Полный текст (5 943 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في عباده، والله فاعل الجميع انتهى.
ولما التقى الجمعان، تناول ﷺ كفا من الحصباء، فرمى به في وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه منها شيء فانهزموا
الحواشي
(١) مقاتل من الأرض السفلى على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها ودجاجها وقبلها، "فقلت:" في الجواب فعل "ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ ولأصحابه وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله في عباده والله فاعل الجميع، انتهى" وذكر ابن هشام أن شعار الملائكة كان يوم بدر: أحد، "ولما التقى الجمعان" بعد ما مر من الصلاة والابتهال النبوي، وقتال علي ورجوعه يجد المصطفى ساجدا، وتزاحف الناس ونزول الملائكة، وقول أبي جهل، كما عند ابن إسحاق: اللهم إينا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه.
"تناول ﷺ كفا" أي: ملء كف بأمر جبريل، كما جاء عن ابن عباس "من الحصباء" بالمد صغار الحصى. وفي رواية: ثلاث حصيات، كما يأتي. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزم: سمعنا صوتا من السماء يوم بدر وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحصاة فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْت﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، الآية. وعن جابر: سمعت صوت حصيات وقعت من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست.
وعن ابن عباس: أنه ﷺ قال لعلي: "ناولني قبضة من الحصباء"، وعنه أيضا: أن جبريل قال له: خذ قبضة من تراب، والجمع بينها سهل بأن تكون الحصيات نزلت من المسلمين وبعض عبر عنها بحصاة، وبعض بحصيات بحسب ما تخيله، ثم تفتت فقال له جبريل: خذها، فقال لعلي: "ناولني قبضة من الحصباء"، فناوله "فرمى به" أي: بما تناوله فلذا ذكر الضمير؛ لأنه لو أراد الكف لأنثه لأنها مؤنثة، "في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه" أي: قبحت خبر بمعنى الدعاء، أي: اللهم تنح وجوههم، ويحتمل أنه خبر؛ لأن جبريل لما أمره برميهم بالحصباء تحقق ذلك، "فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخريه" وفمه كما في رواية: والمنخر بفتح الميم والخاء وكسرها وضمهما، وكمجلس وعصفور الأنف، كما في القاموس وغيره.
"منها شيء، فانهزموا" قال ابن عقبة وغيره: فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها صارстр. 807
وقتل الله من قتل من صناديد قريش،.............................................................
الحواشي
(١) المشرك لا يدري أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه، فصاروا يقتلونهم ويأسرونهم. "فقتل الله من قتل" أسند إليه تعالى لكونه الخالق له والمميت حقيقة، وإن نسب الضرب للعبد. "من صناديد قريش" أشرافهم وشجعانهم فمنهم أمية بن خلف أسره عبد الرحمن بن عوف، وأراد استبقائه لصداقة كانت بينهما فنظره بلال، فنادى: يا أنصار الله! رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فهبروه أسيافهم. وذكر الواقدي أن الذي تولى قتله خبيب، بمعجمة وموحدة مصغر، ابن أساف بكسر الهمزة وخفة المهملة وفاء، الأنصاري، وقال ابن إسحاق: رجل من بني مازن من الأنصار.
وفي المستدرك: أن رفاعة طعنه بالسيف. وقال ابن هشام: اشترك في تقله معاذ بن عفراء، وخارجة بن زيد، وخبيب بن أساف، ويقال: قتله بلال، والجمع: أن الكل اشتركوا فيه، وكان أمية قد عذب بلالا بمكة في المستضعفين فجعل الله قتله على يده وفجعه قبل قتله يومئذ بقتل ابنه علي بن أمية قتله عمار بن ياسر حتى صاح أمية صيحة لم يسمع مثلها، قيل: وهنأ الصديق بلالا بقوله:
هنيئا زادك الرحمن فضلا ... فقد أدركت ثأرك يا بلال
ومنهم: عدو الله أبو جهل، قال ابن إسحاق: أقبل يرتجز، ويقول:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
فأذاقه الله الهوان بأن قتله حفزا في زعمه وجعل ذلك حسرة عليه، حتى قال: لو غير أكار قتلني، بشدة الكاف، أي: زارع، يعني أن الأنصار أصحاب زرع فأشار إلى تنقيص من قتله منهم، والمعنى: لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني، ولم يكن علي نقص في ذلك.
وروى البخاري وغيره عن عبد الرحمن بن عوف، قال: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه، يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يابن أخي، وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أقتله أن أموت دونه، فقال لي الآخر سرا مثل صاحبه، فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء معاذ، ومعوذ في الصحيحين عن أنس، قال ﷺ : "من ينظر ما فعل أبو جهل"؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبا جهل فقال: فهل فوق رجل قتله قومه، أو قال: قتلتموه والرواية: أنت أبا جهل بالنصبстр. 808
.................................
الحواشي
(١) ولها توجيهات معلومة، من غريبها أنه خاطبه باللحن قصدا لإهانته.
وعند ابن إسحاق والحاكم: قال ابن مسعود: فوجدته بآخر رمق فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: أخزاك الله يا عدو الله، قال: ولم أخزاني هل أعمد رجل قتلتموه؟ أي: أشرف، أي: إنه ليس بعار، أخبرني لمن الدبرة اليوم؟ أي: النصر والظفر، قلت: لله ورسوله، قال: وزعم رجال من بني مخزوم أنه قال لابن مسعود: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، ثم احترزت رأسه. وعند ابن عقبة وأبي الأسود عن عروة، أنه أي بعد هذه المكالمة وجده لا يتحرك منه عضو، فأتاه من ورائه فتناول قائم سيف أبي جهل فاستله ورفع بيضته عن قفاه فوقع رأسه بين يديه. وعند ابن إسحاق والحاكم في حديث ابن مسعود: فجئت برأسه إلى النبي ﷺ فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فقال: "الله الذي لا إله إلا هو" فحلفت له، ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله.
وفي زيادات المغازي ليونس بن بكير: فأخذ ﷺ بيد ابن مسعود: ثم انطلق حتى أتاه، فقام عنده، ثم قال: "الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله" ثلاث مرات.
وروى ابن عائذ من مرسل قتادة رفعه: "إن لكل أمة فرعونا، وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله الله شر قتلة، قتله ابنا عفراء وقتلته الملائكة"، وتذافه ابن مسعود بفتح الفوقية والذال معجمة ومهملة وشد الفاء، أي: أجهز عليه. والحاصل: أن معاذا ومعوذا ابني عفراء وهي أمهما، كما مر، وأبوهما الحارث بلغا به بضربهما إياه بسيفهما منزلة المقتول حتى لم يبق به إلا مثل حركة المذبوح، وي تلك الحالة لقيه ابن مسعود فكالمه ثم ضرب عنقه بسيف نفسه.
لكن في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف أنه قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وأن النبي ﷺ نظر في سيفيهما وقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
قال ابن عبد البر وعياض: وأصح منه حديث الصحيحين عن أنس، أي: وعبد الرحمن أيضا، كما مر أن قاتله ابن عفراء، وجمع الحافظ باحتمال أن معاذ بن عفراء شد عليه مع معاذ بن عمرو ضربه بعد ذلك معوذ بن عفراء حتى أثبته ثم حز رأسه ابن مسعود، فتجتمع الأقوال كلها، انتهى. وسبقه إليه النووي، فقال: اشترك الثلاثة في قتله، لكن ابن الجموح أثخنه أولا، فاستحق السلب، وإنما قال: "كلاكما قتله"، تطييبا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركا في قتله، وإن كان القتل الشرعي الذي يستحق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا إنما وجد من ابن الجموح، انتهى.
قال في النور: وهو صحيح لكن عطاء بن الجموح السلب يدل على أنه الذي أزال امتناعه.стр. 809
وأسر من أسر من أشرافهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] قال: هذا يوم بدر، أخذ ﷺ ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت
الحواشي
(١) قلت: هذا حاصل الجمع، وبه صرح النووي كما ترى، فلا معنى لاستدراكه، وجاء أنه قال لابن مسعود: احتز من أصل العنق ليرى عظيما مهابا في عين محمد، وقل له: ما زلت عدوا لله إلى سائر الدهر واليوم أشدة عدواة، فلما أتاه برأسه وأخبره قال: "كما أني أكرم النبيين على الله، وأمتي أكرم الأمم على الله، كذلك فرعون هذه الأمة أشد وأغلظ من فراعنة سائر الأمم، إذ فرعون موسى حين أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وفرعون هذه الأمة ازداد عداوة وكفرا". وذكر عياض أن ابن مسعود إنما وضع رجله على عنقه ليصدق رؤياه. قال ابن قتيبة: ذكر أن أبا جهل قال لابن مسعود: لأقتلنك، فقال: والله لقد رأيت في النوم إني أخذت حدجة حنظل فوضعتها بين كتفيه ورأيتني أضرب كتفيك ولئن صدقت رؤياي لأطأن على رقبتك ولأذبحنك ذبح الشاة الحدجة -بفتح المهملتين والجيم وتاء تأنيث- الحنظلة الشديدة ومنهم ومنهم وقد أطلت لتشوف النفس لقتل هذا الفرعون، مع أنه ما خلا من فائدة.
"وأسر من أسر" وهم سبعون "من أشرافهم" جمع شريف، ويجمع أيضا على شرفاء، ولعله خصهم بهذا. والقتلى بالصناديد تنبيها على أن القتلى هم المعروفون بالشجاعة بينهم وإن كانوا شرفاء. وعند ابن إسحاق: أنهم لما جعلوا يأسرون، والنبي ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ على شرفاء. وعند ابن إسحاق: أنهم لما جعلوا يأسرون، والنبي ﷺ في العريش، وسعد بن معاذ على بابه متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسونه يخافون كرة العدو، فرأى ﵇ في وجه سعد الكراهة، فقال له: "والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم"؟ قال: أجل والله يا رسول الله! كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك فكأن الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجل.
"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" العدوي مولاهم المدني "في" تفسير "قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] الآية، أتيت بصورة الرمي، " ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] الآية" بإيصال ذلك إليهم؛ لأن كفا من الحصباء لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر، وقيل: ما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا، ولكن أعانك الله وظفرك وصنع ذلك، حكاه أبو عبيدة في المجاز عن ثعلب. "قال" عبد الرحمن وأعاده للفصل بين كلام الله وتفسيره: "هذا يوم بدر أخذ ﷺ ثلاث حصيات" نزلت من السماء وأمره جبريل بأخذها فناولها له علي، كما مر. "فرمى بحصاة في ميمنة القوم" جهة يمينهم "وبحصاة في مسيرة القوم" جهة شمالهم، "وبحصاة بين أظهرهم" أي: بينهم فأظهر زائدة، "وقال: "شاهت"стр. 810
الوجوه" فانهزموا.
وقد روي عن غير واحد: أن هذ الآية نزلت في رميه ﷺ يوم بدر، وإن كان فعل ذلك يوم حنين أيضا سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد اعتقد جماعة: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلا في الجبر، وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده!!
وهذا غلط.........................................................................................................
الحواشي
(١) قبحت "الوجوه" زاد في الرواية: "اللهم أرعب قلوبهم وزلزل أقدامهم"، "فانهزموا" لا يلوون على شيء، أي: لا يلتفتون وألقوا دروعهم.
"وقد روي عن غير واحد" كعمر عند الطبراني وحكيم بن حزام عنده، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عباس كلاهما عند أبي الشيخ، وقاله الجمهور، قال القرطبي: وهو الصحيح، والسيوطي هو المشهور. "أن هذه الآية نزلت في رميه ﷺ يوم بدر وإن كان قد فعل ذلك" أي: الرمي بالحصباء، "يوم حنين أيضا" ويوم أحد أيضا، كما عند الحاكم على شرط مسلم، "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في غزوتيهما، وقيل: نزلت في طعنة طعنها ﵇ لأبي بن خلف يوم أحد بحربته فوقع عن فرسه، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، رواه الحاكم بسند صحيح.
قال السيوطي: لكنه غريب، وقيل: في سهم يوم خيبر فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، رواه ابن جرير بإسناد مرسل جيد لكنه غريب، وقيل: في حصبه يوم خيبر. قال القرطبي، ما حاصله: وهذا كله ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقب بدر، وأما قوله: فلم تقتلوهم، فروي أن الصحابة لما صدروا عن بدر، ذكر كل واحد منهم ما فعل: فعلت كذا فعلت كذا، فجاء من ذلك تفاخر ونحوه ذلك، فنزلت الآية إعلاما بأن الله هو المحيي المميت والمقدر لجميع الأشياء وأن العبد إنما يشارك بكسبه وقصده، انتهى.
"وقد اعتقد جماعة" كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد: أن المراد بالآية سلب فعل الرسول" ﷺ "عنه وإضافته إلى الرب تعالى" لغرضهم الفاسد المشار له بقوله: "وجعلوا ذلك أصلا في الجبر" بجيم وموحدة ساكنة، أي: مذهب الجبريين الزاعمين جبر العبد على الفعل لا ينسب له منه شيء، كما فسره بقوله: "وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده" تعالى عن ذلك علوا كبيرا، "وهذا" كما قال ابن القيم: "غلطстр. 811
منهم في فهم القرءان، ولو صح ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صليت إذ صليت، ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا إذ فعلت ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا لزمهم في أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم إذ لا فرق، وإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها، أو برميه وحده ناقضوا. فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية.
ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته.
ونظير هذا في الآية نفسها قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
الحواشي
(١) منهم في فهم القرآن، ولو صح ذلك لوجب طرده، فيقال: ما صليت إذ صليت ولا صمت إذ صمت، ولا فعلت كذا إذ فعلت" بفتح التاء في الجميع خطابا على المتبادر أو بضمها للمتكلم، "ولكن الله فعل ذلك فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد" وبينها بقوله: طاعتهم معاصيهم إذ لا فرق" فلا ينسب لهم منها شيء فلا يكونون ممتثلين لفعل مأمور به ولا ترك منهي عنه، فلا يثابون على طاعة ولا يعاقبون على معصية، وهذا هدم للشريعة وإبطال للآيات والأحاديث.
"وإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله" أي: بأفعال الرسول "جميعها أو" خصوه "برميه وحده" دون باقي أفعال، "ناقضوا" أنفسهم حيث نفوا جملة الأفعال عن العباد ونسبوا بعضها إلى بعضهم، "فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية و" إنما تأويلها مع الجواب أنه "معلوم أن تلك الرمية من البشر" وخصوصا من واحد "لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه ﷺ مبدأ الرمي وهو الحذف" بمهملة ومعجمة الرمي بالحصباء "ومن الرب تعالى نهايته وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه" من إضافة الأعم إلى الأخص، أي: الرمي الذي هو الحذف وكذا يقال في "نفي عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته،" وذهب ثعلب في معنى الآية إلى أن المنفي الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم حتى انهزموا، كما مر، ولكنه يقتضي انهزامهم بمجرد الرعب، وهو خلاف الواقع من تسليط الملائكة والمسلمين بالقتل والأسر، فأثر ذلك انهزامهم لا بمجرد الرعب، فما عليه ابن القيم في فهم الآية كغيره أولى.
"ونظير هذا في الآية نفسها" باعتبار المآل إذ ليس فيها نفي قتل عنهم وإثباته لهم، "قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] لم تزهقوا روحهم بقوتكم وضربكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَстр. 812
قَتَلَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي انفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله ﷺ ، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابا تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتال والنصر مضافا إليه وبه ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِين﴾ .
قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن الأسدي يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا فقال له: "قاتل به"، فهزه فعاد في يده سيفا طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون،..................................................................
الحواشي
(١) قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] ، إذ هو الذي أهلكهم وأماتهم، وقيل: قتلهم بتمكينكم منهم، وقيل: بالملائكة الذين أمدكم بهم، حكاهما القرطبي، ولم يقل إذ قتلتموهم، كما قال: إذ رميت لمشاركة الملائكة لهم في قتلهم بخلاف الرمي فلم يشاركه ﷺ فيه أحد.
"ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] ، فأخبر أنه تعالى وحده هو الذي تفرد بإيصال الحصباء إلى أعينهم، ولم يكن برسوله ﷺ ولكن وجه الإشارة بالآية أنه أقام أسبابا تظهر للنا، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصر مضافا إليه" صلوات الله وحاصلا بفعله، ولا يرجع الضمير للأسباب لتذكيره، وبه ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٠] الآية، كما قال في الكتاب المبين.
"قال" محمد "بن إسحاق" بن يسار إمام المغازي: "وقاتل عكاشة" بضم العين وشد الكاف وتخفف "ابن محصن" بكسر الميم وفتح الصاد، ابن حرثان بضم المهملة وسكون الراء ومثلثة، "الأسدي" ممن يدخل الجنة بغير حساب، كما في الصحيحين.
"يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا" بكسر الجيم وفتحها وسكون الدال المعجمة واحد الأجذال وهي أصل الحطب، قال الشامي: والمراد هنا العرجون بضم المهملة أصل العذق بكسر العين الذي يفرج وينعطف ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخلة يابسا، "فقال له: "قاتل به" يا عكاشة، فأخذه منه "فهزه فعاد في يده سيفا طويل القامة شديد المتن" أي: الظهر من إضافة الوصف إلى فاعله، أي: شديدا متنه، أو المراد بالمتن هنا الذات تسمية للكل باسم جزئه، "أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون" بفتح المهملة وإسكان الواو وبالنون، قاله البرهان وتبعه الشامي.стр. 813
ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل وهو عنده.
وجاءه ﵊ يومئذ -فيما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب- معاذ بن عمرو يحمل يده، ضربه عليها عكرمة، فبصق ﵊ عليها فلصقت. قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.
الحواشي
(١) "ثم لم يزل" السيف "عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل وهو عنده" في قتال أهل الردة زمن الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي، وروى الواقدي: حدثني أسامة بن زيد الليثي عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الأشهل، قالوا: انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريس يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه ﷺ قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب، فقال: اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، ورواه البيهقي أيضا الحريس بفتح المهملة وكسر الراء وسين مهملة، قاله البرهان محتجا بقول الزبير: ليس في الأنصار حريش بمعجمة غير الحريش بن حجبي، وما سواه بالمهملة وضبطه الشامي بالمعجمة، وأعزل بفتح الهمزة وسكون المهملة فزاي، وابن طاب بمهملة فألف فموحدة نوع من تمر المدينة نسب إلى ابن طاب رجل من أهلها، وجسر أبي عبيد كان سنة أربع عشرة.
"وجاءه ﵊ يومئذ" أي: يوم بدر "فيما ذكره القاضي عياض عن" عبد الله "بن وهب" بن مسلم الفهري مولاهم المصر الحافظ الإمام الزاهد من أجله الناس وثقاتهم ورجال الجميع، مات في شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، "معاذ بن عمرو" قلد في ذلك اليعمري وانتقده محشيه البرهان بأن الذي في الشفاء معوذ بن عفراء، "يحمل يده ضربه عليها عكرمة" ابن أبي جهل أسلم بعد الفتح وقلد في ذلك اليعمري أيضا، ورده محشيه بأن الذي في الشفاء أن القاطع لها أبو جهل، "فبصق ﵊" بالصاد والزاي، أي: أخرج ريقه ورمى به "عليها فلصقت" بكسر الصاد وفيه علم من علم من أعلام النبوة باهر، نعم روى ابن إسحاق، ومن طريقه الحاكم عن ابن عباس، قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعتهم يقولون: وأبو جهل في مثل الحرجة أبو جهل يخلص إليه فجعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه، قال: فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخه حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها.
"قال ابن إسحاق" في بقية ذا الحديث الذي ذكرته: "ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان"стр. 814
وعن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: لما أمر ﷺ بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
وإنما ألقوا في القليب ولم يدفنوا؛ لأنه ﵊ كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن......................................................
الحواشي
(١) ﵁ ولم يذكر في حديثه هذا أنه أتى بها المصطفى فتوهم اليعمري وتبعه المصنف أن كلام القاضي فيه فوهما؛ لأنها قصة أخرى، كما علم. والحرجة بفتح المهملة والراء الجيم وتاء تأنيث: شجر ملتف، كالغيصة، قاله في النهاية، وفي حواشي أبي ذر: الشجرة الكبيرة الأغصان، وفي العين: الحرجة الغيضة أطنت قدمه أسرعت قطعها، مرضخه بضاد وخاء معجمتين، كما في النهاية وفي الصحاح أنه بحاء مهملة أيضا، وأجهضني بجيم وهاء معجمة: شغلني، واشتد علي.
"و" روى ابن إسحاق: حدثني يريد بن رومان "عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂" قالت: "لما أمر ﷺ بالقتلى" أي: بعظمائهم "أن يطرحوا في القليب" ففي الصحيح عن أنس عن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقدموا في طوى من إطواء بدر خبيث مخبث. وعند ابن عائذ: ببضعة وعشرين. قال الحافظ: ولا تنافي فالبضع يطلق على الأربع أيضا، قال: ولم أقف على تسمية الأربع والعشرين جميعهم بل تسمية بعضهم، ويمكن إكمالهم ممن سرده ابن إسحاق من قتلى الكفار ببدر بأن يقتصر على من كان يذكر بالرئاسة ولو تبعا لأبيه.
وفي حديث البراء في الصحيح أن قتلى بدر من الكفار سبعون، فكان المطروحين في القليب الرؤساء منهم، ثم من قريش وخصوا بالمخاطبة الآتية لما تقدم منهم من المعاندة وطرح باقي القتلى في أمكنة أخرى، وأفاد الواقدي أن هذا القليب كان حفره رجل من بني النار، فناسب أن يلقى فيه هؤلاء الكفار.
"فطرحوا فيه" بالفاء في جواب لما على رأي ابن مالك أو زائدة على رأي الجمال بن هشام، لكن الثابت عند ابن إسحاق بدون فاء فهي زائدة من قلم المصنف أو نساخه، "إلا ما كان من أمية بن خلف فإن انتفخ في درعه فملأها" أي: الدرع لأنها مؤنثة عند الأكثر، "فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة" قال السهيلي الله في الروض "وإنما ألقوا في القليب" لأنه كان من سنته ﵇ في مغازيه إذ مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا كان أو كافرا، كذا وقع في السنن للدارقطني فإلقاؤهم في القليب من هذا الباب.
"ولم يدفنوا؛ لأنه ﵊ كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أنстр. 815
يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم.
وفي الطبراني عن أنس بن مالك قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدثنا عن أهل بدر فقال: إن رسول الله ﷺ كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر، يقول: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله" قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطئوا الحدود التي حدها ﷺ ، حتى انتهى إليهم...............................................................
الحواشي
(١) يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم" قال: ووافق أن القليب حفره رجل من بني النار اسمه بدر، فكان فألا مقدما لهم وهذا على أحد القولين في بدر، انتهى كلامه السهيلي برمته، ولا يرد على قوله؛ لأنه كان من سنته أن بدرا أول مغازيه التي وقع فيها القتل، لجواز أن المراد أنها طريقته التي كان يحبها في نفسه ويميزها على غيرها، ففعل ما سهل عليه في بدر، ثم داوم على ما يحبه في بقية مغازيه.
"وفي الطبراني عن أنس بن مالك": روى أحمد بسند صحيح عنه أنه سئل: هل شهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر. قال الحافظ في الفتح: وكأنه كان في خدمة النبي ﷺ لما ثبت عنه أنه خدمه عشر سنين، وذلك يقتضي أن ابتداء خدمته له حين قدومه المدينة، فكأنه خرج معه إلى بدر أو مع عمه زوج أمه أبي طلحة، وقال في الإصابة: إنما لم يذكروه في البدريين؛ لأنه لم يكن في سن من يقاتل. "قال: أنشا" بفتح أوله وهمزة أخره، أي: أبتدأ "عمر بن الخطاب" ﵁ "يحدثنا عن أهل بدر، فقال إن رسول الله ﷺ كان يرين مصارع أهل بدر بالأمس من بدر" وهذا ظاهر في أنه كان ليلا، وبه صرح الحافظ، فقال: وقع هذا في الليلة التي التقوا في صبيحتها، كما مر، وإن في رواية أخبر بذلك قبل الواقعة بيوم أو أكثر.
وفي أخرى: يوم الواقعة، وجمع ابن كثير بأنه لا مانع أن يخبر بذلك في الوقتين وعلى أنه أراهم ليلا فيمكن أنه مراد رواية يوم الواقعة بإطلاق اليوم على ما يقرب منه الليل، ولا ينافيه قوله: "يقول: "هذا مصرع فلان" لجواز أن قوله ذلك ليلا وحينئذ فقوله "غدا" مستعمل في حقيقته "إن شاء الله" ويقع في أكثر النسخ. وفي الطبراني عن أنس بن مالك، قال: أنشا، فظاهره أن الحديث من مسند أنس وإنه شهد تحديث المصطفى بذلك، والذي في الطبراني إنما هو عن أنس عن عمر، كما سقناه، وكذا أخرجه مسلم بنحوه عنه عن عمر وتلك النسخ، فيها سقط، ويدل عليه قوله: "قال عمر: فوالذي بعثه بالحق، ما أخطئوا الحدود التي حدها ﷺ حتى انتهى إليهم" غاية لمحذوف، صرح به في حديث أبي طلحة عند البخاري عقب قوله الذي قدمته قريبا عنه: خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمرстр. 816
فقال: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟! فإني وجدت ما وعدني الله حقا".
وفي رواية فنادى: "يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل هشام"
الحواشي
(١) براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، فقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، "فقال: "يا فلان بن فلان" جوز في النور ضم فلان وفتح ابن وفتحهما وضمهما، قال: وذكر الثالث في التسهيل، انتهى.
فضم الأول على الأصل وفتحه على الإتباع لفتحه ابن، واختاره البصريون والمبرد لخفته، وضمهما قال الدماميني على التسهيل: رواه الأخفش عن بعض العرب، قال: وكأن قائله راعى أن التابع ينبغي أن يتأخر عن المتبوع، ولم يراع أن الأصل الحامل على الإتباع قصد التخفيف.
وفي التصريح حكى الأخفش: أن بعض العرب يضم الابن إتباعا لضم المنادى نظير الحمد لله بضم اللام في تبديل حركة بأثقل منها للإتباع وفي كون ذلك من كلمتين وفي تبعية الثاني للأول لكنه مخالف في كونه إتباع معرب لمبني، والحمد لله بالعكس.
"ويا فلان بن فلان" كناية عن علم مذكر لعاقل، وأنثاه فلانة بزيادة تاء، وزادوا أل في علم ما لا يعقل فرقا بينه وبين العاقل، لكن في الهمع: إنه وقع في الحديث بغير لام فيما لا يعقل. أخرج ابن حبان والبيهقي وأبو يعلى عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودة، فقالت: يا رسول الله فلانة تعني الشاة.
"هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإني وجدت ما وعدني الله حقا" وفي رواية عن أنس: إن وقوفه على شفة الركي ومناداته لهم بذلك كان ليلا، وشفة الركي طرف البئر. وللكشميهني: شفا بفتح المعجمة والفاء مقصور حرفه، والركي بفتح الراء وكسر الكاف وشد الياء: البئر أن تطوى والإطواء جمع طي، وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار. قال الحافظ: ويجمع بأنها كانت مطوية فاستهدمت فعادت كالركي.
"وفي رواية" أخرجها ابن إسحاق وأحمد ومسلم وغيرهم، عن أنس: "فنادى: "يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام" فسمى أربعة من الأربعة والعشرين الذين ألقوا في القليب. قال الحافظ: ومن رؤساء قريش ممن يصح إلحاقه بمن سمي عبيدة والعاصي والدا أبي أحيحة سعيد بن العاصي بن أمية، وحنظلة بن أبي سفيان، والوليد بن عتبة، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي وهؤلاء من بني عبد مناف. ومن سائر قريش: نوفل بن عبد، وزمعة وعقيل ابنا الأسود، والعاصي بن هشام أخو أبي جهل، وأبو قيس بن الوليد أخوстр. 817
وفي بعضه نظر؛ لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب لأنه كان -كما تقدم- ضخما وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه. لكن يجمع بينهما بأنه كان قريبا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم.
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه ﵊ قال: "يا أهل القليب: بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس".
فقال عمر بن الخطاب: كيف تكلم أجسادا لا أروح فيها،............................
الحواشي
(١) خالد، ونبيه ابنا الحجاج السهمي، وعلي بن أمية بن خلف، وعمرو بن عثمان عم طلحة أحد العشرة، ومسعود بن أبي أمية أخو أم سلمة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، والأسود بن عبد الأسد أخو أبي سلمة، وأبو العاصي بن قيس بن عدي السهمي، وأمية بن رفاعة، فهؤلاء عشرون تنضم إلى الأربعة فتكمل العدة، انتهى.
"وفي بعضه نظر؛ لأن أمية بن خلف لم يكن في القليب؛ لأنه كان كما تقدم ضخما وانتفخ فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيبه" وقد أخرج ذلك ابن إسحاق حديث عائشة، كما مر. "ولكن" قال الحافظ في الفتح: "يجمع بينهم بأنه كان قريبا من القليب فنودي فيمن نودي لكونه كان من جملة رؤسائهم،" وخصت الرؤساء بالمخاطبة لما تقدم منهم من المعاندة، كما مر عن الحافظ فتخصيصهم زيادة في إذلالهم.
"قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه ﵊، قال: "يا أهل القليب! بئس العشيرة" أنتم، فالمخصوص بالذم محذوف "كنتم" ولفظ ابن إسحاق: بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، "كذبتموني وصدقني الناس" وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فجزاكم الله عني من عصابة شرا خونتموني أمينا وكذبتموني صادقا، إلى هنا رواية ابن إسحاق، وهو مرسل أو معضل.
وذكر ابن القيم في الهدي، أنه قال ذلك قبل أن يأمر بطرحهم في القليب، فإن كان مراده خصوص رواية ابن إسحاق هذه فمحتمل، ولا يرد قوله: "يا أهل القليب" لأنه سماهم أهله باعتبار الأول، وإلا فحديث أبي طلحة في الصحيح يرد عليه فإن صرح بأنه أمر بطرحهم فلما كان اليوم الثالث قام على شفا الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائه: "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان ١ أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" قال -أي أبو طلحة: فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، وفي بقية رواية الطبراني التي قدمها المصنف عن أنس، "فقال عمر بن الخطاب" مستفهما: "كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ " وفي رواية مسلم: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله!стр. 818
فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا".
وتأولت عائشة ﵂ ذلك فقالت: إنما أراد النبي ﷺ إنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم الحق. ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية، فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا، لقولها: إنهم الآن ليعلمون.
الحواشي
(١) أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ ويقول الله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] الآية، "فقال" ﷺ ، زاد في رواية الصحيحين: "والذي نفسي بيده "، "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" بل هم أسمع منهم، قال الحافظ: بآذان رءوسهم على قول الأكثر، أو بآذان قلوبهم، انتهى.
وإن صدق النفي بالمساواة لغة، لكن خصه الاستعمال بأن المنفي عنه الحكم أقوى في ثبوت مدلوله ممن فضل عليه، ويؤيده رواية: "ما أنتم بأفهم لقولي منهم" ويؤيد المساواة قوله عند الطبراني بسند صحيح من حديث ابن مسعود: "يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون"، "غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا" هذه رواية الطبراني، ولفظ رواية مسلم: "لكن لا يستطيعون أن يجيبوا"، أي: لعدم الإذن لهم في إجابة أهل الدنيا، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ هذا هو الأصل، فلا يقدح فيه ما اتفق من كلام بعض الموتى لبعض الأحياء لاحتمال الآذان لذلك البعض، "وتأولت عائشة ﵂ ذلك، فقالت: إنما أراد النبي ﷺ أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم" من استعمال المضارع بمعنى الماضي، أي: ليعلمون أن ما قلت لهم فيما مضى من التوحيد والإيمان وغيرهما هو "الحق، ثم قرأت" مستدلة لما ذهب إليه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية،" وهذه عبارة اليعمري، والذي في الصحيح عن عروة عن ابن عمر، قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر، فقال: "هل وجدتم ما وعد ربكم حقا" ثم قال: "إنهم الآن ليسمعون ما أقول"، فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : "إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"، ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية "فقولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا" أي في حالة استقرارهم في النار وغيرها خلاف قول عروة في البخاري، تقول: أي عائشة حين تبوءوا مقاعدهم من النار، قال الحافظ: مراده أن يبين مراد عائشة فأشار إلى أن الإطلاق في إنك لا تسمع الموتى مقيد باستقرارهم في النار، وعلى هذا فلا معاوضة بين إنكار عائشة وإثبات ابن عمر لكن قولها يدل على أنها كانت تنكر ذلك مطلقا، "لقولها" إن الحديث إنما هو بلفظ "إنهم الآن ليعلمون" وأن ابن عمر وهم في قوله: ليسمعون. ا. هـ.
فالمصنف أسقط من كلام الحافظ ما يبين الإطلاق فتحير شيخنا فيه، فقال: لعله في أهل القليب وغيرهم أولا بحالهم ولا بأحيائه في قبورهم وإنما يحيون بعد البعث، انتهى. قالстр. 819
وقال قتادة: أحياهم الله تعالى توبيخا وتصغيرا، ونقمة وحسرة.
وفيه رد على من أنكر أنهم يسمعون، كما روي عن عائشة ﵂.
ومن الغريب، أن في المغازي -لابن إسحاق- من رواية يونس بن بكير، بإسناد جيد عن عائشة حديثا وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة.
الحواشي
(١) البيهقي: والعلم لا يمنع السماع والجواب عن الآية أنهم لا يسمعون وهم موتى، "و" لكن أحياهم حتى سمعوا كما "قال قتادة" بن دعامة فيما رواه البخاري عنه عقب حديث أبي طلحة السابق "أحياهم الله تعالى" زاد الإسماعيلي، بأعيانهم، وأسقط المصنف من قول قتادة: حتى أسمعهم قوله ﷺ كما في البخاري قبل قوله: "توبيخا وتصغيرا" قال الحافظ: الصغار الذلة والهوان "ونقمة" بكسر النون وسكون القاف كما في الناصرية، وفي حاشية اليونينية بفتح النون وكسر القاف، قال المصنف.
"وحسرة" وندما كما هو بقية قول قتادة في البخاري: أي لأجل التوبيخ فالمنصوبات للتعليل، "وفيه" أي قول قتادة هذا "رد على من أنكر أنهم يسمعون" لأنه أثبت سماعهم غايته أنه بعد الإحياء "ما روي عن عائشة ﵂" إنكار ذلك، وفي التعبير بروي شيء لأنه في الضعيف وهذا ثابت عنها في الصحيح، ولذا عبر الحافظ بلفظ كما جاء عن عائشة، "ومن الغريب" أي خلاف المشهور عنها "أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد،" أي مقبول كما قال السيوطي وللقبول يطلقون جيدا "عن عائشة ﵂ حديثا" مثل حديث أبي طلحة السابق كما في الفتح، "وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم".
"وأخرجه الإمام أحمد" عنها "بإسناد حسن فإن كان" ذلك "محفوظا" عن عائشة، "فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة" الذين رووا القصة وهم فصحاء عارفون بمواقع الكلام كيف وهم عمرو بن مسعود وعبد الله بن سيلان بكسر المهملة وسكون التحتية أخرج أحاديثهم الطبراني وأبو طلحة وابن عمر أخرجهما البخاري وغيره، "لكونها لم تشهد القصة" وهؤلاء شهدوها إلا ابن عمر وابن سيلان، فأما ابن عمر فاستصغر يوم بدر كما في الصحيح.
وأما ابن سيلان فلم يذكر فيمن شهدوها فأرسلا ذلك عن غيرهما ومرسل الصحابي حكمه الوصل وهو حج كما تقرر وهذا كما هو ظاهر إنما هو على رواية الصحيح عن عائشة أنстр. 820
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة ﵂ من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ : "إنهم الآن يسمعون"؛ لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي ﷺ بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: "إنهم ليعلمون"، فإن كانت سمعت ذلك فلا ينافي رواية "يسمعون" بل يؤيدها.
الحواشي
(١) المصطفى إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون" أما على ما قدمه المصنف أنها تأولت إنما أراد لنبي إلخ، فلا يتأتى هذا فإن نفي الإرادة لا ينافي أنه قاله بل التأويل فرع الثبوت، اللهم إلا أن يكون المراد أنها رجعت عن إنكارها بقاء اللفظ على ظاهره، وأن تأويله واجب وأبقته على ظاهره والمحوج لهذا التعسف عدول المصنف عن رواية الصحيح عنها إلى عبارة اليعمري كما مر، ثم أفتى بكلام الحافظ في شرح الصحيح.
"وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة ﵂ من الفهم والذكاء" سرعة الفطنة، كما في القاموس "وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه" أتى بذلك تأدبا وتمهيدا للاستدراك لئلا يتوهم غبي منه أنه لم يعرف مقامها، "لكن لا سبيل" طريق "إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله" في كونه رواية عن الثقة أيضا "يدل على نسخه أو تخصيصه" ويصار لهما بالواية "أو استحالته" عطف على بنص أو على نسخه والأول أقرب وتدرك بالعقل والثلاثة منتفي هنا، "فكيف" يصار إلى إنكارها مع انتفاء الثلاثة، "والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن" وذلك "لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله ﷺ : "إنهم الآن يسمعون" لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فالله تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت النبي ﷺ بذلك" ولم يسمعهم المصطفى فحصل التوفيق بين الآية والحديث.
"وأما جوابها بأنه إنما قال: "إنهم ليعلمون"، فإن كانت" بنته على فهمها الآية فقد علمت أن لا تنافي، وإن كانت "سمعت ذلك" من النبي ﷺ بعد ذلك أو غيره لأنا لم تشهد القصة، "فلا تنافي رواية: "يسمعون" إذ العلم لا يمنع السماع "بل تؤيدها" لأن علم المخاطب في العادة إنما يكون بما يسمعه.стр. 821
وقال السهيلي ما محصله: إن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك لنبيه ﷺ لقول الصحابة له: أتخاطب أقواما قد جيفوا؟! فأجابهم بما أجابهم. قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين جاز أن يكونوا سامعين، وذلك إما بآذان رءوسهم إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد، أو إلى بعضه عند المسألة، وهو قول أكثر أهل السنة، وإما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه.
الحواشي
(١) "وقال السهيلي ما محصله: أن في نفس الخبر ما يدل على خرق العادة بذلك" من الله "لنبيه ﷺ لقول الصحابة له" كما رواه مسلم في حديث أنس عن عمر: "أتخاطب أقواما قد جيفوا" بفتح الجيم وشد الياء، أي صاروا جيفا منتنين كما تفيده النهاية وغيرها وضبطه شيخنا في النسخ الصحيحة خلاف ما في بعضها من ضبطه بالبناء للمجهول، فإنه أمر بالضرب عليه وأثبت فتح الجيم كما قلنا "فأجابهم بما أجابهم" أجمله ليأتي على كل الروايات فيما أجابهم به، وإلى هنا ما تصرف فيه على السهيلي، ولذا احتاج أن يقول ما محصله: ولفظه في الروض: عائشة لم تحضر وغيرها ممن أحضر أحفظ للفظة ﷺ ، وقد قالوا له: يا رسول الله! أتخاطب أقواما قد جيفوا؟ فقال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم"، "وقال" السهيلي تلو هذا ما لفظه: "وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين" كما أثبتته عائشة "جاز أن يكونوا سامعين" كما أثبته عمر وابنه وأبو طلحة وغيرهم إذ لا فرق وأيضا فالعلم لا يمنع السماع كما قال البيهقي، "وذلك إما بآذان رءوسهم" على قول الأكثر، وأما بآذان قلوبهم هذا ما نقله الحافظ عن محصل كلام السهيلي وتبعه المصنف في الشر والشامي ولم ينقلوا ما زاده هنا عنه بقوله: "إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد" كله "أو إلى بعضه عند المسألة وهو قول أكثر أهل السنة. وأما بآذان القلب أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال على الروح من غير رجوع إلى الجسد أو بعضه" ولعلهم حذفوه من كلامه لإشكاله لأنه إذا قيل: لا تعاد الروح لشيء من الجسد لزم أن لا يكون السماع بإذن القلب، فالمناسب أن يقول: أما بآذان رءوسهم أو قلوبهم إذا قلنا ... إلخ، اللهم إلا أن يكون لم يرد بالقلوب الشكل الصنوبري بل الأحوال القائمة به فيحصل بها الإدراك كما قال غير واحد في معنى القلب.
وفي الفتح قال السهيلي: وقد تمسك بهذا الحديث من قال السؤال يتوجه على الروح والبدن ورده من قال: إنما يتوجه على الروح فقط بأن الأسماع لأذن الرأس لا لأذن القلب، فلم يبق فيه حجة. قلت: إذا كان الذي وقع حينئذ من خوارق العادة للنبي ﷺ لم يحسن التمسك به في مسألة السؤال أصلا، انتهى.стр. 822
قال: وقد روي عن عائشة ﵂ أنها احتجت بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي﴾ [الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت. وجعل الكفار أمواتا وصما على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيه ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين:
أحدهما: أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.
والثاني: أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير.........................
الحواشي
(١) "قال" السهيلي: "وقد روي عن عائشة ﵂ أنها احتجت بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ وفي الصحيح أنها احتجت أيضا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ، "و" لا حجة فيه؛ لأن "هذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي﴾ ، أي أن الله هو الذي يهدي ويوفق ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت" وإن أوصلتها إلى آذان الرءوس، "وجعل الكفار أمواتا" في ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ صريحا، و ﴿أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ استلزاما "وصما" في ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ، "على جهة التشبيه بالأموات وهم أحياء، وبالضم فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء لا نبيه ولا أحد، فإذًا لا تعلق بالآية من وجهين، أحدهما: أنها إنما نزلت" أي: وردت "في دعاء الكفار إلى الإيمان" فهو مجاز "والثاني" لو حملت على الحقيقة لم يكن فيها معارضة وذلك "أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاء إلا هو يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير" إلى هنا انتهى كلام السهيلي، كما يعلم من رؤية روضه لا كما زعمه من قال الفصل بأي في قوله: أي إن الله..إلخ، مشعر بأنه ليس من كلامه بل هو كله كلامه، وأتى بأي ليفسر المراد بالآية، وهذا ظاهر جدا، يعني: فحمل الحديث على أنه أسمعهم كلام نبيه ﷺ لا ينافي الآية.
وفي فتح الباري اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى وبمن في القبور، فحملته عائشة على الحقيقة وجعلته أصلا احتاجت معه إلى تأويل الحديث، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز والمراد بالموتى وبمن في القبور: الكفار شبهوا بالموتى وهم أحياء، والمعنى: من هم في حالстр. 823
ولقد أحسن العلامة ابن جابر حيث قال:
بدا يوم بدر وهو كالبدر حوله ... كواكب في أفق الكواكب تنجلي
وجبريل في جند الملائك دونه ... فلم تغن أعداد العدو المخذل
رمى بالحصى في أوجه القوم رمية ... فشردهم مثل النعام بمجهل
الحواشي
(١) الموتى أو في حال من سكنوا القبور، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة، والله أعلم.
"ولقد أحسن العلامة" أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي، "بن جابر" فنسهب لجد أبيه لاشتهاره به الأندلسي الأعمى صاحب شرح الألفية الشهير بالأعمى والبصير، "حيث قال: بدا" ظهر صلى الله عيه وسلم "يوم بدر، وهو كالبدر" الواو للحال "حوله، كواكب" رجال كالكواكب في الظهور والإشراق تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة "في أفق" بسكون الفاء على إحدى اللغتين للوزن، أي: في ناحية "الكواكب" أو فيما يظهر من نوحي الفلك التي هي مطلع الكواكب ومظهرها، أو في مهب الرياح. ففي القاموس: الأفق بضمة وبضمتين الناحية جمعه آفاق أو ما ظهر من نواحي الفلك، أو هي مهب الجنوب والشمال والدبور والصبا، انتهى.
وفي نسخ المواكب بميم، وكذا أنشده الشامي، وقال: جمع موكب، أي: بكسر الكاف وهو جماعة ركاب يسيرون برفق وهم أيضا القوم الركاب للزينة والتنزه، "تنجلي" تظهر وتتميز ع غيرها "وجبريل في جند" أعوان وأنصار "الملائك" من إضافة الأعم إلى الأخص: أي: جندهم الملائك جمع ملك ويجمع أيضا على ملائكة، "دونه" أي: أمامه ﷺ ، وفرع على ما أثبته له ولصحبه من كثرة الملائك المناصرين له قوله: "فلم تغن" بالفوقية "أعداد" بفتح الهمزة جمع عدد، أي: كثرة "العدو" أي: الأعداء.
ففي القاموس: العدو ضد الصديق للواحد والجمع، ويحتمل قراءة يغن بتحتية وكسر همزة إعداد مصدر أعد الشيء هيأه، أي: لم تعن تهيئة العدو والسلاح وغيره شيئا "المخذل" اسم مفعول من خذله تخذيلا إذا حمله على الفشل وترك القتال، كما في المصباح، يعني: إن شدة المسلمين وقوتهم في أعينهم حملتهم على ذلك حتى انهزموا وتمكن المسلمون من قتلهم وأسرهم، "رمى بالحصى في أوجه القوم رمية، فشردهم" طردهم وبدد جمعهم، وفي حديث عمر عند الطبراني: لما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتا بالسيف، يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾ [البقرة: ٤٥] الآية، ورماهم فوسعتهم الرمية وملأت أعينهم حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذى عينيه وفاه "مثل النعام" حال كونه "بمجهل" بفتح الميم والهاء بينهما جيم ساكنة، قال القاموس: أرض مجهل كمقعد لا يهتدى فيها ولا يثنىстр. 824
وجاد لهم بالمشرفي فسلموا ... فجاد له بالنفس كل مجندل
عبيدة سل عنهم وحمزة واستمع ... حديثهم في ذلك اليوم من علي
هم عتبوا بالسيف عتبة إذ غدا ... فذاق الوليد الموت ليس له ولي
وشيبة لما شاب خوفا تبادرت ... إليه العوالي بالخضاب المعجل
وجال أبو جهل.............
الحواشي
(١) ولا يجمع، انتهى.
وأما قوله: إنا لنصفح عن مجاهل قومنا، فمعناه زلاتهم الحاملة لنا على الجهل وهو جمع مجهل ما يحمل على الجهل وزعم ابن سيدة أنه اسم للأرض ورد بأنه لا يصح إذ لا يتأتى الصفح عن الأراضي إلا بتعسف. وفي نسخة المجفل بشد الفاء، أي: المبالغ في طرده وله ما يهتدي إليه، وفي أخرى بمجفل بفاء ساكنة دون أل، أي: بمحل يطرد منه والأولى أبلغ في المقام، "وجادلهم" من المجادلة خاصمهم وضاربهم، أو من الجود تهكما، أي: سمح لهم "بالمشرفي" بفتح الميم والراء: السيف نسبة لمشارف بالفاء، وهي كما في الصحاح وغيره: قرية من أرض العرب تدنو من الريف "فسلموا، فجاد" سمح "له بالنفس" وسلم فيها قهرا عليه، "كل مجندل" مصروع مطروح على الأرض، ولم يقل متجدل للوزن. وفي نسخ: كل مجدل بشد الدال، وهي أولى.
ففي المصباح: جدته تجديلا ألقيته إلى الجدالة وطعنه فجدله، "عبيدة" بضم أوله ابن الحارث المطلبي، "سل عنهم و" سل "حمزة" الهاشمي "واستمع، حديثهم في ذلك اليوم من علي" بن أبي طالب، وخصهم لأنهم الذين برزوا لعتبة وشيبة والوليد الذين طلبوا المبارزة وأظهروا من أنفسهم الشدة، وخص عليا بالاستماع منه؛ لأنه عاش وروى الحديث بعد موت النبي ﷺ بخلاف عبيدة، فاستشهد يومئذ، وحمزة ثاني عام، وزعم أنه على القدر، وهو المصطفى خلاف الظاهر المتبادر بل يأباه قوله: "هم عتبوا" بفوقية مخففا ومشددا للمبالغة، أي: ضربوا "بالسيف عتبة" بن ربيعة وهو مجاز عن اللوم أو مضمن معنى القطع، "إذ غدا" أتى مبادرا لطب البراز "فذاق" هو وابنه "الوليد الموت ليس له ولي" ناصر "وشيبه لما شاب" رأسه ولحيته "خوفا" من الخوف، كناية عن الحزن الذي أصابه بحيث حصل منه الشيب في غير أوان، "تباردت، إليه العوالي" جمع عالية، وهي السنن من القنا "بالخضاب المعجل" المنساق سريعا، والمعنى: أنهم أسالوا دمه بالرماح فشبهه بخضاب الحناء، واستعار له اسمه تهكما، "وجال" دار في مكن الحرب يظهر شدته، "أبو جهل"، فكان يقول في جولاته:
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سنيстр. 825
.........فحقق جهله ... غدة تردى بالردى عن تذلل
وأضحى قليبا في القليب وقومه ... يؤمونه فيه إلى شر منهل
وجاءهم خير الأنام موبخا ... ففتح من أسماعهم كل مقفل
وأخبر ما أنتم بأسمع منهم ... ولكنهم لا يهتدون لمقول
سلا عنهم يوم السلا إذا تضاحكوا ... فعاد بكاء عاجلا لم يؤجل
ألم يعلموا علم اليقين بصدقه ... ولكنهم لا يرجعون لمعقل
الحواشي
(١) كما مر.
"فحقق جهله،" فعمل بمقتضاه فقتله الله شر قتلة، "غداة" حين "تردى بالردى" الهلاك شبهه بالرداء فأثبت له ما هو من لوازمه، فقال: تردى، أي: تسربل "عن تذلل" هوان وحقارة "وأضحى قليبا" أي: صار ملقى "في القليب" حين جر وطرح فيه "وقومه، يؤمونه" يقصدونه "فيه" ويسيرون به "إلى شر منهل" مورد وهو عين ماء ترده الإبل في المراعي عبر به عن النار التي وردوها تهكما واستهزاء، "وجاءهم خير الأنام" ﷺ "موبخا" لائما لهم حيث وقف ونادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، وقل: "يا أهل القليب! بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم"، إلى آخر ما مر. "ففتح من أسماعهم كل مقفل" مغلق من قولهم أقفلته إقفالا فهو مقفل، يعني: أنهم كانوا في غفلة وإعراض لما عليها من الختم المانع من حلول الحق فيها وأزيل بعد الموت، فعلموا الحق عيانا، كما أرشد لذلك ﷺ قوله: "فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا" فوصل خطابه إلى أسماعهم على أكمل حالات السماع.
"وأخبر" ﵇ من سأله مستفهما كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها، بقوله: "ما أنتم بأسمع" لما أقول "منهم"، بل هم أسمع أو مساوون، على ما مر، "ولكنهم لا يهتدون لمقول" كمنبر، أي: لقول الجواب إذ هو إشارة لقوله ﵇: "غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا"، "سلا عنهم"، فعل أمر لاثنين على عادة الشعراء من فرض اثنين يخاطبونهما "يوم" وضع "السلا" بفتح السين وعاء جنين البهيمة بين كتفيه ﷺ وهو ساجد في صلاته عند الكعبة بإشارة عدو الله أبي جهل "إذ تضاحكون" مال بعضهم على بعض من الضحك، وثبت ﵇ ساجدا حتى ألقته عنه فاطمة الزهراء "فعاد" ضحكهم "بكاء عاجلا لم يؤجل" ببركة دعائه ﷺ : "اللهم عليك بقريش" ثلاث مرات وغيره ذلك، وقد مر شرح القصة مبسوطا في أوائل المبعث، "ألم يعلموا" استفهام تقريري، أي: قد علموا الآن "علم اليقين" ما يتيقن "بصدقه، ولكنهم لا يرجعون" لا يتمكنون من الرجوع، "لمعقل" ملجأ يخلصهم مما أصابهم، والمعنى، قد علموا صدقه فيما مضى علم اليقين، بما شاهدوه من الآيات البينات الشاهداتстр. 826
فيها خير خلق الله جاهك ملجئي ... وحبك ذخري في الحساب وموئلي
عليك صلاة يشكل الآل عرفها ... وأصحابك الأخيار أهل التفضل
وحكى العلامة ابن مرزوق أن ابن عمر ﵄ مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئن، فلما اجتاز به ناداه: يا عبد الله، قال ابن عمر، فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد الله، فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل، فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد الله، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله ﷺ ببدر. ورواه الطبراني في الأوسط.
الحواشي
(١) بصدقه، كما في شعر أبي طالب:
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل
ولكنهم لم يرعووا وفعلوا ما فعلوا لعدم رجوعهم لملجأ يهتدون بما، وإنما اتبعوا الفخر والكبر. "فيا خير خلق الله جاهك ملجئي، وحبك ذخري" بضم الذال اعتمادي "في" يوم "الحساب وموئلي" مرجعي "عليك صلاة يشمل الآل عرفها" رائحتها الذكية، "و" يشمل "أصحابك الأخيار أهل التفضل" بالنفس والمال.
"وحكى العلامة" محمد بن محمد "بن مرزوق" التلمساني المتوفى في ربيع الأول سنة إحدى وثمانين وسبعمائة بمصر، ودفن بين ابن القاسم وأشهب مر بعض ترجمته أوائل الكتاب، "أن ابن عمر" عبد الله "﵄ مر مرة ببدر فإذا رجل يعذب ويئن" من وجع العذاب، "فلما اجتاز به ناده: يا عبد الله! قال ابن عمر: فلا أدري أعرف اسمي أم كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه عبد الله" على عادة العرب نظرا إلى المعنى الحقيقي؛ لأن الجميع عبيد الله، "فالتفت إليه، فقال: اسقني فأردت أن أفعل" أي: اسقيه، "فقال: الأسود" ولم يقل الملك "الموكل بتعذيبه" لاحتمال أنه لم يعلم بأنه ملك؛ لأنه إنما رأى شخصا فيجوز أنه عبد سلط عليه أو حيوان على صورته أو علم إنه ملك، ولكن عبر بالأسود تفظيعا له، "لا تفعل" لا تسقه "فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله ﷺ ببدر" هو أبو جهل، فإن هذا الذي حكاه ابن مرزوق قد رواه الطبراني وابن أبي الدنيا وابن منده وغيرهم، عن ابن عمر قال: بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسله فناداني: "يا عبد الله! اسقني" فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعية العرب، وخرج رجل من تلك الحرة في يده سوط، فناداني: يا عبد الله، لا تسقه فإنه كافر، ثم ضربه بالسوط فعاد إلى حفرته، فأتيت النبي ﷺ مسرعا فأخبرته بذلك، فقال لي: "قد رأيته"؟ قلت: نعم، قال: "ذاك عدو الله أبو جهل، وذاك عذابه إلى يوم القيامة".стр. 827
قال: ومن آيات بدر الباقية، ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأولته بأنه الموضع لعله صلب فتستجيب فيه حوافر الدواب، وكان يقال لي: إنه دهس رمل غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفافها لا تصوت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟ قال ثم لما من الله عليه بالوصول إلى ذلك الموضع المشرف، نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان المسمى بأم غيلان،........................................
الحواشي
(١) وروى ابن أبي الدنيا عن الشعبي: أن رجلا قال للنبي ﷺ : إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج، فيفعل به مثل ذلك ففعل ذلك مرارا، فقال ﷺ : "ذاك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة"، كذلك والرجل الذي أبهمه الشعبي، الظاهر أنه ابن عمر ويحتمل أنه غيره فيكون الرائي لأبي جهل تعدد.
"قال" أي: ابن مرزوق في شرح البردة: "ومن آيات بدر" أضافها إليها لترتبها على غزوتها فهي لأدنى ملابسة "الباقية" على مدى الأزمان، وبه صرح الإمام المرجاني، فقال: وضربت طبل خانة النصر ببدر فهي تضرب إلى يوم القيامة، ونقله الشريف في تاريخيه وأقره، والشامي وأقره "ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجاج أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع" أي: بدر، "يسمعون هيئة الطبل طبل ملوك الوقت ويرون" يعتقدون "أن ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك وربما تأولته بأن الموضع صلب" بضم فسكون، أي: شديد لا سهولة فيه "فتستجيب" تجيب "فيه حوافر الدواب" أي: تقابل بصوت يشبه تصويتها في الأرض وهو الصدى الذي يجيب بمثل الصوت في الجبال وغيرها، "وكان يقال لي: إنه دهس" بمهملتين: سهل ليس يرمل ولا ترا ولا طين، كما في الصحاح والقاموس.
زاد في نسخة: "رمل" أي: أنه للينه يشبه المكان الذي به الرمل أو استعمل دهس في مجرد كون الأرض لينة لا تقتضي سماع الصوت، فقال: رمل "غير صلب" صفة كاشقة، "وغالب ما يسير هناك الإبل وأخفاقها لا تصوت في الأرض الصلبة فكيف بالرمال" فانتفى تأويلك "قال: ثم لما من الله علي بالوصول إلى ذلك الموضع المشرق" المضيء "نزلت عن الراحلة أمشي وبيدي عود طويل من شجر السعدان" بفتح المهملة، قال في القاموس: نبت من أفضل مراعي الإبل ومنه مرعى ولا كالسعدان وله شوك يشبه حلمه الثدي "المسمى بأم غيلان" بكسر المعجمة ولعله عند العوام فلا ينافي ما رأيت عن القاموس، وفيه أيضا: وأم غيلان من شجرстр. 828
وقد نسب ذلك الخبر كنت أسمع، فما راعني وأنا أسير في الهاجرة إلا واحد من عبيد الأعراب الجمالين يقول: أتسمعون الطبل، فأخذتني -لما سمعت كلامه- قشعريرة بينة وتذكرت ما كنت أخبرت به، وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل، وأنا دهش مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت، وقلت: لعل الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست على الأرض، أو وثبت قائما، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعا محققا، أو صوتا لا أشك فيه أنه صوت طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرفة، ثم نزلنا إلى بدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة.
قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس، انتهى.
الحواشي
(١) السمر، "وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمع فما راعني وأنا أسير في الهاجرة" شدة الحر "إلا واحد" فاعل راعني؛ لأن الاستثناء مفرغ "من عبيد الأعراب الجمالين" وفي نسخة: إلا وواحد، بواوين لكن الفاعل لا يقترن بالواو فإن صحت ففيه حذف، أي: إلا أمر عرض لي وواحد، بواوين لكن الفاعل لا يقترن بالواو فإن صحت ففيه حذف، أي: إلا أمر عرض لي وواحد، فاللعطف تفسيري أو خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو واحد أو مبتدأ أخبره "يقول: أتسمعون الطبل فأخذتني لما" حين "سمعت" أو اللام اللتعليل، أي: لسماعي "كلامه قشعريرية" بضم القاف وفتح الشين "بينة" قوية لا تلبس بغيرها "وتذكرت ما كنت أخبرت به وكان في الجو بعض ريح، فسمعت صوت الطبل وأنا دهش" متحير "مما أصابني من الفرح أو الهيبة، أو ما الله أعلم به" يعني حصل له حالة لم يتحقق ما هي حتى يعبر عنها، "فشككت وقلت لعل الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي أوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه لآية العظيمة، فألقيت العود من يدي وجلست على الأرض، أو وثبت قائما أو فعلت جميع ذلك" شك فيما حصل له حين أخبر، "فسمعت صوت الطبل سماعا محققا أو صوتا لا أشك فيه أنه صوت طبل وذلك من ناحية اليمن ونحن سائرون إلى مكة المشرفة لم نزلنا بدر إلى فظللت" بكسر اللام الأولى وإسكان الثالثة، "أسمع ذلك الصوت يومي أجمع" بالنصب تأكيد ليومي، "المرة بعد المرة" بالنصب على الحال، أي: متتابعا جميع يومه من ابتداء سماعه من الهاجرة فاستعمل اليوم في بقيته مجازا، "قال: ولقد أخبرت أن ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس، انتهى" كلام ابن مرزوق. قال صاحب الخميس: ولما نزلت بدرا سنة ست وثلاثين وتسعمائة وصليت الفجر يومстр. 829
وروى الطبراني من حديث أبي اليسر، أنه أسر العباس، وقيل للعباس -وكان جسيما- كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت لجعلته في كفك، فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني كالخندمة..................................
الحواشي
(١) الأربعاء أوائل شعبان، وأقمنا يوما، ابتكرت نحوذ لك الصوت يجيء من كثيب ضخم طويل مرتفع كالجبل شمالي بدر، فطلعت أعلاه وتتابع الناس لسماعه، وكانوا زهاء مائة من رجال ونساء، فما سمعت شيئا، فنزلت أسلفه فسمعت من سفح الكثيب صوتاكهيئة الطبل الكبير سماعا محققا بلا شك مرارا متعددة وسمعه الناس كلهم، كما سمعت، وكان الصوت يجيء تارة من تحتنا ثم ينقطع، وتارة من خلفنا ثم ينقطع، وتارة قدامنا، وتارة من شمالنا، فسمعنا سماعا محققا وكان الوقت صحوا رائفا لا ريح فيه، انتهى.
ولما ذكر ما أراد من الغزوة، في ذكر الأساري، فقال: "وروى الطبراني" والبزار "من حديث أبي اليسر" بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء كعب بن عمرو الأنصاري السلمي بفتحتين مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرا والمشاهد، ومات سنة خمس وخسمين بالمدينة. وقول ابن إسحاق كان آخر من مات من الصحابة كأنه يعني أهل بدر، كما في الإصابة. "أنه أسر العباس" بن عبد المطلب ﵁. أخرج ابن إسحاق عن ابن عباس: أنه ﷺ قال: "إني عرفت أن رجلا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما خرج مستكرها".
فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنه السيف فبلغه ﷺ ، فقال لعمر: "يا أبا حفص"، قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه بأبي حفص "أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله بالسيف"، فقال عمر: يا رسول الله! دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق فكان أبو حذيفة يقولك ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فاستشهد يوم اليمامة ﵁.
"وقيل للعباس وكان جسيما" جميلا وسيما أبيض له ضفيرتان معتدلا. وقيل: طويلا والقائل ابنه. ففي رواية الطبراني وأبي نعيم عن ابن عباس، قال: قلت لأبي "كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم" بدال مهملة قبيح المنظر صغير الجسم، "ولو شئت" أن تجعله في كفك، "لجعلته في كفك" فالمفعول محذوف دل عليه الجواب.
وفي رواية البزار: ولو أخذته بكفك لوسعته، "فقال:" زاد البزار: يا بني لا تقل ذلك، "ما هو إلا أن لقيته فظهر في عيني" بالتثنية أو الإفراد مرادا به الجنس، "كالخندمة" وفي روايةстр. 830
وهي بالخاء المعجمة -جبل من جبال مكة، قاله في القاموس.
ولما ولي عمر بن الخطاب ﵁ وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه النبي ﷺ وهو يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار، فأطلقوا العباس، فكأن الأنصار فهموا رضى رسول الله ﷺ بفك وثاقه، وسألوه..................................
الحواشي
(١) أبي نعيم: لقيني وهو في عيني أعظم من الخندمة، وهذا قاله جوابا لسائله: كيف أسرك مع صغره وضعفه عنك جدا، وفي السياق إشعار بأنه بعد معرفة أبي اليسر؛ لأن السائل له ابنه ولم يشهد بدرا فلا تعارض بينه وبين ما في مسند أحمد في حديث طويل عن علي، فجاء رجل من الأنصار بالعباس أسيرا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أره في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال صلى الله عليه سلم: "اسكت فقد أيدك الله بملك كريم"؛ لأن هذا قاله أول ما رأى أبا اليسر بصورة خلقته، فنفى أن يكون أسره لأنه إنما رأى وقت الأسر الصورة التي وصفها في الملك، وفي أبي اليسر كالخندمة، ولذا قال له المصطفى ﷺ : "اسكت" إلى آخره، إشارة إلى أنه لم يستقل بأسره، وقوله: "أنا أسرته رد لإنكار أسره من أصله، فلا يعارض ما جاء أنه ﷺ سأله: "كيف أسرته"؟ فقال: "قد أعانني الله عليه ملك كريم".
"وهي" أي: الخندمة "بالخاء المعجمة" المفتوحة والنون الساكنة والدال المهملة المفتوحة فميم فتاء تأنيث "جبل من جبال مكة" شرفها الله تعالى، "قاله في القاموس" والعيون وغيرهما، ويقع في نسخ من جبال تهامة بدل مكة وهو وإن صح في نفسه؛ لأن مكة بعض تهامة غير صحيح للعزو فالذي في القاموس مكة لا تهامة، "ولما ولي عمر بن الخطاب ﵁" كما روى ابن عائذ في المغازي من طريق مرسل أن عمر لما ولي "وثاق" بالفتح والكسر: ما يوثق ويشد به، "الأسري شد وثاق العباس" رجاء إسلامه وإلا فقد علم تغيظ المصطفى ممن قال: لألجمنه السيف، "فسمعه النبي ﷺ وهو يئن فلم يأخذه النوم فبلغ الأنصار" يحتمل من عمر "فأطلقوا العباس" كما جاء عن ابن عمر: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى وفيهم العباس وعدته الأنصار أن يقتلوه فبلغ رجل النبي ﷺ ، فقال: "لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه"، قال عمر: أفآتيهم، قال: "نعم"، فأتاهم فقال: أرسلوا العباس، فقالوا: والله لا نرسله، فقال عمر: فإن كان لرسول الله رضا، قالوا: فإن كان لرسول الله رضا فخذه، فأخذه عمر فلما صار في يده، قال له: يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، "فكأن الأنصار فهموا" بقرائن أو من تصريح عمر "رضا رسول الله ﷺ بفك وثاقه" ففكوه، "وسألوه" أي: سأل بعض الأنصارстр. 831
أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم.
وفي حديث أنس عند الإمام أحمد: استشار ﵊ الناس في الأسرى يوم بدر فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم"، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم،...........................................................
الحواشي
(١) المصطفى، والمذكور في الفتح عقب رواية ابن عائذ لفظه، فكان الأنصار لما فهموا رضا رسول الله ﷺ بفك وثاقه سألوه، "أن يترك له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم" كما أخرج البخاري من حديث ابن شهاب: حدثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، قال: "والله لا تذرون منه درهما"، قال الحافظ: وأم العباس ليست من الأنصار بل جدته أم عبد المطلب هي الأنصارية فسموها أختا لكونها منهم، وعلى العباس ابنها لأنها جدته وهي سلمى بنت عمر والخزرجية، قال: وإنما لم يجبهم؛ لأنه خشي أن يكون فيه محاباة لكونه عمه لا لكونه قريبهم من النساء، وفيه أيضا إشارة إلى أن القريب لا ينبغي له أن يتظاهر بما يؤذي قريبه، وإن كان في الباطن يكره ما يؤذيه، ففي ترك قبول ما تبرع له الأنصار به من الفداء تأديب لمن يقع منه مثل ذلك، انتهى. أو للتسوية بينهم حتى لا يبقى في نفوس أصحابه الذين لهم أقارب أسرى شيء بسبب مسامحته وأخذ الفداء منهم.
"وفي حديث أنس عند الإمام أحد استشار ﵊ الناس في الأسرى يوم بدر" أي: زمنه "فقال: "إن الله قد أمكنكم" وفي نسخة: "مكنكم" وهما بمعنى "منهم" أسقط من رواية أحمد عن أنس: "وإنما هم إخوانكم بالأمس" "فقام عمر" ظاهره أنه تكلم قبل أبي بكر، وفي حديث عمر عند مسلم إن أبا بكر تكلم قبل عمر، ولفظه: استشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر وعلي، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضدا، فقال: "ما ترى يا عمر"؟ قال: والله ما أرى ما رأى أبو بكر.... الحديث مطولا.
وأخرجه بنحوه أحمد والترمذي وغيرهما، عن ابن مسعود وابن مردويه عن ابن عباس ويمكن الجمع بأنه ﷺ استشار الناس عموما وخصوصا. فلما خص تكلم أبو بكر قبل عمر، ولما عم، بادر عمر في الجواب على عادته في الشدة في دين الله تعالى، "فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم" أمر أو مضارع ويؤيد الأول رواية مسلم والجماعة بلفظ: ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين،стр. 832
فأعرض عنه ﵇، ثم عاد ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم". فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه ﵇، فعل ذلك ثلاثا، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، أرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فذهب من وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا وقبل منهم الفداء...........................................................
الحواشي
(١) هؤلاء أئمة الكفر وصناديد قريش وأئمتهم وقادتهم، فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى فإنما نحن راعون مؤلفون، "فأعرض عنه ﵊" لما جبل عليه من الرأفة والرحمة في حالة إيذائهم له، فكيف في حال قدرته عليهم؟
"ثم عاد ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم" فيه ترقيقهم عليهم واستعطافهم؛ لأن العفو بعد القدرة من شيم الكرام، "فقال عمر: يا رسول الله، اضرب أعناقهم، فأعرض عنه ﵊، ففعل ذلك ثلاثا" وما تغير عمر عن رأيه، "فقام أبو بكر الصديق" ﵁ "فقال: يا رسول الله أرى أن تعفو عنهم" بفتح الهمزة والواو، أي: فلا تقتلهم، هكذا في نسخ صحيحة، "وأن تقبل منهم الفداء" بالفتح أيضا، أي: رأى عدم القتل استبقاء للقرابة ورجاء لإسلامهم مع أخذ الفداء مراعاة للجيش ليقووا على الكفار، وفي نسخة: أن تعف بحذف الواو فالهمزة فيهما مكسورة والجواب محذوف، أي: أن تعف مجانا فلا بأس إذ هم بنو العم والعشيرة، وإن تقبل مهم الفداء فلا بأس لأنا نستعين به، ودعوى أنها أليق بأدب الصديق مع المصطفى، فلا، ينسب لنفسه أمرا مردودة بأنه لكل مقام مقال، والمقام هنا بيان الرأي الذي طلبه المصطفى خصوصا مع مخالفة عمر وإعراضه عنه، وأيضا فالكسر يقتضي أنه خيره في العفو مجانا والأحاديث تأباه، كيف وقد صرح الصديق في رواية مسلم، بقوله: أرى أن تأخذ منهم الفدية. وفي رواية الترمذي وغيره: استبقهم وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم.
"فذهب من وجه رسول الله ﷺ ما كان" ظهر "فيه من" التغير الدال على "الغم" من قول عمر وهوى ما قال أبو بكر "فعفا عنهم" فلم يقتلهم "وقبل منهم الفداء" فلم يسترقهم ولم يضرب عليهم جزية هذا، ولم يذكر عن علي جواب مع أنه أحد الثلاثة المستشارين، كما في مسلم؛ لأنه لما رأى تغير المصطفى حين اختلف الشيخان عليه لم يجب، أو لم تظهر له مصلحة حتى يذكرها، ولهذا لما ظهر لعبد الله بن رواحة الجواب، وأن النبي ﷺ لم يرد تخصيص الثلاثة، قال -كما رواه الترمذي والجماعة: يا رسول الله! أنظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك.
وفي رواية: ثكلتك أمك، فدخل ﷺ بيته فقال أناس: يأخذ بقول عمر، وأناس بقول أبوстр. 833
قال: وأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية..................................................
الحواشي
(١) بكر، وأناس بقول ابن رواحة، ثم خرج فقال: "إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين ن اللبن، وإن الله ليشدد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية. ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] الآية. ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح، إذ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] الآية، ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] الآية، لو اتفقتما ما خالفتكما أنتم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق"، فقال عبد الله بن مسعود: يا رسول الله! إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت ﷺ فما رأيتني في يوم أخاف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال ﷺ : "إلا سهيل بن بيضاء" "قال: وأنزل الله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَق﴾ بإحلال الغنائم والأسرى لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٨، ٦٩] "الآية" يريد: واتقوا الله إن الله غفور رحيم، وهذه رواية أحمد عن أنس، وفي روايته وهو الترمذي والحاكم عن ابن مسعود، فنزل القرآن بقول عمر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] إلى آخهر الآيات.
وفي رواية مسلم عن عمر فهوى رسول الله ﷺ ما هوى أبو بكر ولم يهو، ما قلت: فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو أبو بكر يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما، فقال ﷺ : "أبكي للذي عرض على أصحابك من الفداء لقد عرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة منه ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية. وفي رواية: إن كاد ليسمنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن لخطاب، زاد في رواية: وسعد بن معاذ، أي: لأنه كره يوم الوقعة والأسر وأحب الإثخان، كما مر ولم يقل وابن رواحة لأنه أشار بإضرام النار وليس بشرع، وهذه من جملة موافقات عمر المنتهية إلى نحو الثلاثين، وتحدث عمر ببعضها من باب وأما بنعمة ربك فحدث، فقال كما في الصحيح: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، ومقام إبراهيم، وفي أسارى بدر، واستشكل هذا كله بأنه وافق رأيстр. 834
ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات من الآيات المشكلات من المقصد السادس إن شاء الله تعالى.
وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ قال: "يا عباس، افد نفسك وابني أخيك، عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو". قال: إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني. قال: "الله أعلم بما تقول، إن يكن ما تقول حقا فإن الله يجزيك، ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا".
وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم.....................................................
الحواشي
(١) المصطفى ولا أجل منه ولا أسد من رأيه.
"ويأتي الكلام عليها في النوع العاشر في إزالة الشبهات عن الآيات المشكلات من المقصد السادس إن شاء الله تعالى" في نحو ورقة بما يشفي ويكفي. وفي فتح الباري هنا اختلف السلف، في أي الرأيين كان أصوب، فقال بعضهم: كان رأي أبي بكر؛ لأنه وافق ما قدر الله في نفس الأمر ولدخول كثير منهم في الإسلام، إما بنفسه وإما بذريته التي ولدت له بعد الواقعة، ولأنه وافق غلبة الرحمة على الغضب، كما ثبت ذلك عن الله تعالى في حق من كتب له، الرحمة, وأما من رجح الرأي الآخر فتمسك بما وقع من العتاب على أخذ الفداء وهو ظاهر، لكن الجواب عنه أنه لا يدفع حجة الرجحان عن الأول بل ورد للإشارة إلى ذم من آثر شيئا من الدنيا على الآخرة، ولو قل قال.
وروى الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم بإسناد صحيح عن علي، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسرى إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلًا مثلهم، قالوا: الفداء ويقتل منا، انتهى. ورواه، ابن سعد من مرسل عبيد، وفيه فقالوا: بل نفاديهم فنقوى به عليهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون ففادوهم.
"وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ ، قال" هذا من مراسيل الصحابة،؛ لأن ابن عباس لم يشهد ذلك بل كان صغيرا مع أمه بمكة فكأنه حمله على أبيه أو غيره، "يا عباس افد" بفتح الهمزة وكسرها "نفسك وابني أخيك عقيل" بفتح العين وكسر القاف "ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث" أكبر ولد عبد المطلب، "وحليفك عتبة بن عمر، وقال: إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني" بسين للتأكيد أو زائدة، "قال الله أعلم بما تقول إن يكن ما تقول حقا فإن الله يجزيك" الثواب الأخروي والدنيوي، "ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا" وشريعتنا العمل بالظاهر لا بما في نفس الأمر، وفيه رد على من قال: لو كان مسلما ما أسروه ولا أخذوا منه الفداء، "وذكر موسى بن عقبة أن فداءهم" أي: الأسرى لا العباس ومن ذكر معه، فلاстр. 835
كان أربعين أوقية ذهبا.
وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس أنه جعل على العباس مائة أوقية وعلى عقيل ثمانين فقال له العباس: أللقرابة صنعت هذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ﴾ [الأنفال: ٧٠] فقال العباس: وددت لو كنت أخذت مني أضعافه لقوله تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُم﴾ [الأنفال: ٧٠] .
الحواشي
(١) ينافي ما بعده، أي: كل واحد منهم "كان أربعين أوقية ذهبا" وقال قتادة: كان فداء كل أسير أربعة آلاف. وفي العيون: كان الفداء من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف درهم، وعارضه في النور بما في أبي داود والنسائي عن ابن عباس: أنه ﷺ جعل فداءهم يوم بدر أربعمائة، قال: فبينهما تفاوت كبير، انتهى.
وروى ابن سعد من مرسل الشعبي، قال: كان ﷺ يفاديهم على قد أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه، وهذا يمكن أن يجمع به بين الأقوال، ومن ثم قال في الشامية: ومنهم من عليه؛ لأنه لا مال له.
"وعند أبي نعيم في الدلائل بإسناد حسن من حديث ابن عباس، أنه" قال: كان فداء الرجل أربعين أوقية، هذا أسقطه المصنف من الدلائل. والأوقية أربعون درهما فمجموع ذلك ألف وستمائة درهم، قال: وجعل لى العباس مائة أوقية، وعلى عقيل ثمانين أوقية" وبما أسقطه من الدلائل، أو كأنه اكتفى بما قبله عن موسى وإن كان لا يليق لأنه دليله، أو عم يتضح قوله: "فقال له" ﷺ "العباس: اللقرابة صنعت هذا؟ " يعاتبه، إذ مقضتى القرابة التخفيف، وقد شددت وأخذت منا أزيد مما أخذ من غيرنا، وإنما فعل النبي صل الله عليه وسلم ذلك لثروة العباس حتى لا يكون في الدين محاباة، وقد كان يفاديهم على قدر أموالهم. وقيل: جعل عليه أربعمائة أوقية. وقيل: أربعين أوقية من ذهب، "فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] "الآية،" هذا يفيد أن سبب النزول خاص واللفظ عام، لكن في الشامية: قال جماعة له ﷺ منهم العباس: إنا كنا مسلمين وإنما خرجنا كرها، فعلام يؤخذ منا الفداء فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٧٠] ، أي: إيمانا وإخلاصا ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] من الفداء بأن يضعفه لكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة، زاد في رواية: فقد آتاني الله خيرا منها مائة عبد. وفي لفظ: أربعين عبدا كل عبد في يده مال يضربстр. 836
وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا: ستة من المهاجرين،.................................
الحواشي
(١) به، أي: يتجر فيه، وإني لأرجو من الله المغفرة، أي: لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية. وروى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس، قال: قال العباس: في والله نزلت حين أخبرت رسول اله ﷺ بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين أوقية التي وجدت معني، فأعطاني الله بها عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي في يده مع ما أرجو من مغفرة الله.
وفي الصحيح عن أنس: أتى النبي ﷺ بمال من البحرين، فقال: "انثروه في المسجد"، وكان أكثر مال أتى به، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه إذ جاءه العباس، فقال: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا، فقال له: "خذ" فحثا في ثوب ثم ذهب يقله فلم يستطيع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه إلي، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت علي، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق وهو يقول: إنما أخذت ما وعد الله فقد أنجز، فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفى علينا عجبا من حرص، فما قام ﷺ وثم منها درهم.
وعند ابن أبي شيبة: أن المال كان مائة ألف، وهذا كله صريح في أنه لم يفد إلا نفسه وعقيلا، قيل وفدى نوفلا لقوله ﷺ : "فادِ نفسك وابني أخيك نوفلا وعقيلا"، ولما أسلم نوفل آخى بينه وبين العباس، ذكره ابن إسحاق. وقيل: بل فدى نوفل نفسه، فقد روى ابن سعد أنه ﷺ قال لنوفل: "أفد نفسك"، قال: ليس لي مال أفتدي به، فقال: "أفد نفسك بأرماحك التي بجدة"، قال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحا غير الله، أشهد أنك رسول الله، وفدى نفسه بها وكانت ألف رمح. ويمكن الجمع بأنه أمر العباس قبل أن يعلم أن لنوفل مالا فلما أعلمه الله بذلك أمر نوفلا بفداء نفسه ويؤيد ذلك قول العباس في الصحيح: فاديت نفسي وعقيلا ولم يذكر نوفلا وصدر السهيلي بأن نوفلا أسلم عام الخندق، وهاجر ومات بالمدينة سنة خمس عشرة وصلى عليه عمر.
"وكان قد استشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا" قيل: وأسهم لهم ﷺ "ستة من المهاجرين" عبيدة بن الحارث المطلبي قطعت رجله في المبارزة، فمات بالصفراء فدفنه ﷺ بها، وقيل: مات بالروحاء. ومهجع بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الجيم وعين مهملة، مولى عمر. قال ابن إسحاق: وابن سعد كان أول قتيل من المسلمين وأول من جرح، قتله عامر بن الحضرمي بسهم أرسله إليه، وقال ﷺ يومئذ: "مهجع سيد الشهداء". وروى الحاكم عن واثله رفعه: "خير السودان لقمان وبلال ومهجع" قاله البرهان. ونقل بعض مشايخي أنه أول من يدعىстр. 837
وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج،....................................................
الحواشي
(١) من شهداء هذه الأمة. وعمير بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهدي ذكر الواقدي أنه ﷺ رده لأنه استصغره فبكى عمير، فلما رأى بكاءه أذن له في الخروج فقتل وهو ابن ست عشرة سنة، قتله العاصي بن سعيد، قاله السهيلي.
وفي الإصابة: يقال قتله عمرو بن عبدود العامري، وعاقل -بعين وقاف- ابن البكير بالتصغير الليثيي. وجزم ابن حبان بأنه مات سنة ثلاثين، والواقدي وتبعه أبو أحمد والحاكم بأنه مات ثمان وثلاثين، وقيل: مات في طاعون عمواس، ذكره في الإصابة.
وذو الشمالين عمير، وقيل: الحارث، ويقال: عمرو بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي وكان أعسر، وقيل: اسمه خلف بن أمية وهو غير ذي اليدين، فإن اسمه الخرباق، كما في مسلم ابن عمرو السلمي. قال العلماء: وهم الإمام ابن شهاب على جلالته، وتبعه ابن السمعاني، فقال: إنهما واحد، وخالفه غيره وجعلوهما اثنين، فإن ذا اليدين عاش بعد النبي ﷺ ، وقد روى أبو هريرة أنه الذي نبه على السهو، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر وذو الشمالين استشهد ببدر، نعم ذكر البرهان عن بعض الحفاظ أن ذا اليدين كان يقال له أيضا ذو الشمالين، وأنه ليس هذا المستشهد ببدر.
"وثمانية من الأنصار، ستة من الخزرج" عوف بن عفراء، ذكر ابن إسحاق أنه قال: يا رسول الله! ما يضحك الرب من عبده؟ قال: "غمسه يده في القوم حاسرا فنزع درعا عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل". وشقيقه معوذ، قال في الفتح: بشد الواو وبفتحها معاذا استشهد ببدر أيضا لم يوافق عليه.
وحارثة بن سراقة بحاء مهملة ومثلثة وكان في النظارة، أي: الذين لم يخرجوا لقتال فجاءه سهم غرب فوقع في نحره فقتله، فجاءت أمه الربيع -بضم الراء وفتح الموحدة وشد التحتية- فقالت: يا رسول الله! قد علمت مكان حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإلا فسترى ما أصنع!! فقال: "إنها ليست بجنة واحدة، ولكنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس"، كما في الصحيح، وقتله -كما في العيون: حبان بكسر المهملة وشد الموحدة، ابن العرقة بفتح المهملة وكسر الراء. ونقل الواقدي فتحها وفتح القاف فتاء تأنيث وهي أمة، وأبوه قيس. قال ابن إسحاق: وهو أول قتيل بعد مهجع، والروايات الصحيحة في البخاري وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم أن حارثة هذا قتل في بدر، ولم يختلف في ذلك أهل المغازي، وما في بعضстр. 838
واثنان من الأوس.
الحواشي
(١) الروايات أنه قتل في أحد وإن اعتمده ابن منده أنكره أبو نعيم، كما أوضح ذلك في الإصابة.
ويزيد بن الحارث بن قيس بن مالك، ورافع بن المعلى قتله عكرمة بن أبي جهل. وعمير بن الحمام، بضم المهملة وخفة الميم، ابن الجموح، ذكر ابن إسحاق أنه ﷺ خرج على الناس فحرضهم، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة"، فقال عمير بن الحمام، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل، وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد ... وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقتله خالد بن الأعلم العلقمي. وروى مسلم عن أنس: أنه ﷺ قال: "قوموا إلى الجنة عرضها السموات والأرض"، فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله! جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "عم"، قال: بخ بخ، فقال ﷺ : "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنك من أهلها"، فأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. قال ابن عقبة وهو أول قتيل قتل يومئذ، ومر قول ابن إسحاق وابن سعد: أولهم مهجع، وجمع في النور بأنه أول قتيل بسهم وعمير بغيره، أو من المهاجرين وعمير من الأنصار، ولا يعارضه ما حكاه ابن سعد: أول قتيل من الأنصار حارثة بن سراقة؛ لأنه أول قتيل من الفتيان، انتهى. وهو ظاهر لكن لا يعلم منه أول قتيل على الإطلاق.
"واثنان من الأوس" سعدبن خيثمة أحد النقباء بالعقبة الصحابي ابن الصحابي، الشهيد ابن الشهيد، قيل: قتله طعمية بن عدي، وقيل: عمرو بن عبدود، واستشهد أبوه يوم أحد، ومبشر بن عبد المنذر، وقيل: إنما قتل بأحد. قال السمهودي في الوفاء: يظهر من كلام أهل السير أنهم دفنوا ببدر ما عدا عبيدة لتأخر وفاته، فدفن بالصفراء أو الروحاء، انتهى. وروى الطبراني برجال ثقات عن ابن مسعود، قال: إن الذين قتلوا من أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر جعل الله أرواحهم في الجنة في طير خضر تسرح في الجنة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربهم اطلاعه، فقال: يا عبادي ماذا تشتهون؟ فقالوا: يا ربنا هل فوق هذا من شيء؟ قال: فيقول: ماذا تشتهون؟ فيقولون في الرابعة: ترد أرواحنا في أجسادنا فنقتل كما قتلنا، موقوف لفظا مرفوع حكما؛ لأنه لا مدخلстр. 839
تنبيه: لا يقدح في وعد الله تعالى أن استشهد هؤلاء الصحابة ﵃، وإنما هذا الوعد كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] ، فقد نجز الموعود وغلبوا كما وعدوا، فكان وعد الله مفعولا ونصره للمؤمنين ناجزا والحمد لله.
وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون،............................................
الحواشي
(١) للرأي فيه، والله أعلم.
تنبيه:
"لا يقدح في وعد الله تعالى" للمسلمين بالظفر بقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْن﴾ [الأنفال: ٧] الآية، "إن استشهد هؤلاء الصحابة ﵃" لأنه وعدهم بالظفر بقريش وقد فعل ولم يعدهم أنه لا يقتل أحد منهم، فلا ينافي قتل هؤلاء، "إنما هذا الوعد، كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] ،" حال، أي: منقادين أو بأيديهم لا يوكلون بها ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، أذلاء منقدون لحكم الإسلام، ووجه التشبيه أن هذه الآية دلت على أمرهم بالقتال حتى يتمكنوا من عدوهم بإذلالهم وأخذ الجزية إن لم يؤمنوا، وآية ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٧] الآية، تلد على الظفر بالأعداء من غير دلالة على عدم قتل أحمد منهم، "فقد نجز الموعود" به "وغلبوا" بالبناء للفاعل "كما وعدوا" بالبناء للمفعول "فكان وعد الله مفعولا"، أي: موعوده، "ونصره للمؤمنين ناجزا والحمد لله وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون" كما في حديث البراء عند البخاري وابن عباس، وعمر عند مسلم ووافقهم آخرون وبه جزم ابن هشام ونقله عن أبي عمر، وقال ابن كثير: وهو المشهور.
قال الحافظ: وهو الحق وأن أطبق أهل السير على إن القتلى خمسون قتيلا يريدون قليلا أو ينقصون وأطلق كثير من أهل المغازي أنهم بضعة وأربعون، وسرد ابن إسحاق أسماؤهم فبلغوا خمسين.
وزاد الواقدي ثلاثة أو أربعة، وسردهم ابن هشام فزادوا على الستين لكن لا يلزم من معرفة أسماء من قتل على التعيين أن يكونوا جميع من قتل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] الآية. اتفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أحد، وإن المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر، وبذلك جزم ابن هشام واستدل له بقول كعب بن مالك من قصيدة:стр. 840
وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب،...............................
الحواشي
(١) فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود
يعني عتبة بن ربيعة ومر من قتله، والأسود بن عبد الاسد المخزومي قتله حمزة، انتهى.
وفي البخاري عن جبير بن مطعم: أنه ﷺ قال في أساري بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له"، والنتنى بنون وفوقية كزمنى جمع نتن سماهم بذلك لكفرهم، كما في النهاية وغيرها، وبه جزم الحافظ. وقول المصنف: المراد قتلى بدر الذي صاروا جيف يرده قول الحديث في أسارى بدر، قال الحافظ: أي لتركتهم له بغير فداء. وبين ابن شاهين من وجه آخر أن سبب ذلك اليد التي كانت له عند النبي ﷺ حين رجع من الطائف ودخل في جواره، وقيل: اليد أنه كان من أشد القائمين في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم والمسلمين لما حصروهم في الشعب.
وروى الطبراني عن جبير بن مطعم، قال: قال المطعم بن عدي لقريش: إنكم قد فعلتم بمحمد ما فعلتم فكونوا أكف الناس عنه، وذلك بعد الهجرة، ثم مات المطعم قبل وقعة بدر وله بضع وتسعون سنة. وذكر الفاكهي بإسناد مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات مجازاة له على ما صنع مع النبي ﷺ ، انتهى. ونقل ابن إسحاق رثاء حسان، وهو:
عيني ألا أبكي سيد الناس واسفحي ... بدمع وإن أنزفته فاسكبي الدما
وبكى عظيم المشعرين كليهما ... على الناس معروفا له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد الدهر واحدا ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبى مهل وأحرما
لو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تذمما
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأعظما
وأنأى إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
ورثاء حسان ﵁ له وهو كافر لأنه تعداد المحاسن بعد الموت، ولا ريب في أن فعله مع المصطفى من أقوى المحاسن، فلا ضير في ذكره، وقد كفن المصطفى عبد الله بن أبي المنافق بثوبه مجازاة له على إلباس العباس قميصه يوم بدر، لما كان في الأساري.
"وكان من أفضلهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب" أسره عبيد بن أوسстр. 841
ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكل أسلم.
وكان العباس -فيما قاله أهل العلم بالتاريخ- قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي ﷺ : "من لقي العباس فلا يقتله، فإنه خرج مستكرها"،
الحواشي
(١) الذي يقال له مقرن؛ لأنه قرن أربعة أسرى يوم بدر، قاله ابن هشام، وأسلم قبل الحديبية، ويقال: عام الحديبية "ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب" أسلم عام الخندق وهاجر، ويقال: بل أسلم حين أسر، قاله السهيلي. "وكل أسلم" ﵃ وهؤلاء من بني هاشم، وممن أسلم من الأسرى من سائر قريش: أبو العاصي بن الربيع زوج السيدة زينب ابنة النبي ﷺ ، أسلم قبيل الفتح وأثنى عليه المصطفى في مصاهرته ورد عليه زينب. وأبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى وإسكان التحتية، واسمه زرارة بن عمير أخو مصعب أسلم يوم بدر وله صحبة وسماع من النبي ﷺ وقول الزبير بن بكار: قتل كافرا يوم أحد، رده ابن عبد البر بأن ابن إسحاق عد من قتل من الكفار من بني عبد الدار أحد عشر رجلا ليس فيهم أبو عزيز، وإنما فيهم يزيد بن عمير.
وقال السهيلي: غلط الزبير فلا يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار. وقد روى عنه نبيه بن وهب وغيره، ولعل المقتول بأحد كافرا أخ لهم غيره، انتهى. وقد علم من كلام أبي عمر أنه يزيد بن عمير فتوهم الزبير أنه اسم أبي عزيز فغلط، وإنما اسمه زرارة.
وقد رى الطبراني في الكبير عنه، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال ﷺ : "استوصوا بالأسارى خيرا" قال الحافظ الهيثمي: إسناده حسن، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر بعد أن أسرى وفدى نفسه، نقله الذهبي عن أبي الطيب الطبري. وعدي بن الخيار، والسائب بن أبي حبيش، وأبو وداعة السهمي، وسهيب بن عمرو العامري أسلموا في فتح مكة، وخالد بن هشام المخزومي، وعبد الله بن السائب، والمطلب بن حنطب، وعبد الله بن أبي بن خلف أسلم يوم الفتح وقتل يوم الجمل، قاله أبو عمر، وعبد بن زمعة أخو سدوة، ووهيب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، ونسطائس مولى أمية بن خلف، ذكره السهيلي وقال: أسلم بعد أحد، والوليد بن الويد أسره عبد الله بن جحش فافتكوه وذهبوا به مكة فأسلم فحبسوه بها، فكان ﷺ يدعو له في القنوت فنجا وهاجر إلى المدينة فمات بها في الحياة النبوية.
"وكان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه" قال ابن عبد البر: وذلك بين في حديث الحجاج بن علاط، أن العباس كان مسلما يسره ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم الفتح. "وخرج مع المشركين يوم بدر، فقال النبي ﷺ : "من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها" ولا ينافيه قوله ﵇ له: "ظاهر أمرك كنتстр. 842
ففادى نفسه ورجع إلى مكة.
وقيل إنه أسلم يوم بدر، فاستقبل النبي ﷺ يوم فتح مكة بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة.
وقيل أسلم يوم فتح خيبر.
وقيل كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة، وكان إسلامه قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى النبي ﷺ ، وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ فكتب إليه ﵊: "إن مقامك بمكة خير لك".
وقيل إن سبب إسلامه، أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم به المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي ﷺ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأبى وقال: "أما شيء خرجت تستعين به
الحواشي
(١) علينا"؛ لأن كونه عليهم في الظاهر لا ينافي أنه مكره في الباطن. "ففادى نفسه ورجع إلى مكة" فأقام بها على سقايته والمصطفى عنه راض "وقيل: أنه أسلم يوم بدر" ولكنه كتمه حتى تمكن من إظهاره، "فاستقبل النبي ﷺ يوم فتح مكة بالأبواء" وأظهر إسلامه "وكان معه حين فتح مكة" فشهده وحنينا والطائف وثبت يوم حنين، "وبه ختمت الهجرة" كما قال ﵇. "وقيل: أسلم يوم خيبر" قبل فتحها، كما حكاه أبو عمر. "وقيل: كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة وكان إسلامه قبل بدر" وهذا حاصل القول الأول.
"وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ يؤده لإسلامه باطنا وعدم تمكنه من إظهاره، قال مولاه أبو رافع: لأنه كان يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان ذا مال، رواه ابن إسحاق. "فكتب إليه ﵊: "إن مقامك بمكة خير لك" لما علمه من ضياع عياله وأمواله لو تركهم وهاجر، ولأنه كان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة. "وقيل: إن سبب إسلامه أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين" لأنه كان من الأغنياء المشهورين بالكرم، وكانوا يذبحو لهم الجزائر فلو لم يفعل لعيب عليه ونسب للبخل، ولذا نحر لهم، كما مر، فلا ينافي هذا أن خروجه مكرها ولا يصح هنا أن يقال لا ينافي ذلك إسلامه باطنا؛ لأن صاحب هذا القول لا يقول به إذ هو قائل بأنه إنما أسلم بوم بدر، وأن ذلك سبب إسلامه. "فأخذت منه في الحرب فكلم النبي ﷺ أن يحسب" بضم السين: يعد "العشرين أوقية من فدائه فأبى، وقال: "أما شيء خرجت تستعين بهстр. 843
علينا فلا نتركه لك"، فقال العباس: تركتني أتكفف قريشا، فقال له ﵇: "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة"، فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي"، فقال: "أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله".
ولما فرغ ﷺ من بدر في آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث زيد بن حارثة بشيرا فوصل المدينة ضحى، وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبي ﷺ ، وهذا هو
الحواشي
(١) علينا" ظاهرا وإن كرهته باطنا، "فلا نتركه لك"، فقال العباس: تتركني أتكفف قريشا" أمد كفي إليهم بالمسألة أو أخذ الشيء منهم بكفي، كما في المصباح.
وفي رواية: تتركني فقير قريش ما بقيت، "فقال له ﵇: "فأين الذهب" استفهام إنكاري "الذي دفعته إلى أم الفضل" لبابة الكبرى زوجه ﵄، "وقت خروجك من مكة"؟ فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي" فقال: أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله" وهذا القول كالشرح للقول الثاني في كلامه.
وفي رواية: فنزل في العباس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية، قال العباس: فأبدلني الله عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها، أي: بدلها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
"ولما فرغ ﷺ من" جميع أمر "بدر في آخر" يوم من "رمضان، وأول يوم من شوال" قاله ابن إسحاق: وقد كان القتال يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على أرجح الأقوال المتقدمة، وقول المقريزي في إمتاع الأسماع: أنه ﷺ دخل المدينة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان مبني على أن الخروج منها كان لثلاث مضين من رمضان، "بعث زيد بن حارثة" حبه ومولاه "بشيرا" بما فتح الله عليه إلى أهل المسافلة وبعث عبد الله بن رواحة بشرا إلى أهل العالية، قاله ابن إسحاق وغيره. "فوصل المدينة" يوم الأحد "ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية" بضم الراء وفتح القاف وشد التحتية "بنت النبي ﷺ " بعد دفنها بالبقيع، وهي ابنة عشرين سنة. وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري: أنها كانت قد أصابها الحصبة، قال ابن إسحاق: ويقال إن ابنها عبد الله بن عثمان مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ست "وهذا هوстр. 844
الصحيح في وفاة رقية.
وقد روي أنه ﷺ شهد دفن بنته رقية، فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف الليلة" فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزلها قبرها.
وأنكر البخاري هذه الرواية، وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه: عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي ﷺ وذكر الحديث ولم يسم رقية ولا غيرها.
وذكر الطبري أنها أم كلثوم فحصل في حديث الطبري التبيين. ومن قال: كانت رقية فقد وهم.
الحواشي
(١) الصحيح في وفاة رقية" كما قاله السهيلي وغيره.
"وقد روي" عند البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أنه ﷺ شهد دفن بنته رقية فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف"، بقاف وفاء، يجامع "الليلة" أهله، كما صرح به في رواية وقول فليح بن سليمان يعني الذنب خطأ؛ لأن النبي ﷺ كان أولى بهذا، قاله السهيلي "فقال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري "أنا فأمره أن ينزلها قبرها" زاد في رواية: فقبرها، ففيه إيثار بعيد العهد بالملاذ بمواراة المبيت ولو امرأة على الزوج، وعلل بأنه حينئذ يأمن أن يذكره الشيطان ما كان منه تلك الليلة، "وأنكر البخاري هذه الرواية" في تاريخه، فقال: ما أدري ما هذا فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، وهو وهم. قال الحافظ بن حماد في تسميتها فقط، "وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي ﷺ ... وذكر الحديث" وهو: وجلس رسول الله ﷺ على القبر وعيناه تدمعان، وقال: $"هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، فقال: "أنزل قبرها" فنزل "ولم يسم رقية ولا غيرها. وذكر" أي: روى محمد بن جرير "الطبري" والطحاوي والواقدي وابن سعد والدولابي "أنها" أي: البنت التي شهد ﷺ دفنها " أم كلثوم فحصل في حديث الطبري" والجماعة "التبيين و" إن "من قال كانت رقية فقد وهم،" بكسر الهاء غلط بلا شك، ووقع في مقدمة الفتح أن ابن بشكوال صحح أنها زينب، انتهى. لكنه لا يعادل رواية الجماعة.
وفي التاريخ والمستدرك: أنه ﷺ قال: "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة" فتنحى عثمان. حكى ابن حبيب أنه جامع بعض جواريه تلك الليلة، قال ابن بطال: أحرم ﷺ عثمان إنزالها في قبرها وكان أحق الناس لأنه بعلها لأنه لم يشغله الحزن بالمصيبة التي فقد فيها ما لا عوض لها منه وانقطاع صهره من النبي ﷺ عن المقورفة، ولم يقل له شيئا؛ لأنه فعل حلالا، غيرстр. 845
وكان عثمان ﵁ قد تخلف لأجل رقية زوجته فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره.
وأمر ﷺ عند انصرافه عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- بقتل عقبة بن أبي معيط، فقتله........................................................................
الحواشي
(١) أن المصيبة مع عظمها لم تبلغ عنده مبلغا يشغله، فحرم ما حرم بتعريض دون تصريح ولعله ﵇ كان قد علم ذلك بالوحي، انتهى. وقال الحافظ: لعل مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع ولم يظن موتها تلك الليلة وليس في الحديث ما يقتضي أنه واقع بعد موتها ولا حين احتضارها، انتهى.
"وكان عثمان ﵁ قد تخلف" عن بدر "لأجل" مرض "رقية زوجته" بأمره ﷺ ففي المستدرك: خلف النبي ﷺ عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها لما خرج إلى بدر، فماتت حين وصل زيد بالبشارة، "فضرب له" لعثمان "رسول الله ﷺ بسهمه وأجره" مع أحد عشر رجلا، كما مر، وجزم الخطابي وتبعه السيوطي بأن ذلك خاص بعثمان لما رواه أبو داود بإسناد صالح عن ابن عمر أنه ﷺ ضرب لعثمان يوم بدر بسهم ولم يضرب لغائب غيره، والجواب: أن المراد غائب تخلف لأمر لا تعلق له بمصالح المسلمين ولم يمنعه العذر فلا يرد أولئك الذين ضرب لهم؛ لأن منهم من تخلف للعذر ومنهم للمصالح، كما مر بسطه.
"وأمر ﷺ عند انصرافه" من بدر "عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح بفتح الهمزة واللام بينهما قاف ساكنة وحاء مهملة آخره، واسمه قيس بن عصمة بن النعمان من السابقين الأولين من الأنصار، وأصحاب العقبة وبدر والعلماء بالحرب، كما أنزلت بالنص النبوي "وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب" لأمه، قال في الفتح: هذا وهم من بعض رواية عاصم بن ثابت حال عاصم بن عمر أن أم عاصم جميلة بنت ثابت أخت عاصم كان اسمها عاصية فغيرها النبي ﷺ جميلة، انتهى.
وعاصم بن عمر هذا، قال ابن عبد البر: مات النبي ﷺ وله سنتا، وكان طوالا جسيما جميلا شاعرا، قال أخوه عبد الله: أنا وأخي عاصم لا نغتاب الناس، زوجه أبوه في حياته وأنفق عليه شهرا، ثم قال: حسبك، ومات سنة سبعين أو ثلاث وسبعين، ثم هذا قول ابن إسحاق. وقال ابن هشام. أمر علي بن أبي طالب "بقتل عقبة بن أبي معيط" أسير عبد الله بن سلمة بكسر اللام العجلاني، قال ابن إسحاق: فقال عقبة: يا محمد من للصبية؟ قال: "النار"، "فقتله" بعرق الظبية بكسر العين وسكون الراء المهملتين وقاف وبضم الظاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح التحتيةследующие страницы →