Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
أمتي، يا رب أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة" قال أبو حامد: والسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءة مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان ابن فلان، قد غفر له وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مَرَّ عليه شيء أسَرَّ من ذلك المقام.
وأما الثالثة: وهي إدخال قوم حوسبوا أن لا يعذبوا، فيدل على ذلك قوله في حديث حذيفة عند مسلم: "ونبيكم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم". وأما الرابعة: وهي في إخراج من أدخل النار من العصاة، فدلائلها كثيرة، وقد روى البخاري عن عمران بن حصين مرفوعًا: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ , فيدخلون الجنة ويسمَّون الجهنميين".
الحواشي
(١) أمتي، فيقال: يا محمد أدخِلْ" بكسر الخاء "من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة" وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب.
"قال أبو حامد" الغزالي: "والسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا" أي: أوراقًا مكتوبًا فيها أعمالهم, "وإنما هي" أي: صورة الصحف "براءة مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان بن فلان, قد غفر له, وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مَرَّ عليه شيء أسرَّ من ذلك المقام" ويحتاج إلى ثبوت ذلك, "وأما الثالثة: وهي إدخال قوم حوسبوا" واستحقوا العذاب "أن لا يعذبوا" تقدَّم أن لفظ عياض وتابعه: أن لا يدخلون النار, "فيدل على ذلك قوله" ﷺ في حديث حذيفة" وأبي هريرة، جميعًا "عند مسلم: "ونبيكم" قائم "على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم" مرتين كما في مسلم، كلفظ قائم، فإسقاطه, وذكر سلّم مرة واحدة مع العزو لمسلم لا يليق، ولعل وجه دلالته أنَّ قوله ذلك على الصراط يستدعي طلب منع تعذيبهم بعد استحقاقهم للعذاب، أي: رب سلمهم من الوقوع في النار.
"وأمَّا الرابعة: وهي في إخراج من أدخل النار من العصاة, فدلائلها كثيرة، وقد روى البخاري" وأبو داود والترمذي وابن ماجه "عن عمران بن حصين مرفوعًا" عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ , فيدخلون الجنة ويسمّون" بفتح الميم المشددة "الجهنميين" , وللبخاري عن أنس مرفوعًا: "يخرج من النار قوم بعدما احترقوا, فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين"، زاد في حديث أبي سعيد عند الطبراني: "من أجل سواد فيстр. 5847
وأمَّا الخامسة: وهي في رفع الدرجات، فقال النووي "في الروضة": إنها من خصائصه ﷺ , ولم يذكر لذلك مستندًا, فالله أعلم.
وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة، وهي شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب, لما ثبت في الصحيح أنَّ العباس قال لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار, فأخرجته إلى ضحضاح" , وفي الصحيح أيضًا من طريق أبي سعيد, أنه ﷺ قال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة, فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه".
الحواشي
(١) وجوههم، فيقولون: يا ربنا أذهب عنَّا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون من نهر في الجنة، فيذهب ذلك الاسم عنهم.
"وأمَّا الخامسة: وهي في رفع الدرجات، فقال النووي في الروضة: إنها من خصائصه ﷺ , ولم يذكر لذلك مستندًا" أي: دليلًا, فالله أعلم" بذلك.
"وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة, وهي شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب" عنه؛ "لما ثبت في الصحيح" للبخاري ومسلم، "أنَّ العباس قال لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب كان يحوطك -بضم الحاء المهملة من الحياطة وهي المراعاة- وفي رواية: يحفظك, "وينصرك" يعينك على ما تريد فعله, "ويغضب لك" أي: لأجلك, إشارةً إلى ما كان يرد به عنه من القول والفعل, "فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم, وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح" بضادين معجمتين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة, وأصله الماء الذي يبلغ الكعب، ويقال أيضًا لما قرب من الماء وهو ضد الغمر، والمعنى: إنه خفف عنه العذاب كما في الفح وغيره، وصريح هذا الحديث: إنه خفف عنه عذاب القبر في الدنيا, ويوم القيامة يكون في ضحضاح أيضًا كما في الحديث الآخر، وهو "وفي الصحيح" للبخاري ومسلم "أيضًا من طريق أبي سعيد" الخدري, أنه ﷺ قال" وذكر عنده عمه أبو طالب "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي" بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر اللام "منه دماغه".
وفي رواية أم دماغه، أي: رأسه, من تسمية الشيء بما يقاربه ويجاروه، وصرح العلماء بأن الرجاء من الله ومن نبيه للوقوع، بل قال في النور عن بعض شيوخه، إذا وردت عن الله ورسله وأوليائه معناها التحقيق، ولا يشكل هذا بقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ؛ لأنه خصстр. 5848
وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد، رفعه: "لا يثبت أحد على لأوائها إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة".
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن متعلقها لا يخرج عن واحد من الخمس الأول، وبأنه لو عدَّ مثل ذلك لعد حديث عبد الملك بن عباد: سمعت النبي ﷺ يقول: "أول من أشفع له أهل المدينة, ثم أهل مكة, ثم أهل الطائف". رواه البزار، وأخرى: لمن زار قبره الشريف، وأخرى: لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه ﷺ ،
الحواشي
(١) من عموم الآية لصحة الحديث.
قاله البيهقي: ولذا عدّ في الخصائص النبوية، أو لأنَّ المنفعة الإخراج من النار، وفي الحديث بالتخفيف قاله القرطبي، وقيل غير ذلك كما مَرَّ في وفاة أبي طالب مع شرح الحديثين مبسوطًا.
"وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة لحديث سعد" بسكون العين ابن أبي وقاص، وحديث أبي سعيد سعد بن مالك الخدري "رفعه: "لا يثبت" المتقدم- لا يصبر "أحد على لأوائها" شدتها وجوعها, "إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة" تقدَّم مشروحًا في فضل المدينة.
"وتعقَّبه الحافظ ابن حجر بأن متعلقها بفتح اللام المشددة، أي: الشفاعة "لا يخرج عن واحد من الخمس الأُوَل" فليست بزائدة, وبأنه لو عُدَّ مثل ذلك لعُدَّ حديث عبد الملك بن عباد" بن جعفر المخزومي.
ذكره ابن شاهين وغيره في الصحابة، وقال في البخاري في تاريخه: سمع النبي ﷺ , وذكره ابن حبان في التابعين، وقال: من زعم أن له صحبة فقد وهم، قال الحافظ: فماذا يصنع بقوله: "سمعت النبي ﷺ يقول: "أول م أشفع له أهل المدينة, ثم أهل مكة, ثم أهل الطائف" رواه البزار" في مسنده, وابن شاهين, وأخرجه الزبير بن بكار من طريق أخرى عن محمد بن عباد بن جعفر, عن النبي ﷺ مرسلًا، فإن كان عبد الملك أخا محمد حكمنا بأن قوله: سمعت وهم من بعض رواته؛ لأن والدهما عبادًا لا صحبة له. انتهى.
وكان هذا من إرخاء العنان لابن حبان، وإلّا فمعلوم تقديم رواية الوصل على الإرسال, وتقديم من أثبت الصحبة، لا سيما البخاري على من نفاها بلا دليل؛ إذ المثبت تمسك بقوله: سمعت النبي ﷺ , وأخرى: لمن زار قبره الشريف" للحديث السابق: "من زار قبري وجبت له شفاعتي" , "وأخرى: لمن أجاب المؤذّن ثم صلى عليه ﷺ , ثم سأل له الوسيلة، قال: "فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت عليه الشفاعة" كما في مسلم وغيره، وتقدَّم في مقصد المحبة, وأخرى فيстр. 5849
وأخرى في التجاوز عن تقصير الصلحاء. لكن قال الحافظ ابن حجر: إنها مندرجة في الخامسة.
وزاد القرطبي: إنه أوَّل شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، [ويدل له ما رواه.....] .
وزاد في فتح الباري أخرى: فيمَنْ استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، لما أخرجه الطبراني، عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب, والمقتصد يرحمه الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون بشفاعته ﷺ .
وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنَّهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
الحواشي
(١) التجاوز عن تقصير الصلحاء، لكن قال الحافظ ابن حجر" العسقلاني: "إنها مندرجة" أي: داخلة "في الخامسة" التي هي رفع الدرجات, فليست بزائدة, "وزاد القرطبي: إنه أوَّل شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس, ويدل عليه ما رواه".
وزاد في فتح الباري أخرى: فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة, لما رواه الطبراني عن ابن عباس" عن النبي ﷺ : "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" "قال" ابن عباس عقبه، موقوفًا عليه، "السابق بالخيرات", وهو الذي يضمّ إلى العمل بالكتاب التعليم والإرشاد إلى العمل به "يدخل الجنة بغير حساب, والمقتصد" الذي يعمل بالكتاب في غالب الأوقات يرحمه الله, والظالم لنفسه" بالتقصير بالعمل به, "وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعته ﷺ , وأرجح الأقوال" الاثنى عشر "في أصحاب الأعراف" سور بين الجنة والنار، وقيل: جبل أحد يوضع هناك كما في التذكرة "أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم".
وأخرج ابن مردويه وأبو الشيخ عن جابر: سئل ﷺ عَمَّن استوت حسناته وسيئاته فقال: "أولئك أصحاب الأعراف, لم يدخلوها وهم يطمعون"، وأخرج البيهقي عن حذيفة رفعه: "يجمع الناس يوم القيامة، فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة, ويؤمر بأهل النار إلى النار، ثم يقال لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قاوا: ننتظر أمرك, فيقال لهم: إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها, وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم، فادخلوا بمغفرتي ورحمتي"، فهذا نص المصطفى، ولذا رجَّحه القرطبي وقال: القول الثاني: قوم صالحون فقهاء علماء، والثالث: الشهداء, والرابع، فضلاء المؤمنين، والشهداء فرغوا من شغل أنفسهم وتفرَّغوا لمطالعة أحوال الناس، والخامس: قوم خرجوا للجهاد عصاة بغير إذن آبائهم، فتعادل عقوقهم واستشهادهم، وردَّ به حديث السادس:стр. 5850
وشفاعة أخرى وهي شفاعته فيمن قال: "لا إله إلا الله" ولم يعمل خيرًا قط، لرواية الحسن عن أنس: "فأقول: يا رب, ائذن لي في الشفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي لأخرجنَّ من النار من قال: لا إله
الحواشي
(١) عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس وهم من كل أمة، السابع: فئة من الأنبياء، الثامن: قوم لهم صغائر لهم تكفَّر عنهم بالآلام, والمصائب في الدنيا, ولا كبائر لهم، فوقفوا لينالهم بالحبس غم يقابل صغائرهم، التاسع: أصحاب الذنوب العظام من أهل القبلة، العاشر: أولاد الزنا, الحادي عشر: ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، الثاني عشر: هم العباس وحمزة وعلي وجعفر. انتهى كلام القرطبي.
قال السيوطي: القول الخامس والثامن يمكن اجتماعهما مع الأوّل، لأنَّ المدار في كل على تساوي الحسنات والسيئات، فتجتمع الأحاديث كلها ويقطع بترجيحه, "وشفاعة أخرى: وهي شفاعته ﷺ فيمن قال: لا إله إلا الله" محمد رسول الله؛ لأنها علم عليهما شرعًا, "ولم يعمل خير قط لحديث الحسن" البصري "عن أنس" بن مالك في الصحيحين: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر ساجدًا، فيقال: ارفع رأسك, وقل يسمع لك، وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب ائذن لي في الشفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله".
قال الحميدي: يعني: من قالها من أمته، وقال أبو طالب عقيل بن أبي طالب: يحتمل ذلك, ويحتمل من قالها من كل أمة، ويؤيده طلبه الإذن في الشفاعة؛ لأنه أذن له في الشفاعة في أمته؛ لأنه إنما يقدم عليها بإذنه, قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٥٥] ، وحالات المشفوع فيه أربع: من عنده مثقال برة، ومن عنده مثقال ذرة، ومن عنده أدنى ذرة، والرابعة: من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله مرة واحدة صدقًا من قلبه، ثم غفل عن استصحابها. قال الحميدي: لأنه إن قالها مرتين، فالثانية خير زائد على الإيمان يرجع إلى أحد المقادير الأول, "قال: ليس ذلك لك" وإنما أفعله تعظيمًا لاسمي, وإجلالًا لتوحيدي، ولا يقال: أطلق تعالى في السؤال ووعده الإعطاء, ووعده تعالى صدق؛ لأنه إنما وعد ما يمكن إعطاؤه, وهذا غير ممكن؛ لأنه مما استأثر الله به، وإنما سأله المصطفى ظنًّا أن إعطاءه ممكن؛ لأنه وإن علمه في الدنيا فيجوز أن ينساه في الآخرة لجواز النسيان عليه، ولا سيما ذلك اليوم، وقد يتعيِّن هذا؛ لأنه لا يجوز أن نبيًّا يسأل ما يعلم أنه لا يمكن، قاله أبو عبد الله الأبي, "ولكن وعزَّتي" غلبتي على الجبارين وقهري لهم, "وكبريائي" عبارة عن كمال يقتضي ترفعًا على الغير، ولذا حرَّم في حق المخلوق ووجب لله؛ لأن له الكمال المطلق, وأصله من كِبَر السن أو كبر الجرم, "وعظمتي" بمعنى الكبرياء، لكنها لا تقضي تعظمًا على الغير كما يقتضيه الكبرياء؛ ولأنها تستعملстр. 5851
إلا الله".
فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى.
فإن قلت: فأي شفاعة ادَّخرها ﷺ لأمته؟ أمَّا الأولى: فلا تختص بهم, بل هي لإراحة الجمع كلهم، وهي المقام المحمود كما تقدَّم، وكذلك باقي الشفاعات, الظاهر أنه يشاركهم فيها بقية الأمم.
فالجواب: إنه يحتمل أنَّ المراد الشفاعة العظمي التي للإراحة من هول الموقف, وهي وإن كانت غير مختصة بهذه الأمَّة, لكن هم الأصل فيها، وغيرهم تبع لهم، ولهذا كان اللفظ المنقول عنه ﷺ فيها أنه قال: "يا رب أمتي أمتي"
الحواشي
(١) فيما لا يستعمل فيه التعاظم، فيقال: كبير السن ولا يقال عظيمه.
زاد في رواية مسلم: "وجبريائي" بكسر الجيم لموازاة كبريائي, كما قالوا: الغدايا والعشايا, والأصل: وجبروتي, وهو العظمة والسلطان والقهر, "لأخرجنَّ" بفضلي بغير شفاعة "من النار من قال: لا إله إلا الله" من كل أمة، والظاهر أنَّه لا يأتي هنا احتمال التخصيص بالمحمدية, "فالوارد" أي: الزائد لا أنه يعترض بها "على الخمسة أربعة" هي الشفاعة في أبي طالب, وزائر القبر الشريف, ومجيب المؤذن, ومن استوت حسناته وسيئاته, ولم يعد زيادة القرطبي أنه أوّل شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، كأنه لأنها ليست بذاتها شفاعة, وإنما خص بأوليتها, "وما عداها لا يرد كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين" اللذين مَرَّ عليهما النبي ﷺ , فسمع صوتهما، فقال: "يعذبان وما يعذبان في كبير"، ثم قال: "بلى, كان أحدهما لا يستبرئ من بوله, وكان الآخر يمشي بالنميمة"، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين، فوضع على كل قبر منهما كسرة، وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا" كما في الصحيحين, "وغير ذلك, لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى" كلام الحافظ.
"فإن قلت: فأي شفاعة ادَّخرها ﷺ لأمته، أمَّا الأولى: فلا تختص بهم، بل هي لإراحة الجمع" أي: جمع الخلق كلهم من هول الموقف, وهي المقام المحمود كما تقدَّم، وكذلك باقي الشفاعات, الظاهر أنه يشاركهم" أي: أمته, "فيها بقية الأمم, فالجواب أنه يحتمل أنَّ المراد الشفاعة العظمى التي للإراحة من هول الموقف، وهي وإن كانت غير مختصَّة بهذه الأمة، لكن هم الأصل فيها وغيرهم تبع لهم" فيها, "ولهذا كان اللفظ المنقول عنه ﷺ فيها" في الشفاعة العامة "أنه قال: "يا رب أمتي أمتي" بناءً على إبقائه على ظاهره،стр. 5852
فدعا لهم, فأجيب، وكان غيرهم تبعًا لهم في ذلك، ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية، وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب, هي المختصة بهذه الأمة، فإنَّ الحديث الوارد فيها: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" الحديث. ولم ينقل ذلك في بقية الأمم، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس. وكون غير هذه الأمة يشاركونهم فيها أو في بعضها, لا ينافي أن يكون ﷺ أخَّرَ دعوته شفاعة لأمته، فلعله لا يشفع لغيرهم من الأمم, بل يشفع لهم أنبياؤهم, ويحتمل أن تكون الشفاعة لغيرهم تبعًا كما تقدَّم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم بالشفاعة التي ادَّخرها لأمته.
الحواشي
(١) وأنه لا تقصير فيه من الراوي ولا وهم, "فدعا لهم فأجيب, وكان غيرهم تبعًا لهم في ذلك, وهذا يصلح جوابًا عن إشكال الداودي السابق.
ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية, وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب هي المختصة بهذه الأمة, فإن الحديث الصحيح الوارد فيها: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب...." الحديث في الصحيحين عن ابن عباس مطولًا، وللترمذي وحسَّنه عن أبي أمامة رفعه: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم وا عذاب, مع كل ألف سبعون ألفًا, وثلاث حثيات من حثيات ربي" , ولأحمد وأبي يعلى عن الصديق رفعه: "فاستزدت ربي فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا" , وللطبراني والبيهقي عن عمرو بن حزم الأنصاري رفعه: "فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا، قلت: رب وتبلغ أمتي هذا؟ قال: أكمل لك العدد من الأعراب"، ولأحمد والبزار والطبراني عن عبد الرحمن بن أبي بكر رفعه: "إن ربي أعطاني سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب" فقال عمر: فهلّا استزدته؟ قال: "قد استزدته, فأعطاني ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب" فقال عمر: فهلّا استزدته؟ قال: "قد استزدته، فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا"، قال عمر: فهلّا استزدته؟ قال: "قد استزدته, فأعطاني، هكذا وفرج بين يديه وبسط باعيه وحثا"، وللطبراني بسند جيد رفعه: "إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالًا ونساء يدخلون الجنة بغير حساب"، وظاهر أن لا تعارض؛ لأنه أخبر سبعين ألفًا قبل الاستزادة, فلمَّا حصلت أخبر بها, ولم ينقل ذلك" أي: مثله "في بقية الأمم" فيقوى احتمال أنها الشفاعة التي ادَّخرها لأمته.
ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس, وكون غير هذه الأمة يشاركونهم فيها" كلها, "أو في بعضها لا ينافي أن يكون ﵇ أخَّر دعوته شفاعةً لأمته, فلعله لا يشفع لغيرهم من الأمم, بل يشفع لهم أنبياؤهم.
ويحتمل أن تكون الشفاعة لغيرهم تبعًا كما تقدَّم مثله في الشفاعة العظمى والله أعلمстр. 5853
وعن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما في الأرض من شجرة ومدرة" رواه أحمد.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "نحن آخر الأمم وأوّل من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها، فنحن الآخرون الأوّلون" رواه ابن ماجه.
وفي حديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي مرفوعًا: "فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى منادٍ: أين محمد وأمته, فأقوم وتتبعني أمتي غرًّا محجَّلين من أثر الطهور" , قال رسول الله ﷺ : "فنحن الآخرون الأوّلون, وأول من يحاسب، وتفرج لنا الأمم عن طريقنا وتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها" , وقد صحَّ أن أوَّل ما يقضى بين الناس في الدماء. رواه البخاري.
الحواشي
(١) بالشفاعة التي ادَّخرها لأمته.
وعن بريدة -بضم الموحدة مصغر, "أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إني لأرجو" ورجاؤه محقق الوقوع, "أن أشفع يوم القيامة" شفاعات كثيرة "عدد ما على الأرض" أو التقدير: في جمع عددهم كعدد ما على الأرض, والأول أولى لاقتضائه كثرة الشفاعات.
وفي رواية الطبراني والبيهقي: لأكثر مما على وجه الأرض "من شجرة ومدرة" بفتحتين- التراب المتلبد واحده مدر -بزنة قصب وقصبة, وقد جاء أيضًا بالجمع من شجر ومدر.
"رواه أحمد" والطبراني في الأوسط, والبيهقي, "وعن ابن عباس، أنَّ النبي ﷺ قال: "نحن آخر الأمم" في الوجود في الدنيا, "وأول من يحاسب" يوم القيامة, "يقال: أين الأمة الأمية" نسبة إلى نبيها, فلا ينافي أن كثيرًا من الأمَّة يكتب, "ونبيها، فنحن الآخرون" في الوجود, الأولون في الحساب وغيره.
"رواه ابن ماجه، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود" سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي مرفوعًا: "فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى منادٍ" للتشريف: "أين محمد وأمته، فأقوم وتتبعني أمتي غرًّا محجَّلين من أثر الطهور" بضم الطاء وفتحها.
"قال رسول الله ﷺ : "فنحن الآخرون الأولون, وأول من يحاسب وتفرج" بفتح التاء وكسر الراء توسع "لنا الأمم عن طريقنا، وتقول الأمم: كادت" قاربت, "هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها" لما لهم من الشمائل الحسنة والنور الظاهر.
"وقد صحَّ أن أول ما يقضى" بضم أوله "بين الناس" يوم القيامة في الدماء التي جرت بينهم في الدنيا تعظيمًا لأمرها، فإن البداءة تكون بالأهم فالأهم, وهي حقيقة بذلك، فإن الذنوبстр. 5854
وللنسائي مرفوعًا: "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء".
وفي البخاري عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة"، يريد قصته في مبارته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش, قال أبو ذر: وفيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل فيه، وعن ماله
الحواشي
(١) تعظم بحسب عظم المفسدة الواقعة بها، أو بحسب فوات المعصية المتعلقة بعدمها, وهدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد.
قال بعض المحققين: ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر أعظم منه "رواه البخاري" في الرقاق والديات, ومسلم في الحدود عن ابن مسعود، قال النبي ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس في الدماء" , ولبعض رواة البخاري: بالدماء -بموحدة بدل في- ولما احتمل اللفظ من حيث هو أنَّ الأولية خاصَّة بما يقع الحكم فيه بين الناس, وأنها أولية مطلقًا، وجاء ما يؤيد الأول، أتبعه به فقال: "وللنسائي" عن ابن مسعود مرفوعًا: "أول ما يحاسب عليه العبد" الإنسان حرًّا أو عبدًا, ذكرًا أو أنثى "الصلاة"؛ لأنها أمَّ العبادات وأول الواجبات بعد الإيمان, "وأول ما يقضى بين الناس في الدماء"؛ لأنها أكبر الكبائر بعد الكفر ولا تناقض؛ لأن هذا في حق الخلق، والصلاة في حق الحق.
قال الحافظ العراقي: وظاهر الأخبار أنَّ لذي يقع أولًا المحاسبة على حق الله, "وفي البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أنا أوّل من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة, يريد" على "قصته في مبارزته" بإضافة المصدر للفاعل, "هو وصاحباه حمزة وعبيدة بن الحارث المطلبي, الثلاثة بالنصب مفعول مبارزة من كفار قريش, وهم شيبة بن ربيعة, وأخوه عتبة -بضم المهملة وإسكان الفوقية- وابنه الوليد بن عتبة، ومرت قصتهم في بدر, وتصحف اسم عتبة في عبارة بعتيبة، فحيرت من رآها.
"قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] ومَرَّ أن الثلاثة الكفار قتلوا, وأن عبيدة الصحابي استشهد.
وعن أبي هريرة" الذي في الترمذي, عن أبي برزة الأسلمي "قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد" عن الموضع الذي هو واقف فيه, "يوم القيامة, حتى يسأل عن أربع: عنстр. 5855
من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وفي البخاري من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "من نوقش الحساب عذّب".
وروى البزار عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم
الحواشي
(١) عمره فيما أفناه" طاعة أم عصيان, "وعن علمه فيما عمل به" هل أخلص فيه لله تعالى أم لا، كذا في النسخ, والذي في الترمذي: "علمه ما عمل فيه" , وله من رواية ابن مسعود: "وماذا عمل فيما علم" , "وعن ماله من أين اكتسبه" من حلال أو حرام أو شبهة, "وفيما أنفقه" أفي وجوه الطاعات أو ضدها, "وعن جسمه فيما أبلاه" أي: أفناه.
وفي رواية ابن مسعود: "وعن شبابة فيما أبلاه" , "رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح" لكن عن أبي برزة الأسلمي لا عن أبي هريرة.
ورواه أيضًا عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وماذا عمل فيما علم"، وعدها تارة أربعًا وأخرى خمسًا بالاعتبار؛ لأن السؤال عن المال كسبًا وإنفاقًا يعد مرة أو مرتين.
وفي البخاري في العلم والرقاق ومسل "من حديث عائشة, أن النبي ﷺ قال: من مبتدأ موصول "نوقش" بضم أوله وكسر القاف صلة الموصول "الحساب" نصب على المفعولية, أي: من ناقشه الله، أي: استقصى حسابه, "عُذِّب" بضم أوله مبني للمفعول خبر المبتدأ, قال عياض: له معنيان، أحدهما: إن نفس مناقشة الحساب وعرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف والتوبيخ تعذيب، والثاني: إنه يفضي إلى استحقاق العذاب؛ إذ لا حسنة للعبد إلّا من عند الله لإقداره عليها وتفضيله عليه بها وهدايته لها؛ ولأن الخالص لوجهه قليل، ويؤيد هذا الثاني قوله في الرواية الأخرى: هلك.
وقال النووي: التأويل الثاني هوالصحيح؛ لأن التقصير غالب على الناس، فمن استقصى عليه ولم يسامح هلك,. وبقية الحديث، قالت: أي عائشة، قلت: أليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ ، قال: "ذلك العرض".
"وروى البزار عن أنس بن مالك, عن النبي ﷺ قال: "يخرج" أي: يؤتى "لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين, ديوان فيه العمل الصالح" الذي عمله في الدنيا, "وديوان فيه ذنوبه،стр. 5856
من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمة -أحسبه قال: من ديوان النعم: خذي بثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح, وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم، وقد ذهب العمل الصالح, فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا، قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك -أحسبه قال: ووهبت لك نعمي".
وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليختصمنَّ كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا".
وعن أنس: بينا رسول الله ﷺ جالس؛ إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه،
الحواشي
(١) وديوان فيه النعم من الله عليه، فيقول الله لأصغر نعمه -أحسبه" أي: أظنه "قال: من ديوان النعم" يعني أنه تحقق أنه قال لأصغر نعمه دون قوله من ديوان النعم, فلم يتحققه، وإنما ظنّه "خذي بثمنك من عمله الصالح, فتستوعب" تلك النعمة "عمله الصالح" كله, "وتقول: وعزتك ما استوفيت" ثمني, "وتبقى الذنوب والنعم".
"وقد ذهب العمل الصالح" جملة حالية, "فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا قال: يا عبدي, قد ضاعفت لك حسناتك" الحسنة بعشرة, إلى أكثر مما شاء الله, "وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه" أظنه "قال: ووهبت لك نعمي" وللطبراني عن واثلة رفعه: "يبعث الله يوم القيامة عبدًا لا ذنب ل، فيقول الله، بأي الأمرين أحبّ إليك, أن أجزيك بعملك أو بنعمتي عليك، قال: رب أنت تعلم أنِّي لم أعصك، قال: خذوا عبدي بنعمة من نعمي، فما تبقى له حسنة إلّا استغرقتها تلك النعمة, فيقول: رب بنعمتك ورحمتك".
"وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليختصمنَّ كل شيء" من الأشياء التي وقع فيها ما يوجب الخصومة "يوم القيامة, حتى الشاتان فيما" أي: في أي شيء "انتطحتا" عدلًا من الحكم العدل, ثم تكون البهائم كلها ترابًا، ولأحمد عن أبي هريرة قال: "يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير, فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كونا ترابًا، فذلك حين يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا" ولأحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني، قال: حدِّثت أنَّ البهائم إذا رأت بني آدم قد تصدعوا من بين يدي الله صنفين, صنفًا إلى الجنة وصنفًا إلى النار, تناديهم البهائم: يا بني آدم، الحمد لله الذي لم يجعلنا اليوم مثلكم, لا جنة نرجوا ولا عقابًا نخاف".
وعن أنس: بينا رسول الله ﷺ جالس؛ إذ رأيناه ضحك حتى بدت" ظهرت "ثناياهстр. 5857
فقال له عمر: ما أضحك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب, خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله: ما تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء, قال: يا رب, فليتحمل من أوزاري" وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء, ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم, يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم, فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر، فقال: يا رب, أرى مدائن من ذهب وفضة مكلَّلة باللؤلؤ, لأي نبي هذا، أو لأي صديق هذا، أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن يعطي الثمن، فقال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب, فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى، فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة"، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم, فإن الله يصلح بين المسلمين يوم القيامة " رواه
الحواشي
(١) فقال له عمر" بن الخطاب: "ما أضحكك يا رسول الله" أفديك "بأبي أنت وأمي، قال: "أضحكني رجلان" أي: خبر رجلين "من أمتي, جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب, خذ لي مظلمتي" بفتح الميم وكسر اللام "من أخي" في الدين, "فقال الله" للطالب "ما تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء، قال: يا رب, فليحمل من أوزاري" وفاضت" سالت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء" شفقة ورأفة ورحمة على المؤمنين, ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم يحتاج الناس" إلى "أن يحمل عنهم من أوزارهم, فقال الله" للطالب "ارفع بصرك" إلى جهة العلوّ, فنظر "فقال: يا رب, أرى" أبصر "مدائن من ذهب وفضة مكلَّلة باللؤلؤ" وفي نسخة: باللآليء -بالجمع, "لأيّ نبي هذا، أو لأيّ صديق هذا، أو لأيّ شهيد هذا، قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب, ومن يملك ذلك؟ الثمن قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ " أي بأي شيء أملكه يا رب, "قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب, فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة" معك، فعفا بفضله عنهما جميعًا وأرضى الخصم عن مظلمته, فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم" أي: الحال الذي يقع به الاجتماع, يتلاقى خل الشيء, "فإن الله يصلح بين المسلمين" , وفي لفظ: المؤمنين "يوم القيامة" أي: يوفِّق بينهم بإلهام المظلوم العفو عن ظالمه, وتعويضه عن ذلك بأحسن الجزاء.
وللطبراني بسند حسن عن أنس رفعه: "إذا التقى الخلائق يوم القيامة نادى منادٍِ: يا أهل الجمع, تداركوا المظالم بينكم, وثوابكم عليَّ" وله أيضًا عن أم هانيء رفعته: "إن الله يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، ثم ينادي منادٍ من تحت العرش: يا أهل التوحيدстр. 5858
الحاكم والبيهقي في البعث, كلاهما عن عبَّاد بن أبي شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. كذا قال.
وقد نقل: لو أنَّ رجلًا له ثواب سبعين نبيًّا، وله خصم بنصف دانق, لم يدخل الجنَّة حتى يرْضى خصمه. وقيل: يؤخذ بدانق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم. ذكره القشيري في التحبير.
ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال؛ لأنَّ الوزن للجزاء, فينبغي أن يكون بعد المحاسبة, فإن المحاسبة لتقدير الأعمال, والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها.
الحواشي
(١) إن الله قد عفا عنكم، فيقوم الناس, فيتعلّق بعضهم ببعض في ظلامات، فينادي منادٍ: يا أهل التوحيد, ليعفو بعضكم عن بعض وعليَّ الثواب".
قال الغزالي: هذا محمول على من تاب من الظلم ولم يعد إليه, وهم الأوَّابون في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٣٥] .
قال القرطبي: وهذا تأويل حسن، قال: أو يكون فيمن له خبيئة, من عمل صالحًا يغفر الله له به, ويرضي خصماءه, ولو كان عامًّا في جميع الناس ما دخل أحد النار.
"رواه الحاكم والبيهقي في البعث, كلاهما" وكذا رواه أبو يعلى وسعيد بن منصور, كلهم "عن عبَّاد بن أبي شيبة الحبطي" بفتح المهملة والموحَّدة, نسبة إلى الحبطات, بطن من تميم "عن سعيد بن أنس، عنه" أي: عن أبيه أنس بن مالك, "وقال الحاكم: صحيح الإسناد، كذا قال: "تبرأ منه لقول الذهبي: عباد ضعفوه, وشيخه سعيد لا يعرف, فأنى له الصحة. انتهى.
ونزاعه إنما هو في الصحة, وإلّا فله شواهد ترفعه إلى درجة الحسن، منها حديث أنس, وإسناده حسن, وحديث أم هانيء السابقان.
"وقد نقل: لو أنَّ رجلًا له ثواب سبعين نبيًّا, وله خصم بنصف دانق, لم يدخل الجنة حتى يرضى خصمه" هذا إن صحَّ لا يعارض ذلك؛ لأنَّ الله إذا أراد أرضى خصمه عنه وجازاه، فصدق أنه أرضى خصمه, فليس فيه تقوية لتضعيف الحديث، كما أومأ له المصنف, "وقيل: يؤخذ بدانق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم، ذكره القشيري" أبو القاسم "في التحبير".
وهذا أيضًا لا يعارض؛ لأنها إذا أخذت وقد عفا الله أدخله الجنة برحمته، وقوله: "ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال, والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها" نقله فيстр. 5859
وقد ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع، وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع، فقيل: إن صورة الإفراد محمولة على أنَّ المراد الجنس، جمعًا بين الكلامين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال، فيكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله، ذهبت طائفة إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم، وليس المراد حقيقة العدد، وهو نظير قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾
الحواشي
(١) التذكرة عن العلماء، وقال: أفاد بهذا تقديم الحساب على الميزان، وأن المراد بالحساب السؤال، ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنة بغير حساب ولا للكفار، وإنما للميزان للمخلصين من المؤمنين.
قال السيوطي: ومن ثَمَّ بُدِئَ بإلقاء الكفار في النار، قال: ولم يتعرَّض القرطبي للميزان والصراط أيهما قبل، لكن صنيعه وصنيع البيهقي يدلان على أن الميزان قبل؛ لأنهما ذكرا أبواب الميزان قبل الصراط، ووقع في كلام القرطبي نقلًا عن بعضهم استطرادًا ما يقتضي أنَّ الحساب قبل الصراط، وفي أثر أيفع الكلاعي ما يقتضي أنَّ الحساب على قناطر الصراط. انتهى.
"وقد ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع": ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه﴾ [المؤمنون: ١٠٢] وأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَان﴾ ، فالمراد: النهي عن عدم تحرير الوزن في معاملات الدنيا, والأمر بإقامة العدل فيما بينهم, "وجاءت السنة بلفظ الإفراد"؛ كقوله ﷺ : "خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض".
رواه ابن مردويه, وقوله ﷺ : "يوضع الميزان يوم القيامة, فلو وضعت فيه السماوات والأرض لوسعت"....... الحديث.
رواه الحاكم "والجمع" كقوله ﷺ : "توضع الموازين"، وكحديث حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل، رواه ابن جرير, "فقيل" في وجه الجمع بينهما: "إن صورة الإفراد محمولة على أنَّ المراد الجنس" الصادق بالمتعدد "جمعًا بين الكلامين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال, فيكون هناك موازين للعامل الواحد, يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله, كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لأجله ... فلكل حادثة لها ميزان
"وذهبت طائفة" وهم الأكثرون "إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم, وليس المراد حقيقة العدد" أي: الجمع الذي أقلّه ثلاثة, "وهو نظير قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] والمراد رسول واحد،" وهو نوحстр. 5860
[الشعراء: ١٠٥] والمراد رسول واحد، وهذا هو المعتمد، وعليه الأكثرون.
واختلف في كيفية وضع الميزان، والذي جاء في أكثر الأخبار، أنَّ الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة، وكفة السيئات مقابل النار. ذكره الحكيم الترمذي في "نواد الأصول".
واختلف أيضًا في الموزون نفسه, فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها, وهي وإن كانت أعراضًا إلّا أنها تجسَّم يوم القيامة فتوزن، وقال بعضهم: الموزون صحائف الأعمال، ويدل له حديث البطاقة المشهرة، وقد رواه الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، يرفعه بلفظ: "إن الله يستخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟
الحواشي
(١) ﵇, "وهذا هو المعتمد وعليه الأكثرون" وقيل: الجمع باعتبار العباد وأنواع الموزونات.
"واختلف في كيفية وضع الميزان: والذي جاء في أكثر الأخبار أن الجنة توضع عن يمين العرش, والنار عن يسار العرش، ثم يؤتَى بالميزان" مذكّر, وأصله الواو, لجمعه على موازين "فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة, وكفة السيئات مقابل النار" بتثليث كاف كفة، كما ذكره صاحب القاموس في كتابه المثلثات.
"ذكره الحكيم الترمذي" محمد بن علي "في نوادر الأصول" اسم كتاب له, "واختلف أيضًا في الموزون نفسه، فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها، وهي وإن كانت أعراضًا" والعرض لا يقوم بنفسه ولا يوصف بخفة ولا ثقل, "إلّا أنها تجسَّم يوم القيامة فتوزن" كما جاء عن ابن عباس, ولا يلزم من ذلك محال لذاته, وإن عجزت عقولنا عن إدراكه, فنكل علمه إلى الله ولا نشتغل بكيفيته, "وقيل: الموزون صحائف الأعمال" وصحَّحه ابن عبد البر والقرطبي, "ويدل له حديث البطاقة المشهور".
"وقد رواه الترمذي" وقال: حسن غريب، وابن ماجه وابن حبان والحاكم.
وصححه البيهقي "من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، يرفعه بلفظ: "إن الله يستخلص رجلًا" وفي رواية ابن ماجه: "يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة, فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا" مائة إلًا واحدًا, "كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلكстр. 5861
فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة, والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء".
فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معًا حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في أخرى.
أجاب الترمذي الحكيم: بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان، وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر
الحواشي
(١) عذر" في فعل ذلك؟ "فيقول: لا يارب" لفظ الحديث عند المذكورين، فيقول: "أفلك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل, فيقول: لا يارب" , "فيقول: بلى. إن لك عندنا حسنة" فهذا جواب لقوله: أو حسنة، الساقط من قلم المصنف أو كتابه، "وأنه لا ظلم عليك اليوم, فيخرج بطاقة" رقعة صغيرة مكتوبًا "فيها: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك, فيقول: يا رب, ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم, قال: فتوضع السجلات في كفة, والبطاقة في كفة، فطاشت" خفت "السجلات, وثقلت البطاقة, فلا يثقل مع اسم الله شيء"؛ إذ لا شيء يعدله، وقيل: يوزن العبد مع عمله، ويؤيده حديث أحمد بسند حسن عن ابن عمرو بن العاص، مرفوعًا: "توضع الموزاين يوم القيامة، فيؤتى الرجل فيوضع في كفة, ويوضع ما أحصي عليه, فيتمايل به الميزان, فيبعث به إلى النار، فإذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا، فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله, فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان" "فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في كفته شيء, وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة, والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معًا, حتى يوضع الإيمان في كفة، والكفر في كفة" إن الضدان لا يجتمعان, قلت: "أجاب الترمذي الحكيم بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان" حتى يجتمع الضدان "وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر الحسنات، ويدل لما قاله قوله: "بلى إنстр. 5862
الحسنات، ويدل لما قاله قوله: "بلى إن لك عندنا حسنة" , ولم يقل لك عندنا إيمانًا. وقد سئل ﷺ عن لا إله إلا الله، أمِنَ الحسنات هي؟ فقال: "من أعظم الحسنات" أخرجه البيهقي وغيره. ويجوز -كما قاله القرطبي في التذكرة: أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".
وفي "التحبير" للقشيري: قيل لبعضهم في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت، فحلت الصرة فإذا فيها، كفّ تراب ألقيته في قبر مسلم.
الحواشي
(١) لك عندنا حسنة" ولم يقل: لك عندنا إيمانًا، وقد سئل ﵇ عن لا إله إلّا الله, أَمِنَ الحسنات هي، فقال: "من أعظم الحسنات".
"أخرجه البيهقي وغيره" قال القرطبي: وتوزن أعمال الجن كما توزن أعمال الإنس, "ويجوز كما قاله القرطبي في التذكرة: أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا كما في حديث معاذ" بن جبل عند أحمد وأبي داود والحاكم، وصحَّحه قال: "قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه" في الدنيا، قال أبو البقاء: آخر بالرفع اسم كان, و "لا إله إلا الله" في موضع نصب خبر, ويجوز عكسه. انتهى.
فإن قيل: أهل الكتاب ينطقون بكلمة التوحيد, فلم لم يذكر قرينتها، أجاب الطيبي بأن قرينتها صدورها عن صدر الرسالة، قال الكشاف في: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ لما علم وشهر أن الإيمان بالله قرينته الإيمان بالرسول لاشتمال كلمة الشهادة عليهما مزدوجين, كأنهما واحد غير منفك, أحدهما عن صاحبه, انطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان برسوله, "دخل الجنة" , وذهب حرصه ورغبته وسكنت أخلاقه السيئة وذلَّ وانقاد لربه، فاستوى ظاهره بباطنه، فغفر له بهذه الشهادة لصدقها، وقائلها في الصحة قلبه مشحون بالشهوات والمنى, ونفسه شرهة بطرة ميتة على الدنيا عشقًا وحرصًا، فلا يستوجب المغفرة بها إلّا بعد رياضة نفسه وموت شهواته, وصفاته عن التخليط.
"وفي التحبير للقشيري، قيل لبعضهم في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: وزنت حسناتي" وسيئاتي, "فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات, فرجحت" الحسنات, "فحلت الصرة، فإذا فيها كفّ تراب ألقيته في قبر مسلم" بحسن نيةстр. 5863
وفي الخبر: إذا خفَّت حسنات المؤمن, أخرج رسول الله ﷺ بطاقة كالأنملة, فيلقيها في كفة الميزان التي فيها الحسنات, فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي, ما أحسن وجهك, وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك علي, وقد وفَّيتك إياها أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيري في تفسيره.
وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة، فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدلت بالسوية، فيقول الله له -رحمة منه: اذهب في الناس فالتمس من
الحواشي
(١) وانكسار, وعلم بأني صائر إلى ذلك, وأن لذات الدنيا التي حصلت لي لا شيء.
"وفي الخبر: إذا خفَّت حسنات المؤمن, أخرج رسول الله ﷺ " من حجزته "بطاقة" بيضاء "كالأنملة, فيليقها في كفة الميزان التي فيها حسناته، فترجح الحسنات, فيقول ذلك العبد" بعد أن يؤمر به إلى الجنة, "للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي, ما أحسن وجهك, وما أحسن خلقك, فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد, وهذه صلاتك عليّ, وقد وفَّيتك إياها أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيري في تفسيره".
وأخرجه ابن أبي الدنيا مطولًا عن عبد الله بن عمر، وقال: إن لآدم من الله موقفًا في فسح من العرش, عليه ثوبان أخضران كأنه نخلة سحوق, ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة والنار، فبينما آدم على ذلك؛ إذ نظر إلى رجل من أمة محمد ﷺ ينطلق به إلى النار، فينادي آدم: يا أحمد, يا أحمد، فيقول: لبيك يا أبا البشر، فيقول: هذا رجل من أمتك منطلق به إلى النار، فأشد لمئزر وأسرع في أثر الملائكة وأقول: "يا رسل ربي قفوا، فيقولون: نحن الغلاظ الشداد لا نعصي الله ما أمرنا, ونفعل ما نؤمر"، فإذا أيس ﷺ قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه، فيقول: "رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي"، فيأتي النداء من عند العرش: أطيعوا محمدًا وردّوا هذا العبد إلى المقام، "فأخرج من حجزتي بطاقة بيضاء كالأنملة, فألقيها في كفة الميزان اليمنى, وأنا أقول: بسم الله، فترجح الحسنات على السيئات, فينادي: سعد وسعد جده, وثقلت موازينه، انطلقوا به إلى الجنة، فيقول: يا رسل ربي, قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه، فيقول: بأبي أنت وأمي, ما أحسن وجهك, وأحسن خلقك, من أنت؟ فقد أقلتني عثرتي ورحمت عبرتي؟ فأقول: أنا نبيك محمد, وهذه صلاتك التي كنت تصلي عليّ وافتك أحوج ما تكون إليها".
"وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة, فما يجد حسنة ترجح بها ميزانه وقد اعتدلت بالسوية" لتساوي حسناتهه وسيئاته, "فيقول الله تعالى له -رحمة منه: اذهب في الناسстр. 5864
يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلّا قال له: أنا أحوج لذلك منك فييأس، فيقول له رجل: لقد لقيت الله, فما وجدت في صحيفتي إلّا حسنة واحدة، وما أظنّها تغني عني شيئًا، خذها هبة مني، فينطلق بها فرحًا مسرورًا، فيقول الله له: ما بالك؟ وهو أعلم, فيقول: يا رب, اتفق لي من أمري كيت وكيت، قال: فينادي الله تعالى بصاحبه الذي وهب له الحسنة فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك، خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة.
وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان, فيها مكتوب "أفّ" فترجح على الحسنات؛ لأنها كلمة عقوق، فيؤمر به إلى النار، قال: فيطلب الرجل أن يُرَدَّ إلى الله تعالى، فيقول الله تعالى: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق, لأي شيء تطلب الرد إليّ؟ فيقول: إلهي، إني سائر إلى النار وكنت عاقًّا لأبي, وهو سائر إلى النار مثلي، فضعّف عليَّ عذابه وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى, ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة، خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة.
الحواشي
(١) فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك -بضم اللام- صفة لحسنة "بها الجنة، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلّا قال له: أنا أحوج لذلك منك، فييأس فيقول له رجل: لقد لقيت الله, فما وجدت في صحيفتي إلّا حسنة واحدة, وما أظنها تغني عني شيئًا، خذها هبة مني، فينطلق بها فرحًا مسرورًا, فيقول الله: ما بالك؟ " شأنك وحالك, "وهو أعلم, فيقول: يا رب, اتفق لي من أمري كيت وكيت" أي: كذا وكذا -بفتح التاء الفوقية فيهما وقد تكسر- وهي هاء في الأصل, فصارت تاء في الوصل, "قال: فينادي الله تعالى بصاحبه الذي وهبه الحسنة، فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك, خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة، وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل, فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان, فيها مكتوب أف, فترجح على الحسنات؛ لأنها كلمة عقوق, فيؤمر به إلى النار".
"قال: فيطلب الرجل أن يردَّ إلى الله تعالى, فيقول الله تعالى: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق, لأي شيء تطلب الرد إليّ؟ فيقول: إلهي, إني سائر إلى النار، وكنت عاقًّا لأبي, وهو سائر إلى النار مثلي, فضعِّف عليَّ عذابه" أي: أبيه.
وفي نسخة: عذابي, "وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى" يرضى عنهما جميعًا, "ويقول: عققته في الدنيا وبررته" بكسر الراء الأولى وإسكان الثانية بزنة علمته "في الآخرة،стр. 5865
وقد روى حذيفة أنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇، وهو الدين يزن الأعمال يوم القيامة. رواه ابن جرير في تفسيره.
واختلف أيضًا في كيفية الرجحان والنقص, فقال بعضهم:
الراجح أنَّ الموزون في الآخرة يصعد، عكس ما في الدنيا، واستشهد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية. قال الزركشي: وهو غريب مصادم لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] .
وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها؟ حكي عن وهب بن منبه أنه قال: يوزن من الأعمال خواتيمها، واستدلَّ بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بخواتيمها".
الحواشي
(١) خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة" برحمة الله تعالى.
"وقد روى حذيفة بن اليمان أنَّ صاحب الميزان يوم القيامة، أي: الذي يتولَّى أمره "جبريل ﵇, وهو الذي يزن الأعمال يوم القيامة.
"رواه ابن جرير في تفسيره" وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره, وهو موقوف له حكم الرفع، وللبيهقي عن أنس رفعه: "ملك الموت موكَّل بالميزان"، وللطبراني الصغير عن أبي هريرة رفعه: "يقول الله: يا آدم, قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان, فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة, حتَّى تعلم أنِّي لا أدخل منهم النار إلّا ظالمًا".
"واختلف أيضًا في كيفية الرجحان والنقص، فقال بعضهم: الراجح أنَّ من الموزون في الآخرة يصعد" إلى العلوّ "عكس ما في الدنيا, واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ "الآية".
"قال الزركشي: وهو غريب مصادم" مدافع أي: مدفوع لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ في الجنة، أي: ذات رضًا بأن يرضاها، أي: مرضية له, فإن القرآن وارد بلغة العرب, والتعبير بثقلت, وفي مقابله بخفَّت, إنما يفهم منه أنها كميزان الدنيا، وأمَّا قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ فمعناه يقبله.
"وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها" حكي عن وهب بن منبه أنه قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها", وإذا أراد بعبد خيرًا ختم له بخير عمله، وإذا أراد به شرًّا خُتِمَ له بشر عمله، هذا من جملة المروي عن وهب. واستدلَّ بقوله ﵇: "إنما الأعمال بخواتيمها" وظاهر الأحاديث والآثار أنهاстр. 5866
وذكر الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجحت وإلّا شفعت له".
وقال بعض أهل العلم، فيما حكاه القرطبي في "التذكرة": ولن يجوز أحد على الصراط حتى يسأل على سبع قناطر، فأمَّا القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصًا جاز، ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحجِّ والعمرة، فإن جاء بهما تأمَّين جاز، ثم يسأل في السادسة عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تامَّين جاز، ثم يسأل في السابعة، وليس في القناطر أصعب منها، فيسأل عن ظلامات الناس.
الحواشي
(١) توزن كلها، ومن أصرحها ما رواه أحمد في الزهد, عن ابن مسعود أن النبي ﷺ نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي، فقال: من هذا؟ قال: فلان، قال جبريل: إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلّا البكاء, فإن الله يطفيء بالدمعة بحورًا من نيران جهنم، وللبيهقي مرفوعًا: "ما من شيء إلّا له مقدار وميزان إلّا الدمعة، فإنه يطفأ بها بحار من النار".
"وذكر" أي: روى الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر, أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قضى لأخيه" في الدين "المؤمن حاجة" أي حاجة كانت, "كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجحت وإلّا شفعت له" فترجح ميزانه فينجو من النار.
"وقال بعض أهل العلم فيما حكاه القرطبي في التذكرة: ولن يجوز أحد" من هذه الأمة وغيرها "على الصراط, حتى يسأل على سبع قناطر, فأمَّا القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله, وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصًا" عن الشك والشرك, "جاز" على الصراط، وإلّا وقع في النار, "ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان فإن جاء به تامًّا جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامَّين جاز، ثم يسأل في السادسة.
وفي نسخة: ثم إلى القنطرة السادسة, فيسأل عن الغسل والوضوء, فإن جاء بهما تأمَّين جاز، ثم يسأل في السابعة, وليس في القناطر أصعب منها" لعل المراد بعد الأولى التي هي الإيمان, فيسأله عن ظلامات الناس".стр. 5867
وفي حديث أبي هريرة عنه ﷺ : "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أوّل من يجوز عليه، ولا يتكلّم يومئذ إلّا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان, غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلّا الله تعالى، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم
الحواشي
(١) وفي حديث أبي هريرة" أثناء حديث طويل عنه ﷺ : "ويضرب" بضم أوله وفتح ثالثه، أي: يمد "الصراط بين ظهراني جهنم" أي: بين أجزاء ظهرها, كأنها محيطة به.
قال القرطبي: الصراط لغة: الطريق, وعرفًا: جسر يضرب على ظهر جهنم, تمرّ الناس عليه إلى الجنة, فينجو المؤمنون على كيفيات تأتي, ويسقط المنافقون.
وفي رواية للبخاري: "ويضرب جسر جهنم"، أي: الصراط, "فأكون أنا وأمتي أوّل من يجيز" بضم التحتية وكسر الجيم بعدها تحتية فزاي معجمة، أي: من يمضي عليه ويقطعه، يقال: جاز الوادي وأجازه لغتان بمعنى قطعه وخلفه، وقال الأصمعي: جازه: مشى فيه, وأجازه: قطعه، قاله النووي وغيره, وقال القرطبي: يحتمل أنَّ الهمزة للتعددية؛ لأنه لما كان هو وأمته أول من يجوز عليه, لزم تأخير غيرهم حتى يجوزوا، فإذا جازوا كأنه أجاز بقية الناس.
وفي رواية للبخاري: "فأكون أنا أوّل من يجوز بأمته"، وله أيضًا: "أول من يجيزها"، أي: جهنم، أي: يجوز عليها, "ولا يتكلم يومئذ" أي: حين الإجازة "إلا الرسل" لشدة الهول؛ لأن في غيره: ﴿تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ويسأل الناس بعضهم بعضًا ويتلاومون, ويخاصم التابع المتبوعين, "ودعاء الرسل"
وفي رواية: "ولا يتكلم إلَّا الأنبياء, ودعوى الرسل" , "يومئذ: اللهمَّ سلِّم سلِّم" مرتين من كمال شفقتهم, "وفي جهنم كلاليب" جمع كلوب -بفتح الكاف وضم اللام الشديدة- حديدة مقطوفة الرأس. وفي رواية: وبه، أي: الصراط "كلاليب مثل شوك السعدان" بفتح السين والدال بينهما عين ساكنة مهملات جمع سعدانة, نبات ذو شوك يضرب به المثل في طيب مرعاه، قالوا: مرعى ولا كالسعدان, والتشبيه به لسرعة اختطافها, وكثرة الانتشاب فيها مع الحرز والتصوف تمثيلًا بما عرفوه في الدنيا وألفوه بالمباشرة.
زاد في رواية للشيخين: هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: "فإنها مثل شوك السعدان" "غير أنه" أي: الشأن.
وفي رواية: إنها، أي: الشوكة "لا يعلم قدر" , ولمسلم: "لا يعلم ما قدر"، قال القرطبي: قيدناه عن بعض مشايخنا بضم الراء على أن ما استفهامية، وقدر مبتدأ وبنصبها على أن ما زائدة.стр. 5868
من يخردل ثم ينجو" الحديث رواه البخاري.
وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: "رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يأتي الرجل فلا يستطيع
الحواشي
(١) وقدر مفعول يعلم "عظمها" بكسر العين وفتح المعجمة.
وقال ابن التين: ضبطناه بضم العين وسكون الظاء والأول أشبه؛ لأنه لا يعلم قدر كبرها "إلّا الله تعالى" وفي الاستثناء إشارة إلى أنَّ التشبيه لم يقع في مقداره, "فتخطف" بكسر الطاء أفصح من فتحها، كما قاله ثعلب وتبعه النووي وغيره, "الناس بأعمالهم" بسبب أعمالهم القبيحة.
وفي رواية السدي: "وبحافَّتيه ملائكة معهم كلاليب من نار يختطفون بها الناس, فمنهم من يوبق بعمله" وفي رواية: الموبق -وهما بموحدة بمعنى الهلاك، ولبعض رواة مسلم: الموثق -بمثلثة من الوثاق، ولبعض رواة البخاري ومسلم: المؤمن -بكسر الميم بعدها نون- بقي بعمله -بفتح التحتية وكسر القاف من الوقاية، أي: يستره عمله، وصوّب في المطالع: المؤمن، وقال: وفي يقي على هذا الوجه ضبطان بموحدة والثاني بتحتية، ولبعض رواة مسلم: يعني بمهملة ساكنة ونون مكسورة بدل بقي وهو تصحيف، كما قاله الحافظ: "ومنهم من يخردل" بلفظ المضارع.
وفي رواية: المخردل اسم مفعول وهما بخاء معجمة وراء ودال مهملة ولام، أي: يقطع بالكلاليب, فيهوي في النار، ويحتمل أنَّه من الخردل، أي: جعلت أعضاؤه كالخردل، وقيل معناه: إنها تقطعهم عن لحوقهم بمن نجا، وقيل: المخردل المصروع، ورجَّحه ابن التين بأنَّه أنسب بسياق الخبر، ولبعض رواة البخاري: بجيم بدل الخاء, ووهاه عياض, والجردلة -بجيم- الإشراف على السقوط, والدال مهملة للجميع، وحكي إعجمامها، ورجَّح ابن قرقول الخاء المعجمة والدال المهملة، ولمسلم: ومنهم المجازى -بضم الميم وخفة الجيم وزاي مفتوحتين بينهما ألف- من المجازاة، أي: بأعماله, "ثم ينجو".
وفي رواية: ثم ينجَّى -بضم التحتية وفتح النون والجيم المشددة ... "الحديث" بطوله "رواه البخاري" في مواضع, مدارها على الزهري عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي، كلاهما عن أبي هريرة.
وكذا رواه مسلم في الإيمان من طرق, لكنه أحال طريق شعيب عن الزهري على رواية ذكرها قبلها, ولذا لم يعزه المصنف لهما؛ لأنه ساقط رواية شعيب ومسلم لم يسق لفظها "وإن ساق إسنادها.
"وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: "ونبيكم" ﷺ "قائم على الصراط يقول: "رب سلِّم سلم" بكسر اللام المشددة فيهما, "حتى تعجز" بكسر الجيم "أعمال العباد, حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلّا زحفًا" بزاي وجاء مهملة ساكنة ففاء- مشي الرجل الضعيفстр. 5869
"السير إلّا زحفًا، قال: وفي حافظتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به, فمخدوش ناجٍ ومكردَس في النار".
وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث "حفَّت النار بالشهوات" فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار. قاله ابن العربي.
ويؤخذ من قوله: "فمخدوش" إلخ, أنَّ المارِّين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة, ومتوسط بينهما مصاب ثم ينجو.
الحواشي
(١) قال: "وفي حافتيّ" بخفة الفاء جانبي "الصراط كلاليب" وهي المسمَّاة في بعض الروايات خطاطيف "معلقة, مأمورة بأخذ من أمرت به, فمخدوش" بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة فدال مهملة فواو ساكنة فشين معجمة، وخدش الجلد قشره بعود ونحوه, "ناجٍ" بنون وجيم من النار, "ومكردس في النار" بضم الميم وفتح الكاف وسكون الراء وفتح الدال المهملة فسين مهملة المكسور الظهر من الكردوس وهو فقار الظهر، ويحتمل أنّه بمعنى المكدوس.
يقال: كردس الرجل، قاله المصنف على مسلم، وفي حديث أبي سعيد في الصحيحين: "فناجٍ مسلم, ومخدوش, ومكدوس في جهنم, حتى يمر أحدهم فيسحب سحبًا"، قال الحافظ: اختلف في ضبط مكدوس، ففي مسلم بمهملة، أي: الراكب بعضه على بعض، وقيل: بمعنى مكردس.
ورواه بعضهم ومعناه: السوق الشديد، والمراد أنه يلقى في قعر جهنم. انتهى.
وبقية حديث مسلم: والذي نفس أبي هريرة بيده, إن قعر جهنم لسبعين خريفًا, "وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث و" هو "حفت" وفي رواية: حجبت "النار بالشهوات" فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار"؛ لأنها خطاطيفها, "قاله ابن العربي" أبو بكر "ويؤخذ من قوله: فمخدوش إلى آخره, أنَّ المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناجٍ بلا خدش" هذا لا يؤخذ منه كما هو ظاهر، وإنما يؤخذ من حديث أبي سعيد من قوله: "فناج مسلّم" بشد اللام، أي: لا يصيبه مكروه أصلًا. نعم يؤخذ مما تركه من حديث أبي هريرة وحذيفة وهو: "وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير, وشد الرحال تجري بهم أعمالهم, ونبيكم قائم على الصراط...." إلخ.
"وهالك من أوله وهلة" من قوله: "ومكردس في النار" , "ومتوسط بينهما مصاب ثم ينجو" يؤخذ من قوله: "مخدوش ناج"، ومن حديث أبي هريرة الذي قبله من قوله: "ومنهم من يخردل، ثمстр. 5870
وفي حديث المغيرة عند الترمذي: "شعار المؤمنين على الصراط: ربِّ سلّم سلّم". ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمَّى ذلك شعارًا لهم.
وفي حديث ابن مسعود: فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين أيديهم، الحديث، وفيه: فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب, ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل, حتى يمر الرجل الذي يعطى نوره على ظهر
الحواشي
(١) ينجو", على أن هذا كله إنما أخذه ابن أبي جمرة من حديث أبي سعيد، كما ذكره المصنف في شرح البخاري، فقال: ويؤخذ منه كما في بهجة النفوس أنَّ المارّين على الصراط ثلاثة أصناف، فذكرها.
"وفي حديث المغيرة" بن شعبة "عند الترمذي" عن النبي ﷺ ، قال: "شعار المؤمنين على الصراط رب سلّم رب سلم" ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين" أي: علامتهم التي يعرفون بها "أن ينطقوا به", فلا يخالف قوله: "ولا يتكلم يومئذ إلّا الرسل" , "بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمَّى ذلك شعارًا لهم" باعتبار دعاء الرسل لهم به، وللطبراني عن ابن عمر ورفعه: "شعار أمتي إذا حملوا على الصراط: يا الله, لا إله إلا أنت" ولعلهم يتكلمون به في نفوسهم.
"وفي حديث ابن مسعود" في قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] ، قال: "يمرون على الصراط, فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين أيديهم...." الحديث, ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتَّقد مرة ويطفأ أخرى "وفيه: "فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين" بسكون الراء، أي: تحريكها, "ومنهم من يمر كالبرق" , وهو ما يلمع من السحاب، قيل: أي: شيء كمَرِّ البرق، قال ﷺ : "ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين" كما في مسلم, "ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب" سقوطه, "ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كشد الفرس" عدوه وجريه, "ومنهم من يمر كشد الرجل" بالجيم على الصحيح المعروف المشهور، أي: سرعة جريه، ولبعض الرواة بحاء مهملة مفردة مفرد رحال، أي: كشد ذي الرحل.
قال عياض: وهما متقاربان في المعنى, وشدهما عدوهما البالغ وجريهما, "حتى يمر الرجلстр. 5871
قدميه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تجرّ يد وتعلق يد، وتجر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا؛ إذ نجاني منها بعد أن رأيتها". الحديث. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني.
وروى مسلم: قال أبو سعيد: بلغني أنَّ الصراط أحدّ من السيف وأرقّ من الشعرة. وفي رواية ابن منده من هذا الوجه, قال سعيد بن أبي هلال, ووصله البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ مجزومًا به, وفي سنده لين.
الحواشي
(١) الذي يعطى نوره على ظهر قدميه، يحبو" يمشي "على وجهه ويديه ورجليه, تجر يد وتعلق يد, وتجر رجل وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص" من النار "فإذا خلص وقف عليها، وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا؛ إذ نجاني منها بعد أن رأيتها...." الحديث.
"رواه ابن أبي الدنيا والطبراني" موقوفًا لفظًا مرفوعًا حكمًا؛ إذ لا دخل للرأي فيه, وروى مسلم: قال أبو سعيد الخدري: "بلغني أنَّ الصراط" لفظ مسلم: الجسر, فذكره المصنّف بالمعنى, "أحدّ من السيف, وأرقّ" بالراء "من الشعرة" بالإفراد، قاله المصنف, وذكر الحافظ البرهان الحلبي أنَّ الصراط شعرة من شعرة جفون ملك خازن النار، لكنه لم يذكر له مستندًا ولا من خرجه، فالله تعالى أعلم.
"وفي رواية ابن منده من هذا الوجه، قال سعيد بن أبي هلال" الليثي مولاهم المدني، ثم المصري, راوي أصل الحديث عن زيد بن أسلم, عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: فجعل قائل: "بلغني" سعيد بن أبي هلال أبا سعيد, "ووصله البيهقي عن أنس، عن النبي ﷺ مجزومًا به" بلفظ: على جهنم جسر مجسور أرقّ من الشعر وأحدّ من السيف.... الحديث.
ولابن منيع عن أبي هريرة رفعه: "الصراط كحدِّ السيف دحض مزلة ذا حسك وكلاليب"، وللطبراني والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود، قال: "يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حَدِّ السيف المرهف".
"ولابن المبارك" والبيهقي وابن أبي الدنيا "من مرسل عبيد بن عمير" أحد كبار التابعين،стр. 5872
ولابن المبارك من مرسل عبيد بن عمير: إن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب، والذي نفسي بيده, إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه, وفيه: والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلّم سلّم.
وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أنَّ الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى، أرق من الشعرة, وأحدّ من السيف, على متن جهنم، لا يجوز عليه إلّا ضامر مهزول من خشية الله. ذكره ابن عساكر في ترجمته، قال في فتح الباري: وهذا معضل لا يثبت.
قال: وعن سعيد بن أبي هلال: بلغنا أنَّ الصراط أرق من الشعرة على بعض الناس، ولبض الناس مثل الوادي الواسع. أخرجه ابن المبارك، وهو مرسل أو معضل.
الحواشي
(١) عن النبي ﷺ : "أن الصراط مثل السيف" نقل بالمعنى, ولفظه: "الصراط على جهنم مثل حرف السيف" , "وبجنبتيه" بفتح الجيم والنون ويجوز سكونها بعدها موحدة تثنية جنبة، أي: ناحيتيه "كلاليب".
زاد في رواية البيهقي وابن أبي الدنيا: وحسك يركبه الناس فيختطفون, "والذي نفسي بيده, إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد" بالفتح والتشديد بزنة تنور- حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور, "أكثر من ربيعة ومضر".
وأخرجه ابن أبي الدنيا" والبيهقي "من هذا الوجه وفيه: "والملائكة على جنبتيه" تثنية جنبة "يقولون: رب سلّم سلّم, والملائكة يخطفون بكلاليب"، هذا بقية الحديث.
"وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أنَّ الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة، خمسة آلاف صعود, وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى, أرق من الشعرة, وأحدّ من السيف, على متن" أي: ظهر "جهنم، لا يجوز عليه إلّا ضامر مهزول من خشية الله" تعالى, "ذكره" أي: رواه "ابن عساكر في ترجمته" أي: الفضيل "قال في فتح الباري" وهذا معضل لا يثبت، وعن سعيد" بكسر العين ابن أبي هلال: بلغنا أن الصراط أرقّ من الشعرة على بعض الناس, ولبعض الناس مثل الوادي الواسع".
"أخرجه ابن المبارك" وابن أبي الدنيا" "وهو مرسل أمعضل" سقط منه اثنان فأكثر، ولأبي نعيم عن سهل بن عبد الله التستري، قال: من دقَّ الصراط عليه في الدنيا عرض عليه فيстр. 5873
وقد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الجواز على الصراط؛ لأنه ممدود على النار.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط.
وقيل الورود: الدخول.
وعن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال
الحواشي
(١) الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دقّ عليه في الآخرة، ومعناه: إن من عرف الصراط وأنَّ مآله إليه, وقف عند أوامر الله, جوزي باتساعه له ومروره عليه بلا ضرر, وعكسه بعكسه.
"وقد ذهب بعضهم إلى أنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] "الجواز على الصراط" ورجَّحه النووي؛ "لأنه ممدود على النار".
"وروى ابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط، وكذا قال الحسن البصري عند البيهقي بلفظ: الورود المرور عليها من غير أن يدخلها.
وكذا قاله خالد بن معدان وعكرمة عند البيهقي وغيره، وللطبراني وابن عدي عن يعلى بن منبه عن النبي ﷺ قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن, فقد أطفأ نورك لهبي" , وقيل: الورود الدخول" ورجَّحه القرطبي.
وأخرجه الحاكم عن ابن مسعود والبيهقي عن ابن عباس، وقاله جماعة, قال في فتح الباري: وهذان القولان أصحّ ما ورد ولا تنافي بينهما؛ لأن من عبَّر بالدخول تجوّز به عن المرور؛ لأن المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوالهم باختلاف أعمالهم، فأعلاهم من يمر كلح البرق كما بَيِّنَ في حديث الشفاعة، ويؤيده صحة هذا التأويل ما في مسلم, أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار أحد شهد الحديبية"، فقالت حفصة: "أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال: "أليس الله يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] وفي هذا ضعف القول بأن الورود مختص بالكفار، والقول بأن معناه: الدنو منها، والقول بأنه الإشراف عليها، وقيل: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمَّى, وهذا ليس ببعيد, ولا ينافيه بقية الأحاديث. انتهى.
"وعن أبي سمية" بضم السين- مصغَّر, تابعي مقبول, ذكره في التقريب في الكنى ولم يذكر له اسمًا, "قال: اختلفنا في الورود" في الآية, "فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن" وروي ذلك عند ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس، أنه قال: وإن منكم إلّا واردها، فقال: يعني الكفار، وقال: لا يردهاстр. 5874
بعضنا: ندخلها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال جابر: يردونها جميعًا، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعًا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتًا, إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الورود والدخول لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلّا دخلها, فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار أو قال: لجهنم ضجيجًا من بردهم, ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا" رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن.
وأخرج ابن الجوزي -كما ذكره القرطبي في التذكرة- رفعه: "الزالون عن الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء" قال: "وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط, وليقف كل عاصٍ منكم وظالم". فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها، وأشد حرها، يتقدَّم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا، ويتأخَّر عنها من كان فيها عظيمًا.
الحواشي
(١) مؤمن "وقال بعضنا: ندخلها جميعًا, ثم ينجي الله الذين اتقوا" الشرك والكفر منها, "فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود, فقال جابر: يردونها جميعًا" المؤمن والكافر, "فقلت: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: ندخلها جميعًا" أعاد عليه السؤال ليعلم دليله؛ لأنه أجابه أولًا بدون دليل, فلمَّا فهم منه طلب الدليل؛ لأنه القاطع للنزاع، ذكره "فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتًا, إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الورود الدخول، لا يبقي بر" متق, "ولا فاجر إلّا دخلها, فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم" نار الدنيا "حتى إن للنار، أو قال: لجهنم" شكَّ الراوي "ضجيجا" صياحًا قويًّا "من بردهم" الذي قام بهم وضجيجها حقيقي لا أنه من مجاز الحذف، أي: أهلها؛ لأنهم يودون بردها عليهم، وتقدَّم في الحديث: "تقول النار للمؤمن جز" والأصل الحقيقة, ولا داعية للتأويل، لا سيما المفسد للمعنى كما هنا, "ثم ينجي الله الذين اتقوا" الكفر بالإيمان "ويدر الظالمين" يترك الكافرين "فيها جثيًّا".
"رواه أحمد" والحاكم والبيهقي بإسناد حسن" وصححه الحاكم.
"وأخرج ابن الجوزي كما ذكره القرطبي في التذكرة، رفعه: "الزالون عن الصراط كثير, وأكثر من يزل عنه النساء" قال: "وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى مالك من تحت العرش: يا فطرة" خلقة "الملك" بكسر اللام "الجبار, جوزوا على الصراط, وليقف كل عاصٍ منكم وظالم" كافر، "فيا لها من ساعة ما أعظم" أكبر "خوفها وأشد حرها, يتقدَّم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا" بفتح فكسر, "ويتأخَّر عنها من كان فيها عظيمًا مكينًا" مرتفعстр. 5875
مكينًا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف الصراط بأمة محمد ﷺ نادوا: وا محمداه وا محمداه، فيبادر ﷺ من شدة إشفاقه عليهم، وجبريل آخذ بحجزته، فينادي ﷺ رافعًا صوته: "رب أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي"، والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون: رب سلم, وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال، والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال، وينادونهم: أما نهيتهم عن كسب الأوزار، أما أنذرتم كل الإنذار، أما جاءكم النبي المختار. ذكره ابن الجوزي في كتابه "روضة المشتاق".
وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: "من أحسن الصدقة في الدنيا مَرَّ على الصراط" رواه أبو نعيم.
وفي الحديث: "من يكن المسجد بيته, ضَمِنَ الله له بالروح والرحمة والجواز
الحواشي
(١) القدر, "ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف الصراط" اشتدَّ وصعب أمره, "بأمة محمد ﷺ نادوا: وا محمداه وا محمداه" مرتين, فيبادر ﵊ من شدة إشفاقه" خوفه "عليهم, وجبريل آخذ بحجزته" بضم المهملة وإسكان الجيم- معقد الإزار, فينادي ﷺ رافعًا صوته: "رب أمتي أمتي" مرتين, "لا أسأل اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي" والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون: رب سلِّم سلِّم" مرتين, "وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال" جمع وجل -بجيم- الخوف, والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال, والزبانية" سموا بذلك من الزبن وهو الدفع؛ لدفعهم أهل النار فيها يتلقونهم بالسلاسل" ويسحبونهم بها, "والأغلال" في أعناقهم, تشتد فيها السلاسل, وينادونهم للتوبيخ: "اما نهيتم عن كسب الأوزار" الآثام, "أما أنذرتم كل الإنذار" البالغ البيّن, "أما جاءكم النبي المختار".
ذكره ابن الجوزي في كتابه روضة المشتاق" أحد تصانيفه الكثيرة جدًّا "وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: "من أحسن الصدقة" بأن حصلها من حِلٍّ وتصدَّق بها على مستحق في الدنيا, "جاز على الصراط" حال كونه مدلًا كما "رواه أبو نعيم" في الحلية, والأصبهاني في الترغيب، فسقط مدلًا من المصنف أو نساخه، قال الأصبهاني: أي: آمنًا غير خائف, والإدلال الانبساط والوثوق بما يأتي ويفعل.
"وفي الحديث" المرفوع: "من يكن المسجد بيته" بحيث يلزمه ويعظمه، ورفع المسجد ونصب بيته أَوْلَى من عكسه؛ لأن الغرض الحكم عن المسجد بأنه اتخذ بيتًا "ضمن".стр. 5876
على الصراط إلى الجنة.
وروى القرطبي عن ابن المبارك عن عبد الله بن سلام: إذا كان يوم القيامة, جمع الله الأنبياء نبيًّا نبيًّا, وأمَّة أمَّة، ويضرب الجسر على جهنم, وينادى: أين أحمد وأمته، فيقوم رسول الله ﷺ , وتتبعه أمته برها وفاجرها, حتى إذا كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه, فيتهافتون في النار يمينًا وشمالًا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه, فتتلقاهم الملائكة, فيدلونهم على الطريق: على يمينك على شمالك, حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسيٍّ عن يمين العرش، ثم يتبعه عيسى ﵇ على مثل سبيله, وتتبعه أمته برها وفاجرها، حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار
الحواشي
(١) أي: تكفَّل "الله له بالروح" بالفتح- الراحة, "والرحمة, والجواز على الصراط إلى الجنة".
وهذا الحديث رواه سعيد بن منصور والطبراني والبزار وحسَّنه عن أبي الدرداء: "المساجد بيوت المتقين, وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة, والجواز على الصراط إلى رضوان الله...." الحديث.
وللطبراني وابن حبان عن عائشة, وابن عساكر عن ابن عمر، رفعاه: "من كان وصله لأخيه المسلم إلي ذي سلطان في تبليغ بر, أو تيسير عسير, أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام" وفي الباب أحاديث وآثار في البدور.
"وروى القرطبي عن ابن المبارك" بسنده "عن عبد الله بن سلام" بالتخفيف- الإسرائيلي المبشر بالجنة، وقد رواه الحاكم وصحَّحه عنه، قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله الأنبياء نبيًّا نبيًّا " جمع الأمم "أمة أمة" ولفظ الحاكم: "يبعث الله الخليفة أمَّة أمَّة ونبيًّا نبيًّا, حتى يكون أحمد وأمته آخر الأمم مركزًا" , "ويضرب" وللحاكم: ثم يضرب "الجسر" بفتح الجيم وتكسر- "على جهنم, وينادى" بالبناء للمفعول، وللحاكم: ثم ينادي مناد: "أين أحمد وأمته، فيقوم رسول الله ﷺ وتتبعه أمته برها وفاجرها, حتى إذا كان على الصراط طمس الله" بفتح الميم، أي: محا "أبصار" أي: نور أبصار "أعدائه فيتهافتون" يتساقطونстр. 5877
أعدائهم فيتهافتون في النار يمينًا وشمالًا. الحديث.
واعلم أنَّ في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم إلّا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر حبسوا على صراط آخر لهم، ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء الله؛ لأنهم قد عبروا الصراط الأوَّل المضروب على متن جهنم, وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار, فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا, حتى إذا هذبوا ونقوا, أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي
الحواشي
(١) في النار يمينًا وشمالًا".
"الحديث" بقيته: وينجو النبي والصالحون, ثم تتبعهم الأنبياء, حتى يكون آخرهم نوح. قال الذهبي: غريب موقوف. انتهى، فيحتمل أن ابن سلام نقله من الكتب القديمة؛ لأنه حبرها، ويحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ , "واعلم أنَّ في الآخرة صراطين" كما ذكره القرطبي, "أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم" ثقيلهم وخفيفهم "إلّا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق" بضم العين والنون- أي: طائفة, وجانب "من النار, فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر" قال في التذكرة: ولا يخلص منه إلّا المؤمنون الذين علم الله منهم أنَّ القصاص لا يستنفد حسناتهم, "حبسوا على صراط آخر لهم, ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء الله، لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم" الذي يسقط فيها من أوبقه ذنبه وأربى على الحساب بالقصاص جرمه -كما في كلام القرطبي.
وقد روى البخاري" في المظالم والرقاق "من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسو الله ﷺ زاد الإسماعيلي في هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] الآية "يخلص" بفتح التحتية وضم اللام، أي: ينجو: "المؤمنون من" السقوط في "النار" بعدما يجوزون الصراط, "فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار" قيل: إنها صراط آخر، وقيل: إنها من تتمة الصراط, وإنها طرفه الذي يلي الجنة, قال الحافظ: لعل أصحاب الأعراف منهم على القول الراجح, "فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا" بضم التحتية وسكون القاف ثم فوقية مفتوحة.
كذا في الفرع بضم التحتية وضبطه الحافظ وتبعه العيني بفتحها، فاللام زائدة, أو الفاعل محذوف وهو الله تعالى, أو من أقامه في ذلك, وللبخاري في المظالم: "فيقتص بعضهم منстр. 5878
نفس محمد بيده, لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا".
وأما تفضيله ﷺ بأنه أوَّل من يقرع باب الجنة وأوَّل من يدخلها، ففي صحيح مسلم, من حديث المختار بن فلفل, عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أوّل من يقرع باب الجنة".
الحواشي
(١) بعض"، وفي رواية: فيقص -بضم التحتية وفتح القاف وبدون تاء- مبنيًّا للمفعول، قاله المصنف, "حتى إذا هذبوا" بضم الهاء وكسر المعجمة المشدَّدة فموحدة من التهذيب, "ونقوا" بضم النون والقاف المشددة من التنقية.
قال الجوهري: التهذيب كالتنقية, ورجل مهذَّب أي: مطهر الأخلاق. فعلى هذا قوله: ونقوا, تفسير لهذبوا, والمراد التخليص من التبعات، فإذا خلصوا منها, "أذن" بضم الهمزة وكسر المعجمة "لهم في دخول الجنة" وليس في قلوب بعضهم على بعض غلّ كما في الحديث، أي: حقد كامن في قلوبهم، بل ألقى الله فيها التواد والتحاب, "فوالذي نفس محمد بيده, لأحدهم" فتح اللام للتأكيد, وأحد مبتدأ خبره قوله: "أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله" الذي "كان في الدنيا".
قال الطيبي: هدى لا يتعدَّى بالباء بل باللام وإلى، فالوجه أن يضمَّن معنى اللصوق، أي: ألصق بمنزله هاديًا إليه، وفي معناه قوله: يهديهم ربهم بإيمانهم، أي: يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة, فجعل تجري من تحتهم الأنهار بيانًا له وتفسيرًا؛ لأن التمسُّك بسبب السعادة كالوصول إليها. انتهى، وما سبق عن عبد الله بن سلام، أن الملائكة تدلهم على طريق الجنة يمينًا وشمالًا، فهو محمول على من لم يحبس بالقنطرة, أو على الجميع, وأن الملائكة تقول لهم ذلك قبل دخول الجنة، فمن دخلها عرف منزله؛ لأن منازلهم كانت تعرض عليهم غدوًّا وعشيًّا, والله أعلم.
"وأما تفضيله ﷺ بأنه أوَّل من يقرع" يدق ويطرق "باب الجنة, وأول من يدخلها، ففي صحيح" أي: فدليله, أو فيدل عليه ما في "مسلم" في كتاب الإيمان, من حديث المختار بن فلفل -بضم الفاءين وإسكان اللام الأولى- مولى عمرو بن حريث، صدوق, له أوهام "عن أنس" هذا هو الصواب، ويقع في نسخ "عن ابن عباس" وهو خطأ, فالذي في مسلم عن أنس بن مالك "قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس" كذا في النسخ، والذي في مسلم: الأنبياء "تبعًا" بفتح الفوقية والموحدة- جمع تابع, "يوم القيامة" لبقاء شريعته ودوامها إلى يوم القيامة، وخصَّه لأنه يوم ظهور ذلك لأهل الجمع, ويوضحه خبر مسلم أيضًا: "إن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه مصدق غير واحد ولا يعارضه، وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا" إمَّا لأنَّ رجاءه محقق الوقوعстр. 5879
وفيه أيضًا من حديث أنس, قال ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح, فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك". ورواه الطبراني وزاد فيه: قال: "فيقوم الخازن ويقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم
الحواشي
(١) أو قاله قبل أن يكشف له عن أمته, ويراهم، فلمَّا حقق الله رجاءه ورآهم جزم به, "وأنا أوّل من يقرع باب الجنة" أي: يطرقه للاستفتاح, فيكون أوّل داخل, "وفيه" أي: مسلم في الإيمان أيضًا من حديث ثابت البناني, عن "أنس" بن مالك قال: قال ﷺ : "آتي" بمد الهمزة "باب الجنة يوم القيامة" بعد الحشر والحساب، وعبَّر بآتي دون أجيء؛ للإشارة إلى أنَّ مجيئه على تمهّل وأمان بلا تعب؛ لأن الإتيان كما قال الراغب: مجيء بسهولة, والمجيء أعم, "فأستفتح" بسين الطلب, إيماءً إلى تحقق وقوع مدخولها، أي: أطلب فتحه بالقرع, كما في الأحاديث لا بالصوت، وفاء التعقيب إشارة إلى أنه أذن له من الله بلا واسطة خازن ولا غيره؛ بحيث صار الخازن مأموره منتظرًا قدومه, "فيقول الخازن" الحافظ المؤتَمَن على ما استحفظه, وأل عهدية, والمعهود رضوان، وخص مع كثرة الخزنة لأنَّه أعظمهم، وعظيم الرسل إنما يتلقاه عظيم الخزنة, "من أنت" أجابه بالاستفهام, وأكَّده بالخطاب تلذذًا بمناجاته, وإلّا فأبواب الجنة شفافة كما في خبر, وهو العلم الذي لا يشتبه, والتمييز الذي لا يلتبس، وقد رآه رضوان قبل ذلك وعرفه أتمَّ معرفة، ولذا اكتفى بقوله: "فأقول محمد" وإن كان المسمَّى به كثيرًا، ولا ينافي كون أبواب الجنة شفافة خبر أبي يعلى عن أنس، رفعه: "أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقة من فضة"، لأن ما في الدنيا لا يشبه ما في الجنة إلّا في مجرد الاسم، كما في حديث، فلا مانع من كونه ذهبًا شفافًا, ولم يقل أنا؛ لإبهامه, مع إشعاره بتعظيم النفس, وهو سيد المتواضعين.
قال ابن الجوزي: أنا لا تخلو عن نوع تكبر، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي, ولا نسي لسمو مقامي، وذهب بعض الصوفية والعلماء إلى كراهة إخبار الرجل عن نفسه بأنا تمسُّكًا بظاهر الخبر حتى قالوا: إنها كلمة لم تزل مشئومة على قائلها، كقول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ ، وفرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ﴾ ، قال بعض المحققين: وليس كما قالوا، بل الشؤم لما صحبه من دعوى الخير والربوبية، وقد ناقضهم نصوص كثيرة, ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ , ﴿أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ , ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أنا سيد ولد آدم, أنا أثر الأنبياء تبعًا, وغير ذلك، وقد قال النووي: لا بأس أن يقول: أنا الشيخ فلان, أو القاضي فلان, إذا لم يحصل التمييز إلّا به, وخلا عن الخيلاء والكبر" فيقول: "بك" بسببك متعلق بقوله: "أمرت" بالبناء للمفعول, والفاعل الله, قدمت للتخصيص، ويجوز أن تكون صلة للفعل، وأن قوله: "لا أفتح" بدل من الضمير المجرور، أي: أمرت الفتح, "لأحد قبلك" والرواية في مسلم: لا أفتح بدون أن قبلها -كما ذكره المصنف هنا خلافًا لما وقع له في الخصائصстр. 5880
لأحد بعدك".
فقيامه له ﷺ خاصة، فيه إظهار لمزيته ومرتبته, وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته, وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد ﷺ .
وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد المهري, عن أنس بن مالك قال: قال
الحواشي
(١) والسيوطي في جامعيه من زيادة أن.
وقد تعقَّب بأنَّ الذي في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة بدون أن، وأحد في سياق النفي للعموم, فيفيد استغراق جميع الأفراد, أي: لا من الأنبياء ولا من غيرهم، وفيه أنَّ طلب الفتح إنما هو للخازن, وإلّا لما كان هو المجيب, ولم يطلبه منها بلا واسطة, مع أنه جاء عن الحسن وقتادة وغيرهما أنَّ أبوابها يرى ظاهرها من باطنها وعكسه، وأنها تتكلم وتكلم, وتعقل ما يقال لها: انفتحي انغلقي؛ لأن الظاهر كما قال بعضهم: إنها مأمورة بعدم الاستقلال بالفتح والغلق, وأنها لا تستطيع ذلك إلّا بأمر عريفها المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم, ولا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ , ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١] ووجه الرازي وغيره: بأنه يوجب السرور والفرح؛ حيث نظروها مفتَّحة من بعد, وفيه الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح؛ لأن أبوابها تفتح أولًا بعد الاستفتاح من جمع, ويكون مقدمًا بالنسبة إلى البعض, كما يقتضيه خير أنَّ الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، والظاهر أنها لا تغلق بعد فتحها للفقراء, هذا أحسن الأجوبة الستة -كما قال بعض المحققين, ونوقش في باقيها.
"ورواه الطبراني وزاد فيه، قال: "فيقوم الخازن" رضوان "فيقول: لا أفتح لأحد قبلك" كما أمرت، ولا يعارضه خبر الديلمي وأبي نعيم: "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة فيفتحها الله لي"؛ لأنه تعالى هو الفاتح الحقيقي, وتولي رضوان ذلك إنما هو بأمره تعالى وإقداره وتمكينه, "ولا أقوم لأحد بعدك" فقيامه له ﷺ خاصَّةً فيه إظهار لمزيته ومرتبته، وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته" أي: رضوان, "وهو كالملك" الحاكم عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد ﷺ " حتى مشي وفتح له الباب, وحكمة اتخاذ الخدمة للجنة مع أنَّها إنما تكون عرفًا لما خيف ضياعه أو تلفه أو نقصه, فيفوت كله أو بعضه أو وصفه على صاحبه, ولا يمكن ذلك في الجنة هي مراعاة الداخلين إكرامًا لهم، فتقدم الخزنة لكل منهم ما أعد له من النعيم "وروى سهيل" بضم السين- مصغر "ابن أبي صالح" ذكوان السمّان أبو يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة.стр. 5881
رسول الله ﷺ : "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر". وهو في مسند الفردوس, لكن من حديث ابن عباس.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلّا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم" فذكر الحديث إلى أن قال: "فيأتوني, فأنطلق معهم"، قال ابن
الحواشي
(١) روى عنه مالك ونحوه قبل التغير، وروى له الستة إلّا أنَّ البخاري إنما روى له حديثًا واحدًا مقرونًا بيحيى بن سعيد, وعلق له في مواضع, مات في خلافة المنصور, "عن زياد المهري" بفتح الميم وإسكان الهاء- نسبة إلى مهرة, قبيلة من قضاعة "عن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر" بذلك، بل بمن أعطانيه "وهو في مسند الفردوس" للديلمي, "لكن من حديث ابن عباس" وقد رواه أحمد والترمذي عن أنس رفعه: "أنا أول من يأخذ بحلقة الباب فأقعقعها" ففي هذا كله: "أنا أول من يدخل الجنة" استشكل بالسبعين ألفًا الداخلين بغير حساب, إنهم يدخلون قبله، وبحديث رؤياه ﷺ بلالًا سبقه في دخولها، وحديث المرأة التي تبادره في دخولها، وبقوله ﷺ : "أول من يقرع باب الجنة عبد أدَّى حق الله وحق مواليه". رواه البيهقي، وبإدريس: فإنه أدخل الجنة بعد موته, وهو فيها كما ورد، وأجيب بأن دخوله ﷺ يتعدد، فالدخول الأوّل لا يتقدمه ولا يشاركه فيه أحد, ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره، وقد روى ابن منده في حديث، أنه كرر الدخول أربع مرات، وأمَّا إدريس فلا يرد؛ لأن المراد الدخول التام يوم القيامة, وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ، هذا أظهر الأجوبة, ويأتي بعضها.
"وعن أبي سعيد" الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم" وفي أولاده من هو أفضل منه, وذلك يستلزم سيادته على آدم يوم القيامة, "ولا فخر" لا عظمة, "وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر, وما من نبي آدم" بالرفع- بدل من محل نبي المجرور لفظًا بمن الزائدة, "فمن سواه إلّا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر" تقدَّم شرح هذا كله, قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات" من زفرات جهنم.
روى أبو نعيم عن كعب، قال: "إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فنزلت الملائكة فصاروا صفًّا، فيقول الله لجبريل: أئت بجهنم فيأتي بها تقاد بسبعين ألف زمام حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرة طارت لها افئدة الخلائق,стр. 5882
جدعان: قال أنس: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ قال: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي, ويرحبون بي, فيقولون: مرحبًا، فآخِرّ ساجدًا, فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال: ارفع رأسك". الحديث. رواه الترمذي وقال: حسن.
وفي حديث سلمان: "فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح".
الحواشي
(١) ثم زفرت زفرة ثانية, فلا يبقى ملك مقرَّب ولا نبي مرسَل إلّا جثا لركبتيه، ثم تزفر الثالثة فتبلغ القلوب الحناجر وتذهب العقول" الحديث, "فيأتون آدم" فذكر الحديث في إتيانهم الأنبياء الخمسة, "إلى أن قال: "فيأتوني فأنطلق معهم".
"قال ابن جدعان" بضم الجيم وسكون الدال وعين مهملتين- عليّ بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان القرشي التيمي، نزل البصرة وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان, ينسب أبوه إلى جده الأعلى، ضعيف, مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: قبلها -كما في التقريب.
"قال أنس" بن مالك: " كأني انظر" حال تحديثي بذلك "إلى رسول الله ﷺ " إشارة إلى تحقق ما أخبر به, واستحضاره ونفي الشك عنه "قال:" أي قائلًا: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقها" أي: أدق عليها فتصوت، إلى هنا ما رواه عن أنس -كما أفاده السيوطي, ثم عاد إلى حديث أبي سعيد "فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد" بالبناء للمفعول فيهما للعلم به, "فيفتحون لي" لا يعارضه ما مر أن الذي يفتح رضوان, الجواز أنه لما يقوم للفتح تبعه جنده؛ لأنهم في خدمته, وهو كالملك عليهم, "ويرحبون بي فيقولون" كلهم "مرحبًا" زيادة في تعظيم المصطفى؛ إذ رحبوا به أجمعون, "فأخِرّ ساجدًا فيلهمني الله من الثناء والحمد" ما لا أقدر عليه الآن, "فيقال: ارفع رأسك...." الحديث" تمامه: "وسل تعط، واشفع تشفع، وقل يسمع لقولك" وهو المقام المحمود الذي قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
"رواه الترمذي وقال حسن", ورواه ابن خزيمة أيضًا, "وفي حديث سلمان الفارسي: "فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب" يخالفه ما لأبي يعلى عن أنس، رفعه: "أقرع باب الجنة, فيفتح لي باب من ذهب وحلقة من فضة" ويمكن الجمع بأنَّ كونها من فضة حكم على المجموع، فلا ينافي أن حلقة منها ذهب, أو أنها لمجاورتها للذهب سمَّاها اسمه مجازًا, "فيقرع" يدق ﷺ "الباب، فيقال" أي: يقول الخازن "من هذا؟ فيقول" ﵇ "محمد، فيفتح الباب".стр. 5883
وفي حديث الصور: إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ , كما فعلوا عند العرصات, عند استشفاعهم إلى الله في فصل القضاء؛ ليظهر شرف نبينا محمد ﷺ على سائر البشر كلهم في المواطن كلها.
وروى أبو هريرة مرفوعًا: "أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلّا أن امرأة تبادرني فأقول لها: مالك؟ أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى" رواه أبو
الحواشي
(١) "وفي حديث الصور" إضافةً لأدنى ملابسة لذكره فيه, وهو حديث طويل نحو أربع ورقات, عن أبي هريرة مرفوعًا, وهو أول حديث في البدور وعزاه لجماعة، وقال: اختلف في تصحيحه وتضعيفه، فصحَّحه ابن العربي والقرطبي ومغلطاي, وضعَّفه البيهقي وعبد الحق, وصوبهما الحافظ ابن حجر, "إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول" ولفظه: "فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة، فيقولون: من أحق من أبيكم آدم" , "فيقصدون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى, وكلٌّ يقول: ما أنا بصاحب ذلك وذكر ذنبًا" , "إلّا عيسى فيقول: ما أنا بصاحبكم, ولكن عليكم بمحمد ﷺ " , "ثم محمدًا" قال " ﷺ : "فيأتوني, فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب, ثم استفتح فيفتح لي، فأحيي ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن الله لي في حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك, واشفع تشفع, وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي، قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة, فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة, فيقول: قد شفعتك فيهم وأذنت لهم في دخول الجنة" , "كما فعلوا عند العرصات عند استشفاعهم إلى الله في فصل القضاء" وهي مذكورة قبل ذلك في نفس هذا الحديث بلفظ: "فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه، فيأبى ويقول: ما أنا بصاحب ذلك, فيأتون الأنبياء نبيًّا نبيًّا, كلما جاءوا نبيًّا يأبى عليهم حتى يأتوني, فأنطلق معهم حتى الفحص قدام العرش، فأخِرّ ساجدًا, حتى يبعث الله ملكًا فيأخذ بعضدي، فيقول لي: يا محمد فأقول: نعم يا رب, فيقول: ما شأنك؟ وهو أعلم، فأقول: يا رب, وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك, فاقض بينهم, فيقول: قد شفعتك, آتيكم فأقضي بينكم" , "ليظهر شرف نبينا ﷺ على سائر البشر كلهم في المواطن كلها".
وروى أبو هريرة مرفوعًا أي: قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أوّل من يفتح له باب الجنة" أي: لا يتقدم على أحد في فتحه "إلّا أن امرأة تبادرني" تسابقني, "فأقول لها: ما لك؟ أو ما أنت" شكَّ الراوي, وعبَّر بما لأنه سؤال عن الصفة، أي: ما الصفة التي أوجبت لك أن تبادريني.стр. 5884
يعلى، ورواته لا بأس بهم, قال المنذري: إسناده حسن إن شاء الله.
وقوله: "تبادرني" أي: لتدخل معي أو لتدخل في أثري، ويشهد له حديث: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. قال ابن بطال، حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي -صلي الله عليه وسلم- في الجنة، ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخوله الجنة كما في الحديث قبله.
الحواشي
(١) وفي نسخة: أو من أنت, "فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى" لي، وفي البدور: على أيتامي, لكنه قال: رواه أبو يعلى والأصفهاني، فلعله لفظه, ولفظ أبي يعلى ما للمصنف ولا خلف بينهما كما أشرت إليه.
وفي الفتح عازيًا لأبي يعلى وحده: أنا امرأة تأيمت, "ورواته لا بأس بهم" كما قال الحافظ, "وقال المنذري: إسناده حسن إن شاء الله، وقوله: "تبادرني"، أي: لتدخل معي أو تدخل في أثري، ثم إن كانت امرأة واحدة فلعلّها قامت بأيتامها على صفة لم تتفق لغيرها، فلا يرد أن كثيرًا من النساء كذلك, وإن كان المراد جنس امرأة قعدت على يتاماها وهو مقتضى سياق المنذري في الترغيب لهذا الحديث, وقضية الحديث التالي فلا إشكال, "ويشهد له حديث: "أنا وكافل اليتيم" أي: القيم بأمره ومصالحه هبة من ماله، أو من مال اليتيم.
زاد في رواية الموطأ: له أو لغيره، وللبزار عن أبي هريرة رفعه: "من كفل يتيمًا ذا قرابة أو لا قرابة له في الجنة هكذا" وقال: "أي: أشار بإصبعيه" بالتثنية السبابة والوسطى وفرج بينهما.
"رواه البخاري من حديث سهل بن سعد" أي: فرق بينهما منشورتين مفرجًا بينهما، أي: إن الكافل معه ﷺ في الجنة, إلّا أن درجته لا تبلغ درجته، بل تقاربها, وظاهره أن المشير هو المصطفى، وفي الموطأ رواية يحيى بن بكير, وأشار النبي ﷺ بالسبابة والوسطى وفي أكثر الموطآت: وأشار بإصبعيه بإبهام المشير وفي مسلم: وأشار مالك بالسبابة والوسطى.
"قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي ﷺ في الجنة, ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك. انتهى".
"ويحتمل أن يكون المراد: قرب المنزلة حاله دخوله الجنة -كما في الحديث قبله" كما قاله الحافظ وزاد: ويحتمل أن المراد مجموع الأمرين سرعة الدخول وعلوّ المنزلة.
وقد روى أبو داود عن عوف بن مالك رفعه: "أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة, امرأة ذات منصب وجمال حَبسَت نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا" فهذا فيه قيد،стр. 5885
ووجه التشبيه أن النبي ﷺ من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم, فيكون كافلًا لهم ومرشدًا, وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه, ويعلمه ويحسن أدبه.
وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبًا, إنَّ الله اتخذ من خلقه خليلًا، اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه تكليمًا, وقال آخر: فعيسى روح الله، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلّم وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم, إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا وهو كذلك, وموسى كلمه الله وهو كذلك, وعيسى روح الله وهو كذلك, وآدم اصطفاه الله وهو كذلك, ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا
الحواشي
(١) وللطبراني الصغير عن جابر، قلت: يا رسول الله, مم اضرب منه يتمي؟ قال: "ما كانت ضاربًا منه ولدك غير واقٍ مالك بماله"، وزاد في رواية مالك: "حتى يستغني عنه" فيستفاد منه أن للكفالة المذكورة أمدًا. انتهى.
"ووجه التشبيه" كما نقله الحافظ عن شيخه العراقي في شرح الترمذي, بين النبي والكافل أنَّ النبي من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم, فيكون كافلًا لهم ومرشدًا لهم ومعلمًا, وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل" إضراب انتقالي, "ولا دنياه, ويعلمه ويحسن أدبه" فناسب علوّ منزلته بقرب النبي ﷺ .
"وعن ابن عباس قال: جلس" قع "ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه, قال" ابن عباس: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم, فقال بعضهم: عجبًا إنَّ الله اتخذ من خلقه خليلًا" مع أنه لا نسبة بين الخالق والمخلوق, "اتخذ الله إبراهيم خليلًا", "وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى, كلمه تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله, وقال آخر: فآدم اصطفاه الله, فخرج ﷺ ، فسلَّم وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم, إنَّ الله اتخذ إبراهيم خليلًا وهو كذلك" فإنه تعالى قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٨٥] "وموسى كليم الله وهو كذلك" قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] "وعيسى روح الله وهو كذلك" في القرآن, "وآدم اصطفاه الله وهو كذلك" ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ , "ألا" بالفتح والتخفيف، أي: تنبهوا لما تعلموه مما حباني به زيادة عليهمследующие страницы →