← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

أمتي، يا رب أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة" قال أبو حامد: والسبعون ألفًا الذين يدخلون الجنة بلا حساب، لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفًا، وإنما هي براءة مكتوبة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه براءة فلان ابن فلان، قد غفر له وسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، فما مَرَّ عليه شيء أسَرَّ من ذلك المقام. وأما الثالثة: وهي إدخال قوم حوسبوا أن لا يعذبوا، فيدل على ذلك قوله في حديث حذيفة عند مسلم: "ونبيكم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم". وأما الرابعة: وهي في إخراج من أدخل النار من العصاة، فدلائلها كثيرة، وقد روى البخاري عن عمران بن حصين مرفوعًا: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ , فيدخلون الجنة ويسمَّون الجهنميين".

стр. 5847

وأمَّا الخامسة: وهي في رفع الدرجات، فقال النووي "في الروضة": إنها من خصائصه ﷺ , ولم يذكر لذلك مستندًا, فالله أعلم. وقد ذكر القاضي عياض شفاعة سادسة، وهي شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب في تخفيف العذاب, لما ثبت في الصحيح أنَّ العباس قال لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات من النار, فأخرجته إلى ضحضاح" , وفي الصحيح أيضًا من طريق أبي سعيد, أنه ﷺ قال: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة, فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه".

стр. 5848

وزاد بعضهم سابعة: وهي الشفاعة لأهل المدينة، لحديث سعد، رفعه: "لا يثبت أحد على لأوائها إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة". وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأن متعلقها لا يخرج عن واحد من الخمس الأول، وبأنه لو عدَّ مثل ذلك لعد حديث عبد الملك بن عباد: سمعت النبي ﷺ يقول: "أول من أشفع له أهل المدينة, ثم أهل مكة, ثم أهل الطائف". رواه البزار، وأخرى: لمن زار قبره الشريف، وأخرى: لمن أجاب المؤذن ثم صلى عليه ﷺ ،

стр. 5849

وأخرى في التجاوز عن تقصير الصلحاء. لكن قال الحافظ ابن حجر: إنها مندرجة في الخامسة. وزاد القرطبي: إنه أوَّل شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، [ويدل له ما رواه.....] . وزاد في فتح الباري أخرى: فيمَنْ استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، لما أخرجه الطبراني، عن ابن عباس قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب, والمقتصد يرحمه الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون بشفاعته ﷺ . وأرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنَّهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.

стр. 5850

وشفاعة أخرى وهي شفاعته فيمن قال: "لا إله إلا الله" ولم يعمل خيرًا قط، لرواية الحسن عن أنس: "فأقول: يا رب, ائذن لي في الشفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزَّتي وكبريائي وعظمتي لأخرجنَّ من النار من قال: لا إله

стр. 5851

إلا الله". فالوارد على الخمسة أربعة، وما عداها لا يرد، كما لا ترد الشفاعة في التخفيف عن صاحبي القبرين وغير ذلك؛ لكونه من جملة أحوال الدنيا. انتهى. فإن قلت: فأي شفاعة ادَّخرها ﷺ لأمته؟ أمَّا الأولى: فلا تختص بهم, بل هي لإراحة الجمع كلهم، وهي المقام المحمود كما تقدَّم، وكذلك باقي الشفاعات, الظاهر أنه يشاركهم فيها بقية الأمم. فالجواب: إنه يحتمل أنَّ المراد الشفاعة العظمي التي للإراحة من هول الموقف, وهي وإن كانت غير مختصة بهذه الأمَّة, لكن هم الأصل فيها، وغيرهم تبع لهم، ولهذا كان اللفظ المنقول عنه ﷺ فيها أنه قال: "يا رب أمتي أمتي"

стр. 5852

فدعا لهم, فأجيب، وكان غيرهم تبعًا لهم في ذلك، ويحتمل أن تكون الشفاعة الثانية، وهي التي في إدخال قوم الجنة بغير حساب, هي المختصة بهذه الأمة، فإنَّ الحديث الوارد فيها: "يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب" الحديث. ولم ينقل ذلك في بقية الأمم، ويحتمل أن يكون المراد مطلق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس. وكون غير هذه الأمة يشاركونهم فيها أو في بعضها, لا ينافي أن يكون ﷺ أخَّرَ دعوته شفاعة لأمته، فلعله لا يشفع لغيرهم من الأمم, بل يشفع لهم أنبياؤهم, ويحتمل أن تكون الشفاعة لغيرهم تبعًا كما تقدَّم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم بالشفاعة التي ادَّخرها لأمته.

стр. 5853

وعن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما في الأرض من شجرة ومدرة" رواه أحمد. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "نحن آخر الأمم وأوّل من يحاسب، يقال: أين الأمة الأمية ونبيها، فنحن الآخرون الأوّلون" رواه ابن ماجه. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود الطيالسي مرفوعًا: "فإذا أراد الله أن يقضي بين خلقه نادى منادٍ: أين محمد وأمته, فأقوم وتتبعني أمتي غرًّا محجَّلين من أثر الطهور" , قال رسول الله ﷺ : "فنحن الآخرون الأوّلون, وأول من يحاسب، وتفرج لنا الأمم عن طريقنا وتقول الأمم: كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها" , وقد صحَّ أن أوَّل ما يقضى بين الناس في الدماء. رواه البخاري.

стр. 5854

وللنسائي مرفوعًا: "أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء". وفي البخاري عن عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة"، يريد قصته في مبارته هو وصاحباه الثلاثة من كفار قريش, قال أبو ذر: وفيهم نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما عمل فيه، وعن ماله

стр. 5855

من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي البخاري من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "من نوقش الحساب عذّب". وروى البزار عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم

стр. 5856

من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمة -أحسبه قال: من ديوان النعم: خذي بثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح, وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقى الذنوب والنعم، وقد ذهب العمل الصالح, فإذا أراد الله أن يرحم عبدًا، قال: يا عبدي، قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت عن سيئاتك -أحسبه قال: ووهبت لك نعمي". وروى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليختصمنَّ كل شيء يوم القيامة، حتى الشاتان فيما انتطحتا". وعن أنس: بينا رسول الله ﷺ جالس؛ إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه،

стр. 5857

فقال له عمر: ما أضحك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب, خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله: ما تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء, قال: يا رب, فليتحمل من أوزاري" وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء, ثم قال: "إن ذلك ليوم عظيم, يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم, فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر، فقال: يا رب, أرى مدائن من ذهب وفضة مكلَّلة باللؤلؤ, لأي نبي هذا، أو لأي صديق هذا، أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن يعطي الثمن، فقال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب, فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى، فخذ بيد أخيك وأدخله الجنة"، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم, فإن الله يصلح بين المسلمين يوم القيامة " رواه

стр. 5858

الحاكم والبيهقي في البعث, كلاهما عن عبَّاد بن أبي شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. كذا قال. وقد نقل: لو أنَّ رجلًا له ثواب سبعين نبيًّا، وله خصم بنصف دانق, لم يدخل الجنَّة حتى يرْضى خصمه. وقيل: يؤخذ بدانق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم. ذكره القشيري في التحبير. ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال؛ لأنَّ الوزن للجزاء, فينبغي أن يكون بعد المحاسبة, فإن المحاسبة لتقدير الأعمال, والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها.

стр. 5859

وقد ذكر الله تعالى الميزان في كتابه بلفظ الجمع، وجاءت السنة بلفظ الإفراد والجمع، فقيل: إن صورة الإفراد محمولة على أنَّ المراد الجنس، جمعًا بين الكلامين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال، فيكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله، ذهبت طائفة إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم، وليس المراد حقيقة العدد، وهو نظير قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾

стр. 5860

[الشعراء: ١٠٥] والمراد رسول واحد، وهذا هو المعتمد، وعليه الأكثرون. واختلف في كيفية وضع الميزان، والذي جاء في أكثر الأخبار، أنَّ الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة، وكفة السيئات مقابل النار. ذكره الحكيم الترمذي في "نواد الأصول". واختلف أيضًا في الموزون نفسه, فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها, وهي وإن كانت أعراضًا إلّا أنها تجسَّم يوم القيامة فتوزن، وقال بعضهم: الموزون صحائف الأعمال، ويدل له حديث البطاقة المشهرة، وقد رواه الترمذي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، يرفعه بلفظ: "إن الله يستخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟

стр. 5861

فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة, والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء". فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في كفته شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معًا حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في أخرى. أجاب الترمذي الحكيم: بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان، وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر

стр. 5862

الحسنات، ويدل لما قاله قوله: "بلى إن لك عندنا حسنة" , ولم يقل لك عندنا إيمانًا. وقد سئل ﷺ عن لا إله إلا الله، أمِنَ الحسنات هي؟ فقال: "من أعظم الحسنات" أخرجه البيهقي وغيره. ويجوز -كما قاله القرطبي في التذكرة: أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ: قال رسول الله ﷺ : "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي "التحبير" للقشيري: قيل لبعضهم في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت، فحلت الصرة فإذا فيها، كفّ تراب ألقيته في قبر مسلم.

стр. 5863

وفي الخبر: إذا خفَّت حسنات المؤمن, أخرج رسول الله ﷺ بطاقة كالأنملة, فيلقيها في كفة الميزان التي فيها الحسنات, فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي ﷺ : بأبي أنت وأمي, ما أحسن وجهك, وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك علي, وقد وفَّيتك إياها أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيري في تفسيره. وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة، فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدلت بالسوية، فيقول الله له -رحمة منه: اذهب في الناس فالتمس من

стр. 5864

يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فما يجد أحدًا يكلمه في ذلك الأمر إلّا قال له: أنا أحوج لذلك منك فييأس، فيقول له رجل: لقد لقيت الله, فما وجدت في صحيفتي إلّا حسنة واحدة، وما أظنّها تغني عني شيئًا، خذها هبة مني، فينطلق بها فرحًا مسرورًا، فيقول الله له: ما بالك؟ وهو أعلم, فيقول: يا رب, اتفق لي من أمري كيت وكيت، قال: فينادي الله تعالى بصاحبه الذي وهب له الحسنة فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك، خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة. وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها في كفة الميزان, فيها مكتوب "أفّ" فترجح على الحسنات؛ لأنها كلمة عقوق، فيؤمر به إلى النار، قال: فيطلب الرجل أن يُرَدَّ إلى الله تعالى، فيقول الله تعالى: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق, لأي شيء تطلب الرد إليّ؟ فيقول: إلهي، إني سائر إلى النار وكنت عاقًّا لأبي, وهو سائر إلى النار مثلي، فضعّف عليَّ عذابه وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى, ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة، خذ بيد أبيك وانطلقا إلى الجنة.

стр. 5865

وقد روى حذيفة أنَّ صاحب الميزان يوم القيامة جبريل ﵇، وهو الدين يزن الأعمال يوم القيامة. رواه ابن جرير في تفسيره. واختلف أيضًا في كيفية الرجحان والنقص, فقال بعضهم: الراجح أنَّ الموزون في الآخرة يصعد، عكس ما في الدنيا، واستشهد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] الآية. قال الزركشي: وهو غريب مصادم لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] . وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها؟ حكي عن وهب بن منبه أنه قال: يوزن من الأعمال خواتيمها، واستدلَّ بقوله ﷺ : "إنما الأعمال بخواتيمها".

стр. 5866

وذكر الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من قضى لأخيه المؤمن حاجة كنت واقفًا عند ميزانه، فإن رجحت وإلّا شفعت له". وقال بعض أهل العلم، فيما حكاه القرطبي في "التذكرة": ولن يجوز أحد على الصراط حتى يسأل على سبع قناطر، فأمَّا القنطرة الأولى: فيسأل عن الإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصًا جاز، ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامَّة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحجِّ والعمرة، فإن جاء بهما تأمَّين جاز، ثم يسأل في السادسة عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تامَّين جاز، ثم يسأل في السابعة، وليس في القناطر أصعب منها، فيسأل عن ظلامات الناس.

стр. 5867

وفي حديث أبي هريرة عنه ﷺ : "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أوّل من يجوز عليه، ولا يتكلّم يومئذ إلّا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان, غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلّا الله تعالى، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله, ومنهم

стр. 5868

من يخردل ثم ينجو" الحديث رواه البخاري. وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول: "رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يأتي الرجل فلا يستطيع

стр. 5869

"السير إلّا زحفًا، قال: وفي حافظتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به, فمخدوش ناجٍ ومكردَس في النار". وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث "حفَّت النار بالشهوات" فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار. قاله ابن العربي. ويؤخذ من قوله: "فمخدوش" إلخ, أنَّ المارِّين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة, ومتوسط بينهما مصاب ثم ينجو.

стр. 5870

وفي حديث المغيرة عند الترمذي: "شعار المؤمنين على الصراط: ربِّ سلّم سلّم". ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل تنطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمَّى ذلك شعارًا لهم. وفي حديث ابن مسعود: فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين أيديهم، الحديث، وفيه: فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب, ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل, حتى يمر الرجل الذي يعطى نوره على ظهر

стр. 5871

قدميه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تجرّ يد وتعلق يد، وتجر رجل وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا؛ إذ نجاني منها بعد أن رأيتها". الحديث. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني. وروى مسلم: قال أبو سعيد: بلغني أنَّ الصراط أحدّ من السيف وأرقّ من الشعرة. وفي رواية ابن منده من هذا الوجه, قال سعيد بن أبي هلال, ووصله البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ مجزومًا به, وفي سنده لين.

стр. 5872

ولابن المبارك من مرسل عبيد بن عمير: إن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب، والذي نفسي بيده, إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه, وفيه: والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلّم سلّم. وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أنَّ الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى، أرق من الشعرة, وأحدّ من السيف, على متن جهنم، لا يجوز عليه إلّا ضامر مهزول من خشية الله. ذكره ابن عساكر في ترجمته، قال في فتح الباري: وهذا معضل لا يثبت. قال: وعن سعيد بن أبي هلال: بلغنا أنَّ الصراط أرق من الشعرة على بعض الناس، ولبض الناس مثل الوادي الواسع. أخرجه ابن المبارك، وهو مرسل أو معضل.

стр. 5873

وقد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] الجواز على الصراط؛ لأنه ممدود على النار. وروى ابن عساكر عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط. وقيل الورود: الدخول. وعن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال

стр. 5874

بعضنا: ندخلها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال جابر: يردونها جميعًا، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعًا، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتًا, إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الورود والدخول لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلّا دخلها, فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار أو قال: لجهنم ضجيجًا من بردهم, ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا" رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. وأخرج ابن الجوزي -كما ذكره القرطبي في التذكرة- رفعه: "الزالون عن الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء" قال: "وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط, وليقف كل عاصٍ منكم وظالم". فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها، وأشد حرها، يتقدَّم فيها من كان في الدنيا ضعيفًا مهينًا، ويتأخَّر عنها من كان فيها عظيمًا.

стр. 5875

مكينًا، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف الصراط بأمة محمد ﷺ نادوا: وا محمداه وا محمداه، فيبادر ﷺ من شدة إشفاقه عليهم، وجبريل آخذ بحجزته، فينادي ﷺ رافعًا صوته: "رب أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي"، والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون: رب سلم, وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال، والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال، وينادونهم: أما نهيتهم عن كسب الأوزار، أما أنذرتم كل الإنذار، أما جاءكم النبي المختار. ذكره ابن الجوزي في كتابه "روضة المشتاق". وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: "من أحسن الصدقة في الدنيا مَرَّ على الصراط" رواه أبو نعيم. وفي الحديث: "من يكن المسجد بيته, ضَمِنَ الله له بالروح والرحمة والجواز

стр. 5876

على الصراط إلى الجنة. وروى القرطبي عن ابن المبارك عن عبد الله بن سلام: إذا كان يوم القيامة, جمع الله الأنبياء نبيًّا نبيًّا, وأمَّة أمَّة، ويضرب الجسر على جهنم, وينادى: أين أحمد وأمته، فيقوم رسول الله ﷺ , وتتبعه أمته برها وفاجرها, حتى إذا كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه, فيتهافتون في النار يمينًا وشمالًا، ويمضي النبي ﷺ والصالحون معه, فتتلقاهم الملائكة, فيدلونهم على الطريق: على يمينك على شمالك, حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسيٍّ عن يمين العرش، ثم يتبعه عيسى ﵇ على مثل سبيله, وتتبعه أمته برها وفاجرها، حتى إذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار

стр. 5877

أعدائهم فيتهافتون في النار يمينًا وشمالًا. الحديث. واعلم أنَّ في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم إلّا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر حبسوا على صراط آخر لهم، ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء الله؛ لأنهم قد عبروا الصراط الأوَّل المضروب على متن جهنم, وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار, فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا, حتى إذا هذبوا ونقوا, أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي

стр. 5878

نفس محمد بيده, لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا". وأما تفضيله ﷺ بأنه أوَّل من يقرع باب الجنة وأوَّل من يدخلها، ففي صحيح مسلم, من حديث المختار بن فلفل, عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة، وأنا أوّل من يقرع باب الجنة".

стр. 5879

وفيه أيضًا من حديث أنس, قال ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح, فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك". ورواه الطبراني وزاد فيه: قال: "فيقوم الخازن ويقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم

стр. 5880

لأحد بعدك". فقيامه له ﷺ خاصة، فيه إظهار لمزيته ومرتبته, وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته, وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد ﷺ . وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد المهري, عن أنس بن مالك قال: قال

стр. 5881

رسول الله ﷺ : "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة ولا فخر". وهو في مسند الفردوس, لكن من حديث ابن عباس. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلّا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم" فذكر الحديث إلى أن قال: "فيأتوني, فأنطلق معهم"، قال ابن

стр. 5882

جدعان: قال أنس: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ قال: "فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي, ويرحبون بي, فيقولون: مرحبًا، فآخِرّ ساجدًا, فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال: ارفع رأسك". الحديث. رواه الترمذي وقال: حسن. وفي حديث سلمان: "فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح".

стр. 5883

وفي حديث الصور: إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم ثم نوحًا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ , كما فعلوا عند العرصات, عند استشفاعهم إلى الله في فصل القضاء؛ ليظهر شرف نبينا محمد ﷺ على سائر البشر كلهم في المواطن كلها. وروى أبو هريرة مرفوعًا: "أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلّا أن امرأة تبادرني فأقول لها: مالك؟ أو ما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى" رواه أبو

стр. 5884

يعلى، ورواته لا بأس بهم, قال المنذري: إسناده حسن إن شاء الله. وقوله: "تبادرني" أي: لتدخل معي أو لتدخل في أثري، ويشهد له حديث: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. قال ابن بطال، حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به؛ ليكون رفيق النبي -صلي الله عليه وسلم- في الجنة، ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حالة دخوله الجنة كما في الحديث قبله.

стр. 5885

ووجه التشبيه أن النبي ﷺ من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم, فيكون كافلًا لهم ومرشدًا, وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه, ويعلمه ويحسن أدبه. وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي ﷺ ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجبًا, إنَّ الله اتخذ من خلقه خليلًا، اتخذ الله إبراهيم خليلًا، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه تكليمًا, وقال آخر: فعيسى روح الله، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلّم وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم, إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا وهو كذلك, وموسى كلمه الله وهو كذلك, وعيسى روح الله وهو كذلك, وآدم اصطفاه الله وهو كذلك, ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا
следующие страницы →