Полный текст (5 943 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وهو أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه ﵇ بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد لكن لخصوص الذي بناه.
الحواشي
(١) وبه جزم عروة بن الزبير عند البخاري وغيره، كما علم وذهب قوم منهم ابن عمر وأبو سعد وزيد بن ثابت إلى أنه مسجد المدينة وحجته قوية فقد صح مرفوعا نصا. أخرج مسلم عن أبي سعيد: سألت رسول الله ﷺ عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: "وهو مسجدكم هذا". وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله ﷺ ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا، وفي ذلك خير كثير"، وأخرجه أحمد عن سهل بن سعد نحوه.
وأخرجه من وجه آخر عن سهل عن أبي كعب مرفوعا، ولهذه الأحاديث وصحتها جزم الإمام مالك في العتيبة بأن الذي أسس على التقوى مسجد المدينة. وقال ابن رشد في شرحها: أنه الصحيح، قال الحافظ: والحق أن كلا منهما أسس على التقوى، وقوله تعالى في بقية ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ، الآية يؤيد كون المراد مسجد قباء، وعند أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قالت: نزلت رجال يحبون أن يتطهروا في أهل قباء، وعلى هذا فالسر في جوابه ﷺ بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء، قال الداودي وغيره: ليس هذا اختلافا؛ لأن كلامهما أسس على التقوى، وكذا قال السهيلي وزاد غيره: أن قوله من أول يوم يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه في أول يوم حل النبي ﷺ بدار الهجرة، انتهى.
"وهو" في التحقيق، كما قال الحافظ: "أول مسجد بني في الإسلام وأول مسجد صلى فيه ﵇ بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بني لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد" كبناء أبي بكر بفناء داره، "لكن لخصوص الذي بناه" فلا يعادل هذا، وقد روى الترمذي عن أسيد بن ظهير عن النبي ﷺ قال: "الصلاة في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل". وأخرج الشيخان عن ابن عمر: كان ﷺ يزور قباء أو يأتي قباء راكبا أو ماشيا، وأخرجا عنه أيضا رفعه: "من صلى فيه كان كعدل عمرة". روى ابن ماجه عن سهل بن حنيف رفعه: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان كأجر عمرة". وأخرج مالك وأحمد والبخاري والنسائي والحاكم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبا أوстр. 667
ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، في بطن وادي رانوناء -براء مهملة ونونين ممدودا، كعاشوراء وتاسوعاء- واسم المسجد "غبيب"، بضم الغين المعجمة، بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة،
الحواشي
(١) ماشيا وكان عبد الله يفعله. "ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة" كما عند ابن عائذ وابن إسحاق، وإنما يأتي على أنه أقام بقباء أربعة أيام، كما قال زين الحافظ:
أقام أربعا لديه وطلع ... في يوم جمعة فصلى وجمع
في مسجد الجمعة وهو أول ... ما جمع النبي فيما نقلوا
وقيل بل أقام أربع عشرة ... فيهم وهم ينتحلون ذكره
وهو الذي أخرجه الشيخان ... لكن ما مر من الإتيان
لمسجد الجمعة يوم جمعة ... لا يستقيم مع هذي المدة
إلا على القول بكون القدمة ... إلى قبا كانت بيوم الجمعة
"حين ارتفع النهار فأدركته الجمعة" أي: صلاتها وتعبيره بيوم الجمعة مشعر بقدم تسميتها بذلك، وهو أحد الأقوال لجمع الخلائق فيه يوم القيامة، أو لأن خلق آدم جمع فيه، وقيل: أول من سماه بذلك كعب بن لؤي، وقيل: قصي، كما مر في النسب الكريم. وقيل: التسمية به إسلامية لاجتماع الناس للصلاة فيه، لما جمع أسعد بن زرارة بالناس قبل الهجرة النبوية.
"في" أرض أو مساكن "بني سالم بن عوف فصلاها" بمسجدهم "بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة" وقيل: أربعون، ولا ينافيهما رواية: أنه حين قدم ﵇ استقبله زهاء خمسمائة بقباء لجوا أنهم رجعوا بعد إلى المدينة، فلم يبق معه لما دخل بني سالم إلا هؤلاء. "في بطن وادي رانوناء، براء مهملة ونونين ممدودا كعاشوراء وتاسوعاء، واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة" وفتح الموحدة وسكون التحتية فموحدة، "بتصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة" في فضائل طابة، وهو المجد الشيرازي صاحب القاموس، ويقع في بعض النسخ السقيمة زيادة.
وفي القاموس: الغبغب كجندب وكان أصله طرة معارضة لضبط المصنف؛ لأن تصغيره على هذا: غبيب، بشد الياء فألحقها من لا يميز وهي خطأ شنيع؛ لأن القاموس إنما ذكره في العينстр. 668
والودي: ذي صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء.
وركب ﷺ على راحلته بعد الجمعة متوجها إلى المدينة.
وروى أنس بن مالك أنه ﷺ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر،.........
الحواشي
(١) المهملة، فقال: العب شرب الماء، إلى أن قال: والعيعب كجندب كثرة الماء وواد، وصرح في الغين المعجمة بمثل ما هنا، فقال: وكزبير موضع بالمدينة.
"الوادي" اسمه "ذي صلب" كذا في نسخ بالياء، وكان اسمه بالياء، فقصد حكايته. وفي نسخة: ذو صلب، وأخرى: والوادي صلب، وهما ظاهرتان.
وفي القاموس: الصلب بالضم وعسكر وأسير. "ولذا" أي: لصلاته ﵇ فيه "سمي مسجد الجمعة" وهي أول جمعة صلاها، وأول خطبة خطبها في الإسلام؛ كما قال ابن إسحاق، وجزم به اليعمري، وقيل: كان يصلي الجمعة في مسجد قباء مدة إقامته. "وهو مسجد صغير مبني بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء" أي: وكان مختصا بني سالم، لما مر أن أول مسجد بني لعامة المسلمين مسجد قباء، وبكونه للعامة لا ينافيه قول جابر: لقد لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ سنتن نعمر المساجد، ولا يرد أن التحرير أن بين ابتداء هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة هجرة الصحابة وبين الهجرة النبوية شهرين؛ وبعض شهر؛ لأن ابتداء الهجرة كان بعد العقبة الثالثة بتلك المدة، وعمارة المساجد بعد الأولى، ودفع اتشكاله بزيادة المدة على سنتين بأنهم لم يعمروا بمجرد رجوع الستة الأولين إلى المدينة، بل بعد ظهور الإسلام بها.
"وركب ﷺ على راحلته بعد" صلاة "الجمعة متوجها إلى المدينة. وروى أنس بن مالك: أنه ﷺ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر" خلفه على الراحلة التي هو عليها إكراما له، وإلا فقد كان له راحلة، كما مر. وفي فتح الباري، قال الداودي: يحتمل أنه مرتدف خلفه على راحلته، ويحتمل أن يكون على راحلة أخرى. قال الله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] ، أي: يتلو بعضهم بعضا. ورجح ابن التين الأول، وقال: لا يصح الثاني لأنه يلزم منه أن يمشي أبو بكر بين يدي النبي ﷺ .
قلت: إنما يلزم ذلك لو كان الخبر جاء بالعكس، كأن يقول: والنبي مرتدف خلف أبي بكر، فأما ولفظه: وهو مردف أبا بكر فلا، وسيأتي في الباب بعده، يعني في البخاري من وجه آخر عن أنس: فكأني انظر إلى النبي ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، انتهى. وذكر ابن هشام: أنهم لما وصلوا إلى العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ أوس بن حجرстр. 669
وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك، فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير، الحديث رواه البخاري.
وقد روى ابن سعد أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أله عني الناس"، فكان إذا سئل من أنت؟ قال: باغي فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهديني السبيل.
وفي حديث الطبراني، من رواية أسماء: وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق يقول لأبي بكر: من هذا معك؟ فيقول: هذا يهديني الطريق يريد الهداية في الدين، ويحسبه الآخر دليلا.
الحواشي
(١) الأسلمي على جمل له إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، وأخرجه الطبراني وغيره عن أوس وفيه: أنه أعطاهما فحل إبله وأرسل معهما غلامه مسعودا، وأمره أن لا يفارقهما حتى يصلا المدينة.
"وأبو بكر شيخ" قد أسرع إليه الشيب "يعرف" لأنه كان يمر على أهل المدينة في سفر التجارة، كما في الفتح، "والنبي ﷺ شاب" لا شيب فيه، "لا يعرف" لعدم تردده إليهم، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة. "قال" أنس: "فيلقى الرجل أبا بكر: فيقول: يا أبا بكر! من هذا الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب" بفتح السين في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة فكسروها في المضارع والماضي على غير قياس، "الحاسب أنه إنما يعني الطريق" الحسية، "وإنما يعني" أبو بكر "سبيل الخير ... الحديث" ذكر في بقيته تعرض سراقة وتلقي الأنصار ثم ركوبه إلى أن وصل دار أبي أيوب، "رواه البخاري" في الهجرة.
"وقد روى" محمد "بن سعد" ما يبين سبب هذه التورية، وهو "أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أله" بفتح الهمزة وإسكان اللام "عني الناس، فكان إذا سئل من أنت، قال: باغي حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ " حذف الموصول الاسمي وأبقى صلته، أي: الذي معك، وهو جائز عند الكوفيين، أو هو حال من ذا، "قال: هذا يهدين السبيل،" وهذا من معاريض الكلام المغنية عن الكذب جمعا بين المصلحتين: "وفي حديث الطبراني من رواية أسماء" بنت الصديق: "وكان أبو بكر رجلا معروفا في الناس، فإذا لقيه لاق، يقول لأبي بكر: من هذا" حال كونه "معك؟ " أو الذي معك، "فيقول: هذا يهديني الطريق، يريد الهداية في الدين" المتجددة المتكررة لتعبيره بالمضارع دون الماضي، "ويحسبه الآخر" الذي سأله، "دليلا" للطريق الحقيقي، وإلى هنا انتهىстр. 670
وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة، وكان ﷺ لم يشب، وكان ﷺ أسن من أبي بكر. وفي حديث: لم يكن في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر.
الحواشي
(١) ما نقله من رواية الطبراني.
وبين المصنف سبب قول أنس: يعرف ولا يعرف، فقال: "وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه مر عليهم في سفره للتجارة" إلى الشام مرور تردد ومخالطة حتى عرفوه لا مجرد السير؛ إذ لا يستدعي المعرفة. وفي الفتح: لأنه كان يمر على المدينة في سفر التجارة بخلاف النبي ﷺ في الأمرين، فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة، أي: لأنه سافر مع عمه وهو صغير، كما مر.
"وكان ﷺ لم يشب" حينئذ ثم شاب بعض شعرات في راسه ولحيته، كما يأتي في شمائله، "و" إلا ففي نفس الأمر، "كان ﷺ أسن من أبي بكر" فإنه استكمل بمدة خلافته سن المصطفى، على الصحيح خلاف ما يتوهم من قوله شاب وأبو بكر شيخ. وقد ذكر أبو عمر من رواية حبيب بن الشهيد عن ميمون مهران عن يزيد بن الأصم: أنه ﷺ قال لأبي بكر: "أيما أسن أنا أو أنت"؟ قال: أنت أكرم يا رسول الله مني وأكبر، وأنا أسن منك، قال أبو عمر: هذا مرسل، ولا أظنه إلا وهما. قال الحافظ: وهو كما ظن وإنما يعرف هذا الناس. وأما أبو بكر ففي مسلم عن معاوية أنه عاش ثلاثا وستين سنة، وعاش بعد المصطفى سنتين وأشهرا، فيلزم على الصحيح في سنة ﷺ أن أبا بكر أصغر منه بأكثر من سنتين، انتهى. ولا يرد عليه قول أنس شيخ؛ لأنه من جاوز الأربعين كان في المصباح.
"وفي حديث أنس" عند البخاري "لم يكن في الذين هاجروا أشمط" بفتح الهمزة والميم بينهما معجمة ساكنة ثم طاء مهملة، أي: خالط سواد شعره بياضه، "غير أبي بكر" فغلفها بالحناء والكتم حتى قنأ لونها غلف، بفتح الغين المعجمة واللام الثقيلة، كما قال عياض: إنه الرواية وبالفاء قال الحافظ: أي خضبها، والمراد اللحية وإن يقع لها ذكر حتى قنأ بفتح القاف والنون والهمزة، أي: اشتدت حمرتها. ا. هـ. أي: حتى ضربت إلى السواد وإطلاق الشمط على شيب غير الرأس نقله في المغرب عن الليث وخصه غيره بشيب الرأس، والحديث شاهد للأول. والكتم فتح الكاف والمثناة الخفيفة، وحكي تثقيلها: ورق يخضب به كالآس ينبت في أصغر الصخور فيتدلى حيطانا لطافا ومجتناه صعب، ولذا قال. وقيل: إنه يخلط بالوسمة، وقيل: إنه الوسمة، وقيل: هو النيل، وقيل: حناء قريش وصبغه أصفر.стр. 671
وكان ﵊ كلما مر على دار من دور الأنصار يدعوه إلى المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: خلوا سبيله -يعني ناقته- فإنها مأمورة. وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهي تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار ابن مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مربد
الحواشي
(١) "وكان ﵊ كلما مر على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام" بضم الميم، أي: الإقامة، "عندهم" بقولهم: "يا رسول الله! هلم إلى القوة والمنعة" العز والجماعة الذي يمنعونك ويحمونك بحيث لا يقدر عليك، من استعمال المشترك في معنييه، فالمنعة بفتحتين: مشترك بين العز والجماعة الذين يحمونك وإن سكنت النون فبمعنى العز فقط، قال الحافظ: وسمي ممن سأله الزول عندهم: عنبان بن مالك في بني سالم، وفروة بن عمرو في بني بياضة، والمنذر بن عمرو وسعد بن عبادة وغيرهما في بني ساعدة، وأبو سليط وغيره في بني عدي. "فيقول:" لكل منهم: "خلو سبيلها"، يعني ناقته" القصواء أو الجدعاء، وفي إنهما ثنتان أو واحدة لها لقبان خلاف، وفي الألفية: عضباء جدعاء هما القصواء، لكن روى البزار عن أنس: خطبنا النبي ﷺ على العضباء وليست الجدعاء. قال السهيلي: فهذا من قول أنس أنها غير الجدعاء، وهو الصحيح، "فإنها مأمورة" قال ابن المنير: الحكمة البالغة في إحالة الأمر على الناقة أن يكون تخصيصه ﵇ لمن خصه الله بنزوله عند آية معجزة تطيب بها النفوس، وتذهب معها المنافسة، ولا يحيك ذلك في صدر أحد منهم شيئا. "وقد أرخى زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا حتى إذا أتت دار ابن مالك بن النجار بركت" بفتح الراء "على باب المسجد" كذا عند ابن إسحاق، ولابن عائذ وسعيد بن منصور مرسلا: عند موضع المنبر من المسجد. وفي الصحيح عن عائشة: عن مسجد النبي ﷺ بالمدينة وهو فيه يومئذ رجال من المسلمين.
وفي حديث البراء عن ابن بكر: فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه، فقال: "إني أنزل على أخوال عبد المطلب"، أكرمهم بذلك. وقد قيل: يشبه أن يكون هذا أول قدومه من مكة قبل نزوله قباء لا في قدومه باطن المدينة، فلا يخالف قوله: "إنها مأمورة". "وهو يومئذ مربد" بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة: هو الموضع الذي يجفف فيه التمر. وقال الأصمعي: المربد كل شيء حبست فيه الإبل أو الغنم، وبه سمي مربد البصرة؛ لأنه كان موضع سوق الإبل، قاله الحافظ. وفي النور: أصله من ربد بالمكان إذا أقام فيه، وربده: حبسه، والمربد أيضا الذي يجعل فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة، انتهى. والمراد هنا التمر. ففي البخاري عن عائشة: وكان مربدا للتمر.стр. 672
لسهل وسهيل ابني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء -وقال أسعد بن زرارة وهو الراجح- ثم ثارت، وهو ﷺ عليها حتى بركت على باب أبي أيوب الأنصاري، ثم ثارت منه وبركت في مبركها الأول،..........................
الحواشي
(١) "لسهل" مكبرا ذكره اليعمري في البدريين، وقال أبو عمر: لم يشهدها. وقال ابن منده: يقال: شهد أحدًا ومات في خلافة عمر، "وسهيل" مصغرا بدرا وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، قاله ابن عبد البر. قال في الإصابة: وزعم ابن الكلبي أنه قتل مع علي بصفين. "ابني رافع بن عمرو" كما عند ابن الكلبي، وتبعه الزبير بن بكار وابن عبد البر والذهبي وغيرهم، وقال الزهري وابن إسحاق: هما ابنا عمرو. وقال اليعمري: وهو الأشهر. والحافظ في الإصابة: هو الأرجح. وحاول السهيلي التوفيق، فقال: هما ابنا رافع بن عمرو، يعني كما صرح به الجماعة فنسبهما الزهري وابن إسحاق إلى جدهما، وهذا حسن. وابن عقبة في الإصابة بأن أرجح قول الزهري وتلميذه؛ لأنه ذكر في الفتح ما جمع به السهيلي عن نص الزبير بن بكار وهو ابن الكلبي إماما أهل النسب، فتعين جمع السهيلي.
"وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء" كما عند ابن إسحاق وأبي عبيد في التقريب، "وقال: أسعد" بالألف "ابن زرارة" أبو أمامة من سباق الأنصار إلى الإسلام، ذكر ابن سعد أن أسعد كان يصلي فيه قبل أن يقدم النبي ﷺ "وهو الراجح" إذ هو الثابت في البخاري وغيره. قال في الإصابة: ويمكن الجمع بأنهما كانا تحت حجرهما معا، ولذا وقع في الصحيح قوله ﷺ : "يا بني النجار، ثامنوني". ووقع في رواية أبي ذر وحده للبخاري سعد بلا ألف، والصواب كما في الفتح والنور: أسعد، بالألف وهو الذي في رواية الباقين. قال الحافظ: وسعد تأخر إسلامه، انتهى. وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: لم يذكره كثيرو؛ لأنه ذكر في المنافقين. وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبو أيوب.
قال في فتح الباري: وأسعد أثبت وقد يجمع باشتراكهم أو بانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكروا واحدا بعد واحدا. "ثم ثارت وهو ﷺ عليها" ومشت "حتى بركت على باب أبي أيوب" خالد بن زيد بن كليب "الأنصاري" من بني مالك بن النجار من كبار الصحابة، شهد بدرا والمشاهد ومات غازيا الروم سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنتين وخمسين، وهو الأكثر. "ثم ثارت" بمثلثة وفوقية: قامت "منه وبركت في مبركها الأول" عند المسجد إشارة إلى أن بروكها في الأول بطريق القصد لا الاتفاق، قاله الحافظ. أو إلى أنه منزله حي وميتا، وقد يكون مشيها قليلا ثم رجوعها إشارة إلى الاختلاف اليسير الذي وقع في دفنه، ثم الموافقة لرأي أبي بكر في أنه يخط له تحت الفرش الذي توفي عليه، قاله البرهان البقاعي.стр. 673
وألقت جرانها بالأرض -يعني باطن عنقها أو مقدمه من المذبح- وأرزمت -يعني صوتت من غير أن تفتح فاها- ونزل عنها ﷺ وقال: "وهذا المنزل إن شاء الله".
واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله في بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب، جده ﵇.
وفي حديث أبي أيوب الأنصاري، عند أبي يوسف يعقوب...........................
الحواشي
(١) "وألقت جرانها" بكسر الجيم "بالأرض، يعني باطن عنقها" كما قاله السهيلي "أو مقدمه من المذبح" إلى المنحر، وبه جزم المجد، وذكر السهيلي عن بعض السير: أنها لما ألقت جرانها في دار بني النجار جعل جبار بن صخر السلمي ينخسها بحديدة رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة، فلم تفعل. "وأرزمت" بهمزة فراء ساكنة فزاي مفتوحة "يعني: صوتت من غير أن تفتح فاها" قاله أبو زيد، قال: وذلك على ولدها حين ترأمه، وقال صاحب العين: أرزمت بالألف معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح، ويروى: رزمت بلا ألف، أي: نامت من الإعياء والهزال ولم تتحرك.
"ونزل عنها ﷺ ، وقال: "وهذا المنزل إن شاء الله" واحتمل أبو أيوب رحله" بإذنه ﷺ "وأدخله بيته ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بني النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها،" عطف تفسير لأوسط، كما في الصحيح مرفوعا: "خير دور الأنصار بنو النجار"، "وهم أخول عبد المطلب جده ﵇" ولذا أكرمهم بنزوله عليهم، كما مر. وروى ابن عائذ وسعيد بن منصور عن عطاف بن خالد: استناخت به أولا فجاءه ناس، فقالوا: المنزل يا رسول الله؟ فقال: "دعوها"، فانبعثت حتى أناخت عند موضع المنبر من المسجد، ثم تحلت فنزل عنها فأتاه أبو أيوب، فقال: إن منزلي أقرب المنازل، فائذن لي أن أنقل رحلك، قال: "نعم"، فنقله وأناخ الناقة في منزله. وذكر ابن سعد أن أبا أيوب لما نقل رحله، قال ﷺ : "المرء مع رحله"، وأن أسعد بن زرارة جاء فأخذ ناقته فكانت عنده، قال: وهذا أثبت.
"وفي حديث أبي أيوب الأنصاري" النجاري "عند أبي يوسف يعقوب" ابن إبراهيم الأنصاري الإمام العلامة الحافظ فقيه العراق الكوفي، صاحب أبي حنيفة، وروى عن هشام بن عروة وأبي إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم، وعنه محمد بن الحسن وابن حنبل وابن معاوية وخلق: نشأ في طلب العلم وكان أبوه فقيرا، فكان أبو حنيفة يتعاهد أبو يوسف بمائة بعد مائة، قال ابن معين: ليس في أصحاب الرأي أكثر حديثا ولا أثبت من أبي يوسف وهوстр. 674
في كتاب الذكر والدعاء له قال: لما نزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فكنت في العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: رسول الله ﷺ أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله، ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: "لِمَ يا أبا أيوب"؟ قال: قلت: كنت أحق بالعلو منا تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا. الحديث.....................
الحواشي
(١) صاحب حديث وسنة، مات في ربيع الآخر سنة وثمانين ومائة عن تسع وستين سنة. "في كتاب الذكر والدعاء له، قال" أبو أيوب: "لما نزل على رسول الله ﷺ حين قدم المدينة فكنت في العلو" وفي رواية ابن إسحاق: لما نزل ﷺ في بيتي نزل في السفل وكنت أنا وأم أيوب في العلو، فقلت: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي، إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فأظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن ونكون في السفل، فقال: "يا أبا أيوب، إن الأرفق بنا ومن يغشانا أن نكون في سفل البيت"، قال: فكان النبي ﷺ في سفله وكنا فوقه في المسكن. "فلما خلوت إلى أم يوب" زوجته بنت خالة قيس بن سعد الأنصارية النجارية الصحابية، لم يذكر لها اسما في الإصابة. "قلت لها: رسول الله ﷺ أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب" بحالة هنية بل بشر ليلة لتلك الفكرة، أو استعمل المبيت في النوم، كأنه قال: ما نمنا من اشتغال الفكر بذلك. وفي رواية: أن أبا بكر أيوب انتبه ليلا فقال: نمشي فوق رسول الله ﷺ فتحول، فباتوا في جانب.
وفي رواية ابن إسحاق: فلقد انكسر لنا حب فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب لقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها تخوفا أن يقطر على رأس رسول الله ﷺ منه شيء، فيؤذيه، "فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله! ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب. قال: "لِمَ يا أبا أيوب"؟ قال: قلت: كنت" أنت "أحق بالعلو منا، تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي،" زاد في رواية: فقال ﷺ : "الأسفل أرفق بنا"، فقلت: "لا،" يكون ذلك فهي داخلة على محذوف، فقوله: "والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا،" تأكيد لاشتماله على القسم.
زاد في رواية: فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى تحول إلى العلو وأبو أيوب في السفل ... "الحديث" تمامه: وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه، فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه بعشائه، وقد جلنا فيه بصلا أو ثوما، فرده ولم أر ليده فيه أثرا، فجئته فزعا، قال: "إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجي فأما أنتم فكلوه" فأكلنا ولن نصنع له تلك الشجرة بعد، أخرجه بتمامه ابن إسحاق في السيرة.стр. 675
رواه الحاكم أيضا.
وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب، بناه له ﵊ تبع الأول لما مر بالمدينة وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابا للنبي ﷺ ودفعه إلى كبيرهم، وسألهم أن يدفعه للنبي ﷺ فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم..........................................................
الحواشي
(١) "وراه الحاكم أيضا" وغيرهم "وقد ذكر" في المبتدأ لابن إسحاق وقصص الأنبياء: "إن هذا البيت لأبي أيوب بناه ﵊، تبع الأول" ابن حسان الحميري، الذي قال ﷺ فيه: "لا تسبوا تبعا، فإنه قد أسلم"، أخرجه الطبراني. وذكر ابن إسحاق في السيرة. أن اسمه تباب، بضم الفوقية وخفة الموحدة فألف فموحدة: ابن سعد، وفي مغاص الجوهري في أنساب حمير أنه كان تدين بالزبور.
"لما مر بالمدينة" في رجوعه من مكة، "وترك فيها أربعمائة عالم" روى ابن عساكر في ترجمته: أنه قدم مكة، وكسا الكعبة وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة، ولما نزلها أجمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا: إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد ﷺ ، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلا وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، "وكتب كتابا للنبي ﷺ " فيه إسلامه، ومنه:
شهدت على أحمد أنه ... رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره ... لكنت وزيرا له وابن عم
وختمه بالذهب، "ودفعه إلى كبيرهم وسألهم أن يدفعه للنبي ﷺ " وعند ابن عساكر: ودفع الكتاب إلى عالم عظيم فصيح كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمد ﷺ إن أدركه، وإلا من أدركه من ولده وولد ولده أبدا إلى حين خروجه، وكان في الكتاب: أنه آمن به وعلى دينه. وخرج تبع من يثرب، فمات بالهند، ومن موته إلى مولده ﷺ ألف سنة سواء. "فتداول الدار" التي بناها تبع للنبي ﷺ لينزلها إذا قدم المدينة كما في المبتدأ والقصص: "الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب وهو من ولد ذلك العالم،" الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج ﷺ أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلما رآه ﷺ ، قال له: "أنت أبو ليلى ومعه كتاب تبع الأول" فبقي أبو ليلى متفكرا ولم يعرف رسول الله ﷺ فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال: "أنا محمد، هات الكتاب"، فلما قرأه قال: "مرحباстр. 676
قال: وأهل المدينة الذين نصروه ﵊ من ولد أولئك العلماء. فعلى هذا: إنما نزل في منزل نفسه، لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة.
وفرح أهل المدينة بقدومه ﷺ ، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير عند قدومه يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
الحواشي
(١) بتبع الأخ الصالح"، ثلاث مرات.
"قال: وأهل المدينة الذين نصروه ﵊ من ولد أولئك العلماء" الأربعمائة، وفي رواية: أنهم كانوا الأوس والخزرج، "فعلى هذا" المذكور من أن تبعا بنى للمصطفى دارا "إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، كذا حكاه في تحقيق النصرة،" في تاريخ دار الهجرة لقاضيها الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي من مراغة الصعيد من فضلاء طلبة الجمال الإسنوي، "وفرح أهل المدينة بقدومه ﷺ ." روى البخاري عن البراء بن عازب: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ .
وروى أبو داود عن أنس: لما قدم النبي ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه، "وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ : أضاء منها كل شيء" فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي حتى أكرنا قلوبنا، أخرج الترمذي في المناقب، وقال: صحيح غريب، وابن ماجه في الجنائز، واقتصر المصنف على حاجته منه هنا. وروى ابن أبي خيثمة والدارمي عن أنس أيضا: شهدت يوم دخول النبي ﷺ المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه ﷺ المدينة، "وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير" بجيمين جمع أجار، وفي لغة: الأناجير بالنون، أي: الأسطحة، "عند قدومه يقلن" تهنئة له حال دخوله:
"طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع"
"وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع"
زاد رزين:стр. 677
قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه ﵇ المدينة رواه البيهقي في الدلائل، وأبو بكر المقرئ في كتاب الشمائل له عن ابن عائشة، وذكره الطبري في الرياض عن ابن الفضل الجمحي قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه عن أبيه فذكره. وقال خرجه الحلواني على شرط الشيخين. انتهى.
وسميت ثنية الوداع لأنه ﵇ ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره.
وقيل: لأنه ﵇ شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها.
وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديما.
الحواشي
(١) أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
"قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه ﵇ المدينة، رواه البيهقي في الدلائل" النبوية "وأبو بكر المقرئ" بضم الميم وسكون القاف الحافظ محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم الأصبهاني، صاحب المعجم الكبير وغيره، سمع أبا يعلى وعبدان، وعنه ابن مردويه، وأبو نعيم وأبو الشيخ، مات سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، "في كتاب الشمائل له، عن ابن عائشة" عبيد الله بضم العين، ابن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، ثقة مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، قال الحافظ: ورمي بالقدر ولا يثبت، ويقال له: ابن عائشة، والعائشي والعيشي نسبة إلى عائشة بن طلحة؛ لأنه من ذريتها.
وذكر ابن أبي شيبة أنه أنفق على إخوانه أربعمائة ألف دينار، حتى التجأ إلى أن باع سقف بيته. "وذكره الطبري في الرياض" النضرة" عن ابن الفضل الجمحي، قال: سمعت ابن عائشة يقول: أراه" أظنه "عن أبيه" محمد بن حفص التيمي "فذكره، وقال" المحب الطبري: "خرجه الحلواني" بضم المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلوان آخر العراق، الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال نسبة إلى الخل نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف شيخ الجماعة، خلا النسائي مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين، "على شرط الشيخين، انتهى" كلام الطبري. وفيه معمر، فالشيخان لم يخرجا لابن عائشة، فلا يكون على شرطهما ولو صح الإسناد عليه، "وسميت ثنية الوداع؛ لأنه ﵇ ودعه به بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره" هو غزوة تبوك، "وقيل: لأنه ﵇ شيع إليها بعض سراياه،" هي سرية مؤتة "فودعه عندها" وهذان يعطيان أن التسمية حادثة، "وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديما،стр. 678
وصحح القاضي عياض الأخير، واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه ﵇:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
فدل على أنه اسم قديم.
وقال ابن بطال: إنما سميت ثنية الوداع لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي. انتهى.
قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع. قال: وهذا صريح في أنها من جهة الشام، ولهذا لما نقل والدي ﵀ في شرح الترمذي كلام ابن.................................
الحواشي
(١) وصحح القاضي عياض الأخير: واستدل عليه بقول نساء الأنصار حين قدومه ﵇:
"طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع"
"فدل على أنه اسم قديم"، وهي في الأصل: ما ارتفع من الأرض، وقيل: الطريق في الجبل، "وقال ابن بطال: إنما سميت بثنية الوداع؛ لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقي. انتهى.
"قال شيخ الإسلام الولي بن العراقي: وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري" في الجهاد والمغازي "وسنن أبي داود والترمذي عن السائب بن يزيد" بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك، صحابي صغير له أحاديث قليلة ولاه عمر سوق المدينة، وهو آخر من مات بها سنة إحدى وتسعين أو قبلها، "قال: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس" كلهم رجالا ونساء وصبيانا وولائد فرحا به وسرورا بضد ما أرجف به المنافقون إذ كانوا يخبرون عنه أخبار السوء في غيبته، ولأنهن ألفنه ﷺ بخلاف الهجرة، صعدت المخدرات على الأسطحة؛ لأنهن لم يكن رأينه وإن فشا فيهم الإسلام، "يتلقونه من ثنية الوداع، قال" ابن العراقي: "وهذا صريح في أنها من جهة الشام" لا مكة، فظهر منه رد كلام ابن بطال، وأثر ابن عائشة ولم يظهر منه رد كلام عياض؛ لأنه لم يقل حين قدومه من مكة، فيحمل على أنه حين قدومه من تبوك، وكذا القولان قبله في سبب التسمية؛ لأن بعض أسفاره وسراياه مبهم، فيحمل على تبوك ومؤتة، ففي قوله: وهذا كله مردود، نظر بل بعضه.
"ولهذا لما نقل والدي" الحافظ عبد الرحيم "﵀ في شرح الترمذي كلام ابنстр. 679
بطال قال: إنه وهم، قال: وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة. انتهى.
وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي فقال: هذا وهم من بعض الرواة؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك.
لكن قال ابن العراقي أيضا: ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها بثنية الوداع.
الحواشي
(١) بطال، قال: إنه وهم" بفتحتين: غلط، "قال: وكلام ابن عائشة، معضل لا تقوم به حجة، انتهى" ونحوه قول الفتح هنا بعد أثر ابن عائشة، وعزوه لتخريج أبي سعد في الشرف، والخلعي في فوائد هذا سنده معضل، ولعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك، انتهى. وأما قوله في الفتح: في تبوك، في شرح حديث السائب أنكر الداودي هذا، وتبعه ابن القيم وقال: ثنية الوداع من جهة مكة لا من جهة تبوك، بل هي مقابلها كالمشرق والمغرب، قال إلا أن يكون هناك ثنية أخرى في تلك الجهة. قلت: لا يمنع كونها من جهة الحجاز أن يكون خروج المسافر من جهتها وهذا واضح، كما في دخول مكة من ثنية والخروج منها من أخرى، وينتهي كلاهما إلى طريق واحدة، وقد روينا بسند منقطع في الخليعات قول النسوة لما قدم المدينة:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
فقيل ذلك عند قدومه من غزوة تبوك، انتهى. فهو مع ما فيه من المخالفة لكلام شيخه العراقي وابنه، وكلامه نفسه هنا آخره مخالف لأوله، ونقله عن ابن القيم مخالف لقول المصنف.
"وسبقه إلى ذلك ابن القيم في الهدي النبوي،" أي: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، "فقال: هذا وهم من بعض الرواة؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك" وأجاب الشريف السمهودي: بأن كونها شامي المدينة لا يمنع كون هذه الأبيات أنشدت عند الهجرة؛ لأنه ﷺ ركب ناقته وأرخى زمامها، وقال: " دعوها فإنها مأمورة" ومر بدور الأنصار من بني ساعدة، ودارهم شامي المدينة وقرب ثنية الوداع، فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية، فلا وهم وهو جواب حسن، وإن كان شيخنا البابلي ﵀ يستبعده بأنه يلزم عليه أن يرجع ويمر على قباء ثانيا، فلا يعد فيه ولو لزم ذلك لإرخائه زمام الناقة، وكونها مأمورة.
"لكن قال ابن العراقي أيضا: ويحتمل" في دفع الوهم "أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها بثنية الوداع" قال الخميس: يشبه أن هذا هو الحق ويؤيده جمعстр. 680
وفي "شرف المصطفى" وأخرجه البيهقي عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار بالدفوف ويقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فقال ﷺ : "أتحببنني"، قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في الصغير فقال ﵇: "الله يعلم أن قلبي يحبكم".
وقال الطبري: وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون جاء محمد، جاء رسول الله.
ووعك أبو بكر وبلال،....................................................................
الحواشي
(١) الثنيات؛ إذ لو كان المراد التي من جهة الشام لم تجمع، قال: ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولا ما قاله ابن القيم، انتهى.
"وفي شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري، "وأخرج البيهقي" وشيخه الحاكم "عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار" في الطرقات "من بني النجار" زاد الحاكم: يضربن "بالدفوف" جمع دف بضم الدال وفتحها. لغة، "ويقلن" عطف على يضربن، "نحن جوار" جمع جارية وهي الشابة أمة أو حرة، وهو المراد: لقولهن "من بني النجار" دون لبني النجار "يا" قومنا "حبذا" فدخل حرف النداء على مقدر؛ لأنه لا يدخل على الأفعال، وحب فعل ماض "محمد بن جار" تمييز، "فقال ﷺ : "أتحبنني"؟ بضم التاء من أحب، وبفتحها وكسر الموحدة من حب، "قلن: نعم يا رسول الله. وفي رواية الطبراني في الصغير" زيادة "فقال ﵇: "الله يعلم إن قلبي يحبكم"، بالميم: يا معشر الأنصار أنتن منهم أو الميم للتعظيم، كقوله:
وإن شئت حرمت النساء سواكم
وفي رواية: فقال: "والله وأنا أحبكن"، قالها ثلاث مرات، فلعله قال الجميع، أو ذا لبعض وذا لبعض.
"وقال الطبري: وتفرق الغلمان" جمع غلام وهو الابن الصغير، "والخدم" جمع خادم ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا، "في الطريق ينادون" فرحا "جاء محمد جاء رسول الله" وهذا أخرجه الحاكم في الإكليل عن البراء، ولفظه: فخرج الناس حين قدم المدينة في الطرق والغلمان والخدم، يقولون: جاء محمد رسول الله، الله أكبر جاء محمد رسول الله، "و" لما قدم رسول الله ﷺ المدينة "وعك" بضم الواو وكسر العين، أي: حم "أبو بكر وبلال" قالت عائشة:стр. 681
وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل
وهل..........................
الحواشي
(١) فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ ويا بلال، كيف تجدك؟ كما في رواية للبخاري.
وأخرج ابن إسحاق والنسائي عنهما: لما قدم ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله، أصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه، وأصابت أبا بكر وبلالا وعامر بن فهيرة، فاستأذنت رسول الله ﷺ في عيادتهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فأذن لي فدخلت عليهم وهم في بيت واحدة، قالت: "وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى، يقول:" وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فقلت: كيف تجدك يا أبت؟ فقال: "كل امرئ مصبح" بضم الميم وفتح المهملة والموحدة الثقيلة، أي: مصاب الموت صباحا، وقيل: يقال هـ: صبحك الله بالخير وهو منعم "في أهله والموت أدنى" أقرب إليه "من شراك" بكسر المعجمة وخفة الراء: سير، "نعله" الذي على ظهر القدم، والمعنى: أن الموت أقرب إلى الشخص من قرب شراك نعله إلى رجله، وذكر عمر بن شيبة في أخبار المدينة: أن هذا الرجز لحنظلة بن سيار قاله يوم ذي قار، وتمثل به الصديق ﵁. وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فقلت: إنا لله، إن أبي ليهذي وما يدري ما يقول: ثم دنوت إلى عامر فقلت: كيف تجدك يا عامر، فقال:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه ... كالثور يحمي أنفه بروقه
فقلت: هذا والله ما يدري ما يقول، أي: لأنها سألتهم عن حالهم فأجابوها بما لا يتعلق به. والطوق: الطاقة. والروق: القرن يضرب مثلا في الحث على حفظ الحريم، قال السهيلي: ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة.
"وكان بلال إذا أقلعت" بفتح الهمزة واللام، ولأبي ذر بضم الهمزة وكسر اللام، "عنه الحمى" أي: تركته، كما في رواية ابن إ سحاق والنسائي، وزادا: اضطجع بفناء البيت، ثم "يرفع عقيرته" بفتح المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الراء وفوقية، أي: صوته بالبكاء، "ويقول: ألا" بخفة اللام أداة استفتاح "ليت شعري" أي: مشعوري، أي: ليتني علمت بجواب ما تضمنه قولي "هل أبيتن ليلة بواد" هو وادي مكة، "وحولي إذخر" بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيش مكة ذو الرائحة الطيبة، "وجليل" بجيم: نبت ضعيف، "وهلстр. 682
...أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل
اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.
ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححه لنا..........................................
الحواشي
(١) أردن" بنون التوكيد الخفيفة "يوما مياه" بالهاء "مجنة" بفتح الميم والنون المشددة وتكسر الميم: موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية، "وهل يبدون" بنون التأكيد الخفيفة: يظهرن، "لي شامة" بمعجمة وميم خفيفة على المعروف، "وطفيل" بفتح المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية، قيل: وهذان البيتان ليسا لبلال بل لبكر بن غالب الجرهمي أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكة، فتمثل بهما بلالا "اللهم العن" عتبة بن ربيعة و"شيبة بن ربيعة ,وأمية بن خلف،" هكذا ثبت لعنه للثلاثة في البخاري، آخر كتاب الحج وسقط الأول من قلم المصنف سهوا، وبه يستقيم الجمع في "كما أخرجونا" فلا حاجة للاعتذار بأن المراد: ومن كان على طريقهما في الإيذاء ولذا جمع والكاف للتعليل وما مصدرية، أي: أخرجهم من رحمتك لإخراجهم إيانا "من أرضنا" التي توطناها، ولا يشكل بأن لعن المعين لا يجوز لإمكان أنه علم من النبي ﷺ أنهم لا يؤمنون، وقد قيل في آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] ، أنها نزلت في معينين، كأبي جهل وأضرابه "إلى أرض الوباء" بالقصر والمد: المرض العام، وهو أعم من الطاعون. وقال المصنف في مقصد الطب: الدليل على مغايرة الطاعون للوباء أن الطاعون لم يدخل المدينة.
وقد قالت عائشة: دخلنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وقال بلال: أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، انتهى. فلا يعارض قدومه إليها وهي وبئة نهيه عن القدوم على الطاعون، لاختصاص النهي به وبنحوه من الموت السريع لا المرض، ولو عم "ثم قال رسول الله ﷺ " بعد أن أخبرته عائشة بشأنهما. ففي رواية البخاري هنا: قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته. وفي رواية ابن إسحاق والنسائي: فذكرت ذلك لرسول الله، فقلت: يا رسول الله! إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى، فنظر إلى السماء، وقال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد" فاستجاب الله له وكانت أحب إليه من مكة، كما جزم به السيوطي.
"اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححها لنا"، فاستجاب الله له فطيب هواءها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن طبال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في غيرها. قال العلامة الشامي: وقد تكرر دعاؤه ﵊ بتحبيبстр. 683
وانقل حماها إلى الجحفة".
قالت -يعني عائشة: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله،...................................
الحواشي
(١) المدينة والبركة في ثمارها، والظاهر أن الإجابة حصلت بالأول، والتكرير لطلب المزيد فيها من الدين والدنيا، وقد ظهر ذلك في نفس الكيل بحيث يكفي المد بها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها.
"وأنقل حماها إلى الجحفة" بضم الجيم وسكون المهملة وفتح الفاء: قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة نحو خمس مراحل وثمانية من المدينة، وكانت تسمى مهيعة، وبه عبر هنا في رواية ابن إسحاق والنسائي بفتح الميم وسكون الياء على وزن جميلة، وكانت يومئذ مسكن اليهود، وهي الآن ميقات مصر والشام والمغرب، ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك وللمسلمين بالصحة وإظهار معجزة عجيبة فإنها من يومئذ وبئة لا يشرب أحد من مائها إلا حم، ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط.
وروى البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رفعه: "رأيت في المنام، كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إليها".
وفي رواية: قدم إنسان من طريق مكة، فقال له النبي ﷺ : "هل لقيت أحدًا"؟ قال: يا رسول الله، إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الرأس فقال ﷺ : "تلك الحمى، ولن تعود بعد اليوم"، ولا مانع من تجسم الأعراض خرقا للعادة، لتحصل الطمأنينة لهم بإخراجها. قال السمهودي: والموجود الآن من الحمى بالمدينة ليس من حمى الوباء بل رحمة ربنا، ودعوة نبينا للتكفير، قال: وفي الحديث: "أصح المدينة ما بين حرة بني قريظة، والعريض"، وهو يؤذن ببقاء شيء منها به، وأن الذي نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليها شيئا، قال: ويحتمل أنها رفعت بالكلية ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها، كما أشار إليه الحافظ ابن حجر، ويدل له ما رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني عن جابر: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ ، فقال: "من هذه"؟ فقالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء، فبلغوا ما لا يعلمه إلا الله فشكو ذلك إليه، فقال: "ما شئتم" إن شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم، وإن شئتم تكون لكم طهورا؟ " قالوا: أوتفعل؟ قال: "نعم"، قالوا: فدعها، انتهى.
"قالت: يعني عائشة: وقدمنا المدينة" بعد ذلك والمسجد يبنى، كما يأتي "وهي أوبأ أرض الله" أي: أكثر وباء وأشد من غيرها، زاد ابن إسحاق: قال هشام بن عروة: وكان وباؤها معروفا في الجاهلية، وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها، قيل: انهق، فينهق كماстр. 684
فكان بطحان يجري نجلا. تعني: ماء آجنا.
وقال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك. رواه البخاري.
الحواشي
(١) ينهق الحمار، وفي ذلك يقول الشاعر:
لعمري لئن غنيت من خيفة الردى ... نهيق حمار إنني لمروع
وفي حديث البراء عند البخاري: أن عائشة وعكت أيضا وكان أبو بكر يدخل عليها. وأخرج ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: أصابت الحمى الصحابة حتى جهدوا مرضا، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه حتى ما كانوا يصلون إلا وهم قعود، فخرج ﷺ وهم يصلون كذلك، فقال: "اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فتجشموا القيام" أي: تكلفوه على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل، "فكان بطحان" بضم الموحدة وحكى فتحها وسكون الطاء المهملة: معهما، وقيل: بفتح أوله وكسر الطاء، وعزا عياض الأول للمحدثين، والثالث للغويين وبين واد بالمدينة.
روى البزار وابن أبي شيبة عن عائشة مرفوعا: "بطحان على ترعة من الجنة" بضم الفوقية، أي: باب أو درجة "يجري نجلا" بفتح النون وسكون الجيم، أي: ينزنز، أي: ماء قليلا، وقيل: هو الماء حين يسيل، وقيل: الغدير الذي لا يزال فيه الماء. وقال البخاري: "تعني" عائشة "ماء آجنا" أي: متغير الطعم واللون، وخطأه عياض ورده الحافظ: بأنها قالته كالتعليل لكون المدينة وبئة، ولا شك أن النجل إذا فسر بالماء الحاصل من النز فهو بصدد أن يتغير، وإذا تغير كان استعماله مما يحدث الوباء في العادة، انتهى.
"و" استجاب الله لرسوله فسكن محبة المدينة في قلوب صحبه، حتى "قال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك" لما في كل منهما من الفضل العظيم، فقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها"، أي: أخصه بشفاعة غير العامة زيادة في إكرامه. قال السمهودي: فيه بشرى لساكنها بالموت على الإسلام، لاختصاص الشفاعة بالمسلمين وكفى به مزية، فكل من مات بها مبشر بذلك، وقال ابن الحاج: فيه دليل على فضلها على مكة لإفراده إياها بالذكر، انتهى. واستجاب الله دعاء الفاروق فرزقه الشهادة بها على يد فيروز النصراني عبد المغيرة ودفن عند حبيبه.
"رواه" أي: هذا الحديث الذي أوله: ووعك أبو بكر "البخاري" عن عائشة في كتابстр. 685
وقوله: يرفع عقيرته: أي صوته؛ لأن العقيرة الساق، وكان الذي قطعت رجله رفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك، حكاه الجوهري.
وشامة وطفيل: عينان بقرب مكة، والمراد بالوادي وادي مكة.
وجليل: نبت ضعيف.
الحواشي
(١) الحج وغيره، ورواه أيضا مسلم وأحمد وابن إسحاق والنسائي، "وقوله: يرفع عقيرته، أي: صوته؛ لأن العقيرة السابق" المقطوعة كما في القاموس فغيرها لا يسمى به. "وكان" فعل ماض "الذي قطعت رجله فرفعها" كما قال الأصمعي، أصله أن رجلا انعقرت رجله فرفعها "وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك" وإن لم يرفع رجله، "حكاه الجوهري" قال ثعلب: وهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، انتهى. فجعله مأخوذا من العقيرة بمعنى الساق، إشارة إلى أنه الأصل لا أنه لا يمكن غيره، فإنه يمكن تفسيره بالصوت الكائن من ألم الحمى التي أصابته. ففي القاموس إطلاق العقيرة على صوت الباكي، "وشامة وطفيل عينان بقرب مكة" كما ارتضاه الخطابي، فقال: كنت أحسبهما جبلين حتى مررت بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عينان من ماء، وقواه السهيلي بقول كثير:
وما أنس مشيا ولا أنس موقفا ... لنا ولها بالخب خب طفيل
والخب: منخفض الأرض، انتهى. وقيل: هما جبلان على نحو ثلاثين ميلا من مكة. وقال البكري: مشرفان على مجنة على بريد من مكة، وجمع باحتمال أن العينين بقرب الجبلين أو فيهما، إلا أن كلام الخطابي يبعد الثاني. وزعم القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين، والصواب: شابة، بالباء، قال: وبالميم وقع في كتب الحديث جميعها، كذا قال وأشار الحافظ لرده. فقال: زعم بعضهم أن الصواب بالموحدة، بدل الميم، والمعروف بالميم، انتهى. "والمراد بالوادي" في قول بلال: بواد "وادي مكة" وقد رواه النسائي وغيره بفج، وهو أيضا واد خارج مكة، يقول فيه الشاعر:
ماذا بفج من الأسواق والطيب ... ومن جوار نقيات عرابيب
"وجليل: نبت ضعيف" له خواص أو شيء يشبه الخوص يحشى به البيوت وغيرها، وهو الثمام بضم المثلثة. قال السهيلي ﵀: وفي هذا الخبر وما ذكر فيهم من حنينهم إلى مكة ما جلبت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه، وقد جاء في حديث أصيل الغفاري، ويقال فيه الهذلي: أنه قدم من مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها حين ابيضت أباطحها، وأحجن ثمامها، وأغدق إذخرها، وأبشر سلمها، فاغروقت عينا رسول الله ﷺ وقال: "تشوقنا يا أصيل". ويروى أنه قال: "دع القلوب تقر" وقد قال الأول:стр. 686
وأقام ﷺ عند أبي أيوب سبعة أشهر. وقيل: إلى صفر من السنة الثانية. وقال الدولابي: شهرا.
الحواشي
(١) ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي الخزامى حيث ربتني أهلي
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي
انتهى. وأصيل بالتصغير، كما في الإصابة. "وأقام ﷺ عند أبي أيوب سبعة أشهر" قاله ابن سعد، وجزم به في الفتح. "وقيل: إلى صفر من السنة الثانية، وقال الدولابي:" أقام عنده "شهرا" حكى الأقوال الثلاثة مغلطاي، والله أعلم.стр. 687
" ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر ":
وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ولما أراد ﵇ بناء المسجد الشريف، قال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم، قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأبى ذلك ﷺ ...................................................................
الحواشي
(١) ذكر بناء المسجد النبوي وعمل المنبر:
"وكان" ﵊ "يصلي حيث أدركته الصلاة" فأراد بناء مسجد جامع للمصلين معه، "ولما أراد ﵇ بناء المسجد الشريف، قال" الأظهر: فلما، بالفاء كما عبر بها أنس. أخرج الشيخان وغيرهما عنه: كان ﷺ يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، فأرسل إلى ملأ من بني النجار، فقال: "يا بني النجار ثامنوني" بالمثلثة، أي: اذكروا لي ثمنه لأشتريه منكم، قاله الحافظ في كتاب الصلاة. وقال هنا، أي: قرروا معي ثمنه أو ساوموني بثمنه، ثامنت الرجل إذا ساومته، واقتصر المصنف على الثاني، ونحوه قول الشامي، أي: بايعوني وقاولوني، انتهى.
وهو بالنظر إلى الصيغة فقط إذ ليس ثم مفاعلة، فالأول أولى وخاطب البعض بخطاب الكل؛ لأن المخاطبين أشرافهم "بحائطكم" أي: بستانكم، وتقدم أنه كان مربدا، فلعله كان أولا حائطا ثم خرب فصار مربدا، ويؤيده قوله أي أنس: أنه كان فيه نخل وحرث، وقيل: كان بعضه بستانا وبعضه مربدا، قاله الحافظ. ويؤيده أيضا حديث عائشة فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، ولا ينافيه حديث أنس؛ لأنه لا مانع من وجود النخل والحرث في المربد وسماه حائطا باعتبار ما كان. وفي رواية ابن عيينة: فكلم عمهما، أي: الذي كانا في حجره أن يبتاعه منهما.
"قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله" قال الحافظ: تقديره من أحد لكن الأمر فيه إلى الله، أو إلى بمعنى من، كما في رواية الإسماعيلي وزاد ابن ماجه: أبدا "فأبى" أي: كره "ذلك ﷺ "стр. 688
وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق ﵁، وكان قد خرج من مكة بماله كله.
قال أنس: وكان في موضع المسجد نخل وخرب...................................
الحواشي
(١) وامتنع من قبوله إلا بالثمن، "وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر الصديق ﵁" كما رواه الواقدي عن الزهري، أي: ابتاعها من اليتيم أو من وليهما، إن كنا بالغين، ولا ينافيه وصفهما باليتم؛ لأنه باعتبار ما كان أو كانا يتيمين وقت المساومة، وبلغا قبل التبايع.
وفي حديث عائشة عند البخاري، ثم دعا الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا. قال الحافظ: ولا منافاة بينه وبين حديث أنس: فيجمع بأنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين فابتاعه منهما، وحينئذ يحتمل أن القائلين: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، تحملوا عنه للغلامين بالثمن. وعند الزبير أن أبا يوب أرضاهما عن ثمنه، انتهى. وكذا عند أبي معشر. وفي رواية: أن أسعد بن زرارة عوضهما نخلا في بني بياضة، وفي أخرى: أن معاذ بن عفراء، قال: أنا أرضيهما. قال الشامي: ويجمع بأن كلا منهم أرضى اليتمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم، ورغب أبو بكر في الخير فدفع العشرة زيادة على ما دفعه أولئك، أو أنه ﷺ أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه، ثم أخذ بعضا آخر؛ لأنه بناه مرتين. وزاد فيه: فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما، ومن الآخرين في الأخرى، انتهى. وذكر البلاذري أن العشرة التي دفعها من مال أبي بكر كانت ثمن أرض متصلة بالمسجد لسهل وسهيل وعرض عليه أسعد أن يأخذها ويغرم عنه لهما ثمنهما، فأبى. وجمع البرهان بأنهما قضيتان وأرضان كلتاهما لليتيمين، فاشترى كل واحدة بعشرة إحداهما المسجد والأخرى زيادة فيه، وأدى ثمنهما معا أبو بكر والواحدة عاقده عليها أسعد، والأخرى معاذ، قال: وما ذكر من شراء أبي أيوب منهما فيحمل على المجاز أنه كان متكلما بينهما أو عقد معهما بطريق الوكالة أو الوصية، أو أنها أرض ثالثة وفيه بعد، انتهى.
"وكان قد خرج من مكة بماله كله" وهو أربعة آلاف أو خمسة، فأمره ﷺ أن يعطيهما ثمنه عشرة دنانير، كره ابن سعد عن الواقدي عن معمر عن معمر وغيره عن الزهري وقبله لعموم نفع المسجد له ولغيره على عادته من قبول ماله في المصالح بخلاف الهجرة، فأحب كونها من ماله ﵇، كما مر. "قال أنس" بن مالك فيما رواه الشيخان وغيرهما: "وكان في موضع المسجد نخل وخرب" بفتح المعجمة وكسر الراء فموحدة جمع خربة ككلم وكلمة هكذا ضبط في سنن أبي داود، قال الخطابي: وهي رواية الأكثر. قال ابن الجوزي: وهو المعروف، وحكىстр. 689
ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده خشب النخل،
الحواشي
(١) الخطابي: كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة. وللكشميهني بفتح المهملة وسكون الراء ومثلثة وهو وهم؛ لأن البخاري أخرجه من طريق عبد الوارث. وبين أبو داود أن رواية عبد الوارث بمعجمة وموحدة، ورواية حماد بن سلمة بمهملة ومثلثة، ذكره الحافظ، فالوهم إنما هو في روايته في البخاري وإن ثبتت في رواية غيره فهي ثلاث روايات. وجوز الخطابي أنه حرب بضم المهملة وسكون الراء وموحدة وهي الخروق المستديرة في الأرض، أو حدب بمهملتين، أي: مرتفع من الأرض، أو جرب بكسر الجيم وفتح الراء: ما تجر فيه السيول وتأكله الأرض. قال: وهذا لائق بقوله: فسويت؛ لأنه إنما يسوى المكان المحدوب أو الذي جرفته الأرض. أما الخراب فيبنى ويعمر دون ن يصلح ويسوّى. ورده الحافظ، فقال: ما المانع من تسوية الخراب بأن يزال ما بقي منه وتسوى أرضه، ولا ينبغي الالتفات إلى هذه الاحتمالات مع توجيه الرواية الصحيحة، انتهى.
"ومقابر مشركين" زاد في رواية: من الجاهلية، "فأمر بالقبور فنبشت" زاد في رواية وبالعظام فغيبت، "وبالخرب فسويت" بإزالة ما كان فيها، "وبالنخل فقطعت،" وجعلت عمدا للمسجد فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع ونبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، قال ابن بطال: لم أجد في نبش قبور المشركين لتتخذ مسجدا نصا عن أحد من العلماء، نعم اختلفوا هل تنبش لطلب المال، فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعي. وهذا الحديث حجة للجواز؛ لأن امشرك لا حرمة حيا ولا ميتا فيه جواز الصلاة في مقابر المشركين، بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها. قيل: وفيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة وفيه نظر، لاحتمال أن تكون مما لا يثمر.
واحتج من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة؛ لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار فساوهما واشترك معهما في المساومة عمهما الذي كانا في حجره، كما تقدم ذكره في فتح الباري في موضعين.
"ثم أمر باتخاذ اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النيء، "فاتخذ، وبني المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده" بفتح أوله وثانيه، ويجوز ضمهما "خشب" بفتحتين وبضم فسكون، "النخل" الذي كان في الحائط. وفي حديث أنس: قصفوا النخل قبلة المسجد. وظاهر هذا الحديث الصحيح أن بناءه باللبن وتسقيفه بالجريد من يومئذ. وروى ابن الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن أنس، قال: بنى ﷺ مسجده أول ما بناه بالجريد، وإنما بناه باللبن بعدстр. 690
وعمل فيه المسلمون وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبي ﷺ فقال له ﵇: "للناس أجر ولك أجران،..................................
الحواشي
(١) الهجرة بأربع سنين، فإن صح أمكن أن معنى أول ما بناه، سقفه وإنما بناه، أي: طينه ويؤيده ما أخرجه رزين عن جعفر بن محمد أنه بنى ولم يلطخ وجعلوا خشبه وسواريه جذوعا وظللوا بالجريد، فشكوا الحر فطينوه بالطين، فإن ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، ولا سيما وقد اتفق عليه أنس وابن عمر وعائشة وأبو سعيد وأحاديثهم في الصحيح.
وروى محمد بن الحسن المخزومي وغيره عن شهر بن حوشب: لما أراد ﷺ أن يبنى المسجد، قال: "ابنوا لي عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى، والأمر أعجل من ذلك". قيل: ما ظلة موسى؟ قال: "كان إذا قام أصاب رأسه السقف"، فلم يزال المسجد كذلك حتى قبض ﷺ ، وثمامات بضم المثلث جمع ثمام واحده ثمامة نبت ضعيف، وذكر في الأوج أن قامة موسى وعصاه ووثبته سبعة أذرع، فهو تشبيه تام؛ لأنه جعل ارتفاع سقف المسجد سبعة. وعلى ما ذكر ابن كثير: إن قامة موسى وعصاه ووثبته عشرة، فالتشبيه في أن السقف يصيب رأسه لا يقيد الطول ثم مرسل ابن حوشب هذا، لا معارضة فيه الخبر الصحيح أصلا؛ لأن ذلك لا يمنع أن جدرانه باللبن، كما هو ظاهر. ووقع عند ابن عائذ عن عطاف بن خالد أنه ﵇ صلى فيه وهو عريش اثني عشر يوما، ثم بناه وسقفه.
"وعمل فيه المسلمون" روى أبو يعلى رجال الصحيح عن عائشة والبيهقي عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قالا: لما بنى ﷺ مسجد المدينة وضع حجرا، ثم قال: "ليضع أبو بكر حجره إلى جنب حجري، ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر، ثم ليضع علي" فسئل عن ذلك، فقال: "هؤلاء الخلفاء من بعدي". وأخرج أحمد عن طلق بن علي، قال: بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ فكان يقول: "قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسيسا". وروى أحمد عنه أيضا: جئت إلى النبي ﷺ وأصحابه يبنون المسجد، وكأنه لم يعجبه عملهم فأخذت المسحاة فخلطت الطين، فكأنه أعجبه فقال: "دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين" وعند ابن حبان، فقلت: يا رسول الله أأنقل كما ينقولون؟ قال: "لا، ولكن أخلط لهم الطين، فأنت أعلم به".
"وكان" المسلمون يحملون لبنة لبنة، وكان "عمار بن ياسر ينقل لبنتين" كما في البخاري عن أبي سعيد وزاد معمر في جامعه عنه: "لبنة عنه ولبنة عن النبي ﷺ " وفي رواية الإسماعيلي وأبي نعيم، فقال ﷺ : "يا عمار، ألا تحمل كما يحمل أصحابك"؟، قال: إني أريد من الله الأجر. "فقال له ﵇" بعد مسح ونفض التراب عنه: "للناس أجر، ولك أجران"стр. 691
وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية".
وروينا أنه ﷺ كان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول وهو ينقل اللبن:
"هذا الحمال لا حمال......
الحواشي
(١) فيه جواز ارتكاب المشقة في عمل البر، وتوقير الرئيس والقيام عنه بما يتعاطاه من المصالح. "وآخر زادك من الدنيا شربة لبن" فكان كذلك، أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسن عن أبي سنان الدؤلي الصحابي، قال: رأيت عمار بن ياسر دعا غلاما له بشراب فأتاه بقدح من لبن فشرب منه، ثم قال: صدق الله ورسوله، اليوم ألقى الأحبة محمد، أو حزبه، إن رسول الله ﷺ ، قال: "إن آخر شيء تزوده من الدنيا صبحة لبن"، ثم قال: "والله لو هزمونا حتى بلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، يعني لقوله ﷺ : "وتقتلك الفئة الباغية" فقتل مع علي بصفين ودفن بها سنة سبع وثلاثين عن ثلاث أو أربع وتسعين سنة، تراجع
وروى البخاري في بعض نسخه ومسلم والترمذي وغيرهم مرفوعا: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"، أي: إلى سبب فيهما. واستشكل بأن معاوية كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار. وأجاب الحافظ، بما حاصله: إنهم ظنوا أنهم يدعونه إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم، وإن كان في نفس الأمر بخلاف ذلك فإن الإمم الواجب الطاعة إذ ذاك هو علي الذي كان عمار يدعوهم إليه كما أرشد له بقوله: "يدعوهم إلى الجنة" وبجعله قتلة عمار بغاة وقول ابن بطال تبعا للمهلب: إنما يصح هذا في الخوارج الذين بعث إليهم علي يدعوهم إلى الجماعة وهم إذ الخوارج إنما خرجوا على علي بعد عمار اتفاقا.
وأما الذين بعثه إليهم فإنما هم أهل الكوفة يستفزهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل، وكان فيهم من الصحابة جماعة كمن كان مع معاوية وأفضل فما فر منه المهلب، وقع في مثل مع زيادة إطلاقه عليهم الخوارج وحاشهم من ذلك. وفي الحديث فضيلة ظاهرة لعلي وعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه، انتهى ملخصا.
"وروينا" في صحيح البخاري في حديث عائشة الطويل "أنه ﷺ كان ينقل معهم اللبن" بفتح اللام وكسر الموحدة الطوب النيء "في بنائه" ولا يعارضه أن عمارا كان يحمل عنه؛ لأنه ﵇ ابتدأ في النقل ترغيبا لهم في العمل، "ويقول: وهو ينقل اللبن" هذا هو الصواب المروي عنه البخاري، فما في بعض النسخ السقيمة الأحمال تصحيف، "هذا الحمال لإحمال"стр. 692
..........خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة
قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا. انتهى.
وقد قيل: إن الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا.
الحواشي
(١) بالرفع ولا وجه لنصبه، قاله في النور. "خيبر هذا أبر" بموحدة وشد الراء يا "ربنا وأطهر" بمهملة، أي: أشد طهارة وهذا البيت لعبد الله بن رواحة، يقول: "اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة" بكسر الجيم وهذا البيت لابن رواحة أيضا، كما قال ابن بطال، وتبعه في الفتح وغيره. وبعضهم نسبة لامرأة من الأنصار. وفي حديث أنس عند الشيخين:
اللهم لا خير إلا خيرة الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجرة
وزعم الكرماني في كتاب الصلاة: أنه كان يقف على الآخرة والمهاجرة بالتاء ليخرجه عن الوزن، قال الحافظ: ولم يذكر مستنده والكلام الذي بعد هذا، يعني كلام الزهري، يرده، انتهى. بل فيه الوقف على متحرك وليس عربيا، فكيف ينسب إلى سيد الفصحاء، وزعم الداودي أن ابن رواحة: إنما قال لا هم ... إلخ، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وإنما يتزن هكذا، ورده الدماميني بأن توهيم للرواة بلا داعية فلا يمتنع أنه قاله بألف ولا على جهة الخزم بمعجمتين، وهو الزيادة على أول البيت حرفا فصاعدا إلى أربعة، وكذا على أول النصف الثاني حرفا أو اثنين على الصحيح، هذا لا نزاع فيه بين العروضيين، ولم يقل أحد بامتناعه، وإن لم يستحسنوه، وما قال أحد أن الخزم يقتضي إلغاء ما هو فيه على أن يعد شعرا، نعم الزيادة، لا يعتد بها في الوزن، ويكون ابتداء النظم ما بعدها فكذا ما نحن فيه، انتهى.
"قال ابن شهاب" محمد بن مسلم الزهري "ولم يبلغنا أنه ﷺ تمثل بشعر تام غير هذا" البيت، كما هو بقية قوله في البخاري ولأبي ذر غير هذه الأبيات، أي: البيتين المذكورين، وزاد ابن عائذ عن الزهري التي كان يرتجز بهن، وهو ينقل اللبن لبنيان المسجد، "انتهى" قول الزهري. قال الحافظ: ولا اعتراض عليه ولو ثبت أنه ﷺ أنشد غير ما نقله، لأنه نفى أن يكون بلغه ولم يطلق النفي، واستشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، ولذا قال ابن التين: أنكر هذا على الزهري؛ لأن العلماء اختلفوا هل أنشد ﷺ شعرا أم لا، وعلى الجواز هل ينشد بيتًا واحدًا أو يزيد، وقيل: البيت الواحد ليس بشعر، وفيه نظر.
"و" أجاب الحافظ وتبعه المصنف، بأنه "قد قيل: إن الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا" فالمفهوم من الآية الكريمة منع إنشائه لا إنشاده،стр. 693
وقوله: هذا الحمال: -بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم- أي المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أي: التي تحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفي رواية المستملي بالجيم.
وفي كتاب "تحقيق النصرة" قيل: وضع ﵇ رداءه فوضع الناس أوديتهم وهم يقولون:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلل
الحواشي
(١) قال ابن التين أيضا: وأنكر على الزهري من جهة أنه رجز لا شعر ولذا يقال لقائله: راجز وأنشد رجز الأشاعر وأنشد شعرا، وأجاب الحافظ بأن الجمهور على أن الرجز الموزون من الشعر، وقد قيل: أنه ﷺ كان لا يطلق القافية بل يقولها متحركة ولا يثبت ذلك، وسيأتي في الخندق من حديث سهل بلفظ: "فاغفر للمهاجرين والأنصار"، وهذا ليس بموزون، انتهى. وقال في المصابيح: لا نسلم أن هذا الحمال لإحمال البيت من الرجز، وإنما هو من مشطور السريع دخله الكشف والخبن، انتهى.
"وقوله: هذا الحمال، بكسر الحاء المهملة" وكذا في الإحمال. ولأبي ذر بفتحها فيهما ذكره المصنف، "وتخفيف الميم" وهو جمع، أي: هذا الحمل أو مصدر بمعنى المفعول، "أي:" هذا "المحمول من اللبن أبر عند الله" قال الحافظ: أي أبقر ذخرا وأكثر ثوابا وأدوم منفعة وأشد طهارة، "من حمال خيبر، أي: التي يحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك" وتفسيره بهذا مراد المتمثل به ﷺ . وقول القاموس، يعني تمر الجنة، وأنه لا ينفد مراد منشئ الشعر ان رواحة، "وفي رواية المستملي" أبي إسحاق إبراهيم البلخي المتوفى سنة ست وسبعين وثلاثمائة أحد رواة البخاري عن الفريري "بالجيم" المفتوحة على ما في بعض النسخ عنه كما في الفتح، ولذا قال في العيون: قيل: رواه المستملي بالجيم فيهما وله وجه، والأول أظهر. ونحوه في المطالع، أي: لأن وجه تخصيصها بالذكر كونها تأتي بما يحتاج إليه من تمر وزبيب ونحوهما.
"وفي كتاب تحقيق النصرة" للزين المراغي "قيل: وضع ﵇ رداءه فوضع الناس أرديتهم" أي: ما كان على عواتقهم. ففي رواية: وضعوا أرديتهم وأكسيتهم "وهم" يعملون و"يقولون لئن قعدنا والنبي يعمل ذاك إذا" التنوين عوض عن المضاف إليه، أي: ذاك إذا فعلناه "للعمل المضلل" صاحبه ففيه حذف وإيثال، والذي رواه الزبير بن بكار عن مجمع بن يزيد ومن طريق آخر عن أم سلمة، قال قائل من المسلمين في ذلك، قال في النور، ولا أعرفه:
لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضللстр. 694
وآخرون يقولون:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن التراب حائدا
وجعلت قبلته للقدس،............................................................................
الحواشي
(١) وهو كذلك في بعض نسخ المصنف. "وآخرون يقولون" ورواه ابن بكار عن أم سلمة بلفظ، وقال علي بن أبي طالب: "لا يستوي من يعمر المساجدا" بألف الإطلاق "يدأب" يجد في عمله، "فيها قائما وقاعدا، ومن يرى عن التراب حائدا" أي: مائلا، قال ابن هشام: سألت غير واحد من علماء الشعر عن هذا الرجز، فقالوا: بلغنا أن عليا ارتجز به فلا يدري أهو قائله أم غيره، قال: وإنما قال علي ذلك مباسطة ومطايبة كما هو عادة الجماعة إذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنا، انتهى.
وعند البيهقي عن الحسن: لما بنى ﷺ المسجد أعانه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، وكان عثمان بن مظعون رجلا متنطعا بميم مضمومة ففوقية فنون مفتوحتين فطاء مكسورة فعين مهملتين: من تنطع إذا تغالى وتأتق، وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه شيء من التراب نفضة، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشد يقول: لا يستوي ... إلخ، فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها ولا يدري من يعني بها، فمر بعثمان، فقال: يابن سمية، لأعرفن بمن تعرض ومعه حديدة، فقال: لتكفن أن لأعترضن بها وجهك، فسمعه ﷺ فغضب، ثم قالوا لعمار: أنه قد غضب فيك، وناف أن ينزل فينا قرآن، فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله! ما لي ولأصحابك؟ قال: "ما لك ولهم" قال: يريدون قتلى يحملون لبنة ولبنة، ويحملون علي لبنتين، فأخذ ﷺ بيده وطاف به المسجد وجعل يمسح وفرته، ويقول: "يابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية" وقوله: يحملون ... إلخ، استعطاف ومباسطة ليزول الغضب، وإنما كان يحمل عن المصطفى إرادة للأجر، كما مر. وفي هذه الأحاديث جواز قول الشعر وأنواعه خصوصا الرجز في الحرب، وفي التعاون على سائر الأعمال الشاقة لما فيه من تحريك الهمم وتشجيع النفوس وتحريكها على معالجة الأمور الصعبة.
"وجعلت قبلته القدس" كما رواه النجار وغيره ووقع في الشفاء، رواه الزبير بن بكار عن نافع بن جبير وداود بن قيس وابن شهاب مرسلا رفعت له الكعبة حين بنى مسجده. وفي الروض روي عن الشفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قال: كان ﷺ حين بنى المسجد يؤمه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة، انتهى.стр. 695
وجعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخرة، وباب يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه.
وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع،............................
الحواشي
(١) وأخرج الطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان الأنصارية ﵂ وإسماعيل الأزدي عن رجل من الأنصار والغرافي بغين معجمة وفاء من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر أنه ﷺ أقام رهطا على زاوية المسجد ليعدل القبلة فأتاه جبريل، فقال: ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، لا يحول دون بصره شيء، فلما فرغ قال جبريل بيده هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت القبلة على الميزاب، واستشكل بأنه ﷺ لما هاجر كان يستقبل القدس واستمر بعد الهجرة مدة كما يأتي، ولذا قال التجاني في شرح الشفاء أن ما فيها غريب والمعروف أن جبريل أعلمه بحقيقة القبلة وأراه سمتها لا أنه رفع له الكعبة حتى رآها، ولذا جاءت الآثار من غير تقييد. وقال أبو الوليد ابن رشدي في شرح قول مالك في العتيبة: سمعن أن جبريل هو الذي أقام لرسول الله ﷺ قبلة مسجد المدينة، يعني أراه سمتها وبين لها جهتها، والصواب أن ذلك كان حين حولت القبلة لا حين بناء مسجده، وكون جبريل أراه سمتها لا يقتضي رفعها، انتهى.
وأجيب: بأنه لا مانع من أن يسأل جبريل أن يريه سمتها حتى إذا وقع استقبالها لم يتردد فيه، ولا يتحير. وفي الإصابة: خطر لي في جوابه أنه أطلق الكعبة وأراد القبلة أو الكعبة على الحقيقة، فإذا بين له جهتها كان إذا استدبرها استقبل بيت المقدس وتكون النكتة فيه أنه سيحول إلى الكعبة فلا يحتاج إلى تقويم آخر، قال: ويرجح الاحتمال الأول، رواية محمد بن الحسن المخزومي بلفظ تراءى له جبريل حتى أم له القبلة، انتهى. وأكثر الناس اأجوبة عن ذلك بما فيه نزاع، وهذا أحسنها.
"وجعل له ثلاث أبواب في مؤخره" وهو المعروف بباب أبي بكر "وباب يقال له باب الرحمة،" وكان يقال له باب عاتكة، "والباب الذي يدخل منه" وهو المعروف بباب آل عثمان، ولما حولت القبلة سد ﷺ الباب الذي كان في مؤخره وفتح بابا حذاءه، ولم يبق من الأبواب إلا باب عثمان المعروف بباب جبريل، ذكره ابن النجار.
"وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع" كما رواه يحيى بن الحسن عن زيد بن حارثة، ورواه رزين عن محمد الباقر، روى ابن النجار وغيره عن خارجة بن ثابت، قال: بنى رسول الله ﷺ مسجده مربعا وجعل قبلته إلى بيت المقدس وطوله سبعون ذراعا في ستينстр. 696
وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه.
وجعلوا أساسه قريبا من ثلاثة أذرع،..............................................
الحواشي
(١) ذراعا، فيحتمل أنه كان كذلك ثم زاد فيه فبلغ المائة، ويؤيده قول أهل السير: بنى ﷺ حين قدم المدينة أقل من مائة في مائة ثم بناه، وزدا فيه: "وفي الجانبين" أي: العرض "مثل ذلك" كما في خبر محمد الباقر وزيد بن حارثة فكان مربعا "أو دونه" إشارة للقول بأن عرضه كان أقل من مائة حكاه غير واحد، "وجعلوا أساسه" أي: طرفه الثابت عن الأرض، "قريبا من ثلاثة أذرع" بالحجارة ولم يسطح فشكوا الحر فجعل خشبه وسواريه جذوعا وظللوه بالجريد ثم بالجص، فلما وكف عليهم طينوه بالطين وجعلوا وسطه رحبة وكان جداره قبل أن يسقف قامة وشيئا، رواه رزين عن جعفر بن محمد. وذكر البلاذري ورواه يحيى بن الحسن عن النوار أم زيد بن ثابت: أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم النبي ﷺ يصلي بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل، قالت: فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ لما قدم صلى بهم في ذلك المسجد وبناه هو فهو مسجده، فإن صح فكأنه هدم بناء أسعد وزاد فيه أو زاد بدون هدم لضيقه عن المسلمين أو نحو ذلك، وإلا فما في الصحيح أصح من أنه اشترى المربد وبناه، كما قالت عائشة، وقال: "يا بني النجار ثامنوني بحائطكم"، رواه أنس هذا وفي البخاري, وأبي داود عن ابن عمر: أن المسجد كان على عهده ﷺ مبنيا اللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهده ﷺ وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده جارة منقوشة وسقفه بالساج، قال ابن بطال وغيره: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة بيت المال عنده لم يغيره عما كان عليه وإنما احتاج إلى تجديد؛ لأن جريد النخل قد نخر في أيامه فكلم العباس في بيع داره ليزيدها فيه فوهبها العباس لله وللمسلمين فزادها عمر في المسجد، ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر عليه بعض الصحابة.
وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت العلماء عن إنكار ذلك خوف الفتنة، ورخص فيه بعضهم وهو قول أبي حنيفة إذا وقع تعظيما للمساجد ولم يصرف عليه من بيت المال، وقال ابن المنير لما شيد الناس بيوتهم، وزخرفوها، ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وتعقب بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف في ترك الرفاهية، فهو كما قال: وإن كان لخشية شغل بال المصلي للزخرفة، فلا لبقاء العلة.стр. 697
وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد، وجعل سودة بن زمعة في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي آل عثمان.
الحواشي
(١) "وبنى بيوتا" أي: بيتين فقط، كما صرح به غير واحد، "إلى جنبه" أي: المسجد، "باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد،" ويفيد أنهما بيتان، قوله: "فلما فرغ من البناء" للمسجد "بنى لعائشة" لأنها كانت زوجه وإن تأخر دخوله بها "في البيت الذي يليه شارعا إلى المسجد" وكان باب عائشة مواجه الشام بمصراع واد من عرعر أو ساج، ذكره ابن زيالة عن محمد بن هلال "وجعل سودة بنت زمعة" بفتح الزاي وسكون الميم عند المحدثين وصدر به المجد، فقول المصباح: لم أظفر بالسكون في كتب اللغة قصور "في البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلي" باب "آل عثمان" ثم بنى ﵇ بقية الحجرات عند الحاجة إليها، قال الواقدي: كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله، فكلما أحدث ﷺ أهلا نزل له حارثة عن منزل، أي: محل حجرة حتى صارت منازله كلها له ﵇، قال أهل السير: ضرب الحجرات ما بين عائشة وبين القبلة والشرق إلى المسجد، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة من المسجد.
قال ابن الجوزي: كانت لها في الشق الأيسر إلى وجه الأمام المنبر إلى جهة الشام، وعن عطاء الخراساني ومحمد بن هلال: أدركنا حجر الزوجات من جريد على أبوابها مسوح من شعر أسود. وروى البخاري في الأدب عن داود بن قيس: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر، وأظن أن عرض البيت من باب الحجرة إلى البيت نحوا من ستة أو سبعة أذرع، ومن داخل عشرة أذرع، وأظن السمك ما بين الثمان والسبع. وعند ابن سعد: وعلى أبوابها المسوح السود من الشعر. وكتب الويد بن عبد الملك بإدخالها في المسجد، فهدمت، فقال ابن المسيب: ليتها تركت ليراها من يأتي بعد فيزهد الناس في التكاثر والتفاخر. وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: ليتها تركت ليرى الناس ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده. قال ابن سعد: أوصت سودة ببيتها لعائشة وباع أولياء صفية بيتها من معاوية بمائة ألف، وقيل: بثمانين ألفا، وتركت حفصة بيتها فورثه ابن عمر، فلم يأخذ له ثمنا، وأدخل المسجد.
قال ابن النجار: وبيت فاطمة اليوم جوف المقصورة وفيه محراب وهو خلف حجرة النبي ﷺ .
وقال السمهودي: المقصورة اليوم دائرة على بيت فاطمة وعلى حجرة عائشة من جهةстр. 698
ثم تحول ﵇ من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها.
وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرد عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه.
وكان في المسجد موضع مظلل، تأوي إليه المساكين، يسمى الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة،.......................
الحواشي
(١) الزوراء، وبينهما موضع يحترمه الناس ولا يدوسونه بأرجلهم، ويذكر أنه قبر فاطمة على أحد الأقوال.
"ثم تحول ﵇ من دار أبي أيوب إلى مساكنه التي بناها، وكان قد أرسل زيد بن حارثة" كما رواه الطبراني عن عائشة، قالت: لما هاجر ﷺ وأبو بكر خلفنا بمكة، فلما استقر بالمدينة بعث زيد بن حارثة، "وأبا رافع مولاه إلى مكة" قال: وبعث أبو بكر عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع، "فقدما بفاطمة وأم كلثوم" وأما رقية فسبقت مع زوجها عثمان وزينب أخرت عند زوجها أبي العاصي بن الربيع حتى أسر ببدر، فلما من عليه أرسلها إلى المدينة، "وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن" وولدها أيمن، كما في رواية الطبراني. "وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبيه" ومنهم عائشة، كما علم؛ لأنه إنما بنى بها بعد. قالت عائشة: واصطحبنا حتى قدمنا المدينة فنزلنا في عيال أبي بكر ونزل آل النبي ﷺ عنده وهو يومئذ يبني مسجده وبيوته، فأدخل سودة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، رواه الطبراني.
"وكان في المسجد موضع مظلل يأوي إليه المساكين، يسمى الصفة" بضم الصاد وشد الفاء، قال عياض: وإليها نسبوا على أشهر الأقاويل، وقال الذهبي: كانت القبلة قبل أن تحول في شمال المسجد، فلما حولت بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصفة. وقال الحافظ: الصفة مكان في مؤخر المسجد مظلل أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم، أو يموت، أو يسافر. وفي الحلية من مرسل الحسن: بنيت صفة في المسجد لضعفاء المسلمين. "وكان أهله يسمون أهل الصفة" قال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة الفقراء. وقال أبو هريرة: أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل، ولا مال، ولا على أحد إذا أتته ﷺ صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، رواهما البخاري.стр. 699
وكان ﵇ يدعوهم بالليل، فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه ﵇.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.
وهذا يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم في غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة.
الحواشي
(١) "وكان ﵇ يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه" لاحتياجهم وعدم ما يكفيهم عنده، "وتتعشى طائفة منهم معه ﵇" مواساة وتكرما منه وتواضعا لربه، وفي حديث: أن فاطمة طلبت منه، فقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم" , "وفي البخاري من حديث أبي هريرة: لقد" وفي رواية بحذف لقد، "رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء" بكسر الراء: ما يستر أعالي البدن فقط، لشدة فقرهم لا يزيد الواحد منهم على ساتر عورته، كما أفاده بقوله: "إما إزار" فقط "وإما كساء" على الهيئة المشروحة، بقول: "قد ربطوا" الأكسية فحذف المفعول للعلم به، "في أعناقهم" لعدم تيسر عورتهم، وجمع؛ لأن المراد بالرجل الجنس، "فمنها" أي: الأكسية، قال المصنف: والجمع باعتبار أن الكساء جنس "ما يبلغ نصف الساق" وفي نسخة: آخر الساق، والذي في البخاري: نصف الساقين بالتثنية، وهو أنسب بقوله: "ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه" الواحد منهم "بيده كراهية أن ترى عورته" لأنه لا يستمسك بنفسه وربطه على تلك الهيئة إنما يمنع سقوطه لا ظهور العورة.
قال الحافظ: وزاد الإسماعيلي أن ذلك في حال كونهم في الصلاة، ومحصله أنه لم يكن لأحد منهم ثوبان، انتهى. وفي شرح المصنف: الأصيلي بدل الإسماعيلي، وهو سبق قلم.
"وهذا" أي: قوله من أصحاب الصفة، "يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين" لأن من للتبعيض على المتبادر. وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن سيرين، قال: كان أهل الصفة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة فأما سعد بن عبادة فكان ينطلق بثمانين. "وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم" النبي ﷺ "في غزوة بئر معونة" سنة ثلاث من الهجرة بعد أحد، "وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة" لأنه كان عام خيبر سنة سبع، وذكر المصنف قصتهم في المغازي، فذكرстр. 700
وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي والسلمي، والحاكم وأبو نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشته، قال في فتح الباري.
وكان ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد قائما، فقال: $"إن القيام قد شق علي، فصنع له المنبر".
الحواشي
(١) ههنا تكثير للسواد، "وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابي،" الإمام الحافظ الزاهد أبو سعيد، أحمد بن محمد بن زياد البصري الورع الثقة الثبت العابد الرباني كبير القدر صاحب التصانيف، سمع أبا داود وخلقا عمل لهم معجما، وعنه ابن منده وغيره، ولد سنة ست وأربعين ومائتين، ومات سنة أربع وثلاثمائة.
"والسلمي" في كتاب تاريخ أهل الصفة بضم السين نسبة لجد له اسمه سليم، هو الإمام الزاهد محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري، أبو عبد الرحمن الرحال سمع الأصم وغيره، وعنه الحاكم والقشيري والبيهقي، وحدث أكثر من أربعين سنة، وكان وافر الجلالة، وصنف نحو مائة، وقيل: نحو ألف، وفي اللسان كأصله ليس بعمدة ونسبه البيهقي للوهم، وقال القطان: كان يضع الصوفية الأحاديث، وخالفه الخطيب، وقال: إنه ثقة صاحب علم، وحال قال السبكي: وهو الصحيح، ولا عبرة بالطعن فيه، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
"والحاكم" في الإكليل، "وأبو نعيم" في الحلية فزادوا عنده على مائة، "وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة" لا يسعها هذا المختصر.
"قال في فتح الباري:" وقال ابن تيمية: جملة من أوى إلى الصفة مع تفرقهم، قيل: أربعمائة، وقيل أكثر. "وكان ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع" بمعجمة واحدة: الجذوع وهو ساق النخلة، قيل: ولا يسمى جذعا إلا بعد يبسه، وقيل: يسمى أخضر أو يابسا بعد قطعه. "في المسجد قائما، فقال: "إن القيام قد شق علي"، فصنع له المنبر" من إثل الغابة، كما في الصحيحين عن سهل بن سعد بفتح الهمزة وسكون المثلثة: شجر كالطرفاء لا شوك له وخشبه جيد يعمل منه القصاع والأواني، والغابة بمعجمة وموحدة موضع بالعوالي، واختلف في اسم صانعه، فروى قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف عن سهل: أنه ميمون. قال الحافظ وغيره: وهو الأصح الأشهر والأقرب، وهو مولى امرأة من الأنصار، كما في الصحيح. وقيل: إنه مولى سعد بن عبادة، فكأنه في الأصل مولى امرأته، ونسب إلى سعد مجازا واسم امرأته فكيهه بنت عمه عبيد بن دليم أسلمت وبايعت، لكن عند ابن راهويه أنه مولى لبني بياضة.стр. 701
وكان عمه وحنين الجذع في السنة الثامنة -بالميم- من الهجرة، وبه جزم ابن النجار.........................................................
الحواشي
(١) وقول جعفر المستغفري، اسمها علاثة بمهملة ومثلثة تصحيف، كما قاله أبو موسى المديني. وعند الطبراني في الأوسط: اسمها عائشة، وإسناده ضعيف. وروى أبو نعيم: أن صانعه باقوم بموحدة فألف فقاف فواو فميم، الرومي مولى سعيد بن العاصي، أو باقوم بلام آخره، وهي رواية عبد الرزاق أو صباح بضم المهملة وخفة الموحدة، أو قبيصة المخزومي، أو مينا بكسر الميم، أو صالح مولى العباس، أو إبراهين، أو كلاب وهو أيضا مولى العباس، أو تميم الداري. روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن تميما الداري قال لرسول الله ﷺ ، لما كثر لحمه: "ألا تتخذ لك منبرا يحمل عظامك؟ " قال: "بلى"، فاتخذ له منبرا ... الحديث، قال في الفتح: وليس في جميع الروايات التي سمي فيه النجار شيء قوي السند، إلا حديث ابن عمر فإن إسناده جيد، لكن لا تصريح فيه بأن صانعه تميم، بل بين ابن سعد في روايته من حديث أبي هريرة أن تميما لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب القول بأنه ميمون، لكونه من طريق سهل بن سعد. وأما الأقوال الأخرة فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة.
وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات السابقة لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، يقال له ميمون، إلا أن حمل على المراد بالواحد في صناعته والبقية أعوانه، فيمكن. وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات، وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمل إليه المنبر، فأمر بقلعه فقلع، فأظلمت المدينة وانكسفت الشمس، حتى رأوا النجوم، فخرج مروان فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارا فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق، واستمر على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، فجدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيد شيخ منبرا فبقي إلى سنة سبع وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهر خشقدم منبرا.
"وكان عمله" أي: المنبر النبوي "وحنين الجذع في السنة الثامنة، بالميم" والنون احترازا من الثانية بنون وياء، "من الهجرة" حكاه ابن سعد، "وبه جزم ابن النجار" الحافظ الإمام البارع المؤرخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي الثقة الدينстр. 702
وعورض: بما في حديث الإفك في الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان -الأوس والخزرج- حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا.
وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة: وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع.
وعن بعض أهل السير: أنه ﵇ كان............................................................
الحواشي
(١) الورع الفهم، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي وطبقته وله ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف، ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "وعورض بما في حديث الإفك في الصحيحين" لما رقى ﷺ المبر، وقال: "يا معشر المسلمين!! من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي -يعني عبد الله بن أبي- والله ما علمت على أهلي إلا خيرا" فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير فقال لابن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه.
"قالت عائشة: فثار الحيان الأوس والخزرج" بمثلثة، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب، "حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفضهم" بالتشديد، أي: تلفط بهم "حتى سكتوا" وتركوا المخاصمة وسكت ﵇. وقصة الإفك كانت في سنة خمس، كما في مغازي ابن عقبة، ونقل البخاري عنه سنة أربع وهم كما قاله الحافظ وغيره، وقال ابن إسحاق: سنة ست فعلى كل لا يصح كون عمله في الثامنة، قال الحافظ: فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، ألا فهو أصح مما مضى، انتهى.
يعني القول بأنه سنة ثمان، وبأنه سنة سبع، ولولا ذكر تميم فيه لأمكن الجواب باحتمال أن المنبر الذي رقاه في قصة الإفك الجذع الذي كان يخطب عليه؛ ذ المنبر كما في الصحاح وغيره: كل ما ارتفع. وأما جواب شيخنا البابلي باحتمال أنه منبر آخر غير هذا، فيرده قول ابن سعد: إن هذا أول منبر عمل في الإسلام.
"وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة" بسين فألف فموحدة، "وعورض بذكر العباس" بن عبد المطلب "وتميم" الداري "فيه، وكان قدوم العباس" المدينة "بعد الفتح" لمكة "في آخر سنة ثمان وقدوم تميم سنة تسع" بفوقية فسين، "وعن بعض أهل السير أنه ﵇ كانстр. 703
يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب. وعورض. بأن الحديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات.
الحواشي
(١) يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب" ولو صح لأمكن الجواب منه وسقط الإشكال، "و" لكن "عورض بأن الحديث الصحيحة" المروية في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق، "أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب" قبل اتخاذه المنبر الذي من خشب "وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات،" وهو الرابع.стр. 704
" ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ":
الحواشي
(١) ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
وكانت كما قال ابن عبد البر وغيره: مرتين، الأولى بمكة قبل الهجرة بين المهاجرين بعضهم بعضا على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر وطلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن، رواه الحاكم. وفي رواية له: بين الزبير وبين ابن مسعود، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وهكذا بين كل اثنين منهم إلى أن بقي علي، فقال: آخيت بين أصحابك، فمن أخي؟ قال: "أنا أخوك". وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبي ﷺ لعلي، وقد روى الترمذي وحسنه الحاكم وصححه عن ابن عمر: أنه ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن أكون أخاك"؟ قال: بلى، قال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، وأنكر ابن تيمية هذه المؤاخاة بين المهاجرين خصوصا بين المصطفى وعلي، وزعم أن ذلك من الأكاذيب وأنه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، قال: لأنها شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا لمؤاخاة المهاجرين، ورده الحافظ بأنه رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة مؤاخاته لعلي؛ لأنه هو الذي يقوم به من الصبا قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد لأن زيدا مولاهم فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين.
وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيدا، قال: إن بنت حمزة ابنة أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن ابن عباس: آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين، وأخرجه الضياء في المختارة، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوىстр. 705
ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون،...................................
الحواشي
(١) من أحاديث المستدرك، انتهى.
والثانية هي التي ذكرها المصنف، فقال: "ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر" كما قال أبو عمر، وقيل: بثمانية، وقيل: بسبعة، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر قبل بدر، وقيل: والمسجد يبنى، وقيل: قبل بنائه، "آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار" قال السهيلي: ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم أخوة، وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] يعني: في التوادد وشمول الدعوة، انتهى. وقال العز بن عبد السلام: الأخوة حقيقية ومجازية، فالحقيقية المشابهة، يقال: هذا أخو هذا؛ لأنه شابهه في خروجه من البطن الذي خرج منه ومن الظهر أيضا، وآثارها المعاضدة والمناصرة، فتستعمل في هذه الآثار من التعبير بالسبب عن المسبب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] هو خبر معناه الأمر، أي، لينصر بعضهم بعضا، وقوله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن" خبر أيضا، بمعنى الأمر، ولما انقسمت الحقيقية إلى أعلى المراتب كالشقيق وإلى ما دون ذلك، كالأخ للأب أو للأم كانت المجازية كذلك، فالأخوة الناشئة عن الإسلام هي الدنيا من المجازية، ثم إنها كملت بالأخوة التي سنها ﷺ بمؤاخاته بين جماعة من أصحابه ومعناها أنه أمر ندب أن يعين كل واحد أخاه على المعروف ويعاضده وينصره، فصار المسلمان في هذه الأخوة الثانية في أعلى مراتب الأخوة المجازية كالشقيقين في الحقيقة، فإن قيل هذه الأخوة مستفادة من أصل الإسلام، فإنه يقتضي المعاونة على كل أمر جوابه، أن الأمر الثاني مؤكد لا منشئ لأم آخر؛ لأنه لا يستوي من وعدته بالمعروف من المسلمين ومن لم تعده، فإن الموعود قد وجد في حقه سببان الإسلام والمواعدة وهذه الأخوة هي التزام ومواعدة، ولا شك أن طلب الشارع للوفاء بالخير الموعود به أعلى رتبة من طلب الخير الذي لم يعد به، فقد تحقق طلب لم يكن ثابتا بأصل الإسلام وفيها فائدة أخرى، وهي أن هذه العزم المتجدد من هذا الوعد يترتب عليه من الثواب على عدد معلوماته لقوله ﷺ : "ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة"، ولا شك أن هذا ثواب عظيم، وكذلك كل من وعد بخير فإنه يثاب على عزمه ووعده ما لا يثاب على العزم المتلقى عن أصل الإسلام، انتهى.
"وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة خمسة وأربعون" كما ذكره ابن سعد بأسانيد الواقدي، قائلا: وقيل مائة من كل طائفة خمسون. وروى ابن إسحاق: أنه ﷺ قال لهم: "تآخوا في اللهследующие страницы →