Полный текст (5 943 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
سرية سعد بن ملك
...
"سرية سعد بن مالك":
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار -بخاء معجمة وراءين مهملتين، وهو واد يصب في الجحفة...................................
الحواشي
(١) سرية سعد بن مالك:
"ثم سرية سعد بن أبي وقاص" واسمه مالك الزهري آخر العشرة موتا من السابقين الأولين المختص بكثرة جمع المصطفى له أبويه يوم أحد حيث كرر له: "ارم فداك أبي وأمي"، ﵁. "إلى الخرار بخفاء معجمة" مفتوحة "وراءين مهملتين" الأولى ثقيلة، كما ذكره الصغاني في خزر المجد في فصل الخاء من باب الراء وهو الذي في النور في نسخة صحيحة مقروءة على ابن مصنفها، فما في نسخة محرفة منه ومن سيرة الشامي وتشديد الزاي الأولى لا يلتفت إليه، ولعلها كانت همزة عقب الألف فصحفت ياء فظنت زايا من تحريف النساخ. "وهو" كما في سيرة مغلطاي "واد في الحجاز يصب في الجحفة" وفي ذيل الصغاني: موضع قريب الجحفة.стр. 737
وكان ذلك في القعدة، على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، في عشرين رجلا، يعترض عيرا لقريش، فخرجوا على أقدامهم، فصبحوها صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
الحواشي
(١) وفي القاموس: عين قرب الجحفة. "وكان ذلك في القعدة" بكسر القاف وفتحها، "على رأس تسعة أشهر" عند ابن سعد وشيخه الواقدي، وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية، وتبعه أبو عمر، فقال: بعد بدر. "وعقد له لواء أبيض حمله المقداد" بكسر الميم وسكون القاف ودالين مهملتين،"ابن عمرو" بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه، "في عشرين رجلا" من المهاجرين، وقيل: ثمانية، "يعترض عيرا" إبلا تحمل الطعام وغيره من التجارات، ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك، كما في النور. وكانت "لقريش فخرجوا على أقدامهم فصبحوها" أي: الخرار، وأنت لأنها اسم عين وهي مؤنثة، "صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس،" فرجعوا ولم يلقوا كيدا، والله أعلم.стр. 738
" أول المغازي: ودان ":
ثم غزوة ودان، وهي الأبوء وهي أول مغازيه، كما ذكره ابن إسحاق وغيره.
الحواشي
(١) أول المغازي ودان:
قال الزهري: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: كنا نعلم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلم السور من القرآن، رواهما الخطيب وابن عساكر. وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.
"ثم غزوة ودان" بفتح الواو وشد المهملة فألف فنون قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع، وقيل: واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة. "وهي" أي: غزوة ودان، "الأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد: قرية من عمل الفرع بينها وبين لجحفة من جهة المدينة وثلاثة وعشرون ميلا. قيل: سميت بذلك لما فيها من الوباء، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء، والصحيح كما قال قاسم بن ثابت: إنها سميت بذلك لتبوء السيول بها، ومراد المصنف أن منهم من أضافها لودان وبعضهم للأبواء لتقاربهما، فليس ضمير هي راجعة لودان، لاقتضائه أنه مكان واحد له اسمان، وهو خلاف الواقع كما يأتي. "وهي" أي: غزوة ودان، "أول مغازيه" ﷺ "كما ذكره ابن إسحاق وغيره،" وآخرها تبوك، ولا يرجع ضمير هي للأبواء وإن كانстр. 739
وفي صحيح البخاري عنه: أوله الأبواء.
خرج ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة، يريد قريشا، في ستين رجلا وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب. فكانت الموادعة -أي المصالحة- على أن بني ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا.
واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
وليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق وبين ما نقله عنه البخاري اختلاف، لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية.
الحواشي
(١) أقرب مذكور؛ لأنه لا يتخيل تناف حتى يحتاج للجواب الآتي.
"وفي صحيح البخاري عنه" أي: ابن إسحاق تعليقا: "أولها" أي: المغازي "الأبواء" ثم بواط ثم العشيرة، ولا تنافي كما يأتي، "خرج ﷺ في صفر" لاثنتي عشرة مضت منه، كما عند بعض الرواة عن ابن إسحاق، "على رأس" أي: عند أول "اثني عشر شهرا" ففي المصباح: رأس الشهر: أوله، "من مقدمه المدينة يريد قريشا" زاد ابن إسحاق: وبني ضمرة، فكأنه قصره على قريش؛ لأنهم المقصودون بالذات والمراد غيرهم، "في ستين رجلا" من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، "وحمل اللواء" قال أبو عمر: كان أبيض، "حمزة بن عبد المطلب" سيد الشهداء "فكانت الموادعة" أي: فكان الأثر المترتب على خروجه الموادعة "أي: المصالحة" مع بني ضمرة ولم يدرك العير التي أراد "على أن بني ضمرة" بفتح المعجمة وإسكان الميم: ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة "لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا" وإنه إذا دعاهم لنصر أجابوه، قال ابن إسحاق وابن سعد وأبو عمر: عقد ذلك معه سيدهم مخشي ابن عمرو الضمري.
وقال ابن الكلبي وابن حزم: عمارة بن مخشي بن خويلد، ومخشي بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة كياء النسبة، قال البرهان: لا أعلم له إسلاما. وقال الشامي: لم أر من ذكر له إسلاما، وكتب بينهم بذلك كتابا، كما قال السهيلي، وسيذكره المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن هشام وابن سعد وابن عبد البر: وغاب عنها خمسة عشر يوما ثم رجع ولم يلق كيدا. "و" أفاد في فت الباري أنه "ليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق" من أن أول غزواته ودان "وبين ما نقله عنه البخاري" أن أولها الأبواء "اختلاف؛ لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال" وبه جزم اليعمري، "أو ثمانية" كما قال غيره، زاد في الفتح: ولهذا وقع في حديث الصعب بن جثامة وهو بالأبواء أبو بودان، كما مر في الحج. وفي مغازي الأموي: حدثني أبي عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج النبي ﷺ غازيا بنفسه حتى انتهى إلى ودان وهي الأبواء. وعند ابن عائذ عن ابن عباس أن النبي ﷺ وصل إلى الأبواء، انتهى. فكما وقع في العيون أنه سار حتى بلغ ودان وقع في غيره أنه سار حتى بلغ الأبواء.
وروى البخاري في التاريخ الصغير والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، قال: أول غزوة غزوناها مع النبي ﷺ الأبواء.стр. 740
غزوو بواط:
ثم غزوة بواط -بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره مهملة- غزاها ﷺ في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوى -بفتح الراء وسكون المعجمة، مقصور- في مائتين من أصحابه،.....................................................................
الحواشي
(١) ثم غزوة بواط:
"بفتح الموحدة" عند الأصيلي والمستملي من رواة البخاري والعذري من رواة مسلم، وصدر به في الفتح فتبعه السيوطي والمصنف هنا، قائلين: "وقد تضم" صريح في قلته مع أنه الأعرف، كما قاله في المطالع، واقتصر عليه في المقدمة، والمصنف في الشرح، وصاحب القاموس. "وتخفيف الواو" فألف "وآخره" طاء "مهملة" جبل من جبال جهينة بقرب ينبع لعلى أرعة برد من المدينة. وقال السهيلي: بواط جبلان فرعان لأصل واحد، أحدهما جلسي والآخر غوري.
وفي الجلسي بنو دينار ينسبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مروان "غزاها ﷺ في شهر ربيع الأول" قاله ابن إسحاق، وقال أبو عمر وتلميذه ابن حزم في ربيع الآخر "على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوي بفتح الراء وسكون" الضاد "المعجمة مقصور" جبل بالمدينة والنسبة إليه رضوي، قاله الجوهري. وفي السبل: على أربعة برد من الميدنة وبه يفسر قول المجد على أبراد. وفي خلاصة الوفاء: رضوى كسكرى جبل على يوم من ينبغ وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية وبه مياه وأشجار، هذا هو المعروف ومنه يقطع أحجار المنارة، قيل: هو أول تهامة، انتهى. وهو مباين لكلام أولئك بكثير، ويذكر أن رضوى من الجبال التي بني منها البيت، أنه من جبال الجنة.
وفي حديث رضوي ﵁: وقدس وتزعم الكيسانية أن محمدا ابن الحنفية مقيم به حي يرزق. "في مائتين من أصحابه" المهاجرين وحمل لواءه وكان أبيض سعد بن أبي وقاص، كما في الشامية وغيرها. وفي العيون: سعد بن معاذ، فيما ذكر ابن سعد. وتقدم مناقضة البرهانстр. 741
يعترض عيرا لقريش فيهم أمية بن خلف الجمحي.
واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون.
فرجع ولم يلق كيدا، أي حربا، قال ابن الأثير: والكيد الاحتيال والاجتهاد، وبه سميت الحرب كيدا.
ثم غزوة العشيرة -بالشين المعجمة، والتصغير، آخره هاء. لم يختلف أهل المغازي في ذلك، وفي البخاري..........................................................
الحواشي
(١) له وتأويله ولكن الأقرب أنه ابن أبي واقاص، للتصريح بأن الذين خرجوا من المهاجرين، نعم قيل إنه استخلف ابن معاذ على المدينة، قال شيخنا: فعله التباس للاستخلاف بالحمل.
"يعترض عيرا" لتجار قريش عدتها ألفان وخمسمائة بعير، قاله ابن سعد وشيخه الواقدي. "فيهم أمية بن خلف الجمحي" ومائة رجل من قريش، "واستعمل على المدينة" فيما قال ابن هشام وابن عبد البر ومغلطاي، "السائب بن عثمان بن مظعون" الجمحي أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة وشهد بدرا في قول الجميع إلا ابن الكلبي، فقال: الذي شهدها عمه، ووهمه ابن سعد لمخالفته جميع أهل السير، واستشهد يوم اليمامة. وفي نسخة من سيرة ابن هشام، كما في الفتح: استخلف السائب بن مظعون وجرى عليه السهيلي. انتهى. وهو أخو عثمان شهد بدرا عند ابن إسحاق ولم يذكره موسى بن عقبة فيهم، وربما علم من أنهما نسختان عن ابن هشام سقط انتقد البرهان وتبعه الشامي على السهيلي بأن الذي في الهشامية السائب ابن الأخ لا عمه.
وقال الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ. "فرجع" ﵇ "ولم يلق كيدا، أي: حربا، قال ابن الأثير" في النهاية أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم بن محمد الشيباني الجزري العالم النبيل أحد الفضلاء صاحب التصانيف الشهيرة، ولد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ومات بالموصل يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وستمائة، "والكيد الاحتيال والاجتهاد وبه سميت الحرب كيدا" مجازا لاقترانها بالاشتهار فيه. وذكر القاموس من معاني الكيد الحرب، فمقتضاه اشتراكه فيه وفي غيره وضعا. وجمع شيخنا بأن القاموس أراد التنبيه على المعاني التي يصدق عليها الكيد أعم من أن يكون حققة أو مجازا، والله أعلم.
ثم غزوة العشيرة:
بالعين المهملة المضمومة "بالشين المعجمة والتصغير آخره هاء" قال السهيلي: واحدة العشيرة مصغر، "لم يختلف أهل المغازي في ذلك" الضبط، قال في المشارق: وهو المعروف. قال الحافظ: وهو الصواب، ووقع في الصحيحين خلافه، فنبه عليه فقال: "وفي البخاري" ومسلمстр. 742
العشيرة، أو العسيرة بالتصغير، والأولى بالمعجمة بلا هاء، والثانية: بالمهملة وبالهاء -وأما غزوة العسرة- بالمهملة بغيرة تصغير- فهي غزوة تبوك، وستأتي إن شاء الله تعالى.
ونسب هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع. وخرج إليها ﷺ في جمادى الأولى..................................
الحواشي
(١) والترمذي من طريق أبي إسحاق: سألت زيد بن أرقم ... الحديث، وفيه: فأيهم كانت أول؟ قال: "العشيرة أو العسيرة" هكذا ثبت في أصل الحافظ من البخاري، فقال في الفتح: "بالتصغير" فيهما "والأولى بالمعجمة بلا هاء والثانية بالمهملة وبالهاء" وفي أصل المصنف من البخاري: العسيرة أو العشير؟ فقال: بالتصغير فيهما وبالمهملة مع الهاء في الأولى والمعجمة بلا هاء في الثانية، ولأبي ذر: العسير بالمهملة بلا هاء والعشير بالمعجمة بلا هاء.
وللأصيلي: العشير أو العسير بالمعجمة في الأول والمهملة في الثاني مع حذف الهاء والتصغير في الكل. وفي نسخة عن الأصيلي: العشير بفتح العين وكسر الشين المعجمة بغير هاء، كذا رأيته في الفرع كأصله، انتهى.
وفي مسلم: العسير أو العشير، قال النووي: هكذا في جميع نسخ صحيح مسلم بضم العين، والأول بالسين المهملة والثاني بالمعجمة، انتهى. ورواية الترمذي كرواية مسلم كما أفاده الحافظ، وبهذا كله بأن خطّأ من زغم أنه بالهمز ومنشؤه قراءته العشيراء بالمد، والعسيرة بالواو.
"وأما غزوة السعرة بالمهملة بغير تصغير، فهي غزوة تبوك" قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة﴾ [التوبة: ١١٧] ، "وستأتي إن شاء الله تعالى" سميت بذلك لما كان فيها من المشقة، كما يأتي بيانه. ولما كان يتوهم في هذه على ضبطه الثاني أنها سميت بذلك لما سميت به تبوك، وصغرت دفع هذا الوهم وخصها دون السابقين، فقال: "ونسبت هذه إلى المكان الذي وصلوا إليه، وهو موضع لبني مدلج بينبع" لس بينها وبين البلد إلا الطريق السالك، كما في النور وغيره.
وفي القاموس: موضع ناحية ينبع وفيه ينبع كينصر حصن له عيون ونخيل وزرع بطريق حاج مصر، فهو غير مصروف كيشكر. وفي الفتح: يذكر ويؤنث. قال ابن إسحاق: موضع ببطن ينبع.
وفي الروض: معنى العسير أو العسيرة أنه اسم مصغر من العسرى والعسر، إذا صغرت تصغير ترخيم، قيل: عسير وهي بقلة تكون أذنة، أي: عصيفة، ثم تكون سحاء، ثم يقال لها: العسري. "خرج إليها ﷺ في جمادى الأولى" قاله ابن إسحاق وتبعه ابن حزم وغيره.стр. 743
-وقيل: الآخرة- على رأس ستة عشرة شهرا من الهجرة، في خمسين ومائة رجل -وقيل في مائتي رجلا- ومعهم ثلاثون بعيرا يعتقبونها، وحمل اللواء -وكان أبيض- حمزة، يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجارة. فخرج إليها ليغنمها فوجدها قد مضت.
ووادع بني مدلج من كنانة. تتميم.
الحواشي
(١) "وقيل: الآخرة" قاله ابن سعد، أي: المتأخرة وفي نسخة الأخرى: وعبر به لمقابلتها بالأولى، فاندفع اللبس بالواحدة المتناولة للمتقدمة والمتأخرة. وقد ذكر السيوطي في الشماريخ ما حاصله: أنه إذا دلت قرينة على المراد ساغ التعبير بالآخر والأخرى، وفي نسخة: الأول. وقيل: الآخر بتذكيرهما ذهابا إلى معنى الشهر، وإن كان المصباح إنما نقل تأويله إذا وقع في شعره، وإلا فحمادان مؤنثان دون الشهور، ويخرج تذكير الآخر أيضا على مفاد الشماريخ.
"على رأس ستة عشر شهرا من الهجرة في خمسين ومائة رجل، وقيل:" في "مائتين" حكاهما ابن سعد، وزاد: من قريش من المهاجرين ممن انتدب ولم يكره أحدًا على الخروج، "رجلا" تمييز مائتين وهو شاذ، كقوله:
إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرة والغناء
ولا يقاس عليه عند الجمهور، والقياس في مائتي رجل بالإضافة.
"ومعهم ثلاثون بعيرا يعتقبونها" يركبها بعضهم ثم ينزل فيركب غيره، "وحمل اللواء، وكان أبيض حمزة" أسد الله وأسد رسوله، "يريد عير قريش التي صدرت من مكة إلى الشام بالتجار" وكانت قريش جمعت أموالها في تلك العير، ويقال: إن فيها خمسين ألف دينار وألف بعير، ولا يرد على هذا العير الإبل التي تحمل الميرة، لقول المصباح: إنها غلبت على كل قافلة. "فخرج إليها ليغنما فوجدها قد مضت" قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام فكان بسببها وقعة بدر الكبرى، كما في العيون وغيرها.
قال أبو عمر: فأقام هناك بقية جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة وبه يعلم أن في قول اليعمري: فأقام بها جمادى الأولى ... إلخ، تجوزا بدليل قوله: أولا خرج في أثناء جمادى الأولى. "ووادع" في هذه السفرة "بني مدلج" زاد ابن إسحاق: وحلفاؤهم من بني ضمرة، وتقدم في ودان إنه وادع بن ضمرة فلعلها تأكيد للأولى، أو أن حلفاء بن يمدلج كانوا خارجين عن بني ضمرة لأمر ما، وبسببه حالفوا بني مدلج فكان ابتداء صلح لبني مدلج "من كنانة" هي تجمع بني مدلج وبني ضمرة؛ لأن كلا قبيلة من كنانة. وذكر الواقدي أن هذه السفرات الثلاث كان ﷺ يخرج فيها لتلقي تجار قريش حين يمرون إلى الشام ذهابا وإيابا، وبسبب ذلك كانتстр. 744
وكانت نسخة الموادعة.................................................................
الحواشي
(١) وقد بدر وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر.
تتميم:
روى ابن إسحاق وأحمد من طريقه، عن عمار: أن النبي ﷺ كنى عليا أبا تراب حين نام هو وعمار في نخل لبني مدلج مجتمع، ولصق بهما التراب، قال: فجاء النبي ﷺ فحركنا برجله وقد تتربنا، فيومئذ قال لعلي بن أبي طالب: "ما لك يا أبا تراب"؟، ويعارضه ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد، قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليا، فقال ﷺ لإنسان: "انظر أين هو"، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب، فجعل ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا تراب". وفي رواية: "اجلس أبا تراب" مرتين، قال سهل: وما كان له اسم أحب إليه منه. وغلط ابن القيم رواية السيرة، وقال: إنما كناه بذلك بعد بدر، وهو أول يوم كناه فيه. وقال السهيلي: ما في الصحيح أصح، إلا أن يكون كناه بها مرة في هذه الغزوة ومرة بعدها في المسجد، ومال الحافظ وصاحب النور إلى ذا الجمع، لكنهما قالا: فإن صح فيكون كناه ... إلخ، إشارة للتوقف فيه، فإن إسناده لا يخلو من مقال.
قيل: ولهذا اختص علي بقولهم كرم الله وجهه دون غيره من الصحابة والآل، وقيل: لأنه لم يسجد لصنم قط وقيل غير ذلك.
وروى الطبراني عن ابن عباس، وابن عساكر عن جابر: أنه ﷺ لما آخى بين أصحابه ولم يؤاخ بين علي وبين أحد غضب فذهب إلى المسجد، فذكر نحو حديث الصحيح. قال الحافظ: ويمتنع الجمع بينهما؛ لأن المؤاخاة كانت أول ما قدم المدينة ودخول علي على فاطمة بعد ذلك بمدة. وما في الصحيح أصح، انتهى. ولم يظهر من تعليله امتناع الجم، فإنه ممكن بمثل ما جمعوا به بين الحديثين قبله، فيكون كناه ثلاث مرات، أولها: يوم المؤاخاة في المسجد. وثانيها: في هذه الغزوة في نخل بني مدلج. وثالثها: بعد بدر في المسجد لما غاضب الزهراء وإنما يمتنع لو قال في رواية الصحيح: إنه أول يوم كناه فيه، كما ادعى ابن القيم.
"وكانت نسخة الموادعة" بينه ﷺ وبين بني ضمرة الواقعة في غزوة ودان، وذكر ههنا وإن كان الأولى تقديمها، ثم كان فعل السهيلي وأتباعه لأنه أراد ذكر الغزوات الثلاث على حدة ولم يخش لبس أنها لبني مدلج لتصريح الكتاب أنها لبني ضمرة، ولذا أسقط أولا قول ابن إسحاقстр. 745
فيما ذكره غير ابن إسحاق.
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم أن لا يحاربوا في دين الله ما بل بحر صوفة، وأن النبي إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله ورسوله.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا سلم بن عبد الأسد.
الحواشي
(١) وحلفاؤهم من بني ضمرة، "فيما ذكر غير ابن إسحاق" كما أفاده السهيلي في الروض:
"بسم الله الرحم الرحيم" فيه ندب افتتاح الكتب بالبسملة فقط، وقد جمعت كتبه ﷺ إلى الملوك وغيرهم فوجدت مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها، "هذا كتاب من محمد رسول الله صلى لبني ضمرة بأنهم" بالباء الموحدة، كما هو المنقول في الروض وغيره، ويقع في نسخ: فإنهم، بالفاء وفي توجيهها عسر.
"آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على من رامهم" أي: قصدهم بسوء بشرط "أن لا يحابوا" أي: يخالفوا "في دين الله" بإرادتهم إبطال ما جاء به الشرع أو المعنى على من قصدهم، يريد منهم: أن لا يحاربوا في نصرة دين الله "ما بل بحر صوفة" كناية عن تأييد مناصرتهم؛ إذ معلوم أن ماء البحر لا ينقطع، "وأن النبي" ﷺ "إذا دعاهم لنصر أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله" بكسر الذال المعجمة، أي: عهده "و" عهد "رسوله" وفسرها الشامي بأمانة، والأول أولى، وفي مقدمة الفتح: ذمة الله، أي: ضمانه، وقيل: الذمام الأمان، زاد في الروض: ولهم النصر على من بر منهم واتقى، وعلى بمعنى اللام، أي: لمن بر منهم واتقى النصر منا على عدوهم.
"قال ابن هشام" عبد الملك، ,واستعمل" ﷺ "على المدينة" في خروجه للعشيرة "أبا سلمة" عبد الله "بن عبد الأسد" بسين ودال مهملتين المخزومي البدري أحد السابقين.стр. 746
غزوة بدر الأولى:
"ثم غزوة بدر الأولى":
قال ابن إسحاق: ولما رجع ﵊ -أي: من غزوة العشيرة- لم يقم إلا ليالي، وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيام،.............................
الحواشي
(١) ثم غزوة بدر الأولى:
"قال ابن إسحاق: ولما رجع ﵊، أي: من غزوة العشيرة لم يقم إلا ليالي" قلائل لا تبلغ العشر، كما هو نص ابن إسحاق. "وقال ابن حزم: بعد العشيرة بعشرة أيام"стр. 747
حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج ﷺ في طلبه حتى بلغ سفوان -بفتح المهملة والفاء- موضع من ناحية بدر، ففاته كرز بن جابر. وتسمى بدرا الأولى.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، وحمل اللواء علي بن أبي طالب ﵁.
الحواشي
(١) نقله عنه مغلطاي، ونقل الشامي عنه أنه ﵇ خرج في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا، هو مبني على أن هذه قبل العشيرة، كما ذهب إليه ابن سعد ورزين وغيرهما، وابن إسحاق إلى أنها بعدها، "حتى " غاية للإثبات المستفاد من نقض النفي بألا، فكأنه قال: استمر إقامته إلى أن "أغار كرز" بضم الكاف وسكون الراء وبالزاي، "ابن جابر الفهري" نسبة إلى جده الأعلى فهر بن مالك بن النضر كان من رؤساء المشركين، ثم أسلم وصحب وأمر على سرية واستشهد في غزوة فتح مكة، "على سرح المدينة" بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: الإبل والمواشي التي تسرح للرعي بالغداة، كما في النور والسبل، ولعل المراد بالمواشي المال السائم، كما في المختار في الشرح، وإن كان المواشي، كما في القاموس: الإبل والغنم.
وفي العيون: السرح ما رعوا من نعمهم، ويروى: أنه أغار عليهم من سعر، وفي خلاصة الوفاء: سعر كزفر جمع سعير الواردي جبل بأصل حمى أم خالد يهبط منه إلى بطن العتيق، كان يرعى بها السرح.
"فخرج ﷺ حتى بلغ سفوان بفتح المهملة و" فتح "الفاء" وبالنون "موضع من ناحية بدر" ذكره في النهاية وتبعه السمهودي، فقال: سفوان بفتحات واد من ناحية بدر، وقيل: الفاء ساكنة "ففاته كرز بن جابر، وتسمى بدرا الأولى، قال ابن هشام واستعمل على المدينة زيد بن حارثة وحمل اللواء" وكان أبيض، كما في الشامية "علي بن أبي طالب ﵁" فرجع ولم يلق كيدا.стр. 748
سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش:
ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش....................................................
الحواشي
(١) ثم سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش:
ابن رباب براء مكسورة فتحتية فموحدة ابن معمر الأسدي أحد السابقين البدري، وهاجر إلى الحبشة واستشهد بأحد. وروى أبو القاسم البغوي عن سعد بن أبي وقاص: بعثنا ﷺ في سرية، وقال: "لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش"، فبعث علينا عبد الله بن جحش فكان أول أمير في الإسلام. قال اليعمري: سمي في هذه السرية أمير المؤمنين، وقالстр. 749
في رجب على رأس سبعة عشر شهرا، وكان معه ثمانية -وقيل اثنا عشر- من المهاجرين، إلى نخلة على ليلة من مكة، يترصد قريشا، فمرت به عيرهم تحمل زبيبا وأدما، فيها عمرو بن الحضرمي،...................................
الحواشي
(١) غيره: سماه ﷺ أمير المؤمنين فهو أول من تسمى به في الإسلام، ولا ينافيه القول بأن أول من تسمى به عمر؛ لأن المراد من الخلفاء أو على العموم وهذا على من معه.
"في رجب" عند الأكثر, وقطع به الحافظ في سيرته وفي الفتح، وقيل: في جمادى الآخرة، "على رأس سبعة عشر شهرا، وكان معه ثمانية" كما رواه ابن إسحاق وسماهم، فقال: أبو حذيفة بن عتبة العبشمي، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء.
"وقيل: اثنا عشر" فزيد: عامر بن إياس، والمقداد بن عمرو، وصفوان بن بيضاء، فلعل القائل بالثاني عد الأمير منهم، وهو ظاهر قول الحافظ في كتاب العلم: وكانوا اثني عشر رجلا، انتهى. وزيادة بعضهم وجابر السلمي خطأ لأنه أنصاري، وقد قال المؤلف كغيره "من المهاجرين" زاد ابن سعد: ليس فيهم من الأنصار أحد يعتقب كل اثنين منهم بعيرا، "إلى نخلة على ليلة من مكة" بين مكة والطائف، وفي المعجم: نخلة على يوم وليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة التي استمعه الجن فيها.
روى ابن إسحاق عن عروة مرسلا ووصله الطبراني بإسناد حسن من حديث جندب البجلي: أنه ﷺ بعث عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار يومين فتح الكتاب، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم"، فقال: سمعا وطاعة، وأخبر أصحابه أنه نهاه أن يستكره أحدا منهم، فلم يتخلف منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان ببحران بفتح الموحدة وضمها أضل سعد وعتبة بعيرهما الذي كانا يعتقبان عليه، فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله وأصحابه حتى نزل بنخلة، "يرتصد قريش فمرت به عيرهم تحمل زبيبا وأدما" بفتح الهمزة والدال، أي: جلود، زاد ابن القيم وغيره: وتجارة من تجارة قريش، أي: مالا من أموالهم. وفي الفتح: لقوا أناسا من قريش راجعين بتجارة من الشام، "فيا عمرو بن الحضرمي" بمهملة ومعجمة ساكنة، واسمه عبد الله بن عباد أو ابن عمار له عمر، وهذا وعامر والعلاء وأختهم الصعبة أسلم، والعلاء كان من أفاضل الصحابة، وكذا الصعبة وهي أم طلحة بن عبيد الله وفيها أيضا عثمان ونوفل ابنا عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان فنزلوا قربهم فهابوهم فأرشدهم عبد الله إلى ما يزيل فزعهم،стр. 750
فتشاور المسلمون وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، فإن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر، وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم فقتلوا عمرا واستأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وهرب من هرب، واستاقوا العير، فكانت أول غنيمة في الإسلام، فقسمها ابن جحش، وعزل الخمس من ذلك قبل أن يفرض، ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها.
الحواشي
(١) فحلق عكاشة رأسه، وقيل: واقد وأشرف عليهم فلما رأوهم آمنوا، وقالوا: عمار، بضم العين وشد الميم، أي: معتمرون، لا بأس عليكم منه، فقدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعاما.
"فتشاور المسلمون، وقالوا: نحن في آخر يوم رجب" ويقال: أول يوم من شعبان، وقيل: في آخر يوم من جمادى الآخرة. وفي الاستيعاب: الأكثر أن سرية عبد الله في غرة رجب إلى نخلة وفيها قتل ابن الحضرمي لليلة بقيت من جمادى الآخرة. قال البرهان: وهو تباين ولعله غلط من الناسخ، صوابه: لليلة بقيت من رجب فيتفق الكلامان مع تأويل، أي: قوله في غرة رجب، وقوله: بقيت من رجب على ما صوب مع تأويل اليوم بالليلة لقربها منه أو الليلة باليوم، وقد يقال: لا تباين ولا غلط، بل هو إشارة للشك الذي وقع لهم، ففي حديث جندب عند الطبراني وغيره: ولم يدروا أذلك اليوم من رجب أو من جمادى، وحاصله: أنهم شكوا في اليوم أهو من الشهر الحرام أم لا؟ "فإن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر" الحرام "وإن تركناهم الليلة دخلوا حرمة مكة" فامتنعوا به منا ثم شجعوا أنفسهم عليهم، "فأجمعوا على قتلهم" أي: قتل من قدروا عليه منهم، كما في الرواية:
"فقتلوا عمرا" الحضرمي وفيه تجوز؛ لأنه لما كان برضاهم نسب إليهم، وإلا فالقاتل له، كما في الرواية: واقد بن عبد الله رماه بسهم فقتله، "واستأسروا" أي: أسروا "عثمان بن عبد الله" بن المغيرة المخزومي "والحكم بن كيسان" بفتح الكاف وسكون التحتية وسين مهملة ونون. روى الواقدي عن المقداد قال: أنا الذي أسرت الحكم، فأرادوا قتله فأسلم عند رسول الله ﷺ ، "وهرب من هرب" وسمي في الرواية منه: نوفل بن عبد الله، "واستاقوا العير" أي: ساقوها فالمجرد والمزيد بمعنى، كما في القاموس، أي: أخذوها، "فكانت أول غنيمة في الإسلام" قال في الفتح: وأول قتل وقع في الإسلام، "فقسمها ابن جحش" بين أصحابه، "وعزل الخمس من ذلك" باجتهاد منه لرسول الله ﷺ ، "قبل أن يفرض" الخمس، كما رواه ابن إسحاق عن بعض آل عبد الله. قال ابن سعد: فكان أول خمس خُمس في الإسلام.
"ويقال: بل قدموا بالغنيمة كلها" المدينة فقسمها ﷺ بدر، ويقال: تسلمها منهم وخمسها ثم قسمها عليهم، ولم يحكه لمنابذته للمروي عند ابن إسحاق والطبراني، بلفظ: فقدمواстр. 751
فقال النبي ﷺ : "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فأخر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنمائمها.
وتكلمت قريش: إن محمدًا سفك الدماء، وأخذ المال في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] . وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش:
الحواشي
(١) على رسول الله ﷺ . "فقال النبي ﷺ : "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فأخر الأسيرين والغنيمة" لتوقفه في حل ذلك، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، وفيه أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يرد ناسخ. قال في الرواية: فلما قال ﷺ ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا وعنفهم إخوانهم فيما صنعوا، "حتى رجع من بدر فقسمها مع غنمائمها" على غانميها فقط، لا إنه خلطها مع غنائم بدر وعم بها الجميع.
وذكر ابن وهب: أنه ﷺ رد الغنيمة، وودى القتيل. قال ابن القيم: والمعروف في السير خلافه، "وتكلمت قريش أن محمدًا سفك الدماء وأخذ المال" أي: أمر بهما "في الشهر الحرام" أو هو حقيقة بأن علموا أو ظنوا أخذه ﵇ الغنيمة من أصحابه، زاد ابن إسحاق في روايته: وأسر فيه الرجال، فقال: من يرد عليهم من المسلمين ممن كانوا بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءل بذلك عليه ﷺ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمر وعمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم، لا لهم.
"فأنزل الله تعالى" بعد أن أكثر الناس القول: " ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، قال البيضاوي: أي الكفار بعثوا يعيرون، وقيل: أصحاب السرية، ﴿عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ، بدل اشتمال "الآية" قال في الرواية: ففرج الله عن المسلمين وأهل السرية ما كانوا فيه، ولكنهم ظنوا أنه إنما نفى عنهم الإثم فلا أجر لهم فطمعوا فيه، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين. وفي رواية: إن لم يكونوا أصابوا وزرا فلا أجر لهم، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] ، فوضعهم الله تعالى من ذلك على أعظم الرجاء.
"وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش" كما قال ابن هشام. وقال ابن إسحاق: الصديق، ورجح البرهان الأول بما في الاستيعاب عن الزهري: أن أبا بكر لم يقل شعرا في الإسلام حتى مات، فإن صح فلا يعارضه كل امرئ مصبح في أهله ... البيت؛ لأنه تمثل به وإنما هو لحنظلة بن سيار، كما قاله عمر بن شبة، وقد ذكرها ابن إسحاق ستة أبيات اقتصر المصنف كاليعمري علىстр. 752
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد
وبعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء الأسيرين، وهما: عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، ففداهما رسول الله ﷺ . فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما..................................
عثمان فلحق بمكة فمات بها كافرا.
الحواشي
(١) ثلاثة واذكر ما حذفه، فقال: "تعدون قتلا في" الشهر "الحرام عظيمة وأعظم" أكبر وأشد "منه" من القتل الواقع منافيه وجملة "لو يرى الرشد راشد"، معترضة وجواب لو محذوف، أي: لعلم إن فعلكم أعظم، "صدودكم" خبر أعظم، "عما يقول محمد، وكفر به والله راء وشاهد" جملة حالي، والثالث والرابع:
وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد
فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وارجف بالإسلام باغ وحاسد
"سقينا من" عمرو "بن" عبد الله "الحضرمي رماحنا، بنخلة لما" حين "أوقد الحرب واقد" ابن عبد الله التميمي برميه ابن الحضرمي بسهم قتله به، ومفعول سقينا الثاني دماني البيت السادس، وهو:
دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازهه غل من القيد قاعد
وغل بضم المعجمة: طوق من حديد يجعل في العنق، وأما بكسرها فالحقد كما في المصباح، ولم يذكر الناظم الحكم مع أنه أسير أيضا، لجواز أنه بعد إسلامه أو قبله وصرفه الله عن ذلك لعلمه بأنه من السعداء الشهداء.
"وبعثت قريش إلى رسول الله ﷺ في فداء الأسيرين، وهما: عثمان بن عبد الله" المخزومي "والحكم بن كيسان" فقال ﷺ : "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعدا وعتبة- فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم"، فقدم سعد وعتبة بعدهم بأيام، "ففداهما رسول الله ﷺ " كل واحد بأربعين أوقية، كما الشامية. "فأما الحكم" بن كيسان مولى عمرو المخزومي والد أبي جهل، "فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا" ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وعروة بن الزبير، وروى الهيثم بن عدي عن يونس عن ابن عباس، وعن أبي بكر بن أبي جهم، قال: تزوج الحكم بن كيسان مولى بني مخزوم وكان حجاما، آمنة بنت عفان أخت عثمان، وكانت ماشطة، ذكره في الإصابة. و"وأما عثمان فلحق بمكة، فمات بها كافرا" ومن يضلل الله فلا هادي له.стр. 753
" تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر ":
ثم حولت القبلة إلى الكعبة، وكان ﷺ يصلي إلى بيت المقدس بالمدينة ستة عشرا شهرا.
وقيل سبعة عشر،...........................
الحواشي
(١) تحويل القبلة وفرض رمضان وزكاة الفطر:
"ثم حولت القبلة" أي: الاستقبال لا ما يستقبله المصلي؛ إذ لا يتعلق به تحويل أو حول، أي: غير وجوب استقبال المقدس، "إلى الكعبة" الترتيب ذكري لا زماني، فلا يرد عليه جزمه أن السرية على رأس سبعة عشر شهرا في رجب، وحكايته الخلاف الآتي في التحويل. "وكان ﷺ يصلي إلى" صخرة "بيت المقدس" التي كان موسى يصلي إليها بحذاء الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، نقله القرطبي عن بعضهم. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، قال: ما خالف نبي نبيا في قبلة ولا سنة، إلا أنه ﷺ استقبل بيت المقدس ثم تحول إلى الكعبة. وروى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن الحسن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية، قال: أعلم قبلته فلم يبعث نبي إلا وقبلته البيت، وهذا قواه الحافظ العلائي، فقال في تذكرته: الراجح عند العلماء أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم، كما دلت عليه الآثار. قال بعضهم: وهو الأصح، انتهى.
اختار ابن العربي وتلميذه السهيلي: أن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعض: وهو الصحيح المعروف. فعد صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأمته استقبال الكعبة: إنما هو على أحد القولين المرجحين، نعم ذكر فيما اختص به على جميع الأنبياء والمرسلين أن الله جمع له بين القبلتين ﷺ "بالمدينة" حال "ستة عشر شهرا" كما رواه مسلم عن أبي الأحوص، والنسائي عن زكريا بن أبي زائدة، وشريك وأبو عوانة عن عمار بن زريق بتقديم الراء مصغر، أربعتهم عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب جزما.
ورواه أحمد بسند صحيح عن ابن عباس، ورجحه النووي في شرح مسلم، وفي رواية زهير عند البخاري وإسرائيل عنده، وعند الترمذي عن أبي إسحاق عن البراء ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا بالشك.
"وقيل: سبعة عشر" شهرا، رواه البزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف، والطبرايстр. 754
وقيل ثمانية عشر شهرا.
وقال الحربي: قدم ﵊ المدينة في ربع الأول، فصلى إلى بيت المقدس تمام السنة وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر. ثم حولت القبلة.
وقيل: كان تحويلها في جمادى، وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان،
الحواشي
(١) أيضا من حديث ابن عباس، وهو قول ابن المسيب ومالك وابن إسحاق. قال القرطبي: وهو الصحيح. قال الحافظ: والجمع بينها سهل بأن من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور. ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني ربيع الأول، انتهى. قال البرهان: ويمكن أن هذا مراد من قال سبعة عشر بإلغاء الكسر.
"وقيل: ثمانية عشر شهرا" رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء، قال الحافظ: وهو شاذ، وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي آخر: ستة عشر، قال: ومن الشذوذ أيضا ثلاثة عشر شهرا، ورواية تسعة أشهر أو عشرة، ورواية: شهرين، ورواية: سنتين، ويمكن حمل الأخيرة على الصواب وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على الثلاثة الأول، فجملة ما حكي تسع روايات، انتهى. وكأنه لم يعد رواية الشك، وإلا كانت عشرة، وكذا لم يعدها البرهان وعد الأقوال عشرة، فزاد القول بأنه بضعة عشر شهرا ولم يعده الحافظ؛ لأنه يمكن تفسيره بكل ما زاد على العشرة.
"وقال" إبراهيم "الحربي: قدم ﵊ المدينة في ربيع الأول فصلى إلى بين المقدس تمام السنة، وصلى من سنة اثنتين ستة أشهر، ثم حولت القبلة" وهذا محتمل، لكون المراد أن مدة الصلاة لبيت المقدس دون سة عشر، ولذا قال في النور: هذا كاد أن يكون قولا، انتهى. ومحتمل لأن يكون مراده ستة عشر بشهر القدوم. "وقيل: كان تحويلها في جمادى" الآخرة، وبه جزم ابن عقبة "وقيل: كان يوم الثلاثاء في نصف شعبان" قاله محمد بن حبيب، وجزم به في الروضة مع ترجيحه في شرح مسلم رواية ستة عشر شهرا للجزم بها في مسلم، كما مر.
قال الحافظ: ولا يستقيم أنه في شعبان إلا بإلغاء شهري القدوم والتحويل، انتهى. نعم هو يوافق سبعة عشر بتلفيق واحد من شهري القدوم والتحويل، والقول الشاذ بأنه ثمانية عشر بإلغاءстр. 755
وقيل يوم الاثنين نصف رجب.
وظاهر حديث البراء في البخاري: أنها كانت صلاة العصر.
ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى: أنها الظهر.
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما في الصحيحين عن ابن عمر أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت...................................
الحواشي
(١) الكسر واعتبار شهري التحويل والقدوم.
"وقيل: يوم الاثنين نصف رجب" رواه أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح. قال الواقدي: وهذا أثبت. قال الحافظ: وهو الصحيح، وبه جزم الجمهور، كما مر، وهو صالح لروايتي ستة عشر وسبعة عشر والشك، فالحاصل في الشهر ثلاثة أقوال، وفي اليوم قولان. "وظاهر حديث البراء" بتخفيف الراء والمد على الأشهر، ابن عازب الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي "في البخاري أنها" أي: الصلاة التي وقع فيها التحويل، "كان صلاة العصر" لقوله وأنه، أي: النبي ﷺ أول صلاة صلاها صلاة العصر، أي: متوجها إلى الكعبة. "ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى" بضم الميم وفتح المهملة وشد اللام، صحابي جليل اسمه سعيد، وقيل: رافع ووهاه ابن عبد البر، وقوى الأول. "أنها الظهر" وكذا عند الطبراني والبزار من حديث أنس، وعند ابن سعد: حولت في صلاة الظهر أو العصر، وجمع الحافظ فقال في كتاب الإيمان: التحقيق: أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر الأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر.
"وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر" أي: الصبح، "من اليوم الثاني" وقال في كتاب الصلاة: لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة، ووصل وقت الصبح إلى من هو خارجها وهم أهل قباء، "كما في الصحيحين" البخاري في الصلاة والتفسير ومسلم في الصلاة، وكذا النسائي "عن ابن عمر" بن الخطاب "أنه قال: بينما الناس" المعهودون في الذهن "بقباء" بالمد والتذكير والصرف على الأشهر ويجوز القصر وعدم الصرف ويؤنث. موضع معروف ظاهر المدينة وفيه مجاز الحذف، أي: بمسجد قباء.
"في صلاة الصبح" ولمسلم في صلاة الغداة وهو أحد أسمائها ونقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك، "إذ جاءهم آت" قال الحافظ: ولم يسم وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنهстр. 756
فقال: إن رسول الله ﷺ قد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء والله أعلم.
الحواشي
(١) عباد بن بشر ففيه نظر؛ لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نقلوه محفوظا فيحتمل أن عبادا أتى بني حارثة أولا وقت العصر ثم توجه إلى أهل قباء، فأعلمهم بذلك في الصبح، ومما يدل على تعددهما أن مسلما روى عن أنس: أن رجلا من بني سلمة مر وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سلمة غير بني حارثة انتهى.
وكون مخبر بني حارثة عباد بن بشر رواه ابن منده وابن أبي خيثمة، وقيل: عباد بن نهيك، بتفح النون وكسر الهاء، ورجح أبو عمر الأول. وقيل: عباد بن نصر الأنصاري. قال الحافظ: والمحفوظ عباد بن بشر، انتهى. وقيل: عباد بن وهب. قال البرهان: ولا أعرفه في الصحابة إلا أن يكون نسب إلى جده أو جد له أعلى إلى خلاف الظاهر، انتهى.
"فقال: إن رسول الله ﷺ " أسقط من الحديث ما ألفظه: قد أنزل عليه الليلة قرآن، قال الحافظ: فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا والتنكير لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية. "قد أمر" بضم الهمزة مبنيا للمفعول "أن" أي: بأن "يستقبل" بكسر الموحدة، أي: باستقبال "الكعبة، فاستقبلوها" بفتح الموحدة عن أكثر رواة الصحيحين على أنه فعل ماض، أي: تحول أهل قباء إلى جهة الكعبة، "وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" وضمير استقبلوها ووجوههم لأهل قباء، ويحتمل أنه للنبي ﷺ ومن معه.
وفي رواية الأصيلي للبخاري، والعذري لمسلم: فاستقبلوها بكسر الموحدة بصيغة الأمر، قال الحافظ: وفي ضمير وجوههم الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر. وترجح رواية الكسر رواية البخاري في التفسير، بلفظ: وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله، انتهى. وفي النور أن بعض الحفاظ، قال: الكسر أفصح وأشهر وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده.
"وفي هذا" الحديث من الفوائد "أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به وإن تقدم نزوله؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء" زاد الحافظ: واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام فالفرض غير لازم له، وفيه جواز الاجتهاد في زمنه ﷺ ؛ لأنهم لما تمادوا في الصالة ولم يقطعوها، دل على أنه رجح عندهم التمادي والتحولстр. 757
وروى الطبري عن ابن عباس: لما هاجر ﷺ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء فنزلت الآية.
الحواشي
(١) على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد، كذا قيل وفيه نظر، لاحتمال أن عندهم في ذلك يقينا سابقا لأنه ﵇ كان مترقبا للتحويل، فلا مانع من تعليمهم ما صنعوا من التمادي والتحول، وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع لمشاهدتهم صلاته ﷺ إليه، وتحولوا إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد، وأجيب: بأن الخبر المذكور احتفت به قرائن ومقدمات أفادت العلم عندهم بصدق المخبر، فلم ينسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزا في زمنه ﷺ مطلقا، وإنما منع بعده ويحتاج إلى دليل. انتهى.
"وروى الطبري" محمد بن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، "عن ابن عباس" قال: "لما هجر ﷺ إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون" خبر ثان لليهود أو لمبتدأ محذوف، أي: وهم يستقبلون "بيت المقدس أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس" ليجمع له بين القبلتين، كما عده السيوطي من خصائصه على الأنبياء والمرسلين وتأليفا لليهود، كما قال أبو العالية "ففرحت اليهود" لظنهم أنه استقبله اقتداء بهم مع أنه كان لأمر ربه "فاستقبلها سبعة عشر شهرا، وكان ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم" وعند الطبري أيضا من طريق مجاهد عن ابن عباس، قال: إنما أحب أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا. وعند ابن سعد: أنه ﷺ قال: "يا جبريل، وددت أن الله صرف وجهي عن قبلة يهود"، فقال جبريل: إنما أنا عبد فادع ربك وسله.
وعند السدي في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس: كان ﷺ يعجبه أن يصلي قبل الكعبة؛ لأنها قبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل، فقال لجبريل: "وددت أنك سألت الله أن يصرفني إلى الكعبة"، فقال جبريل: لست أستطيع أن أبتدئ الله بالمسألة ولكن إن سألني أخبرته. "فكان يدعو" دعاء محبة لذلك بالحال لا بالقال، ففي الفتح فيه بيان شرف المصطفى وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال، وعليه فالعطف تفسيري في قوله: "وينظر إلى السماء" ينظر جبريل ينزل عليه، كما عند السدي وغيره، ولأنها قبلة الداعي "فنزلت الآية" يعني قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، وبقية حديث ابن عباس هذا عند ابن جرير: فارتاب في ذلكстр. 758
قال في فتح الباري وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة. لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس: كان النبي ﷺ يصل بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه، قال: والجمع بينهما ممكن: بأن يكون أمر لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس.
وأخرج الطبري أيضا من طريق ابن جريج قال: صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاثة حجج، ثم هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة.
الحواشي
(١) اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الآية.
"قال في فتح الباري" في كتاب الصلاة "وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس" قال: "كان النبي ﷺ يصل بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه" فحصل تخالف بين حديثيه؛ إذ مقتضى الأول أنه إنما أمر به في المدينة، وهذا صريح في أنه كان بمكة. "قال" يعني في الفتح: "والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر" ﷺ "لما هاجر أن يستمر على الصلاة لبيت المقدس" فالأمر بابتداء استقباله كان بمكة، والذي بالمدينة باستمراره، ثم نسخ باستقبال الكعبة، فلم يقع نسخ بيت المقدس إلا مرة واحدة.
"وأخرج الطبري" محمد بن جرير "أيضا من طريق ابن جريج" بجيمين مصغر عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الثقة الفقيه الحافظ أحد الأعلام، مات سنة خمسين ومائة، "قال: صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاثة حجج" بكسر المهملة وفتح الجيم الأولى وكسر الثانية منون، أي: سنين بناء على أن الإسراء قبل الهجرة بخمس سنين. أما على أنه قبلها بسنة أو نحوها، فالمراد: ما كان يصليه قبل فرض الخمس، "ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله إلى الكعبة" فهذا الأثر صريح في الجمع المذكور، فلا بأس.
وقوله في حديث ابن عباس الثاني: والكعبة بين يديه يخالف قول البراء عند ابن ماجه صلين مع رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة، فإن ظاهره: أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضا.
وحكى الزهري خلافا في أنه كان بمكة يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبينстр. 759
وقوله في حديث ابن عباس الأول: "أمره الله تعالى" يرد قول من قال: إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
وعن أبي العالية: أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب. وهذا لا ينفي أن يكون.................................................................
الحواشي
(١) بيت المقدس. قال الحافظ: فعلى الأول: كان يجعل الميزان خلفه. وعلى الثاني: كان يصلي بين الركنين اليمانيين وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نسخ، وحمل ابن عبد البر هذا على قول الثاني ويؤيده حمله على ظاهره إمامة جبريل ففي بعض طرقه: أن ذلك كان عند البيت.
وفي الفتح أيضا اختلفوا في الجهة التي كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه كان لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون: أنه كان يصلي إليها بمكة. فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما هاجر استقبل المقدس. وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع به بين القولين وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، انتهى.
ولا يخالفه قول ابن العربي: نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين مرتين ولا أحفظ رابعا.. وقال أبو العباس العزفي -بفتح المهملة والزاي وبالفاء: رابعها الوضوء مما مست النار، ونظم ذلك السيوطي؛ لأن مراد الحافظ أن خصوص نسخ بيت المقدس لم يتكرر، وما أثبته ابن العربي النسخ للقبلة في الجملة، بمعنى: أنه أمر باستقبال الكعبة ثم نسخ باستقبال بيت المقدس، ثم نسخ بالكعبة، كما هو مدلول كلاميهما، ودل عليه أثر ابن جريج.
"وقوله في حديث ابن عباس الأول: أمره الله يرد قول من قال" وهو الحسن البصري، "أنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد" وكذا قول الطبري: كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختاره طمعا في إيمان اليهود، ويرده أيضا سؤاله لجبريل؛ إذ لو كان مخيرا لاختار الكعبة لما أحبها من غير سؤال.
قال شيخنا: إلا أن يقال بعد اختياره وجب عليه لكنه استبعد هذا بمجلسه؛ لأن فيه تضييقا عليه ولو خير كان كتخييره بين المسح على الخفين وغسل الرجلين، والذي عليه الجمهور، كما قال القرطبي: أنه إنما كان بأمر الله ووحيه.
"وعن أبي العالية" رفيع بضم الراء مصغر بن مهران بكسر الميم، الرماحي بكسر الراء وتحتية، مولاهم البصري التابعي الكبير، أخرج له الجميع. "أنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب" وعن الزجاج امتحانا للمشركين؛ لأنهم ألقوا الكعبة "وهذا لا ينفي أن يكونстр. 760
بتوقيف.
واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه:
فعند ابن سعد في الطبقات: أنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه ودار معه المسلمون.
ويقال: إنه ﵇ زار أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعاما، وكانت الظهر، فصلى ﵇ بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستداروا إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين...................
الحواشي
(١) بتوقيف" فقد يكون الأمر به لتأليفهم، "واختلفوا في المسجد الذي كان يصلي فيه" حين حولت القبلة، "فعند ابن سعد في الطبقات أنه" ﷺ "صلى ركعتين من الظهر في مسجده" النبوي "بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام" أي: الكعبة وعبر به كالآية دون الكعبة؛ لأنه كما قال البيضاوي: كان ﵇ بالمدينة والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها، أي: للبعيد، حرج عليه بخلاف القريب.
"فاستدار إليه ودار معه المسلمون" فصلى بهم ركعتين أخريين؛ لأن الظهر كانت يومئذ أربعا، فثنتان منها لبيت المقدس، وثنتان للكعبة، ووقع التحويل في ركوع الثالثة، كما في النور، فجعلت كلها ركعة للكعبة مع أن قيامها وقراءتها وابتداء ركوعها للقدس؛ لأنه اعتداد بالركعة إلا بعد الرفع من الركوع ولذا يدركها المسبوق قبله.
"ويقال: إنه ﵇ زار أم بشر بن البراء بن معرور" بمهملات، يقال: اسمها خليدة، كما في التجريد. "في بني سلمة" بكسر اللام والنسبة إليها بفتحها على المشهور، وفي الألفية. والسلمي افتحه في الأنصاري. وفي اللب كسرها المحدثون في النسبة أيضا.
"فصنعت له طعاما، وكانت" أي: وجدت "الظهر" أي: دخل وقتها، فكان تامة، لكن المذكور في الفتح الذي هو ناقل عنه، وكذا العيون والسبل عن ابن سعد، بلفظ: وحانت الظهر بمهملة، أي دنا وقتها، "فصلى ﵇ بأصحابه ركعتين ثم أمر" باستقبال الكعبة في ركوع الثالثة، "فاستدارواإلى الكعبة" بأن حول الإمام من مكانه الذي كان يصلي فيه إلى مؤخره، فتحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال، ولا يشكل بأنه عمل كثير، لاحتمال أنه قبل تحريمه فيها كالكلام، أو اغتفر هذا العمل للمصلحة، أو لم تتوال الخطا عند التحويل بل وقعت متفرقة، "فسمي مسجد القبلتين" لنزول النسخ وتحويله عليه السلامстр. 761
قال ابن سعد قال الواقدي: هذا عندنا أثبت.
ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار واليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وشك، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا، فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ أي الحكم والتصرف، والأمر كله لله، فحيثما وجهنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة فنحن عبيده، وفي تصريفه وخدامه حيثما وجهنا توجهنا.
ولله تعالى بنبينا ﵊ وبأمته عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة خليله إبراهيم................................
الحواشي
(١) فيه ابتداء فلا يرد أن التحويل وقع في مسجدي قباء وبني حارثة، ولم يسميا بذلك، وأيضا فحكمة التسمية لا يلزم اطرادها.
"قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا عندنا أثبت" من القول الأول أن التحويل وقع في المسجد النبوي "ولما حول الله القبلة حصل لبعض الناس من المنافقين والكفار" المشركين من قريش، "واليهود ارتياب" شك "وزيغ" ميل "عن الهدى وشك" فيه، "وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" على استقبالها في الصلاة "أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا،" وصريحه أن هذا قول الطوائف الثلاث، وبه صرح البيضاوي وسيذكر المصنف مقابله أخيرا.
"فأنزل الله جوابهم في قوله:" ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ، أي: الجهات كلها؛ لأنهما ناحيتا الأرض، فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، لا اعتراض عليه، كما في الجلال، فحمله على الحقيقة، وحمله المصنف على المجاز، فقال: "أي الحكم والتصرف والأمر كله لله" لا يسأل عما يفعل، "فحيما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده. وفي تصريفه و" ونحن "خدامه حيثما وجهنا توجهنا" وقد قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ [البقرة: ١٤٢] ، فأينما تولوا فثم وجه الله، تقدم عن ابن عباس أن سبب نزولها إنكار اليهود.
قال السيوطي: وإسناده قوي فليعتمد. وفي سببها روايات أخر ضعيفة. "ولله تعالى بنبينا ﵊ وبأمته عناية" أي: رعاية "عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة خليله إبرهيم" وألقىстр. 762
قال ﵊ فيما رواه أحمد عن عائشة: "إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة، التي هدانا الله إليها وضلوا عنها.....................
الحواشي
(١) حبها في قلب حبيبه ﵇، ولم يفعل ذلك بغير أمته بل تركوا على ضلالهم الذي وقعوا فيه مع أنها قبلة الأنبياء كلهم على أحد القولين، كما مر.
وربما يؤيد الحديث الذي ذكره بقوله: "قال ﵊، فيما رواه أحمد عن عائشة: "إن اليهود لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على يوم الجمعة التي هدانا الله إليها" قال الحافظ: يحتمل بأن نص لنا عليه، ويحتمل بالاجتهاد، ويشهد له أثر ابن سيرين في جمع أهل المدينة قبل قدوم المصطفى، فإنه يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن النبي ﷺ علمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها.
ثم قد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره، وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، انتهى ملخصا.
"وضلوا عنها" لأنه فرض عليهم يوم الجمعة وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام هو ولم يهتدوا ليوم الجمعة، قاله ابن بطال، ومال إليه عياض قواه. وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحا، فاختلفوا هل يلزم بعينه أن يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا فأخطئوا، قال الحافظ: ويشهد له ما للطبري عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْت﴾ [النحل: ١٢٤] ، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه. وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، ولفظه: "إن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا"، وقالوا يا موسى: إن الله لم يخلق يوم السبت شيئا فاجعله لنا فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] الآية، وغير ذلك، وكيف لا؟ وهم القائلون: سمعنا وعصينا، انتهى.
"وعلى القبلة التي هدانا الله إليها" بصريح البيان بالأمر المكرر، أولا لبيان تساوي حكم السفر وغيره، وثانيا للتأكيد، "وضلوا عنها" لأنهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة، كما دل عليه هذا الحديث، وهو يؤيد ما رواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود في التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
وروى أبو داود أيضا: أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام، فكانت قبلته، وكانت الصخرة بين يديه، وقالстр. 763
وعلى القبلة التي هدانا الله إليها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقال بعض المؤمنين: فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
الحواشي
(١) اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي ﵇، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها. وفي البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَة﴾ [يونس: ٨٧] الآية، روى ابن جريج عن ابن عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، انتهى. وبه قطع الزمخشري والبيضاوي.
"وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" فإنها لم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلا هارون فإنه كان يؤمن على دعاء موسى، كما قال ﷺ في حديث أنس عند ابن مردويه وغيره.
"و" روى ابن إسحاق وغيره عن البراء، قال: "قال بعض المؤمنين:" لما حولت القبلة "فكيف صلاتنا التي صليناها نحو بيت المقدس؟ وكيف من مات من إخواننا" من المسلمين؟ قال في الفتح: وهم عشرة، فبمكه من قريش: عبد الله بن شهاب: والمطلب بن أزهر الزهريان، وسكران بن عمر، والعامري. وبأرض الحبشة: حطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة العدويان. ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم، ومات في المدة أيضا: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه. "وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل اله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، صلاتكم إلى بيت المقدس، انتهى.
وبهذا جزم الجلال، فلا عليك ممن قال إيمانكم بالقبلة المنسوخة.
وروى البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق عن البراء: مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، قال الحافظ: وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحا عن ابن عباس، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا قتل من المسلمين قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة، فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير جهاد،стр. 764
وقيل قال اليهود: اشتاق إلى بلد أبيه، وهو يريد أن يرضي قومه، ولو ثبت على قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله سيوجهك إليه بما في كتبهم عن أنبيائهم.
ثم فرض صيام شهر رمضان...................................................
الحواشي
(١) ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي رجلا اختلف في إسلامه.
فقد ذكر ابن إسحاق: أن سويد بن الصامت لقي النبي ﷺ قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة فقتل به في وقعة بعاث، بضم الموحدة وإهمال العين ومثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: وكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم. وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار، فقلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسرار، انتهى.
"وقيل: قال اليهود" مقابل ما فهم من كلامه المتقدم أن ما ولاهم عن قبلتهم صدر عنهم وعن المنافقين والمشركين، "اشتاق إلى بلد أبيه،" مكة "وهو يريد أن يرضي قومه" قريشا "ولو ثبت عى قبلتنا لرجونا أن يكون هو النبي الذي ننتظر أن يأتي" وهذا القول نقله في العيون عن السدي، وزاد عنه: وقال المنافقون: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وقال كفار قريش: تحير على محمد دينه، فاستقبل قبلتكم وعلم أنكم أهدى منه ويوشك أن يدخل في دينكم، "فأنزل الله تعالى" في اليهود: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٤] ، أي: التوراة، ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني أن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم" قال السدي: وأنزل فيهم: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيتين، قال: أي يعرفون أن قبلة النبي الذي يبعث من ولد إسماعيل قبل الكعبة كذلك هو مكتوب عندهم في التوراة وهم يعرفونه بذلك، كما يعرفون أبناءهم وهم يكتمون ذلك وهم يعلمون أنه الحق، يقول الله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] ، أي الشاكين: وأنزل الله في المنافقين: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب﴾ [البقرة: ١٤٢] ، وفي المشركين: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة﴾ [البقرة: ١٥٠] الآية.
"ثم فرض صيام شهر رمضان" ذكر بعضهم حكمة كونه شهرا، فقال: لما تاب آدم منстр. 765
بعدما حولت القبلة إلى الكعبة بشهر، في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه ﵇.
وزكاة الفطر قبل العيد بيومين: أن يخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير، أو صاع من زبيب، أو صاع من بر، وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال. وقيل إن زكاة الأموال فرضت فيها، وقيل: قبل الهجرة والله أعلم.
الحواشي
(١) أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوما، فلما صفا جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام شهر، انتهى.
روى الواقدي عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد الخدري، قالوا: نزل فرض شهر رمضان "بعدما حولت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان،" أي: في نصفه بناء على أن التحويل في نصف رجب، أو في أوله بناء على أنه في آخر جمادى الآخرة، ولا يأتي هنا القول بأنها حولت في نصف شعبان؛ لأنه يلزم أن فرض الصوم في نصف رمضان، "على رأس" أي: أول، "ثمانية عشر شهرا، من مقدمة ﵇" المدينة تقريبا، فلا بد من التجوز إما في شهر أو في ثمانية عشر، "و" فرضت "زكاة الفطر" في هذه السنة، كما في حديث الثلاثة، وزاد المؤلف: تبعا لما في أسد الغابة. "قبل العيد بيومين" وهي كما في حديثهم "أن يخرج عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى صاع من تمر، أو صاع من شعير" بفتح الشين وتكسر "أو صاع من زبيب، أو صاع من بر" أي: قمح، كذا في حديث الثلاثة، كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عند أبي داود وأحمد والترمذي وحسنه. وذكر أبو داود: أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان هذه الأشياء.
وفي الصحيحين: أن معاوية هو الذي قوم ذلك. وعند الدراقطني عن عمر: أمر ﷺ عمرو بن حزم بنصف صاع من حنطة، ورواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس مرفوعا، وفيه: فقال علي: أما إذ وسع الله فأوسعوا، اجعلوه صاعا من بر وغيره، ويرى صاعا من دقيق، ولكنها وهم من سفيان بن عيينة نبه عليه أبو داد. "وذلك قبل أن تفرض زكاة الأموال" من جملة حديث عائشة وابن عمر وأبي سعيد، "وقيل: إن زكاة الأموال فرضت فيها" أي: السنة الثانية، وقيل: بعدها، وقيل: سنة تسع، "وقيل:" فرضت زكاة الأموال "قبل الهجرة" حكاه مغلطاي وغيره، واعترض بأنه لم يفرض بمكة بعد الإيمان إلا الصلاة كل الفروض بالمدينة، وإن قيل فرض الحج قبل الهجرة فالصحيح خلافه، والأكثر أن فرض الزكاة إنما كان بعد الهجرة "والله أعلم" بالصواب من ذلك، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.стр. 766
" باب غزوة بدر العظمى ":
ثم غزوة بدر الكبرى، وتسمى العظمى، والثانية، وبدر القتال.
وهي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، كان نزلها، وقيل: بدر بن الحارث، حافر بئرها، وقيل بدر اسم البئر التي بها سميت لاستدارتها، أو لصفائها ورؤية البدر فيها.
وقال ابن كثير: وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله،.................
الحواشي
(١) باب غزوة بدر العظمى:
"ثم" بعد مجموع ما ذكر "غزوة بدر" أو في العطف تغليب أو الترتيب ذكرى، فلا يرد تأخر زكاة الفطر عن وقت بدر "الكبرى" نعت لغزوة لا لبدر، "وتسمى العظمى والثانية وبدر القتال" لوقوعه فيها دون الأولى والثالثة، وتسمى أيضا بدر الفرقان، "وهي قرية مشهورة" بين مكة والمدينة على نحو أربع مراحل من المدينة، قاله النووي، وفي معجم ما استعجم: على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة يذكر ولا يؤنث جعلوه اسم ماء، "نسبت إلى بدر بن يخلد" بفتح التحتية وإسكان الخاء المعجمة وضم اللام غير منصرف للعلمية ووزن الفعل هكذا في نسخة صحيحة، وهي المنقول فما في أكثر النسخ كبعض نسخ الفتح مخلد بالميم تحريف من النساخ "ابن النضر" بضاد معجمة جماع قريش، ولا يستعمل إلا باللام، فلا يلتبس بنصر بمهملة؛ لأنه بلا لام "ابن كنانة" لأنه "كان نزلها" وعلى هذا اقتصر اليعمري، وصدر به في الفتح.
"وقيل: بدر بن الحارث حافر بئرها" وبهذا صدر مغلطاي وأسقط الأول قائلا: وقيل بدر بن كلدة: "وقيل": نسبت القرية إلى "بدر" فهو مجرور منون، "اسم البئر التي بها سميت" البئر بدرا "لاستدارتها" كبدر السماء "أو" يعني، وقيل: كما في سيرة مغلطاي: سميت البئر بدرا "لصفائها" أي: صفاء مائها "ورؤية البدر فيها" وقال ابن قتيبة: كانت البئر لرجل يسمى بدرا من غفار، وقيل: بدر رجل من بني ضمرة. وحكى الواقدي إنكار ذلك كله عن غير واحد من شيوخ بني غفار: وإنما هي ماؤنا ومنازلنا وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها من البلاد. قال البغوي: وهذا قول الأكثر.
"قال ابن كثير: وهو" أي: يوم بدر، "يوم الفرقان" المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَان﴾ [الأنفال: ٤١] الآية؛ لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، قاله ابن عباس رواه ابن جرير وابن المنذر وصححه الحاكم، "الذي أعز الله فيه الإسلام" قواه وأظهره، "و" قوى "أهلهстр. 767
ودمغ فيه الشرك وخرب محله، وهذا مع قلة عدد المسلمين، وكثرة العدو مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد، والعدة الكاملة، الخيل المسومة، والخيلاء الزائد، أعز الله به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي ﷺ وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين:.........................
الحواشي
(١) ودمغ" الله "في الشرك أخفاه وأذهب شوكته، يقال: دمغه كسر عظم دماغه، فشبه الشرك بالدماغ المكسورة استعارة بالكناية، وأثبت الدمغ له تخييلا أو الاستعارة في الفعل فهي تبعية، "وخرب محله" أي: أهله الذين كانوا يعظمونه، أو خرب الأماكن التي كان ظاهرا فيها، والأول أظهر؛ لأن تخريب أماكنه إنما كان بعد فتح مكة بهدم العزى وتكسير هبل وإزالة جميع الأصنام. "وهذا" المذكور من عز الإسلام ودمغ الشرك حاصل "مع قلة عدد المسلمين وكثرة العدو" فهو آية ظاهرة على عناية الله تعالى بالإسلام وأهله، "مع ما" أي: حال "كانوا" أي: العدو "فيه من" القوة الحاصلة لهم بلبس "سوابغ الحديد" أي: الدروع الحديد السوابغ، أي: الواسعة من إضافة الصفة للموصوف وتقدير القوة إلخ؛ لأن السوابغ ليست حالا حتى يبين بها ما كانوا عليه.
"والعدة" بضم العين "الكاملة" أي: الاستعداد والتأهب، والعدة ما أعددته من المال والسلاح أو غير ذلك، كما في المصباح، فعطفه على ما قبله عطف عام على خاص على الثاني ومسبب على سبب على الأول. "والخيل" جمع لا واحد له من لفظه "المسومة" الراعية أو من السمة وهي العلامة أو البارعة الجمال، وذكره بعد العدة من الخاص بعد العام، "والخيلاء" بضم الخاء وكسرها الكبر "الزائد" فذكر رعاية لمعناه، وفي نسخة الزائدة بالهاء رعاية للفظة؛ لأن فيه ألف التأنيث، "أعز الله به رسوله وأظهر وحيه وتنزيله" أي: القرآن عطف أخص على أعم أو تفسير إن أريد الأعم على أن الوحي بمعنى الموحى والتنزيل بمعنى المنزل أعم من أن يكون لفظا أو معنى، "وبيض وجه النبي" كناية عن ظهور بهجة السرور، فأطلق البياض وأريد لازمه نحو يوم تبيض وجوه، أي: أظهر سرور النبي ﷺ ، "وقبيله" أي: أتباعه بالنصب عطف على رسوله أو على وجه بتقدير مضاف، أي: وبيض وجه قبيلة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
"وأخزى الشيطان" إبليس وغيره من الشياطين "وجيله" أتباعه من أهل الضلال والزيغ نسبوا إليه لقبولهم ما وسوس به فضلوا عن الحق واتبعوه، أو المراد إبليس وأعوانه من الشياطين، والأول أولى لإفادته العموم في أنه أخرى شياطين الجن والأنس. "ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين" قال شيخنا: أضافهم إليه تشريفا، فالمراد الكاملون في الإيمان، فقوله: "وحزبه" أي: أنصار دينه "المتقين" مساوٍ لما قبله بالنظر للتحقيق والوجود، وهو ما صدق عليه المؤمن والمتقي له في المفهوم، فإن العبد معناه الذي لا يملك لنفسه شيئا مع سيده، فكأنه قال: علىстр. 768
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] أي قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد. انتهى.
فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام، إذ منها كان ظهوره، وبعد وقوعها أشرق على الآفاق نوره، ومن حين وقوعها أذل الله الكفار، وأعز الله من حضرها من المسلمين، فهو عنده من الأبرار.
الحواشي
(١) عباده الذين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، بل كانوا منقادين له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ حال من الضمير، ولم يقل ذلائل، ليدل على قتلهم، "أي: قليل عددكم" فهو من ذكر السبب وإرادة المسبب وإلا فأذلة جمع ذليل ضد عزيز، وقلة العدد سبب لذلك، أي: قليلون بالنسبة إلى من لقيتم من المشركين من جهة أنهم كانوا مشاة إلا قليلا وعارين من السلاح؛ لأنهم لم يأخذوا أهبة القتال كما ينبغي، وإنما خرجوا لتلقي الغير بخلاف المشركين، "لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله" كما قال تعالى: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم﴾ [آل عمران: ١٦٠] ، "لا بكثرة العدد" بفتح العين "والعدد" بضمها جمع عدة، كغرفة وغرف، "انتهى" كلام اب كثير.
"فقد كانت هذه الغزوة أعظم غزوات الإسلام" أي: أفضلها وأشرفها، قال في الاستيعاب: وليس في غزواته ما يصل لها في الفضل ويقرب منها غزوة الحديبية حيث كانت بيعة الرضوان، انتهى. فليس المراد العظم من حيث كثرة الجند والشدة؛ لأن في غيرها ما هو أقوى منها في ذلك، ويدل لهذا قوله: "إذ منها كان ظهوره" أي: كمال انتشار الإسلام وكثرة الداخلين فيه، "وبعد وقوعها أشرق على الآفاق" جمع أفق بضمتين وبسكون الفاء أيضا، كما مر في: وضاءت بنورك الأفق. وفي القاموس: الأفق بضمة وبضمتين الناحية، انتهى. أي: من الأرض والسماء "نوره" عدله وإصلاحه بعد الشدة التي كان فيها من المشركين، سماه نورا؛ لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق "ومن حين" أي: وقت "وقوعها أذل الله الكفار" بقتل صناديدهم وأسرهم، "وأعز الله من حضرها من المسلمين" والملائكة "فهو عنده من الأبرار" الأتقياء المقربين، فقد قال ﷺ : "لعل الله أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة "، أو: "فقد غفرت لكم".
وقال في حارثة بن سراقة الأنصاري: وقد أصيب يومئذ وأنه في جنة الفردوس وجاءه جبريل، فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة"، رواها البخاري وهي بشارة عظيمة، وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله ورسوله للوقوع، على أن أحمد وأبا داود وغيرهما، ورووه بلفظ: "إن الله أطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وقال ﷺ : "لا يدخل النار من شهدстр. 769
وكان خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا، ويقال: لثمان خلون منه. قاله ابن هشام.
واستخلف أبا لبابة.
وخرجت معه الأنصار، ولم تكن قبل ذلك خرجت معه.
وكان عدة من خرج معه ثلاثمائة......................................
الحواشي
(١) بدرا وا لحديبية"، رواه مسلم.
"وكان خروجهم يوم السبت" كما جزم به مغلطاي وعند ابن سعد: يوم الاثنين، وقالا: معا "لثنتي عشرة" ليلة "خلت من رمضان" وزاد مغلطاي: "على رأس تسعة عشر شهرا" لأن باقي سنة القدوم عشرة أشهر تقريبا والماضي من السنة الثانية ثمانية أشهر كاملة، وما مضى من رمضان في مقابله الماضي من ربيع الأول "ويقال: لثمان خلون منه، قاله" أي: هذا القول الثاني عبد الملك "بن هشام" تفسيرا لقول شيخ شيخه ابن إسحاق. خرج لليال مضت من رمضان، "واستخلف أبا لبابة" بشيرا، وقيل: رفاعة بن عبد المنذر الأوسي رده من الروحاء واليا على المدينة، كذا قاله ابن إسحاق.
قال الحاكم: لم يتابع على ذلك إنما كان أبو لبابة زميل النبي ﷺ ورده مغلطاي بمتابعته له في المستدرك، قال: وبنحوه ذكره ابن سعد وابن عقبة وابن حبان، انتهى. فيكون زميل المصطفى حصل قبل رده إياه من الروحاء: قرية على ليلتين من المدينة والصلاة معا قبل رد أبي لبابة من الروحاء قبل رده إياه من الروحاء: قرية على ليلتين من المدينة، والصلاة معا قبل رد أبي لبابة من الروحاء، انتهى. أي: فبقي على الصلاة فقط. "وخرجت معه الأنصار ولم تكن قبل ذلك خرجت معه" وما ظنوا أنه يقع قتال؛ لأن خروجهم إنما كان لتلقي العير "وكان عدة" البدريين ثلاثمائة عشر، كما رواه أحم والبزار والطبراني عن ابن عباس، وهو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي وللطبراني والبيهقي عن أبي أيوب، قال: خرج ﷺ إلى بدر، فقال لأصحابه: "تعادوا" فوجدهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا، ثم قال لهم: "تعادوا" فتعادوا مرتين فأقبل رجل على بكر له ضعيف وهم يتعادون فتمت العدة ثلاثمائة وخمسة عشر، وللبيهقي أيضا بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: خرج ﷺ يوم بدر ومعه ثلاثمائة وخمسة عشر ولا تنافي، لاحتمال أن الأول لم يعد المصطفى ولا الرجل الآتي آخرا. وفي حديث عمر عند مسلم: ثلاثمائة وتسعة عشر، قال الحافظ: فيحمل على أنه ضم إليهم من استصغر ولم يؤذن له في القتال، كابن عمر والبراء وأنس وجابر وللبزار من حديث أبي موسى ثلاثمائة وسبعة عشر. وحكى السهيلي أنه حضر مع المسلمين سبعون نفسا من الجن كانوا أسلموا، وإذا تحرر هذا، فليعلم أن الجميع لم يشهدوا القتال، وإنما عدة "من خرج معه" واستمر حتى شهد القتال "ثلاثمائةстр. 770
وخمسة، وثمانية لم يحضروها، إنما ضرب لهم بسهمهم وأجرهم فكانوا كمن حضرها.
الحواشي
(١) وخمسة" قاله ابن سعد: ولابن جرير عن ابن عباس: وستة.
قال الحافظ: فكأن ابن سعد لم يعد النبي ﷺ فيهم، قال ابن سعد: المهاجرون منهم أربعة وستون وسائرهم من الأنصار، وهو يفسر قول البراء عند البخاري: كان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والأنصار نيفا وأربعين ومائتين. وفي البخاري عن الزبير، قال: ضربت يوم بدر للمهاجرين بمائة سهم، وجمع الحافظ بأن حديث البراء فيمن شهدها حسا وحكما، أو المراد بالعدد الأول الأحرار، والثاني: بانضمام مواليهم وأتباعهم.
وسرد ابن إسحاق أسماء من شهدها من المهاجرين، وذكر معهم خلفاءهم مواليهم، فبلغوا ثلاثة وثمانين رجلا، وزاد عليه ابن هشام ثلاثة. وسردهم الواقدي خمسة وثمانين. ولأحمد والبزار والطبراني عن ابن عباس: أن المهاجرين ببدر كانوا سبعة وسبعين، فلعله لم يذكر من ضرب له بسهم ممن لم يشهدها حسا. وقال الداودي: كانوا على التحرير أربعة وثمانين ومعهم ثلاثة أفراس فأسهم لهم بسهمين وضرب لرجال أرسلهم في بعض أمره بسهامهم، فصح أنها كانت مائة بهذا الاعتبار.
قال الحافظ: ولا بأس بما قاله، لكن ظهر لي أن إطلاق المائة إنما هو باعتبار الخمس وذلك أنه عزله ثم قسم ما عداه على ثمانين سهما عدد من شهدها ومن ألحق بهم، فإذا أضيف له الخمس كان ذلك من حساب مائة سهم، انتهى. وقد ينازع فيما ظهر له بأن الخمس لا يكون نسبته للمهاجرين فقط، وسرد اليعمري: المهاجرين أربعة وتسعين، والخزرج مائة وخمسة وتسعين، والأوس أربعة وسبعين، فلذلك ثلاثمائة وثلاثون وستون، قال: وإنما ذلك من جهة الخلاف في بعضهم. وفي الكواكب: فائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق وترجيحهم على غيرهم والدعاء لهم بالرضوان على التعيين. وقال العلاة الدواني: سمنا من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم في البخاري مستجاب وقد جرب.
"وثمانية لم يحضروها" لكنهم "إنما" تخلفوا للضرورات ولذا "ضرب لهم بسهمهم" بأن أعطاهم ما يخصهم من الغنيمة، "وأجرهم" بأن أخبرهم أن لهم أجر من شهدها، "فكانوا كمن حضرها" فعدوا في أهلها، وهم: عثمان بن عفان تخلف على زوجته رقية بنت النبي ﷺ بإذنه وكانت مريضة مرض الموت، فقال له ﷺ كما في البخاري: "إن لك لأجر رجل ممن شهدها وسهمه"، وطلحة وسعيد بن زيد بعثهما يتجسسان عير قريش، ومن الأنصار: أبو لبابة استخلفه على المدينة، وعاصم بن عدي على أهل العالية، والحارث بن حاطب على بني عمرو بن عوفстр. 771
وكان معهم ثلاثة أفراس: "بعزجة" فرس المقداد، وفرس الزبير وفرس لمرثد الغنوي، لم يكن لهم خيل يومئذ غير هذه، وكان معهم سبعون بعيرا.
الحواشي
(١) لشيء بلغن عنهم، والحارث بن الصمة وقع بالروحاء فكسر فرد هؤلاء من الروحاء وخوات بن جبير أصابه حجر في ساقه فرده من الصفراء هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد.
وذكر الواقدي عن سعد بن مالك الساعدي والد سهل، قال: تجهز ليخرج لبدر فمات فضرب له بسهمه وأجره، وممن اختلف فيه هل شهدها أو رد لحاجة سعد بن عبادة، وصبيح مولى أبي أحيحة رجع لمرضه، وفي المستدرك: أن جعفر بن أبي طالب ضرب له ﷺ يومئذ بسهمه وأجره وهو بالحبشة، وأقره الذهبي، فهؤلاء اثنا عشر.
"وكان معهم ثلاثة أفراس بعزجة" بفتح الموحدة وإسكان المهملة فزاي فجيم مفتوحتين فتاء تأنيث، كما في النور. وحرف نساخ الشامية الزاي بالراء، فقد قال السهيلي: البعزجة شدة جري الفرس في مغالبة، كأنه منحوت من أصلين: من بعج إذا شق، وعز، أي غلب، انتهى. "فرس المقداد" بن عمرو الشهير بابن الأسود، كأنها سميت بذلك لشدة جريها، ويقال: اسمها سبحة، بفتح السين وإسكان الموحدة وبالحاء المهملتين وتاء تأنيث، وبه صدر الشامي، لكن صدر اليعمري بالأول، وجزم به في الروض، فلذا اقتصر المصنف عليه.
واليعسوب بفتح التحتية فعين فسين مضمومة مهملتين فواو ساكنة فموحدة "فرس الزبير" بن العوام، وقيل: اسمها السيل، وبه صدر الشامي وعلى الأول اقتصر اليعمري. "وفرس لمرثد" بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة ودال مهملة، ابن أبي مرثد كناز بن الحصين، "الغنوي" بفح المعجمة والنون نسبة إلى غنى بن يعصر، صحابي ابن صحابي، بدري ابن بدري، "لم يكن لهم يومئذ خيل غير هذه" الثلاثة وثبت ذكر فرس مرثد عند ابن سعد في روية، وجزم المصنف في المقصد الثامن بأنه لم يكن معهم غير فرسين للمقداد والزبير، وقال ابن عقبة: ويقال كان معه ﵇ فرسان، واستشكل هذا بما رواه أحمد بإسناد صحيح عن علي، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، وأجيب بحمل النفي على بعض الأحوال دون الباقي، لكن في التقريب للحافظ: لم يثبت أنه شهدها فارس غير المقداد.
"وكان معهم" كما قال ابن إسحاق: "سبعون بعيرا" فاعتقبوها، فكان ﷺ وعلي وزيد بن حارثة، ويقال: مرثد يعتقبون بعيرا هكذا. وقد روى الحارث بن أبي أسامة وابن سعد عن ابن مسعود: كنا يوم بدر كل ثلاثة بعير، وكان أبو لبابة وعلي زميل رسول الله ﷺ ، فكان إذا كانت عقبة النبي ﷺ ، قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: "ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" وعليه فجملة الذين يعتقبون مائتان وعشرة، فيحتمل أن الباقين لمстр. 772
وكان المشركون ألفا ويقال: تسعمائة وخمسون رجلا، معهم مائة فرس، وسبعمائة بعير.
الحواشي
(١) يركبوا، أو أن الثلاثة تركب مدة يدفعونه إلى غيرهم ليركبه مدة أخرى، والعقبة النوبة، كما في المصباح. فالمراد: أن كل واحد يركب مدة وركوب أبي لبابة معهم كان قبل رده من الروحاء وبعده أعقب مرثدا، كما عند ابن إسحاق، أو زيدا، كما عند غيره.
وذكر ابن إسحاق: أنه ﷺ دفع اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، قال: وكان أمامه ﵇ رايتان سوداوان بن عمير، ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ. قال اليعمري: والمعروف أن سعد بن معاذ كان على حرس لرسول الله ﷺ في العريش، وأن لواء المهاجرين كان بيد علي ثم روى بسنده عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أعطى عليا الراية يوم بدر، وهو ابن عشرين سنة. وأجيب عن الأول بأن هذا كان عند خروجهم وفي الطريق، فيحتمل أن سعد لغيره أدفعه لغيره بإذنه ﷺ ليحرسه في العريش، إذ هو ببدر.
"وكان المشركون ألفا" كما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عباس عن عمر، ورواه ابن سعد عن ابن مسعود، "ويقال" هم "تسعمائة وخمسون رجلا" مقاتلا "معهم مائة فرس وسبعمائة بعير" قال ابن عقبة وابن عائذ، والتقييد بمقاتلا لفظهما، فيمكن الجمع بأن باقي الألف الخمسين غير مقاتلين. وعند ابن إسحاق: أنه ﷺ بعث عليا والزبير وسعد بن مالك في نفر إلى ماء بدر يلتمسون له الخبر، فأصابوا رواية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج وغريض أبو يسار غلام بني العاصي فأتوا بهما، والنبي ﷺ يصلي فلما سلم، قال: "أخبراني عن قريش" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي تراه بالعدوة القصوى، قال: "كم القوم"؟ قالا: كثير، قال: "ما عدتهم"؟ قال: ما ندري قال: "كم ينحرون كل يوم" قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال ﷺ : "القوم ما بين التسعمائة والألف"، ثم قال: "فمن فيهم من أشرف قريش"، فسميا له خمسة عشر، فأقبل ﷺ على الناس، فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها" أي: قطع كبدها، شبه أشرافهم بفلذة الكبد بفاء ومعجمة المستور في الجوف وهو أفضل ما يشوى من البعير عند العرب، وأمرؤ.
قال ابن عقبة: وزعموا أن أول من نحر لهم عشر جزائر حين خرجوا من مكة أبو جهل، ثم صفوان تسعا بسعفان، ثم سهيل عشرا بقديد، ومالوا منه إلى نحو البحر فضلوا، فأقاموا يوما فنحر شيبة تسعا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر مقيس الجمحي تسعا، ونحر العباس عشرا، والحارث تسعا، وأبو البختري على ماء بدر عشرا، ومقيس عليه تسعا، ثم شغلهم الحرب فأكلوا من أزوادهم.стр. 773
وكان قتالهم يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل يوم الاثنين وقيل غير ذلك.
وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] .
وإنما قصد ﷺ والمسلمون التعرض لعير قريش، وذلك أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكبا منهم عمرو بن العاصي،..................
الحواشي
(١) "وكان قتالهم يوم الجمعة" عند الأكثرين، قال ابن عساكر: وهو المحفوظ، "لسبع عشرة خلت من رمضان" قاله ابن إسحاق، وتبعه في الاستيعاب والعيون والإشارة، ولا يوافق ما مر أن خروجهم يوم السبت لثنتي عشرة خلت من رمضان، إلا أن يكون وقع خلاف في هلاله، فالقائل بخروجهم ثاني عشرة بناء على أن أوله الثلاثاء، والقائل بأن القتال في سابع عشره بناء على أن أوله الأربعاء. "وقيل: يوم الاثنين" رواه ابن عساكر في تاريخه بإسناد ضعيف، قال أبو عمر: لا حجة فيه عند الجميع، "وقيل غير ذلك،" فقيل: لسبع عشرة بقيت من رمضان، وقيل: لثنتي حجة فيه عند الجميع، "وقيل غير ذلك" فقيل: لسبع عشرة بقيت من رمضان، وقيل: لثنتي عشرة خلت منه، ويقال: لثلاث خلون منه، حكاها كلها مغلطاي. وعلى الأخير فخروجهم قبل رمضان.
"وكانت من غير قصد من المسلمين إليها ولا ميعاد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم وهم للقتال ثم علمتم حالهم وحالكم، ﴿لَاخْتَلَفْتُم﴾ ، أنتم وهم ﴿فِي الْمِيعَاد﴾ الآية، هيبة منه وبأسا من الظفر علهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنيعا من الله خارقا للعادة، فيزدادوا إيمانا وشكرا، ﴿وَلَكِنْ﴾ جمعكم بغير ميعاد ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] حقيقا بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه، "وإنما قصد ﷺ والمسلمون التعرض لعير قريش" التي خرج ﵇ في طلبها وهي ذاهبة. من مكة إلى الشام، حتى بلغ العشيرة فوجدها سبقته بأيام، فلم يزل مترقبا لرجوعها من الشام، "وذلك" كما أخرجه ابن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان عن عروة: "أن أبا سفيان" صخر بن حرب المسلم في الفتح ﵁، "كان بالشام في ثلاثين راكبا" كذا نقله الفتح عن ابن إسحاق والذي في ابن هشام عن البكائي عنه في ثلاثين أو أربعين، وتبعه اليعمري وغيره، فإما أنه اقتصار على المحقق، أو رواية أخرى عنه.
"منهم:" مخرمة بن نوفل و"عمرو بن العاصي" أسلما بعد ذلك وصحبا ﵄،стр. 774
فأقبلوا في قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي ﷺ ذلك، فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو، وقال: "هذه عير لقريش فيها أموال فأخرجوا إليها، لعل الله أن ينفلكموها".
فلما سمع أبو سفيان بسيره ﵇، استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري أن يأتي قريشا بمكة، فيستغفرهم ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لعيرهم في أصحابه.
فنهضوا في قريب من ألف مقنع ولم يتخلف أحد من أشراف قريش إلا أبا لهب، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة.
الحواشي
(١) وقال ابن عقبة: وابن عائذ في سبعين رجلا وكانت عيرهم ألف بعير، ولم يكن لحويطب بن عبد العزى شيء فلم يخرج معهم، "فأقبلوا في قافلة عظيمة فيها أموال قريش" يقال: كان فيها خمسون ألف دينار، وكأن لم يبق قرشي ولا قرشية له مثقال إلا بعث به في العير، "حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه ذلك" حذف الفاء أولى؛ لأن ما بعدها جواب إذا وهو ماض متصرف، فلا تقترن به الفاء "فندب أصحابه" أي: دعاهم "إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو" إذ غاية ما قيل: أنهم سبعون، "وقال: "هذه عير لقريش فيها أموال" كثيرة "فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها" مثله في العيون، وفي نسخة: "يغنمكموها" ومثله في السبل.
وكل عزى لابن إسحاق والخطب سهل، قال في الرواية: فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم ظنوا أنهم لم يلقوا حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان، "فلما سمع أبو سفيان بسيره ﵇" عن بعض الركبان أن محمدا قد استنفر لك ولعيرك، "استأج ضمضم" بفتح المعجمة بعد كل ميم أولاهما ساكنة، "ابن عمرو الغفاري" بكسر المعجمة وتخفيف الفاء، قال في النور: الظاهر هلاكه على كفره، "أن يأتي قريشا بمكة" بعشرين مثقالا وأمره أن يجدع بعيره، أي: يقطع أنفه ويحول رحله ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، "فيستنفرهم" يحثهم على الخروج بسرعة، "ويخبرهم أن محمد قد عرض" أي: ظهر "لعيرهم في" مع "أصحابه" فلما بلغ مكة فعل ما أمر به، وهو يقولك يا معشر قريش!! اللطيمة اللطيمة، أموالك مع أبي سفيان عقد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك، "فنهضوا في قريب من ألف مقنع" وكانوا ما بين رجلين إما خارج وإما باعث مكثه رجلا، "ولم يتخلف أحد من أشراف قريش، إلا أبا لهب" وفي نسخة: إلا أبا لهب، وكلاهما صحيح. "وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة" أخا أبيстр. 775
وخرج رسول الله ﷺ أصحابه، حتى بلغ الروحاء، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناس في طلب العير، وحرب النفير، وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير وإما قريش..............................................
الحواشي
(١) جهل كان له عليه أربعة آلاف درهم أفلس له بها فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه واشتد حذر أبي سفيان، فأخذ طريق الساحل وجد في السير حتى فات المسلمين، فلما أمن أرسل إلى قريش يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل، "وخرج رسول الله ﷺ " قال ابن إسحاق: وضرب عسكره ببئر أبي عنبة، كواحدة العنب المأكول على ميل من المدينة، فعرض "أصحابه" ورد من استصغر وسار "حتى بلغ الروحاء" بفتح الراء وسكون الواو وحاء مهملة ممدودة: قرية على نحو أربعين ميلا من المدينة. وفي مسلم: على ستة وثلاثين. وفي كتاب ابن أبي شيبة: على ثلاثين، ونزل ﷺ سجسجا، يفتح السين المهملة وسكون الجيم بعدهما مثلهما، وهي بئر الروحاء سميت بذلك، قال السهيلي: لأنها بين جبلين، وكل شيء بين شيئين سجسج، انتهى.
وهو تفسير مراد، ففي اقاموس: السجسج: الأرض ليست بصلبة ولا سهلة، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، "فأتاه الخبر" بعد أن سار من الروحاء وقرب من الصفراء، كما عند ابن إسحاق. "فأتاه الخبر" بعد أن سار من الروحاء وقرب من الصفراء، كما عند ابن إسحاق. "عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم" من رسوليه اللذين بعثهما يتجسسان الأخبار عن أبي سفيان، أحدهما: بسبس، بموحدتين مفتوحتين ومهملتين أولاهما ساكنة، ووقع لجميع رواة مسلم وبعض رواة أبي داود: بسبسة بضم الموحدة وفتح المهملة وإسكان التحتية وفتح السين وتاء تأنيث والمعروف، قال الذهبي وغيره: وهو الأصح الأول، وكذلك ذكره ابن إسحاق والدارقطني وابن عبد البر وابن ماكولا والسهيلي، قال في الإصابة: وهو الصواب، فقد قال ابن الكلبي: إنه الذي أراده الشاعر بقوله:
أقم لها صدورها يا بسبس ... إن مطايا القوم لا تجسس
وهو ابن عمرو الجهني، كما نسبه ابن إسحاق: قال السهيلي: ونسبه غيره إلى ذبيان الأنصاري حليف الخزرج، والثاني: عدي بن أبي الزغباء سنان الجهني حليف بني النجار، الزغباء بفتح الزاي وسكون المعجمة وموحدة ممدودة، فمضي حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، وأخذا يستسقيان من الماء فسمعا جاريتين، تقول إحداهما لصاحبتها: إن أتاني الغير غدا أو بعد غد أعمل لهم ثم أقضك الذي لك، فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا، "فاستشار النبي ﷺ الناس" أصحابه ﵃ "في طلب العير و" في "حرب النفير" القوم النافرين للحرب، يعني: خيرهم بين أن يذهبوا للعير أو إلى محاربة النافرين لقتالهم، وأخبرهم عن قريش بمسيرهم، "وقال: "إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريش"следующие страницы →