Полный текст (5 943 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وفي رواية قال ﵊: "وأولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا، فإن دخل القوم المدينة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت".
فقال أولئك القوم، يا رسول الله، كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم.
الحواشي
(١) "وفي رواية" عند أحمد والنسائي وابن سعد بسند صحيح، عن جابر قال: "قال ﵊:" "رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر" "وأولت الدرع الحصينة المدينة" نصب بنزع الخافض، أي: بالمدينة، ووجه التأويل أنهم كانوا شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، وجعلوا فيها الآطام والحصون، فهي حصن، ولذا قال: "فامكثوا فإن دخل القوم المدينة".
وفي نسخة: الأزقة، أي: أزقة المدينة، "قاتلناهم ورموا"، بالبناء للمفعول، "من فوق البيوت" وعند ابن إسحاق: "فإن رأيت أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلو، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأية ﷺ ، وكان ﵇ يكره الخروج إليهم، "فقال أولئك القوم" أي: الرجال الذين أسفوا على ما فاتهم من مشهد بدر، وغالبهم أحداث، لم يشهدوا بدرا وأحبوا لقاء العدو، وطلبوا الشهادة، فأكرمهم الله يومئذ، "يا رسول الله، إنا كنا نتمنى هذا اليوم، اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا" بفتح الجيم وضم الموحدة وشد النون، فعل ماض وفاعله "عنهم".
زاد ابن إسحاق: وضعفنا، فقال ابن أبي: يا رسول الله، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إل أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعواخائبين كما جاءوا، فلم يزل أولئك القوم به ﷺ وعند غيره، فقال حمزة وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك، وطائفة من الأنصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أن كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جراءة منهم علينا.
زاد حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارج المدينة، وقال النعمان: يا رسول الله، لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها، فقال ﷺ : "لمه" فقال: لأني أحب الله ورسوله، وفي لفظ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، ولا أفر يوم الزحف، فقال ﷺ : "صدقت"، فاستشهد يومئذ فإن قيل لم عدل ﷺ عن رأيه الذيстр. 912
فصلى ﵊ بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك.
ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا، وحضر أهل العوالي، ثم دخل ﵊ بيته ومعه صاحباه أبو بكر وعمر ﵄، فعمماه وألبساه.
وصف الناس ينتظرون خروجه ﵊، فقال لهم سعد بن معاذ
الحواشي
(١) لا أسد منه، وقد وافقه عليه أكابر المهاجرين والأنصار وابن أبي، وإن كان منافقا، لكنه من الكبار المجربين للأمور، ولذا أحضره ﵇ واستشاره إلى رأي هؤلاء الأحداث، قلت: لأنه ﷺ مأمور بالجهاد خصوصا، وقد فاجأهم العدو، فلما رأى تصميم أولئك على الخروج، لا سيما وقد وافقهم بعض الأكابر من المهاجرين، كحمزة والأنصار، كابن عبادة، ترجح عنده موافقة رأيهم، وإن كرهه ابتداء ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وهذا ظهر لي ولم أره لأحد. "فصلى ﵊ بالناس الجمعة، ثم وعظهم وأمرهم بالجد" بكسر الجيم، وشد الدال، ضد الهزل "والاجتهاد" في التأهب للقتال وإعداد الجيش، "وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا" مدة صبرهم على أمره، بأن لا يبرحو من مكانهم، فلما تأولوا وفارقوه، استشهدوا ليتخذ الله منهم شهداء، "وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم، ففرح الناس بذلك" لأنهم لا غرض لهم في الدنيا وزهرتها لما وقر في قلوبهم، وارتاحت له نفوسهم من حب لقاء الله، والمسارعة إلى جنات النعيم.
وعند ابن إسحاق: وقد مات ذلك اليوم مالك بن عمرو النجاري، فصلى عليه ﷺ ويقال: بل هو محرر بمهملات، قال الأمير: بوزن محمد، وقال الدارقطني: آخره زاي معجمة، بوزن مقبل ابن عامر النجاري "ثم صلى بالناس العصر وقد حشدوا" بفتح المعجمة، ومضارعة بكسرها، أي: اجتمعوا، "وحضر أهل العوالي" جمع عالية، وهي القرى التي حل المدينة من جهة نجد على أربعة أميال، وقيل: ثلاثة، وذلك أدناها وأبعدها ثمانية، وما دون ذلك من جهة تهامة، فالسافلة كما في النور، "ثم دخل ﵊ بيته" الذي فيه عائشة، كما عند الواقدي وغيره، "ومعه صاحباه" دنيا وبرزخا وموقفا وحوضا وجنة، "أبو بكر وعمر ﵄، فعمماه وألبساه".
قال شيخنا: الظاهر أن المراد عاوناه في لبس عمامته, ثيابه والتقليد بسيفه، غير ذلك مما تعاطاه عند إراد الخروج، "وصف" لازم بمعن اصطف "الناس" مرفوع فاعل، كما في النور ما بين حجرته إلى منبره، "ينتظرون خروجه عليه الصلاة وا لسلام، فقال لهم سعد بن معاذ" سيدстр. 913
وأسيد بن حضير: استكرهتم رسول الله ﷺ على الخروج، فردوا الأمر عليه، فخرج ﷺ وقد لبس لأمته -وهي بالهمز وقد يترك تخفيفا: الدرع- وتقلد سيفه، فندموا جميعا على ما صنعوا،
الحواشي
(١) الأوس وهو في الأنصار بمنزلة الصديق في المهاجرين، فهو أفضل الأنصار، قاله البرهان "وأسيد" بضم الهمزة وفتح السين المهملة، "ابن حضير" بضم الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ويقال: الحضير باللام.
روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم، عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل، سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، "استكرهتم" بسين التأكيد، لا الطلب، أي: أكرهتم "رسول الله ﷺ على الخروج".
زاد في رواية: وقلتم له ما قلتم، والوحي ينزل عليه من السماء، "فردوا الأمر إليه" لأنه أعلم منكم بما فيه المصلحة ولا ينطق عن الهوى، ولا يفعل إلا بأمر الله، "فخرج" عطف على مقدر، أي: وانتظروه فخرج " ﷺ ، وقد لبس لامته وهي بالهمز، وقد يترك تخفيفا" وجمعها لام، كتمرة وتمر، ويجمع أيضا على لؤم بوزن نغر، على غير قياس؛ لأنه جمع لؤمة، قاله الجوهري، أي: بضم اللام. "الدرع" وقيل: السلاح ولامة الحرب أداته، كما في الصحاح.
وروى أبو يعلى والبزار بسند حسن، عن سعد وطلحة: أنه ظاهر بين درعين يوم أحد، قال البرهان: بالظاء المعجمة، أي: لبس درعا فوق درع، وقيل: طارق بينهما، أي: جعل ظهر إحداهما لظهر الأخرى، وقيل: عاون والظهير العوين، أي: قوي إحدى الدرعين بالأخرى في التوقي، ومنه تظاهرون ولم يظاهر بين درعين إلا في أحد وفي حنين. ذكر مغلطاي أنه ظاهر فيها بين درعين.
وفي سيرة عبد الغني روى عن محمد بن مسلمة، رأيت على رسول الله ﷺ يوم أحد درعين درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم نين درعين، درعه ذات الفضول، والسعدية، وكان سيفه ذو الفقار، تقلده يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، انتهى. "وتقلد سيفه" أي: جعل علاقته على كتفه الأيمن وهو تحت إبطه الأيسر.
وعند ابن سعد: أظهر الدرع وخرم وسطها بمنطقة من أدم، من حمائل سيفه، وتقلد السيف ألقى الترس في ظهره. وقول ابن تيمية: لم يبلغنا أنه ﷺ شد على وسطه منطقة، يرد برواية ابن سعد فإنه ثقة حافظ، وقد أثبته وأقره عليه اليعمري، فهو حجة على من نفاه، لا سيما وإنما نفى أنه بلغه ولم يطلق النفي، "فندموا جميعا على ما صنعوا" الطالبون للخروج على فعله، ومن لمстр. 914
فقالوا: ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما شئت. فقال: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم: نحو حديث ابن إسحاق، وفيه إشارة النبي ﷺ إليهم أن لا يبرحوا من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته، وندامتهم على ذلك وقوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" وفيه: "إني رأيت أني في درع حصينة" الحديث.
وعقد ﵊ ثلاثة ألوية:
الحواشي
(١) يطلب على الموافقة، أو هو قاصر على الطالبين، "فقالوا: ما كان" ينبغي "لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت،" ولابن سعد: ما بدا لك، وعند ابن إسحاق: فإن شئت فاقعد، "فقال: "ما ينبغي" قال الشامي: "أي: ما يحسن، أو ما يستقيم "لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه".
وعند ابن إسحاق حتى يقاتل، زاد في رواية: "أو يحكم الله بينه وبين أعدائه"، وروى البيهقي عن ابن عباس، والإمام أحمد عن جابر رفعاه: "لا ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب، وأذن في الناس بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل"، وعلقه البخاري قال البرهان: وظاهره أن ذلك حكم جميع الأنبياء ﵈، ولم أر فيه نقلا، قال: وفيه دليل على حرمة ذلك، وهو المشهور خلافا لمن قال بكراهته.
"وفي حديث ابن عباس عند أحمد" بن حنبل، "والنسائي" أحمد بن شعيب، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "وصححه الحاكم" محمد بن عبد الله، "نحو حديث ابن إسحاق" هذا الذي سقناه مع من ذكرناه معه أولا.
ولما كان قوله نحو: قد يقتضي خروج بعض ما ذكره من غير تعيين نص على أن فيه ما ذكره بقوله، "وفيه إشارة الني ﷺ إليهم أن لا يبرحوا" لا يخرجوا "من المدينة، وإيثارهم الخروج طلبا للشهادة، ولبسه لأمته وندامتهم على ذلك، وقوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" إن وجد من يقاتله، "وفيه: "أني رأيت أني في درع حصينة"، الحديث" وغرضه من هذا تقوية رواية ابن إسحاق، ومن ذكر معه؛ لأنها مرسلة بالحديث الموصل حكما؛ لأن ابن عباس، ما شاهد ذلك، فهو مرسل صحابي، وحكمه الموصل إلى الصواب، وقد أخرج حديث الرؤيا بنحوه الشيخان وغيرهما. "وعقد ﵊ ثلاثة ألوية، لواء" للأوس، "بيد أسيد بن الحضير" باللام، للمح الأصل المنقول عنه، "ولواءстр. 915
- لواء بيد أسيد بن حضير.
- ولواء للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب وقيل بيد مصعب بن عمير.
- ولواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة.
وفي المسلمين مائة دارع. وخرج السعدان أمامه يعدوان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، دارعين.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وعلى الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة.
الحواشي
(١) للمهاجرين بيد علي بن أبي طالب، وقيل: بيد مصعب بن عمير" وليس بخلاف حقيقي، فإنه كان بيد علي، ثم بيد مصعب؛ لأنه ﷺ قال: "من يحمل لواء المشركين"؟، فقيل: طلحة بن أبي طلحة، فقال: "نحن أحق بالوفاء منهم" فأخذه من علي، ودفعه إلى مصعب بن عمير، أي: لأنه من بني عبد الدار بن قصي، وكان بكر قصي، فجعل إليه اللواء، والحجابة، والسقاية، والرفادة، وكان قصي مطاعا في قومه، لا يرد عليه شيء صنعه، فجرى ذلك في عبد الدار وبنيه حتى قام الإسلام. كما أسنده ابن إسحاق، عن علي فيما مر فإلى هذا أشار ﵇، أي: بوفاء عهد قصي؛ لأنه لم يخالف شرعه، "ولواء الخزرج بيد الحباب" بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، فألف فموحدة، "ابن المنذر، وقيل: بيد سعد بن عبادة" سيدهم، "وفي المسلمين مائة دارع"، أي: لابس الدرع، وهو الزردية، وركب ﷺ فرسه السكب على إحدى الروايتين، والأخرى أنه خرج من منزل عائشة على رجليه إلى أحد، "وخرج السعدان" القائل فيهما الهاتف بمكة، فإن يسلم السعد أن يصبح محمد بمكة، لا يخشى خلاف المخالف "أمامه يعدوان" بعين مهملة، أي: يمشيان مشيا مقارب الهرولة ودون الجري، "سعد بن معاذ وسعد بن عبادة" ﵄، حال كونهما "دارعين" مثنى دارع بوزن فاعل، والناس عن يمينه وشماله، "واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم" أي: على الصلاة بالناس، كما قاله هشام وتبعه جمع، ومقتضاه أنه لم يول أحدا للقضاء بين الناس، وكأنه لقرب المسافة، أو لأنه لم يبق فيها إلا القليل، اذين لا يتخاصمون، "وعلى الحرس تلك الليلة" التي باتها بالشيخين، تثنية شيخ موضع بين المدينة وأحد على الطريق الشرقي إلى أحد مع الحرة، "محمد بن مسلمة" الأنصاري، أكبر من اسمه محمد في الصحابة، في خمسين رجلا يطوفون بالعسكر، وعين المشركون لحراستهم.
عكرمة بن أبي جهل في جماعة، وروى أنه ﵇ بعدما صلى العشاء قال: "من يحرسنا الليلة"؟ فقال ذكوان بن عبد قيس: أنا، قال: "اجلس" ثم قال: "من يحرسنا"؟، فقالстр. 916
وأدلج ﵊ في السحر، وقد كان ﷺ لما عسكر رد جماعة من المسلمين لصغرهم، منهم: أسامة، وابن عمر،
الحواشي
(١) رجل: أنا، ثم قال: "من يحرسنا"، فقال رجل: أنا، قال: "اجلس" فأمر بقيام الثلاثة، فقام ذكوان وحده، فسأله عن صاحبيه، فقال: يا رسول الله، أنا كنت المجيب في كل مرة، قال: "اذهب حفظك الله"، فلبس لامته، وأخذ قوسه، وحمل سلاحه وترسه، فكان يطوف بالعسكر ويحرس خيمته ﷺ .
"وأدلج ﵊" قال البرهان: اختلف اللغويون في أن أدلج مخففا ومثقلا لغتان، في سير الليل كله أو بينهما فرق، وهو قول الأكثر فأدلج بالتشديد، سار آخر الليل، وأدلج، بسكون الدال، سار الليل كله، وسار دلجة من الليل، أي: في ساعة، انتهى.
فإن قرئ المصنف بالتشديد، فقوله "في السحر" وهو قبيل الفجر، بيان للمراد من آخر الليل، وإن خفف كان بيانا لوقت السير، ويؤخذ من كلام ابن إسحاق، أنهم خرجوا من ثنية الوداع شامي المدينة.
وقد روى الطبراني في الكبير والأوسط، برجال ثقات، عن أبي حميد الساعدي، أن النبي ﷺ خرج يوم أحد، حتى إذا جاوز ثنية الوداع، فإذ هو بكتيبة خشناء، فقال: "من هؤلاء"؟ قالوا: عبد الله بن أبي في ستمائة من مواليه من اليهود، فقال: "وقد أسلموا"؟، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "مروهم فليرجعوا" فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين". قال ابن إسحاق: وكان دليله ﷺ أبو خيثمة الحرثي، بخاء معجمة، وياء ومثلثة، ووهمه اليعمري ومغلطاي بأن الذي ذكره الواقدي، وابن سعد، أنه أبو حتمة، والد سهل بن أبي حتمة، يعني بحاء مهملة ففوقية، زاد مغلطاي: وقول ابن أبي حاتم، كان الدليل سهل بن أبي حتمة غير صحيح، لصغر سنه عن ذلك، انتهى, "وقد كان ﷺ لما عسكر" بالشيخين قال السمهودي: بلفظ تثنية شيخ اطمأن بجهة الوالج، سميا بشيخ وشيخة، كانا هناك هيأ مسجدا له ﷺ صلى به في مسيره لأحد وعسكر هناك، "رد جماعة من المسلمين لصغرهم".
قال الإمام الشافعي: رد ﷺ سبعة عشر صحابيا، عرضوا عليه وهم أبناء أربع عشرة سنة؛ لأنه لم يرهم بلغوا، وعرضوا عليه وهم أبناء خمس عشرة، فأجازهم. قال البرهان: يحتمل أن يريد ردهم في أحد، ويحتمل مجموع من رده في هذا السن في غزواته وكل منهما فائدة. وظاهر الشامي احتمال الأول فإنه عد من رده في أحد سبعة عشر، ثم أجاز اثنين منهم، "منهم: أسامة" بن زيد، "و" عبد الله "بن عمر" بن الخطاب، وما وقع في نسخة سقيمة من الشامية عمر، وبزيادة واو خطأ، لا يعول عليه، فإن ابن عمرو بن العاص لم يكن أسلم حينئذ، وكان مع أبيه.стр. 917
وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري. والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر.
وكان المسلمون الخارجون ألف رجل، ويقال: تسعمائة، والمشركون ثلاثة آلاف رجل
الحواشي
(١) والحديث عند أحمد، والبخاري، وأبي داود والنسائي، لابن عمر بن الخطاب، "وزيد بن ثابت" الأنصاري، "وأبو سعيد الخدري، والنعمان بن بشير. قال مغلطاي: وفيه نظر" لأنه ولد في السنة الثانية قبل أحد بسنة، زاد اليعمري وغيره، وأسيد بن ظهير، وعرابة بن أوس، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وسعد بن عقيب، وسعد بن حبتة، وزيد بن جارية، بجيم وراء، الأنصاري، وجابر بن عبد الله: وليس بالذي يروي الحديث.
قال البرهان: وهو إما الراسبي البصري، وإما العبدي، وعمرو بن حزم ذكره مغلطاي، ورافع بن خديج ذكره الواقدي، وأوس بن ثابت الأنصاري، كذا رواه ابن فتحون، عن ابن عمر بن الخطاب، وسمرة بن جندب، ثم أجاز رافع بن خديج لما قيل له: إنه رام، فقال سمرة لزوج أمه: أجاز رافعا وردني وأنا أصرعه، فأعلمه صلى الله عليه فقال: "تصارعا"، فصرع سمرة رافعا فأجازه، وعقيب، بصم المهملة، وفتح القاف، وسكون التحتية، والموحدة، وحبتة، بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وفتح الفوقية، فتاء تأنيث، هي أمه، واسم أبيه بجير، بضم الموحدة، وفتح الجيم عند ابن سعد، وبفتحها، وكسر الحاء المهملة عند الدارقطني.
"وكان المسلمون الخارجون" معه حقيقة وظاهرا "ألف رجل"، كما عند ابن إسحاق وغيره. "ويقال: تسعمائة" حكاه مغلطاي وغيره، فلما انخذل ابن أبي بالمنافقين الثلاثمائة صاروا سبعمائة على الأول، وستمائة على الثاني، كما في النور، فغلط من زعم أن تسعمائة مصحف عن سبعمائة؛ إذ الكلام في الخارجين أولا هل ألف أو إلا مائة. قال ابن عقبة: وليس في المسلمين إلا فرس واحد، وقال الواقدي: لم يكن معهم من الخيل إلا فرسه ﷺ ، وفرس بي بردة.
وفي الاستيعاب، في ترجمة عباد بن الحارث بن عدي: أنه شهد أحدا، والمشاهد كلها معه ﵇ على فرسه ذي الحزق. قال الحافظ في الفتح: وقع في الهدى، أنه كان معهم خمسون فرسا، وهو غلط بين، وقد جزم موسى بن عقبة، بأنه لم يكن معهم في أحد شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي، كان معهم فرس له ﵇، وفرس لأبي بردة، انتهى بلفظه. "والمشركون ثلاثة آلاف رجل" كما جزم ابن إسحاق، وتبعه اليعمري. قال البرهان: وقال بعض الحفاظ: فجمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء والأحابيش، انتهى.
وعطف الأحابيش على الحلفاء مساو هنا؛ لأن المراد بهم، كما في العيون وغيرها بنوстр. 918
فيهم سبعمائة دارع ومائتا فرس، وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة.
ونزل ﵊ بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق
الحواشي
(١) المصطلق وبنو الهون بن خزيمة وبنو الحارث بن عبد مناة، الذين حالفوا قريشا بذنبة حبشي، جبل بأسفل مكة، فسموا به، ويقال: هو واد بمكة، ويقال: سموا بذلك، لتجمعهم على أنهم يد واحدة على غيرهم أبدا. "فيهم سبعمائة دارع" لابس الدرع، وهكذا ذكره ابن سعد. "ومائتا فرس" قاله ابن إسحاق، "وثلاثة آلاف بعير وخمس عشرة امرأة" من أشرافهم. قال ابن إسحاق: خرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة، وأن لا يفروا، بفتح الحاء المهملة، وكسر الفاء، فتحتية ساكنة، ثم ظاء معجمة مفتوحة، ثم تاء تأنيث.
قال السهيلي: أي الغضب للحرم، وقال أبو ذر: الأنفة والغضب، وسمي ابن إسحاق منهن هند بنت عتبة، خرجت مع أبي سفيان، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عكرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبرزة بنت مسعود الثقفية مع زوجها صفوان بن أمية، وريطة بنت منبه السهمية مع زوجها عمرو بن العاص، وهي أم ابنة عبد الله، وسلافة بنت سعد الأنصارية مع زوجها طلحة الحجبي، وخناس بنت مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير أخي مصعب شقيقه، وخرجت عميرة بنت علقمة، ولم يسم الباقين، ونقله عنه الفتح، ولم يزد عليه.
وكذا ذكر في النور الثمانية فقط، وقد أسلمن بعد ذلك وصحبن الأخناس، وعميرة بنت مالك، فلم أر لما ذكرا في الإصابة، وقد صرح في النور، بأنه لا يعلم لهما إسلاما، "ونزل ﵊ بأحد، ورجع عنه عبد الله بن أبي" بن سلول "في ثلاثمائة ممن تبعه من قومه من أهل النفاق" وقال: كما عند ابن سعد عصاني، وأطاع الوالدان ومن لا رأي له ولإبن إسحق قال: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا، فأتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، وكان خزرجيا كابن أبي، فقال: أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم بعدما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما أبوا، قال: أبعدكم الله فسيغني الله عنكم نبيه، واعتذاره لعبد الله، بما ذكر، وإن كان كاذبا فلا ينافي قوله أطاعهم وعصاني، كما توهم؛ لأنه خطاب لقومه الذين هم منافقون مثله. قال ابن عقبة: فلما انخزل ابن أبي بمن معه، سقط في أيدي طائفتين من المسلمين، وهما أن يقتتلا، وهما بنو حارثة من الخزرج، وبنو سلمة، بكسر اللام، من الأوس.
وفي الصحيح، عن جابر، نزلت هذه الآية فينا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آلстр. 919
ويقال: إن النبي ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم، بمكان يقال له الشوط، ويقال بأحد.
الحواشي
(١) عمران: ١٢٢] ، بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: والله وليهما. قال الحافظ: أي: أن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم، لكن في آخرها غاية الشرف لهم. قال ابن إسحاق: قوله والله وليهما، أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل؛ لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم في دينهم.
وفي الصحيح أيضا عن عبد الله بن زيد، لما خرج ﷺ إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحابه ﷺ فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم، وفرقة تقول لا نقاتلهم. فنزل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] ، وقال: إنها طيبة تنفي الذنوب، كما تنفي النار خبث الحديد، وهذا هو الأصح في سبب نزولها، وقوله: الذنوب، كذا رواه البخاري في المغازي، وفي الحج بلفظ: تنفي الرجال، وفي التفسير: تنفي الخبث، وهو المحفوظ قاله في الفتح: "ويقال: إن النبي ﷺ أمرهم بالانصراف لكفرهم"، حكاه مغلطاي وغيره.
والتنظير فيه بأن الذين ردهم لكفرهم، حلفاء ابن أبي اليهود، وكان رجوعهم قبل الشوط لا يلتفت إليه، فنقل الحفاظ لا يدفع بالتوهمات العقلية، وأيضا فهؤلاء ثلاثمائة، واليهود ستمائة، كما مر. والجواب: بأن المعنى أمر بالكف عنهم ونهي عن طلب رجوعهم، فكأنه أمرهم "بمكان يقال له: الشوط" بشين معجمة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء مهملة، اسم حائط بالمدينة، كما في النور. وفي ابن إسحاق: بين المدينة وأحد.
"ويقال:" انخزلوا "بأحد"، وبالأول جزم ابن إسحاق، ثم قال: قال ﷺ لأصحابه: "من يخر بنا على القوم من كثب" أي: "من قرب من طريق لا يمر بنا عليهم" فقال أبو خيثمة: أنا يا رسول الله، فنفذ به في حرة بني حارثة بوبين أمواله، حتى سلك في مال لمربع بن قيظي، وكان منافقا ضريرا، فلما سمع حس المصطفى والمسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله، فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي، وقد ذكر لي، أنه أخذ وجهك، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال ﷺ : "لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر"، وقد بدر إليه سعد بن زيد الأشهلي قبل النهي، فضربه بالقوس في رأسه فشجه، ومضى ﷺ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد.
وفي رواية: أنه لما وصل إلى أحد صلى به الصبح صفوفا عليهم سلاحهم وغلط منстр. 920
ثم صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة.
قال ابن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل.
وجعل ﷺ على الرماة -وهم خمسون رجلا- عبد الله بن جبير، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم
الحواشي
(١) زعم أنه بات بأحد ومربع، بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الموحدة، وعين مهملة، وقيظي، بفتح القاف، وسكون التحتية، وظاء معجمة، وياء مشددة، ويحثي بالياء، على إحدى اللغتين. ففي القاموس: حثى التراب، يحثوه ويحثيه وحثيا، "ثم صف" أي: اصطف "المسلمون بأصل أحد" أي: سفحه، "وصف المشركون بالسبخة" بفتح السين المهملة، وفتح الموحدة، وسكونها، الأرض المالحة وجمعها سباخ، فإذا وصفت بها الأرض قلت: سبخة بالكسر، كما في النور.
"قال" موسى "بن عقبة: وكان على ميمنة خيل المشركين خالد بن الوليد" سيف الله الذي سله على المشركين بعد، "وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل" زاد غيره: وجعلوا على المشاة صفوان بن أمية، ويقال: عمرو بن العاص، وعلى الرماة وكانوا مائة عبد الله بن أبي ربيعة، وأسلموا كلهم.
"و" في البخاري "جعل الله على الرماة" بضم الراء بالنبل، "وهم خمسون رجلا" هذا هو المعتمد.
وفي الهدي: أن الخمسين عدد الفرسان، وهو غلط بين، كما في الفتح، وقد قدمته، وقيل: ما في الهدى انتقال حفظ من الرماة إلى الفرسان، قال البرهان: والظاهر أنه ليس بانتقال؛ لأنه ذكرهم فيما يليه، فقال: واستعمل على الرماة، وكانوا خمسين، انتهى، أي: فهو غلط محض.
"عبد الله بن جبير" بن النعمان، أخا بني عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي العقبي البدري، المستشهد يومئذ، وهو أخو خوات بن جبير "وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير" قال المصنف، بفتح الفوقية، وسكون الخاء المعجمة، وفتح المهملة مخففا، ولأبي ذر تخطفنا، بفتح الخاء وشد الطاء، وأصله تتخطفنا بتاءين إحداهما، أي: إن رأيتمونا قد زلنا من مكاننا وولينا، أو إن قتلنا، أو أكلت الطير لحومنا "فلا تبرحوا من مكانكم هذا، حتى أرسل إليكم".
وعند ابن إسحاق: انضحوا الخيل عنا النبل، لا يأتوننا من خلفنا، "وإن رأيتمونا هزمنا القومстр. 921
وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم". كذا في البخاري من حديث البراء.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم: أن ﷺ أقامهم في موضع ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا".
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ : "من يأخذ هذا السيف بحقه"، فقام إليه رجال، فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني"،
الحواشي
(١) وأوطأناهم" بهمزة مفتوحة، فواو ساكنة، فطاء فهمزة ساكنة، أي: مشينا عليهم، وهم قتلى "فلا تبرحوا" أي: من مكانكم "حتى أرسل إليكم، كذا في البخاري" في الجهاد، بهذا اللفظ. وفي المغازي بتغيير قليل "من حديث البراء" بن عازب.
وفي حديث ابن عباس، عند أحمد والطبراني والحاكم، أنه ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال لهم: "احموا ظهورنا؛ لا يأتونا من خلفنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا" بفتح التاء والراء، أي: لا تكونوا مشاركين لنا.
زاد في رواية: "وارشقوهم بالنبل، فإن الخيل لا تقوم على النبل، إنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، اللهم إني أشهدك عليهم"، وكان أول من أنشب الحرب أبو عامر الفاسق كما يأتي. "قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ : "من يأخذ هذا السيف"؟ ذكر أبو الربيع في الاكتفاء، أنه كان مكتوبا في إحدى صفحتيه:
في الجبن عار وفي الأقدام مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر
وروى أحمد ومسلم عن أنس، والطبراني عن قتادة بن النعمان وابن راهويه، والبزار عن الزبير، قالوا: عرض ﷺ سيفا يوم أحد، فأخذه رجال ينظرون إليه. وفي لفظ: فبسطوا أيديهم، كل إنسان يقول: أنأ، فقال: "من يأخذه بحقه" فأحجم القوم، "فقام إليه رجال" سمى منهم عمرو الزبير، كما عند ابن عقبة، وعلي كما في الطبراني، وأبو بكر كما في الينابيع، "فأمسكه عنهم".
ولابن راهويه، أن الزبير طلبه ثلاث مرات، كل ذلك يعرض عنه، "حتى قام إليه أبو دجانة" بضم الدال المهملة، وبالجيم والنون، "سماك" بسين مهملة، ابن خرشة وقيل: ابن أوس بن خرشة الأنصاري المتفق على شهود بداره، وعلى أنه استشهد باليمامة، "فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني".стр. 922
قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله، فأعطاه إليه وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب، فلما رآه ﵊، يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن".
الحواشي
(١) وروى الدولابي في الكنى عن الزبير، قال ﵇: "لا تقتل به مسلما، ولا تفر به من كافر". "قال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله" أي: بما يقابله من الثمن، وهو الصفة التي ذكرتها، وجعل القتال به ثمنه مجازا.
وعند الطبراني قال: "لعلك إن أعطيتكه تقاتل به في الكيول"، قال: لا، "فأعطاه إليه،" ولعله علم بالوحي أنه لا يقوم به حق القيام إلا هو وهي مزية.
"وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب" قال في النور: الخيلاء والمخيلة والاختيال، كله التكبر، "فلما رآه ﵊ يتبختر قال: "إنها لمشية يبغضها الله" بضم الياء وكشر الغين، من أبغض لا بفتحها، وضم الغين من بغض؛ لأنه لغة رديئة، كما في المصباح والقاموس، وقد وهم في ذلك بعضهم، "إلا في مثل هذا الموطن" لدلالتها على احتقار العدو، وعدم مبالاته بهم على حد قوله:
جاء شقيق عارضا رمحه
فينكسر قلب العدو، ويداخله مزيد الرعب. "قال الزبير بن العوام فيما قاله" عبد الملك "بن هشام" الحميري المعافري المصري، وأصله من البصرة، العلامة في النسب والنحو، المشهور بحمل العلم، مهذب سيرة ابن إسحاق التي رواها عن زيادة البكائي، عنه المتوفى بمصر سنة ثلاث عشرة ومائتين. ولفظه: حدثني غير واحد من أهل العلم، أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف، فمنعنيه، وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش، وقد قمت إليه وسألته إياه قبله، فأعطاه أبا دجانة وتركني "فقلت: والله لأنظرن ما يصنع أبو دجانة فاتبعته" لأشاهد الآية الباهرة في منع المصطفى لي ولغيري فيزداد يقيني.
وقوله: وجدت، أي غضبت، أو حزنت، كما في النور وغيره، أي: على نفسه، خوفا أن المنع بسبب فيه يقتضيه، "فأخذ" لفظ ابن هشام، فأخرج. وفي الينابيع ثم أهوى إلى ساق خفه، فأخرج منها "عصابة له حمراء" مكتوبا في أحد طرفيها نصر من الله وفتح قريب، وفي طرفها الآخر الجبانة في الحرب عار، ومن فر لم ينج من النار، انتهى. "فعصب" قال البرهان: مخففстр. 923
بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت فخرج وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحدًا من المشركين إلا قتله.
الحواشي
(١) ومشدد، "بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج عصابة الموت" في ابن هشام، وهكذا كانت تقول له: إذا تعصب بها، "فخرج وهو يقول: أن الذي" وأنشده الجوهري بلفظ: إني امرؤ "عاهدني" أراد قوله: لعلك إن أعطيتكه تقاتل به في الكيول فقال: "لا "خليلي" قال: في الروض أنكره عليه بعض الصحابة، وقالوا له: متى كان خليلك؟ وإنما أنكره لقوله ﷺ : "لو كنت متخذا خليلا غير ربي لأتخذت أبا بكر خليلا، ولكن إخوة الإسلام" قال: وليس في الحديث ما يدفع أن يقول الصحابي خليلي؛ لأنهم يريدون به معنى الحبيب، ومحبتهم له تقتضي هذا وأكثر منه، ما لم يكن غلوا وقولا مكروها، وإنما فيه أنه ﵇ لم يكن يقولها لأحد، ولا خص بها أحدًا دون أن يمنع أصحابه أن يقولوها له، انتهى.
"ونحن بالسفح،" قال في النور: رأى جانب الجبل عند أصله، "لدى" بفتح اللام والمهملة، أي: عند "النخيل" اسم جنس نخلة، "أن لا أقوم الدهر في الكيول اضرب" بضم الموحدة، قال الجوهري: وإنما سكنه لكثرة الحركات، قال شيخنا: أو لإرادة الإدغام؛ لأن النظم لا يستقيم بدونه، "بسيف الله والرسول" وأنشده الجوهري، بدون الشطر الثاني، ولكن مثله لا يعترض به لأنه زيادة ثقة، "فجعل لا يلقى أحدا من المشركين إلا قتله".
وفي مسلم من حديث أنس: ففلق أبو دجانة بالسيف هام المشركين.
وعند ابن هشام عن الزبير، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحا إلا دفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبو دجانة فأتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها.
قال ابن إسحاق، وقال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت إليه، فلما حملت عليه السيف ولول فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة، وعن الزبير خرج أبو دجانة بعدما أخذ السيف وأتبعته، فجعل لا يمر بشيء إلا أفراه وهتكه وفلق به المشركين، وكان إذا كل شحذه بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منجل، حتى أتى نسوة في سفح الجبل ومعهن هند، وهي تغني، تحرض المشركين فحمل عليها، فنادت: يا لصخر، فلم يجبها أحد، فانصرف عنها فقلت له: كل سيفك رأيته فأعجبني، غير أنك لم تقتل المرأة، قال: كرهتстр. 924
وقوله: في الكيول -بفتح الكاف وتشديد المثناة التحتية- مؤخر الصفوف. وهو: فيعول من كال الزند يكيل كيلا إذا كبا ولم يخرج نارا، فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل. قال أبو عبيدة: ولم يسمع إلا في هذا الحديث.
الحواشي
(١) أن أضرب بسيف رسول الله ﷺ امرأة لا ناصر لها.
ذفف، بالذال المعجمة وشد الفاء الأولى، مفتوحات أسرع قتله، ويحمس حمسا، بحاء مهملة، يروى بالسين المهملة، يشجعهم من الحماسة، وبالشين المعجمة، من أحمشت النار أوقدتها، قاله السهيلي وغيره.
وصمدت إليه قصدته، والمعروف صمدته، لكن ضمن معنى قصد فعداه بإلى؛ لأن قصد يتعدى بإلى وبنفسه، وولولت قالت: يا ويلها هذا قول أكثر اللغويين.
وقال ابن دريد: الولولة، رفع المرأة صوتها في فرح أو حزن، قاله أبو ذر في حواشيه. "وقوله في الكيول، بفتح الكاف وتشديد المثناذة التحتية" مضمومة ثم واو ساكنة ثم لام، "مؤخر الصفوف" كما قاله الجوهري، وأبو عبيد والهروي، وقالا: ما معناه: "وهو فيعول من كال الزند يكيلك يلا إذا كبا ولم يخرج نارا" وذلك شيء لا نفع فيه، "فشبه مؤخر الصفوف به لأن من كان فيه لا يقاتل" وقيل: الكيول الجبان، وقيل: ما أشرف من الأرض بريد تقوم فوقه فتنظر ما يصنع غيرك، كما في النهاية وغيرها، والأول أنسب بالمقام، ولذا اقتصر عليه المصنف تبعا للجماعة، وأما الجبان فلا معنى له هنا إلا بتكلف، وكذا الثالث بعيد من السياق، فإنه وإن كان له معنى لا يناسب قوله: تقاتل به في الكيول، وقال أبو ذر في حواشيه: الكيول، بالتشديد والتخفيف، آخر الصفوف في الحرب.
وقال ابن سراج: من رواه بالتخفيف، فهو من قولهم: كال الزند، إذا نقص، انتهى.
وفي الصحاح: كال الزند يكيل، إذا لم يخرج نارا. قال البرهان: وفي نسخة بهذه السير، يعني العيون في الهامش الكبول، بضم الكاف والموحدة بالقلم جمع كبل، وهو القيد الضخم. وهذا إن صح رواية فله معنى، وفي صحته نظر، انتهى.
"قال أبو عبيدة" معمر بن المثنى: ولد سنة اثنتي عشرة ومائة، ومات سنة تسع أو ثمان، أو عشر أو إحدى عشرة ومائتين، "ولم يسمع" لفظ الكيول، "إلا في هذا الحديث" قال شخنا: لعل المراد لم يسمع في حديث غيره، وإلا فهو منقول عن اللغة، كما يدل عليه الخلاف المتقدم في معناه.
وعند ابن سعد: وكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر، وذكر ابن إسحاق عنстр. 925
وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطأة بن شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف.
والتقى حنظلة الغسيل وأبو سفيان فضربه شداد بن أوس فقتله فقال ﷺ : "إن حنظلة لتغسله الملائكة"،
الحواشي
(١) عاصم بن عمر قتادة أنه حين خرج إلى مكة مباعدا له ﷺ معه خمسون غلاما من الأوس، وقيل: خمسة عشر، كان يعد قريشا لو لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلقيهم في الأحابيش، وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، فقالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق.
وكان يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه ﷺ الفاسق، فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر، ثم قاتلهم قتالا شديدا.
قال ابن سعد: ثم تراموا بالحجارة حتى ولى أبو عامر وأصحابه، وجعل نساء المشركين يضربن بالدفوف والغرابيل، ويحرضن ويذكرنهم قتلى بدر، ويقلن شعرا.
قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أثخن في الناس كما مر، "وقاتل حمزة بن عبد المطلب،" فأثخن خصوصا في الرؤساء، "حتى قتل أرطأة بن شرحبيل" بضم الشين "ابن هاشم بن عبد مناف" بن عبد الدار بن قصي، كما في ابن إسحاق، ولو زادهما المصنف، كان أحسن لئلا يوهم أنهما اللذان في النسب الشريف، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ولذا خصه بالذكر وكونه قاتله، جزم به ابن إسحاق، وقال ابن سعد وغيره: قتله علي وصححه، "والتقى حنظلة الغسيل" بن أبي عامر الفاسق، واسمه عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي.
قال البرهان: ووقع في العيون عبد بن عمرو، والصواب حذف ابن، "وأبو سفيان" بن حرب، فعلاه حنظلة، "فضربه شداد بن أوس" ابن شعوب، قاله ابن سعد، وقال ابن إسحاق والواقدي وغيرهما: شداد بن الأسود، وهو ابن شعوب الليثي، قال في الإصابة: قال المرزباني: شعوب أمه، والأسود أبوه أسلم بعد ذلك وصحب، انتهى. فقصر البرهان في قوله: لا أعلم لشداد إسلاما.
وفي تفسير الحميدي، كما قاله السهيلي: مكان شداد جعونة ابن شعوب الليثي، وهو مولى نافع القاري، وجعونة هو أخو شداد له إدراك، كما في الإصابة في قسم المخضرمين، "فقتله، فقال ﷺ : "إن حنظلة لتغسله الملائكة".
وعند ابن سعد: "رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن، في صحافي الفضة بين السماءстр. 926
فسألوا امرأته جميلة أخت عبد الله بن أبي فقالت: خرج وهو جنب فقال ﵊: "لذلك غسلته الملائكة".
وبذلك تمسك من قال من العلماء: إن الشهيد يغسل إذا كان جنبا.
وقتل علي ﵁ طلحة بن أبي طلحة لواء المشركين،
الحواشي
(١) والأرض"، "فسألوا امرأته جميلة، أخت عبد الله بن أبي" ابن سلول المنافق، وكان ابتني بها تلك الليلة، وكان عرسوا عنده، فرأت في المنام تلك الليلة كأن بابا من السماء، قد فتح له، فدخله، ثم أغلق دونه، فعلمت أنه ميت من غده، فدعت رجالا حين أصبحت من قومها، فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع، ذكره الواقدي، كما في الروض، "فقالت: خرج وهو جنب" حين سمع الهاتفة، "فقال ﵊: "لذلك غسلته الملائكة".
قال في الروض: وذكر أنه التمس في القتلى، فوجدوه يقطر رأسه ماء، وليس بقربة ماء تصديقا لقوله ﷺ انتهى.
والهاتفة، بالتاء والفاء، عند ابن إسحاق أي: الذات الصائحة، قال ابن هشام: ويقال الهائعة، يعني بتحتية، فعين مهملة. قال: والهائعة الصيحة التي فيها فزع، قال: وفي الحديث: "خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه، كلما سمع هيعة طار إليها". قال الطرماح:
أنا ابن حماة المجد من آل هاشم ... إذا جعلت خور الرجال تهيع
"وبذلك" أي: إخبار المصطفى أن الملائكة غسلته، "تمسك من قال من العلماء" كالحنابلة: "أن الشهيد يغسل إذا كان جنبا".
والجواب عن الجمهور: أن تغسيل الملائكة إكرام له، وهو من أمور الآخرة لا يقاس عليه، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أمر بتغسيل أحد ممن استشهد جنبا، "وقتل علي ﵁ طلحة بن أبي طلحة" عثمان، أخو شيبة بن عثمان، "صاحب لواء المشركين" أحد بني عبد الدار لما صاح: من يبارز؟ فبرز له علي، فقتله وهو كبش، أي: سيد الكتيبة، الذي رآه صلى الله عيه وسلم في رؤياه، هكذا ذكر ابن سعد وابن عائذ.
وعند ابن إسحاق: لما قتل مصعب بن عمير أعطى ﷺ اللواء عليا.
قال ابن هشام: وحدثني مسلمة بن علقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يوم أحد، جلس ﷺ تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي أن قدم الراية، فتقدم وقال: أنا أبو القصم بالقاف والفاء" فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، صاحب لواء المشركين: أن هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟، قال: نعم، فبرز بين الصفين، فاختلقا ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم انصرف عنه،стр. 927
ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة، فحمل عليه حمزة ﵁ فقطع يديه وكتفيه.
ثم أنزل الله نصره على المسلمين فحسوا الكفار بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة، فولى الكفار لا يلوون على شيء ونساؤهم يدعون بالويل، وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم. ووقعوا ينتهبون العسكر ويأخذون ما
الحواشي
(١) ولم يجهز عليه، فقال له أصحابه: "أفلا أجهزت عليه؟ قال: إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قتله.
ويقال: إن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين الصفين فنادى: أين قاصم، من يبارز مرارا، فلم يخرج إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة وأن قتلانا في النار، كذبتم واللات والعزى لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم، فخرج إليه علي فقتله.
وقال ابن إسحاق: قتله سعد بن أبي وقاص، "ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي طلحة" وهو يقول:
إن علي أهل اللواء حقا ... أن يخضبوا الصعدة أو تندقا
"فحمل عليه حمزة ﵁، فقطع يديه وكتفيه" أي: ثم مات.
زاد ابن سعد: ثم حمله أبو سعد بن أبي طلحة، فقتله سعد بن أبي وقاص، أي: أو علي كما رأيت، ثم حمله مسافع بن طلحة فرماه عاصم فقتله، ثم حمله الحارث بن طلحة فقتله عاصم، ثم حمله كلاب بن طلحة فقتله الزبير، ثم حمله الجلاس بن طلحة فقتله طلحة بن عبيد الله، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي، ثم حمله شريح بن قارظ فلا يدرى قاتله، ثم حمله صواب غلامهم، فقيل: قتله علي، وقيل: سعد، وقيل: قزمان، وهو أثبت الأقاويل، انتهى.
وجزم به ابن إسحاق كما جزم، بأن قاتل أرطأة حمزة كما مر، "ثم أنزل الله نصره على المسلمين" وصدقهم وعده، "فحسوا الكفار" بفتح الحاء وضم السين مشددة المهملتين، أي: لاستأصلوهم قتلا "بالسيوف، حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت" تامة، أي: وقعت "الهزيمة" لا شك فيها، "فولى الكفار لا يلوون"، يعرجون "على شيء ونساؤهم يدعون بالويل.
روى ابن إسحاق: عن الزبير قال: والل لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عقبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل، ولا كثير، وأصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد، "وتبعهم المسلمون حتى أجهضوهم،" بجيم وضاد معجمة.
قال البرهان: أي: نحوهم وأزالوهم، ووقعوا"، أي شرعا، "ينتهبون العسكر، ويأخذون ماстр. 928
فيه من الغنائم.
وفي البخاري: قال البراء: فقال أصحاب عبد الله بن جبير: أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين.
الحواشي
(١) فيه من الغنائم" واشتغلوا عن الحرب.
قال الزبير: فخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا، وصرخ صارح: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا قوم.
قال ابن إسحاق، وحدثني بعض أهل العلم: أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش، فلاثوا به، بمثلثة، أي: استداروا حوله. قال البرهان: ولا أعلم لها إسلاما، والظاهر هلاكها على دينها.
"وفي البخاري:" عقب ما قدم المصنف عنه قريبا، "قال البراء:" فأنا والله رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسواقهن رافعات ثيابهن، "فقال أصحاب عبد الله بن جبير" وهم الرجالة، الغنيمة، "أي: قوم" أي: يا قوم، "الغنيمة" نصب على الإغراء فيهما، قاله المصنف "ظهر،" أي: غلب "أصحابكم" المؤمنون الكافرين، "فما تنتظرون؟ " أي: فأي شيء تنتظرون بعد ظفر أصحابكم وهزمهم العدو؟، "فقال عبد الله بن جبير:" إنكارا عليهم، "أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ".
وفي المغازي من البخاري، فقال عبد الله عهد إلي النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا. "قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة".
وعند ابن سعد: وثبت أميرهم عبد الله بن جبير، في نفر يسير دون العشرة مكانه، وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ فقالوا: لم يرد هذا، قد انهزم المشركون فما مقامنا ههنا، فانطلقوا يتبعون العسكر، وينتهبون معهم، وخلو الخيل، "فلما أتوهم صرفت وجوههم".
قال المصنف: أي: قلبت وحولت إلى الموضع الذي جاءوا منه، قال شيخنا: ولعل سببه أن المشركين كروا عليهم، "فأقبلوا" حال كونهم "منهزمين" عقوبة لهم لمخالفتهم قوله ﷺ "لا تبرحوا".
قال الحافظ: وفيه شؤم ارتكاب النهي، وأنه يعم ضرره من لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وأن من آثر دنياه أضر بأمر آخرته ولم تحصل له دنياه.стр. 929
وفي حديث عائشة ﵂ عند البخاري أيضا: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولادهم فاجتلدت مع أخراهم.
وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس: أنهم لما رجعوا اختلطوا بالمشركين والتبس العسكران فلم يتميزوا، فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض.
وفي رواية غيرهما: ونظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة أهله فكر بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبي جهل فحملوا على من بقي من النفر الرماة
الحواشي
(١) "وفي حديث عائشة ﵂ عند البخاري أيضا" أنها قالت: "لما كان يوم" وقعة "أحد، هزم المشركون هزيمة بينة" ظاهرة، "فصاح إبليس" وفي رواية: فصرخ إبليس، لعنة الله عليه، "أي: عباد الله" يعني المسلمين، "أخراكم".
قال الحافظ: أي: احترزوا من جهة أخراكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه. وكان ذلك لما ترك الرماة مكانهم، ودخلوا ينتهبون عسكر المشركين كما سبق، انتهى.
"فرجعت أولادهم فاجتلدت" بالجيم، اقتتلت، "مع أخراهم" هي رواية الكشميهني في المناقب ولغيره، فرجعت أخراهم على أولاهم فاجتلدت أخراهم. قال الدماميني: أي: وأولاهم، ففيه حذف عاطف ومعطوف، مثل سرابيل تقيكم الحر، أي: والبرد ومثله كثير.
وفي المغازي: فاجتلدت هي وأخراهم، أي: لظنهم أنهم من العدو، "وعند أحمد والحاكم من حديث ابن عباس ﵄ أنهم لما رجعوا، اختلطوا بالمشركين والتبس" اختلط "العسكران فلم يتميزوا" لشدة ما دهشهم، صاروا لا يعرفون المسلم من الكافر، وتركوا شعارهم الذي يتميزون به، وهو أمت أمت. قال الشامي: أمر بالموت، والمراد التفاؤل بالنصر، يعني الأمر بالإماتة مع حصول الغرض للشعار، فإنهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها، انتهى.
"فوقع القتل في المسلمين بعضهم في بعض" فكان ممن قتلوه خطأ اليمان، والد حذيفة، فقال: غفر الله لكم وترك ديته لهم.
"وفي رواية غيرهما" يعني ابن سعد، "ونظر خالد بن الوليد" المخزومي، أسلم بعد الحديبية، وصحب وصار سيف الله صبه على المشركين، وسيأتي إن شاء الله تعالى في أمراء المصطفى، "إلى خلاء الجبل" بفتح الخاء والمد، "وقلة أهله" عطف سبب على مسبب، "فكر" رجع "بالخيل وتبعه عكمة بن أبي جهل، فحملوا على من بقي من النفر الرماة" الذينстр. 930
فقتلوهم وأميرهم عبد الله بن جبير.
وفي البخاري: أنهم لما اصطفوا للقتال، خرج سباع فقال: هل من مبارز، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁ فشد عليه فكان كأمس الدابر، وكان وحشي كامنا تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحريته حتى خرجت من بين
الحواشي
(١) دون العشرة، "فقتلوهم، و" قتلوا "أميرهم عبد الله بن جبير" ﵃.
"وفي البخاري" في حديث وحشي الطويل: "أنهم لما اصطفوا للقتال خرج سباع" بكسر المهملة بعدها موحدة خفيفة، ابن عبد العزى الخزاعي، الغبشاني بضم المعجمة، وسكون الموحدة، ثم معجمة، ذكر ابن إسحاق أن كنيته أبو نيار، بكسر النون وتخفيف التحتانية، وليس المراد أنه خرج في ابتداء الحرب؛ لأن حمزة قاتل قبله، وقتل عدة، وهذا آخر من قتله، بل المراد خرج في زمن اصطفاف القوم، "فقال: هل من مبارز؟ فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب ﵁".
وللطيالسي: فإذا حمزة جمل أو رق، ما وقع له أحد إلا قمعه بالسيف، ولابن إسحاق: فجعل يهد الناس بسيفه، ولابن عائذ: رأيت رجلا إذ حمل لا يرجع حتى يهزمنا، فقلت: من هذا؟، قالوا: حمزة، فقلت: هذا حاجتي.
وفي البخاري، فقال: يا سباع، يابن أم أنمار، مقطعة البظور اتحاد الله ورسوله، "فشد" حمزة "عليه" على سباع، "فكان كأمس الذاهب".
قال الحافظ: كناية عن قتله، أي: صيره عدما، وفي رواية ابن إسحاق: فكأنما أخطأ رأسه، وهذا يقال عند المبالغة في الإصابة. "وكان وحشي" بن حرب الحبشي مولى جبير بن مطعم "كامنا" مختفيا، وهذا نقل بالمعنى، ولفظ البخاري قال: أي: وحشي، وكمنت لحمزة "تحت صخرة" لأن مولاه جبير أو عده بالعتق إن قتله، فصدر هذا الحديث عند البخاري. قال وحشي: إن حمزة قتل طعيمة بن عدي ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر، فلما إن خرج الناس عام عينين، جبل بحيال أحد، بينه وبينه واد، خرجت مع الناس إلى القتال، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع، فذكر ما نقله المصنف.
وفي رواية الطيالسي: فانطلقت يوم أحد معي حربتي وأنا رجل من الحبشة ألعب لعبهم، قال: وخرجت ما أريد أن أقتل، ولا أقاتل إلا حمزة.
وعند ابن إسحاق: وكان وحشي يقذف بالحربة قذف الحبشة قلما يخطئ، "فلما دنا منه رماه بحربته"، لفظ البخاري: فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته، "حتى خرجت من بينстр. 931
وركيه وكان آخر العهد به. انتهى.
وكان مصعب بن عمير قاتل دون رسول الله ﷺ حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة، وهو يظنه رسول الله ﷺ فصاح ابن قمئة أن محمدًا قد قتل. ويقال كان ذلك أزب العقبة،
الحواشي
(١) وركيه" وعند ابن عائذ: أنه كمن عند شجرة، وعند ابن أبي شيبة من مرسل عمير بن إسحاق: أن حمزة عثر، فانكشف الدرع عن بطنه، فرماه في ثنته، بضم المثلثة، وشد النون، أي: عانته، وقيل: ما بين السرة والعانة.
وللطيالسي: فجعلت ألوذ من حمزة بشجرة، ومعي حربتي حتى إذا استمكنت منه هززت الحربة حتى رضيت منها، ثم أرسلتها فوقعت بين ثندوتيه، وذهب ليقوم فلم يستطع، والثندوة بفتح المثلثة، وسكون النون وضم المهملة بعدها واو خفيفة هي من الرجل، موضع الثدي من المرأة، والذي في الصحيح أن الحربة أصابت ثنته أصح، انتهى من الفتح.
"وكان" ذلك، أي: الرمي بالحربة، "آخر العهد به" كناية عن موته ﵁، "انتهى" ما نقله من حديث الباري عن وحشي، وذكر في بقيته ضيق مكة والطائف عليه، لما فشا الإسلام ثم قدومه على المصطفى وإسلامه، وقوله: "غيب وجهك عني"، ثم مشاركته في قتل مسيلمة بتلك الحربة. "وكان مصعب بن عمير" الذي أطلق عبد الرحمن بن عوف أنه خير منه، كما في الصحيح. "قاتل دون رسول الله ﷺ حتى قتل".
قال ابن سعد: وكان حامل اللواء فأخذه ملك في صورته، وعند غيره فلما قتل أعطى ﷺ الراية عليا، "وكان الذي قتله ابن قمئة" بفتح القاف وكسر الميم بعدها همزة، واسمه عبد الله كما قاله ابن هشام، "وهو يظنه رسول الله ﷺ " لأنه كان إذ لبس لامته يشبه النبي ﷺ كما قال بعضهم، "فصاح ابن قمئة" لظنه الخائب ولله الحمد "أن محمدًا قد قتل".
روى ابن سعد، عن محمد بن شرحبيل: أن مصعبا حمل اللوء يوم أحد، فقطعت يده اليمنى، فأذه بيده اليسرى وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية، ثم قطعت يده اليسرى فحتى على اللواء، أي: أكب عليه، وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية.
قال محمد بن شرحبيل: وما نزلت هذه الآية يومئذ حتى نزلت بعد، "ويقال" وبه جزم ابن هشام، "كان ذلك" الصارخ بأن محمدا، قد قتل، "أزب" أي: عامر، "العقبة" وجاء في حديث مرفوع أنه ﷺ قال: "هذا إزب العقبة".стр. 932
ويقال: إبليس لعنه الله تصور في صورة جعال.
وقال قائل: أي عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون، وانهزمت طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم، ووقع فيهم القتل.
الحواشي
(١) قال السهيلي: قيد هنا بكسر الهمزة، وسكون الزاي، وابن ماكولا قيده بفتح الهمزة. وحديث ابن الزبير يشهد للأول إذا رأى رجلا طوله شبران على برذعة رحله، فقال: ما أنت؟ قال: إزب، قال: ما إزب؟ قال: رجل من الجن، فضربه على رأسه بعود السوط حتى باض، أي: هرب.
وقال يعقوب بن السكيت في الألفاظ: الإزب القصير، فالله أعلم، أي الضبطين أصح هل الإزب والأزب شيطان واحد أو اثنان، انتهى. وظاهره سكون الزاي، وخفة الباء مع كسر الهمزة وفتحها، ومقتضى القاموس، أي: مفتوحها بفتح الزاي وشد الموحدة، وبعض المتأخرين جعلهما قولين.
"ويقال إبليس لعنه الله" كما جزم به ابن سعد، "تصور في صورة جعال"، ويقال له جعيل بن سراقة الضمري، أو الغفاري، أو الثعلبي. قال في الاستيعاب: وكان رجلا صالحا دميما أسلم قديما وشهد معه ﵇ أحدًا، ويقال: إنه الذي تصور إبليس في صورته يوم أحد، انتهى. فصرخ ثلاث صرخات أن محمدا قد قتل ولم يشك فيه أنه حق، وكان جعال إلى جنب أبي بردة بن نيار، وخوات بن جبير يقاتل أشد القتال، ثم ليس هذا بخلاف محقق، فالثلاثة صاحوا ابن قمئة لظنه، والأزب وإبليس لمحاولة ما لم يصلا إليه.
"وقال قائل" هو إبليس لعنه الله، كما في البخاري، وقدمه المصنف قريبا، فنقله عن غيره عجب، "أي: عباد الله أخراكم، أي: احترزوا من جهة أخراكم".
قال المصنف: أي: احترزوا من الذين وراءكم متأخرين عنكم، وهي كلمة تقال لمن يخشى أن يؤتى عند القتال من ورائه، وغرض اللعين أن يغلطهم ليقتل المسلمون بعضهم بعضا، "فعطف" أي: رجع "المسلمون يقتل بعضهم بعضا وهم لا يشعرون" من العجلة والدهش، "وانهزمت طائفة" قليلة "منهم"، واستمروا "إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم ووقع فيهم القتل".
قال الحافظ: والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق، فرقة استمروا في الهزيمة إلى قرب المدينة، فما رجعوا حتى انفض القتال وهم قليل، وهم الذين نزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ، وفرقة صاروا حيارى لما سمعوا أن النبي ﷺ قد قتل، فصارت غاية الواحد منهم أن يذب عن نفسه، أو يستمر على بصيرته في القتال إلى أن يقتل وهم أكثرстр. 933
وقال موسى بن عقبة: ولما فقد ﵊، قال رجل: منهم: إن رسول الله ﷺ قد قتل، فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلو البيوت. وقال رجال منهم: إن كان رسول الله ﷺ قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء. منهم أنس بن مالك بن النضر شهد له بها عند النبي ﷺ سعد بن معاذ.
قال في "عيون الأثر": كذا وقع في هذا الخبر: أنس بن مالك، وإنما هو
الحواشي
(١) الصحابة، وفرقة ثبتت مع النبي ﷺ ثم تراجعت إليه الفرقة الثانية شيئا فشيئا لما عرفوا أنه حي، انتهى.
"وقال موسى بن عقبة: ولما فقد" بالبناء للمفعول، "﵊"، أي: غاب عن أعينهم لشدة ما دهشهم، أو في ظنهم، أو بحسب الإشاعة فلا يرد أنه ﵇ لم يفارق مكانه، ولم تزل قدمه شبرا واحدا. "قال رجل منهم"، قال في النور لا أعرف اسمه: "إن رسول الله ﷺ قد قتل".
وفي رواية الطبراني قال بعض من فر إلى الجبل: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليستأمن لنا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل، "فارجعوا إلى قومكم ليؤمنوكم قبل أن يأتوكم" الكفار "فيقتلوكم فإنهم داخلوا البيوت" مجرور بالإضافة، ولذا حذفت النون، ويجوز عربية نصب البيوت، وقد قرئ شاذا، والمقيمي الصلاة بنصب الصلاة كما في النور، أي تخفيفا بحذف النون كما يحذف التنوين لالتقاء الساكنين، وهي قراءة الحسن وأبي عمر. وفي رواية كما في إعراب السمين. وفي رواية الطبراني فقال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمدا قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وأسقط من كلام ابن عقبة، وقال رجال منه: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا وهؤلاء منافقون.
"وقال رجال منهم" مؤمنون، قد تمكن الإيمان من قلوبهم، وهم الذين غشاهم النعاس أمنة: "إن كا رسول الله ﷺ قتل" شكوا في الأخبار لما وقر في قلوبهم، واطمأنت عليه نفوسهم أنه ﷺ لا بد وأن يظهره الله على أعدائه، ويفتح له الفتح المبين، وهم أهل الصدق واليقين، "أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء منهم أنس بن مالك بن النضر" بنون وضاد معجمة ساكنة، "شهد له بها" بهذه المقالة، "عند النبي ﷺ " بعد قتله يومئذ "سعد بن معاذ" سيد الأوس.
"قال" الحافظ اليعمري "في عيون الأثر: كذا وقع في هذا الخبر أنس بن مالك، وإنما هوстр. 934
أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر. انتهى.
وثبت النبي ﷺ ...................................................................
الحواشي
(١) أنس بن النضر عم أنس بن مالك بن النضر، انتهى" وهو تعقيب حسن كما في النور، والجمع بإمكان أن كلا قال ذلك فاسد لصغر أنس عن قول مثل ذلك في المشاهد، فقد صح أنه خدم النبي لما قدم المدينة وهو ابن عشر سنين، فيكون يوم أحد ابن ثلاث عشرة سنة، فإن كان حضر الوقعة، فإنما كان في خدمة المصطفى، أو مع عمه على نحو ما مر في بدر.
وقد روى ابن إسحاق أن أنس بن النضر عم أنس بن مالك جاء إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل ﷺ ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل العدو فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل، عن أنس قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته عرفته ببنانه.
وفي الصحيح عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون قال: اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.
قال الحافظ: وأو للتقسيم لا للشك، قال: وسياق الحديث يشعر بأن أنس بن مالك إنما سمع هذا الحديث من سعد بن معاذ؛ لأنه لم يحضر قتل عمه، انتهى. وهذا مما يرد الجمع المار، "وثبت النبي ﷺ " بإجماع.
قال ابن سعد: ما يزول يرمي عن قوسه حتى صارت شظايا، ويرمي بالحجر. وروى البيهقي عن المقداد: فوالذي بعثه بالحق ما زالت قدمه شبرا واحدا، وإنه لفي وجه العدو، وتفيء إليه طائفة من أصحابه مرة، وتفترق مرة، فربما رأيته قائما يرمي عن قوسه، ويرمي بالحجر حتى انحازوا عنه.
وروى أبو يعلى بسند حسن عن علي لما انجلى الناس يوم أحد، نظرت في القتلى فلم أر رسول الله ﷺ فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن أرى أن الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه فما لي خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي، ثم حملت علىстр. 935
وانكشفوا عنه، وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق ﵁ وسبعة من الأنصار.
وفي البخاري: لم يبق معه ﵊ إلا اثنا عشر رجلا
الحواشي
(١) القوم فأفرجوا إلي، فإذا أنا برسول الله بينهم، أي: يقاتلهم ﷺ .
وروى الحاكم في المستدرك بسند على شرط مسلم، عن سعد: لما جال الناس عن رسول الله ﷺ تلك الجولة يوم أحد، قلت: أذود عن نفسي فإما أن أستشهد، وإما أن ألحق حتى ألقى رسول الله ﷺ ، فبينما أنا كذلك إذا رجل مخمر وجهه، ما أدري من هو، فأقبل المشركون حتى قلت قد ركبوه، فملأ يده من الحصى، ثم رمى به في وجوههم فتنكبوا على أعقابهم القهقري حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارا، ولا أدري من هو وبيني وبينه المقداد، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك، فقلت: وأين هو، فأشار لي إليه، فقمت ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى، وأجلسني أمامه، فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك، فارم به عدوك، ورسول الله يقول: "اللهم استجب لسعد، اللهم سدد رميته وأجب دعوته"، حتى إذا فرغت من كنانتي، نثر ﷺ ما في كنانته، فنبلني سهما نضا. قال: وهو الذي قد ريش وكان أشد من غيره.
"وانكشفوا عنه" قال محمد بن سعد، "وثبت معه من أصحابه أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، فيهم أبو بكر الصديق ﵁" وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، "وسبعة من الأنصار" أبو دجانة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة بدل الأخيرين، ذكره الواقدي كما في الفتح، وذكر غيره في المهاجرين علي بن أي طالب، وكان من لم يذكره لأنه كان حامل اللواء بعد مصعب، فلا يحتاج إلى أن يقال ثبت، قال في السبل، ويقال ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول: وجهي دون وجهك، ونفسي دون نفسك، وعليك السلام غير مودع.
"وفي البخاري" في حديث البراء الذي قدم المصنف منه قطعتين عقب قوله في الثانية: فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم فـ" لم يبق معه ﵊ إلا اثنا عشر رجلا" ولفظه: فلم يبق مع النبي ﷺ غير اثني عشر رجلا.
زاد ابن عائذ من مرسل عبد الله بن حنطب من الأنصار.
وفي مسلم عن أنس أفرد ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فقولстр. 936
فأصابوا منا سبعين، وكان ﵊ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا.
الحواشي
(١) طلحة وسعد إنه لم يبق معه غيرهما رواه البخاري، أي من المهاجرين.
وعند الحاكم أن المقداد ممن ثبت، فيحتمل أنه حضر بعد تلك الجولة، وللنسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر، تفرق الناس يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة، وهو كحديث أنس إلا أنه زاد ثلاثة، فلعلهم جاءوا بعد، ويجمع بينه وبين حديث غير طلحة وسعد، بأن سعدا جاءهم بعد ذلك كما مر عنه، وأن المذكورين من الأنصار استشهدوا كما في مسلم عن أنس، فقال ﷺ : "من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة" فقام رجال من الأنصار فاستشهدوا كلهم، فلم يبق غير طلحة وسعد، ثم جاء بعدهم من جاء، وسمى ابن إسحاق بسنده ممن استشهد من الأنصار الذين بقوا مع النبي ﷺ يومئذ زياد بن السكن، قال: وبعضهم يقول: عمارة بن زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، واختلاف الأحاديث باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما ولى من ولى، وصاح الشيطان، اشتغل كل واحد بهمه والذب عن نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب بقائه ﷺ فتراجعوا إليه أولا فأولا، ثم بعد ذلك كان يقدمهم إلى القتال، فيشتغلون به، ذكره الحافظ ملخصا، وذكر بعض شراح البخاري أن الانثي عشر قيل هم العشرة، وجابر، وعمار، وابن مسعود.
قال الحافظ في مقدمة الفتح: هذا غلط من قائله إنما ذلك حال الانفضاض يوم الجمعة، وقد ثبت في الصحيح أن عثمان لم يبق معه.
وقال البرهان: وهؤلاء ثلاثة عشر، وكأنه انتقل حفظه من الانفضاض في الجمعة إلى هنا. "فأصابوا منا" أي: من المسلمين، وفي رواية منهم "سبعين" قتيلا، "وكان ﵊" وأصحابه أصابوا" هكذا رواه الكشميهني ولغيره أصاب فينبغي كما قال شيخنا قراءة، وأصحابه بالنصب مفعولا معه، أي: أصاب مع أصحابه "من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا" كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
قال الحافظ: وروى سعيد بن منصور من مرسل أبي الضحى: قتل يوم أحد سبعون، أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان وسائرهم من الأنصار، وبهذا جزم ابن إسحاق، وأخرج ابن حبان والحاكم عن أبي بين كعب قال: أصيب يوم أحد من الأنصار أربعة وستون من المهاجرين، ستة، وكان الخامس سعدا مولى حاطب بن أبي بلتعة، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني شمس.стр. 937
فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، ثلاث مرات، فنهاهم النبي ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات،
الحواشي
(١) وذكر المحب الطبري عن الشافعي أنهم اثنان وسبعون، وعن مالك خمسة وسبعون من الأنصار خاصة أحد وسبعين، وسرد أبو الفتح اليعمري أسماءهم فبلغوا ستة وتسعين من المهاجرين، أحد عشر وسائرهم من الأنصار منهم من ذكره ابن إسحاق، والزيادة من عند موسى بن عقبة، أو ابن سعد، أو هشام بن الكلبي، ثم ذكر عن ابن عبد البر، وعن الدمياطي أربعة، أو خمسة: قال: فزادوا على المائة.
قال اليعمري: قد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] أنها نزلت تسلية للمؤمنين عمن أصيب منهم يوم أحد، فإن ثبت، فالزيادة ناشئة عن الخلاف في التفصيل، وليست زيادة في الجملة.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي يعول عليه، والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي عن علي: أن جبريل هبط فقال: خيرهم في أسارى بدر القتل، أو الفداء على أن يقتل منهم قابل مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا.
قال اليعمري: ومن الناس من يجعل السبعين من الأنصار خاصة، وبه جزم ابن سعد.
قال الحافظ: فكان الخطاب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] ، للأنصار خاصة، ويؤيده قول أنس: أصيب منا يوم أحد سبعون وهو في الصحيح بمعناه، انتهى.
قال الحافظ برهان الدين الحلبي: ولم أر أحدا ذكر أسرى في أحد، وما وقع في بعض نسخ سيرة مغلطاي الصغرى، وتفسير الكواشي من أنه أسر سبعون، ويقال: خمسة وستون، فغلط وخطأ أو شاذ منكر لا التفات إليه.
"فقال أبو سفيان" لما انحاز الفريقان وأراد الانصراف إلى مكة: "أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فناههم النبي ﷺ أن يجيبوه" هذا لفظ البخاري في كتاب الجهاد، ولفظه في كتاب المغازي: وأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟، فقال: "لا تجيبوه"، وهي التي وقف عليها شيخنا، فاعترض على المصنف بها وهو معذور، "ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ " أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان، "ثلاث مرات" هكذا ثبت في الجهاد من البخاري، وفي المغازي قال: أي النبي ﷺ : "ولا تجيبوه". "ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب" عمر، "ثلاث مرات".
قال المصنف: والهمزة في الثلاثة للاستفهام الاستخباري ونهيه ﵇ عن إجابةстр. 938
ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لكما يسوءك، قال: يوم بيوم، والحرب سجال.
الحواشي
(١) أبي سفيان تصاونًا عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله. وكان ابن قمئة قال لهم: قتلته "ثم رجع" أبو سفيان عن السؤال "إلى" أخبار "أصحابه،" فلا ينافي ما قيل إنه ناداهم وهو على فرسه في مكانه، "فقال: أما،" بشد الميم، "هؤلاء فقد قتلوا".
وفي المغازي فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، "فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت" والله "يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم".
قال المصنف: إنما أجابه بعد النهي حماية للظن برسول الله ﷺ أنه قتل وأن بأصحابه الوهن فليس فيه عصيان له في الحقيقة، انتهى، يعني على ظاهر حديث البخاري هذا في الجهاد والمغازي، وإلا ففي فتح الباري في حديث ابن عباس عند أحمد والطبراني والحاكم أن عمر قال: يا رسول الله ألا أجيبه؟ قال: "بلى"، فكأنه نهى عن إجابته في الأولى، وأذن فيها في الثالثة، انتهى. ولا منافاة بين الحديثين لأن عمر لم يتمكن من إدامة ترك الجواب، فاستأذنه ﷺ فأذن له، فأجابه سريعًا "وقد بقي لك ما يسوءك".
قال المصنف: يعني يوم الفتح، وهذا لفظ البخاري في الجهاد، ولفظه في المغازي: أبقى الله عليك، وفي لفظ: لك ما يحزنك. قال المصنف: بالتحتية المضمومة، وسكون الحاء المهملة بعدها نون ساكنة أو بالمعجمة وبعدها تحتية ساكنة، انتهى.
"قال" أبو سفيان: "يوم بيوم بدر" أي: هذا اليوم في مقابلة يوم بدر، وفي حديث ابن عباس، فقال عمر: لا سواء قتلاا في الجنة وقتلاكم في النار. قال أبو سفيان: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، "والحرب سجال" قال الحافظ وغيره: بكسر المهملة وتخفيف الجيم، أي: دول مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء.
وفي حديث ابن عباس: الأيام دول والحرب سجال، واستمر أبو سفيان على اعتقاد ذلك حتى قاله لهرقل وقد أقر، بل نطق ﷺ بقوله: "الحرب سجال"؛ كما في حديث أوس بن أوس عند ابن ماجه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، بعد قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ، فإنها نزلت في قصة أحد بالاتفاق، والقرح: الجراح، انتهى.
قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلي يا عمر، فقال ﷺ لعمر: "ائته فانظر ما شأنه"، فقال: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدًا؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامكстр. 939
وتوجه ﷺ أصحابه، فاستقبله المشركون فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته، والذي جرح وجهه الشريف عبد الله بن قمئة، وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد هو الذي كسر رباعيته،
الحواشي
(١) الآن، قال: أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر.
قال الحافظ: في الحديث منزلة أبي بكر وعمر من النبي ﷺ وخصوصيتهما به بحيث كان أعداؤهم لا يعرفون غيرهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن غيرهما، ولم يسأل عن هؤلاء الثلاثة إلا لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. "وتوجه ﷺ يلتمس أصحابه، فاستقبله المشركون، فرموا وجهه فأدموه وكسروا رباعيته" بفتح الراء وتخفيف الموحدة، والجمع رباعيات، وهي السن التي بين الثنية والناب، والمراد أنها كسرت فذهب منها فلقة ولم تقلع من أصلها، قاله في الفتح والنور، "والذي جرح وجهه الشريف عبد الله"، وسماه ابن القيم في الهدى عمرو "بن قمئة، لكن بالأول جاء حديث أبي أمامة الآتي، وبه جزم ابن هشام، "وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد،" أحد العشرة، "هو الذي كسر رباعيته" لأنه رماه بأربعة أحجار، فكسر حجر منها رباعيته.
روى ابن إسحاق عن سعد بن أبي وقاص: ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل أخي عتبة بن أبي وقاص لما صنع برسول الله ﷺ ولقد كفاني منه قول رسول الله ﷺ : "اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله".
وروى عبد الرزاق في تفسيره من مرسل مقسم، وسعيد بن المسيب، أنه ﷺ دعا على عتبة حين كسر رباعيته ودمى وجهه، فقال: "اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا" فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.
وروى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه مجاهيل عن حاطب بن أبي بلتعة، أنه لما رأى ما فعل قال: يا رسول الله، من فعل بك هذا؟، قال: "عتبة" قلت: أين توجه؟ فأشار إلى حيث توجه، فمضيت حتى ظفرت به، فضربته بالسيف، فطرحت رأسه، فنزل، فأخذت رأسه وفرسه وسيفه، وجئت إلى رسول الله ﷺ فنظر إلى ذلك، ودعا لي، فقال: "رضي الله عنك" مرتين.
قال الحافظ: وهذا لا يصح لأنه لو قتل إذ ذاك كيف كان يوصي أخا سعدا، وقد يقال لعله ذكر له، قبل وقوع الحرب احتياطا، انتهى.
قال ابن إسحاق: وقال حسان لعتبة:
إذا الله جازى معشرا بفعالهم ... ونصرهم الرحمن رب المشارق
فأخزاك ربي يا عتيب بن مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق
بسطت يمينا للنبي تعمدا ... فأدميت فاه قطعت بالبوارقстр. 940
ومن ثم لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أبخر أو أهتم -أي مكسور الثنايا من أصلها- يعرف ذلك في عقبه.
وقال ابن هشام: في حديث أبي سعيد الخدري: إن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يومئذ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب
الحواشي
(١) فهلا ذكرت الله والمنزل الذي ... تصير إليه عند إحدى البوائق
قال ابن هشام: تركت منها بيتين أقذع فيهما وفي هذا كله أنه مات كافرا.
قال في الإصابة في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة غلطا لم أر من ذكره في الصحابة إلا ابن منده، واستند لقول سعد في ابن أمة زمعة: عهد إلى أخي عتبة أنه ولده، وليس فيه ما يدل على إسلامه، وقد شدد أبو نعيم في الإنكار على ابن منده، واحتج بما مر عن عبد الرزاق، وفي الجملة ليس من الآثار ما يدل على إسلامه بل فيها ما يصرح بموته على الكفر كما مضى، فلا معنى لإيراده في الصحابة، انتهى.
"ومن ثم" كما قال في الروض: "لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث" أي: أوانه، وهو الحلم كما عبر به السهيلي، "إلا وهو أبخر"، منتن الفم. وقال صاحب الخميس: أي: عطشان لا يروى. وفي القاموس: البخر العطش، فلا يروى من الماء، "أو اهتم، أي: مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه" هكذا لفظ الروض أبخر، أو أهتم بأو، كما رأيته فيه، وكما نقله في النور عنه، وهو يفيد أن الحاصل لهم أحد الأمرين لا هما معا، ووقع في نقل السبل عن الروض بحذف أو، فإن لم تكن سقطت أو من الكاتب فكان نسخ الروض اختلفت، فتجعل أو مانعة خلو، فلا ينافي الجمع في نسله بينهما، ولم يحصل مثل ذلك في نسل ابن شهاب، وابن قمئة؛ لأن أثر جراحتهما لم يدم بخلاف كسر الرباعية، فباق وإن لم يشنه ﷺ لا سيما والزهري أسلم، فجب ما قبله هذا.
وروى ابن الجوزي والخطيب في تاريخه، عن محمد بن يوسف الحافظ الفريابي قال: بلغني أن الذي كسر رباعيته ﷺ لم يولد له صبي، فتنبت له رباعية، وجمع شيخنا بينهما بحمل الثنايا في المصنف على الرباعية لمجاورتها لها، والكسر على عدم نباتها من أصلها.
"وقال ابن هشام" عبد الملك في السيرة: من زيادته على ابن إسحاق، "في حديث أبي سعيد الخدري: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله ﷺ يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى" هذا فائدة ذكره رواية ابن هشام؛ لأن فيها تعيين الرباعية المبهمة في الرواية السابقة، ولقوله: "جرح شفته السفلى" ولقوله: "وإن عبد الله بن شهاب" بن عبد الله بن الحارث بن زهرةстр. 941
الزهري شجه في جبهته، وإن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من المغفر في وجنته، ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها المسلمين.
وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه -أي كسروا الخوذة- ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده، واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما،
الحواشي
(١) ابن كلاب القرشي "الزهري" جد الإمام الفقيه من قبل أبيه، شهد أحدًا مع الكفار، ويقال: هو الذي شج وجه النبي ﷺ ثم أسلم بعد ذلك، ومات بمكة.
قاله أبو عمر تبعا للزبير بن بكار، وذكر البلاذري أنه مات في أيام عثمان، وأما جده من قبل أمه وهو أخو هذا، واسمه أيضا عبد الله، فكان من السابقين، ذكره الزهري والزبير والطبري فيمن هاجر إلى الحبشة، ومات بمكة قبل هجرة المدينة. زاد ابن سعد: وليس له حديث ذكره في الإصابة.
وفي الروض: أن الأول أصغر من الثاني، واختلف من المهاجر منهما للحبشة، وقيل لابن شهاب: أكان جدك ممن شهد بدرا؟ فقال: نعم، ولكن من ذلك الجانب، يعني مع الكفار، انتهى.
"شجه في جبهته" ذكر البرهان عن بعض أشياخه أن هذا غريب، ولذا مرضه في الإصابة حيث قال: يقال: هو الذي شج وجهه كما رأيت، "وإن ابن قمئة جرح وجنته" مثلث الواو، والأشهر الفتح، أي: ما ارتفع من لحم خده، فحصل في رواية ابن هشام هذه بيان مبهم قوله في الأول جرح وجهه، "فخلت حلقتان من المغفر" بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء، زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، قاله المصنف في المقصد الثالث "في وجنته، ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق" كما سماه ﷺ ، وكان يقال له الراهب، وهو عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان الأوسي، مات كافرا سنة تسع، وقيل: سنة عشر، ذكرهما ابن عبد البر. وقال غيره: سنة سبع، وقد مر أنه أول من أنشب الحرب، "يكيد بها المسلمين" لفظ ابن هشام من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيه المسلمون وهم لا يعلمون.
"وفي رواية: وهشموا البيضة على وجهه" لفظ مسلم عن عمر: وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، "أي: كصروا الخوذة ورموه بالحجارة حتى سقط لشقه" أي: عليه، "في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر، فأخذ علي بيده واحتضنه" ولفظ ابن هشام، ورفعه "طلحة بن عبيد الله" التيمي، أحد العشرة، "حتى استوى قائما".
وفي الصحيح عن قيس: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. وفيстр. 942
ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه الشريف، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريف.
الحواشي
(١) الإكليل: أن طلحة جرح يوم أحد تسعا وثلاثين، أو خمسا وثلاثين، وشل أصبعاه، أي: السبابة والتي تليها. وللطيالسي عن عائشة: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: كان ذلك اليوم كله لطلحة.
وروى النسائي والبيهقي بسند جيد عن جابر: أدرك المشركون رسول الله ﷺ فقال: "من للقوم"؟ فقال طلحة: أنا، فذكر قتل الذين كانوا معهما من الأنصار، قال: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده، فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال ﷺ : "لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء ثم رد الله المشركين" "ونشبت" بكسر الشين المعجمة، أي: علقت، والمراد دخلت، "حلقتان" تثنية حلقة بسكون اللام، "من المغفر في وجهه الشريف" أي: في وجنته بسبب جراح ابن قمئة وجنته، كما بينه في رواية ابن هشام التي قبل هذه الرواية، "فانتزعهما أبو عبيدة" عامر بن عبد الله "بن الجراح" أحد العشرة، أمين هذه الأمة، "وعض عليهما حتى سقطت ثنتياه" في مرتين، "من شدة غوصهما في وجهه الشريف" كما روى ابن إسحاق عن أبي بكر بسند صحيح: أن با عبيدة نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين.
وفي الاستيعاب قيل: إن عقبة بن وهب بن كلدة هو الذي نزع الحلقتين، وقيل: أبو عبيدة.
قال الواقدي: قال عبد الرحمن بن أبي الزياد: نرى أنهما جميعا عالجاهما وأخرجاهما من وجنتي النبي ﷺ انتهى.
وفي الرياض النضرة قيل: إن المنتزع أبو بكر، انتهى. فيجوز أن الثلاثة عالجوهما، وقول النور قوله يعني اليعمري في العيون: أن طلحة بن عبيد الله نزع إحدى الحلقتين وهم، فلم يقع ذلك في العيون ولا في غيرها.
وروى أبو حاتم عن الصديق: رمي ﷺ ووجنته، فأهويت إلى السهم لأنزعه، فقال أبو عبيدة: نشدتك بالله يا أبا بكر ألا تركتني، فتركته، فأخذ أبو عبيدة الهم بشفته، فجعل يحركه ويكره أن يؤذيه ﷺ ثم استله بفيه.
قال في الرياض النضرة: يجوز أن السهمين أثبتا حلقتي الدرع، فانتزع الجميع فسقطتا لذلك، انتهى.стр. 943
وامتص مالك بن سنان -والد أبي سعيد الخدري ﵁ الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال ﵊: "من مس دمي لم تصبه النار"، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه ﵊.
وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقماك الله"، فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة.
الحواشي
(١) وعند الواقدي عن أبي سعيد: أن الحلقتين لما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن بسين مهملة وضم الراء، أي: يجري، "وامتص" أي: مص، وبه عبر ابن هشام، "مالك بن سنان، والد أبي سعيد" سعد، "الخدري ﵄ الدم من وجنته، ثم ازدرده" كله على ظاهر رواية ابن هشام هذه، لكن في رواية: أنه جعل يأخذ الدم بفيه، ويمجه ويزدرد منه، فقال له: "أتشرب الدم"؟ فقال: نعم يا رسول الله، "فقال ﵊: "من مس دمي لم تصبه" وفي رواية: "لم تمسه" "النار"، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه ﵊ وهو الطهارة على الراجح، ومجموع من قيل: إنه شرب دمه لا في خصوص هذا اليوم مالك بن سنان هذا، وعلي، وابن الزبير، وأبو طيبة الحجام، وسالم بن أبي الحجاج وسفينة مولى المصطفى.
"وفي الطبراني من حديث أبي أمامة" صدى بصاد ودال مفتوحة مهملتين، ابن عجلان الباهلي، "قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ يوم أحد، فشج وجهه وكسر رباعيته" مر إن الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجعلهم صاحب المنتقى قولين، وجمع شيخنا بأن عتبة كسرها أولا، فلما شجه ابن قمئة، أثرت ضربته في رباعيته، فنسب كسرها له، "فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله ﷺ وهو يمسح الدم عن وجهه: "أقمأك الله".
قال البرهان: بهمزة مفتوحة في أوله، وأخرى في آخره، أي: صغرك وذلك، "فسلط الله عليه تسيل جبل" وهو ذكر الظباء، فإن لم يضف للجبل فذكر المعز، "فلم يزل" أي: استمر، "ينطحه حتى قطعه" فعل، وفاعل ومفعول، "قطعة قطعة" أي: قطعة بعد قطعة.
وروى ابن عائذ عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر، قال: انصرف ابن قمئة عن ذلك اليوم إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذروة جبل، فأخذ فيها يعترضها، ويشد عليه تيسها، فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل، فتقطع وهو منقطع، كما قال الحافظ: فإن أردت الترجيح، فرواية الطبراني موصولة، فتقدم على المنقطع، ولذا اقتصر عليها المصنف، وإن أردت الجمعстр. 944
وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل عن أنس قال: كسرت رباعيته ﷺ يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:
الحواشي
(١) فيمكن أنه لما نطحه تيس غنمه، وقع من هاشق الجبل إلى أسفل، فسلط الله عليه تيس الجبل، فنطحه حتى قطعه قطعا زيادة في نكاله وخزيه ووباله.
"وروى ابن إسحاق" محمد في السيرة، "عن حميد الطويل" الخزاعي البصري، ثقة تابعي صغير حافظ، توفي وهو قائم يصلي سنة أربعين ومائة، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: اثنتين، وله خمس وسبعون سنة، واختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، قيل: كان طويل اليدين، فلقب بذلك.
وقال الأصمعي: رأيته ولم يكن طويلا، لكن كان له جار يعرف بحميد القصير، فقيل له: الطويل، ليعرف من الآخر.
ولفظ ابن إسحاق: حدثني حميد، وكان الأولى للمصنف أن يأتي به؛ لأن ابن إسحاق وإن كان ثقة حافظا، لكنه يدلس فلا يقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث، كما هو الواقع هنا، ثم حميد يدلس أيضا، ولذا علقه البخاري، وقرنه بثابت، فقال: حميد وثابت، "عن أنس قال: كسرت رباعيته ﷺ يوم أحد، وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، وجعل يمسحه، ويقول: "كيف" استفهام تعجب، "يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم" وذلك مقتض لمزيد إكرامه، وإنزالهم إياه منزلة الروح من الجسد لا إيذائه، "فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، إنما أنت عبد مأمور بإنذارهم، وجهادهم وشيء اسمه ليس ولك خبر، ومن الأمر حال من شيء لأنها صفة مقدمة، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ إن أسلموا فنسر به، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُم﴾ إن أصروا فتشتفي منهم، وأو بمعنى إلا أن كما قطع به الجلال، وزاد البيضاوي: أو عطف على الأمر، أو شيء بإضمار أن، أي: أليس لك شيء من أمرهم، أو التوبة عليهم، أو تعذيبهم، ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، بالكفر، وأما جعله عطفا على قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا، كما جزم به المصنف في شرح الصحيح، أو على قوله: أو يكبتهم وليس لك من الأمر اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، كما هو أحد الوجوه في البيضاوي، فقيه وقفة؛ لأن عامل يكبتهم هو قوله: ليقطع، وهو متعلق بقوله: نصركم، فكيف يكون سبب لنزول قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الآية، المسوق لغير ما سيق له ما قبله، ثم قوله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِстр. 945
١٢٨] . ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق حميد به.
وعند ابن عائذ من طريق الأوزاعي: بلغنا أنه لما جُرِحَ ﷺ يوم أحد، أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: "لو وقع شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء،
الحواشي
(١) شَيْءٌ﴾ الآية. ليس قول المصنف، بل قول أنس، وحكمه الرفع, فإنه في ابن إسحاق، كما ذكر المصنف حرفًا بحرف لم يتصرَّف عليه إلّا في إبدال، حدَّثني حميد بقوله عن حميد، وقد رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس بلفظ: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. "ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طرق، عن حميد" عن أنس، "به" إشارة إلى ابن إسحاق, لم ينفرد به عن حميد، والحديث صحيح.
وروى البخاري أيضًا، وأحمد، والنسائي والترمذي في سبب نزول الآية، عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعدما يقول سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد" , فأنز الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ، وجمع الحافظ بأنه دعا على المذكورين في صلاته، بعدما وقع له يوم أحد، فنزلت الآية فيما وقع له وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم.
قال: لكن يشكل ذلك بما في مسلم عن أبي هريرة أنه ﷺ كان يقول في الفجر: "اللهم العن لحيان ورعلًا، وذكوان وعصية" حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ووجه الإشكال أنَّ الآية نزلت في قصة أحد، وقصة رعل وذكوان بعدها، ثم ظهرت لي علة الخبر، وأنَّ فيه إدراجًا، فإن قوله: حتى أنزل الله منقطع من رواية الزهري عمَّن بلغه, بَيِّنَ ذلك مسلم، وهذا البلاغ لا يصح لما ذكرته، ويحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك، وتأخَّر نزول الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك، وقال في محل آخر فيه بعد: والصواب أنها نزلت بسبب قصة أحد، انتهى.
"وعند" الحافظ محمد "بن عائذ" -بتحتية وذال معجمة- الدمشقي الكاتب، صاحب المغازي وغيرها، وثَّقه ابن معين وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، "من طريق الأوزاعي،" عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل زمانه.
قال ابن سعد: ثقة مأمون صدوق، فاضل خيِّر، كثير الحديث والعلم والفقه، وُلِدَ سنة ثمان وثمانين، ومات في الحمام سنة سبع وخمسين ومائة.
قال: "بلغنا أنه لما جُرِحَ ﷺ يوم أحد أخذ شيئًا، فجعل ينشف دمه" فيه ليمنعه من النزول على الأرض، "ويقول: "لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء" لعلстр. 946
ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها, أو المبالغة في الكثرة. انتهى.
وقاتلت أم عمارة نسيبة
الحواشي
(١) حكمته أنَّ نزوله يحقق مرادهم من آذاه، ويدوم فيما أصابه من الأرض، وهي محلّ الامتهان, بخلاف إزالته بالمسح، فلم يبق له أثرظاهر، فكأنه لم ينزل، فلا امتهان، وهذا من كمال شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، "ثم" لم يكتف بإزالة ما ينزل العذاب عليهم حتى "قال: " اللهم اغفر لقومي" , فأظهر سبب الشفقة بإضافتهم إليه، فإن الطبع البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأي حال، وليبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان، ثم اعتذر عنهم، فقال: "فإنهم لا يعلمون" , فاعتذر عنهم بالجهل الحكمي، لعدم جريهم على مقتضى علمهم، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذرًا تضرعًا إلى الله أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمن، وقد حقق الله رجاءه, ولم يقل: يجهلون تحشينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، ثم استشكل هذا بنحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، وإن كان سببها خاصًّا فهي عامَّة في حق كل مشرك، وأجيب كما قال السهيلي في الروض: بأنَّ مراده الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم، بدليل رواية من روى: "اللهم اهد قومي"، وهي رواية عن ابن إسحاق، ذكرها بعض سيرته عنه بهذا اللفظ، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو خسف ومسخ، انتهى.
وفي الينابيع: كان ﷺ يأخذ قطرات الدم، ويرمي بها إلى السماء، ويقول: "لو وقع منها شيء على الأرض لم ينبت عليها نبات".
"وروى عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني، "عن معمر" بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمني، الحافظ المتقن، الفقيه الورع، المتوفَّى في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة، "عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي ﷺ يومئذ"، أي: يوم أحد، "بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها" فلم يحصل مرادهم بالضرب، ولله المنة.
"قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي" إسناده؛ لأنَّ رجاله من رواة الصحيح، "ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها" على أصل مدلول اللفظ، "أو المبالغة في الكثرة" على عادة العرب في ذلك، "وقاتلت أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم، "نسيبة" بفتح النون، وكسر السين المهملة فمهملة مفتوحة، فهاء كما ضبطها في الإكمال، والتبصير، والإصابة، والنور وغيرهم،стр. 947
بنت كعب المازنية يوم أحد -فيما قاله ابن هشام, فخرجت أوَّل النهار حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس, حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة -أقمأه الله تعالى- لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ , أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكنَّ عدو الله عليه درعان.
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور.
الحواشي
(١) وقول الشامي بالتصغير على المشهور، عن ابن معين والفربري ككريمة وهم, إنما هذا في نسيبة أم عطية، كما في الفتح الباري في الجنائز، فنقله في أمّ عمارة غلط، "بنت كعب المازنية" من بني مازن بن النجار الأنصارية النجارية.
قال أبو عمر: شهدت العقبة وأحدًا مع زوجها زيد بن عاصم، وولديها حبيب -بحاء مهملة، وكسر الموحدة، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وخرجت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ولدها حبيب.
روت عن المصطفى، وعنها عكرمة وغيره، "يوم أحد فيما قاله" عبد الملك "بن هشام"، عن سعيد بن أبي يزيد الأنصاري، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عنها قالت: "فخرجت أوَّل النهار حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه" ﷺ ، "بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت" أي: وصلت، "الجراحة" هذا, فاللام للحضور، "إليَّ" بالتشديد، من أجل أن "أصابني ابن قمئة -أقمأه الله" بهمزتين مفتوحتين أوّله وآخره، "لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت" أي: تعرَّضت "له" لأمنعه عنه ﷺ , أنا، ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت معه -صلى الله عليه وسل، كما قالته عند ابن هشام، "فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ضربات" وثبت لفظ ثلاث عند ابن هشام، وسقط من أكثر نسخ المصنف، "ولكن عدوَّ الله عليه درعان،" فلم تؤثر فيه ضرباتي.
"قالت" رواية هذا الحديث عنها "أم سعد" واسمها جميلة، كما قال ابن سعد، "بنت سعد بن الربيع" الصحابية بنت الصحابي، قُتِلَ أبوها يوم أحد, وكانت يتيمة في حجر الصديق، وقيل: إنها زوجة زيد بن ثابت، أخرج لها أبو داود، "فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور،" فبيَّنَت صفة الجراحة ومحلها، وأخرج الواقدي عن عمارة ابن غزية: إن أم عمارة قتلت يومئذ فارسًا من المشركين، وبسند آخر عن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما التفت يوم أحدстр. 948
وتترِّس دون رسول الله ﷺ -فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك.
ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﷺ . قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: "ارم فداك أبي وأمي،
الحواشي
(١) يمينًا، ولا شمالًا إلّا وأراها تقاتل دوني"، "وتترَّس دون رسول الله ﷺ " أي: جعل نفسه كالترس المانع من وصول سهام العدو إليه، "فيما قاله ابن إسحاق، أبو دجانة بنفسه, يقع النبل في ظهره، وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل، وهو لا يتحرك، ورمى سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "دون رسول الله ﷺ " بألف سهم، كما رواه الحاكم، وبعضها من سهام المصطفى حين فرغت سهام سعد.
"قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول: "ارم فداك أبي وأمي" بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل، لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها، أي: ارم مرضيًا، قاله المصنف.
وقال النووي: والمراد بالتفدية الإجلال والتعظيم؛ لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظّمه، وكأنَّ مراده بذلت نفسي، أو مَنْ يعزّ علي في مرضاتك وطاعتك. انتهى.
وروى البخاري عن سعد: نثل إلى النبي ﷺ كنانته يوم أحد, فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي وابن ماجه عن علي: "ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي".
وفي رواية أخرى عن علي: ما جمع ﷺ أبويه إلّا لسعد.
قال السهيلي: والرواية الأولى أصح، والله أعلم؛ لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع. وقد قال الزبير ن العوام أنه جمع له أبويه، وقال له كما قال لسعد، رواه الزبير بن بكار. انتهى. أي: في هذا اليوم كما هو صريحه، وبه صرَّح في رواية أخرى.
وروى الشيخان عن الزبير قال: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم بني قريظة.
قال البرهان: ويحتمل أن عليًّا أراد تفدية خاصَّة؛ لأن الحاكم روى أن سعدًا رمى يوم أحد بألف سهم، وفي شرف المصطفى ما منها سهم إلّا والنبي ﷺ يقول له: "ارم فداك أبي وأمي"، فلم يفد أحدًا ألف مرة على هذا إلّا سعد بن أبي وقاص، انتهى.
قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, سواء كان المفدى به مسلمًا أو كافرًا.
قال النووي: وجاء من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.стр. 949
حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به".
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ , فأخذها رسول الله ﷺ بيده, وردَّها إلى موضعها وقال: "اللهم اكسه جمالًا"، فكانت أحسن عينيه وأحدُّهما نظرًا. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه
الحواشي
(١) وقال السهيلي عن شيخه ابن العربي: فقه هذا الحديث جوازه إن كان أبواه غير مؤمنين وإلّا فلا؛ لأنه كان كالعقوق.
قال البرهان: وقد فدى الصديق النبي ﷺ بأبويه حين كانا مسلمين، وقد لا يمنع ابن العربي هذه المسألة؛ لأنه يجب على الخلق تفديته، بالآباء والأمهات والأنفس, انتهى.
وصار ﷺ يناول سعد السهام كيفما اتفق، "حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به" كما عند ابن إسحاق، "وأصيبت" بسهم، ويقال: برمح، "يومئذ" أي: يوم أحد، وقيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق, والأول أصح, قاله في الاستيعاب.
"عين قتادة بن النعمان" بن زيد الأوسي المدني، شهد جميع المشاهد معه ﷺ ، سمعه ﵇ يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] يردِّدها، فقال: "وجبت"، وحديثه في الموطأ, توفي سنة ثلاث وعشرين عن خمس وستين سنة، وصلى عليه عمر, "حتى وقعت على وجنته", وقيل: صارت في يده، "فأتى بها إلى رسول الله ﷺ ".
زاد في الصفوة فقال له: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها، ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئًا"، فقال: يا رسول الله، إن الجنة لجزاء جميل وطاء جليل، ولكني رجل مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، ولكن تردها وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل يا قتادة".
وفي الروض: وإن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني تقذرني، "فأخذها رسول الله ﷺ بيده وردَّها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالًَا".
وعند الطبراني وأبي نعيم، عن قتادة: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجهه ﷺ , فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي, وسعيت إلى رسول الله ﷺ , فلما رآها في كفِّي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة، كما وقى وجه نبيك, فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرًا"، "فكانت أحسن عينيه وأحدّهما" أقواهما "نظرًا".
زاد في رواية: وكان لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وفي رواية: إنها صارت لا تعرف، ولا يدري أيتهما التي سالت على خده، "ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه"стр. 950
في مقصد المعجزات.
ورمي أبو رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره, فبصق عليه ﷺ فبرئ.
وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا فعاد في
الحواشي
(١) وهو: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي ﷺ , فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان.
قال الدارقطني: تفرَّد به عن مالك عمارُ بن نصر، وهو ثقة, هكذا ساق لفظه "في مقصد المعجزات" هو الرابع، فلا يصح الجمع بأنَّ إحداهما وقعت على وجنته، والأخرى أصيبت، لكنها لم تصل إلى مثل ما وصلت إليه الأخرى؛ لأنه صرَّح في رواية العينين، كما ترى بأنهما معًا, فأسقطتا على وجنتيه. وقد قال النووي: وقال أبو نعيم: سالت عيناه، وغلطوه.
قال البرهان في النور، وروى الأصمعي عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان، فقال: ممن الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فقال عمر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
انتهى.
وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسّل المتوسِّلون، ووصله وأحسن جائزته، وقوله: ويا حسن ما خد، هكذا رواية الأصمعي، وبها استدرك البرهان إنشاده اليعمري، ويا حسن ما رَدَّ وعلى صحتها فلا إيطاء فيه؛ لأنَّ الأوّل معرف، والثاني منكر، هذا ووقع في مسند أبي يعلى الموصلي أنَّ أبا ذر أصيبت عينه يوم أحد، وفيه عبد العزيز بن عمران، متروك، وأبو ذر لم يحضر بدرًا، ولا أحدًا ولا الخندق، قاله في الاستيعاب.
"ورُمِيَ" بالبناء للمفعول, ونائبه "أبو رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين" بن خالد، أحد من بايع تحت الشجرة، واستخلفه ﵇ على المدينة في عمرة القضاء، وعام الفتح.
وروى الزهري عن ابن أخيه عنه: "بسهم، فوقع في نحره", قال في النور: فسمي المنحور، "فبصق عليه ﷺ فبرئ", في هذا كسابقه معجزة باهرة، "وانقطع" كما ذكر الزبير بن بكار، "سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا" لفظ الزبير: عرجون نخلة، "فعاد فيследующие страницы →