Полный текст (5 943 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وكان عمه وحنين الجذع في السنة الثامنة -بالميم- من الهجرة، وبه جزم ابن النجار.........................................................
الحواشي
(١) وقول جعفر المستغفري، اسمها علاثة بمهملة ومثلثة تصحيف، كما قاله أبو موسى المديني. وعند الطبراني في الأوسط: اسمها عائشة، وإسناده ضعيف. وروى أبو نعيم: أن صانعه باقوم بموحدة فألف فقاف فواو فميم، الرومي مولى سعيد بن العاصي، أو باقوم بلام آخره، وهي رواية عبد الرزاق أو صباح بضم المهملة وخفة الموحدة، أو قبيصة المخزومي، أو مينا بكسر الميم، أو صالح مولى العباس، أو إبراهين، أو كلاب وهو أيضا مولى العباس، أو تميم الداري. روى أبو داود وغيره عن ابن عمر أن تميما الداري قال لرسول الله ﷺ ، لما كثر لحمه: "ألا تتخذ لك منبرا يحمل عظامك؟ " قال: "بلى"، فاتخذ له منبرا ... الحديث، قال في الفتح: وليس في جميع الروايات التي سمي فيه النجار شيء قوي السند، إلا حديث ابن عمر فإن إسناده جيد، لكن لا تصريح فيه بأن صانعه تميم، بل بين ابن سعد في روايته من حديث أبي هريرة أن تميما لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب القول بأنه ميمون، لكونه من طريق سهل بن سعد. وأما الأقوال الأخرة فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدا أن يجمع بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة.
وأما احتمال كون الجميع اشتركوا في عمله، فيمنع منه قوله في كثير من الروايات السابقة لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، يقال له ميمون، إلا أن حمل على المراد بالواحد في صناعته والبقية أعوانه، فيمكن. وكان ثلاث درجات إلى أن زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات، وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمل إليه المنبر، فأمر بقلعه فقلع، فأظلمت المدينة وانكسفت الشمس، حتى رأوا النجوم، فخرج مروان فخطب، فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارا فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق، واستمر على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، فجدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيد شيخ منبرا فبقي إلى سنة سبع وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهر خشقدم منبرا.
"وكان عمله" أي: المنبر النبوي "وحنين الجذع في السنة الثامنة، بالميم" والنون احترازا من الثانية بنون وياء، "من الهجرة" حكاه ابن سعد، "وبه جزم ابن النجار" الحافظ الإمام البارع المؤرخ أبو عبد الله محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي الثقة الدينстр. 702
وعورض: بما في حديث الإفك في الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان -الأوس والخزرج- حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا.
وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة: وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان، وقدوم تميم سنة تسع.
وعن بعض أهل السير: أنه ﵇ كان............................................................
الحواشي
(١) الورع الفهم، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة وسمع ابن الجوزي وطبقته وله ثلاثة آلاف شيخ وتصانيف، ومات سنة ثلاث وأربعين وستمائة، "وعورض بما في حديث الإفك في الصحيحين" لما رقى ﷺ المبر، وقال: "يا معشر المسلمين!! من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي -يعني عبد الله بن أبي- والله ما علمت على أهلي إلا خيرا" فقام سعد بن معاذ، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير فقال لابن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه.
"قالت عائشة: فثار الحيان الأوس والخزرج" بمثلثة، أي: نهض بعضهم إلى بعض من الغضب، "حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر، فنزل فخفضهم" بالتشديد، أي: تلفط بهم "حتى سكتوا" وتركوا المخاصمة وسكت ﵇. وقصة الإفك كانت في سنة خمس، كما في مغازي ابن عقبة، ونقل البخاري عنه سنة أربع وهم كما قاله الحافظ وغيره، وقال ابن إسحاق: سنة ست فعلى كل لا يصح كون عمله في الثامنة، قال الحافظ: فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر، ألا فهو أصح مما مضى، انتهى.
يعني القول بأنه سنة ثمان، وبأنه سنة سبع، ولولا ذكر تميم فيه لأمكن الجواب باحتمال أن المنبر الذي رقاه في قصة الإفك الجذع الذي كان يخطب عليه؛ ذ المنبر كما في الصحاح وغيره: كل ما ارتفع. وأما جواب شيخنا البابلي باحتمال أنه منبر آخر غير هذا، فيرده قول ابن سعد: إن هذا أول منبر عمل في الإسلام.
"وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان في السابعة" بسين فألف فموحدة، "وعورض بذكر العباس" بن عبد المطلب "وتميم" الداري "فيه، وكان قدوم العباس" المدينة "بعد الفتح" لمكة "في آخر سنة ثمان وقدوم تميم سنة تسع" بفوقية فسين، "وعن بعض أهل السير أنه ﵇ كانстр. 703
يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب. وعورض. بأن الحديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب.
وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات.
الحواشي
(١) يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب" ولو صح لأمكن الجواب منه وسقط الإشكال، "و" لكن "عورض بأن الحديث الصحيحة" المروية في الصحيحين وغيرهما من عدة طرق، "أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب" قبل اتخاذه المنبر الذي من خشب "وستأتي قصة حنين الجذع إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات،" وهو الرابع.стр. 704
" ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ":
الحواشي
(١) ذكر المؤاخاة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين:
وكانت كما قال ابن عبد البر وغيره: مرتين، الأولى بمكة قبل الهجرة بين المهاجرين بعضهم بعضا على الحق والمواساة، فآخى بين أبي بكر وعمر وطلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن، رواه الحاكم. وفي رواية له: بين الزبير وبين ابن مسعود، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وهكذا بين كل اثنين منهم إلى أن بقي علي، فقال: آخيت بين أصحابك، فمن أخي؟ قال: "أنا أخوك". وجاءت أحاديث كثيرة في مؤاخاة النبي ﷺ لعلي، وقد روى الترمذي وحسنه الحاكم وصححه عن ابن عمر: أنه ﷺ قال لعلي: "أما ترضى أن أكون أخاك"؟ قال: بلى، قال: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"، وأنكر ابن تيمية هذه المؤاخاة بين المهاجرين خصوصا بين المصطفى وعلي، وزعم أن ذلك من الأكاذيب وأنه لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، قال: لأنها شرعت لإرفاق بعضهم بعضا، ولتتألف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاته لأحد ولا لمؤاخاة المهاجرين، ورده الحافظ بأنه رد للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ لأن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر حكمة مؤاخاته لعلي؛ لأنه هو الذي يقوم به من الصبا قبل البعثة واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد لأن زيدا مولاهم فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين.
وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيدا، قال: إن بنت حمزة ابنة أخي، وأخرج الحاكم وابن عبد البر بسند حسن عن ابن عباس: آخى النبي ﷺ بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين، وأخرجه الضياء في المختارة، وابن تيمية يصرح بأن أحاديث المختارة أصح وأقوىстр. 705
ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون،...................................
الحواشي
(١) من أحاديث المستدرك، انتهى.
والثانية هي التي ذكرها المصنف، فقال: "ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر" كما قال أبو عمر، وقيل: بثمانية، وقيل: بسبعة، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر قبل بدر، وقيل: والمسجد يبنى، وقيل: قبل بنائه، "آخى ﷺ بين المهاجرين والأنصار" قال السهيلي: ليذهب عنهم وحشة الغربة ويؤنسهم من مفارقة الأهل والعشيرة ويشد أزر بعضهم ببعض، فلما عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة أبطل المواريث وجعل المؤمنين كلهم أخوة، وأنزل ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] يعني: في التوادد وشمول الدعوة، انتهى. وقال العز بن عبد السلام: الأخوة حقيقية ومجازية، فالحقيقية المشابهة، يقال: هذا أخو هذا؛ لأنه شابهه في خروجه من البطن الذي خرج منه ومن الظهر أيضا، وآثارها المعاضدة والمناصرة، فتستعمل في هذه الآثار من التعبير بالسبب عن المسبب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات: ١٠] هو خبر معناه الأمر، أي، لينصر بعضهم بعضا، وقوله ﷺ : "المؤمن أخو المؤمن" خبر أيضا، بمعنى الأمر، ولما انقسمت الحقيقية إلى أعلى المراتب كالشقيق وإلى ما دون ذلك، كالأخ للأب أو للأم كانت المجازية كذلك، فالأخوة الناشئة عن الإسلام هي الدنيا من المجازية، ثم إنها كملت بالأخوة التي سنها ﷺ بمؤاخاته بين جماعة من أصحابه ومعناها أنه أمر ندب أن يعين كل واحد أخاه على المعروف ويعاضده وينصره، فصار المسلمان في هذه الأخوة الثانية في أعلى مراتب الأخوة المجازية كالشقيقين في الحقيقة، فإن قيل هذه الأخوة مستفادة من أصل الإسلام، فإنه يقتضي المعاونة على كل أمر جوابه، أن الأمر الثاني مؤكد لا منشئ لأم آخر؛ لأنه لا يستوي من وعدته بالمعروف من المسلمين ومن لم تعده، فإن الموعود قد وجد في حقه سببان الإسلام والمواعدة وهذه الأخوة هي التزام ومواعدة، ولا شك أن طلب الشارع للوفاء بالخير الموعود به أعلى رتبة من طلب الخير الذي لم يعد به، فقد تحقق طلب لم يكن ثابتا بأصل الإسلام وفيها فائدة أخرى، وهي أن هذه العزم المتجدد من هذا الوعد يترتب عليه من الثواب على عدد معلوماته لقوله ﷺ : "ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة"، ولا شك أن هذا ثواب عظيم، وكذلك كل من وعد بخير فإنه يثاب على عزمه ووعده ما لا يثاب على العزم المتلقى عن أصل الإسلام، انتهى.
"وكانوا تسعين رجلا من كل طائفة خمسة وأربعون" كما ذكره ابن سعد بأسانيد الواقدي، قائلا: وقيل مائة من كل طائفة خمسون. وروى ابن إسحاق: أنه ﷺ قال لهم: "تآخوا في اللهстр. 706
على الحق والمواساة والتوارث.
وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] تتميم.
الحواشي
(١) أخوين أخوين"، ثم أخذ بيد علي فقال: "هذا أخي" وآخى بينهم في دار أنس بن مالك، كما في الصحيح. وعند أبي سعد في الشرف: آخى بينهم في المسجد، "على الحق والمواساة" وبذل الأنصار ﵃ في ذلك جهدهم حتى عرض سعيد بن الربيع على أخيه عبد الرحمن بن عوف ﵁ نصف ماله، وكان له زوجان فقال: اختر إحداهما أطلقها وتزوجها، كما في الصحيح.
وروى أبو داود والترمذي عن أنس: لقد رأيتنا وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، وعزاه اليعمري لمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر وتعقبه في النور بأنه لم يره فيهما بعد التفتيش. "و" على "التوارث" وشدد الله عقد نبيه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] ، إلى قوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ [الأنفال: ٧٤] ، فاحكم الله بهذه الآيات العقد الذي عقده بينهما بتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيما بمكة والقرابا. "وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر" حين أعز الله الإسلام وجمع الشمل وذهبت الوحشة، ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] الآية" فانقطعت المؤاخاة في الميراث، وبقيت في التوادد وشمول الدعوة والمناصرة "تتميم". روى البخاري عن عاصم، قلت لأنس: أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام"، فقال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري، وأخرجه أبو داود بلفظ: حالف بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثا، وروى أبو داود عن جبير بن مطعم مرفوعا: "لا حلف في الإسلام، وأي حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة".
وروى أحمد والترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رفعه: "أوفوا بحلف الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام".
قال في النهاية: أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذاك الذي نهى عنه، بقوله: "لا حلف في الإسلام" وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذاك الذي قال فيه: "وأي حلف ... " إلخ، يريد من المعاقدة على الخير ونصر الحق، انتهى. وقول سفيان بن عيينة: حمل العلماء قول أنس على المؤاخاة تعقبه الحافظ بأن سياق عاصم عنه يقتضيстр. 707
وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر, وقيل ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرا في شوال.
الحواشي
(١) أنه أراد المحالفة حقيقة، وإلا لما كان الجواب مطابقا. وقول البخاري باب الإخاء: والحلف ظاهر في المغايرة بينهما.
"وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر" من هجرته، "وقيل: ثمانية عشر شهرا" من الهجرة فيكون البناء في السنة الثانية، وبه صدر المصنف في الزوجات، وجزم به النووي في تهذيبه، قال الحافظ: ويخالفه ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، "في شوال" كما في مسلم عنها، ولذا كانت تحب أن تدخل أهلها وأحبتها على أزواجهن في شوال، قاله أبو عمر. وقيل: بنى بها في الثامن والعشرين من ذي الحجة، والأول أصح. قال الحافظ: وإذ ثبت أنه بنى بها في شوال من السنة الأولى، قوي قول من قال دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، ووهاه النووي في تهذيبه وليس بواه إذا عددناه من ربيع الأول. انتهى.стр. 708
" باب بدء الأذان ":
وكان الناس -كما في السير وغيرها- إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين مواقيتها،.......................................
الحواشي
(١) باب بدء الأذان:
هو لغة الأعلام، قال:
آذتنا ببينها أسماء ... ليت شعري متى يكون اللقاء
وشرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة بألفاظ مخصوصة، وهو كالإقامة من خصائص الأمة المحمدية، واستشكل بما رواه لحاكم وابن عساكر وأبو نعيم بإسناد فيه مجاهيل: إن آدم لما نزل الهند استوحش فنزل جبريل فنادى بالأذان، وأجيب بأن مشروعيته للصلاة هو الخصوصية، واستطرد بعض هنا بعض خصائص سيذكرها المصنف في المقصد الرابع، واستأنف فقال:
"وكان الناس كما في السير وغيرها، إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين" بكسر اللام وفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة وسكون التحتية مضافا إلى "مواقيتها" ففي المختار: الحين الوقت، وربما أدخلوا عليه التاء، فقالوا: تحين بمعنى حين، فضبطه بفتح الحاء وشد التحتية مضمومة يخالفه مع عدم ظهور المعنى؛ إذ التحيين ضرب الحين، أي: الوقت، إلا أن يوجه بأنهم لا يحضرونها حتى يطلبوا لها وقتا يعرفون به دخولها بمعنى: إن كان واحد منهم يتخذ له علامةстр. 709
من غير دعوة.
وأخرج ابن سعد في الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب: أن بلالا كان ينادي للصلاة بقوله: الصلاة جامعة.
وشاور ﷺ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة -ذلك فيما قيل في السنة الثانية-
الحواشي
(١) يهتدي بها لدخول الوقت "من غير دعوة" بل إذا عرفوا دخوله بعلامة أتوا المسجد، وقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر: كان المسلمون لما قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: نتخذ ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة، فقال ﷺ : "يا بلال قم فناد بالصلاة".
"وأخرج ابن سعد في الطبقات" للصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى وقته فأجاد فيه وأحسن، قاله الخطيب "من مراسيل سعيد بن المسيب" بفتح الياء على المشهور وبكسرها، قاله عياض وابن المديني ابن حزن القرشي المخزومي التابعي الكبير، فقيه الفقهاء ابن الصحابي، مات سنة أربع أو ثلاث وتسعين، "أن بلالا كان ينادي للصلاة" قبل التشاور والرؤيا وبعد قول عمر: تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فاستحسن ﵇ ذلك فأمر بلالا أن ينادي: "الصلاة جامعة" بنصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال ورفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأول ورفع الثاني، وعكسه قاله الحافظ وغيره.
وعن الزهري ونافع بن جبير وابن المسيب: وبقي، أي: بعد فرض الأذان ينادي في الناس الصلاة جامعة للأمر يحدث فيحضرون له يخبرون به وإن كان في غير وقت صلاة، "وشاور ﷺ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة" لما كثر المسلمون، وروى أبو داود بإسناد صحيح: اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، "وذلك فيما قيل في السنة الثانية" مرضه لقول الحافظ الراجح: إنه شرع في السنة الأولى من الهجرة. وروي عن ابن عباس: أن فرض الأذان نزل مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] ، رواه أبو الشيخ.
وذكر أهل التفسير: أن اليهود لما سمعوا الأذان، قالوا: يا محمد! لقد أبدعت شيئا لم يكن فيما مضى، فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾ [المائدة: ٥٨] ، الآية، وعدى النداء في الأولى باللام، وفي الثانية بإلى؛ لأن صلات الأفعال يختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الاختصاص، وفي الثانية معنى الانتهاء، قاله الكرماني. ويحتمل أن اللام بمعنى إلى أو العكس، انتهى.стр. 710
فقال بعضهم: ناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعه فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة.
فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه في منامه رجلا فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فأخبره بما رأى،.......................................
الحواشي
(١) "فقال بعضهم" الذي يجمع به "ناقوس" وفي أبي داود: قيل له: أنصب راية فإذا رأوها أذن بعضهم بعض، فلم يعجبه ذلك، فذكر له ناقوس "كناقوس النصارى" الذي يعلمون به أوقات صلاتهم وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، فيخرج منهما صوت، كما في الفتح والنور وغيرهما. وقال في مقدمة الفتح وتبعه الشامي: آلة من نحاس أو غيره تضرب، فتصوت. ولأبي الشيخ في كتاب الأذان، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا، فقال ﵇: "ذلك للنصارى". ولأبي داود: فقال: "هو من أمر النصارى".
"وقال آخرون: بوق" بضم الموحدة قرن ينفخ فيه، "كبوق اليهود" ولأبي الشيخ فقالوا: لو اتخذنا بوقا، فقال: "ذاك اليهود". ولأبي داود: فذكر له القنع -يعني الشبور- فلم يعجبه ذلك، وقال: "هو من أمر اليهود"، القنع بضم القاف وسكون النون ومهملة، وروي بموحدة مفتوحة، وروي بفوقية ساكنة، وروي بمثلثة ساكنة بدل النون والنون أشهر. قال السهيلي: وهو أولى بالصواب، والشبور بفتح المعجمة وضم الموحة مشددة، كما في الفتح وغيره وقول النور بفتحهما سبق قلم ففي القاموس وكتنور البوق.
"وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة" ولأبي الشيخ فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: "ذاك للمجوس" وعند أبي داود: فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ ، "فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه" أبو محمد الأنصاري العقبي البدري، قال الترمذي لا نعرف له عن النبي ﷺ شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان، وكذا قال ابن عدي: قال في الإصابة: وأطلق غير واحد أنه ما له غير وهو خطأ، فقد جاءت عنه أحاديث ستة أو سبعة جمعتها في جزء مفرد، مات سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وصلى عليه عثمان، قاله ولده محمد بن عبد الله، نقله المدائني.
وقال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، فالروايات عنه كلها منقطعة وخالف ذلك في المستدرك، انتهى. "في منامه رجلا" يحمل ناقوسا "فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فأخبره بما رأى" وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه: أن عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ ليلا، وجمع باحتمال أن المراد: فلما قارب الصباح.стр. 711
وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد قال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم -ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت- رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران.
فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان.
الحديث، فقال ﵇: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتا".........................................
الحواشي
(١) "وفي رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد، قال" عبد الله بن زيد: ففيه من للطائف رواية صحابي عن صحابي فليس معاذ رائيا ولا قائلا "يا رسول الله، إني رأيت فيما" أي: الحالة التي "يرى النائم" فيها، أشار من أول كلامه إلى أنه غير حقيقي وأفصح بذلك في قوله: "ولو قلت إني لم أكن نائما لصدقت" لقرب نومه من اليقظة، فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة، قال السيوطي: يظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون، والصحابة رءوس أرباب الأحوال.
"رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران" زاد في رواية ابن إسحاق الآتية: يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله١ أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة؟ قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت: بلى، "فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر" بكون الراء وضمها عامي، لأنه روي موقوفا، قاله ابن الأثير والهروي، وزاد: وكان المبرد يقول: الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، والأصل إسكان الراء فحركت فتحة الألف من اسم الله في اللفظة الثانية لسكون الراء قبلها ففتحت، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ [آل عمران: ١، ٢] ، وفي المطالع: اختلف في فتح الراء الأولى وضمها وتسكينها، وأما الثانية فتضم أو تسكن "مثنى مثنى حتى فرغ من الأذان ... الحديث" وفيه:"فقال ﵇: "إنها الرؤيا حق" بالرفع صفة رؤيا والجر بإضافة رؤيا إليه لأدنى ملابسة: أي: إنها مخصوصة بكونها حقا لمطابقتها للواقع، "إن شاء الله قم مع بلال، فألق" بفتح الهمزة ثلاث مزيد "عليه ما رأيت فيؤذن به" ولأبي داود عن أبي بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان مريض لجعله ﷺ مؤذنا وكأنه عبر بلفظ تزعم؛ لأنه مناف بحسب الظاهر لقوله: "فإنه أندى منك صوتا" بفتح الهمزة وسكون النون، أي: أرفع وأعلى أو أحسن وأعذب أو أبعد حكاها ابن الأثير، ولا مانع من إرادة الثلاثة. والظاهر كما قال شيخنا: تساوي الأول والثالث بحسب التحقيق؛ إذ يلزم من كونه أرفع وأعلى أن يكون أبعد. وفي هذا رد للحديث المشهور على الألسنة: "سين بلال عند الله شين"، وقد قال الحافظ المزي: لم نره في شيء من الكتب، وذكر بعضهم مناسبة اختصاص بلال بالأذان أنه لما عذب ليرجع عن الإسلام كان يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذانстр. 712
قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن.
قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أرى.
ووقع في الأوسط للطبراني: أن أبا بكر أيضا رأى الأذان.
وفي الوسيط للغزالي، أنه رآه بضعة عشر رجلا.
وعبارة الجيلي في شرح التنبيه: أربعة عشر.
وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، وفي سيرة مغلطاي: أنه رآه سبعة من الأنصار.
الحواشي
(١) المشتمل على التوحيد من ابتدائه وانتهائه.
"قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو في بيته فخرج يجر رداءه" استعجالا فرحا بصحة منامه وموافقة غيره لرؤياه، "يقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله! لقد رأيت مثل ما أرى" وكأنه أخبر بذلك في طريقه قبل وصوله له ﵇، قال الحافظ: ولا يخالفه ما راه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، قال: وكان عمر قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يوما ثم أخبر النبي ﷺ ، فقال له: "ما منعك أن تخبرني"؟ فقال له: ما صنعك أن تخبرني، فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بن زيد بل متراخيا عنه لقوله: "ما منعك أن تخبرني"؟ أي: عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء فدل على أنه لم يخبره على الفور، "ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضا رأى الأذان" أخرجه من طريق زفر بن الهذيل عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه: أن رجلا من الأنصار مر برسول الله ﷺ وهو حزين لأمر الأذان بالصلاة، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آت في النوم، فقال: قد علمت ما حزنت له، فذكر قصة الأذان، فلما أخبر رسول الله ﷺ قال: "أخبرنا بمثل ذلك أبو بكر"، فأمر بلالا بالأذان. قال الطبراني: لم يروه عن علقمة إلا أبو حنيفة.
"وفي الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا وعبارة الجيلي في شرح التنبيه،" رآه "أربعة عشر" فيمكن أن يفسر بها قول الغزالي ضعة عشر "وأنكره ابن الصلاح" فقال: لم أجد هذا بعد إمعان البحث، "ثم النووي" في تنقيحه فقال: هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عمر يجر رداءه "وفي سيرة مغلطاي" عن بعض كتب الفقهاء، "أنه رآه سبعة من الأنصار،стр. 713
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر ﵀: ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض الطرق.
قال السهيلي: فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه. ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية. وفي قوله ﵇: "إنها لرؤيا حق". ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحي من الله له أم لا؟
وأجاب: بأنه ﷺ قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن علي قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل ﵇ بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب،
الحواشي
(١) قال الحافظ أبو الفضل بن حجر ﵀" في فتح الباري: "ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد وقصة عمر جاءت في بعض الطرق" في سنن أبو داود.
"قال السهيلي" في الروض: "فإن قلت: ما الحكمة التي خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين في نومه، ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية" فإنها كلها عن وحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] ، ولا يرد هذا على القول بأنه يجتهد؛ لأنه مأذون فيه من ربه، ولا يقول إلا حقا، فكأنه وحي "وفي قوله ﵇: "إنها لرؤيا حق"، ثم بنى حكم ﵇، وهل كان ذلك" أي: بناؤه حكم الأذان على الرؤيا، "عن وحي، من الله له" ﵇، يعني أن ابن زيد حين رأى ولم يكن عن وحي، هل أوحي إليه بعد حتى بنى حكم الأذان عليها، "أم لا؟ " فهذا الاستفهام راجع لابتناء حكم الأذان، فلا ينافي جزمه أولا بأنه لم يكن عن وحي؛ لأنه بخصوص الرؤيا وجدت من ابن زيد
"وأجاب بأنه ﷺ قد أريه ليلة الإسراء، فروى البزار" في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد، قال: حدثنا أبي علي بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، "عن علي" بن أبي طالب، "قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان جاءه جبريل ﵇ بدابة يقال لها البراق،" بضم الموحدة، "فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن" وهذا يأتي على أنه عرج به على البراق، كظاهر حديث البخاري.
والصحيح أن العروج إنما كان على المعراج، قال النعماني: ولا مانع أنه ركب البراق فوق المعراج، "فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب" بالنسبة للمخلوق، أما الخالق تباركстр. 714
فقال: "يا جبريل من هذا" قال: والذي بعثك بالحق، إني لأقرب الخلق مكانا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه. فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر، أنا أكبر.. وذكر بقية الأذان.
قال السهيلي: وهذا أقوى من الوحي لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى ﷺ فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله تعالى"، وعلم حينئذ أن مراد الله بما رآه في السماء أن يكون سنة في الأرض وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري. انتهى.
الحواشي
(١) وتعالى فلا يحجبه شيء، "فقال: "يا جبريل من هذا"؟ قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا" في العالم العلوي "وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي، أنا أكبر أنا أكبر ... وذكر بقية الأذان" وفي هذا أنه شرع بمكة قبل الهجرة، قال الحافظ: ويمكن على تقدير صحته أن يحمل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة. وأما قول القرطبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروع في حقه، ففيه نظر، لقوله أوله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحب الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام فيه نظر أيضا، لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه، انتهى.
"قال السهيلي" بعد ميله إلى صحة هذا الخبر مائلا لما يعضده ويشاكله من حديث الإسراء: "وهذا أقوى من الوحي؛ لأنه سماع بواسطة وهذا بدونها، لما تأخر فرض" أو مشروعية "الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي،" أي: تأخر نزوله "حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى صى الله عليه وسلم، فلذلك قال: "إنها الرؤيا حق إن شاء الله" قاله تبركا أو قبل الوحي اعتمادا على رؤيته في السماء إن ثبت ولم يفهمه إنها وحي جبرا له ابتداء مع العزم على إخباره بحقيقة الأمر بعد لا تعليقا فينا في العلم بحقيقتها حيث كانت عن وحي "وعلم حينئذ" أي: حين أقر المصطفى رؤياه، وقال: "إنها لرؤيا حق" "إن مراد الله بما أراده" له، وفي نسخة: بما رآه، أي: النبي ﵇ بإرادة الله تعالى إياه ذلك، "في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك عند موافقة رؤيا عمر للأنصاري" قال السهيلي: لأن السكينة تنطق على لسان عمر، "انتهى" كلام السهيلي.стр. 715
وتعقب: بأن حديث البزار في إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك.
وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي:
وأجيب: باحتمال مقارنة الوحي لذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثي -أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ فوجد الوحي قد جاءه وفي نسخة قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي ﷺ : "سبقك بذل الوحي".
الحواشي
(١) قال في الفتح: وحاول بذلك الجمع بين حديث كونه رؤيا وبين الأحاديث الدالة على أنه شرع بمكة قبل الهجرة، فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى.
"وتعقب بأن حديث البزار" لا يصح الاحتجاج به؛ لأن "في إسناده زياد بن المنذر" وهو "أبو الجارود" الأعمى الكوفي الرافضي المتوفى بعد الخمسين ومائة، "وهو متروك" وإن خرج له الترمذي، بل قال ابن معين: هو كذاب عدو الله. وقال الذهبي وابن كثير: هذا الحديث من وضعه، قال السهيلي أيضا، ما ملخصه: والحكمة أيضا في إعلام الناس به على غير لسانه ﷺ التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. قال الحافظ: وهذا حسن بديع ويؤخذ منه حكمة عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها ولم يقتصر على عمر ليصير في معنى الشهادة.
"وقال في فتح الباري: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي" بل ورؤيا الشخص للنبي كذلك، وإن كان حقا؛ لأن النائم لا يضبط ما يقال له، "وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك" لم يجزم به لعدم وقوفه على التصريح به، "ويؤيده ما رواه عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني "وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير" بن قتادة "الليثي أحد كبار التابعين" المكي قاضيها ولد في حياة النبوة، وقيل له رؤية ومات قبل ابن عمر، "أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ فوجد الوحي قد جاءه" وفي نسخة: قد ورد، بذلك، فما راعه إلا أذان بلال" أي ما أشعر عمر، أي: ما أعلمه، قال الشامي: فحقيقة الروع هنا منتفية واستعمل في البيان ففسره لغة ثم مرادا، "فقال له النبي ﷺ : "سبقك بذلك الوحي"،" فهذا يؤيد احتمال المقارنة وليس نصا فيه، لجواز أن الوحي إنما جاء بعد إذنه في الأذان اعتمادا على ماظهر له عند الإخبار بالرؤيا، فيكون مقررا للأمر به.стр. 716
وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق: أن جبريل أتى النبي ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد بن عمر بثمانية أيام.
وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق وغيره وذلك أنه قال:
"طاف بي -وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟.........................................................................
الحواشي
(١) "وهذا" المرسل "أصح مما حكمى الداودي" أحمد بن نصر اليشكري، أبو جعفر الأسدي الطرابلسي وبها ألف شرح الموطأ، وسماه النامي العالم الفاضل المالكي الفقيه المفنن المجيد له حظ من اللسان، والحديث والنظر ثم انتقل إلى تلمسان وألف الواعي في الفقه وشرح البخاري وسماه النصيحة وغير ذلك، وحمل عنه أبو عبد الملك البوني وأبو بكر بن محمد بن أبي زيد وتوفي بتلمسان سنة ثلاثين وأربعمائة، "عن ابن إسحاق" محمد إمام المغازي "أن جبريل أتى النبي ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام" ولو صح أمكن حمله، كما قال شيخنا: على أنه أوحي إليه بإعلام الناس بوقت الصلاة من غير بيان ما يعلم به، وبهذا الإجمال وقعت المشاورة فيما يعلم به، ثم بعدها جاء الوحي بخصوص كلمات الأذان ليلة الرؤيا فلما أخبر بها، قال: "سبقك الوحي بهذه الكلمات". وأجاب في الفتح أيضا عن الإشكال بأنه ﵇ أمر بمقتضى الرؤيا لينظر: أيقر على ذلك أم لا؟ ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﷺ في الأحكام، وهو المنصور في الأصول. انتهى.
"وقد عرفت" بالبناء للمفعول زيادة على ما مر، "رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق" وليس عرفت بالخطاب، كما ضبط بالقلم إذ لم تتقدم رواية ابن إسحاق "وغيره" كأبي داود والترمذي وابن ماجه، كلهم من طريقه "وذلك أن" أي: عبد الله، كما أخرجه ابن إسحاق، فقال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: حدثني أبي، "قال:" لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعلم ليضرب به للناس لجمع الصلاة "طاف بي" أي: دار حولي "وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله! " ليقال لمن لا يعرف اسمه على أصل معناه الحقيقي؛ لأن الكل عبيد الله، "أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو" أنا ومن معي من المسلمين "به" الناس "إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك" ولم يقل أفاد لك مع أن القصد الدلالة لا عدمها لأنه لما رآه راغبا في طلب الناقوس نزله منزلة المعرض عن غيره الراغب في نفي إرادة الدلالة فاستفهمه عن النفي والهمزة داخلة على مقدر،стр. 717
فقلت: بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة". ورواه أبو داود بإسناد صحيح.
ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى.
وفي مسند الحارث: أول من أذن الصلاة جبريل أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم فأخبره بها، فقال ﵇ لبلال: "سبقك بها عمر"، وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة.
وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرح بمكة قبل الهجرة.
منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر،...............................
الحواشي
(١) أي: أأعرض عنك فلا أدلك أم لا، فأدلك، ولذا أجاب بقوله: "فقلت: بلى" الذي هو لرد النفي "قال" بعد أن استقبل القبلة، كما مر، "نقول: الله أكبر الله أكبر، وذكر بقية كلمات الأذان، قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: إذا قمت إلى الصلاة فقل: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة، ورواه أبو داود" وفيه عند ابن إسحاق وهو ثقة يدلس، لكنه صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه، ولذا قال: "بإسناد صحيح" وقال الترمذي بعد إخراجه من طريقه: حسن صحيح، وأخرجه من طريقه أيضا ابن حبان وابن خزيمة ناقلا عن الذهلي باللام أنه ليس في طرقه أصح منه، "ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذي رأى" وغاية ما تفيده المثلية المشاركة في أصل رؤيا الأذان ولا يستلزم أنه رأى رجلا يطوف، إلى آخر ما وقع لابن زيد.
"وفي مسند الحارث" بن أبي أسامة بسند واه عن كثير الحضرمي: "أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله ﷺ فأخبره بها" ثم جاء بلال "فقال ﵇ لبلال: "سبقك بها عمر" وهذا لو صح لم يدل على تقدمها على رؤيا عبد الله، لاحتمال سماعهما ذلك بعد رؤياه، "وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا النداء في اليقظة" بفتحات: ضد النوم، ولا مانع من ذلك كرامة لهما، "وقد وردت أحايث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة" لكن لا يصح منها شيء "منها ما للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر" بن الخطاب أحد الفقهاء أشبه ولد أبيه به، مات في ذي القعدةстр. 718
عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي ﷺ أوحي إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا.
وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك.
ومنها: للدارقطني في "الأفراد" من حديث أنس أن جبريل أمر النبي ﷺ بالأذان حيث فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف.
ومنها: حديث البزار عن علي، المتقدم.
قال في فتح الباري: والحق أنه لا يصح شيء من هذا الأحاديث.
وقد جزم ابن المنذر بأنه ﵊ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك. والله أعلم.
الحواشي
(١) أو الحجة سنة ست أو خمس أو سبع أو ثمان ومائة، "عن أبيه، قال: لما أسري بالنبي ﷺ أوحي إليه الأذان فنزل" ملتبسا "به" حيث علمه "وعلمه بلالا، وفي إسناده طلحة بن زيد" القرشي، أبو مسكين أو أبو محمد الرقي، وأصله دمشقي، روى له ابن ماجه، "وهو متروك" كما في الفتح والتقريب، وزاد فيه: قال أحمد وعلي وأبو داود: كان يضع.
"ومنها: ما للدارقطني في الأفراد" بفتح الهمزة "من حديث أنس أن جبريل أمر النبي ﷺ بالأذان حين فرضت الصلاة وإسناده ضعيف" فلا حجة فيه. "ومنها: حديث البزار عن علي المتقدم" قريبا، وأن فيه زياد بن المنذر متروك، وغفل الشارح فنقل كلام ابن كثير في زياد هذا في قول المصنف في إسناده طلحة. ومنها حديث عائشة عند ابن مردويه مرفوعا: "لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت"، وفيه من لا يعرف، كما في الفتح.
ومنها: ما عند ابن شاهين عن زياد بن المنذر المتروك، قال: قلت لابن الحنفية: كنا نتحدث أن الأذان كان رؤيا، فقال: هذا والله باطل، لكن رسول الله ﷺ لما عرج به بعث إليه ملك علمه الأذان، قال الذهبي: هذا باطل.
"قال في فتح الباري" أيضا إذا الذي قبله كله منه: "والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث" الدالة على مشروعية الأذان بمكة ومر قوله أيضا: لا يصح شيء من ذلك، أي: رؤيا الأذان لأحد من الصحابة إلا لعبد الله بن زيد وهذا غير ذاك، كما هو واضح جدا.
"وقد جزم ابن المنذر بأنه ﵊ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور في ذلك" فأمر به بعد رؤيا ابن زيد في السنة الأولى أو الثانية، فجزمه بذلك دليل على ضعف تلك الأحاديث عنده، "والله أعلم".стр. 719
فإن قلت: هل أذن ﵊ بنفسه قط؟
أجاب السهيلي: بأنه قد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح، قاضي بلخ يرفعه إلى أبي هريرة، أنه ﷺ أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم. الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه ﵇ أذن بنفسه. انتهى.
وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة.
وكذا جزم النووي بأنه ﵇ أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه.
ولكن روى الحديث الدارقطني وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال السهيلي والمفصل يقضي على المجمل المحتمل.
الحواشي
(١) يضعفها في نفس الأمر وعدمه، فإن الحكم إنما هو على ظاهر الأسانيد.
"فإن قلت: هل أذن ﵊ بنفسه قط" فقد كثر السؤال عنه، "أجاب السهيلي بأن قد روى الترمذي من طريق يدور" يرجع وإن تعدد طرقه، "على عمر بن الرماح" هو ابن ميمون بن بحر بن سعد الرماح البلخي أبي علي، وسعد هو الرماح، كما في التقريب فنسبه لجده الأعلى "قاضي بلخ" المتوفى سنة إحدى وسبعين ومائة، روى الترمذي ووثقه ابن معين وأبو داود فلا يقصر حديثه عن درجة الحسن، ولو انفرد به؛ لأنه ثقة "يرفعه إلى أبي هريرة أنه ﷺ أذن في سفر وصلى وهم على رواحلهم..الحديث، قال" السهيلي: "فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه ﵇ أذن بنفسه" وتبع بهذا البعض النووي، "انتهى".
"وليس هذا الحديث من حديث أبي هريرة، إنما هو" عند الترمذي والدارقطني "من حديث يعلى بن مرة" بن وهب الثقفي ممن بايع تحت الشجرة، فسبق السهيلي حفظه أو سبق مستمليه قلمه؛ لأنه كان ضريرا، فقال أبو هريرة: "وكذا جزم النووي" في شرح المهذب وغيره "بأنه ﵇ أذن مرة في السفر، وعزاه للترمذي وقواه" فقال في الخلاصة: حديث صحيح، وفي المجموع: قد ثبت فذكره، انتهى.
وقال الترمذي: غريب تفرد به عمر بن الرماح، ولا يعرف إلا من حديثه. "لكن روى الحديث الدارقطني" بسند الترمذي ومتنه" وقال في أمر بالأذان" وفيه بعده، فقام المؤذن فأذن "ولم يقل أذن،" كما قاله في رواية الترمذي، "قال السهيلي: والمفصل يقضي على المجمل المحتمل" فلا يصح تمسك بعض الناس به وجزمه، وإن تبعه النووي، وعجبت كيف لم يقفстр. 720
وفي مسند أحمد من الوجه الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث: فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا، وأن قوله أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى.
الحواشي
(١) على كلام السهيلي مع أنه متأخر عنه، وجواب الشهاب الهيثمي بأن هذا إنما يصار إليه لو لم يحتمل تعدد الواقعة، أما إذا أمكن فيجب المصير إليه إبقاء الإذن على حقيقته عملا بقاعدة الأصول أنه يجب إبقاء اللفظ على حقيقته مردود بأن ذاك إنما يصح إذا اختلف سند الحديث ومخرجه، أما مع الاتحاد فلا، ويجب رجوع المجمل للمفصل، كما هو قاعدة المحدثين وأهل الأصول. وقد قال بعض الحفاظ: لو لم نكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه لاختلاف الرواة في إسناده وألفاظه، وليس كل احتمال يعمل به خصوصا في الحديث، فهذه قصة المعراج والإسراء وردت عن نحو أربعين صحابيا مع اختلاف أسانيدها ومتونها إلى الغاية، ومع ذلك فالجمهور على أنها واحدة، حتى قال ابن كثير وغيره: من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب، وحديث الأذن من هذا القبيل، لقوله في رواية الدارقطني: فقام المؤذن فأذن.
"و" لقوله "في مسند أحمد من الوجه" أي: الطريق "الذي أخرج منه الترمذي هذا الحديث فأمر بلالا فأذن، قال في فتح الباري: فعرف" من روايتي أحمد والدارقطني "أن في رواية الترمذي اختصارا وأن قوله: أذن،" معناه: "أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء" اسم من الإعطاء ولم يعبر به؛ لأنه لا وجود لشيء من المصادر في الخارج بل آثارها، "غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر، انتهى" كلام فتح الباري. وهذا سائغ شائع. نعم قال السيوطي في شرح البخاري: قد ظفرت بحديث آخر مرسل أخرجه سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة، قال: أذن رسول الله ﷺ مرة، فقال: "حي على الفلاح" وهذ رواية لا تقبل التأويل، انتهى.
فهذا الذي يجزم فيه بالتعدد لاختلاف سنده، وانظر ما أحسن قوله آخر، ولذا قال في شرحه للترمذي: من قال إنه ﷺ لم يباشر هذه العبادة بنفسه وألغز في ذلك بقوله: ما سنة عمل بها ولم يفعلها فقد غفل، انتهى.
وفي التحفة: أذن مرة، فقال: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، انتهى. هذا وإنما لم يواظب ﷺ على الأذان مع فضله المنوه عليه، بنحو قوله ﷺ : "المؤذنون أطول أعناقا يوم القيامة" أخرج مسلم. وفي شعب البيهقي عن داود السجستاني: "المؤذنون لا يعطشون يومстр. 721
فإن قلت هل صلى النبي ﷺ خلف أحد من أصحابه؟ قلت:
نعم، ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك،...............................
الحواشي
(١) القيامة" فأعناقهم قائمة لاشتغاله، كما قال العز بن عبد السلام في الفتاوي الموصلية بالقيام بأعباء الرسالة ومصالح الشريعة، كالقتال والفصل بين الناس وغير ذلك التي هي خير من الأذان وأفضل. لذا قال عمر: لولا الخليفي لأذنت، ولأنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه، وقول بعضهم مخافة أن يعتقد أن محمدًا غيره، إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، انتهى ملخصا.
وفي الفتح: اختلف في الجمع بين الإمامة والأذان، فقيل: يكره. وفي البيهقي عن جابر مرفوعا: "النهي عن ذلك"، لكن سنده ضعيف وصح عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصححه النووي، انتهى. وقول الشيخ أبي الحسن الشاذلي في شرح الترغيب تبعا للنيسابوري وغيره؛ لأن فيه ثناء وتزكية وشهادة للنفس وهي غير مقبولة، ولأن في حي على الصلاة أمر إيجاب، فإن معناه: أقبلوا، فلو أذن لوجبت الإجابة مردود بأن النهي عن تزكية النفس إنما هو إذا كان افتخارا وهو منه ﵇ ليس كذلك، بل تحدثا بالنعمة وعدم قبول الشهادة للنفس إنما هو في نحو حق ما لي على غيره، وهذا ليس منه، بل هي سهادة أريد بها طلب ما أوجبه الله على الناس إنقاذا لهم من الضلال، ولا يزيد قوله في الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، على قوله للناس: أدعوكم إلى وحدانية الله وشهادة أني رسوله، فلم يخرج عن قوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] على أن من خصائصه أن يشهد ويحكم لنفسه، وليس القصد بحي على الصلاة في الأذان خصوص لطلب الحضور، بل الإعلام بدخول الوقت؛ لأنه شرعا الإعلام بوقت الصلاة المفروضة.
"فإن قلت: هل صلى النبي ﷺ خلف أحد من الصحابة؟ قلت: نعم،" كذا في نسخ، وهو حسن. وفي أكثرها إسقاط السؤال والاقتصار على نعم، وليس استدراكا على ما قبله، بل تقريرا لسؤال نشأ منه تقديره هذا ما تقرر في الأذان، ومعلوم أنه كان يؤم فهل أمه أحد، أو هو استدراك من جهة نفيه أذانه مع تقرر إمامته فقد يتوهم أنه لم يقتد بغيره، فنفاه بقوله: نعم، "ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه ﷺ صلى خلف عبد الرحمن بن عوف" وهذا السؤال سئل عنه الصحابي قديما، فأخرج ابن سعد في الطبقات بإسناد صحيح عن المغيرة بن شعبة: أنه سئل هل أم النبي ﷺ أحد من هذه الأمة غير أبي بكر؟ قال: نعم فذكر الحديث.
"ولفظه" أي: مسلم "عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك" بعدمстр. 722
فتبرز ﷺ قبل الغائط، فحملت معه إدواة قبل صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح،
الحواشي
(١) الصرف على المشهور للتأنيث والعلمية، كذا قال النووي وتبعه في الفتح، ورد بأنه سهو؛ لأن علة منعه كونه على مثال الفعل كنقول، والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، ومن صرف أراد الموضع، "فتبرز" بالتشديد " ﷺ " أي: خرج لقضاء حاجته، وعند ابن سعد: لما كنا بين الحجر وتبوك ذهب لحاجته "قبل" بكسر ففتح، أي: جهة "الغائط" أي: المكان المطمئن الذي تقضي فيه الحاجة، فاستعمل في أصل حقيقته اللغوية، فليس المراد الفضلة، والظاهر: أن تبرز معمول لقال مقدرة ليظهر قوله: "فحملت" وفي نسخة: فحمل، وهو أنسب بما قبله، "معه أدواة قبل صلاة الفجر" أي: الصبح، ولابن سعد: وتبعته بماء بعد الفجر ويجمع بأن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، "الحديث، إلى أن قال" أسقط منه: فلما رجع رسول الله ﷺ أخذت أهريق على يديه من الأدواة وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته، فأدخل يديه على الجبة حتى أخرج ذراعيه إلى المرفقين، ثم توضأ على خفية، ثم اقبل قال المغيرة: "فأقبلت معه حتى نجد" بمعنى الماضي، أي: وسرنا إلى أن وجدنا "الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف" ولابن سعد: فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس، فقدموا عبد الرحمن "فصلى بهم" أي: أحرم، ولابن سعد: فانتهينا إلى عبد الرحمن وقد ركع ركعة، فسبح الناس له حين رأوا رسول الله ﷺ حتى كادوا يفتنون فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه ﷺ أن أثبت، فليس المراد فرغ من صلاته، والأنافي أيضا قوله: "فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين" أي: الثاني، لقوله "فصلى مع الناس الركعة الآخرة" ودفع به توهم أن معنى أدرك: حضر، ولا يلزم منه الاقتداء، لجواز صلاته مفردا أو بجماعة لم يصلوا أو انتظر سلامه، فأتى بها كاملة.
وعند ابن سعد: فصلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة، "فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام ﷺ يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين" لسبقهم النبي ﷺ "فأكثروا التسبيح" رجاء أن يشير لهم هل يعيدونها معه أم لا؟ وليس لظنهم أنه أدرك الصلاة من أولها وأن قيامه لأمر حدث، كأنهم ظنوا الزيادة في الصلاة لتصريحه في رواية ابن سعد بأنهم علموا بالنبي ﷺ حين دخل معهم، فسبحوا حتى كادوا يفتتنون، ويحتمل أن الفاء في: فأفزع، بمعنى الواو، لرواية ابن سعد: أن التسبيح حين رأوا النبي، كما رأيت.стр. 723
فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: أحسنهم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها.
ورواه أبو داود في السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله ﷺ في صلاته. الحديث.
قال النووي: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته.
وأما بقاء عبد الرحمن في صلاته وتأخر أبي بكر ليتقدم النبي ﷺ ، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي ﷺ التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم،...................................................
الحواشي
(١) "فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم، ثم قال: "أحسنتم"، أو قال: "أصبتم"، شك الراوي قال ذلك، "يغبطهم" بالتشديد، أي: يحملهم على الغبط لأجل "أن صلوا لوقتها" ويجعل هذا الفعل عندهم مما يغبط عليه، وإن رُوي بالتخفيف فيكون قد غبطهم لتقدمهم وسبقهم إلى الصلاة، قال في النهاية: "ورواه أبو داود" سليمان بن الأشعث السجستاني "في السنن بنحوه، ولفظه: ووجدنا" فأفاد هذا أن رواية مسلم: نجد، من استعمال المضارع بمعنى الماضي، "عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من الفجر" الصبح، "فقام رسول الله ﷺ فصف" نفسه "مع المسلمين" بأن دخل معهم في الصف، أو هو لازم بمعنى: اصطف، أي: دخل معهم فيه وصف جاء لازما ومتعديا، "فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية" ففي هذا بيان للمعية في رواية مسلم وتصريح بأنه صلى خلفه، "ثم سلم عبد الرحمن فقام النبي ﷺ في صلاته ... الحديث بنحوه، والمراد من سوق هذا منه إيضاح ما قد يخفى في رواية مسلم، فالروايات تفسر بعضها.
"قال النووي" في شرح مسلم "فيه" من الفوائد "جواز اقتداء الفاضل بالمفضول" وإن كان تقديم الفاضل أفضل "وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته وأما بقاء عبد الرحمن بن وف في صلاته، وتأخر أبي بكر ليتقدم لنبي ﷺ فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي ﷺ التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم" قال شيخنا: لأنه إذا قام لإتمامстр. 724
كتاب المغازي
مدخل
...
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"كتاب المغازي":
وأذن الله تعالى لرسوله ﵇ بالقتال. قال الزهري: أول آية نزلت في الإذن بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] أخرج النسائي بإسناد صحيح.
قال في البحر: والمأذون فيه -أي في الآية- محذوف، أي: في القتال، لدلالة الذين "يقاتلون" عليه، وعلل...............................................................
الحواشي
(١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب المغازي:
"وأذن الله تعالى لرسوله ﵇ بالقتال" لاثنتي عشرة ليلة مضت من صفر في السنة الثانية من الهجرة. "قال الزهري" محمد بن مسلم شيخ الإسلام: "أول آية نزلت في الإذن بالقتال" كما أخبرني عروة عن عائشة، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] "أخرجه النسائي بإسناد صحيح" موقوفا عن عائشة، كما هو في النسائي وحكمه الرفع لا على الزهري كما أوهمه المصنف، نعم رواه ابن عائذ عن الزهري معضلا بإسقاط قوله: كما أخبرني عروة عن عائشة، وزاد تلاوة الآية التي تليها إلى قوله: ﴿لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [الحج: ٤٠] ، وأخرج أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي وابن سعد والحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الآية قال ابن عباس: فهي أول آية أنزلت في القتال، وقيل: قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩] ، أخرجه ابن جرير عن أبي العالية. وفي الإكليل للحاكم: أول آية نزلت فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُم﴾ [التوبة: ١١١] .
"قال في البحر" أي: التفسير الكبير لأبي حيان: "والمأذون فيه، أي: في الآية محذوف، أي في القتال لدلالة الذي يقاتلون عليه وعلل" في الآية فهو مبني للمفعول أوстр. 725
الإذن: بأنهم ظلموا، كانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم: "اصبروا، فإني لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية. انتهى.
وقال غيره: وإنما شرع الله الجهاد في الوقت اللائق به؛ لأنهم كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمين -وهم قليل- بقتال الباغين لشق عليهم فلما بغى المشركون، وأخرجوه ﵇ من بين أظهرهم وهموا بقتله، واستقر ﵇ بالمدينة واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله تعالى جهاد الأعداء، فبعث ﵇ البعوث والسرايا..................................................
الحواشي
(١) الفاعل، أي: الله "الإذن" لهم في القتال، "بأنهم ظلموا كانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال" حتى هاجر فأذن له بالقتال، ولم يفرض عليهم، وظاهره: أنه لم يؤمر بالصبر بعد الهجرة مع أنه أمر بالصبر على أذى اليهود ووعد بالنصر عليهم، كما قال العلماء فيما نقله في الشامية لكنه نزله كالعدم بالنسبة لأذى أهل مكة، فإن كان بالمدينة في غاية العزة والقوة من أول يوم، وأذى اليهود غايته بالمجادلة والتعنت في السؤال، وكان جبريل يأتيه من ربه بغالب الأجوبة أو لقلة مدته أتى بالتعقيب، أي: فأذن له بعد صبر قليل على أذى اليهود لما قويت الشوكة واشتد الجناح، "بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية" غالبها بمكة، "انتهى" ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتل، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وبين المصنف في غزوة قينقاع أن الكفار بعد الهجرة كانوا معه ثلاثة أقسام.
"وقال غيره" في بيان حكمة تأخر مشروعية الجهاد حتى هاجر، "وإنما شرع لله الجهاد في الوقت الائق به؛ لأنهم كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر" الله "المسلمين وهم قليل بقتال الباغين لشق عليهم، فلما بغى المشركون وأخرجوه ﵇ من بين أظهرهم وهموا بقتله" عطف على بغي، "واستقر ﵇ بالمدينة واجتمع عليه أصحابه" المهاجرون والأنصار، "وقاموا بنصره وصارت المدينة دار إسلام ومعقلا" بفتح الميم وكسر القاف: ملجأ "يلجئون إليه" تصريح بما علم من المعقل، وفي هامش تفسير المعقل بالحصن الكبير، "شرع الله جهاد الأعداء" جواب لما بغى، وفي نسخة: ولما استقر، بزيادة لما وحذفها أولى، لاحتياجها إلى تقدير جواب لما بغى، أي: هاجر "فبعث ﵇ البعوث والسراياстр. 726
وغزا وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا.
وكان عدد مغازيه ﵇ التي خرج فيها بنفسه، سبعا وعشرين...............
الحواشي
(١) وغزا" بنفسه، وقد جرت عادة المحدثين وأهل السير واصطلاحاتهم غالبا أن يسموا كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه الكريمة غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضا من أصحابه إلى العدو سرية وبعثا، "وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا" جماعات بعد جماعات جاءوه بعد الفتح من أقطار الأرض طائعين، "وكان عدد مغازيه ﵇" قال في الفتح: جمع مغزى، يقال: غزا غزوا ومغزى، والأصل: غزو، والواحد غزوة وغزاة والميم زائدة.
وعن ثعلب: الغزوة المرة والغزاة عمل سنة كاملة، وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبي ﷺ الكفار بنفسه أو بجيش من قبله وقصدهم أعم من أن يكون إلى بلادهم أو إلى الأماكن التي حلوها حتى دخل مثل أحد والخندق، انتهى.
"التي خرج فيها بنفسه سبعا وعشرين" كما قاله أئمة المغازي موسى بن عقبة وابن إسحاق وأبو معشر والواقدي وابن سعد، وأسنده عن هؤلاء وجزم به الجوزي والدمياطي والعراقي وغيرهم. وقال ابن إسحاق في رواية البكائي عنه ستا وعشرين، وجزم به في ديباجة الاستيعاب، قائلا: وهذا أكثر ما قيل.
قال السهيلي: وإنما جاء الخلاف لأن غزوة خيبر اتصلت بغزوة وادي القرى، فجعلهما ابن إسحاق غزوة واحدة، وقيل: خمسا وعشرين، ولعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن المسيب: أربعا وعشرين. وعند أبي يعلى بإسناد صحيح عن جابر: أنها إحدى وعشرين غزاة، وروى الشيخان والترمذي عن زيد بن أرقم: أنها تسع عشرة.
وفي خلاصة السير للمحب الطبري جملة، المشهور منها: اثنتان وعشرون، ويمكن الجمع على نحو ما قال السهلي بأن من عدها دون سبع وعشرين نظر إلى شدة قرب بعض الغزوات من غيره، فجمع بين غزوتين وعدهما واحدة، فضم للأبواء بواطا لقربهما جدا؛ إذ الأبواء في صفر، وبواط في ربيع الأول، وضم حمراء الأسد لأحد، لكونها صبيحتها. وقريظة للخندق، لكونها ناشئة عنها وتلتها. ووادي القرى لخيبر، لوقوعها في رجوعه من خيبر قبل دخول المدينة. والطائف لحنين، لانصرافه منها إليها، فبهذا تصير اثنتين وعشرين، وإلى هذا أشار الحافظ، فقال بعد نقل كلام السهيلي المار، وقول جابر: إحدى وعشرين، فلعل الستة الزائدة من هذا القبيل.
وأما من قال: تسع عشرة فلعله أسقط الأبواء وبواطا، وكان ذلك خفي عليه لصغره ويؤيد ما قلته: ما وقع عند مسلم، بلفظ: قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير أو العسيرة،стр. 727
وقاتل في تسع منها بنفسه: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وهذا على قول من قال: فتحت مكة عنوة.
وكانت سراياه التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية. وقيل: إنه قاتل في بني النضير.
الحواشي
(١) والعسيرة هي الثالثة، انتهى.
"وقاتل في تسع منها" قال ابن تيمية: لا يعلم أنه قاتل في غزاة إلا في أحد ولم يقتل أحد إلا أبي بن خلف فيها، فلا يفهم من قولهم: قاتل في كذا أنه بنفسه كما فهمه بعض الطلبة ممن لا اطلاع له على أحواله ﵇، انتهى. ففي قوله: "بنفسه" شيء وأجيب بأن المراد قتال أصحابه بحضوره فنسب إليه لكونه سببا في قتالهم، ولم يقع في باقي الغزوات قتال منه ولا منهم، قال في النور: قد يرد على ابن تيمية حديث. كنا إذا لقينا كتيبة أو جيشا أول من يضرب النبي ﷺ ويمكن تأويله.
"بدر وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف" وقال ابن عقبة: قاتل في ثمان وأهمل عد قريظة؛ لأنه ضمها للخندق لكونها أثرها وأفردها غيره لوقوعها عقبة: قاتل في ثمان وأهمل عد قريظ؛ لأنه ضمها للخندق لكونها أثرها وأفردها غير لوقوعها مفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره وعد الطائف وحنين واحدة لكونهاكانت في أثرها، هكذا في الباري وأيما كان لا ينفي أنه قاتل في جميعها، غايته أنه على عد الاثنتين واحدة بالاعتبار المذكور يكون قاتل في موضعين منها.
"وهذا على قول من قال" وهم الجمهور "فتحت مكة عنوة" أي: بالقهر والغلبة. وأما على قول الأقل: فتحت صلحا، فيكون القتال في ثمان. "وكانت سراياه" أراد بها ما يشمل البعوث، لقوله الآتي: وكان أول بعوثه، ولقوله: "التي بعث فيها سبعا وأربعين سرية" كما رواه ابن سعد عن ذكر في عد المغازي، وبه جزم أول الاستيعاب فيما قال الشامي، والذي في النور: قال ابن عبد البر في ديباجة الاستيعاب: كانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بعث النور: قال ابن عبد البر في ديباجة الاستيعاب: كانت بعوثه وسراياه خمسا وثلاثين من بعث وسرية، انتهى. وقال ابن إسحاق: رواية البكائي ثمانيا وثلاثين. وفي الفتح عن ابن إسحاق: ستا وثلاثين، والواقدي: ثمانيا وأربعين. وابن الجوزي: ستا وخمسين. والمسعودي: ستين ومحمد بن نصر المروزي سبعين. والحاكم في الإكليل: إنها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجده لغيره، وقال الحافظ: لعله أراد بضم المغازي إليها وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة،، وهو كما قال، انتهى.
"وقيل:" وحكاه اليعمري بلفظ: وفي بعض رواياتهم "إنه قاتل في بني النضير" ولكن الله جعلها له نفلا خاصة وقاتل في غزوة وادي القرى، وقاتل في الغابة، انتهى. ولم يقدم هذا علىстр. 728
وأفاد في فتح الباري: أن السرية -بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية- هي التي تخرج بالليل، والسارية: التي تخرج بالنهار.
قال: وقيل سميت بذلك -يعني السرية- لأنها تخفي ذهابها. وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح، لاختلاف المادة.
وهي قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما زاد على الخمسمائة يقال له: منسر، بالنون ثم المهملة.....................................
الحواشي
(١) عد السرايا؛ لأنه أراد حكاية المروي عن الجماعة على حدة ثم تذكر ما في بعض روايتهم، وأفاد ﷺ حكمة بعوثه وسراياه، فقال: "والذي نفسي بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشق أن يقعدوا بعدي، والذي نفسي بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل"، رواه مالك وأحمد والشيخان عن أبي هريرة بتكرير ثم ست مرات.
"وأفاد في فتح الباري أن السرية بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية، هي: التي تخرج بالليل" وجمعها سرايا وسرايات، مثل: عطية وعطايات. "والسارية" بالتحتية أيضا وقراءته بموحدة غلط، "التي تخرج بالنهار" سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء النفيس، كما في النهاية.
"قال" في الفتح: "وقيل سميت بذلك لأنها تخفي ذهابها" فتسري في خفية "وهذا يقتضي أنها أخذت من السر ولا يصح لاختلاف المادة" لأن لام السرراء وهذه ياء، قاله ابن الأثير. وأجاب شيخنا: بأن اختلاف المادة إنما يمنع الاشتقاق الصغير وهو رد فرع إلى أصل لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية، ويجوز أنه أراد بالأخذ مجرد الرد للمناسبة والاشتراك في أكثر الحروف. "وهي قطعة من الجيش تخرج منه" فتغير "وتعود إليه" وكأنه أريد بالجيش عسكر الأمام، فيشمل ما إذا بعث طائفة مستقلة كسرية حمزة، "وهي من مائة إلى خمسمائة" قضيته أن ما دونها لا يسمى سرية وهو مخالف لقوله نفسه في مقدمة الفتح، قال ابن السكيت: السرية ما بين الخمسة إلى الثلاثمائة، وقال الخليل: نحو أربعمائة، انتهى.
ونحوه في القاموس، بل في النهاية: يبلغ أقصاها أربعمائة، "وما زاد على الخمسمائة، يقال له: منسر بالنون ثم المهملة" بوزن مجلس ومنبر، كما في القاموس.
وهذا لا يوافق المصباح ولا القاموس، فإنه حكى أقوالا أكثرها أن المنسر من المائة إلى المائتين، وصدر به المصباح وقابله بقول الفارابي جماعة من الخيل، ويقال: هو الجيش لا يمرстр. 729
فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشا، فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا، والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثا، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى ملخصا.
الحواشي
(١) بشيء إلا اقتلعه. "فإن زاد على الثمانمائة" الأولى حذف أل لقولهم: إنها لا تدخل على أول المتضايفين مع تجرد الثاني بإجماع كالثلاثة أثواب، قاله في الهمع إلا أن يقرأ مائة بالنصب بجراء أل في تصحيح المميز مجر التنوين، والنون كما في التصريح في نحوه. "سمي جيشا" وقال ابن خالويه: الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، وأسقط والمصنف من الفتح قوله: وما بين المنسر والجيش يسمى هبطة؛ لأنه فسر الجيش بما زاد على ثمانمائة فلم يكن بين المنسر والجيش واسطة ثم حرر ضبط هبة، "فإن زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا" بفتح الجيم والفاء بينهما مهملة ساكنة، وأسقط من الفتح قوله: فإن زد فجيش جرار بفتح الجيم وراء مهملتين الأولى مشددة.
"والخميس" بلفظ اليوم "الجيش العظيم" الكثير، وكذا المجير والمدهم والعرمرم، كما في سامي الأسامي. وقال ابن خالويه: الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفا، "وما افترق من السرية يسمى بعثا" وقدم أن مبدأها مائة، فظاهره: أن ما دون المائة يسمى بعثا لكن بقية كلام الفتح وهو فالعشرة فما بعدها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون وموحدة، أي: بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون فإن زاد سمي جمرة بجيم مفتوحة وسكون الميم، انتهى. يفيد تخصيص البعث بما دون العشرة.
"والكتيبة" بفتح الكاف وكسر الفوقية وإسكان التحتية فموحدة فتاء تأنيث. "ما اجتمع ولم ينتشر" وفي القاموس: الكتيبة الجيش أو الجماعة المتحيزة من الخيل أو جماعة الخيل إذا أغارت من المائة إلى الف، "انتهى" كلام فتح الباري في قول البخاري في أواخر المغازي باب السرية التي قبل نجد "ملخصا" بمعنى أنه أسقط منه ما ذكرته عند لا التلخيص المتعارف، ومقتضاه: أن ما أرسله الإمام مستقلا وهو دون مائة لا يسمى بعثا ولا سرية. وفي القاموس: البعث، ويحرك الجيش جمعه بعوث.
وقال ابن خالويه: أقل العساكر الجريدة، وهي قطعة جردت من سائرها لوجه ما، ثم السرية أكثرها وهي من خمسين إلى أربعمائة، ثم الكتيبة من أربعمائة إلى ألف، ثم الجيش من ألف إلى أربعة آلاف، وكذلك الفيلق والجحفل، ثم الخميس من أربعة آلاف إلى اثني عشر ألفا، والعسكر يجمعها انتهى.
روى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وحسنه عن صخر بن وداعة مرفوعا: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" قال صخر: وكان ﷺ إذا بعث سرية بعثها أول النهار، وكان صخر تاجرا وكان لا يبعث غلمانه إلا من أول النهار فكثر ماله حتى كان لا يدري أين يضعه. وروى الطبراني عن عمران عن عمران: كان ﷺ إذا بعث سرية أغزاها أول النهار، وقال: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".стр. 730
بعث حمزرة ﵁:
وكان أول بعوثه ﷺ على رأس سبعة أشهر، في رمضان، وقيل في ربيع الأول سنة اثنتين. بعث عمه حمزة، وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين.
وقيل من الأنصار، وفيه نظر؛ لأنه لم يبعث أحدا من الأنصار حتى غزا بهم بدرا؛ لأنهم شرطوا له أن يمنعوه في دارهم.
فخرجوا يعترضون عيرا لقريش،..............................................
الحواشي
(١) بعث حمزة ﵁:
"وكان أول بعوثه ﷺ " حال كونه "على رأس سبعة أشهر في رمضان" قال ابن سعد، أي: تقريبا أو اعتبرت السبعة من أول تهيئته للخروج من مكة، فلا ينافي ما مر أن قدومه كان لاثنتي عشر ليلة خلت من ربيع الأول أو ثلاثة عشرة أو ثنتين وعشرين أو لليلتين، "وقيل: في ربيع الأول سنة اثنتين" قاله المدائني، وقال أبو عمر: بعد ربيع الآخر، "بعث عمه حمزة" كما رواه ابن عائذ عن عروة، وجزم به ابن عقبة والواقدي وأبو معشر وابن سعد في آخرين، وقيل: أولها بعث عبيدة، وقيل: عبد الله بن جحش، قال ابن البر: والأول أصح "وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين" قاله ابن سعد وغيره، "وقيل: من الأنصار" كذا في النسخ، وصوابه: ومن الأنصار، بالواو إذ لم يقل أحد بخلوهم من المهاجرين.
وقد حكى مغلطاي وغيره القولين على ما صوب، وذكر بعضهم: أنهم كانوا شطرين من المهاجرين والأنصار، "وفيه نظر؛ لأنه" كما قال ابن سعد: "لم يبعث أحدا من الأنصار حتى غزا بهم بدرا؛ لأنهم شرطوا له" ليلة العقبة "أن يمنعوه في دارهم" ولذا لما أراد بدرا صار يقول: أشيروا علي، حتى قال الأنصاري: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال في النور: وذكر ابن سعد في غزوة بواط أن سعد بن معاذ حمل اللواء وكان أبيض، فهذا تناقض منه. ويحتمل أن خروج سعد فيها من غير أن يندبه ﵇، إلا أن حمل اللواء يعكر على ذلك. والظاهر أن ابن سعد أراد أنه يبعث أحدا منهم، وتخلف ﵇ إلى غزوة بدر، وبعدها جهزهم وقعد، لكن آخر الكلام يعكر على هذا التأويل، انتهى.
"فخرجوا يعترضون عيرا لقريش" جاءت من الشام تريد مكة، أي: يتعرضون لها ليمنعوهاстр. 731
فيها أبو جهل اللعين، فلقيه في ثلاثمائة راكب فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فلما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، وكان ﵊ قد عقد له لواء أبيض.
"واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم العسكر.
وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس: كان راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة،..........................................................
الحواشي
(١) من مقصدها باستيلائهم عليها، "فيها أبو جهل اللعين فلقيه في ثلاثمائة راكب،" قال ابن إسحاق وابن سعد. وقال ابن عقبة: في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، "فبلغوا سيف" بكسر المهملة وسكون التحتية وبالفاء: ساحل "البحر من ناحية العيص" بكسر العين وسكون التحتية وصاد مهملتين، "فلما تصافوا" للقتال "حجز" بفتح الحاء والجيم وبالزاي: فصل "بينهم مجدي" بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال المهملة وياء كياء النسب "ابن عمرو الجهني" وكان موادعا للفريقين: أي: مصالحا مسالما. قال في النور: ولا أعلم له إسلاما، فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال، وأفاد الواقدي أن رهط مجدي قدموا عليه صلى لله عليه وسلم فكساهم، وقال في مجدي: إنه ما علمت ميمون النقيبة مبارك الأمر، أو قال: رشيد الأمر، "وكان ﵊ قد عقد له" أي: لحمزة، "لواء" بكسر اللام والمد.
روى أبو يعلى عن أنس رفعه: "إن الله أكرم أمتي بالألوية" وسنده ضعيف. "أبيض" زاد ابن سعد: وكان الذي حمله أبو مرثد البدري، أي: بفتح الميم وإسكان الراء وفتح المثلثة ودال مهملة: كناز بفتح الكاف وشد النون فألف فزاي، ابن الحصين بمهملتين مصغر الغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن يعصر فألف فزاي، ابن الحصين بمهملتين مصغر الغنوي بفتح المعجمة والنون نسبة إلى غني بن يعصر حليف حمزة. "واللواء" كما قال الحافظ في غزاة خيبر "هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع صاحب" أي: أمير "الجيش، وقد يحمله أمير الجيش وقد يدفعه لمقدم العسكر" وفي الفتح أيضا في الجهاد: اللواء الراية، ويسمى أيضا العلم وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحلم على رأسه، "وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية" فقالوا: في كل منها علم الجيش، ويقال: أصل الراية الهمز وآثرت العرب تركه تخفيفا ومنهم من ينكر هذا القول، ويقول: لم يسمع الهمز.
"لكن روى أحمد والترمذي عن ابن عباس" قال: "كانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض، ومثله عند الطبراني عن بريدة" بن الحصيب بهملتين: مصغر الأسلمي، "و" مثلهстр. 732
وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة فيه عرفية.
وذكر ابن إسحاق، وكذا أبو الأسود عن عروة: أن أول ما حدثت الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية" انتهى.
الحواشي
(١) "عند ابن عدي" الحافظ عبد الله أبي أحمد الجرجاني أحد الأعلام، مات سنة خمس وستين وثلاثمائة، "عن أبي هريرة، وزاد: مكتوب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله" وروى أبو داود عن رجل: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وجمع الحافظ بينهما باختلاف الأوقات، قال: وقيل: كانت له راية تسمى العقاب سوداء مربعة وراية تسمى الربية بيضاء، وربما جعل فيها شيء أسود. "وهو ظاهر في التغاير" بين اللواء والراية، وبه جزم ابن العربي، فقال: اللواء غير الراية، فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه.
والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح. وقيل: اللواء دون الراية، وقيل: اللواء العلم الضخم والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية: يتولاها صاحب الحرب. "فلعل التفرقة فيه عرفية" فلا يخالف ما صرح به الجماعة من الترادف، وقد جنح الترمذي إلى التفرقة فترجم الألوية، وأورد حديث البراء: أنه ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض، ثم ترجم الرايات. وأورد حديث البراء: كانت راية رسول الله ﷺ سوداء مربعة، وحديث ابن عباس المذكور أولا.
"وذكر ابن إسحاق" محمد إمام المغازي "وكذا أبو الأسود" محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي النوفلي المندين يتيم عروة، وثقه أبو حاتم والنسائي وأخرج له الجميع، "عن عروة" بن الزبير أحد الفقهاء: "إن أول ما حدثت الرايات" جمع راية "يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلا الألوية" وهذا أيضا ظاهر في التغاير بينهما، "انتهى" لفظ فتح الباري في خيبر.стр. 733
" سرية عبيدة المطلبي ":
ثم سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ، في شوال، على رأس ثمانية أشهر،.............................................
الحواشي
(١) سرية عبيدة المطلبي:
"ثم سرية عبيدة" بضم العين وفتح الموحدة وإسكان التحتية فدال فهاء، "ابن الحارث" بن المطلب بن عبد مناف المستشهد ببدر، "إلى بطن رابغ" بموحدة مكسورة وغين معجمة، "في شوال على رأس ثمانية أشهر" من الهجرة تقريبا أو تحقيقا على ما مر، وأوردها ابن هشام وأبوстр. 734
في ستين رجلا، وعقد له لواء أبيض، حمله مسطح بن أثاثة، يلقى أبا سفيان بن حرب. وكان على المشركين -وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل- في مائتين، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمى بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام.
الحواشي
(١) الربيع في الاكتفاء بعد غزوة الأبواء في السنة الثانية في ربيع الأول، ورواه ابن عائذ عن ابن عباس، وبه صرح بعض أهل السير، لكن ذكر غير واحد أن الراجح الأول، فلذا اقتصر عليه المصنف.
"في ستين رجلا" أو ثمانين كذا عند ابن إسحاق، فيحتمل أنه شك أو إشارة إلى قولين، ولفظه: في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، "وعقد" ﵇ "له" لعبيدة "لواء أبيض حمله مسطح" بميم مكسورة وسين ساكنة وطاء مفتوحة وحاء مهملات، "ابن أثاثة" بضم الهمزة وخفة المثلثتين ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي اسمه عوف ومسطح لقبه، أسلم قديما ومات سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ويقال: عاش إلى خلافة علي وشهد معه صفين، ومات تلك السنة سنة سبع وثلاثين. "يلقى أبا سفيان" صخر "بن حرب" أسلم في الفتح ﵁، "وكان على المشركين" كما قال الواقدي: إنه الثبت عندنا، وصدر به مغلطاي.
"وقيل:" أي: قال ابن هشام عن أبي عمرو بن العلاء المدني: يلقى "مكرز" بكسر الميم وإسكان الكاف وفتح الراء والزاي، كما ضبطه الغساني وغيره. قال السهيلي: وهكذا الرواية حيث وقع، قال ابن ماكولا: ووجدته بخط ابن عبدة النسابة بفتح الميم، قال الحافظ: وبخط يوسف بن خليل بضم الميم وكسر الراء والمعتمد الأول، "ابن حفص" بن الأخيف بفتح الهمزة وسكون المعجمة وفتح التحتية وبالفاء ابن علقمة العامري، وهو الذي جاء في فداء سهيل بن عمرو بعد بدر، وجاء أيضا في قصة الحديبية، قال في الإصابة والنور، ولم أرَ من ذكره في الصحابة إلا ابن حبان، فقال في ثقاته: يقال له صحبة.
"وقيل" أي: قال ابن إسحاق: يلقى "عكرمة بن أبي جهل" أسلم في الفتح "في مائتين ولم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن أبي وقاص" مالك "رمى" يومئذ "بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام" كذا عند ابن إسحاق، والمراد: جنس سهم، فلا ينافي قول الواقدي: إنه نثر كنانته وتقدم أمام أصحابه وقد تترسوا عنه فرمى بما في كنانته، وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم إلا ويجرح إنسانا أو دابة. قال ابن إسحاق: ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان، وكانا مسلمين ولكنهما خرجاстр. 735
قال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة -فيما بلغنا- أول راية عقدت في الإسلام، وبعض الناس يقول: راية حمزة. قال: وإنما أشكل أمرهما لأنه ﵇ بعثهما معا، فاشتبه ذلك على الناس. انتهى.
وهذا يشكل بقولهم: إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر، لكن يحتمل أن يكون ﷺ عقد رايتيهما معا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية، لأمر اقتضاه، والله أعلم.
الحواشي
(١) ليتوصلا بالكفار.
"قال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة فيما بلغنا أول راية عقدت في الإسلام" قال: وبعض العلماء يزعم أنه ﷺ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، قال: "وبعض الناس يقول" كانت "رواية حمزة " أول راية "قال: وإنما أشكل أمرهما؛ لأنه ﵇ بعثهما معا، فاشتبه ذلك على الناس" فكل من قال ذلك في واحد منهما فهو صادق، "انتهى" قول ابن إسحاق بما زدته من سيرته.
"وهذا يشكل بقولهم إن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر" في رمضان وبعث عبيدة على رأس ثمانية في شوال، فكيف يشتبه مع هذا؟ "لكن يحمل أن يكون ﷺ عقد رايتيهما معا، ثم تأخر خروج عبيدة إلى رأس الثمانية لأمر اقتضاه" فيلتئم القولان، "والله أعلم" بحقيقة الحال.стр. 736
سرية سعد بن ملك
...
"سرية سعد بن مالك":
ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار -بخاء معجمة وراءين مهملتين، وهو واد يصب في الجحفة...................................
الحواشي
(١) سرية سعد بن مالك:
"ثم سرية سعد بن أبي وقاص" واسمه مالك الزهري آخر العشرة موتا من السابقين الأولين المختص بكثرة جمع المصطفى له أبويه يوم أحد حيث كرر له: "ارم فداك أبي وأمي"، ﵁. "إلى الخرار بخفاء معجمة" مفتوحة "وراءين مهملتين" الأولى ثقيلة، كما ذكره الصغاني في خزر المجد في فصل الخاء من باب الراء وهو الذي في النور في نسخة صحيحة مقروءة على ابن مصنفها، فما في نسخة محرفة منه ومن سيرة الشامي وتشديد الزاي الأولى لا يلتفت إليه، ولعلها كانت همزة عقب الألف فصحفت ياء فظنت زايا من تحريف النساخ. "وهو" كما في سيرة مغلطاي "واد في الحجاز يصب في الجحفة" وفي ذيل الصغاني: موضع قريب الجحفة.стр. 737
وكان ذلك في القعدة، على رأس تسعة أشهر، وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو، في عشرين رجلا، يعترض عيرا لقريش، فخرجوا على أقدامهم، فصبحوها صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس.
الحواشي
(١) وفي القاموس: عين قرب الجحفة. "وكان ذلك في القعدة" بكسر القاف وفتحها، "على رأس تسعة أشهر" عند ابن سعد وشيخه الواقدي، وجعلها ابن إسحاق في السنة الثانية، وتبعه أبو عمر، فقال: بعد بدر. "وعقد له لواء أبيض حمله المقداد" بكسر الميم وسكون القاف ودالين مهملتين،"ابن عمرو" بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود؛ لأنه تبناه، "في عشرين رجلا" من المهاجرين، وقيل: ثمانية، "يعترض عيرا" إبلا تحمل الطعام وغيره من التجارات، ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك، كما في النور. وكانت "لقريش فخرجوا على أقدامهم فصبحوها" أي: الخرار، وأنت لأنها اسم عين وهي مؤنثة، "صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس،" فرجعوا ولم يلقوا كيدا، والله أعلم.стр. 738
" أول المغازي: ودان ":
ثم غزوة ودان، وهي الأبوء وهي أول مغازيه، كما ذكره ابن إسحاق وغيره.
الحواشي
(١) أول المغازي ودان:
قال الزهري: في علم المغازي خير الدنيا والآخرة. وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: كنا نعلم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلم السور من القرآن، رواهما الخطيب وابن عساكر. وعن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.
"ثم غزوة ودان" بفتح الواو وشد المهملة فألف فنون قرية جامعة من أمهات القرى من عمل الفرع، وقيل: واد في الطريق يقطعه المصعدون من حجاج المدينة. "وهي" أي: غزوة ودان، "الأبواء" بفتح الهمزة وسكون الموحدة والمد: قرية من عمل الفرع بينها وبين لجحفة من جهة المدينة وثلاثة وعشرون ميلا. قيل: سميت بذلك لما فيها من الوباء، وهو على القلب وإلا لقيل الأوباء، والصحيح كما قال قاسم بن ثابت: إنها سميت بذلك لتبوء السيول بها، ومراد المصنف أن منهم من أضافها لودان وبعضهم للأبواء لتقاربهما، فليس ضمير هي راجعة لودان، لاقتضائه أنه مكان واحد له اسمان، وهو خلاف الواقع كما يأتي. "وهي" أي: غزوة ودان، "أول مغازيه" ﷺ "كما ذكره ابن إسحاق وغيره،" وآخرها تبوك، ولا يرجع ضمير هي للأبواء وإن كانстр. 739
وفي صحيح البخاري عنه: أوله الأبواء.
خرج ﷺ في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمة المدينة، يريد قريشا، في ستين رجلا وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب. فكانت الموادعة -أي المصالحة- على أن بني ضمرة لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا.
واستعمل على المدينة سعد بن عبادة.
وليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق وبين ما نقله عنه البخاري اختلاف، لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال أو ثمانية.
الحواشي
(١) أقرب مذكور؛ لأنه لا يتخيل تناف حتى يحتاج للجواب الآتي.
"وفي صحيح البخاري عنه" أي: ابن إسحاق تعليقا: "أولها" أي: المغازي "الأبواء" ثم بواط ثم العشيرة، ولا تنافي كما يأتي، "خرج ﷺ في صفر" لاثنتي عشرة مضت منه، كما عند بعض الرواة عن ابن إسحاق، "على رأس" أي: عند أول "اثني عشر شهرا" ففي المصباح: رأس الشهر: أوله، "من مقدمه المدينة يريد قريشا" زاد ابن إسحاق: وبني ضمرة، فكأنه قصره على قريش؛ لأنهم المقصودون بالذات والمراد غيرهم، "في ستين رجلا" من المهاجرين ليس فيهم أنصاري، "وحمل اللواء" قال أبو عمر: كان أبيض، "حمزة بن عبد المطلب" سيد الشهداء "فكانت الموادعة" أي: فكان الأثر المترتب على خروجه الموادعة "أي: المصالحة" مع بني ضمرة ولم يدرك العير التي أراد "على أن بني ضمرة" بفتح المعجمة وإسكان الميم: ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة "لا يغزونه ولا يكثرون عليه جمعا، ولا يعينون عليه عدوا" وإنه إذا دعاهم لنصر أجابوه، قال ابن إسحاق وابن سعد وأبو عمر: عقد ذلك معه سيدهم مخشي ابن عمرو الضمري.
وقال ابن الكلبي وابن حزم: عمارة بن مخشي بن خويلد، ومخشي بفتح الميم وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين ثم ياء مشددة كياء النسبة، قال البرهان: لا أعلم له إسلاما. وقال الشامي: لم أر من ذكر له إسلاما، وكتب بينهم بذلك كتابا، كما قال السهيلي، وسيذكره المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن المصنف بعد بواط، والأولى تقديمه هنا. "واستعمل على المدينة سعد بن عبادة" كما ذكره ابن هشام وابن سعد وابن عبد البر: وغاب عنها خمسة عشر يوما ثم رجع ولم يلق كيدا. "و" أفاد في فت الباري أنه "ليس بين ما وقع في سيرة ابن إسحاق" من أن أول غزواته ودان "وبين ما نقله عنه البخاري" أن أولها الأبواء "اختلاف؛ لأن الأبواء وودان مكانان متقاربان بينهما ستة أميال" وبه جزم اليعمري، "أو ثمانية" كما قال غيره، زاد في الفتح: ولهذا وقع في حديث الصعب بن جثامة وهو بالأبواء أبو بودان، كما مر في الحج. وفي مغازي الأموي: حدثني أبي عن ابن إسحاق، قال: ثم خرج النبي ﷺ غازيا بنفسه حتى انتهى إلى ودان وهي الأبواء. وعند ابن عائذ عن ابن عباس أن النبي ﷺ وصل إلى الأبواء، انتهى. فكما وقع في العيون أنه سار حتى بلغ ودان وقع في غيره أنه سار حتى بلغ الأبواء.
وروى البخاري في التاريخ الصغير والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده، قال: أول غزوة غزوناها مع النبي ﷺ الأبواء.стр. 740
غزوو بواط:
ثم غزوة بواط -بفتح الموحدة وقد تضم وتخفيف الواو وآخره مهملة- غزاها ﷺ في شهر ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوى -بفتح الراء وسكون المعجمة، مقصور- في مائتين من أصحابه،.....................................................................
الحواشي
(١) ثم غزوة بواط:
"بفتح الموحدة" عند الأصيلي والمستملي من رواة البخاري والعذري من رواة مسلم، وصدر به في الفتح فتبعه السيوطي والمصنف هنا، قائلين: "وقد تضم" صريح في قلته مع أنه الأعرف، كما قاله في المطالع، واقتصر عليه في المقدمة، والمصنف في الشرح، وصاحب القاموس. "وتخفيف الواو" فألف "وآخره" طاء "مهملة" جبل من جبال جهينة بقرب ينبع لعلى أرعة برد من المدينة. وقال السهيلي: بواط جبلان فرعان لأصل واحد، أحدهما جلسي والآخر غوري.
وفي الجلسي بنو دينار ينسبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مروان "غزاها ﷺ في شهر ربيع الأول" قاله ابن إسحاق، وقال أبو عمر وتلميذه ابن حزم في ربيع الآخر "على رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة، حتى بلغها من ناحية رضوي بفتح الراء وسكون" الضاد "المعجمة مقصور" جبل بالمدينة والنسبة إليه رضوي، قاله الجوهري. وفي السبل: على أربعة برد من الميدنة وبه يفسر قول المجد على أبراد. وفي خلاصة الوفاء: رضوى كسكرى جبل على يوم من ينبغ وأربعة أيام من المدينة ذو شعاب وأودية وبه مياه وأشجار، هذا هو المعروف ومنه يقطع أحجار المنارة، قيل: هو أول تهامة، انتهى. وهو مباين لكلام أولئك بكثير، ويذكر أن رضوى من الجبال التي بني منها البيت، أنه من جبال الجنة.
وفي حديث رضوي ﵁: وقدس وتزعم الكيسانية أن محمدا ابن الحنفية مقيم به حي يرزق. "في مائتين من أصحابه" المهاجرين وحمل لواءه وكان أبيض سعد بن أبي وقاص، كما في الشامية وغيرها. وفي العيون: سعد بن معاذ، فيما ذكر ابن سعد. وتقدم مناقضة البرهانследующие страницы →