن جبير بن مطعم، وذكر ابن عقبة وابن إسحاق وغيرهما أن خرج وحده ماشيا، فيمكن أن زيدا لحقه بعد ولا يؤيده ما يأتي أنه صار يقيه بنفسه، ولم يحك فيه خلافا كما زعم؛ لأن الآتي إنما هو كلام ابن سعد وحده الذي روى أنه كان معه، "فأقام به شهرا" وقال ابن سعد: عشرة أيام، وجمع في أسنى المطالب بأن العشرة في نفس الطائف العشرين فيما حولها وطريقها وأقرب منه؛ كما قال شيخنا: إن الشهر كله في الطائف، لكنه مكث عشرين قبل اجتماعه بعبد ياليل وعشرة بعده؛ لأنه لم يرجع عقب دعائه بل مكث "يدعو أشراف ثقيف إلى الله" ويدور عليهم واحدا واحدا رجاء أن أحدا يجيبه "فلم يجيبوه" لا إلى الإسلام ولا إلى النصرة والمعاونة.
وعند ابن إسحاق والواقدي وغيرهما أنه ﷺ عمد إلى عبد ياليل ومسعود وحبيب بني عمرو بن عوف وهم أشراف ثقيف وساداتهم، وعند أحدهم صفية بنيت معمر القرشي الجمحي فجلس إليهم وكلمهم بما جاء له من نصرته على الإسلام والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله أرسلك، والثاني: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك، والثالث: والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسول الله، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقال ﷺ من عندهم وقد يئس من خيرهم، وقال: "إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي"، وكره أن يبلغ قومه عنه ذلك فيزيدهم عليه، فلم يفعلوا، وقد أسلم مسعود وحببيب بعد ذلك وصحبا؛ كما جزم به في الإصابة.
وفي عبد ياليل خلف يأتي فيحتمل أن المصنف أراد بأشرافهم هؤلاء الثلاثة، وكأنه لم يعتد بغيرهم أو لأنه دعاهم أولا لكونهم العظماء ثم عمم الدعوة. ففي رواية: إنه لم يترك أحدا من أشرافهم إلا جاء إليه وكلمه فلم يجيبوه وخافوا على أحداهم منه، فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا، والحق بمحابك من الأرض.
"وأغروا" بفتح الهمزة: سلطوا، "به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه" زاد ابن إسحاق: ويصيحونстр. 560
قال موسى بن عقبة: ورموا عراقبيه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلقته الحجارة قعد إلى الأرض؛ فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا.
وفي البخاري ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال،..........
الحواشي
(١) به حتى اجتمع عليه الناس "قال موسى بن عقبة: ورموا عراقيبه" جمع عرقوب لخفته لفظا كعريض الحواجب، "بالحجارة" فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة، "حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره" وهو سليمان التيمي "وكان إذا أزلقته" بمعجمة وقاف: ألمته "الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه" مبالغة في أذاه إذ لم يمكنوه من القعود ليخف تعبه وليتمكنوا من إدامة رميه بالحجارة في المراق والمفاصل التي ألم إصابتها أشد من غيرها، "فإذا مشى رجموه وهم يضحكون" قال ابن سعد: "وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج" زيد، أي: جرح "في رأسه" احتراز عن الوجه إذ الجراحة إنما تسمى شجة إذا كانت في أحدهما، "شجاجا" بكسر المعجمة جمع شجة بفتحها، ويقال أيضا: شجات؛ كما في المصباح.
"وفي البخاري" في ذكر الملائكة من بدء الخلق تاما، وفي التوحيد: مختصرا، "ومسلم" في المغازي والنسائي في البعوث "من حديث عائشة، أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم أشد من يوم" عزوة "أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك" قريش وسقط المفعول في رواية مسلم، وثبت في البخاري بلفظ: "لقيت من قوك ما لقيت"، وأبهمه تعظيما "وكان أشد" بالرفع، ولأبي ذر بالنصب خبر كان واسمه عائد إلى مقدر هو مفعول لقد لقيت، "ما لقيت منهم" من قومك قريش إذ كانوا سببا لذهابي إلى ثقيف، فهو من إضافة الشيء إلى سببه فلا يرد أن ثقيفا ليسوا قومها "يوم العقبة:" ظرف، جزم المصنف بأنها التي بمنى، وفيه ما فيه فأين منى والطائف؟ ولذا قال شيخنا: لعل المراد به هنا موضع مخصوص اجتمع فيه مع عبد يا ليل، لا عقبة منى التي اجتمع فيها مع الأنصار، "إذا" أي: حين "عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عد كلال" كذا في الحديث، والذي ذكره أهل المغازي أن الذي كلمه ﷺ عبد يا ليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه، قاله الحافظ وغيره.стр. 561
فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم أستفق مما أنا فيه إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، وإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين............"
الحواشي
(١) "فلم يجبني إلى ما أردت" منه من النصرة والمعاونة والإسلام "فانطلقت وأنا مهموم على وجهي" قال المصنف: أي الجهة المواجهة لي. وقال الطيبي: أي انطلقت حيرانا هائما لا أدري أين أتوجه من شدة ذلك، "فلم أستفق" أي: أرجع "مما أنا فيه" من الغم "إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابة قد أطلتني فنظرت" إليها "فإذا فيها جبريل" على غير صورته الأصلية، لما مر أنه لم يره عليها إلا بغار حراء وعند سدرة المنتهى، "فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك" لك، كما في الصحيحين فسقط من قلم المؤلف، والأحسن أنه يعني بقومه قريشا وغيرهم لا خصوص ثقيف؛ لأنهم وإن كانوا قومه؛ لأنه بعث إليهم كغيرهم، لكنهم ليسوا بمكة والأخشبان حيطان بها، "وما ردوا به عليك" ظاهر في إنه إخبار عما قاله أشراف ثقيف، ويحتمل أنه أراد قريشا لما دعاهم للإيمان، فقالوا ساحر شاعر كاهن مجنون، وغير ذلك.
"وقد بعث إليك" وفي رواية الكشميهني: وقد بعث الله إليك "ملك الجبال" الذي سخرت له وبيده أمرها، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، "لتأمره بما شئت" فيهم، قال صلى الله علي وسلم: "فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وأنا ملك الجبال وقد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك" هذا لفظ مسلم، زاد الطبري: فما شئت، ولفظ البخاري: ثم قال: يا محمد! ذلك فيما شئت، قال المصنف: ذلك كما قال جبريل، أو كما سمعت منه فيما، ولأبي ذر عن الكشميهني: مما شئت، استفهام جزاؤه مقدر، أي: فعلت، وعزا المصنف لفظه هنا في شرح البخاري للطبراني مع أنه لفظ مسلم كما علمت؛ لأنه كما في الفتح أخرجه من طريق شيخ البخاري فيه: "إن شئت أن أطبق" بضم الهمزة وسكون الطاء وكسر الموحدة، "عليهم الأخشبين" بمعجمتين جبلي مكة: أبا قبيس ومقابله قعيقعان؛ كما جزم به المصنف وغيره، وبه صدر البرهان.
وفي الفتح: وكأنه قعيقعان. وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر المشرف وجهه على قعيقعان، انتهى. وجرى ابن الأثير على الثاني. وقول الكرماني: ثور وهموه، سميا بذلكстр. 562
قال النبي ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له".
وعبد يا ليل؛ بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام -ابن عبد كلال- بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام، وكان ابن عبد يا ليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف.
الحواشي
(١) لصلابتهما وغلظ حجارتهما، ويقال: هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى فوق المسجد. قال الحافظ: والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يصيرا طبقا واحدا وجزء إن مقدر، أي: فعلت.
"قال للنبي ﷺ " لا أشاء ذلك "بل أرجو" وللكشميهني: أنا أرجو "أن يخرج الله" بضم الياء من الإخراج "من أصلابهم من يعبد الله" يوحده قوله: "وحده لا شريك له" تفسيره وهذا من مزيد شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، وعن عكرمة رفعه مرسلا: "جاءني جبريل، فقال: يا محمد! إن ربك يقرئك السلام وهذا ملك الجبال قد أرسله وأمره أن لا يفعل شيئا إلا بأمرك، فقل له إن شئت دممت عليهم الجبال، وإن شئت خسفت بهم الأرض، قال: يا ملك الجبال، فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون لا إله إلا الله، فقال ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رءوف رحيم"، ولعل هذين الاسمين كانا معلومين له عند الملائكة قبل نزول الآية، فلا ينافي أنها من أواخر ما نزل، وبقي أنه قيد فيها بالمؤمنين وهؤلاء كفار فكيف قول الملك، ولعله باعتبار ما رجاه من ربه؛ لأنه محقق.
"وعبد يا ليل بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام" بزنة هابيل؛ كما في القاموس. قال في الإصابة: عبد يا ليل بن عمرو الثقفي، قال ابن حبان: له صحبة ان من الوفد، وقال غيره: إنما هو ولده مسعود اختلف فيه كلام ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: إن القصة لمسعود، انتهى. منه في النوع الرابع فيمن ذكره في الصحابة غلطا.
"ابن عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام" بعد الألف بوزن غراب "وكان ابن عبد ياليل" مسعود أو كنانة "من أكابر أهل الطائف من ثقيف" كأبيه وعميه، وقد روى عبد بن حميد عن مجاهد قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] ، قال: نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، ورواه ابن أبي حاتم عن مجاهد، وزاد: يعني كنانة، وقال قتادة: هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، رواه عبد بن حميد. قال ابن عبد البر: وفد كنانة وأسلم مع وفد ثقيف سنة عشر، وكذا قال ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغير واحد. وقالстр. 563
وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل.
وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته ﵊ بالطائف كانت عشرة أيام.
ولما انصرف ﵇ عن أهل الطائف ولم يجيبوه، مر في طريقه بعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما في حائط لهما، فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصراني -غلامهما- قطف...........
الحواشي
(١) المدائني: وفد في قومه فأسلموا إلا كنانة فقالا: لا يرني رجل من قريش، وخرج إلى نجران ثم إلى الروم فمات بها كافرا. قال في الإصابة: ويقويه ما حكاه ابن عبد البر أن هرقل دفع ميراث أبي عامر الفاسق إلى كنانة بن عبد ياليل لكونه من أهل المدر كأبي عامر، انتهى. فقول النور: لا أعلم له إسلاما تقصير شديد.
"وقرن الثعالب" بفتح القاف وإسكان الراء اتفاقا، وحكى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، قال: وهو غلط، وذكر القابسي: أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي تتفرق منه. وغلط الجوهري في فتحها ونسبة أويس إليها وإنما هو إلى قرن بفتح الراء بطن من مراد "وهو ميقات أهل نجد" تلقاء مكة على يوم وليلة منها "ويقال له" أيضا "قرن المنازل" قال في النور والفتح: وأصله الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
"وأفاد ابن سعد" محمد "أن مدة إقامته ﵊ بالطائف كانت عشرة أيام" خلاف ما مر أنها شهر، ومر الجمع "ولما انصرف ﵇ عن أهل الطائف ولم يجيبوه" ورجع عنه من كان يتبعه من سفهاء ثقيف؛ كما عند ابن إسحاق. "مر في طريقه بعتبه وشيبة ابني ربيعة" الكافرين المقتولين ببدر "وهما في حائطا" بستان إذا كان عليه عليه جدار؛ كما في النور وغيره، وأطلق المصباح "لهما" بشراء أو غيره وهو من بساتين الطائف المنسوبة إليه كما يفيده قول موسى بن عقبة، فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم، فاستظل في ظل حبلة منه وهو مكروب موجع، وكذا قول ابن إسحاق فاجتمعوا عليه وألجئوه إلى حائط لعتبة وسيبة والحيلة، بفتح الحاء والموحدة وتسكن الأصل أو القضيب، من شجر العنب؛ كما في النهاية وغيرها، ولا ينافي استظلاله قوله في الحديث: "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"؛ لجواز أنه لم يعد استظلاله مكروبا موجعا محزونا مفكرا فيما أصابه إفاقة.
"فلما رأيا ما لقي تحركت له رحمهما" قرابتهما؛ لأنهما من بني عبد مناف "فبعثا له مع عداس" بفتح العين وشد الدال فألف فسين مهملات "النصراني غلامهما قطف" بكسر القافстр. 564
عنب، فلما وضع ﷺ يده في القطف قال: "بسم الله، ثم أكل"، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له ﷺ : "من أي البلاد أنت. وما دينك"؟ قال نصراني من نينوى. فقال له ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"؟ قال: وما يدريك؟..............
الحواشي
(١) عنقود "عنب" وعند ابن عقبة: ووضعه عداس في طبق بأمرهما، وقالا له: اذهب إلى ذلك الرجل، فقال له يأكل منه، ففعل ولم يذكر زيد بن حارثة لأن هذا من كلام ابن عقبة، وهو ممن قال إنه خرج وحده، أو لأنه تابع والحامل على بعث القطف إنما هو المصطفى فخص بتقديمة له وخطابه، "فلما وضع ﷺ يده في القطف" ليأكل قال: "بسم الله" فقط كما عند ابن عقبة وابن إسحاق، ووقع في الخميس: "الرحمن الرحيم"، "ثم أكل فنظر عداس إلى جهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له ﷺ : "من أي البلاد أنت؟ وما دينك"؟ قال: نصراني من نينوي" بكسر النون وسكون التحتية فنون مفتوحة على الأشهر. قال أبو ذر: وروي بضمها فواو مفتوحة فألف.
قال ياقوت: ممالة بلد قديم مقابل الموصل خرب وبقي من آثار مشي، وبه كان قوم يونس. وقال الصغاني: هي قرية يونس بالموصل. "فقال له ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى"، بفتح الميم وشد الفوقية مقصور اسم أبيه.
وفي تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه وتبعه صاحب تاريخ حماة قائلا: لم يشتهر بأمه غيره وغير عيسى ورده الحافظ بحديث ابن عباس عند البخاري لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى ونسبه إلى أبيه، فإن فيه إشارة إلى الرد على من زعم أن متى اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، وذكره الطبري وتبعه ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصح، وقيل: سبب قوله: ونسبه إلى أبيه، أنه كان في الأصل يونس بن فلان، فنسي الراوي اسم أبيه وكنى عنه بفلان، فقال الذي نسي يونس بن متى وهي أمه ثم اعتذر، فقال: ونسبه أي شيخه إلى أبيه، أي: سماه فنسيته ولا يخفى بعد هذا التأويل وتكلفه، قال: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس، انتهى من فتح الباري. يؤيده ما نقله الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو يونس واسم أمه برورة أي: صديقة بارة قانتة وهي من ولد هارون، انتهى. فقول السيوطي التأويل عندي أقوى وإن استبعده الحافظ، فيه نظر.
"فقال" عداس "وما يدريك" ما يونس بن متى؟ كما في الرواية، وعند التيمي: فقال عداس: والله لقد خرجت من نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفته وأنت أُمي في أمةстр. 565
قال: "ذاك أخي، وهو نبي مثلي". فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم.
الحواشي
(١) أمية؟ "قال: "ذاك أخي وهو نبي مثلي" وعند ابن عقبة والتيمي: "كان نبيا وأنا نبي"، "فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم" ﵁ وهو معدود في الصحابة، وفي سير التيمي، أنه قال: أشهد أنك عبد الله ورسوله.
وعند ابن إسحاق: ونظر إليه ابنا ربيعة، فقال أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، قال: يا سيدي -بشد الياء مثنى- ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفك عن دينك، فإنه خير من دينه. وفي الروض: ذكروا أن عداسا لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما، فقال: أقتال ذلك الرجل الذي رأيت بحائطكما تريدان؟ والله ما تقوم له الجبال، فقالا له: ويحك يا عداس، سحرك بلسانه. وفي الإصابة عن الواقدي: قيل قتل عداس بدر، وقيل: لم يقتل، بل رجع فمات.следующие страницы →