Полный текст (5 943 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فقال له رسول الله ﷺ : "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
وروي أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ في الغار وقد تقطرتا دما فاستبكيت وعلمت أنه ﷺ لم يكن تعود الحفا والجفوة.
الحواشي
(١) لله تعالى على صيانتهما، "فقال له رسول الله ﷺ : "ما ظن" استفهام تعظيم، أي: أي ظن تظنه، أي: لا تظن إلا أعظم ظن "باثنين الله ثالثهما"، أي: جاعلهما ثلاثة بضم ذاته تعالى إليهما في المعية المعنوية المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ، وهو من قوله ثاني اثنين إذ هما في الغار، ومن لازم ذلك الظن أنه لا يصل إليهما سوء وذكر بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال له ﷺ : "لو جاءونا من ههنا لذهبنا من ههنا"، فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه.
قال ابن كثير: وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة، ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوي ولا ضعيف، ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا.
"وروي أن أبا بكر، قال: نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ في الغار وقد تقطرتا دما" أي: سال دمهما، فدما تمييز محول عن الفاعل، أي: أثر حفاة في قدميه حتى أسال دمهما، "فاستبكيت" اسين زائدة للتأكيد لا للطلب لما علم من رقة قلبه وشدة حبه للمصطفى المقتضي لغلبة البكاء بلا استجلاب له، "وعلمت أنه" بحذف مفعول علمت، أي: أن ما أصابه إنما هو لما ناله من المشقة؛ لأنه "لم يكن تعود الحفى" بفتح المهملة مقصور المشي بلا خف ولا نعل، "والجفوة" بفتح الجيم وتكسر، أي: الجفاء، أي: لم يتعود كونه مجفوا أو لم يتعود أن قومه جفوة له، قال في الرياض النضرة: ويشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وكان حافيا وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة، ويدل عليه رواية: فمشى رسول الله ولا يحتمل ذلك مشي ليلة إلا بتقدير ذلك أو سلوك غير الطريق تعمية على الطالب، انتهى.
ويروى أنه ﵇ خلع نعليه في الطريق، وعند ابن حبان أنهما ركبا حتى أتيا الغار فتواريا، ولا ينافي ذلك ما روي من تعب المصطفى وحمل أبي بكر إياه على كاهله؛ لاحتمال أن يكون ذلك في بعض الطريق، قال في الوفا: ولا ينافي ركوبهما مواعدتهما الدليل بأن يأتي بالراحلتين بعد ثلاث؛ لاحتمال أنهما ركبا غير الراحلتين أو هما، ثم ذهب بهما ابن فهيرة إلى الدليل ليأتي بعد ثلاث. وفي دلائل النبوة من مرسل ابن سيرين، وهو عند أبي القاسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكة وابن هشام عن الحسن بلاغا: أن أبا بكر ليلة انطلق معه ﷺ إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة، فسأله فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك،стр. 632
وروي أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله ﷺ ليقيه بنفسه، وأنه رأى جحرا فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذي رسول الله ﷺ فجعلت الحيات والأفاعي تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر. وفي رواية: فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجر أبي بكر ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فقال: "ما لك يا أبا بكر"؟ قال لدغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده. رواه ابن رزين.
الحواشي
(١) وأذكر الرصد فأمشي أمامك، فقال: "لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني"، قال: أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار، قال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فاستبرأه.
"وروي أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله ﷺ ليقيه بنفسه، وإنه رأى جحرا" بضم الجيم وإسكان المهملة، "فيه فألقمه عقبه" بعد أن سد غيره بثوبه، فيروي أنه قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك فدخله فجعل يلتمس بيده فكلما رأى جحرا قطع من ثوبه وألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع فبقي جحر فوضع عقبه عليه. وروي أن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر: أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه، وقال: يا رسول الله! إن كانت لدغة أو لسعة كانت بي، وهو صريح في إلقامه رجليه جميعا فتحمل رواية عقبة على الجنس فتصدق بهما، وهي مبينة للمراد من رجليه؛ "لئلا يرج منه ما يؤذي رسول اله ﷺ " لاشتهاره بكونه مسكن الهوام، فدخل فرأى غارا مظلما فجلس وجعل يلتمس بيده كلما وجد جحرا أدخل فيه أصبعه حتى انتهى إلى جحر كبير فأدخل رجله إلى فخذه، كذا في البغوي. "فجعلت الحيات والأفاعي تضربنه وتلسعنه" عطف تفسير "فجعلت دموعه تنحدر" من ألم لسعها.
"وفي رواية" عن عمر بن الخطاب، ثم قال -أي بعد استبرائه الغار لرسول الله ﷺ : ادخل، فإني سويت لك مكانا، "فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجر أبي بكر" بكسر الحاء وسكون الجيم، "ونام فلدغ" بمهملة فمعجمة لذوات السموم وعكسه للذع النار "أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك" لئلا يوقظ المصطفى "فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فقال: $"ما لك يا أبا بكر"؟ قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل" بالفوقية "عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، رواه ابن رزين" بفتح الراء وكسر الزاي ابن معاوية أبو الحسن العبدري السرقسطي الأندلسي المالكي مؤلف تجريد الصحاح جمع فيه الموطأ والصحيحينстр. 633
وروي أيضا: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله ﷺ وقال إن قتلت أنا رجل............
الحواشي
(١) وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، قال ابن بشكوال: كان صالحا فاضلا عالما بالحديث وغيره، جاور بمكة أعواما وبها مات سنة خمس وعشرين، وقيل: خمس وثلاثين وخمسمائة.
وفي الرياض النضرة: فلما أصبحا رأى على أبي بكر أثر الورم فسأله، فقال: من لدغة الحية، فقال: "هلا أخبرتني"، قال: كرهت أن أوقظك، فمسحه فذهب ما به من الورم. ولأبي نعيم عن أنس: فلما أصبح قال لأبي بكر: "أين ثوبك"، فأخبره بالذي صنع فرفع ﷺ يديه، وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة"، فأوحى الله إليه قد استجبنا لك. وعن ابن عباس، فقاله ﷺ : "رحمك الله صدقتني حين كذبني الناس، ونصرتني حين خذلني الناس، وآمنت بي حين كفر بي الناس، وآنستني في وحشتي"، والظاهر كما قال شيخنا أنه كان عليه غير ثوبه مما يستر جميع البدن إذ لم ينقل طلبه لغيره ممن كان يأتي لهما بالغار كابنه وابن فهيرة. وروي ابن مردويه عن جندب بن سفيان، قال: لما انطلق أبو بكر مع رسول الله ﷺ إلى الغار، قال: يا رسول الله! لا تدخل الغار حتى أستبرئه لقطع الشبهة عني، فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شيء فجعل يمسح الدم عن أصبعيه، ويقول:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وذكر الواقدي وابن هشام: إن ذا البيت للوليد بن المغيرة الصحابي لما رجع في صلح الحديبية إلى المدينة وعثر بحرتها، فانقطعت أصبعه. وروى ابن أبي الدنيا: إن جعفرا لما قتل بمؤتة دعا الناس بعبد الله بن رواحة فأقبل فأصيب أصبعه، فارتجز يقول:
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفس ألا تقلتي تموتي ... هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيه فقد لقيت ... أن تفعلي فعلهما هديت
وروى الشيخان وغيرهما عن جندب: بينما نحن مع النبي ﷺ إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت.. البيت والذي يظهر أنه من إنشاء الصديق وأن كلا من المصطفى والوليد تمثل به والممتنع على النبي ﵇ إنشاء الشعر لا إنشاده وضمنه ابن رواحة شعره المذكور.
"وروي أيضا أن أبا بكر لما رأى القافة" أتوا على ثور وطلعوا فوقه، كما في رواية "اشتد حزنه" وبكى وأقبل عليه الهم والخوف والحزن، "على رسول الله -صلى الله علي وسلم، وقال: إن قتلت أنا رجلстр. 634
واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله ﷺ : "لا تحزن إن الله معنا"، يعني بالمعونة والنصر، فأنزل الله سكينته -وهي أمنة تكن عندها القلوب- على أبي بكر لأنه كان منزعجا، وايده -يعني النبي ﷺ بجنود لم تروها يعني الملائكة ليحرسوه في الغار، وليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته.
انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوي قلبه ببشارة "لا تحزن إن الله معنا" وكان تحفة "ثاني اثنين" مدخرة له دون الجميع، فهو
الحواشي
(١) واجد" لا تهلك الأمة بقتلي فلا تفوتهم نفع ولا يلحقهم ضرر، "وإن قتلت أنت هلكت الأمة" بهلاك الدين "فعندها" وبعد فراغه من الصلاة "قال له رسول الله ﷺ : "لا تحزن إن الله معنا" فروى عن الحسن البصري: جاءت قريش يطلبون النبي ﷺ وهو قائم يصلي وأبو بكر يرتقب، فقال: هؤلاء قومك يطلبونك، أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال: "لا تحزن إن الله معنا".
"يعني بالمعونة والنصر" فالمراد المعنوية لاستحالة الحسية في حقه تعالى لا بالعلم فقط؛ إذ لا يختص بهما وهو معكم أينما كنتم، "فأنزل الله سكينته" عليه "وهي" أي السكينة، "أمنة" بفتحتين، أي: حالة للنفس، "تكن عندها القلوب" لا منها مما تكرهه "على أبي بكر" فالضمير في الآية عائد على صاحبه في قول الأكثر، قال البيضاوي: وهو الأظهر "لأنه كان منزعجا" لا على النبي ﷺ لأنه لم تزل السكينة معه، قال ابن عباس كما رواه ابن مردويه والبيهقي وغيرهما. "وأيده -يعني النبي ﷺ بجنود لم تروها -يعني الملائكة- ليحرسوه في الغار، وليصروا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته" عطف سبب على مسبب، أي: ليحرسوه بصرف وجوههم عنه. وفي نسخ بأو يعني أن القصد أحد الأمرين وإن لزم أولهما للثاني، وقيل: معناه لقوا العرب في قلوب الكفار حتى رجعوا، حكاهما البغوي مصدرا بما اقتصر عليه المصنف.
"انظر" تأمل بعين البصيرة في أمر المصطفى وشفقته على الصديق "لما رأى" علم "الرسول حزن الصديق" مفعول رأي الأول والثاني، "قد اشتد" ويجوز أنها بصرية مجازا؛ لأنه لما رأى ما علاه من الكآبة نزل الحزن القائم به منزلة المبصر حتى جعله مرئيا عليه، فالجملة حال. "لكن لا على نفسه قوي" الرسول ﵇ "قلبه ببشارة لا تحزن إن الله معنا، وكانت تحفة" بفتح الحاء وتسكن، ما أتحفت به غيرك؛ كما في المصباح بمعنى الإتحاف، أي: كانстр. 635
الثاني في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول ﷺ بماله ونفسه جوزي بمواراته معه في رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار "ثاني اثنين إذ هما في الغار" ولقد أحسن حسان حيث قال:
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صاعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا ... من الخلائق لم يعدل به بدلا
وتأمل قول موسى لبني إسرائيل: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] وقول نبينا ﷺ للصديق: "إن الله معنا".....
الحواشي
(١) إتحاف المصطفى لأبي بكر بكونه "ثاني اثنين مدخرة له دون الجميع" أي: جميع الصحابة، "فهو الثاني" من الرجال "في الإسلام والثاني في بذل النفس والعمر وسبب الموت" عطف تفسير، والمراد أنه لما جعل نفسه وقاية له كأنه بذل نفسه وعمره حفظا ﵇، "لما وقى الرسول ﷺ بماله ونفسه" مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل: ما كان جزاؤه فيما فعل؟ فقيل: "جوزي بمواراته معه في رمسه وقام مؤذن التشريف ينادي على منائر الأمصار" جمع منارة بفتح الميم، والقياس كسرها لأنها آلة، "ثاني اثنين إذ هما في الغار، ولقد أحسن حسان، حيث قال": يمدحه "وثاني اثنين في الغار المنيف" الزائد في الشرف على غيره بدخول أفضل الخلق فيه وإقامته به هو وصاحبه، "وقد طاف العدو به إذ" لمجرد الوقت "صاعد" بالألف لعله بمعنى صعد بالتشديد، لكن لم يذكر الجوهري والمجد ولا المصباح صاعد "الجبلا" نصب بنزع الخافض والألف للإطاق، والمعنى: إذ ارتقى العدو على الجبل، "وكان" الصديق "حب" بكسر الحاء محبوب "رسول الله قد علموا" أي عامة الناس العارفين بحال المصطفى والصديق مسلما أو غيره، "من الخلائق" متعلق بيعدل من قوله: "لم يعدل به بدلا" وأنشد الشامي رجلا، والتقدير: علم كل أحد أنه ﵇ لم يعدل بأبي بكر أحد، أي: لم ينزل أحدا منزلته بحيث يجعله قائما مقامه.
وروى ابن عدي وابن عساكر عن أنس: أنه ﷺ قال لحسان: "هل قلت في أبي بكر شيئا"؟ قال: نعم، قال: "قل، وأنا أسمع"، فقال: وثاني اثنين.. إلخ، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "صدقت يا حسان، هو كما قلت". فصريح هذا أنه قالهما في حياته. وفي ينبوع الحياة الذي أعرف أنهما من أبيات رثى بها حسان أبا بكر، فهذا يخالف ذاك إذ الرثاء تعداد المحاسن بعد الموت وجمع باحتمال أنه مدحه بهما في حياته، ثم أدخلهما في مرئيته بعد وفاته.
"وتأمل" عطف على انظر "قول موسى لبني إسرائيل: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] ، وقول نبينا ﷺ للصديق: "إن الله معنا"، قدم المسند إليه للإشارة إلى أنهстр. 636
فموسى خص بشهود المعية ولم يتعد إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم يقل "معي" لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود، وأين معية الربوبية في قصة موسى ﵇ من معية الإلهية في قصة نبينا ﷺ ، قاله العارف شمس الدين بن اللبان.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكبوت مرتين، مرة على داود حين كان طالوت يطلبه،......
الحواشي
(١) لا يزول عن الخاطر لشدة التعلق به أو لأنه يستلذ به لكونه محبوبا للعباد إذ لا انفكاك لأحد عن الاحتياج إليه أو لتعظيمه بوصفه بالألوهية لأن سائر صفات الكمال تتفرع عليه، "فموسى خص" من ربه "بشهود المعية" له وحده "ولم يتعد" ذلك الشهود "إلى أتباعه ونبينا تعدى منه" شهوده" إلى الصديق" ولهذا "لم يقل معي لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة إلى أبي بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلي والشهود" إذ ليس في طوق البشر إلا بذلك الإمداد "وأين" استفهام تعجب وتعظيم للفرق بين المقامين، "معية الربوبية في قصة موسى ﵇" حيث قال: إن معي ربي والرب من التربية وهي التنمية والإصلاح، "من معية الإلاهية في قصة نبينا ﷺ " حيث عبر بالاسم الجامع لصفات الكمال، "قاله العارف شمس الدين بن اللبان" محمد بن أحمد الدمشقي، ثم المصري الشافعي الفقيه الأصولي النحوي الأديب الشاعر قدم مصر من دمشق، فأكرمه ابن الرفعة إكراما كثيرا، اختصر الروضة ورتب الأم، مات بالطاعون في شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة، هذا وما نقله الشارح عن شرح الهمزية هو معنى ما نقله المصنف عن ابن اللبان.
"وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن ميسرة" الخراساني صدوق يهم ويرسل كثيرا روى له مسلم والأربعة ولم يصح أن البخاري أخرج له كما زعم المزي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. "قال: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود" ﵇ "حين كان طالوت" بن قيس من ذرية بنيامين شقيق يوسف ﵇، يقال إنه كان سقاء، ويقال: كان دباغا، "يطلبه" لأن داود لما قتل جالوت رأس الجبارين وكان طالوت وعد من قتله أن يزوجه ابنته ويقاسمه الملك، فوفى طالوت لداود قتله، وعظم قدر داود في بني إسرائيل حتى استقل بالمملكة فتغيرت نية طالوت لداود وهم بقتله، فلم يتفق له ذلك، ثم رآه في برية، فقال: اليوم أقتله، ففر منه ووجد مغرة فتوارى بها، فنسجت العنكبوت عليه فمر به طالوت فلم يره فتاب وانخلع من الملك وخرج مجاهدا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلهم شهداء، وكانت مدة ملك طالوت أربعين سنة، وانتقل ملكه إلى داود واجتمعت عليه بنو إسرائيل ولم تجتمع على ملك واحد إلاстр. 637
ومرة على النبي ﷺ في الغار.
وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه ﷺ لقتل خالد بن نبيح الهذلي بعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار فنسجت عليه العنكبوت، فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين.
وفي تاريخ ابن عساكر: أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لما صلب عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة.
الحواشي
(١) عليه ومدة ملكه سبع سنين في قصة طويلة مذكورة في المبتدأ لابن إسحاق، كما في فتح الباري.
"ومرة على النبي ﷺ في الغار" لأن كل كرامة ومعجزة أوتيها نبي لا بد وأن يكون للمصطفى مثلا أو نظيرها أو أجل، فنسج عليه العنكبوت كداود وتعدى إلى بعض أصحابه وذريته، كما قال: "وكذا نسجت على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس" بن أسعد الجهني الأنصاري السلمي "لما بعثه ﷺ لقتل خالد" بن سفيان "بن نبيح" بضم النون وفتح الموحدة وإسكان التحتية وحاء مهملة، "الهذلي" فنسبه المصنف لجده بناء على قول ابن إسحاق: أن البعث لخالد بن سفيان بن نبيح، وذكر ابن سعد نه سفيان بن خالد بن نبيح، وتبعه المصنف فيما يأتي واليعمري وغيرهما؛ لأنه كان يجمع الجموع للنبي ﷺ .
"بعرنة" بالنون وادي عرفة "فقتله ثم حمل رأسه ودخل في غار، فنسجت عليه العنكبوت فجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين" ثم سار بالرأس فلما رآه ﷺ قال: "أفلح الوجه"، قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر فدفع ﷺ إليه عصا كانت بيده، وقال: "تحضر بهذه في الجنة"، فلما حضره الموت أوصى أهله أن يجعلوها في كفنه، ففعلوا "وفي تاريخ ابن عساكر أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" ﵃ أبي الحسين المدني الثقة، ولد سنة ثمانين وروى عن أبيه وجماعة، وأخرج له أصحاب السنن.
"لما صلب عريانا" أربع سنين كما في تاريخ ابن عساكر وبه جزم غير واحد، وقيل: خمس سنين، وكان قد بايعه خلق كثير من أهل الكوفة، وقالوا: تتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى، فقالوا: نرفضك فسموا الرافضة، وقالت طائفة: نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما فسموا الزيدية فخرجوا معه وحارب متولي العراق لهشام بن عبد الملك وهو يوسف بن عمر ابن عم الحجاج الثقفي فظفر به يوسف فقتله وصلبه ووجهوه لغير القبلة، فاستدارت خشبته إلى القبلة، ثم أحرقوا جسده وخشبته وذري رماده في الرياح على شاطئ الفرات وكان قتله وصلبه "في" صفر "سنة إحدى وعشرين ومائة" فيما قاله سعيد بن عفير وأبو بكر بن أبي شيبة وخليفة وآخرون قائلين:стр. 638
وكان مكثه ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاث ليال، وقيل بضعة عشر يوما. والأول هو المشهور.
وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف -أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن- فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت معهم، فلا يسمع بأمر يكادان به.........
الحواشي
(١) وبقي مصلوبا إلى سنة ست وعشرين، وقال ابن سعد: ومصعب في ثاني صفر سنة عشرين، وقال الليث بن سعد وهشام الكلبي والهيثم بن عدي والزبير بن بكار وآخرون، قتل يوم الاثنين ليومين مضيا من صفر سنة اثنين وعشرين ومائة، وقال ابن عساكر: صلب في سنة ست وعشرين، قال البرهان: وعليه يكون في خلافة الوليد بن يزيد؛ لأن هشاما مات سنة خمس وعشرين ومائة.
"وكان مكثه ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاث ليال" كما في الصحيح: فكمنا فيه ثلاث ليال، "وقيل: بضعة عشر يوما" رواه أحمد والحاكم عن طلحة البصري مرسلا، قال: قال ﷺ : "لبثت مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما، ما لنا طعام إلا طعام البرير". "والأول هو المشهور" كما قال ابن عبد البر وغيره، وجمع الحاكم بأنهما كمنا في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما، لكن قال الحافظ: لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا يصح حمله على حال الهجرة لما في الصحيح كما تراه من أن عامر بن فهيرة كان يروح عليهما في الغار باللبن، ولما وقع لهما في الطريق من لقي الراعي ومن النزول بخيمة أم معبد وغير ذلك، فالذي يظهر أنها قصة أخرى، انتهى.
"وكان يبيت عندهما" في الغار "عبد الله بن أبي بكر" الصديق أصابه سهم في غزوة الطائف فاندمل جرحه ثم نقض بعد ذلك فمات في خلافة أبيه، قال الحافظ: وفي نسخة من البخاري عبد الرحمن وهو وهم. "وهو غلام شاب ثقف" بفتح المثلثة وكسر القاف ويجوز سكانها وفتحها، كما قال الحافظ، وتبعه المصنف وجوز البرهان ضمها وأسقطه الفتح، وبعدها فاء" أي" حاذق "ثابت المعرفة بما يحتاج إليه" تفسير من المصنف زائد على الحديث وهو من الفتح، وما ألطف قوله في مقدمته، أي: فطن وزنا ومعنى "لقن" بفتح اللام وكسر القاف وتسكن؛ كما في النور: فنون، أي: سريع الفهم، "فيدلج" بضم الياء وسكون الدال، ولأبي ذر بشد الدال بعدها جيم؛ كما قال المصنف، واقتصر الحافظ وتبعه الشامي على رواية أبي ذر، أي: يخرج "من عندهما بسحر" إلى مكة "فيصبح مع قريش بمكة كبائت" لشدة رجوعه بغلس يظنه من لا يعرف حقيقة أمره مثل البائت، "فلا يسمع بأمر يكادان به" بضم التحتية فكاف فألف، روايةстр. 639
إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام.
ويرعى عليهما عامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر، عبد الله بن أريقط............
الحواشي
(١) الكشميهني ولغيره: يكتاد أنه بفتح أوله وفوقيه بعد الكاف، أي: يطلب لهما فيه المكروه وهو من الكيد، "إلا وعاه" حفظه "حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة" بضم الفاء مصغر "مولى أبي بكر" من السابقين الأولين، ذكر ابن عقبة عن ابن شهاب: أن أبا بكر اشتراه من الطفيل بن سخبرة فأسلم فأعتقه وهو مخالف لما رواه الطبراني عن عروة أنه كان ممن يعذب في الله فاشتراه أبو بكر فأعتقه، اشتهد ببئر معونة.
"منحة" بكسر الميم وسكون النون وفتح المهملة: شاة تحلب إناء بالغداة وإناء بالعشي، قال الحافظ: وتطلق أيضا على كل شاة، "من غنم" ذكر ابن عقبة عن الزهري أنها كانت لأبي بكر فكان يروح عليهما الغنم كل ليلة فيحلبان ثم يسرح بكرة، فيصبح في رعيان الناس فلا يفطن له. "فيريحها" بضم أوله، أي: يردها. قال المصنف: أي الشاة أو الغنم، "عليهما حين تذهب ساعة من العشاء" فيحلبان ويشربان "فيبيتان في رسل" بكسر الراء وسكون المهملة: لبن طري، "وهو لبن منحتهما" أسقط من الرواية: ورضيفهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس.
رضيف بفتح الراء وكسر المعجمة بزنة رغيف لبن فيه حجارة محماة بالشمس أو النار، لينعقد وتزول رخاوته وهو بالرفع ويجوز الجر. وينعق بكسر المهملة يصيح بغنمة ويزجرها. وفي رواية بهما بالتثنية، أي: يسمع المصطفى والصديق صوته إذا زجر غنمه. "يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث" ولابن عقبة عن ابن شهاب: وكان عامر أمينا مؤتمنا حسن الإسلام وفي رواية: وكانت أسماء تأتيهما من مكة إذا أمست بما يصلحهما من الطعام. وعند ابن إسحاق: فإذا أمسى عامر أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبد الله بن أبي بكر من عندهما تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفي أثره وخرج معهما حتى قدم المدينة، ولا ينافي بيات ابن الصديق عندهما وتردد عامر وأسماء نسج العنكبوت على فم الغار؛ لأنه خارق فيجوز عدم نسج العنكبوت أو تكرّر النسج كل يوم أو غير ذلك.
"واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر" قبل خروجهما من مكة، بدليل: وغداة الغار، قال في الصحيح: رجلا من بني الدبل وبينه ابن عقبة وابن سعد، فقالا: استأجر "عبد الله بن أريقط"стр. 640
دليلا -وهو على دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام- فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال.
فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل،...........
الحواشي
(١) بالقاف والطاء مصغر وسماه ابن إسحاق في رواية ابن هشام: عبد الله بن أرقد، وفي رواية الأموي عنه: أريقد، بالدال بدل الطاء وبالطاء أشهر، وقال مالك في العيبة: اسمه رقيط، والديل بكسر الدال وسكون التحتية، وقيل: بضم أوله وكسر ثانيه مهموز، ذكره في الفتح.
"دليلا" حال منتظرة أو ليكون دليلا "وهو" أي: الرجل الذي استأجره، "على دين كفار قريش" من عبدة الأوثان لا من أهل الكتاب ومع ذلك سخره الله ليقضي أمره، وهذا من جملة الرواية. "ولم يعرف له إسلام" هكذا جزم به الحافظ عبد الغني المقدسي في سيرته وتبعه النووي، وقال السهيلي: لم يكن إذ ذاك مسلما ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ولا يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم؛ لأنه قيد بصحيح وضعّف الواقدي معلوم خصوصا مع الانفراد وكأنه سلف الذهبي في عده صحابيا، وقد قال في الإصابة: لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي في التجريد ووصفه في الرواية بأنه كان هاديا ضريتا، أي: ساديا للطريق، قال: والخريت، أي: بكسر الخاء المعجمة والراء الثقيلة وتحتية ساكنة ففوقية: الماهر بالهداية، أي: هداية الطريق، وهذا التفسير مدرج من كلام الزهري، كما بينه ابن سعد. قال الأصمعي: سمي خريتا لأنه يهتدي بمثل خرت الإبرة، أي: ثقبها. وقال غيره: لاهتدائه لآخرات المفازة وهي طرقها الخفية، قال في الرواية: فأمناه، بفتح الهمزة مقصورة كسر الميم، أي: ائتمناه، "فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه" بمعنى التواعد، وهو الذي في البخاري بلفظ: ووعداه، "غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث" وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب: حتى إذا هدأت عنهما الأصوات جاء صاحبهما ببعيريهما، "وانطلق معهما عامر بن فهيرة" زاد ابن عقبة: يخدمهما ويعينهما يردفه أبو بكر ويعقبه ليس معهما غيره، "والدليل: فأخذ بهم طريق السواحل" بسين وحاء مهملتين، أسفل عسفان.
وفي رواية ابن عقبة: فأجازهما أسفل مكة ثم مضى بهما حتى جاء بهما الساحل أسفل من عسفان، ثم أجارهما حتى عارض الطريق، وقد بين الزبير بن بكار من حديث عائشة، وابن عائذ من حديث ابن عباس سيرهما منزلة منزلة إلى قبا، ثم فصل المصنف حديث الصحيح بذكره قصة أم معبد، وسنذكر منه بقية في خبر سراقة، وقد مروا قبل ذلك كما في الصحيح بصخرة فنام المصطفى في ظلها، ورأى أبو بكر راعيا معه غنم فاستحلبه فحلب له منها فبرده أبو بكر حتىстр. 641
فمروا بقديد علي أم معبد -عاتكة بنت خالد الخزاعية- وكانت برزة جلدة، تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم.
وكان القوم مرملين مسنتين، فطلبوا لبنا أو لحما يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، فنظر ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله ﷺ : "هل بها لبن"؟ فقال: هي أجهد من ذلك،..........
الحواشي
(١) قام ﷺ فسقاه ثم ارتحلوا، "فمروا" كما رواه الحاكم وصححه البيهقي وصاحب الغيلانيات ومن طريقه اليعمري عن أبي سليط الأنصاري البدري، وابن عبد البر وابن شاهين وابن السكن والطبراني وغيرهم، عن أخي أم معبد حبيش صاحب رسول الله ﷺ ، قالا: لما خرج ﷺ في الهجرة ومعه أبو بكر وابن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق مروا "بقديد" بضم القاف وفتح الدال الأولى إسكان التحتية: موضع معروف، "على أم معبد" بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة ودال مهملة "عاتكة" بكسر الفوقية وبالكاف "بنت خالد" ابن خليد مصغر آخره دال مهملة كما صدر به ابن الأثير في الجامع، وقيل: ابن خليف، بفاء بدل الدال مصغر وقيل: ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف وذال معجمة وقال الطبراني: عاتكة بنت خليف، وقال: بنت خالد بن منقذ. وفي ثقات ابن حبان: أم معبد بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس.
وفي الإكمال: عاتكة بنت خليفة بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حزام بن حبشية، زاد السهيلي: ابن كعب بن عمرو الكعبية.
"الخزاعية" بضم الخاء والزاي المنقوطتين ومهملة، صحابية خرج لها أبو يعلى الموصلي وروى ابن السكن حديث نزول النبي ﷺ عليها من حديثها نفسها من رواية أخيها حبيش عنها. "وكانت برزة" كضخمة عفيفة جليلة مسنة أو غيرها، وقيل: هي المسنة التي برزت فلم تنخدر لسنها وخرجت عن حد المحجوبات، حكاهما ابن المنير وغيره.
"جلدة" قوية أو عانية "تحتبي" تجلس "بفناء القبة" الخيمة والفناء سعة أمام البيت أو ما امتد من جوانبه، "ثم تسقي وتطعم" من يمر بها "وكان القوم مرملين مسنتين" بكسر النون والمثناة الفوقية، أي: أصابتهم السنة، "فطلبوا بنا أو لحما" وعند أبي عمر: سألوها لحما وتمرا فكأنهم طلبوا ما تيسر من الثلاثة، "يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا" وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم القرى؛ كما في الرواية، أي: أحوجناكم، "فنظر ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة خلفها" بشد اللام "الجهد" بفتح الجيم، وضمها، أي: الهزال، "عن الغنم فسألها ﷺ : "هل بها من لبن"؟ فقالت: هي أجهد من ذلك" تريد أنها لضعفها وعدم طروق الفحل لها دون منстр. 642
فقال: "أتأذنين لي أن حلها"؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط -أي يشبع الجماعة حتى يربضوا- فحلب فيه ثجا وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل، ثم غادره عندما وذهبوا.
فلما لبث أن جاء أبو معبد زوجها...........
الحواشي
(١) لهما لبن، فكأنها قالت: هي على صفة دون المسئول عنه، "فقال: "أتأذنين لي أن أحلبها"؟ بضم اللام وكسرها؛ كما في القاموس.
"فقالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا" بفتح اللام وسكونها، أي: لبنا في الضرع، "فاحلبها، فدعا بالشاة" طلبها أن تأتي إليه، فالباء زائدة فيكون معجزة، لكن في رواية: فبعث معبدا وكان صغيرا، فقال: "ادع هذه الشاة"، ثم قال: "يا غلام هات" فأحضرها إليه "فاعتقلها" أي: وضع رجلها بين ساقه وفخذه ليحلبها، "ومسح ضرعها" زاد في رواية: وظهرها "وسمى الله" زاد في رواية: ودعا لها في شاتها، "فتفاجت ودرت ودعا بإناء يربض الرهط" أي: طلب إناء موصوفا بذلك، كما يفيده العيون، لا أنه طلب مطلق إناء فأحضر بتلك الصفة، وفسره فقال: "أي: يشبع الجماعة حتى يربضوا" بكسر الموحدة "فحلب فيه ثجا" بمثلثة وجيم حلبا قويا "وسقى القوم" بعد أن سقى أم معبد حتى رويت؛ كما في رواية.
"حتى رووا ثم شرب آخرهم" وقال: "ساقي القوم آخرهم شربا"، "ثم حلب فيه مرة أخرى" فشربوا "علا" بفتح المهملة واللام والأولى "بعد نهل" بفتح النون والهاء وتسكن ولام، أي: شربا ثانيا بعد الأول، "ثم" حلب فيه آخر و"غادره" بغين معجمة: تركه، "عندها" زاد في رواية: قال لها: "ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك"، ثم ركبوا "وذهبوا، فلما لبث" أي: ما لبث إلا قليلا "أن جاء أبو معبد زوجها" وهذا كله صريح في أنها لم تذبح لهم. ووقع في بعض الروايات عن أم معبد، قالت: طلع علينا أربعة على راحلتين فنزلوا بي، فجئت رسول الله بشاة أريد ذبحها فإذا هي ذات در، فأدنيتها منه فلمس ضرعها، وقال: "لا تذبحها"، وجئت بأخرى وذبحتها وطبختها فأكل هو وأصحابه وملأت سفرتهم منها، ما وسعت، وبقي عندنا لحمها أو أكثر، وبقيت الشاة التي مس ضرعها إلى زمن عمر، فإن صحت مع أنه لم يكن عندها إلا شاة واحدة، فيحتمل أنها لما أتته بها وشاهدت فيها الآية البينة تسلفت من جيرانها التي ذبحت إكراماстр. 643
قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري: اسمه أكثر بن أبي الجون، ويقال: ابن الجون يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزلا، مخهن قليل.
فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب حيال، ولا حلوب بالبيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. فقال: صفيه يا أم معبد.
فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة. مبلج الوجه حسن الخلق،...........
الحواشي
(١) للمعجزة الظاهرة فشاهدت فيها آية أخرى، والله أعلم.
"قال السهيلي: ولا يعرف اسمه، وقال العسكري": الحافظ الإمام أبو الحسن علي بن سعيد بن عبد الله نزيل الري صنف وجمع، ومات سنة خمس وثلاثمائة، "اسمه أكثر" بفتح الهمزة والمثلثة "ابن أبي الجون" بفتح الجيم وبالنون، قال السهيلي: له رواية عن النبي ﷺ وتوفي في حياته، وقال الذهبي: قيل اسمه حبيش. وقيل: أكثم، قديم الوفاة. "ويقال: ابن الجون" بإسقاط أبي حبيش بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالمعجمة على الأصح.
وقيل: بمعجمة مضمومة ونون مفتوحة وسين مهملة، وفي الإصابة أبو معبد الخزاعي ذكره ابن الأثير، وقال: تقدم في حبيش، والمتقدم إنما وصف بأنه أخو أم معبد، وأما زوجها فلم يسم وترجم ابن منده لمعبد بن أبي معبد ولم يسم أباه، وأخرج البخاري في التاريخ وابن خزيمة والبغوي قصة أم معبد من طريق الحر بن الصباح النخفي عن أبي معبد الخزاعي، قال: خرج رسول الله ﷺ لما هاجر وأبو بكر وعمر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد.. الحديث، وفي آخره عند البغوي، قال عبد الملك: بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت. قال البخاري: هذا مرسل، فأبو معبد مات قبل النبي ﷺ .
"يسوق أعنزا عجافا" بكسر المهملة جمع عجفاء، وهي المهزولة. "يتساوكن هزلا" بضم الهاء وسكون الزاي "مخهن قليل" بخاء معجمة، أي: الودك الذي في العظم. وسقط في نسخ لأنه مساو لعجاف، "فلما رأى اللبن أبو معبد عجب، وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاة عازب" بمهملة فألف فزاي فموحدة "حيال" بكسر المهملة وتحتية "ولا حلوب بالبيت" أي: ليس فيه ذات لبن تحلب؛ كما في المصباح.
فليس للمبالغة، "فقالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا" أي: رأى الشاة ودعا لها، فحكت له القصة، فهي مركبة من كاف التشبيه وذا الأشاربة كنى بها عن غير عدد على أحد أوجهها، "فقال: صفية" يا أم معبد! فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة" بفتح الواو وضاد معجمة ومد: الحسن والبهجة، "مبلج الوجه" مشرقة "حسن الخلق" بضم الخاء واللامстр. 644
لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور أكحل، أزج أرقن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم طوال تحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد،..........
الحواشي
(١) عرفت ذلك من حاله مع رفقته، أو بفتح فسكون تأكيدا لما علم من أوصافها، والظاهر الأول. "لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة" لعدم وجودهما فيه، وهو "وسيم قسيم" عطف مرادف إذ معناهما الحسن كما يجيء، "في عينيه دعج" بفتح الدال والعين المهملتين وجيم، "وفي أشفاره وطف" بفتح الواو والطاء المهملة وبالفاء، ويروي غطف بغين معجمة بدل الواو، ورجحها الحافظ عبد الغني المقدسي والقطب الحلبي ومعناهما طول، ويروي بعين مهملة، ويأتي بيانه.
"وفي صوته صحل" بفتح المهملتين ولام "أحور، أكحل، أزج" بفتح الهمزة والزاي وشد الجيم بصوف به الرجل والحاجب في المدح، "أقرن" مثله في حديث علي، وهو مخالف لما في حديث هند بن أبي هالة: أزج الحواجب سوابغ من غير قرن. قال ابن الأثير: وهو الصحيح، وقال غيره: إنه المشهور وإن قول راويه وكان هند وصافا رد لما خالفه، وأجيب بأن بينهما شعرا خفيفا جدا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر، وحديث أم معبد سفري، وبغير ذلك.
"شديد سواد الشعر، في عنقه سطع" طول "وفي لحيته كثاثة" بمثلثتين، "إذا صمت" بفتح الميم "فعلية الوقار" بفتح الواو: الحلم والرزانة، "وإذا تكلم سما وعلاه البهاء وكأنه منطقه خرزات نظم طوال يتحدرن" لعل وجه التشبيه التناسق بين كلماته وشدة اتصال بعضها ببعض، فأشبهت في تناسقها الكلمات، وفي تواليها الخرزات إذا تتابعت، "حلو المنطق" الحلو في المطعوم مستلذ، فاستعير لما يعجب السامع ويستلذ بماعه، "فصل" بفاء فصاد ساكنة بين الحق والباطل أو بين قاطع للشك لا لبس فيه، أو ذو فصل بين أجزائه؛ كقول عائشة: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا.
"لا نزر ولا هذر، أجهر الناس" أرفعهم صوتا إذا تكلم من بعد "وأجمله" أحسنه، "من بعيد" يعني أن علو صوته لا ينقصه بل يزيد معه حسنا وكمالا، وهذا على ما في نسخ المصنف والذي في الشفاء: أجمل الناس من بعيد، ولغيره: أجمل الناس وأبهاه من الجمال الذي هو الحسن وجعل الجمال من بعيد؛ لأنه يحقق للناظر النظر فيه لمهابته بحيث لا يطيل القريب منه النظر له إلا الصغير أو المحرم أو الأعراب، فإذا فعل ذلك أدرك فوق الجمال مرتبة أخرى؛ كما قيل:стр. 645
وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذ أمر تبادروا لأمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته.
قالت أسماء بنت أبي بكر: لما خفي علينا أمر رسول الله ﷺ ، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: والله لا أدري أين............
الحواشي
(١) يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
وإليه أشار قولها: "وأحلاه" من حلا بعينه وقلبه إذا أعجبه واستحسنه، فالعطف تفسيري في قولها: "وأحسنه من قريب" بإفراد الضمير فيها حملا على لفظ الناس، أو على الجنس، كأنها قالت: أحلى وأحسن هذا الجنس أو لسد واحد مسدهم، كما في التسهيل. ومثله في شرحه بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [المؤمنون: ٢١] ؛ لأن النعم تسد مسد الأنعام. "ربعة لا تشنؤه" بمعجمة ونون وهمزة مضمومة فهاء الضمير، "من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن" أي: كغصن "بين غصنين" تعني الصديق ومولاه؛ لأنهما المقصودان له بالصحبة، والدليل كان على دينه فلم تعنه، "فهو أنضر" بضاد معجمة "الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون" بضم الحاء: يطوفون "به" ويستدبرون حوله "إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفود" أي: مخدوم، "محشود" أي: عنده قوم، "لا عابس ولا مفند" بكسر النون: كثير اللوم، كما يأتي.
"فقال" أبو معبد: "هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لاتبعته" ولأجتهدن أن أفعل. وفي رواية: ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وفي الوفاء: فهاجرت هي وزوجها وأسلما. وفي خلاصة الوفاء: فخرج أبو معبد في أثرهم ليسلم، فيقال: أدركهم بطن ريم فبايعه وانصرف. وفي شرح السنة للبغوي: هاجرت هي وزوجها وأسلم أخوها حبيش واستشهد يوم الفتح، وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك.
"قالت أسماء بنت أبي بكر" فيما رواه في الغيلانيات من طريق ابن إسحاق، قال: حدثت عن أسماء فهو منقطع، لكن رواه الحافظ أبو الفتح اليعمري متصلا، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء، قالت: "لما خفي علينا أمر رسول الله ﷺ أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم فقال: أين أبوك؟ " يابنة أبي بكر "فقلت: والله لا أدري أينстр. 646
أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا.
ولما لم ندر أين توجه رسول الله ﷺ ، أتى رجل من الجن يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيما لقصي ما زوى.........
الحواشي
(١) أبي قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشا خبيثا فلطم خدي لطمة" واحدة "خرج منها" أي: بسبب اللطمة. وفي رواية: خرم. وفي أخرى: طرح منها "قرطي" بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة: نوع من حلي الأذن معروف، "ثم انصرفوا" قالت: "ولما لم ندر أين توجه رسول الله ﷺ أتى رجل" بعد ثلاث ليال، كما في رواية الغيلانيات. وفي رواية اليعمري: فلبثنا أياما ثلاثة أو أربعة أو خمسة ليال لا ندري أين وجه، ولا يأتينا عنه خبر، حتى أقبل رجل "من الجن" من مؤمنيهم ولا أعرف اسمه، قال في النور. وفي رواية عن أسماء: إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة تغنى بأبيات غنى بها العرب، وإن الناس يتبعونه "يسمعون صوته ولا يرونه" وفي رواية الغيلانيات عن أبي سليط: حتى سمعوا هاتفا على أبي قبيس. واليعمري ذكر الروايتين. وعذر شيخنا أنه لم يقرأ له الرواية الأولى التي عن أبي سليط. "وهو ينشد هذه الأبيات: جزى الله رب الناس خير جزائه" هكذا رواية أسماء.
ورواية أبي سليط: جزى الله خيرا والجزاء يكفه، "رفيقين" مفعول جزى، "حلا" من الحلول، كما في نسخة صحيحة من الاستيعاب بالهامش. ورواه اليعمري، قال: من القيلولة، وضبب عليها في الاستيعاب كما في النور. "خيمتي أم معبد" تثنية خيمة بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، قال ابن الأنباري: لا تكون عندهم من ثياب بل من أربعة أعواد ثم تسقف بالثمام. وفي معجم: ما استعجم من قديد إلى المشلل ثلاثة أميال بينهما خيمتا أم معبد، "هما نزلا بالبر" ضد الإثم، "ثم ترحلا" وفي رواية: هما نزلا بالهدى واغتدوا به، "فأفلح" وفي رواية: هما رحلا بالحق وانتزلا به.
وفي أخرى: هما نزلاها بالهدى فاهتدت به فقد فاز "من أمسى رفيق محمد" فعيل يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، فيدخل في قوله: رفيقين عامر بن فهيرة، وقد ينافيه حلا إلا أن يكون ثنى نظرا للفظ. "فيالقصي" بضم القاف وفتح المهملة وشد التحتية، "ما زوى" بفتحстр. 647
................الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدهما للمؤمنين بمرصد
سلو أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزيد
فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد
فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه ﷺ .
الحواشي
(١) الزاي والواو أي: جمع وقبض، "الله عنكم به من فعال" قال البرهان وتبعه الشامي: الظاهر أنه بفتح الفاء وخفة العين وهو الكرم، ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعا، "لا تجاري" بالراء وفي رواية: بالزاي، "وسؤدد" بضم السين وإسكان الواو مصدر ساد "ليهنا" بفتح الياء وتثليث النون، أي: ليسر "بني كعب" هو ابن عمر وأبو خزاعة، "مكان" فاعل يهنأ. وفي نسخة: مقام بفتح الميم "فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد" بفتح الميم والصاد، أي: مقعدها بمكان ترصد، أي: ترقب المؤمنين فيه لتواسيهم "سلو أختكم" أم معبد "عن" المعجزة التي شاهدتها في "شاتها" التي حلبها المصطفى ولم يطرقها فحل ولم تستطع الرعي من الهزال، و"إنائها" الذي حلب فيها منها مرارا، فإنها معجزة باهرة لا تنكر، "فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل" لا حمل بها "فتحلبت له" مطاوع احتلبها وضمنه معنى سمحت، فعداه بالياء في "بصريح" بصاد وحاء مهملتين: لبن خالص لم يخلط "ضرة" بفتح الضاد وشد الراء الفوقية: أصل الضرع؛ كما في النهاية مرفوع فاعل تحلبت، "الشاة مزبد" بضم الميم وإسكان الزاي وكسر الموحدة فدال مهملة: علاه الزبد، "فغادرها" تركها "رهنا لديها لحالب يرددها" الحالب" في مصدر ثم مورد" أي: يحلبها مرة ثم أخرى، والمعنى: ترك الشاة عندها ذات لبن مستمر، "يردد الحالب الحلب" عليها مرة بعد مرة لكثرة لبنها، "فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه ﷺ " وفي الرواية: فلما سمع حسان الأبيات، قال يجاوب الهاتف، قال في النور: والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمى وهداة يهتدون بمهتدي
وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتا الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى غدстр. 648
وقوله: مرملين: أي نفدت أزوادهم.
ومسنتين: أي مجدبين، ويروى: مشتين: أي دخلوا الشتاء.
وكسر الخيمة: بكسر الكاف وفتحها، وسكون السين، جانبها.
وتفاجت: -بتشديد الجيم- فتحت ما بين رجليها.
ويربط الهرط: -بضم المثناة التحتية، وكسر الموحدة- أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من ربض بالمكان يربض: إذا لصق به وأقام.
والثج: السيلان. وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال -بضم المثلثة- الرغوة واحده: ثمالة. .............
الحواشي
(١) ليهنأ أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد
"وقوله: مرملين، أي: نفدت" بالمهملة "أزوادهم ومسنتين، أي: مجدبين" بالمهملة، أي: أصابتهم سنة جدبة، "ويروى مشتين" بشين معجمة اسم فاعل من أشتى القوم، "أي: دخلوا في الشتاء" وحينئذ يقل طعامهم، "وكسر الخيمة بكسر الكاف وفتحها وسكون السين" المهملة "جانبها" وهذه رواية ابن عبد البر الحاكم والبيهقي، وفسرها ابن المنير وغيرها بما ذكر. ورواه اليعمري بلفظ، قال: ما هذه الشاة التي أرى لشاة رآها في كفاء البيت. قال البرهان: بكسر الكاف وبالفاء المخففة ممدود. قال المؤلف، يعني اليعمري، في الفوائد: كفاء البيت ستره من أعلاه إلى أسفله، من مؤخره، وقيل الكفاء: الشقة التي تكون في مؤخر الخباء، وقيل: كساء يلقى على الخبار كالآزرار حتى يبلغ الأرض، وقد أكفأ البيت، ذكره ابن سيده، انتهى. والجمع بين الروايتين سهل بأن تكون الشاة في جانب الخيمة تحت كفائها، فالمعبر بهذا أو ذاك صادق.
"وتفاجت بتشديد الجيم: فتحت ما بين رجليها، ويربط الرهط بضم المثناة التحتية وكسر الموحدة، أي: يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض من ربض بالمكان يربض إذا لصق به وأقام" ملازما له يقال: أربضت الشمس إذ اشتد حرها حتى تربض الوحوش في كياسها، أي: تجعلها تربض. ويروى بتحتية بدل الموحدة، أي: يرويهم بعض الري من أراض الحوض إذا صب فيه من الماء ما يواري أرضه، والمشهور الرواية الأولى بالموحدة، كما في النور، ولذا اقتصر عليها المصنف.
"والثج" بمثلثة وجيم "السيلان، وفي رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال بضم المثلثة الرغوة" مثلث الراء: لبن الزبد "واحده ثمالة" لكن في تفيره الجمع بالمفرد نظر، والأظهر لو قال: الثمال واحدة ثمالة وهي الرغوة إلا أن يراد جنس الرغوة وإن كل جزء مما على وجه اللبنстр. 649
والبهاء أي بها اللبن: وهو وبيص رغوته.
وتساوكن هزالا: أي تمايلن، ويروي: تشاركن من المشاركة، أي في الهزال.
وغادره: -بالغين المعجمة- أي: أبقاه والشاة عازب، أي بعيدة المرعى.
والأبلح: -بالجيم- المشرق الوجه المضيئة.
والثجلة: -بفتح المثلثة، وسكون الجيم- عظم البطن، ويروى بالنون والحاء: أي نحول ودقة.
والصعلة: -بفتح الصاد- صغر الرأس، وهي أيضا الدقة والنحول في البدن.
الحواشي
(١) رغوة، "والبهاء بها اللبن وهو وبيص" بمهملة، أي: لمعان، "رغوته وتساوكن هزلا، أي: تمايلين" من الهزال "ويروى: تشاركن بمعجمة بدل المهملة والراء بدل الواو، "من المشاركة، أي: في الهزال، وغادره بالغين المعجمة، "أي: أبقاه" تفسر باللازم إذ هو الترك "والشاة عازب، أي: بعيدة المرعى" والحيال بكسر الحاء المهملة جمع حائل، وهي التي ليس بها حمل "والأبلج" بالموحدة و"الجيم المشرق الوجه المضيئة" وفي النور: مبلج الوجه مشرقه مسفره، ومنه تبلج الصبح وابتلج، فأما الأبلج فهو الذي وضح ما بين حاجبيه فلم يقترنا، والاسم البلج بفتح اللام ولم ترده أم معبد؛ لأنها وصفته بالقرن. "والثجلة بفتح المثلثة": كذا في النسخ، والذي في النور: والسبل بضم المثلثة، "وسكون الجيم" وفتح اللام آخره تاء، "عظم البطن" وسعته، يقال: رجل أثجل بين الثجل وامرأة ثجلاء، قال أبو ذر في حواشيه: فالثجلة عظم البطن، يقال: بطن أثجل، إذا كان عظيما. و"يروى بالنون والحاء" المهملة، "أي: نحول ودقة من الجسم الناحل وهو القليل اللحم، قاله أبو ذر. "والصعلة بفتح الصاد" وإسكان العين المهملتين، "صغر الرأس وهي أيضا الدقة والنحول في البدن"، كما قال ابن الأثير.
وفي رواية: سقلة بقاف وبسين معها على الإبدال من الصاد، وذكره ابن الأثير بالصاد السين مع القاف وبالعين المهملة، وكذا الهروي في الغربيين، لكن لم يذكر السين ومعناه نحل ودقة قال شمر: من صقلت الناقة ضمرتها وصقلها السير أضمرها، والسقل الخاصرة. وقال غيره: أرادت أنه لم يكن منتفخ الخاصرة جدا ولا ناحلا جدا، انتهى. وفي حاشي أبي ذر: لم تزر، أي: لم تقصر، والصقل والصقلة جلدة الخاصرة، تريد: أنه ناعم الخاصرة، وهذا من الأوصاف الحسنة انتهى. وعلا كلام غيره وهو نفي للأوصاف الغير الحسنة. وقال ابن المنير: الصعلة انتفاخ الأضلاع، وقيل: الرقة، وقيل: صغر الرأس واختير في هذه الكلمة فتح العين، ذكر الهروي.стр. 650
والوسيم: الحسن، وكذلك: القسيم.
وفي عينيه دعج: أي سواد.
والوطف: قال في القاموس: محركة كثرة شعر الحاجبين والعينين.
وفي صوته صحل: -بالتحريك- هو كالبحة -بضم الموحدة وأن لا يكون حاد الصوت.
وأحور: قال في القاموس: الحور -بالتحريك- أن يشتد بياض العين، وسواد سوادها.
والكحل: -بفتحتين- سواد في أجفان العين خلقة، والرجل: أكحل وكحيل.
والأزج: الدقيق طرف الحاجبين وفي القاموس: والزجج -محركة...........
الحواشي
(١) انتهى. ولم أر ذلك في الغربيين.
"والوسيم الحسن وكذلك القسيم وفي عينيه دعج، أي: سواد" شديد "والوطف، قال في القاموس: محركة" أي: مفتوح الطاء، "كثرة شعر الحاجبين والعينين" وفي الغربيين: في أشفاره وطف، أي: طول قد ووطف يوطف، انتهى. وفي حواشي أبي ذر: في أشفاره غطف أو عطف، ويروى وطف الوطف طول أشفار العين، وفي كتاب العين: الغطف بالغين المعجمة مثل الوطف، وإما بالمهملة فلا معنى له هنا، وفسره بعضهم بأن تطول أشفار العين حتى تنعطف، انتهى. واقتصر ابن المنير على المعجمة، وقال: لم يعرفه الرياشي بغيرها. "وفي صوته صحل" بالتحريك، أي: فتح الحاء وكذا الصاد المهملتين فلام، "هو كالبحة بضم الموحدة وأن لا يكون حاد الصوت" يقال: منه صحل الرجل، بالكسر يصحل صحلا بفتحها إذا صار أبح فهو صحل وصاحل، "وأحور، قال في القاموس: الحور بالتحريك" أي: فتح الواو، "أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها"، وهو المحمود المحبوب، ولذا كان أغزل ما قالت العرب، قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله إنسانا
"والحكل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل" والمرأة كحلاء وكثر تغزل المولدين بذلك؛ كقول ابن النبيه:
كحلاء نجلاء لها ناظر ... منزه عن لوثة المرود
"والأزج الدقيق طرف الحاجبين، وفي القاموس: والزج محركة" أي: مفتوحة الجيمстр. 651
دقة الحاجبين في طول.
والأقرن: المقرون الحاجبين.
وفي عنقه سطع: -بفتحتين- أي ارتفاع وطول.
وفي لحيته كثاثة: بمثلثتين الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية -بالفتح- وقوم كث -بالضم..
وإذا تكلم سما وعلاه البهاء: أي ارتفع وعلا على جلسائه.
وفصل -بالصاد المهملة- لا نزر -بسكون المعجمة- ولا هذر -بفتحها: أي: بين ظاهر، يفصل بين الحق والباطل.
ولا تشنؤه من طول: كذا جاء في رواية، أي لا يبغض لفرط طوله، ويروى: لا يشنى من طول: أبدل من الهمزة ياء، يقال: شنئته أشنؤه، شنا........
الحواشي
(١) الأولى، "دقة الحاجبين في طول" أي: امتداد إلى مؤخر العين، والزجج خلقة والتزجيج ما كان يصنع كما قال: وزججن الحواجب والعيونا، أي: صنعن ذلك وهو ما تسميه العوام تخفيفا بمهملة، "والأقرن المقرون" الحاجبين" قال ثابت في كتاب خلق الإنسان: رجل أقرن وامرأة قرناء فإذا نسب إلى الحاجبين، قالوا: مقرون الحاجبين ولا يقال: أقرن الحاجبين، انتهى.
"وفي عنقه سطح بفتحتين، أي: ارتفاع وطول" كما قال الهروي، وزاد: يقال عنق سطعاء وهي المنتصبة الطويلة، ورجل أسطع، ومن هذا قيل للصبح أول ما ينشق مستطيلا قد سطع يسطع. "وفي لحيته كثاثة بمثلثتين الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية بالفتح"، للكاف "وقوم كث بالضم"، لها "وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، أي: ارتفع وعلا على جلسائه، وفصل بالصاد المهملة، لا نزر بسكون المعجمة" التي هي الزاي، أي: قليل "ولا هذر بفتحها" أي المعجمة التي هي الذال، أي: كثير بل وسط، هكذا ضبطه الحافظ العلائي وغيره بالفتح وضبطه بعض شراح الشفاء بسكون الذال مصدر قال بفتحها الاسم وفي غريبي الهروي في وصف كلامه ﵇ لا نزر ولا هذر، أي: لا قليل ولا كثير ورجل هذر وهذار مهذار وهذريان كثير الكلام، وقوله: "أي: بين ظاهر يفصل بين الحق والباطل"، تفسير لقولها فصل، وقال العلائي: يفسره قولها: لا نزر ولا هذر، "ولا تشنؤه من طول، كذا جاء في رواية، أي: لا يبغض لفرطه طوله، ويروى: لا يشنى من طول أبدل من الهمزة ياء" ثم قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، "يقال: شنئته أشنؤه شنا" بوزن فلس، كما في المصباح.стр. 652
وشنأنا، قاله ابن الأثير.
ولا تقتحمه عين من قصر: أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له وكل شيء
ازدريته فقد اقتحمته.
ومحفود: أي مخدوم.
والمحشود: الذي عنده حشد وهم الجماعة.
ولا عابس: من عبوس الوجه.
والمنفد: الذي يكثر اللوم وهو التفنيد.
والضرة: لحمة الضرع.
وغادرها أي خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر، انتهى.
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي: حدثني حزام ابن هشام عن أبيه..............
الحواشي
(١) "وشنأنا، قاله ابن الأثير" في النهاية "ولا تقتحمه عين من قصر، أي: لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا له وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته" قال أبو بكر بن الأنباري: كما في الغربيين، "ومحفود، أي: مخدوم والمحشود الذي عنده حشد" بفتح المهملة وسكون المعجمة وتفتح فدال مهملة، "وهم الجماعة ولا عابس من عبوس الوجه، والمنفذ الذي يكثر اللوم" فهو اسم فاعل، "وهو التنفيد والضرة لحمة الضرع"، وقال الهروي: أصل الضرع، "وغادرها، أي: خلف الشاة عندها مرتهنه بأن تدر" بضم الدال، "انتهى" ما أراده من شرح غريبه.
قال ابن المنير: وفي الحديث من الفقه أنه لا يسوغ التصرف في ملك الغير ولا إصلاحه وتنميته إلا بإذنه، ولهذا استأذنها في إصلاح شاتها وفيه لطيفة عجيبة، وهو أن اللبن المحتلب من الشاة لا بد أن يفرض مملوكا، والملك ههنا دائر بين صاحب الشاة وبين النبي ﷺ وأشبه شيء بذلك المساقاة؛ فإنها تكرمة الأصل وإصلاحه بجزء من الثمرة، وكذلك فعل النبي ﷺ أكرم الشاة وأصلحها بجزء من اللبن، ويحتمل أن يقال: إن اللبن مملوك للنبي ﷺ وسقاها تفضلا منه لأنه ببركته كان وعن دعائه وجد والفقه الأول أدق وألطف، انتهى.
"وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أبي عبد الله المدني، قال: "حدثني حزام بن هشام" بكسر الحاء المهملة وبالزاي كما ضبطه الأمير وغيره، "عن أبيه" هشام بن خنيس بمعجمة ونون ومهملة مصغر عند إبراهيم بن سعد وسلمة بنстр. 653
عن أم معبد قالت: بقيت الشاة التي لمس ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمن عمر بن الخطاب، وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا وما في الأرض لبن قليل ولا كثير.
الحواشي
(١) الفضل عن ابن إسحاق ولغيرهما عنه حبيش بضم المهملة وفتح الموحدة فياء فشين معجمة، قال في الإصابة: وهو الصواب ابن خالد الخزاعي، "عن" عمته "أم معبد، قالت: بقيت الشاة التي لمس ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمن الرمادة" سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، قيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابا كالرماد وأجدبت الأرض إلى الغابة حتى أوت الوحوش إلى الإنس، "زمن عمر بن الخطاب" ﵁ وآلى أن لا يذوق لحما ولا سمنا ولا لبنا، حتى حيى الناس، أي: يأتي إليهم الحيا بالقصر ويمد: المطر، وقال: كيف لا يعنين شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم حتى استسقى بالعباس بإشارة كعب فسقوا، وفي ذلك يقول عقيل:
بعمي سقى الله البلاد وأهلها ... عشية يستسقي بشيبته عمر
توجه بالعباس في الجدب داعيا ... فما حار حتى جاد بالديمة المطر
"وكنا نحلبها" بضم اللام وكسرها، كما في القاموس وما بالعهد من قدم، "صبوحا" بفتح المهملة وضم الموحدة: ما شرب بالغداة مما دون النائلة، "وغبوقا" بفتح الغين المعجمة الشرب بالعشي، "وما في الأرضي لبن قليل ولا كثير" في بقية حديث هشام هذا: وكانت أم معبد يوم نزل عليها النبي ﷺ مسلمة. قال الواقدي: وقال غير هشام: قدمت بعد ذلك وأسلمت وبايعت؛ كما في الإصابة.
وذكر السهيلي عن هشام المذكور، قال: أنا رأيتها وإنها لتأدم أم معبد وجميع صرمها، أي: أهل ذلك الماء. وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار عن هند بنت الجون، قالت: نزل ﷺ خيمة خالتي أم معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومج في عوسجة إلى جانب الخيمة فأصبحت كأعظم دوحة، وجاءت بتمر كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمآن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها، فكنا نسميها المباركة حتى أصبحنا ذات يوم وقد تساقط ثمرها واصفر ورقها، ففزعنا فما راعنا إلا نعي رسول الله ﷺ ثم بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك وذهبت صفرتها، فما شعرنا إلا بقتل أمير المؤمنين علي، فما أثمرت بعد ذلك، وكنا ننتفع بورقها، ثم أصبحنا وإذا بها قد نبع من أسفلها دم عبيط، وقد ذبل ورقها، فبينما نحن فزعون مهمومون إذ أتانا خبر قتل الحسين ويبست الشجرة على أثر ذلك وذهبت، والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كالشاة، كذا ذكره وعهدته عليه، والله أعلم.стр. 654
قصة سراقة:
ثم تعرض لهما بقديد سراقة من مالك بن جعشم المدلجي، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: "كلا"، ودعا رسول الله ﷺ بدعوات،.........
الحواشي
(١) قصة سراقة:
"ثم" بعد رواحهم من عند أم معبد، كما عند مغلطاي، "تعرض" أي: تصدى، "لهما" يريد منعهما وردهما إلى قومهما. وذكر ابن سعد أن سراقة عارضهم يوم الثلاثاء، "بقديد" ولا يخالفه قول مغلطاي: فلما راحوا من قديد؛ لأن معناه: لما ساروا وإن لم ينفصلوا عنه تعرض لهما "سراقة بن مالك بن جعشم" بضم الجيم والشين المعجمة بينهما مهملة ساكنة ثم ميم، وحكى الجوهري فتح الجيم والشين، نقله النووي في التهذيب، والبرهان في النور، وإن انتقد بعدم وجوده في نسخ الصحاح؛ لأنهما حجة، أي: حجة "المدلجي" بضم الميم وسكون المهملة وكسر اللام ثم جيم من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، الكنان الحجازي أسلم سراقة عنده ﷺ بالجعرانة منصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب وطاوس، ومات سنة أربع وعشرين في أول خلافة عثمان، وقيل: مات بعده. والصحيح الأول، أخرج له البخاري والأربعة وأحمد، وسبب تعرضه لهما ما رواه البخاري عنه، قال: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إن قد رأيت آنفا أسودة بالسواحل، أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: أنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، أخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت..الحديث، وفيه: أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه، واستقسم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيا، وقرب حتى سمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين فسقط عنها، ثم خلصها واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره فناداهم بالأمان. وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة.
وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب لقد لحقنا، فقال: "لا تحزن إن الله معنا"، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت: هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال ﷺ : "ما يبكيك"؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك، "فبكى أبو بكر، وقال: يا رسول الله! أتينا، قال: "كلا" ودعا رسول الله ﷺ بدعوات"стр. 655
فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان، فقال: أعلم أن قد دعوتهما علي، فادعوا لي ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما. قال: فوقفا لي، فركبت فرسي حتى جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزآني.
الحواشي
(١) وعند الإسماعيلي وغيره، فقال: "اللهم اكفناه بما شئت". وفي حديث أنس عند البخاري، فقال: "اللهم اصرعه"، فصرعه فرسه، "فساخت" بسين مهملة وخاء معجمة، أي: غاصت، "قوائم فرسه" حتى بلغت الركبتين، كما في حديث عائشة. في حديث أسماء عند الطبراني: فوقعت لمنخريها. وللبزار: فارتطمت به فرسه إلى بطنها.
وللإسماعيلي: فساخت في الأرض إلى بطنها. "وطلب الأمان، فقال": زاد ابن إسحاق: أنا سراقة، انظروني أكلمكم، فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه، "أعلم أن قد دعوتما علي، فادعوا لي" وللإسماعيلي: قد علمت يا محمد، أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيها، و"لكما" خبر مقدم "أن أرد الناس" في تأويل المصدر مبتدأ، أي: لكما علي رد الناس "عنكما"، وفي رواية: فالله لكما مبتدأ وخبر، أي: ناصر وعلي أن أرد، وبالجر على القسم والنصب بإسقاط حرف القسم كله، قال: أقسم بالله، فحذف فنصب "ولا أضركما" وفي حديث ابن عباس: وأنا لكم نافع غير ضار، ولا أدري لعل الحي يغني قومه فزعوا لركوبي وأنا راجع ورادهم عنكم، "قال: فوقفا لي" وفي حديث البراء، قال: ادع لي ولا أضرك، فدعا له ﷺ ، "فركبت فرسي حتى جئتهما، قال: ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت" من الحبس عنهم؛ كما في حديث عائشة. "أن سيظهر" مرفوع وأن مخففة، أي: أنه سيظهر، "أمر رسول الله ﷺ " وفي رواية ابن إسحاق: أنه قد منع مني، قال: "فأخبرتهما خبر ما يريد بهما الناس" من الحرص على الظفر بهما وبذلك المال لمن يحصلهما.
وفي حديث ابن عباس: وعاهدهم أن لا يقاتلهم ولا يخبر عنهم وأن يكتم عنهم ثلاث ليال، "وعرضت عليهما الزاد والمتاع، فلم يرزآني" بفتح أوله وسكون الراء فزاي فهمزة، أي: لم ينقصاني مما معي شيئا. وللإسماعيلي: وهذه كنانتي فخذ منها سهما، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك، فقال: لا حاجة لنا في إبلك ودعا له.
وفي حديث عائشة: ولم يسألاني شيئا إلا أن قال: أخف عنا، بفتح الهمزة وسكون المعجمة بعدها فاء: أمر من الإخفاء فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم.стр. 656
واجتاز ﷺ في وجهه ذلك بعبد يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي.........
الحواشي
(١) وفي حديث أنس، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت، قال: تقف مكانك لا تتركن أحد يلحق بنا، فكان أول النهار جاهدا على نبي الله، وكان آخر النهار مسلحة له، رواهما البخاري، أي: حارسا له بسلاحه. وذكر ابن سعد: أنه لما رجع قال لقريش: قد عرفتم نظري بالطريق وبالأثر، وقد استبرأ لكم، لم أر شيئا، فرجعوا. وفي رواية ابن إسحاق وابن عقبة: فسألته كتابا يكون بيني وبينك آية، فأمر أبا بكر فكتب لي في عظم أو رقعة أو خرقة، ثم ألقاه إلي فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت وجمع في النور بأن عامرا لما كتب طلب سراقة كتابة الصديق لشهرته وعظمته. وعند ابن عقبة وابن إسحاق: فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من حنين خرجت لألقاه ومعي الكتاب لقيته بالجعرانة حتى دنوت منه فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول الله! هذا كتابك، قال: "يوم وفاء وبردان"، فدنوت منه وأسلمت. وروى ابن مردويه وابن أبي حاتم عن الحسن عن سراقة: فبلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومه فأتيته، فقلت: أحب أن توادع قومي أسلموا، وإلا آمنت منهم، فأخذ ﷺ بيد خالد، فقال: "اذهب معه، فافعل ما يريد"، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله -صلى الله عليهوسلم- وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] ، فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. قال ابن إسحاق: ولما بلغ أبا جهل ما لقي سراقة ولامه في تركهم، أنشده:
أبا حكم واللات لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه
عجبت ولم تشكك بأن محمدا ... نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه
زاد بعضهم:
عليك بكف القوم عنه فإنني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
وفي الحديث: أنه ﷺ قال لسراقة: "كيف بك إذا لبست سواري كسرى". وذكر ابن المنير ﵇ قال له، ذلك يوم لحقهما في الهجرة: "تعجب من ذلك"، فلما أتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته دعا سراقة فألبسه السوارين، وقال: "ارفع يديك، وقل: الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابيا من بني مدلج"، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين.
"واجتاز -صلى الله عليه سلم- في وجهه" أي: طريقه، "ذلك" الذي هو مار به "بعيد" قال في النور: أسود، ولا أعرفه ولم أر من ذكره في الصحابة، "يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقيстр. 657
بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت عام أول، وما بقي لها لبن، فقال: "ادع بها"، فاعتقلها ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك. فقال: "أوتراك تكتم عليَّ حتى أخبرك"؟ قال: نعم، قال: "فإني رسول الله"، فقال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبي، وأن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك، قال: "إنك لن تستطيع
الحواشي
(١) بسنده عن قيس بن النعمان" السكوني أحد وفد عبد القيس الكوفي، يقال: قرأ القرآن على عهد المصطفى وأحصاه على عهد عمر، له حديث في سنن أبي داود.
"قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر" حال كونهما "مستخفين مرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب" بالبناء للمفعول، "غير أن ههنا عناقا" بفتح العين: الأنثى من ولد المعز قبل استكمال الحول، كذا في المصباح. فلعله عبر بالعناق جازا من تسمية الشيء بما يقرب منه، والأنا في قوله: "حملت عام أول وما بقي لها لبن"، فإنه ظاهر في أنه سبق لها حمل وولادة، لكن رواية البيهقي كما في العيون: حلمت أول بإسقاط عام، وزيادة: وقد أخدجت وما بقي لها لبن، وأخدجت بفتح الهمزة وإسكان المعجمة فمهملة فجيم مفتوحتين فتاء تأنيث، أي: ألقت ولدها ناقص الخلق وإن تم حملها، أو ألقته وقد استبان حمله، كما في أفعال ابن القطاع، ورواه أبو الوليد الطيالسي، بلفظ: حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها حمل، "فقال: "ادع بها"، فدعا بها، كما في رواية البيهقي فكأنه سقط من قلم المصنف "فاعتقلها ﷺ ومسح ضرعها ودعا" ربه "حتى أنزلت" اللبن "وجاء أبو بكر بمجن" بكسر الميم وفتح الجيم وشد النون: ترس سمي مجنا لأنه يواري حامله، أي: يستره، والميم زائدة. "فحلب سقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك، قال: "أوتراك" الهمزة داخلة على محذوف، أي: أأخبرك وتراك "تكتم عليَّ حتى أخبرك"؟ قال: نعم، قال: "فإني محمد رسول الله"، قال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ" بالهمز: خارج من دين إلى دين، سموه بذلك زعما منهم أنه خرج من دينهم إلى الإسلام مع أنه ما دخل دينهم قط إجماعا، ولذا "قال" ﷺ : "إنهم ليقولون ذلك" أي: وهم فيه كاذبون، "قال: فأشهد أنك نبي وإن ما جئت به حق، وإنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك" أي: ذاهب معك إلى ما تريد على المتبادر، لا أنه أتبعه في الدين، "قال: "إنك لن تستطيعстр. 658
ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا".
قال الحافظ مغلطاي -بعد ذكره لقصة أم معبد: وفي الإكليل قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدري أهي هي، أم غيرها. خاتمة.
الحواشي
(١) ذلك يومك" لعلمه أنه إذا ذهب معه تبعه قومه ومنعوه من ذهابه معه وعاقبوه، والمراد باليوم مطلق الزمن، لا خصوص اليوم الذي هو فيه، بدليل قوله: "فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا"، وهو يرد احتمال: أنا متبعك فأظهر إيماني وإن نهيه خوفا عليه من الإيذاء، ثم هذا الحديث قطعا غير قصة الراعي الذي أتى يريد ظل الصخرة التي نام تحتها ﷺ ؛ لأنه قال: إن في غنمه لبنا وحلب هو لأبي بكر وبرّد أبو بكر اللبن حتى استيقظ المصطفى كراهة أن يوقظه ثم سقاه، وأما هذا العبد فذكر أنه لا لبن معه وإنما أتى اللبن معجزة، والنبي ﷺ وهو الذي حلب وسقاه بعد أبي بكر ثم شرب هو آخرهم، ففي ظن صاحب الخميس اتحادهما، فإنه ذكر قطعة من حديث الراعي وعقبها بخبر العبد، ثم قال: أورد في المواهب قصة العبد الراعي بعد قصة أم معبد نظر ظاهر، وقصة الراعي كانت قبل قصة سراقة، وهي بعد قصة أم معبد؛ كا أفاده في فتح الباري. فقال: قبل حديث سراقة في قوله: فأخذ بهم طريق الساحل تقدم في علامات النبوة، وفي مناقب أبي بكر ما اتفق لهما حين خرجا من الغار من لقى راعي الغنم وشربهما من اللبن، انتهى.
"قال الحافظ مغلطاي بعد ذكره لقصة أم معبد، وفي الإكليل" للحاكم أبي عبد الله "قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد، قال الحاكم: فلا أدري أهي هي أم غيرها"، وفي قوله: أخرى، وقوله شبيهة رد لتردد الحاكم فيها، وقد رواه تلميذه البيهقي بسند حسنه ابن كثير عن أبي بكر، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنزلنا على بيت منه لم يكن فيه إلا امرأة وذلك عند المساء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت له أمة: انطلق بهذه الشفرة والشاة لهذين الرجلين، وقل لهما: اذبحاها وكلا منها وأطعمانا، فرد النبي ﷺ الشفرة، وقال له: "ائتني بقدح"، فقال له: إنها عزبة، أي: لم يطرقها الفحل، قال: "انطلق"، فانطلق فجاء بقدح، فمسح ﷺ ضرعها ثم حلب ملء القدح وأرسلها لأم الغلام معه فشربت حتى رويت، ثم دعا ﷺ بأخرى ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم دعا بأخرى ففعل بها كذلك وشرب ﷺ ، فلبثنا ليلتين ثم انطلقنا، فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر عليها فعرفه ابنها، وقال لها: هذا الذي كان مع المبارك فسألته عنه، فقال لها: هو نبي الله ﷺ ، فأدخلها عليه فأطعمها وأعطاها، قال: ولا أعلمه إلا قال: "أسلمت ".
قال البيهقي في الدلائل: وهذه القصة قريبة من قصة أم معبد ويشبه أن تكونا واحدة. وذكر ابن إسحاق ما يدل على أنهما واحدة، فيحتمل أنه رأى التي في كسر الخيمة أولا، ثم رجعстр. 659
ولما بلغ المسلمين بالمدينة خروج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غادة إلى الحرة ينتظرونه حتى............
الحواشي
(١) ابنها بأعنز ففعل بها ما مر، ثم لما أتى زوجها وصفته له، والله أعلم. انتهى.
والذي يظهر أنها غيرها كما أشار إليه مغلطاي، كيف وفي قصة أم معبد أن الشاة التي حلب، إنما هي التي في كسر الخيمة وسقى الجميع منها ثم شرب، وإن الآتي بالأعنز إنما هو زوجها بعدما ذهبوا، وأيضا فقد قال في هذه: فلبثنا ليلتين إذ لو لبثا هما لأدركهما زوجها على المبتادر ولا مانع من التعدد، إلى هذا جنح في فتح الباري فقال: أخرج البيهقي في الدلائل شبيها بأصل قصة أم معبد في لبن الشاة المهزولة دون ما فيها من صفته ﷺ لكنه لم يسمها في هذه الرواية ولا نسبها، فاحتمل التعدد. والله أعلم.
خاتمة:
ومما وقع لهم في الطريق أنه ﷺ لقي الزبير في ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله ﷺ ثيابا بيضاء، رواه البخاري عن عروة مرسلا، ووصله الحاكم عن عروة عن أبيه الزبير، وكذا لقيهما طلحة بن عبيد الله وكساهما، رواه ابن أبي شيبة وغيره، وأخرج البيهقي عن بريدة بن الحصين، قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي ﷺ حملني الطمع فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال: "من أنت"؟ قلت: بريدة، فالتقت ﷺ إلى أبي بكر، وقال: "بردًا مرنًا وصلح"، ثم قال: "ممن أنت"؟ قلت: من أسلم، قال: "سلمنا"، ثم قال: "ممن"؟ قلت: من بني سهم، قال: "خرج سهمك يا أبا بكر"، فقال بريدة للنبي ﷺ : من أنت؟ قال: "أنا محمد بن عبد الله رسول الله"، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا، قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة: يا رسول الله! لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة.
"ولما بلغ المسلمين" حال كونهم "بالمدينة خروج رسول الله ﷺ من مكة" ولعله بلغهم لما سمع أهل مكة الهاتف أو نحو ذلك، فلا ينافي أنه لم يعلم بخروجه من مكة إلا علي وآل أبي بكر، "فكانوا" جواب لما دخلته الفاء على قلة "يغدون" بسكون المعجمة: يخرجون غدوة، وأتى بقوله: "كل غادة" أي: بكرة النهار مع قوله يغدون إشارة إلى تكرر ذلك منهم وهو أقوى من كان من المضارع؛ لأن منهم من صحح أنها لا تفيد التكرار أو لأنه لما استعمل الغدوة في الذهاب، أي: وقت كان، كان ذكره الأزهري أتى به ليعين المراد منه "إلى الحرة" بفتح المهملة وشد الراء: أرض ذات حجارة سود كانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد، "ينتظرونه حتىстр. 660
يردهم حر الظهيرة، فانقبلوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي نفسه فصاح فأعلى صوته يا بني قيلة هذا جدكم -أي حظكم ومطلوبكم- قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة -وهم الأوس والخزرج- سراعا بسلاحهم، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف.. الحديث رواه البخاري.
وفيه: أن أبا بكر قام للناس، وجلس.........
الحواشي
(١) يردهم حر الظهيرة" كما في حديث عائشة في البخاري، وعند ابن سعد: فإذا أحرقتهم الشمس رجعوا إلى منازلهم، وللحاكم عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن رجل من قومه: كنا نخرج فنلجأ بظاهر الحرة نلجأ إلى ظل المدر حتى تغلبنا عليه الشمس، ثم نرجع إلى رحالنا، ولم أر عدة الأيام التي فعلوا ذلك فيها، ويحتمل أنها الثلاثة التي مكثها في الغار واليومان اللذان لبثهما عند المرأة، "فانقلبوا يوما بعدما طال انتظارهم" له ﵇، "فلما أووا إلى بيوتهم أوفى" بفتح الهمزة والفاء طلع، "رجل من يهود" قال الحافظ: لم أقف على اسمه "على أطم" بضم الهمزة والطاء، "من آطامهم" وهو الحصن، ويقال: إنه كان بناء من حجارة كالقصر، كما في الفتح.
"فبصر" بفتح الموحدة وضم المهملة، أي: علم "برسول الله ﷺ وأصحابه" كأبي بكر ومولاه، والدليل: وبريدة حال كونهم "مبيضين" أي: عليهم الثياب البيض التي كساها إياهم الزبير وطلحة، وقال ابن التين: يحتمل أن معناه مستعجلين، قال ابن فارس: يقال بائض، أي: مستعجلين ويدل عليه "يزول بهم" أي: يرفعهم ويظهرهم، "السراب" المرئي نصف النهار في شدة الحر كأنه ماء، وفي الفتح: أي يزول بسبب عروضهم له، وقيل: معناه ظهرت حركتهم فيه للعين، "فلم يملك اليهودي نفسه فصاح بأعلى صوته: يا بني قيلة" بفتح القاف وسكون التحتية: الجدة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخرزج وهي بنت كاهل بن عذرة، "هذا جدكم" بفتح الجيم وشد المهملة، "أي: حظكم ومطلوبكم" وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه، وفي رواية: هذا صاحبكم، "قد أقبل فخرج إليه بنو قيلة وهم الأوس والخزرج سراعا بسلاحهم" إظهارا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه ﷺ بقدومه عليهم ويظهر صدقهم له في مبايعتهم إياه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبنائهم وأنفسهم، "فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف" بن مالك من الأوس بن حارثة على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، قيل: كان يومئذ مشركا، وجزم به محمد بن زبالة.
"الحديث رواه البخاري" من حديث عائشة "وفيه: أن أبا بكر قام للناس" يتلقاهم "وجلسстр. 661
رسول الله ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك.
وظاهر هذا أنه ﵊ كانت الشمس تصيبه، وما تقدم من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثه، كما هو صريح في موضعه.
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه ﵇ لهلال ربيع الأول، أي أول يوم منه.
وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبي معشر،........
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ صامتا فطفق" بكسر الفاء وفتحها: جعل، "من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر" أي: يسلم عليه يظنه رسول الله ﷺ ، كما في رواية ابن عقبة عن ابن شهاب، وهو ظاهر السياق خلافا لقول ابن اللتين لمعرفتهم أبا بكر لكثرة تردده لهم في التجارة إلى الشام، بخلاف المصطفى فلم يأتها بعد أن كبر، قاله الحافظ ملخصا، أي: وأما من رآه كاهل العقبات فإنهم يحيونه لمعرفتهم به، لكن لو وقع لعلمه غيرهم ممن لم يره بتحية الرأس، فلعلهم تأخروا ذلك الوقت لعذر، "حتى أصابت الشمس رسول ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك"، وعن ابن عقبة عن الزهري: فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رآه يحسبه إياه، حتى إذا أصابته الشمس أقبل أبو بكر بشيء أظله به، وعند ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن عويم: أناخ إلى الظل هو وأبو بكر، والله ما أدري أيهما هو حتى رأينا أبا بكر ينحاز له عن الظل فعرفناه بذلك.
"وظاهر هذا أنه ﵊ كانت الشمس تصيبه وما تقدم من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثته كما هو صريح في موضعه" فلا ينافي ما هنا "ال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه ﵇ لهلال ربيع الأول، أي أول يوم منه" فليس دخوله مقارنا لطلوع الهلال، كما قد يتوهم من قوله لهلال إذ اللام بمعنى عند.
"وفي رواية جرير بن حازم" بن زيد بن عبد الله الأزدي البصري الثقة المتوفى سنة سبعين ومائة، "عن ابن إسحاق قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول"، وهذا يجمع بينه وبين ما قبله بالاختلاف في رؤية الهلال كما يأتي قريبا، "ونحوه عند أبي معشر" نجيح بن عبد الرحمن الهاشمي مولاهم السندي بكسر المهملة وسكون النون فيه مقال، لكن قال مغلطاي: هو منстр. 662
لكنه قال: ليلة الاثنين.
وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
وفي "شرف المصطفى" من طريق أبي بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول.
وهذا يجمع بينه وبين الذي قبله بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال.
وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. وبه جزم النووي في كتاب السير من الروضة.
وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم ربيع الأول............
الحواشي
(١) المعتمدين في السير مر بعض ترجمته، "لكنه قال ليلة الاثنين" ومثله عن ابن البرقي، وثبت كذلك في أواخر مسلم، قال مغلطاي: وفيه نظر، والدمياطي: هو غير محفوظ ويأتي جمع الحافظ، "وعن ابن سعد" ليس هو محمد بن سعد كانت الواقدي كما هو المتبادر عند الإطلاق، وإنما هو هنا كما في فتح الباري إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، "قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول" وإبراهيم هذا آخر من روى المغازي عن ابن إسحاق، كما في الروض.
"وفي" كتاب "شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري "من طريق أبي بكر" بن محمد بن عمرو "بن حزم" بمهملة وزاي الأنصاري النجاري قاضي المدينة ثم أميرها، مات سنة عشرين ومائة عن أربع وثمانين سنة. "قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول".
قال الحافظ في الفتح: "وهذا" أي: المذكور، "يجمع بينه وبين الذي قبله" من القولين الأولين وهما لهلال ولليلتين والأخيرين وهما لاثنتي عشرة ولثلاث عشرة، "بالحمل على الاختلاف في رؤية الهلال" زاد في الفتح: وعند أبي سعد في الشرف من حديث عمر: ثم نزل على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول، كذا فيه ولعله كان خلتا ليوافق رواية جرير بن حازم. "وقيل: كان حين اشتد الضحاء" بالفتح والمد كما في النور، أي: قوي وكمل ببلوغه آخر وقته، فلا ينافي ما مر أن اليهود رآهم يزول بهم السراب. وأما الضحى بالضم والقص فالشمس، كما في القاموس "يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وبه جزم النووي في كتاب السير من الروضة"، وثنى به في الإشارة.
"وقال ابن الكلبي" هشام بن محمد "خرج من الغار يوم" الذي في الفتح عن ابن الكلبي: ليلة "الاثنين أول ربيع الأول"، قال الحافظ: ويوافقه جزم ابن حزم بأنه خرج من مكة ثلاث ليال بقين من صفر، فإن كان محفوظا فلعل قدومه قباء كان يوم الاثنين ثامن ربيع الأول، انتهى.стр. 663
ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة خلت منه، وقيل ليلتين خلتا منه.
وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة.
وقال ابن حزم: خرجا من مكة وبقي من صفر ثلاث ليال.
وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي ﷺ ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع -وقيل: ثامن- عشر ربيع الأول، وكان مدة مقامه مع النبي ﷺ ليلة أو ليلتين.
وأمر ﷺ بالتاريخ...........
الحواشي
(١) وهذا الذي ترجاه صدر به مغلطاي في الإشارة، قال الحافظ: وإن ضم إلى قول أنس أقام بقباء أربع عشرة ليلة خرج منه أن دخوله المدينة كان لاثنين وعشرين منه، لكنه قال: "ودخل المدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت منه"، فعلى هذا تكون إقامته بقباء أربع ليال فقط، وبه جزم ابن حبان فإنه قال: أقام بها الثلاثاء والأربعاء والخميس، يعني: وخرج يوم الجمعة فلم يعد يوم الخروج، وكذا قال ابن عقبة: أنه أقام فيهم ثلاث ليال، فكأنه لم يعتد بيوم الخروج ولا الدخول، انتهى.
"وقيل: ليلتين خلتا منه" قاله ابن الجوزي. قال مغلطاي: وفيه نظر، وعند ابن الزبير عن الزهري: قدم في نصف ربيع الأول، وقيل: في سابعه، والأكثر أنه قدم نهارا. وفي مسلم: ليلا، وجمع الحافظ بأن القدوم كان آخر الليل فدخل فيه نهارا.
"وعند البيهقي: لاثنتين وعشرين ليلة" فيوافق قول أنس: أقام بقباء أربع عشرة ليلة، مع ضمه لقوله: "وقال ابن حزم: خرجا من مكة، وبقي من صفر ثلاث ليال" فيكون خروجهما يوم الخميس والإقامة بالغار ليلة الجمعة والسبت والأحد والخروج منه ليلة الاثنين، وهذا يوافق الجمع السابق. "وأقام علي بمكة بعد مخرج النبي ﷺ ثلاثة أيام" حتى أدى للناس ودائعهم التي كانت عند المصطفى وخلفه لردها، "ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع، وقيل: ثامن عشر ربيع الأول، وكانت مدة مقامه مع النبي ﷺ " بقباء "ليلة أو ليلتين" وفي روضة الأحباب: وكان علي يسير بالليل ويختفي بالنهار، وقد نقبت قدماه فمسحهما النبي ﷺ ودعا له بالشفاء، فبرئتا في الحال، وما اشتكاهما بعد اليوم قط.
"وأمر ﷺ " وهو بقباء "بالتاريخ" قال الجوهري: هو تعريف الوقت والتوريخ مثله، يقال: أرخت وورخت، وقيل: اشتقاقه من الأخ، وهو الأنثى من بقر الوحش، كأنه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل: هو معرب، ويقال: أول ما أحدث التاريخ من الطوفان، قاله في الفتح.стр. 664
فكتب من حين الهجرة.
وقيل: إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم.
الحواشي
(١) واصطلاحا، قيل: توقيت الفعل بالزمان ليعلم ما بين مقدار ابتدائه وبين أي غاية وضعت له فإذا قلت: كتبت كذا في يوم كذا من شهر كذا، ثم قرئ بعد سنة مثلا علم أن ما بين القراءة والكتابة سنة، وقيل: هو أول مدة من شهر ليعلم به مقدار ما مضى، واختصت العرب بإنها تؤرخ بالسنة القمرية لا الشمسية، فلذا قدمت الليالي؛ لأن الهلال إنما يظهر ليلا.
"فكتب من حين الهجرة" رواه الحاكم في الإكليل عن الزهري وهو معضل والمشهور خلافه، وأن ذلك زمن عمر، كما قال الحافظ. "وقيل: إن عمر أول من أرخ" أخرج أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه، ومن طريقه الحاكم عن الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، فجمع عمر الناس، فقال بعضهم أرخ بالمبعث وبعضهم بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها وبالمحرم؛ لأنه منصرف الناس من حجهم، فاتفقوا عليه وذلك سنة سبع عشرة.
ورواه ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين بنحوه، قال: ولك في سنة سبع عشرة، وقيل: ست عشرة في ربيع الأول، فلذا قال: "وجعله من المحرم"؛ لأن ابتداء العزم على الهجرة كان فيه، إذا البيعة وقعت أثناء ذي الحجة، وهي مقدمة الهجرة وأول هلال استهل بعدها، والعزم على الهجرة الهلال المحرم، فناسب أن يجعل مبتدأ؛ والمتحصل من مجموع آثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي، وذكر السهيلي: أن الصحابة أخذوا التاريخ بالهجرة من قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] ؛ لأن من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقا فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر، وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام وعبد النبي ﷺ ربه آمنا وابتدأ فيه بناء المسجد، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم وفهمنا من فعلهم أن قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] ، أنه أول التاريخ الإسلامي، قال في الفتح: كذا قال والمتبادر أن معنى قوله: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] ، أي: دخل النبي ﷺ وأصحابه المدينة، انتهى.
وقد قال ابن المنير: كلام السهيلي تكلف وتسعف وخروج عن تقدير الأقدمين فإنهم قدروه من تأسيس أول يوم، فكأنه قيل: من أول يوم وقع فيه التأسيس، وهذا تقدير تقتضيه العربية وتشهد له الآية، وقيل: أول من أرخ يعلى بن أبية حين كان باليمن، حكاه مغلطاي. ورواه أحمد بإسناد صحيح عن يعلى. قال الحافظ: لكن فيه انقطاع بين عمرو بن دينار ويعلى، ولم يؤرخوا بالمولد ولا بالمبعث؛ لأن وقتهما لا يخلو من نزاع من حيث الاختلاف فيهما، ولا بالوفاة النبويةстр. 665
وأقام ﵇ بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة.
وفي صحيح مسلم: أقام فيهم أربع عشرة ليلة.
ويقال: إنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس.
وأسس مسجد قباء، الذي أسس على التقوى، على الصحيح،............
الحواشي
(١) لما يقع في تذكره من الأسف والتألم على فراقه، وقيل: بل أرخ بوفاته ﵇، حكاه مغلطاي.
"و" اختلف في قدر إقامته في قباء، فذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن مجمع بن جارية: أنه "أقام ﵇ بقباء في بني عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة" وحكاه الزبير بن بكر عن قوم بن بني عمرو. "وفي صحيح مسلم" لا وجه لاقتصار عليه بل والبخاري كلاهما عن أنس، "أقام فيهم أربع عشرة ليلة" وبه يفسر قول عائشة: بضع عشرة ليلة، "ويقال: أنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس"، قاله ابن إسحاق، وجزم به ابن حبان.
قال اليعمري: وهو المشهور عند أصحاب المغازي، قيل: أقام ثلاثا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وابن عقبة عن الزهري، وقال إسحاق: أقام فيهم خمسا وبنو عمرو بن عوف يزعمون أكثر من ذلك. قال الحافظ: أنس ليس من بني عمرو فإنهم من الأوس وأنس من الخزرج، وقد جزم بما ذكر فهو أولى بالقبول من غيره انتهى. لا سيما مع صحة الطريق إليه لاتفاق الشيخين عليه، وفي ذخائر العقبى: أقام ليلة أو ليلتين.
"وأسس" ﷺ "مسجد قباء" وصلى فيه، روى ابن زبالة: أنه كان لكلثوم بن الهدم مربد فأخذه ﷺ فأسسه وبناه مسجدا. وأخرج عبد الرزاق والبخاري عن عروة وابن عائد عن ابن عباس: الذي بنى فيهم المسجد الذي أسس على التقوى هم بنو عمرو بن عوف. وروى يونس في زيادات المغازي عن الحكم بن عتيبة: لما نزل ﷺ قباء، قال عمار بن ياسر: ما لرسول الله بد من أن نجعل له مكانا يستظل فيه ذا استيقظ، ويصلي فيه، فجمع حجارة فبنى مسجد قباء، فهو أول مسجد بني، يعني في الإسلام.
وروى ابن أبي شيبة عن جابر، قال: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم علينا رسول الله ﷺ بسنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة، ولذا أقبل المتقدمون في الهجرة من أصحاب النبي ﷺ والأنصار بقباء قد بنوا مسجدا يصلون فيه، فلما هاجر ﷺ وورد بقباء صلى فيه إلى بيت المقدس ولم يحدث فيه شيئا، وجمع بينها بما حاصله: أنه لم يحدث فيه شيئا في أول بنائه لكن لما قدم وصلى فيه غير بناءه وقدم القبلة موضعها اليوم، كما في حديث عند ابن أبي شيبة أيضا.
"الذي أسس على التقوى على الصحيح" في تفسير الآية، وهو ظاهرها وقول الجمهور،стр. 666
وهو أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه ﵇ بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد لكن لخصوص الذي بناه.
الحواشي
(١) وبه جزم عروة بن الزبير عند البخاري وغيره، كما علم وذهب قوم منهم ابن عمر وأبو سعد وزيد بن ثابت إلى أنه مسجد المدينة وحجته قوية فقد صح مرفوعا نصا. أخرج مسلم عن أبي سعيد: سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "وهو مسجدكم هذا". وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا، وفي ذلك خير كثير"، وأخرجه أحمد عن سهل بن سعد نحوه.
وأخرجه من وجه آخر عن سهل عن أبي كعب مرفوعا، ولهذه الأحاديث وصحتها جزم الإمام مالك في العتيبة بأن الذي أسس على التقوى مسجد المدينة. وقال ابن رشد في شرحها: أنه الصحيح، قال الحافظ: والحق أن كلا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ، الآية يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قالت: نزلت رجال يحبون أن يتطهروا في أهل قباء، وعلى هذا فالسر في جوابه ﷺ بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافا؛ لأن كلامهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي وزاد غيره: أن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه في أول يوم حل النبي ﷺ بدار الهجرة، انتهى.
"وهو" في التحقيق، كما قال الحافظ: "أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه ﵇ بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد" كبناء أبي بكر بفناء داره، "لكن لخصوص الذي بناه" فلا يعادل هذا، وقد روى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي ﷺ قال: "الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل". وأخرج الشيخان عن ابن عمر: كان ﷺ يزور قباء أو يأتي قباء راكبا أو ماشيا، وأخرجا عنه أيضا رفعه: "من صلى فيه كان كعدل عمرة". روى ابن ماجه عن سهل بن حنيف رفعه: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان كأجر عمرة". وأخرج مالك وأحمد والبخاري والنسائي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا أوстр. 667
ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، في بطن وادي رانوناء -براء مهملة ونونين ممدودا، كعاشوراء وتاسوعاء- واسم المسجد "غبيب"، بضم الغين المعجمة، بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة،
الحواشي
(١) ماشيا وكان عبد الله يفعله. "ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة" كما عند ابن عائذ وابن إسحاق، وإنما يأتي على أنه أقام بقباء أربعة أيام، كما قال زين الحافظ:
أقام أربعا لديه وطلع ... في يوم جمعة فصلى وجمع
في مسجد الجمعة وهو أول ... ما جمع النبي فيما نقلوا
وقيل بل أقام أربع عشرة ... فيهم وهم ينتحلون ذكره
وهو الذي أخرجه الشيخان ... لكن ما مر من الإتيان
لمسجد الجمعة يوم جمعة ... لا يستقيم مع هذي المدة
إلا على القول بكون القدمة ... إلى قبا كانت بيوم الجمعة
"حين ارتفع النهار فأدركته الجمعة" أي: صلاتها وتعبيره بيوم الجمعة مشعر بقدم تسميتها بذلك، وهو أحد الأقوال لجمع الخلائق فيه يوم القيامة، أو لأن خلق آدم جمع فيه، وقيل: أول من سماه بذلك كعب بن لؤي، وقيل: قصي، كما مر في النسب الكريم. وقيل: التسمية به إسلامية لاجتماع الناس للصلاة فيه، لما جمع أسعد بن زرارة بالناس قبل الهجرة النبوية.
"في" أرض أو مساكن "بني سالم بن عوف فصلاها" بمسجدهم "بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة" وقيل: أربعون، ولا ينافيهما رواية: أنه حين قدم ﵇ استقبله زهاء خمسمائة بقباء لجوا أنهم رجعوا بعد إلى المدينة، فلم يبق معه لما دخل بني سالم إلا هؤلاء. "في بطن وادي رانوناء، براء مهملة ونونين ممدودا كعاشوراء وتاسوعاء، واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة" وفتح الموحدة وسكون التحتية فموحدة، "بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة" في فضائل طابة، وهو المجد الشيرازي صاحب القاموس، ويقع في بعض النسخ السقيمة زيادة.
وفي القاموس: الغبغب كجندب وكان أصله طرة معارضة لضبط المصنف؛ لأن تصغيره على هذا: غبيب، بشد الياء فألحقها من لا يميز وهي خطأ شنيع؛ لأن القاموس إنما ذكره في العينстр. 668
والودي: ذي صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء.
وركب ﷺ على راحلته بعد الجمعة متوجها إلى المدينة.
وروى أنس بن مالك أنه ﷺ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر،.........
الحواشي
(١) المهملة، فقال: العب شرب الماء، إلى أن قال: والعيعب كجندب كثرة الماء وواد، وصرح في الغين المعجمة بمثل ما هنا، فقال: وكزبير موضع بالمدينة.
"الوادي" اسمه "ذي صلب" كذا في نسخ بالياء، وكان اسمه بالياء، فقصد حكايته. وفي نسخة: ذو صلب، وأخرى: والوادي صلب، وهما ظاهرتان.
وفي القاموس: الصلب بالضم وعسكر وأسير. "ولذا" أي: لصلاته ﵇ فيه "سمي مسجد الجمعة" وهي أول جمعة صلاها، وأول خطبة خطبها في الإسلام؛ كما قال ابن إسحاق، وجزم به اليعمري، وقيل: كان يصلي الجمعة في مسجد قباء مدة إقامته. "وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء" أي: وكان مختصا بني سالم، لما مر أن أول مسجد بني لعامة المسلمين مسجد قباء، وبكونه للعامة لا ينافيه قول جابر: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ سنتن نعمر المساجد، ولا يرد أن التحرير أن بين ابتداء هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة بتلك المدة، وعمارة المساجد بعد الأولى، ودفع اتشكاله بزيادة المدة على سنتين بأنهم لم يعمروا بمجرد رجوع الستة الأولين إلى المدينة، بل بعد ظهور الإسلام بها.
"وركب ﷺ على راحلته بعد" صلاة "الجمعة متوجها إلى المدينة. وروى أنس بن مالك: أنه ﷺ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر" خلفه على الراحلة التي هو عليها إكراما له، وإلا فقد كان له راحلة، كما مر. وفي فتح الباري، قال الداودي: يحتمل أنه مرتدف خلفه على راحلته، ويحتمل أن يكون على راحلة أخرى. قال الله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ، أي: يتلو بعضهم بعضا. ورجح ابن التين الأول، وقال: لا يصح الثاني لأنه يلزم منه أن يمشي أبو بكر بين يدي النبي ﷺ .
قلت: إنما يلزم ذلك لو كان الخبر جاء بالعكس، كأن يقول: والنبي مرتدف خلف أبي بكر، فأما ولفظه: وهو مردف أبا بكر فلا، وسيأتي في الباب بعده، يعني في البخاري من وجه آخر عن أنس: فكأني انظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، انتهى. وذكر ابن هشام: أنهم لما وصلوا إلى العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ أوس بن حجرстр. 669
وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، الحديث رواه البخاري.
وقد روى ابن سعد أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أله عني الناس"، فكان إذا سئل من أنت؟ قال: باغي فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهديني السبيل.
وفي حديث الطبراني، من رواية أسماء: وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق يقول لأبي بكر: من هذا معك؟ فيقول: هذا يهديني الطريق يريد الهداية في الدين، ويحسبه الآخر دليلا.
الحواشي
(١) الأسلمي على جمل له إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، وأخرجه الطبراني وغيره عن أوس وفيه: أنه أعطاهما فحل إبله وأرسل معهما غلامه مسعودا، وأمره أن لا يفارقهما حتى يصلا المدينة.
"وأبو بكر شيخ" قد أسرع إليه الشيب "يعرف" لأنه كان يمر على أهل المدينة في سفر التجارة، كما في الفتح، "والنبي ﷺ شاب" لا شيب فيه، "لا يعرف" لعدم تردده إليهم، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة. "قال" أنس: "فيلقى الرجل أبا بكر: فيقول: يا أبا بكر! من هذا الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب" بفتح السين في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فكسروها في المضارع والماضي على غير قياس، "الحاسب أنه إنما يعني الطريق" الحسية، "وإنما يعني" أبو بكر "سبيل الخير ... الحديث" ذكر في بقيته تعرض سراقة وتلقي الأنصار ثم ركوبه إلى أن وصل دار أبي أيوب، "رواه البخاري" في الهجرة.
"وقد روى" محمد "بن سعد" ما يبين سبب هذه التورية، وهو "أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أله" بفتح الهمزة وإسكان اللام "عني الناس، فكان إذا سئل من أنت، قال: باغي حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ " حذف الموصول الاسمي وأبقى صلته، أي: الذي معك، وهو جائز عند الكوفيين، أو هو حال من ذا، "قال: هذا يهدين السبيل،" وهذا من معاريض الكلام المغنية عن الكذب جمعا بين المصلحتين: "وفي حديث الطبراني من رواية أسماء" بنت الصديق: "وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق، يقول لأبي بكر: من هذا" حال كونه "معك؟ " أو الذي معك، "فيقول: هذا يهديني الطريق، يريد الهداية في الدين" المتجددة المتكررة لتعبيره بالمضارع دون الماضي، "ويحسبه الآخر" الذي سأله، "دليلا" للطريق الحقيقي، وإلى هنا انتهىстр. 670
وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة، وكان ﷺ لم يشب، وكان ﷺ أسن من أبي بكر. وفي حديث: لم يكن في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر.
الحواشي
(١) ما نقله من رواية الطبراني.
وبين المصنف سبب قول أنس: يعرف ولا يعرف، فقال: "وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة" إلى الشام مرور تردد ومخالطة حتى عرفوه لا مجرد السير؛ إذ لا يستدعي المعرفة. وفي الفتح: لأنه كان يمر على المدينة في سفر التجارة بخلاف النبي ﷺ في الأمرين، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة، أي: لأنه سافر مع عمه وهو صغير، كما مر.
"وكان ﷺ لم يشب" حينئذ ثم شاب بعض شعرات في راسه ولحيته، كما يأتي في شمائله، "و" إلا ففي نفس الأمر، "كان ﷺ أسن من أبي بكر" فإنه استكمل بمدة خلافته سن المصطفى، على الصحيح خلاف ما يتوهم من قوله شاب وأبو بكر شيخ. وقد ذكر أبو عمر من رواية حبيب بن الشهيد عن ميمون مهران عن يزيد بن الأصم: أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أيما أسن أنا أو أنت"؟ قال: أنت أكرم يا رسول الله مني وأكبر، وأنا أسن منك، قال أبو عمر: هذا مرسل، ولا أظنه إلا وهما. قال الحافظ: وهو كما ظن وإنما يعرف هذا الناس. وأما أبو بكر ففي مسلم عن معاوية أنه عاش ثلاثا وستين سنة، وعاش بعد المصطفى سنتين وأشهرا، فيلزم على الصحيح في سنة ﷺ أن أبا بكر أصغر منه بأكثر من سنتين، انتهى. ولا يرد عليه قول أنس شيخ؛ لأنه من جاوز الأربعين كان في المصباح.
"وفي حديث أنس" عند البخاري "لم يكن في الذين هاجروا أشمط" بفتح الهمزة والميم بينهما معجمة ساكنة ثم طاء مهملة، أي: خالط سواد شعره بياضه، "غير أبي بكر" فغلفها بالحناء والكتم حتى قنأ لونها غلف، بفتح الغين المعجمة واللام الثقيلة، كما قال عياض: إنه الرواية وبالفاء قال الحافظ: أي خضبها، والمراد اللحية وإن يقع لها ذكر حتى قنأ بفتح القاف والنون والهمزة، أي: اشتدت حمرتها. ا. هـ. أي: حتى ضربت إلى السواد وإطلاق الشمط على شيب غير الرأس نقله في المغرب عن الليث وخصه غيره بشيب الرأس، والحديث شاهد للأول. والكتم فتح الكاف والمثناة الخفيفة، وحكي تثقيلها: ورق يخضب به كالآس ينبت في أصغر الصخور فيتدلى حيطانا لطافا ومجتناه صعب، ولذا قال. وقيل: إنه يخلط بالوسمة، وقيل: إنه الوسمة، وقيل: هو النيل، وقيل: حناء قريش وصبغه أصفر.следующие страницы →