Полный текст (5 943 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكل أسلم.
وكان العباس -فيما قاله أهل العلم بالتاريخ- قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، وخرج مع المشركين يوم بدر فقال النبي ﷺ : "من لقي العباس فلا يقتله، فإنه خرج مستكرها"،
الحواشي
(١) الذي يقال له مقرن؛ لأنه قرن أربعة أسرى يوم بدر، قاله ابن هشام، وأسلم قبل الحديبية، ويقال: عام الحديبية "ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب" أسلم عام الخندق وهاجر، ويقال: بل أسلم حين أسر، قاله السهيلي. "وكل أسلم" ﵃ وهؤلاء من بني هاشم، وممن أسلم من الأسرى من سائر قريش: أبو العاصي بن الربيع زوج السيدة زينب ابنة النبي ﷺ ، أسلم قبيل الفتح وأثنى عليه المصطفى في مصاهرته ورد عليه زينب. وأبو عزيز بفتح العين وكسر الزاي الأولى وإسكان التحتية، واسمه زرارة بن عمير أخو مصعب أسلم يوم بدر وله صحبة وسماع من النبي ﷺ وقول الزبير بن بكار: قتل كافرا يوم أحد، رده ابن عبد البر بأن ابن إسحاق عد من قتل من الكفار من بني عبد الدار أحد عشر رجلا ليس فيهم أبو عزيز، وإنما فيهم يزيد بن عمير.
وقال السهيلي: غلط الزبير فلا يصح هذا عند أحد من أهل الأخبار. وقد روى عنه نبيه بن وهب وغيره، ولعل المقتول بأحد كافرا أخ لهم غيره، انتهى. وقد علم من كلام أبي عمر أنه يزيد بن عمير فتوهم الزبير أنه اسم أبي عزيز فغلط، وإنما اسمه زرارة.
وقد رى الطبراني في الكبير عنه، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فقال ﷺ : "استوصوا بالأسارى خيرا" قال الحافظ الهيثمي: إسناده حسن، والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر بعد أن أسرى وفدى نفسه، نقله الذهبي عن أبي الطيب الطبري. وعدي بن الخيار، والسائب بن أبي حبيش، وأبو وداعة السهمي، وسهيب بن عمرو العامري أسلموا في فتح مكة، وخالد بن هشام المخزومي، وعبد الله بن السائب، والمطلب بن حنطب، وعبد الله بن أبي بن خلف أسلم يوم الفتح وقتل يوم الجمل، قاله أبو عمر، وعبد بن زمعة أخو سدوة، ووهيب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، ونسطائس مولى أمية بن خلف، ذكره السهيلي وقال: أسلم بعد أحد، والوليد بن الويد أسره عبد الله بن جحش فافتكوه وذهبوا به مكة فأسلم فحبسوه بها، فكان ﷺ يدعو له في القنوت فنجا وهاجر إلى المدينة فمات بها في الحياة النبوية.
"وكان العباس فيما قاله أهل العلم بالتاريخ قد أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه" قال ابن عبد البر: وذلك بين في حديث الحجاج بن علاط، أن العباس كان مسلما يسره ما يفتح الله على المسلمين، ثم أظهر إسلامه يوم الفتح. "وخرج مع المشركين يوم بدر، فقال النبي ﷺ : "من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مستكرها" ولا ينافيه قوله ﵇ له: "ظاهر أمرك كنتстр. 842
ففادى نفسه ورجع إلى مكة.
وقيل إنه أسلم يوم بدر، فاستقبل النبي ﷺ يوم فتح مكة بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة.
وقيل أسلم يوم فتح خيبر.
وقيل كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة، وكان إسلامه قبل بدر، وكان يكتب بأخبار المشركين إلى النبي ﷺ ، وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ فكتب إليه ﵊: "إن مقامك بمكة خير لك".
وقيل إن سبب إسلامه، أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم به المشركين، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي ﷺ أن يحسب العشرين أوقية من فدائه، فأبى وقال: "أما شيء خرجت تستعين به
الحواشي
(١) علينا"؛ لأن كونه عليهم في الظاهر لا ينافي أنه مكره في الباطن. "ففادى نفسه ورجع إلى مكة" فأقام بها على سقايته والمصطفى عنه راض "وقيل: أنه أسلم يوم بدر" ولكنه كتمه حتى تمكن من إظهاره، "فاستقبل النبي ﷺ يوم فتح مكة بالأبواء" وأظهر إسلامه "وكان معه حين فتح مكة" فشهده وحنينا والطائف وثبت يوم حنين، "وبه ختمت الهجرة" كما قال ﵇. "وقيل: أسلم يوم خيبر" قبل فتحها، كما حكاه أبو عمر. "وقيل: كان يكتم إسلامه وأظهره يوم فتح مكة وكان إسلامه قبل بدر" وهذا حاصل القول الأول.
"وكان يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ ، وكان يحب القدوم على رسول الله ﷺ يؤده لإسلامه باطنا وعدم تمكنه من إظهاره، قال مولاه أبو رافع: لأنه كان يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان ذا مال، رواه ابن إسحاق. "فكتب إليه ﵊: "إن مقامك بمكة خير لك" لما علمه من ضياع عياله وأمواله لو تركهم وهاجر، ولأنه كان عونا للمسلمين المستضعفين بمكة. "وقيل: إن سبب إسلامه أنه خرج لبدر بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين" لأنه كان من الأغنياء المشهورين بالكرم، وكانوا يذبحو لهم الجزائر فلو لم يفعل لعيب عليه ونسب للبخل، ولذا نحر لهم، كما مر، فلا ينافي هذا أن خروجه مكرها ولا يصح هنا أن يقال لا ينافي ذلك إسلامه باطنا؛ لأن صاحب هذا القول لا يقول به إذ هو قائل بأنه إنما أسلم بوم بدر، وأن ذلك سبب إسلامه. "فأخذت منه في الحرب فكلم النبي ﷺ أن يحسب" بضم السين: يعد "العشرين أوقية من فدائه فأبى، وقال: "أما شيء خرجت تستعين بهстр. 843
علينا فلا نتركه لك"، فقال العباس: تركتني أتكفف قريشا، فقال له ﵇: "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة"، فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي"، فقال: "أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله".
ولما فرغ ﷺ من بدر في آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث زيد بن حارثة بشيرا فوصل المدينة ضحى، وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبي ﷺ ، وهذا هو
الحواشي
(١) علينا" ظاهرا وإن كرهته باطنا، "فلا نتركه لك"، فقال العباس: تتركني أتكفف قريشا" أمد كفي إليهم بالمسألة أو أخذ الشيء منهم بكفي، كما في المصباح.
وفي رواية: تتركني فقير قريش ما بقيت، "فقال له ﵇: "فأين الذهب" استفهام إنكاري "الذي دفعته إلى أم الفضل" لبابة الكبرى زوجه ﵄، "وقت خروجك من مكة"؟ فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي" فقال: أشهد أنك صادق، فإن هذا لم يطلع عليه إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله" وهذا القول كالشرح للقول الثاني في كلامه.
وفي رواية: فنزل في العباس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية، قال العباس: فأبدلني الله عشرين عبدا كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها، أي: بدلها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
"ولما فرغ ﷺ من" جميع أمر "بدر في آخر" يوم من "رمضان، وأول يوم من شوال" قاله ابن إسحاق: وقد كان القتال يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان على أرجح الأقوال المتقدمة، وقول المقريزي في إمتاع الأسماع: أنه ﷺ دخل المدينة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان مبني على أن الخروج منها كان لثلاث مضين من رمضان، "بعث زيد بن حارثة" حبه ومولاه "بشيرا" بما فتح الله عليه إلى أهل المسافلة وبعث عبد الله بن رواحة بشرا إلى أهل العالية، قاله ابن إسحاق وغيره. "فوصل المدينة" يوم الأحد "ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية" بضم الراء وفتح القاف وشد التحتية "بنت النبي ﷺ " بعد دفنها بالبقيع، وهي ابنة عشرين سنة. وروى ابن المبارك عن يونس عن الزهري: أنها كانت قد أصابها الحصبة، قال ابن إسحاق: ويقال إن ابنها عبد الله بن عثمان مات بعدها سنة أربع من الهجرة وله ست "وهذا هوстр. 844
الصحيح في وفاة رقية.
وقد روي أنه ﷺ شهد دفن بنته رقية، فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف الليلة" فقال أبو طلحة أنا، فأمره أن ينزلها قبرها.
وأنكر البخاري هذه الرواية، وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه: عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي ﷺ وذكر الحديث ولم يسم رقية ولا غيرها.
وذكر الطبري أنها أم كلثوم فحصل في حديث الطبري التبيين. ومن قال: كانت رقية فقد وهم.
الحواشي
(١) الصحيح في وفاة رقية" كما قاله السهيلي وغيره.
"وقد روي" عند البخاري في التاريخ الأوسط، والحاكم في المستدرك من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس "أنه ﷺ شهد دفن بنته رقية فقعد على قبرها ودمعت عيناه، وقال: "أيكم لم يقارف"، بقاف وفاء، يجامع "الليلة" أهله، كما صرح به في رواية وقول فليح بن سليمان يعني الذنب خطأ؛ لأن النبي ﷺ كان أولى بهذا، قاله السهيلي "فقال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري "أنا فأمره أن ينزلها قبرها" زاد في رواية: فقبرها، ففيه إيثار بعيد العهد بالملاذ بمواراة المبيت ولو امرأة على الزوج، وعلل بأنه حينئذ يأمن أن يذكره الشيطان ما كان منه تلك الليلة، "وأنكر البخاري هذه الرواية" في تاريخه، فقال: ما أدري ما هذا فإن رقية ماتت والنبي ﷺ ببدر لم يشهدها، وهو وهم. قال الحافظ بن حماد في تسميتها فقط، "وخرج الحديث في الصحيح فقال فيه عن أنس: شهدنا دفن بنت النبي ﷺ ... وذكر الحديث" وهو: وجلس رسول الله ﷺ على القبر وعيناه تدمعان، وقال: $"هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟ " فقال أبو طلحة: أنا، فقال: "أنزل قبرها" فنزل "ولم يسم رقية ولا غيرها. وذكر" أي: روى محمد بن جرير "الطبري" والطحاوي والواقدي وابن سعد والدولابي "أنها" أي: البنت التي شهد ﷺ دفنها " أم كلثوم فحصل في حديث الطبري" والجماعة "التبيين و" إن "من قال كانت رقية فقد وهم،" بكسر الهاء غلط بلا شك، ووقع في مقدمة الفتح أن ابن بشكوال صحح أنها زينب، انتهى. لكنه لا يعادل رواية الجماعة.
وفي التاريخ والمستدرك: أنه ﷺ قال: "لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة" فتنحى عثمان. حكى ابن حبيب أنه جامع بعض جواريه تلك الليلة، قال ابن بطال: أحرم ﷺ عثمان إنزالها في قبرها وكان أحق الناس لأنه بعلها لأنه لم يشغله الحزن بالمصيبة التي فقد فيها ما لا عوض لها منه وانقطاع صهره من النبي ﷺ عن المقورفة، ولم يقل له شيئا؛ لأنه فعل حلالا، غيرстр. 845
وكان عثمان ﵁ قد تخلف لأجل رقية زوجته فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره.
وأمر ﷺ عند انصرافه عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- بقتل عقبة بن أبي معيط، فقتله........................................................................
الحواشي
(١) أن المصيبة مع عظمها لم تبلغ عنده مبلغا يشغله، فحرم ما حرم بتعريض دون تصريح ولعله ﵇ كان قد علم ذلك بالوحي، انتهى. وقال الحافظ: لعل مرض المرأة طال واحتاج عثمان إلى الوقاع ولم يظن موتها تلك الليلة وليس في الحديث ما يقتضي أنه واقع بعد موتها ولا حين احتضارها، انتهى.
"وكان عثمان ﵁ قد تخلف" عن بدر "لأجل" مرض "رقية زوجته" بأمره ﷺ ففي المستدرك: خلف النبي ﷺ عثمان وأسامة بن زيد على رقية في مرضها لما خرج إلى بدر، فماتت حين وصل زيد بالبشارة، "فضرب له" لعثمان "رسول الله ﷺ بسهمه وأجره" مع أحد عشر رجلا، كما مر، وجزم الخطابي وتبعه السيوطي بأن ذلك خاص بعثمان لما رواه أبو داود بإسناد صالح عن ابن عمر أنه ﷺ ضرب لعثمان يوم بدر بسهم ولم يضرب لغائب غيره، والجواب: أن المراد غائب تخلف لأمر لا تعلق له بمصالح المسلمين ولم يمنعه العذر فلا يرد أولئك الذين ضرب لهم؛ لأن منهم من تخلف للعذر ومنهم للمصالح، كما مر بسطه.
"وأمر ﷺ عند انصرافه" من بدر "عاصم بن ثابت" بن أبي الأقلح بفتح الهمزة واللام بينهما قاف ساكنة وحاء مهملة آخره، واسمه قيس بن عصمة بن النعمان من السابقين الأولين من الأنصار، وأصحاب العقبة وبدر والعلماء بالحرب، كما أنزلت بالنص النبوي "وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب" لأمه، قال في الفتح: هذا وهم من بعض رواية عاصم بن ثابت حال عاصم بن عمر أن أم عاصم جميلة بنت ثابت أخت عاصم كان اسمها عاصية فغيرها النبي ﷺ جميلة، انتهى.
وعاصم بن عمر هذا، قال ابن عبد البر: مات النبي ﷺ وله سنتا، وكان طوالا جسيما جميلا شاعرا، قال أخوه عبد الله: أنا وأخي عاصم لا نغتاب الناس، زوجه أبوه في حياته وأنفق عليه شهرا، ثم قال: حسبك، ومات سنة سبعين أو ثلاث وسبعين، ثم هذا قول ابن إسحاق. وقال ابن هشام. أمر علي بن أبي طالب "بقتل عقبة بن أبي معيط" أسير عبد الله بن سلمة بكسر اللام العجلاني، قال ابن إسحاق: فقال عقبة: يا محمد من للصبية؟ قال: "النار"، "فقتله" بعرق الظبية بكسر العين وسكون الراء المهملتين وقاف وبضم الظاء المعجمة وسكون الموحدة وفتح التحتيةстр. 846
صبرا.
ثم أقبل ﵊ قافلا إلى المدينة ومع الأساري من المشركين، واحتمل النفل، وجعل عليه عبد الله بن كعب من بني مازن. فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين المسلمين...........................................................
الحواشي
(١) فتاء تأنيث، مكان على ثلاثة أميال من الروحاء مما يلي المدينة، وثَمَّ مسجد للنبي ﷺ ، ذكره الصغاني. وقال السهيلي: الظبية شجرة يستظل بها "صبرا" هو كل ذي روح يوثق حتى يقتل، كما في المصباح. ويروى أنه قال: يا معشر قريش، ما لي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال ﵇: "بكفرك وافترائك على الله"، وإنه قال له: "لست من قريش، هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية"، وذلك لأن أمية جد أبيه خرج إلى الشام فوقع على يهودية لها زوج من صفورية فولدت ذكوان المكنى أبا عمرو وهو والد أبي معيط على فراش اليهودي، فاستلحقه بحكم الجاهلية، قال الإسماعيلي: وهذا الطعن خاص بنسب عقبة من بني أمية، وفي نسب أمية نفسه مقالة أخرى، وهي أن أم أمية يقال لها الزرفاء، واسمها أرنب كانت في الجاهلية من ذوات الرايات لكن قد عفا الله عن أمر الجاهلية ونهى عن الطعن في الأنساب، ولو لم يجب الكف عن نسب أمية إلا لموضع عثمان لكفى، انتهى. وفي معجم البكري: صفورية بفتح أوله وثم ثانيه المشدد وكسر الراء المهملة وخفة الياء: موضع من ثغور الشام، وفي الميزان روى أبو الهيثم عن إبراهيم التيمي مرسلا أنه ﵇ صلب عقبة إلى شجرة وأبو الهيثم لا يدري من هو.
"ثم أقبل ﵊ قافلا" بقاف وفاء: "راجعا "إلى المدينة ومع الأساري من المشركين، واحتمل النفل" بفتح النون والفاء: الغنيمة والجمع الأنفال، "وجعل عليه عبد الله بن كعب" بن زيد بن عاصم "من بني مازن" بن النجار، كما قال ابن إسحاق. قال الواقدي: مات زمن عثمان سنة ثلاث وثلاين وكنيته أبو الحارث وتبع الواقدي المدائني وابن أبي خيثمة والعسكري وغيرهم، وأسقط ابن الكبي وابن سعد زيدا من نسبه وتبعهما البغوي وغيره، فجعلوا الكنية والوظيفة، أي: كونه على النفل والوفاة لعبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف من بني مازن بن النجار أيضا، كما في الإصابة والمصنف محتمل لهما؛ لأنه لم يسم جده فيحتمل أنه زيد وأنه عمرو.
"فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل بين المسلمين" وقد كانوا اختلفوا فيه، كما رواه ابن إسحاق وغيره عن عبادة بن الصامت، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: لولا نحن ما أصبتموه نحن شغلنا عنكم العدو فهو لنا، وقال الذين كانوا يحرسونه ﷺ لقد رأينا أن نقتل العدو حين منحنا الله أكتافهم، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حينстр. 847
على السواء.
وأمر عليا ﵁ بالصفراء بقتل النضر بن الحارث.
الحواشي
(١) لم يكن له من يمنعه ولكن خفنا على رسول الله ﷺ كرة العدو، فما أنتم بأحق به منا، فنزعه الله تعالى من أيديهم فجعله إلى رسوله وأنزل عليه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَال﴾ [الأنفال: ١] الآية، فقسمه بينهم "على السواء" لفظ الرواية عن بواء بفتح الموحد وخفة والواو وبالمد، أي: على السواء، فأتى المصنف بمعناها؛ لأنه لم يتقيد بها، ورواه أبو عبيد عن فواق، وقال: معناه جعل بعضهم فوق بعض في القسم ممن رأى تفضيله أو يعني سرعة القسم من فواق الناقة. قال السهيلي: ورواية ابن إسحاق أشهر وأثبت عند أهل الحديث، انتهى.
ويرد على تفسيره الأول للفواق ما جاء أن سعد بن معاذ، قال: يا رسول الله! أتعطي فارس القوم الذي يحميهم مثل ما تعطي الضعيف؟ فقال ﷺ : $"ثكلتك أمك وهل تنصرون إلا بضعفائك"، "وأمر" ﷺ "عليا ﵁ بالصفراء" كما ذكره ابن إسحاق ومن لا يحصى، وغلط من قال بعرق الظبية؛ لأن ذاك إنما هو عقبة "بقتل النضر" بضاد معجمة "ابن الحارث" بن علقمة بن كلدة بفتحتين بن عبد مناف بن عبد الدر بن قصي هذا هو الصواب في نسبه، كما ذكره ابن الكلبي والزبير بن بكار وخلق لا يحصون، وغلط ابن منده وأبو نعيم فيه غلطين فاحشين، فقالا: كلدة بن علقمة، وأن النضر شهد حنينا، وأعطاه ﷺ مائة من الإبل وكان مسلم من المؤلفة قلوبهم وعزيا ذلك لابن إسحاق، وهو غلط، فالذي قاله ابن إسحاق وأجمع عليه أهل المغازي والسير، أنه قتل كافرا بعد بدر صبرا، وقد أطنب الحافظ العز بن الأثير وغيره من الحفاظ في تغليظهما والرد عليهما، لكن تعقب كما في الإصابة باحتمال أن يكون له أخ سمي باسمه، فهو الذي ذكرها لا هذا المقتول كافرا، انتهى.
لكن إنما ينهض هذا الاحتمال لو وجد ما نسباه لابن إسحاق فيه، أما حيث لم يوجد فالمتبادر أنه غلط، كما قال الجماعة. نعم قال ابن عبد البر في كتاب المغازي: قد ذكر في المؤلفة النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة أخو النضر بن الحارث المقتول ببدر صبرا وذكر آخرون النضر بن الحارث فيمن هاجر إلى البحبشة، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة؛ لأنه ممن رسخ الإيمان في قلبه وقاتل دونه، لا ممن يؤلف عليه.
وفي قتله تقول قتيلة بضم القاف وفتح الفوقية وسكون التحتية وهي أخته في قول ابن هشام، وتبعه جمع منهم النووي واليعمري وبنته في قول الزبير بن بكار، وتبعه ابن عبد البر والجوهري والذهبي وغيرهم، قال السهيلي: وهو الصحيح وهو كذلك في الدلائل، وذكر أبوстр. 848
ثم مضى ﷺ حتى دخل المدينة قبل الأساري بيوم
الحواشي
(١) عمر أنها أسلمت يوم الفتح وكانت شاعرة محسنة:
يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبغ خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما أن تزال بها النجائب تخفق
مني إليك وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تحنق
هل يسمعني النضر إن ناديته ... أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضن كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن ... بأعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
صبرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق
فيقال إنه ﷺ بكى حتى اخضلت لحيته، وقال: "لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه". وفي رواية الزبير بن بكار: فرق ﷺ حتى دمعت عيناه، وقال: "يا أبا بكر، لو سمعت شعرها ما قتلت أباها"، قال الزبير: سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات، ويقول: إنها مصنوعة. قال ابن المنير: وليس معنى كلامه ﷺ الندم؛ لأنه لا يقول ولا يفعل إلا حقا والحق لا يندم على فعله، ولكن معناه: لو شفعت عندي بهذا القول لقلبت شفاعتها، ففيه تنبيه على حق الشافعة والضراعة ولا سيما الاستعطاف بالشعر، فإن مكارم الأخلاق تقتضي إجازة الشاعر وتبليغه قصده، انتهى.
والأثيل: بمثلثة مصغر أثل موضع. مظنة بفتح الميم وكسر المعجمة وفتح النون المشددة: تخفق تسرع، الواكف: السائل، تحنق بضم النون. والضن: الولد، معرى بفتح الراء وكسرها: العريق المغيظ بفتح الميم وكسر المعجمة وإسكان التحتية وظاء معجمة. وأقرب من أسرت، أي: من أقرب، وإلا فالعباس وغيره أقرب منه.
"ثم مضى ﷺ حتى دخل المدينة قبل الأسارى بيوم" فدخلها من ثنية الوداع، مؤيدا منصورا قد خافه كل عدو له بها وحولها، فأسلم بشر كثير من أهل المدينة، ودخل عبد الله بن أبي في الإسلام ظاهرا، وقالت اليهود تيقنا: إنها لنبي الذي نجد نعته في التوراة، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.стр. 849
فلما قدموا فرقهم بين أصحابه وقال: "استوصوا بهم خيرا".
وقد استقر الحكم في الأساري عند الجمهور أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل إياهم كما فعل ﷺ ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الشافعي وطائفة من العلماء وفي المسألة خلاف مقرر في كتب الفقه والله أعلم.
و.........................
الحواشي
(١) "فلما قدموا فرقهم بين أصحابه، وقال: "استوصوا بهم خيرا" ذكره ابن إسحاق، وزاد: فكان أبو عزيز بن عمير شقيق مصعب بن عمير في الأساري، فقال: مر بي أخي ورجل من الأنصار يأسرني، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، قال: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا.
"وقد استقر الحكم في الأسارى عند الجمهور أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل إياهم، كما فعل ﷺ ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل ببعض أسرى بدر، كأبي العاصي بن الربيع زوج بنته زينب بعثت بقلادة لهاكانت خديجة أدخلتها بها عليه حين بنى بها فلما رآها ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها فافعلوا"، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها، رواه أبو داود وغيره من حديث عائشة، وكذا من على المطلب بن حنطب وقد أسلم كأبي العاصي ﵄، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبي عزة الجمحي وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدًا أبدا، فلم يفعل فقتله ﷺ يوم أحد صبرا، "هذا مذهب الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف مقرر في كتب الفقه، والله أعلم" بالحق.
وذكر أبو عبيد أنه ﷺ لم يفد بعد بدر بمال إنما كان يمن أو يفادي أسيرا بأسير، قال السهيلي: وذلك والله أعلم، لقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية، يعني الفداء بالمال، وإن كان قد أحل ذلك وطيبه، ولكن ما فعله الرسول بعد ذلك أفضل من المن أو المفاداة بالرجال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] الآية، كيف قدم المن على الفداء، فلذلك اختاره رسول الله وقدمه، انتهى.
ومما يتصل بغزوة بدر هلاك أبي لهب فذكره المصنف كغيره، فقال: "و" روى ابن إسحاقстр. 850
لما قدم أبو سفيان بن الحارث، سأله أبو لهب عن خبر قريش. فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله -مع ذلك- ما لمت الناس. لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء.
قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) من حديث عكرمة عن أبي رافع، قال: "لما قدم أبو سفيان بن الحارث" بن عبد المطلب أخو المصطفى من رضاع حليمة، لقي النبي ﷺ وهو سائر إلى غزوة الفتح بالأبواء أو غيرها، فأسلم وشهدها معه وحنينا، وثبت يوم حنين اسمه وكنيته وذكر إبراهيم بن المنذر والزبير بن بكار وجماعة أن اسمه المغيرة، لكن جزم ابن قتيبة وابن عبد البر والسهيلي بأن المغيرة أخوه مات سنة عشرين.
"سأله أبو لهب" عبد العزى "عن خبر قريش" فقال: هلم إلي فعندك الخبر، "قال: والله ما هو" شيء فهو مبتدأ وشيء خبره وما بعد إلا بدل منه، لكن لما حذف الخبر أعطى ما بعد إلا حكمه فصار هو الخبر لفظا، وإن كان بدلا في الأصل، وكذا كل ما حذف فيه المستثنى منه وسبق ما يخرجه عن الإيجاب من نفي نحو: وما محمد إلا رسول، أو نهي نحو: لا تقولوا على الله إلا الحق، أو استفهام إنكاري نحو: فهل يهلك إلا القوم الفاسقون، ولا فرق بين الجملة الاسمية كهذه الأمثلة والفعلية، نحو: ما قام إلا زيد أصله ما قام أحد، حذف الفاعل وأعرب ما بعد إلا بأعرابه.
"إلا أن لقينا" بإسكان الياء "القوم" نصب مفعول ويجوز فتح الياء ورفع القوم، قال البرهان: الأول أحسن، لقوله: فمنحناهم أكتافنا" لينتسق الكلام، يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا" بكسر السين "كيف شاءوا، وايم الله" بهمزة وصل أو قطع، أي: قسمي "مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجال بيض" هكذا رواية ابن إسحاق كما في العيون، وأوردها الشامي: رجالا بيضا، "على خيل بلق بين السماء والأرض، والله لا يقوم لها شيء" والمصنف تصرف في الرواية وحذف منها كثيرا؛ لأنه لم يتقيد بها ولفظها هنا: والله لا تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، بضم الفوقية وكسر اللام وسكون التحتية وقاف، أي: ما تبقي، كما قال أبو ذر في الإملاء. "قال أبو رافع:" أسلم أو إبراهيم، أو صالح، أو هرمز، أو ثابت، أو سنان، أو يسار، أو عبد الرحمن، أو قزمان، أو يزيد، فتلك عشرة كاملة أشهرها الأول، كما قال أبو عمر "مولى رسول الله ﷺ " أسلم قبل بدر وشهد أحدًا وما بعدها، وفتح مصر وزوجه المصطفى مولاته سلمى فولدت له، ومات بالمدينة في أول خلافة علي، كما قال ابن حبان.стр. 851
وكان غلاما للعباس بن عبد المطلب قال: وكان الإسلام قد دخلنا فقلت له: والله تلك الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربت به في رأس أبي لهب وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده.
قال: فوالله ما عاش إلا سبع ليال، حتى رماه الله
الحواشي
(١) قال في التقريب: وهو صحيح، وقال الواقدي: مات قبل عثمان أو بعده بيسير. "وكان غلاما" مملوكا "للعباس بن عبد المطلب" فوهبه للنبي ﷺ فأعتقه لما بشره بإسلام العباس، ومن الموالي النبوية آخر يقال له أبو رافع والد البهي، قيل: اسمه رافع كان عبد السعيد بن العاصي فلما مات أعتق كل بنيه العشرة نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فوهب حصته للنبي ﷺ فأعتقه، فزعم جماعة أنه هو الأول. قال في الإصابة: وهو غلط بين، فالأول كان للعباس، فالصواب أنهما اثنان. "قال: وكان الإسلام قد دخلنا" أهل بيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال، هذا كله قول أبي رافع عند ابن إسحاق.
"فقلت له" وقد سرنا ما جاءنا من الخبر: "والله تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضربني في وجهي ضربة" شديدة، قال: وثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني "فقامت أم الفضل" لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية أخت ميمونة أم المؤمنين قديمة الإسلام، حتى قال ابن سعد: إنها أول امراة أسلمت بعد خديجة، لكن رده في الفتح بأنها وإن كانت قديمة الإسلام لكنها لا تذكر في السابقين، فقد سبقتهما سمية أم عمار وأم أيمن، انتهى. وجزم غيره بأن أول من أسلم بعد خديجة فاطمة بنت الخطاب أخت عمر، كما مر، أنجبت للعباس بنيه الستة النجباء: الفضل، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وقثم، ومعبدا، وأختهم أم حبيب ويقال أم حبيبة بالهاء. ذكر ابن إسحاق في رواية يونس: أنه ﷺ رآها وهي طفلة تدب بين يديه، فقال: "إن بلغت وأنا حي تزوجتها" فقبض قبل أن تبلغ فتزوجها سفيان بن الأسود المخزومي.
"إلى عمود" من عمد الخيمة وكانت جالسة عند أبي رافع بحجرة زمزم "فضربت به في رأس أبي لهب" لفظ الرواية: فضربته به ضربة فلغت في رأسه شجه منكرة، وفلغت بفتح الفاء واللام والغين المعجمة: شدخت، "وقالت: استضعفته أن" بفتح الهمزة، أي: لأن "غاب عنه سيده" وفي نسخة: إذ وهي للتعليل بلا تقدير، "قال" أبو رافع: فقام موليا ذليلا "فوالله ما عاش" صحيحا سليما "إلا سبع ليال" واستمر على ما هو عليه "حتى" إلى أن "رماه الله" ابتلاهстр. 852
بالعدسة، وهي قرحة كانت العرب تتشاءم بها. وقيل إنها تعدي أشد العدوى، فتباعد عنه بنوه حتى قتله الله، وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه. فلما خافوا السبة في تركه حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه.
الحواشي
(١) "بالعدسة" بمهملات مفتوحات آخره تاء تأنيث، "وهي قرحة كان العرب تتشاءم بها، وقيل: إنها" كذا جعله قولا، والذي في تاريخ ابن جرير: كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها "تعدي" بضم أوله "أشد العدوى" أي: تجاوز صاحبها إلى من قاربه، وفي النور: العدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل صاحبها غالبا.
وفي حواشي أبي ذر: قرحة قاتلة كالطاعون، فتباعد عنه بنوه "عتبة ومعتب أسلما يوم الفتح وثبتا يوم حنين، وأختهما درة لها صحبة وهي من المهاجرات، وأما عتيبة المصغر فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام بدعوة النبي ﷺ ، رواه الحاكم وصححه وكان ذلك في حياة أبي لهب، كما رواه أبو نعيم، فتردد البرهان في أنه هلك زمن أبيه أو بعده تقصير، "حتى قتله الله وبقي بخلاف ثأر بعد موته ثلاثا لا تقرب" بالبناء للمفعول ونائبه "جنازته" بكسر الجيم أفصح من فتحها، وهو من إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك، أي: لا يقرب هو فإطلاق الجنازة تجوز من تسمية المطلق باسم المقيد إذ هي الميت في النعش أو النعش وعليه الميت، وكلاهما لا يراد هنا؛ لأنه لم يكن على نعش "ولا يحاول دفنه" لا يفكر فيه ولا يشرع في أسبابه من الحيلة، "فلما خافوا السبة" بضم المهملة وشد الموحدة فتاء تأنيث، أي: العار الذي يلحقهم فيسبون به "في تركه" أي: بسببه، "حفروا له ثم دفعوه بعود في حفرته" وقيل: لم يحفروا له بل دفعوه إلى أن ألصقوه بالحائط، "وقذفوه بالحجار من بعيد حتى واروه" قال اليعمري: ويروى أن عائشة كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها، قال البرهان: الظاهر أن ذلك لنتنه، انتهى.
فكأنه كان يظهر من قبره إهانة له أبدا، ويحتمل أن فعلها ذلك لكونه محل عذاب، كما فعل ﷺ حين مر بالحجر فغطى وجهه بثوبه واستحث راحلته إشارة إلى التباعد عنه، هذا والقبر الذي يرجم خارج باب شبيكة ليس بقبر أبي لهب، كما أفاده البرهان، وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة في الدولة العباسية، فلما أصبح الناس ورأوها كمنوا لهما فأخذا ثم صلبا في هذا الموضع ودفنا واستمرا يرجمان إلى الآن، كما قاله المحب الطبري، وأنه لا أصل لما اشتهر عند المكيين أنه قبر أبي لهب، وقيل: إنه قبر أبي الطاهر القرمطي بكسر القاف والميم، عدو الله الذي قتل الحجيج في المسجد الحرام وطرح القتلى في زمزم واقتلع الحجر الأسود، فابتلي بالجدري فقطع جسده.стр. 853
وقال ابن عقبة: أقام النوح على قتلى قريش شهرا.
الحواشي
(١) "قال ابن عقبة" موسى الإمام الحافظ: "أقام النوح" أي: دام من النائحات "على قتلى قريش شهرا" واستعمال القيام بهذا المعنى مأخوذ من قامت السوق إذا نفقت، على حد ما ذكر البيضاوي في يقيمون الصلاة. وروى ابن إسحاق من مرسل عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشتموا بكم، وقد اقتصر المصنف في هذه الغزوة العظيمة على ما ذكر قصدا للاختصار، وإن كان بسطها يحتمل أضعاف ذلك، والله يهدينا إلى الصواب بجاه النبي ﷺ .стр. 854
" قتل عمير عصماء ":
ثم سرية عمير بن عدي الخطمي، وكانت لخمس ليال بقين من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة، إلى عصماء بنت مروان -زوج يزيد بن زيد الخطمي-
الحواشي
(١) قتل عمير عصماء:
"ثم سرية" إطلاقها على الواحد تجوز لأن فيه خلافا، مر أقله خمسة "عمير بن عدي" بن حرشة الأنصاري، ثم "الخطمي" بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة وميم، نسبة إلى جده خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس الأعمى إمام بني خطمة، وقيل: إنه أول من أسلم منهم، وكان يدعى القارئ صحابي شهير كان ﷺ يزوره، روى عنه ابن عدي وسماه ابن دريد غشمير بمعجمتين قبل الميم، وقال: إنه فعليل من الغشمرة وهي أخذ الشيء بالغلبة، قال الذهبي: وقيل غشمين بنون آخره. قال في الإصابة: صحفه ابن دريد ثم تكلف توجيهه، وإنما هو عمير لا شك فيه ولا ريب. انتهى.
"وكانت لخمس ليال بقين من" شهر "رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة" كذا قاله ابن سعد، وهو منابذ لما مر أن فراغه من بدر كان آخر يوم من رمضان وأول يوم من شوال، نعم هو يأتي على ما مر عن الإمتاع، أنه دخل المدينة ثاني عشر رمضان، وقد ذكره ابن إسحاق بعد قتل أبي عفك وتبعه أبو الربيع، وبعضهم ذكرها بعد قرقرة الكدر، "إلى عصماء" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين والمد "بنت مروان" اليهودية "زوج" بلا هاء أفصح من زوجة، أي: امرأة يزيد بن زيد" بن حصن الأنصاري "الخطمي" الصحابي شهد أحدا وهو والد عبد الله الصحابي وجد عدي بن ثابت لأمه، وقول الاستيعاب في ترجمة عمير بن عدي قتل أخته لشتمها رسول الله ﷺ .стр. 855
وكانت تعيب الإسلام، وتؤذي رسول الله ﷺ فجاءها ليلا، وكان أعمى، فدخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فحبسها بيده، ونحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها، حتى أنقذه من ظهرها. وصلى الصبح معه ﷺ بالمدينة وأخبره بذلك، فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، أي لا يعارض فيها معارض ولا يسأل عنها فإنها هدر.
الحواشي
(١) قال في الإصابة: وهم وخلط قصة بقصة، فإن قاتل أخته عمير بن أمية كما رواه الطبراني وغيره، ولم يقف البرهان على هذا فتوقف في كلام أبي عمر بأنها يهودية وعمير أنصاري، انتهى.
ولا يعارض كونها يهودية نسبة من نسبها إلى بني أمية بن زيد وهو في الأنصار لجواز أنها منهم بالحلف، أو لكون زوجها منهم، أو نحو ذلك.
"و" سبب ذلك أنها "كانت تعيب الإسلام" بفتح فكسر من عاب يستعمل لازما ومتعديا أو بضم ففتح وشد التحتية من عيبه إذا نسبه العيب أو أحدث فيه عيبا، "وتؤذي رسول الله ﷺ " عطف لازم على ملزوم؛ لأن سب الإسلام يلزمه إيذاؤه أو أعم على أخص؛ لأن عيب الإسلام يكون بذكر خلل في الدين وإيذاء المصطفى يكون به وبغيره، وكانت تحرض عليه وتقول الشعر ونافقت لما قتل أبو عفك، وذكر ابن سعد أنه ﷺ لما كان في بدر قالت في الإسلام وأهله أبياتا، فسمعها عمير بن عدي فنذر إذا رد الله رسوله من بدر سالما ليقتلنها، "فجاءها" لما قدم ﷺ وسل سيفه ودخل عليها "ليلا، وكان أعمى" وسماه المصطفى البصير "فدخل عليها بيتها وحولها نفر" بفتحتين، والمراد هنا جماعة "من ولدها نيام" لا بقيد كونهم رجالا ولا ذكورا، لقوله: "منهم من ترضعه" إذ الرضيع لا يتبادر من الرجل وإن أطلق عليه على أحد قولين اللمس لا بقيد كونه باليد فيكون تأسيسا، "ونحى" أبعد"الصبي" الذي ترضعه "عنها" مخافة أن يصيبه شيء فيهلك، "ووضع سيفه على صدرها حتى أنقذه" أي: أخرجه "من ظهرها، ثم" رجع فأتى المسجد و"صلى الصبح معه ﷺ بالمدينة وأخبره بذلك" لما قال له، كما رواه ابن سعد: "أقتلت ابنة مروان"؟ قال: نعم، فهل علي في ذلك من شيء؟ "فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من النبي ﷺ "أي: لا يعارض فيها معارض" ليأخذ بثأرها "ولا يسأل عنها" يطلب بدمها "فإنها هدر" وفي النور: أي أن قتلها هين لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف، انتهى.
وقد تحقق ذلك، فذكر ابن إسحاق وغيره: أن عميرا رجع إلى قومه بعد قتلها فوجد بنيهاстр. 856
قالوا: وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ، الذي لم يسبق إليه ﵊، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى.
وفي أول شوال صلى صلاة الفطر.
الحواشي
(١) وهم خمسة رجال في جماعة يدفنوها، فقال: أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده، لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة وكان يستخفي بإسلامه فيهم من أسلم، وأسلم يومئذ رجال لما رأوا من عز الإسلام، ولكن يعارضه ما وقع في مصنف حماد بن سلمة أنها كانت يهودية وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة، فأهدر صلى لله عليه وسلم دمها ولم ينتطح فيها عنزان، فإن المسجد صريح في ظهور الإسلام قبل ذلك، إلا أن يقال ظهر كل الظهور. وإن المعنى كان الضعيف الذي لم يقدر على الإسلام يستخفي بإسلامه، وأثنى ﷺ على عمير بعد قتله عصماء، فأقبل على الناس، وقال: "من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله، فلينظر إلى عمير بن عدي"، فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذ الأعمى الذي يرى. وفي رواية: بات في طاعة الله، فقال ﷺ : "مه يا عمر، فإنه بصير"، وسماه البصير لما رأى من كمال إيمانه وقوة قلبه في الله حتى قتلها وهدد بنيها وقومها مواجها لهم مع عجزه الظاهر، وكونه قاتلها هو المشهور. وفي الروض: أن زوجها قتلها. وفي رواية أنه ﵇، قال: "ألا رجل يكفينا هذه"؟ فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تبيع التمر، قال: أعندك أجود من هذا التمر؟ قالت: نعم، فدخلت البيت وانكبت لتأخذ شيئا فالتف يمينا وشمالا فلم ير أحدا فضرب رأسها حتى قتلها.
"قالوا" ليس للتبري بل للإشارة إلى شهرته حتى كأنه إجماع "وهذا من الكلام المفرد الموجز البليغ الذي لم يسبق إليه ﵊، وسيأتي لذلك نظائر إن شاء الله تعالى" في المقصد الثالث، وذكر صاحب النور هنا جملة منها: "وفي أول شوال صلى صلاة الفطر" وهذا مع ما مر يعطي أنه صلاها ببدر، وذكر ابن سعد بأسانيد الواقدي أنه ﷺ خرج إلى المصلى وحملت العنزة بين يديه وغرزت في المصلى وصلى إليها صلاة الفطر، والله أعلم.стр. 857
" غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر ":
وفي أول شوال أيضا -وقيل بعد بدر بسبعة أيام،
الحواشي
(١) غزوة بني سليم وهي قرقرة الكدر:
"وفي أول شوال أيضا، وقيل: بعد بدر بسبعة أيام" وبه جزم ابن إسحاق ومن تبعه، وتقدمстр. 858
وقيل في نصف المحرم سنة ثلاث -خرج ﵊ يريد بني سليم. فبلغ ماء يقال له الكدر، وتعرف بغزوة قرقرة، وهي أرض ملساء.
والكدر: طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع.
فأقام بها ﵊ ثلاثا، وقيل عشرا، فلم يلق أحدا
الحواشي
(١) قوله: فرغ من بدر في آخر رمضان وأول شوال، ويمكن أن لا تنافي بين القولين، "وقيل: في نصف المحرم سنة ثلاث" وبه جزم ابن سعد وابن هشام "خرج ﵊" في مائتي رجل "يريد بني سليم" بضم المهملة وفتح اللام، "فبلغ ماء يقال له الكدر" بضم الكاف وسكون المهملة؛ لأنه كما ذكر ابن إسحاق وابن سعد وابن عبد البر وابن حزم: بلغه ﷺ أن بهذا الموضع جمعا من بني سليم وغطفان، "وتعرف" غزوة بني سليم بالكدر "بغزوة ذي قرقرة" بفتح القافين. وحكى البكري ضمهما، قال الدميري وغيره: والمعروف فتحهما بعد كل قاف راء أولاهما ساكنة، ثم تاء تأنيث. قال ابن سعد: ويقال قرارة الكدر، وفي الصحاح: قراقر، وإن عرف ما حكاه البكري يكون أربعة. "وهي أرض ملساء والكدر" كما قال السهيلي وابن الأثير وغيرهما "طير في ألوانها كدرة عرف بها ذلك الموضع" الذي هو قرقرة لاستقرار هذه الطيور به، فهما غزوة واحدة، وتبع المصنف على ذلك تلميذه الشامي، فقال: غزوة بني سليم بالكدر، ويقال لها: قرقرة الكدر، وجعلهما اليعمري غزوتين، وجعل شيخه الدمياطي غزوة بني سليم هي غزوة نجران الآتية، ويجي قول المصنف فيها وتسمى غزوة بني سليم.
"فأقام بها ﵊ ثلاثا" قاله ابن إسحاق والجماعة "وقيل: عشرا، فلم يلق أحدًا" من سليم وغطفان الذين خرج يريدهم في المحال، وذكر ابن إسحاق والجماعة أنه أرسل نفرا من أصحابه في أعلى الوادي، واستقبلهم ﷺ في بطن الوادي فوجد رعاة، بالكسر جمع راع فيهم غلام يقال له يسار، بتحتية ومهملة، فسأله عن الناس، فقال: لا علم لي بهم، إنما أرود لخمس وهذا يوم ربعي والناس قد ارتفعوا في المياه، ونحن عزاب في النعم، فانصرف ﷺ وقد ظفر بالنعم فانحدر بها إلى المدينة واقتسموا غنمائهم بصرار على ثلاثة أميال من المدينة وكانت خمسمائة بعير، فأخرج خمسه وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كل رجل منهم بكران، وكانوا مائتي رجل وصار يسار في سهمه ﷺ فأعتقه لأنه رآه يصلي، أي: لأنه أسلم بعد الأسر وتعلم الصلاة من المسلمين، واستشكل بأنه لما أسلم لم يقم به رق، فلا يكون غنيمة فكيف وقع في سهم؟ وأجيب: بأن إسلامه إنما يعصم دمه ويخير الإمام فيه بين الرق والفداءстр. 859
وكانت غيبته ﵇ خمس عشرة ليلة، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقيل ابن أم مكتوم. وحمل اللواء علي بن أبي طالب ﵁.
وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق.
الحواشي
(١) والمن بلا شيء، فيجوز أنه ﷺ اختار رقه بعد علمه بإسلامه أو قبله ثم صار في سهمه حين القسمة، فأعتقه لرؤيته يصلي. وخمس بكسر المعجمة: من أظماء الإبل أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، وقد أخمس الرجل، أي: وردت إبله خمسا. ومياه بالهاء، وغلط فيه بعض المدرسين فقاله بالتاء. وصرار بكسر المهملة وراء مهملة مخففة فألف فراء ثانية، كما قيده الدارقطني وغيره للحموي والمستملي بضاد معجمة وهو وهم، كما في المطالع: موضع قريب من المدينة. وقيل: بئر قديمة على ثلاثة أميال منها من طريق العراق.
"وكانت غيبته ﵇" كما قال ابن إسحاق والجماعة: "خمس عشرة ليلة" قال ابن إسحاق وغيره: وأقام بالمدينة شوالا وذا القعدة وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش "واستخلف على المدينة سباع" بمهملة مكسورة فموحدة فألف فمهملة "ابن عرفطة" بمهملة مضمومة فراء ساكنة ففاء مضمومة فطاء مهملة، الغفاري ويقال له الكناني، الصحابي الشهير، واستعمله عليها أيضا عام خيبر، فجاء أبو هريرة وصلى خلفه الصبح، "وقيل" وبه جزم ابن سعد وابن هشام: استخلف عليها "ابن أم مكتوم" عمرا على الأكثر، وقيل: عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي العامري، والصحيح الأول.
ففي مسلم: أنه ﷺ سماه عمرا في حديث فاطمة بنت قيس وأم مكتوم لم تسلم، واسمها عاتكة بنت عبد الله، وجمع بينهما بأنه استخلف سباعا للحكم، وابن مكتوم للصلاة على عادته في استخلافه للصلاة.
"وحمل اللواء" وكان أبيض، كما عند الجماعة "علي بن أبي طالب ﵁، وذكرها ابن سعد بعد غزوة السويق" ضرورة جزمه بأنها في المحرم سنة ثلاث، وأن غزوة السويق في ذي الحجة، وكأنه وجه جعل اليعمري لهما غزوتين؛ لأن الكدر بعد بدر وقرقرة بعد السويق، فترجم هنا غزوة بني سليم، وذكر فيها ما حاصله: أنه بلغ ماء يقال له الكدر، فأقام عليه ثلاثا، ثم رجع ولم يلق كيدا، ثم بعد السويق ترجم غزوة قرقرة الكدر، وساق فيها القصة بتمامها من طريق ابن سعد، فعليه يكون غزا بني سليم مرتين، مرة وصل فيها لذلك الماء فلم يجد شيئا من النعم، ومرة وصل فيها تلك الأرض ووجد فيها النعم، والله أعلم.стр. 860
" قتل أبي عفك اليهودي ":
ثم سرية سالم بن عمير إلى أبي عفك اليهودي -وكان شيخا كبيرا، قد بلغ عشرين ومائة سنة-وكان يحرض على النبي ﷺ ، ويقول فيه الشعر، فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، فصاح عدو الله أبو عفك، فثار إليه أناس ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله فقتل.
الحواشي
(١) قتل أبي عفك اليهودي:
"ثم" في شؤال أيضا "سرية سالم بن عمير" ويقال ابن عمرو، وقال ابن عقبة: سالم بن عبد الله بن ثابت الأنصاري الأوسي أحد بني عمرو بن عوف، العقبي شهد بدرا والمشاهد، أحد البكائين، مات في آخر خلافة معاوية ﵄.
"إلى أبي عفك" بفتح المهملة والفاء الخفيفة وكاف، يقال: رجل أعفك بين العفك، أي: أحمق، "اليهودي" من بني عمرو بن عوف "وكان شيخا كبيرا قد بلغ" من السن "عشرين ومائة سنة، وكان يحرض" يحث ويحمل الناس "على" قتال "النبي ﷺ ويقول فيه الشعر" يهجوه به، فقال ﷺ كما عند ابن سعد وغيره: "من لي بهذا الخبيث"؟ فقال سالم: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة، بكسر المعجمة وشد الراء المفتوحة: غفلة، حتى كانت ليلة صائفة، أي: حارة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم سالم به، "فأقبل إليه سالم ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش" دخل "في الفراش فصاح عدو الله أبو عفك فثار" بمثلثة وراء، كذا في النسخ.
والذي في العيون والسبل عن ابن سعد: فثاب بمثلثة وموحدة، أي: اجتمع وهو أولى؛ لأن ثاب لغة اجتمع ورجع فأطلق على أحد استعماليه فإنه لازم لمعنى ثاب لا مدلوله، "إليه أناس ممن هم على قوله" في موافقته على الكفر والتحريض "فأدخلوه منزله فقتل" أي: مات، ولفظ ابن سعد: فأدخلوه منزله وقبروه، وعند غير ابن سعد: فقالت أمامة المريدية في ذلك:
تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمر والذي أمناك أن بئس ما يمنى
حباك حنيف آخر الليل طعنة ... أبا عفك خذها على كبر السن
أمامة بضم أوله، ويقال: أسامة المريدية بضم الميم وكسر الراء، كما في التبصير كأصله الذهبي. وقال في الألقاب: بفتحها فتحتية ساكنة فدال مهملة فتحتية مشددة نسبة إلى مريد بطن من بلى صحابية ﵄، ولعمر والذي أمناك، أي: وحياة الذي أنشأك. وحباك بموحدة: أعطاك وحنيف: مسلم.стр. 861
وكانت هذه السرية في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة.
الحواشي
(١) "وكانت هذه السرية" فيه تجوز، كما مر، "في شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة" قاله ابن سعد. قال اليعمري: وكان أبو عفك ممن نجم، أي: ظهر نفاقه حين قتل ﷺ الحارث بن سويد بن الصامت، وتوقف فيه البرهان بأنه قتل بعد أحد، كما قال ابن إسحاق: قال: إلا أن هذا ليس عن ابن إسحاق، انتهى والله أعلم.стр. 862
غزوة بني قينقاع:
ثم غزوة بني قينقاع -بتثليث النون، والضم أشهر- بطن من يهود المدينة، لهم شجاعة وصبر.
وكانت يوم السبت نصف شوال، على رأس عشرين شهرا من الهجرة.
وقد كانت الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام:
قسم وادعهم ﷺ على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبنو قينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة كقريش.
الحواشي
(١) "ثم غزوة بني قينقاع":
بفتح القافين وسكون التحتية و"بتثليث النون" كما حكاه ابن قرقول وغيره، "والضم أشهر" كما أفاده الحافظ وغيره "بطن من يهود المدينة" قال في الوفاء: منازلهم عند جسر بطحان مما يلي العالية، وفي الصحيح عن ابن عمر: وهم رهط عبد الله بن سلام، "لهم شجاعة وصبر" هو لازم للشجاعة، قيل: كانوا أشجع اليهود وأكثرهم مالا وأشدهم بغيا، "وكانت" كما قال ابن سعد: "يوم السبت نصف شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة" النبوية "وقد كانت الكفار،" كما أفاده الحافظ في غزوة بني النضير "بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام، قسم وادعهم" صالحهم "﵊ على أن لا يحاربوه ولا يؤلبوا" يحرضوا "عليه" على قتاله "عدوه"، وقيل: على أن لا يكونوا معه ولا عليه، وقيل: على أن ينصروه ممن دهمه من عدوه، "وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة" بالظاء المعجمة المشالة، "والنضير، وبنو قينقاع،" فنقض الثلاثة العهد، فمكن الله رسوله منهم فقتل قريظة وأجلى الأخيرين.
"وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، كقريش" فنصره الله عليهم، فقتل سبعين وأسر سبعين ببدر، وقتل في أُحد اثنين وعشرين منهم أهل اللواء بنو عبد الدار وأبي بن خلف، وفي الخندقстр. 863
وقسم تركوه، وانتظروا ما يؤول إليه أمره، كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة. وبالعكس كبني بكر. ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، وهم المنافقون.
وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع، فحاربهم ﵊ في شوال بعد وقعة بدر. قال الواقدي بشهر.
وأغرب الحاكم، فزعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بني
الحواشي
(١) عمرو بن عبدود، وغيره، حتى فتح مكة فصار أعظمهم عليه أحوجهم إليه، ثم في حجة الوداع لم يبق قرشي إلا أسلم وصاروا كلهم أتباعه، ولله الحمد.
"وقسم تركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره" فإن آل إلى النصر والظفر بقريش تبعوه وإلا تبعوهم، "كطوائف من العرب" إلا أن هذا القسم ليسوا سواء بل "منهم من كان يحب ظهوره في الباطن، كخزاعة" ولذا دخلوا في عقده وعهده عام الهدنة ولما استنصروه ﷺ حين غارت عليهم بنو بكر، قال: "لا نصر إن لم أنصركم"، "وبالعكس، كبني بكر" ولذا دخلوا في عهد قريش وعقدهم سنة الحديبية، "ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا، وهم المنافقون" فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، "وكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع" ثم النضير، ثم قريظة، "فحاربهم ﵊ في شوال" أي: نصفه على ما مر "بعد وقعة بدر" وهذا كله لفظ الحافظ في الفتح في أول غزوة بني النضير، ثم قال فيه بعد قليل: "قال الواقدي: "أجلاهم في شوال سنة اثنتين، يعني بعد بدر "بشهر" ويؤيده ما روى ابن إسحاق بسند حسن عن ابن عباس، قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر جمع يهود في سوق قينقاع، فقال: "يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا"، فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قتلناك لعرفت إنا الرجال، فأنزل الله عالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] إلى قوله ﴿لِأُولِي الْأَبْصَار﴾ [آل عمران: ١٣] الآية، انتهى لفظ الفتح.
فأفاد أن المحاربة بعد بدر بنصف شهر، والإجلاء بعد بدر بشهر، وهو ظاهر؛ لأنه حاصرهم نصف شهر. وأما عبارة المصنف ففيها قلاقة، لجزمه بأنها نصف شوال وأن الفراغ من بدر أوله فينا في نقله هنا عن الواقدي أن الحرب بعد بدر بشهر، وأيضا فالواقدي لم يقل ذلك، إنما قال: أجلاهم في شوال سنة اثنتين. فقال الحافظ: يعني بدر بعد شهر، فاختلط على المصنف ﵀ الحرب بالإجلاء.
"وأغرب الحاكم" جاء بقول غريب لا يعرف، زعم أن إجلاء بني قينقاع وإجلاء بنيстр. 864
النضير كانا في زمن واحد، ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر، على قول عروة، أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق.
وكان من أمر بني قينقاع، أن امرأة من العرب جلست إلى صائغ يهودي، فراودها على كشف وجهها، فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع.
فسار إليهم النبي ﷺ بعد أن استخلف أبا لبابة
الحواشي
(١) النضير كانا في زمن واحد" حيث قال: هذه وغزوة بني النضير واحدة، وربما اشتبها على من لا يتأمل، "ولم يوافق على ذلك؛ لأن إجلاء بني النضير كان بعد بدر بستة أشهر على قول عروة" بن الزبير وعمل عليه البخاري، "أو بعد ذلك بمدة طويلة على قول ابن إسحاق" أنها بعد أحد، ونصره ابن كثير بأن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير. وفي الصحيح: أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا، فدل على أنها كانت حلال حينئذ، وإنما حرمت بعد ذلك، ويأتي مزيد لذلك في غزوتها، إن شاء الله.
"وكان" كما رواه ابن هشام "من أمر بني قينقاع أن امرأة" قال البرهان: لا أعرف اسمها، "من العرب" وفي الإمتاع أنها كانت زوجة لبعض الأنصار، أي: من العرب فلا ينافي أن الأنصار بالمدينة. وفي الرواية: أنها قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، "وجلست إلى صائغ يهودي" لا أعرف اسمه، والظاهر أنه من قينقاع، قاله البرهان.
"فراودها على كشف وجهها" أراد منها ذلك، ولفظ الرواية عند ابن هشام: فجعلوا يريدونها على كشف وجهها "فأبت فعمد" بفتح الميم وتكسر: الصائغ "إلى طرف" بفتح الراء "ثوبها" من ورائها "فعقده" ضمه "إلى ظهرها" وخله بشوكة "فلما قامت انكشفت سوأتها" هو لفظ رواية ابن هشام، أي: عورتها "فضحكوا منها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه" فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون "ووقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع" وذكر ابن سعد أنهم لما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد والمدة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] الآية، فقال ﷺ : "أنا أخاف من بني قينقاع"!! "فسار إليهم النبي ﷺ بعد أن استخلف" على المدينة "أبا لبابة"стр. 865
ابن عبد المنذر.
فحاصرهم أشد الحصار، خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرية.
فأمر ﵊ المنذر بن قدامة بتكتيفهم.
وكلم عبد الله بن أبي سلول رسول الله ﷺ فيهم، وألح عليه من أجلهم.
الحواشي
(١) بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة، أو رفاعة، ووهم من سماه مروان "ابن عبد المنذر" الأنصاري الأوسي المدني أحد النقباء عاش إلى خلافة علي، فحاربوا وتحصنوا في حصنهم "فحاصرهم أشد الحصار خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة،" بفتح القاف وكسرها "وكان اللواء بيد حمزة بن عبد المطلب وكان أبيض،" قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ، "فقذف الله في قلوبهم الرعب" الخوف "فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ على أن له أموالهم وأن لهم النساء والذرية، فأمر ﵊ المنذر بن قدامة" السلمي الأوسي البدري "بتكتيفهم" مصدر كتفه بالتشديد للمبالغة، والأصل التخفيف، أي: بشد أيديهم خلف أكتافهم موثقا بحبل ونحوه، قال ابن هشام: فكتفوا وهو يريد قتلهم فمر بهم ابن أُبي فأراد أن يطلقهم، فقال له المنذر: أتطلق أقواما أمر النبي ﷺ بربطهم، والله لا يفعله أحد إلا ضربت عنقه.
"وكلم عبد الله بن أبي بن سلول" رأس المنافقين "رسول الله ﷺ فيهم" لما أراد قتلهم وهذا مشكل؛ إذ مقتضى نزولهم على أن لهم النساء والذرية أنهم نزلوا بأمان، ولا يتصور من المصطفى غدر إلا أن يقال نزولهم على حكمه لا يقتضي موافقته لهم، كما نزل بنو قريظة على حكم سعد، فحكم فيهم بحكم الله. "وألح عليه من أجلهم" فقال، كما ذكر ان هشام وابن سعد وغيرهما: يا محمد! أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج فأبطأ عليه ﷺ ،، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ من خلفه وكان يقال لها ذات الفضول، فقال ﷺ : "ويحك أرسلني" وغضب ﵇ حتى رأوا وجهه ظلالا جمع ظلة وهي السحابة استعيرت لتغير وجهه الكريم لما اشتد غضبه، ويروى ظلالا جمع ظلة أيضا كبرمة وبرام ومهما بمعنى، كما في الروض، ثم قال: "ويحك أرسلني"، قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر بمهملتين، أي: لا درع معه وثلاثمائة دراع وقد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر،стр. 866
فأمر ﵊ أن يحلوا من المدينة، وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات. فما كان أقل بقاءهم فيها. وأخذ من حصنهم سلاحا وآلة كثيرة.
وكانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي، وعبادة بن الصامت، فتبرأ عبادة من حلفهم، فقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله أنزل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الَْالِبُون﴾ [المائدة: ٥٦] .
الحواشي
(١) فقال ﷺ : "وهم لك"، "فأمر ﵊ أن يحلوا" من كتافهم، فقال: "حلوهم لعنهم الله ولعنه معهم"، "وتركهم من القتل، وأمر أن يجلوا" بالجيم مبني للمفعول، أي: يخرجوا "من المدينة" قال ابن سعد: وولى إخراجهم عبادة بن الصامت، وقيل: محمد بن مسلمة ولا مانع أنهما اشتركا في إخراجهم، "فلحقوا بأذرعات" بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الراء فمهملة وبالصرف: بلدة الشام "فما كان" زائدة "أقل بقاءهم فيها" قيل: لم يدر عليهم الحول "وأخذ من حصنهم سلاحا وآلة كثيرة" وكان الذي ولي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، قاله ابن سعد، فأخذ ﷺ خمسة وفض أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أول ما خمس بعد بدر، ووقع عند ابن سعد: أخذ صفية الخمس، وتوقف فيه اليعمري بأن المعروف الصفي غير الخمس، فعند أبي داود عن الشعبي: كان له ﷺ سهم يدعى الصفي قبل الخمس. وعن عائشة: كانت صفية من الصفي، قال: فلا أدري أسقطت الواو أو كان هذا قبل حكم الصفي، انتهى.
"و" أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت، قال: "كانت بنو قينقاع حلفاء لعبد الله بن أبي وعبادة بن الصامت فتبرأ عبادة ﵁ من حلفهم" بكسر المهملة وإسكان اللام، حين قال ﷺ لما رأى من فعلهم القبيح: "ما على هذا أقررناهم"، "فقال: يا رسول الله أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف" جميع "الكفار وولايتهم" أو هو تأكيد لما قبله من إقامة الظاهر مقام المضمر، وفائدته التشنيع عليهم بالكفر، "ففيه وفي عبد الله" بن أبي "أنزل" الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] الآية، فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١] ، إيماء إلى علة النهي، أي: فإنهم متفقون على خلافكم يولي بعضهم بعض لاتحادهم في الدين واجتماعهم على مضادتكم من يتولهم منكم فإنه منهم، تشديد في وجوب مجانبتهم "إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُون﴾ " [المائدة: ٥٦] الآية، أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، وكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان، وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم، قاله البيضاوي.стр. 867
غزوة السويق:
ثم غزوة السويق في ذي الحجة، يوم الأحد لخمس خلون منها، على رأس اثنين وعشرين شهرا، من الهجرة، وقال ابن إسحاق في صفر.
وسميت: غزوة السويق؛ لأنه كان أكثر زاد المشركين، وغنمه المسلمون. واستخلف أبا لبابة على المدينة.
وكان سبب هذه الغزوة أن أبا سفيان حين رجع بالعير من بدر إلى مكة نذر
الحواشي
(١) ثم غزو السويق:
هو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن فيتزود به ملتوتا بماء أو سمن أو عسل أو وحده بالسين، قال ابن دريد: وبنو العنبر يقولونه بالصاد، وفي الجمهرة بنو تميم، ولا خلف فالعنبر هو عمرو بن تميم، وكانت "في ذي الحجة" بفتح الحاء وكسرها "يوم الأحد لخمس" من الليالي "خلون منها على رأس اثنين وعشرين شهرا من الهجرة" قاله ابن سعد، "وقال ابن إسحاق: في صفر" بمنع الصرف؛ لأنه أريد من سنة بعينها ففيه العلمية والعدل عن الصفر، وانتقد صاحب الخميس المصنف بأن الذي في ابن هشام عن البكائي عن ابن إسحاق أن رخوجه إنما كان في ذي الحجة، وهو كما قال، وكذا نقل عن اليعمري وغيره، يحمل أنها رواية غير البكائي؛ لأن رواة سيرة ابن إسحاق جماعة، وفيها اختلاف بالزيادة والنقص، وقد ذكر بعض أهل السير أن هذه الغزوة في سنة ثلاث، فيصح كونها في صفر.
"وسميت غزوة السويق لأنه كان أكثر زاد المشركين" فكانوا يلقونه للتخفيف "وغنمه" بفتح الغين وكسر النون "المسلمون" أي: استفادوه وأخذوه بلا عوض، لكن فيه مجاز إذ الغنيمة، كما قال أبو عبيدة: ما نيل من أهل الشرك والحرب قائمة، والفيء ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها. "واستخلف أبا لبابة" بشير أو رفاعة أو مبشر بن عبد المنذر بن زنبر بفتح الزاي والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء، "على المدينة، وكان سبب هذه الغزوة" كما عند ابن إسحاق وغيره: "أن أبا سفيان" صخر بن حرب "حين رجع بالعير من بدر إلى مكة" ورجع فل قريش من بدر بفتح الفاء وشد اللام، أي: منهزموهم "نذر" أن لا يمس رأسه ماء من جنابة، هكذا الرواية عن ابن إسحاق قال مغلطاي: كنى بحلفه عن أن لا يمس النساء والطيب، فاقتصرстр. 868
أن لا يمس النساء والدهن حتى يغزو محمدا ﵊ فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه، حتى أتوا العريض -ناحية من المدينة على ثلاثة أميال-
الحواشي
(١) المصنف على تفسير الرواية، فقال: "أن لا يمس النساء والدهن" لأنه لم يتقيد بها أو هي رواية أخرى وردت باللفظ أو بالمعنى، "حتى يغزو محمدًا ﵊" ليأخذ بثأر المشركين الذين قتلوا ببدر.
واستدل به السهيلي على أن غسل الجنابة كان في الجاهلية لبقية من دين إبراهيم وإسماعيل كالحج والنكاح، ولذا سموها جنابة لمجانبتهم البيت الحرام وموضع حرماتهم، أطلق في ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] بخلاف الوضوء فلم يعرف قبل الإسلام، فبين بقوله: اغسلوا وجوهكم ... إلخ، "فخرج في مائتي راكب" وقيل: أربعين "من قريش ليبر" بضم التحتية النجدية حتى نزل صدر قناة إلى جبل يقال له نيب على بريد من المدينة أو نحوه، ثم خرج حتى أتى بني النضير تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه، فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له وقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب ليلته حى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش، فساروا "حتى أتوا العريض" بضم المهملة وفتح الراء وإسكان التحتية وضاد معجمة: "ناحية من المدينة على ثلاثة أميال" وفي النور: إنه واد بالمدينة به أموال لأهلها، انتهى.
ففي سياق ابن إسحاق هذا الذي ذكرته أن أبا سفيان لم يأت العريض معهم خلاف ما يفيده المصنف، وقناة بفتح القاف وخفة النون: واد بالمدينة. ونيب بنون فتحتية فموحدة، قال البرهان: كذا في نسختي، أي: في العيون أصولها ولم أره فلعله تصحيف يتيب بفتح التحتية وكسر الفوقية وسكون التحتية فموحدة بوزن يغيب: جبل بالمدينة، ذكره القاموس، أو هو تيت بفوقيتين أولاهما مفتوحة بينهما تحتية ساكنة أو مشددة كميت جبل قرب المدينة، ذكره في الذيل والقاموس، انتهى ملخصا.
والذي يظهر أن ذا الأخير هو المراد لقوله على بريد أو نحوه من المدينة، أو لأن الرسم لا يخالفه يتيب الذي بزنة يغيب، وحيي بمهملة مصغر، وأخطب بخاء معجمة، وسلام بالتشديد ويخفف، ومشكم بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف، وقراه: أضافه وسقاه، أي: الخمر، كما قال أبو سفيان:стр. 869
فحرقوا نخلا وقتلوا رجلا من الأنصار. فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه، فانصرف بقومه راجعين.
وخرج ﵊ في طلبهم، في مائتين من المهاجرين والأنصار، وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق -وهي عامة أزوادهم- يتخففون للهرب، فأخذا المسلمون، ولم يلحقهم ﵊، فرجع إلى المدينة.
وكانت غيبته خمسة أيام.
الحواشي
(١) سقاني فرواني كميتا مدامة ... على ظمأ مني سلام بن مشكم
"فحرقوا" بخفة الراء وشدها مبالغة "نخلا" صغارا، كما دل عليه قوله في الرواية: فحرقوا في أصوار من نخل، بفتح الهمزة الصاد المهملة وراء: نخل مجتمع صغار، كما في الصحاح.
"وقتلوا رجلا من الأنصار" زاد في رواية: وحليفا لهم، قال البرهان: ولا أعرفهما وفيه تقصير فقد ذكر الواقدي أن الأنصاري معبد بن عمرو "فرأى أبو سفيان أن قد انحلت يمينه" بقتل الرجلين وحرق الأصور، "فانصرف بقومه راجعين" إلى مكة ونذر الناس، بفتح النون وكسر الذال المعجمة: علموا بهم "وخرج ﵊ في طلبهم في مائتين من المهاجرين والأنصار" وعند مغلطاي: في ثمانين راكبا، وجمع البرهان بأن الركبان ثمانون وكل الجيش مائتان، "وجعل أبو سفيان وأصحابه يلقون جرب السويق" بضمتين جمع جراب، ككتاب وكتب، ولا يفتح مفرده أو هو لغية، فيما حكاه حياض وغيره، كما في القاموس، ويجمع أيضا على أجربه. "وهي عامة أزوادهم" أي: أكثرها أو جميعها من عمه بالعطاء إذا شمله، "يتخففون للهرب" خوفا ممن نصر بالرعب "فيأخذها المسلمون" ولذا سميت غزوة السويق، كما مر "ولم يلحقهم ﵊، فرجع إلى المدينة وكان غيبته خمسة أيام" بيومي الخروج والرجوع فدخوله يوم التاسع بدليل صلاة العيد وأن خروجه لخمس خلون من الحجة، أو دخل ليلا أو أول يوم العيد، وأدركه قبل الزوال، وعند ابن إسحاق: وقال المسلمون حين رجعوا: يا رسول الله!! أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ قال: "نعم"، وأورد ابن هشام وتبعه أبو الربيع في الاكتفاء: هذه الغزوة قبل بني قينقاع، وعند بعض أهل العلم والسير أنها في سنة ثلاث.стр. 870
" ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة ":
وفي ذي الحجة ﷺ العيد وأمر بالأضحية.
وفيه مات عثمان بن مظعون.
وفي أول شوال ولد عبد الله بن الزبير.
تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله ذكر تزويج علي بفاطمة رضي الله تعالى عنهما.
الحواشي
(١) ذكر بعض وقائع ثانية الهجرة:
"وفي ذي الحجة صلى رسول الله ﷺ العيد" بالمصلى وضحى بكبشين، "وأمر" الناس "بالأضحية" وهو أول عيد أضحى رآه المسلمون، "وفيه مات عثمان بن مظعون" بالظاء المعجمة ابن حبيب القرشي الجمحي البدري، وقبله النبي ﷺ بعد موته وعيناه تذرفان ودفنه بالبقيع، وهو أول ميت من المهاجرين وأول من دفن به منهم، ولما مات ولده إبراهيم، قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون".
وقد علم أن غرض المصنف بيان بعض وقائع السنة الثانية وإن لم تتعلق بالمغازي، ولذا قال: "وفي أول شوال" سنة اثنتين بعد عشرين شهرا، فيما جزم به الواقدي وتبعه جمع، منهم: ابن الأثير والذهبي. "ولد عبد الله بن الزبير" قال الحافظ: والمعتمد أنه ولد في السنة الأولى؛ لأن هجرة أمه أسماء وعائشة وآل الصديق كانت بعد استقراره ﷺ بالمدينة، فالمسافة قريبة جدا لا تحتمل تأخر عشرين شهرا، بل ولا عشرة أشهر، وقد ثبت في الصحيحين عن أسماء أنها هاجرت وهي حبلى به متم فولدته بقباء، ثم أتت به النبي ﷺ فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله ﷺ ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه، وكان أول مولود ولد في الإسلام.
وزاد الإسماعيلي: ففرح المسلمون فرحا شديدا؛ لأن اليهود كانوا يقولون: قد سحرناهم حتى لا يولد لهم. وللإسماعيلي أيضا: أنها لم ترضعه حتى أتت به النبي ﷺ ، فذكر نحوه. وزاد: ثم صلى عليه، أي: دعا له، ثم سماه عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة، وولد لهم بالحبشة عبد الله بن جعفر، وأول مولود للأنصار بعد الهجرة مسلمة بن مخلد، رواه ابن أبي شيبة. وقيل: النعمان بن بشير، انتهى ملخصا.стр. 871
" ذكر تزويج علي بفاطمة ﵄ ":
وفي هذه السنة تزوج علي ﵁، بفاطمة ﵂ كما قاله الحافظ مغلطاي وغيره.
وقال الطبري في كتابه "ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى": تزوجها في صفر في السنة الثانية، وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ.
وقال أبو عمر بعد وقعة أحد، وقال غيره: بعد بنائه ﷺ بعائشة
الحواشي
(١) ذكر تزويج علي بفاطمة ﵄:
"وفي هذه السنة" الثانية من الهجرة، "تزوج علي ﵁ بفاطمة ﵂" الزهراء البتول، أفضل نساء الدنيا، حتى مريم، كما اختاره المقريزي والزركشي والقطب الخيضري والسيوطي في كتابيه، شرح النقاية وشرح جمع الجوامع، بالأدلة الواضحة التي منها أن هذه الأمة أفضل من غيرها. والصحيح أن مريم ليست نبية، بل حكي الإجماع على أنه لم تنبأ امرأة، وقد قال صلى الله عليه ولسلم: "مريم خبير نساء عالمها وفاطمة خير نساء عالمها"، رواه الحارث في مسنده والترمذي، بنحوه. وقال ﷺ : "يا بنية، ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين"؟، قالت: يا أبت، فأين مريم؟ قال: "تلك سيدة نساء عالمها"، رواه ابن عبد البر، وبسط ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الثاني.
وقد أخرج الطبراني بإسناد على شرط الشيخين. قالت عائشة: ما رأيت أحدا قط أفضل من فاطمة غير أبيها. "قاله الحافظ مغلطاي وغيره" وفيه إجمال بينه بقوله: "وقال الطبري" أحمد بن عبد الله الحافظ محب الدين المكي، "في كتابه ذخائر العقبى" بالمعجمة، جمع ذخيرة، "في مناقب ذوي القربى" للنبي ﷺ : "تزوجها" أي: عقد عليها "في صفر". وفي الإصابة: في أوائل المحرم، "في السنة الثانية" وفي الخميس عقد عليها في رجب، على الأصح، وقيل: في رمضان. "وبنى بها في ذي الحجة على رأس اثنين وعشرين شهرا من التاريخ" للهجرة. "وقال أبو عمر" ابن عبد البر "بعد وقعة أحد": ووقعتها في شوال سنة ثلاث، اتفاقا ورده في الإصابة، بأن حمزة استشهد بأحد. وقد ثبت في الصحيحين قصة الشارفين لما ذبحهما حمزة، وكان علي أراد أن يبني بفاطمة، انتهى.
"وقال غيره": عقد عليها "بعد بنائه ﷺ بعائشة"، الواقع في شوال سنة اثنين أو بعد سبعةстр. 872
بأربعة أشهر ونصف، وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف.
وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر -أو ستة أشهر ونصف- وسنة يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر. ولم يتزوج عليها حتى ماتت.
وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة إلى النبي ﷺ فسكت ولم يرجع إليهما شيئا
الحواشي
(١) أشهر من الهجرة، وقولان ذكرهما المصنف في الزوجات "بأربعة أشهر ونصف" فيكون العقد في نصف صفر سنة اثنين، أن حسب شهر بنائه بعائشة من المدة، "وبنى بها بعد تزويجها بسبعة أشهر ونصف" فيكون في شوال، فيوافق قول أبي عمر أنه بعد أحد، فهذا القول كما ترى غير قائل بأن البناء في الحجة، حتى يقال عليه العقد في أوائل جمادى الأولى كما وهم. "وتزوجها وهي ابنة خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، أو ستة أشهر ونصف" شهر، والقولان مبنيان على نقل أبي عمر عن عبيد الله بن محمد بن جعفر الهاشمي، أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد أبيها ﷺ .
أما على ما رواه الواقدي عن العباس، وجزم به المدائني وابن الجوزي، أنها ولدت قبل النبوة بخمس سنين، فتكون ابنة تسع عشر سنة وشهر ونصف "وسنة"، أي: "يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر"، بناء على قول عروة الذي ضعفه أبو عمر، أنه أسلم وهو ابن ثمان سنين، أما على قول ابن إسحاق وهو الراجح، كما مر أنه أسلم وهو ابن عشر سنين، فيكون سنة يوم التزويج، أربعة وعشرين سنة وشهرا ونصف شهر.
ويقع في كثير من النسخ إحدى وعشرين بالجر، فقوله: وسنه اسم كان مقدرة وهو أظهر من تقدير نحو إحدى وعشرين؛ لأن العبارة تصير محتملة للزيد والنقص، "ولم يتزوج عليها".
ولما خطب ابنة أبي جهل، واسمها جويرية، في أشهر الأقوال قام ﷺ على المنبر وقال: "لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن"، وقال: "والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا، فترك علي الخطبة"، رواه الشيخان وغيرهما.
قال أبو داود: حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة حياتها لقوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، [الحشر: ٧] ، وألحق بعضهم أخواتها بها، ويحتمل اختصاصها ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الخصائص، واستمر ذلك "حتى ماتت" فتزوج بعدها أمامة بنت أختها زينب بوصية من فاطمة بذلك، قاله الحافظ وغيره.
"وعن أنس قال: جاء أبو بكر ثم عمر يخطبان فاطمة" كل لنفسه "إلى النبي" غاية لجاء " ﷺ ، فسكت ولم يرجع إليهما شيئا" أي: لم يرد عليهما جوابا بشيء.стр. 873
فانطلقا إلى علي ﵁ يأمرانه بطلب ذلك. قال علي: فنبهاني لأمر، فقمت أجر ردائي حتى أتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجني فاطمة؟ قال: "وعندك شيء"؟ فقلت: فرسي وبدني، قال: "أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها"، فبعتها بأربعمائة وثمانين، فجئته بها، فوضعتها في حجره، فقبض منها قبضة فقال: "أي بلال: ابتع بها لنا طيبا"
الحواشي
(١) وفي رواية أبي داود: أن أبا بكر خطبها فأعرض عنه، ثم عرم فأعرض عنه، ويروى أنه قال لكل منهما: أنتظر بها القضاء وأنها بكت لما خطباها، فلم يرد عليهما بشيء. "فانطلقا إلى علي ﵁ يأمرانه بطلب ذلك" لرؤيتهما أنه أصلح لها من غيره، لقربه وخلوه من النساء، أو بطلب ذلك لهما على عادة الاستشفاع بالأقارب، وفيه بعد.
"قال علي: فنبهاني لأمر" بنون وموحدة ثقيلة، أوقفاني على أمر كنت عنه غافلا، وهو خطبتها، فتنبهت "فقمت أجر ردائي" فرحا بما تنبهت له وهو خطبة خير النساء، "حتى أتيت النبي ﷺ فقلت: تزوجني"، بحذف الهمزة المقدرة، أي: أتزوجني "فاطمة؟ قال:" "وعندك" فهو على تقدير همزة الاستفهام أيضا، "شيء" تصدقها به؟ "، "فقلت: فرسي وبدني" بفتح الباء والدال، درعي.
وروى ابن إسحاق في السيرة الكبرى، عن علي، أنه ﷺ قال: "هل عندك شيء"؟ " قلت: لا، قال: "فما فعلت الدرع التي سلحتكها"، يعني من مغانم بدر، وروى أحمد عن علي، أردت أن أخطب إلى رسول الله ﷺ ابنته فقلت: والله ما لي من شيء، ثم ذكرت صلته وعائدته، فخطبتها إليه، فقال: "وهل عندك شيء"؟، قلت: لا، قال: "فأين درعك الحطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا"؟ قلت: هي عندي، قال: "فأعطها إياها" وله شاهد عند أبي داود عن ابن عباس، ولا منافاة؛ لأنه فهم أولا أن مراده النقد، فنفاه، فلما سأله عن درعة علم أنه لا يريد خصوص النقد، فقال: فرسي وبدني، وفي النهاية: الحطيمة التي تحطم السيوف، أي: تكسرها، أو العريضة الثقيلة، أو نسبة إلى بطن من عبد القيس يقال لهم حطمة، كهمزة ابن محارب كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال، انتهى. "قال: "أما فرسك فلا بد لك منها" للحروب، "وأما بدنك فبعها"، أي: الدرع وهي مؤنثة وتذكر، "فبعتها" عن عثمان بن عفان "بأربعمائة وثمانين" درهما، ثم إن عثمان رد الدرع إلى علي فجاء بالدرع والدراهم إلى المصطفى، فدعا لعثمان بدعوات، كما في رواية "فجئته بها، فوضعتها في حجره فقبض منها قبضة،" مفعول به بضم القاف أكثر من فتحها، ما قبضت عليه من شيء، كما في القاموس والصحاح، والمعنى أخذ بيده دراهم قبض عليها، "فقال -أي بلال-" بفتح الهمزة وسكون الياء حرف نداء: "ابتع" اشتر "بها لنا طيبا".стр. 874
وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف. وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئا حتى آتيك.
فجاءت مع أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وأنا في جانب، وجاء رسول الله ﷺ فقال: "أههنا أخي"، قالت أم أيمن: أخوك وقد زوجته ابنتك؟ قال: "نعم". ودخل ﷺ فقال لفاطمة: "ائتني بماء"، فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه ثم
الحواشي
(١) وفي رواية ابن أبي خيثمة، عن علي أمر ﷺ أن يجعل ثلث الأربعمائة وثمانين في الطيب، وعلى هذا فهذه القبضة ثلثها، أو أقل، وكملها إلى الثلث. ووقع عند ابن سعد وأبي يعلى، بسند ضعيف عن علي، فقال ﷺ : "اجعلوا ثلثين في الطيب وثلثا في الثياب" "وأمرهم أن يجهزوها، فجعل لها سريرا مشروطا" أي: مجعول فيه شرائط، أي: حبال.
وفي القاموس: الشريط خوص مفتول يشرط به السرير ونحوه، "ووسادة من أدم حشوها ليف" وعن جابر: كان فرشهما ليلة عرسهما إهاب كبش، رواه ابن فارس.
وفي رواية: كان لهما فراشان أحدهما محشو بليف، والآخر بحذاء الحذاءين وأربع وسائد، وسادتين من ليف وثنتين من صوف، ولا معارضة لجواز أن واحدة للنوم على السرير، والثلاثة في البيت. "وقال لعلي: إذا أتتك فلا تحدث شيئا" من جماع ولا مقدماته "حتى آتيك". زاد في رواية: فأرسل ﷺ أسماء بنت عميس، فهيأت البيت، فصلى العشاء، وأرسل فاطمة، "فجاءت مع أم أيمن" بركة الحبشية مولاته ﵇، "حتى قعدت" فاطمة مع أم أيمن "في جانب البيت وأنا"، أي: علي، كما في الرواية، "في جانب" آخر من البيت، "وجاء رسول الله ﷺ " بعدما صلى العشاء الآخرة، "فقال: أههنا أخي! " قالت أم أيمن" مباسطة له ﵇، لا مستفهمة إذ لا يخفى حال علي عليها، "أخوك وقد زوجته ابنتك، قال: "نعم" هو كأخي في المنزلة والمواخاة، التي سلفت بين وبينه في الدين لا في النسب والرضاع، فلا يمتنع علي تزويج إياه بنتي.
صح أنه ﷺ قال له: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" "ودخل ﷺ " البيت "فقال لفاطمة: "ائتني بماء" فقامت" امتثالا لأمره، زاد في رواية: تعثر في ثوبها، وربما قال: في مرطها من الحياء، "إلى قعب" بقاف مفتوحة، فعين ساكنة فموحدة، قدح كبير، أو صغير، أو يروي الرجل، كما في القاموس، وفي مقدمة الفتح: هو إناء من خشب "في البيت فأتت فيه بماء فأخذه ومج فيه" أي: أخذ منه ماء ووضعه في فمه، ثم رمى به في القعب، "ثمстр. 875
قال لها: "تقدمي"، فتقدمت: فنضح بين ثديها وعلى رأسها وقال: " اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم". ثم قال: "أدبري" فأدبرت فصب بين كتفيها. ثم فعل مثل ذلك بعلي ﵁. ثم قال له: "ادخل بأهلك بسم الله والبركة". خرجه أبو حاتم، وأحمد في المناقب بنحوه.
وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي: خطبها علي بعد أن خطبها أبو بكر ثم عمر................................
الحواشي
(١) قال لها: "تقدمي"، فتقدمت، فنضح" بفتحات رش "بين ثدييها وعلى رأسها وقال: "اللهم إني أعيذها بك" أجيرها بحفظك "وذريتها من الشيطان الرجيم" المطرود.
وقد استجاب الله تعالى دعاء أم مريم، فما بالك بدعاء سيد الخلق. "ثم قال: "أدبري" بفتح الهمزة، "فأدبرت، فصب بين كتفيها، ثم فعل مثل ذلك بعلي ﵁" اختصر الرواية فلفظ: من عزى له ثم قال لعلي: "ائتني بماء"، قال: فعلمت الذي يريده، فقمت فملأت القعب ماء فأتيته به، فأخذه فمج فيه، ثم صب على رأسي وبين ثديي، ثم قال لي: "أدبر"، فصب بين كتفي، ثم قال: "اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم".
وفي حديث أسماء بنت عميس، عند الطبراني تقديم علي على فاطمة في ذلك، "ثم قال له: "ادخل بأهلك باسم الله والبركة"، خرجه أبو حاتم" بن حبان التميمي البستي، "وأحمد في المناقب"، وكذا خرجه أبو داود كلاهما "بنحوه،" من حديث أنس، وحكايته ليلة البناء من قوله: وجاء رسول الله.. إلى آخر الحديث.
أما عن مشاهدة بأن يكون دخل مع النبي ﷺ لأنه خادمه، وكان ذلك قبل بلوغه، وقبل نزول الحجاب، وأما أن يكون حمله عن علي وهو ظاهر قوله، فعلمت الذي يريد.. إلخ، وروى النسائي عن علي: توضأ ﷺ في إناء ثم أفرغه على علي وفاطمة، ثم قال: "اللهم بارك فيهما، وبارك لهما في شملهما"، وهو بالتحريك الجماع.
في رواية: في شبليهما قال: في الصواعق، قيل: وهي تصحيف، فإن صحت فالشبل ولد الأسد، فيكون ذلك كشفا وإطلاعا منه ﷺ على أنها تلد الحسنين، فأطلق عليهما شبلين وهما كذلك، انتهى.
يروى عن علي أنه ﷺ حين زوجه دعا بماء فمجه، ثم صبه، ثم رشه في جبينه وبين كتفيه، وعوذه بقل هو الله أحد والمعوذتين.
"وفي حديث أنس عند أبي الخير القزويني الحاكمي" وابن عساكر، وابن شاذان، بنحوه قال: "خطبها علي،" طلب تزويجها، "بعد أن خطبها أبو بكر، ثم عمر" وذكرهما ذلكстр. 876
فقال له ﵊: "قد أمرني ربي بذلك".
قال أنس: ثم دعاني ﵊ بعد أيام فقال: "ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وعدة من الأنصار"، فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم وكان علي غائبا فقال ﷺ :
"الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع المرهوب من عذابه وسطوته، النافذ أمره في سمائه وأرضه، الذي خلق الخلق بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد ﷺ
الحواشي
(١) لعلي كما في حديثه السابق فوقه، "فقال له ﵊: "قد أمرني ربي بذلك"، التزويج المفهوم من خطبها.
وقد روى الطبراني برجال ثقات مرفوعا، "أن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي"، ولا يقال لم أخره حتى سأله علي لجواز أن الأمر ورد بعد سؤال علي، أو قبله بأن يزوجه إذا سأله. "قال أنس: ثم دعاني ﵊ بعد أيام، فقال: "ادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن" بن عوف ﵃، "وعدة من الأنصار" جماعة بينهم له، لا أنه قال له: أدع عدة، ففي رواية ابن عساكر، عن أنس: بينا أنا عند النبي ﷺ ؛ إذ غشيه الوحي، فلما سرى عنه قال: "إن ربي أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر"، وسمي جماعة من المهاجرين وبعددهم من الأنصار، "فلما اجتمعوا وأخذوا مجالسهم"، أي: قعد كل واحد في مجلسه اللائق به، "وكان علي غائب" عن هذا المجلس، وما رواه ابن عساكر أنه ﵇ أمر عليا أن يخطب لنفسه، فخطب، وأوجب له ﷺ في حضوره فقبل، واستشهد على الصحابة الحاضرين على ذلك، فقال ابن كثير: هذا خبر منكر، "فقال ﷺ : "الحمد لله المحمود" من أسماء الله تعالى، كما صرح به هذا الخبر، وعده بعض العلماء في أسمائه، وفي شعر حسان: فذو العرش محمود؛ لأنه تعالى حمد نفسه وحمده عباده "بنعمته" التي لا تتناهى ولا يستطاع حصرها ولا تضاهي، "المعبود بقدرته" إذ لا قدرة على عبادته إلا بأقداره، "المطاع" المتبع الذي ينقاد له فيما أراده وفي التنزيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّه﴾ [الأنفال: ٢٠] ، "المرهوب" الذي يخاف "من عذابه" وفي التنزيل: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُون﴾ [البقرة: ٤٠] ، "وسطوته" قهره وإذلاله، "النافذ أمره في سمائه وأرضه" جنسهما، فالمراد جميع السموات والأرضين، "الذي خلق الخلق" قدرهم وأوجدهم "بقدرته، وميزهم بأحكامه، وأعزهم بدينه وأكرمهم" كلهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم وملكهم، "بنبيه محمد ﷺ ". ودليل العموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فإرساله إكرام لجميع الخلائق.стр. 877
إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة سببا لاحقا، أمرا مفترضا، أوشج به الأرحام، وألزم به الأنام"، فقال عز من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت
الحواشي
(١) ويحتمل تخصيص الإكرام بالمؤمنين من الخلق، والأول أولى "إن الله تبارك اسمه، وتعالت عظمته، جعل المصاهرة"، المناكحة، "سببا" أمرا يتوصل به إلى اتصال بعض الأنساب ببعض "لاحقا" لازما لا يستغني عنه، ولا ينفك عن الناس. "وأمرا مفترضا" ثابتا، وهو قريب في المعنى مما قبله، فهو إطناب مستحسن في الخطب، "أوشج" بشين وجيم، أوصل "به الأرحام" القرابات، فإن من تزوج من قوم حصل بينه وبينهم قرابة بالنسل، ولم يذكر المجد، تعديته بالهمزة. وفي المغني: النقل بالهمزة قيل: كله قياسي، وقيل: سماعي في القاصر، والمتعدي إلى واحد. والحق أنه قياسي في القاصر، سماعي في غيره، وهذا ظاهر مذهب سيبويه، "وألزم" بلام وزاي، "به" بالتلبس بذلك السبب "الأنام"، وفي نسخة: بكاف وراء، من الإكرام "فقال عز من قائل: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ " [الفرقان: ٥٤] ، من المني إنسانا "فجعله نسبا"، أي: ذا نسب، "وصهرا" ذا صهر، بأن يتزوج ذكر أو أنثى طلبا للتناسل.
قال الكيا الهراسي: وهو يدل على أن الله جعل الماء سبب الاجتماع والتآلف والرضاع، وفيه إشارة إلى المحرمات بالنسب والسبب، وأن كل ذلك تولد من الماء، "فأمر الله يجري إلى قضائه"، هو إرادته إيجاد العالم على نظامه العجيب، كذا في شرح المشكاة للشهاب المكي، وفي شرحه للأربعين، هو عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وفي شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود جميع الموجودات في العالم مجتمعة، ومجملة على سبيل الإبداع.
"وقضاؤه يجري إلى قدره" هو تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها، كما في شرح المشكاة، وفي شرح الأربعين: إيجاده على ما يطابق العلم، وأنه يرحم من يشاء من خلقه فضلا، ويعذب من شاء عدلا، وفي شرح المقاصد: هو عبارة عن وجود مواد الموجودات الخارجية مفصلة واحدا بعد واحد، فيما لا يزال بشهادة وإن من شيء إلا عندنا خزائنه، وما ننزله إلا بقدر معلوم، "ولكل قضاء قدر، ولكل قدر أجل" مدة، "ولكل أجل كتاب" لكل وقت وأمد حكم مكتوب فيه تحديد، "يمحو" منه "ما يشاء ويثبت" بالتخفيف والتشديد، فيه ما يشاء من الأحكام وغيرها.стр. 878
وعنده أم الكتاب. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك علي".
ثم دعا ﷺ بطبق من بسر ثم قال: "انتهبوا"، فانتهبنا.
ودخل علي فتبسم النبي ﷺ في وجهه ثم قال: "إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك"؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال: ﵊
الحواشي
(١) واستدل به الحنفية على تبدل السعادة والشقاوة، وأجاب الأشعرية: بأن ذلك التبديل في غير الكتاب الأزلي لقوله: "وعنده أم الكتاب"، أي: أصله الذي لا يغير منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل. وقيل: أصل الكتب وهو اللوح المحفوظ؛ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه وذكر هذا في هذا المقام للإلماج إلى أن من سنن المرسلين النكاح؛ لأن صدر الآية: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ ، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن هشام، قال: قلت لعائشة: إني أريد أن أتبتل، قالت: لا تفعل، أما سمعت الله يقول: وتلت الآية. "ثم" أقول: "إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي بن أبي طالب، فاشهدوا أني قد زوجته" إياها "على أربعمائة مثقال فضة".
وفي الحديث السابق: أنه باع بدنه بأربعمائة وثمانين درهما، فيجوز أن الدراهم كانت مقدرة بما تساوي المثاقيل وزنا، أو أنه زاد على ما باع به الدرع، "إن رضي بذلك علي" وفي ذخائر العقبى: اختلف في صداقها كيف كان، فقيل: كان الدرع ولم يكن إذ ذاك بيضاء ولا صفراء، وقيل: كان أربعمائة وثمانين، وورد ما يدل لكلا القولين. ويشبه أن العقد وقع على الدرع، وأنه ﷺ أعطاها عليا ليبيعها فباعها، وأتاه بثمنها، فلا تضاد بين الحديثين، انتهى ملخصا. وهذا الجمع مدلول الحديث السابق، ثم إياك أن تفهم أن هذا الصداق يماثلها.
وقد ذكر السيوطي، أنه رأى في بعض المجاميع عن التكريتي: أن مهر المثل لا يتصور في حق فاطمة؛ لأنه لا مثل لها، قال وهو قول حسن بالغ: "ثم دعا ﷺ بطبق" أي: طلب طبقا، على التوسع، أدخلت عليه الباء أو الباء سببية، والمفعول محذوف تقديره: دعا رجلا بسبب إحضار طبق "من بسر، ثم قال: "انتهبوا" أمر من الانتهاب، وهو أخذ الجماعة الشيء على غير اعتدال، "فانتبهنا، ودخل علي" بعد ذلك، "فتبسم النبي ﷺ في وجهه" تبشيرا له، بأن الله رضيها لمن خطبها قبل، كما أرشد له قوله، "ثم قال: "إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة" فلا تنافي بين هذا وبين السابق، أن عليا خطبها وركن له المصطفى "على أربعمائة مثقال فضة، أرضيت بذلك"؟ فقال: قد رضيت بذلك يا رسول الله، فقال ﵊:стр. 879
"جمع الله شملكما وأعز جدكما، وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيبا".
قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما الكثير الطيب.
والعقد لعلي وهو غائب محمول على أنه كان له وكيل حاضر، أو على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك، ثم عقد معه لما حضر،
الحواشي
(١) "جمع الله شملكما وأعز جدكما"، بفتح الجيم، حظكما، "وبارك عليكما" ودعا لهما أيضا بنحو ذلك ليلة البناء كما مر، "وأخرج منكما" نسل "كثيرا طيبا".
وفي رواية أبي الحسن بن شاذان: أنه لما زوجه وهو غائب قال: "جمع الله شملهما، وأطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمة" فلما حضر علي تبسم ﷺ وقال: "إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة، وإن الله أمرني أن أزوجكها على أربعمائة مثقال فضة"، فقال: رضيتها يا رسول الله، ثم خر علي ساجدا لله شكرا، فلما رفع رأسه قال ﷺ : "بارك الله لكما، وبارك فيكما، وأعز جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب".
"قال أن" بن مالك: راوي الحديث ﵁ مشيرا إلى أن الله تعالى أجاب دعاءه ﷺ ، مؤكدا ذلك بالقسم، "فوالله لقد أخرج" الله "منهما الكثير الطيب" الطاهر، وجعل فيهم علماء وأولياء وكرماء، وملأ بهم الأرض ولله الحمد، وهم نسل النبوة.
وقد روى الطبراني والخطيب، عن ابن عباس، قال ﷺ : "إن الله لم يبعث نبيا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي"، ثم حديث أنس هذا، قال ابن عساكر: غريب فيه مجهول، وأقره الحافظ في اللسان، وإشارة صاحب الميزان إلى أنه كذب مردوده، كيف وله شاهد عند النسائي بإسناد صحيح عن بريدة: أن نفرا من الأنصار قالوا لعلي: لو كانت عندك فاطمة، فدخل على النبي ﷺ ليخطبها، فسلم عليه فقال: "ما حاجة ابن أبي طالب"؟ قال: فذكرت فاطمة، فقال ﷺ : "مرحبا وأهلا" فخرج إلى الرهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: "مرحبا وأهلا"، قالوا: يكفيك من رسول الله ﷺ ، أحدهما قد أعطاك الأهل، وأعطاك الرحب، فقلما كان بعدها زوجة، قال: "يا علي لا بد للعرس من وليمة"، قال سعد: عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار آصعا من ذرة، فلماكان ليلة البناء، قال: "يا علي لا تحدث شيئا حتى تلقاني"، فدعا النبي ﷺ بماء فتوضأ، ثم أفرغه على علي وفاطمة، فقال: "اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما"، "والعقد لعلي وهو غائب محمول، على أنه كان له وكيل حاضر" قبل العقد من المصطفى فورا، "أو على أنه لم يرد به العقد، بل إظهار ذلك ثم عقد معه لما حضر" وقد يرد على هذا قوله: "اشهدوا أني قد زوجته"، ثم لم ينقل عقده له بعد حضوره، إلا أن يقال قوله له:стр. 880
أو على تخصيصه بذلك، جمعا بينه وبين ما ورد، مما يدل على شرط القبول على الفور.
وأخرج الدولابي، عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن ردعه عند يهودي بشطر من شعير، وكانت وليمته آصعا، من شعير وتمر وحيس. والحيس: التمر والأقط.
الحواشي
(١) "أمرني الله أزوجك فاطمة"، وإن كان إخبارا تضمن العقد لقوله: "أرضيت"؟، فقال علي: "قد رضيت"، "أو على تخصيصه بذلك" لأن له ﷺ أن يزوج من شاء لمن شاء، "جمعا بينه وبين ما ورد مما يدل على شرط القبول على الفور.
وقد ذهب المالكية إلى أن التفريق اليسير لا يضر، فلعل غيبة علي كانت قريبة جدا، وقد يفهم من ظاهر الحديث أنه أتى في المجلس وهم ينتهبون البسر أو بعده، وأجاز أبو حنيفة التفريق مطلقا، ومنعه الشافعي مطلقا، هذا وأخذ بعضهم من هذا الخبر، أن نكاح القرابة القريبة ليس خلاف الأولى، كما تقول الشافعية، وأجيب بأن عليا قريب بعيد؛ إذ المراد بالقرابة القريبة من هي في أول درجات الخؤلة والعمومة، وفاطمة بنت ابن عم، فهي بعيدة، ونكاحها أول من الأجنبية، وأما الجواب بأن عليا لم يكن كفئا حينئذ لفاطمة سواه، فرد بأن أباه كافر، وأبوها سيد الخلق، "وأخرج الدولابي" بفتح الدال وضمها، الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الرازي، "عن أسماء قالت: لقد أولم علي على فاطمة، فما كان" وجد "وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته" لتقللهم حينئذ "رهن درعه عند يهودي" لا ينافي أنه باعها؛ لأن عثمان ردها له، كما مر أو أنها غيرها لتخلل مدة بين العقد والبناء.
ولم أر تسمية اليهودي "بشطر من شعير" قيل: أراد نصف مكوك، وقيل: صف وسق، قاله في النهاية، "وكانت وليمته آصعا" بفتح الهمزة وضم الصاد ومد "من شعير وتمر وحيس" وكبش من عند سعد، وآصع ذرة من عند جماعة من الأنصار.
كما في حديث بريدة "والحيس"، بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتية وسين مهملة، "التمر والأقط" فعطفه على التمر من عطف الكل على الجزء، وهو بفتح الهمزة وكسر القاف.
قال عياض: هو جبن اللبن المستخرج زبده، وقيل: لبن مجفف مستحجر يطبخ به، وفي القاموس: الحيس: تمر يخلط بسمن، وأقط يعجن شديدا، ثم يندر منه نوه. قال الحافظ: وقد يخلط مع هذه الثلاثة غيرها، كالسويق انتهى، ولا ينافي هذا قول الشاعر:
التمر والسمن جميعا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط
لأنه أراد أنه لم يختلط فيما حضره، وأنها حيس بالقوة لوجود الأجزاء دون الخلط.следующие страницы →