Полный текст (5 943 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها, أو المبالغة في الكثرة. انتهى.
وقاتلت أم عمارة نسيبة
الحواشي
(١) حكمته أنَّ نزوله يحقق مرادهم من آذاه، ويدوم فيما أصابه من الأرض، وهي محلّ الامتهان, بخلاف إزالته بالمسح، فلم يبق له أثرظاهر، فكأنه لم ينزل، فلا امتهان، وهذا من كمال شفقته وحلمه وعظيم عفوه وكرمه، "ثم" لم يكتف بإزالة ما ينزل العذاب عليهم حتى "قال: " اللهم اغفر لقومي" , فأظهر سبب الشفقة بإضافتهم إليه، فإن الطبع البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأي حال، وليبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان، ثم اعتذر عنهم، فقال: "فإنهم لا يعلمون" , فاعتذر عنهم بالجهل الحكمي، لعدم جريهم على مقتضى علمهم، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذرًا تضرعًا إلى الله أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمن، وقد حقق الله رجاءه, ولم يقل: يجهلون تحشينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، ثم استشكل هذا بنحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، وإن كان سببها خاصًّا فهي عامَّة في حق كل مشرك، وأجيب كما قال السهيلي في الروض: بأنَّ مراده الدعاء لهم بالتوبة من الشرك حتى يغفر لهم، بدليل رواية من روى: "اللهم اهد قومي"، وهي رواية عن ابن إسحاق، ذكرها بعض سيرته عنه بهذا اللفظ، وبأنه أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو خسف ومسخ، انتهى.
وفي الينابيع: كان ﷺ يأخذ قطرات الدم، ويرمي بها إلى السماء، ويقول: "لو وقع منها شيء على الأرض لم ينبت عليها نبات".
"وروى عبد الرزاق" بن همام الحافظ الصنعاني، "عن معمر" بن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمني، الحافظ المتقن، الفقيه الورع، المتوفَّى في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة، "عن الزهري قال: ضُرِبَ وجه النبي ﷺ يومئذ"، أي: يوم أحد، "بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها" فلم يحصل مرادهم بالضرب، ولله المنة.
"قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي" إسناده؛ لأنَّ رجاله من رواة الصحيح، "ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها" على أصل مدلول اللفظ، "أو المبالغة في الكثرة" على عادة العرب في ذلك، "وقاتلت أم عمارة" بضم العين وتخفيف الميم، "نسيبة" بفتح النون، وكسر السين المهملة فمهملة مفتوحة، فهاء كما ضبطها في الإكمال، والتبصير، والإصابة، والنور وغيرهم،стр. 947
بنت كعب المازنية يوم أحد -فيما قاله ابن هشام, فخرجت أوَّل النهار حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس, حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة -أقمأه الله تعالى- لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ , أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ثلاث ضربات على ذلك، ولكنَّ عدو الله عليه درعان.
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور.
الحواشي
(١) وقول الشامي بالتصغير على المشهور، عن ابن معين والفربري ككريمة وهم, إنما هذا في نسيبة أم عطية، كما في الفتح الباري في الجنائز، فنقله في أمّ عمارة غلط، "بنت كعب المازنية" من بني مازن بن النجار الأنصارية النجارية.
قال أبو عمر: شهدت العقبة وأحدًا مع زوجها زيد بن عاصم، وولديها حبيب -بحاء مهملة، وكسر الموحدة، وعبد الله، وشهدت بيعة الرضوان، وخرجت يوم اليمامة اثنتي عشرة جراحة، وقطعت يدها، وقتل ولدها حبيب.
روت عن المصطفى، وعنها عكرمة وغيره، "يوم أحد فيما قاله" عبد الملك "بن هشام"، عن سعيد بن أبي يزيد الأنصاري، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عنها قالت: "فخرجت أوَّل النهار حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ قالت: فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه" ﷺ ، "بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت" أي: وصلت، "الجراحة" هذا, فاللام للحضور، "إليَّ" بالتشديد، من أجل أن "أصابني ابن قمئة -أقمأه الله" بهمزتين مفتوحتين أوّله وآخره، "لما ولَّى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، قالت: فاعترضت" أي: تعرَّضت "له" لأمنعه عنه ﷺ , أنا، ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت معه -صلى الله عليه وسل، كما قالته عند ابن هشام، "فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته على ذلك ضربات" وثبت لفظ ثلاث عند ابن هشام، وسقط من أكثر نسخ المصنف، "ولكن عدوَّ الله عليه درعان،" فلم تؤثر فيه ضرباتي.
"قالت" رواية هذا الحديث عنها "أم سعد" واسمها جميلة، كما قال ابن سعد، "بنت سعد بن الربيع" الصحابية بنت الصحابي، قُتِلَ أبوها يوم أحد, وكانت يتيمة في حجر الصديق، وقيل: إنها زوجة زيد بن ثابت، أخرج لها أبو داود، "فرأيت على عاتقها جرحًا أجوف له غور،" فبيَّنَت صفة الجراحة ومحلها، وأخرج الواقدي عن عمارة ابن غزية: إن أم عمارة قتلت يومئذ فارسًا من المشركين، وبسند آخر عن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما التفت يوم أحدстр. 948
وتترِّس دون رسول الله ﷺ -فيما قاله ابن إسحاق- أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل وهو لا يتحرك.
ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله ﷺ . قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: "ارم فداك أبي وأمي،
الحواشي
(١) يمينًا، ولا شمالًا إلّا وأراها تقاتل دوني"، "وتترَّس دون رسول الله ﷺ " أي: جعل نفسه كالترس المانع من وصول سهام العدو إليه، "فيما قاله ابن إسحاق، أبو دجانة بنفسه, يقع النبل في ظهره، وهو ينحني عليه حتى كثر فيه النبل، وهو لا يتحرك، ورمى سعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، أحد العشرة، "دون رسول الله ﷺ " بألف سهم، كما رواه الحاكم، وبعضها من سهام المصطفى حين فرغت سهام سعد.
"قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل، ويقول: "ارم فداك أبي وأمي" بكسر الفاء وتفتح، أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل، لفديتك بأبوي اللذين هما عزيزان عندي، والمراد من التفدية لازمها، أي: ارم مرضيًا، قاله المصنف.
وقال النووي: والمراد بالتفدية الإجلال والتعظيم؛ لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظّمه، وكأنَّ مراده بذلت نفسي، أو مَنْ يعزّ علي في مرضاتك وطاعتك. انتهى.
وروى البخاري عن سعد: نثل إلى النبي ﷺ كنانته يوم أحد, فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي وابن ماجه عن علي: "ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد إلّا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: "يا سعد، ارم فداك أبي وأمي".
وفي رواية أخرى عن علي: ما جمع ﷺ أبويه إلّا لسعد.
قال السهيلي: والرواية الأولى أصح، والله أعلم؛ لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع. وقد قال الزبير ن العوام أنه جمع له أبويه، وقال له كما قال لسعد، رواه الزبير بن بكار. انتهى. أي: في هذا اليوم كما هو صريحه، وبه صرَّح في رواية أخرى.
وروى الشيخان عن الزبير قال: جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يوم بني قريظة.
قال البرهان: ويحتمل أن عليًّا أراد تفدية خاصَّة؛ لأن الحاكم روى أن سعدًا رمى يوم أحد بألف سهم، وفي شرف المصطفى ما منها سهم إلّا والنبي ﷺ يقول له: "ارم فداك أبي وأمي"، فلم يفد أحدًا ألف مرة على هذا إلّا سعد بن أبي وقاص، انتهى.
قال القاضي عياض: ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك, سواء كان المفدى به مسلمًا أو كافرًا.
قال النووي: وجاء من الأحاديث الصحيحة ما لا يحصى.стр. 949
حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به".
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ , فأخذها رسول الله ﷺ بيده, وردَّها إلى موضعها وقال: "اللهم اكسه جمالًا"، فكانت أحسن عينيه وأحدُّهما نظرًا. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه
الحواشي
(١) وقال السهيلي عن شيخه ابن العربي: فقه هذا الحديث جوازه إن كان أبواه غير مؤمنين وإلّا فلا؛ لأنه كان كالعقوق.
قال البرهان: وقد فدى الصديق النبي ﷺ بأبويه حين كانا مسلمين، وقد لا يمنع ابن العربي هذه المسألة؛ لأنه يجب على الخلق تفديته، بالآباء والأمهات والأنفس, انتهى.
وصار ﷺ يناول سعد السهام كيفما اتفق، "حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: "ارم به" كما عند ابن إسحاق، "وأصيبت" بسهم، ويقال: برمح، "يومئذ" أي: يوم أحد، وقيل: يوم بدر، وقيل: يوم الخندق, والأول أصح, قاله في الاستيعاب.
"عين قتادة بن النعمان" بن زيد الأوسي المدني، شهد جميع المشاهد معه ﷺ ، سمعه ﵇ يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] يردِّدها، فقال: "وجبت"، وحديثه في الموطأ, توفي سنة ثلاث وعشرين عن خمس وستين سنة، وصلى عليه عمر, "حتى وقعت على وجنته", وقيل: صارت في يده، "فأتى بها إلى رسول الله ﷺ ".
زاد في الصفوة فقال له: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها، ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئًا"، فقال: يا رسول الله، إن الجنة لجزاء جميل وطاء جليل، ولكني رجل مبتلى بحب النساء، وأخاف أن يقلن أعور فلا يردنني، ولكن تردها وتسأل الله لي الجنة، فقال: "أفعل يا قتادة".
وفي الروض: وإن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني تقذرني، "فأخذها رسول الله ﷺ بيده وردَّها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالًَا".
وعند الطبراني وأبي نعيم، عن قتادة: كنت أتقي السهام بوجهي دون وجهه ﷺ , فكان آخرها سهمًا ندرت منه حدقتي، فأخذتها بيدي, وسعيت إلى رسول الله ﷺ , فلما رآها في كفِّي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة، كما وقى وجه نبيك, فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرًا"، "فكانت أحسن عينيه وأحدّهما" أقواهما "نظرًا".
زاد في رواية: وكان لا ترمد إذا رمدت الأخرى، وفي رواية: إنها صارت لا تعرف، ولا يدري أيتهما التي سالت على خده، "ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي إن شاء الله تعالى لفظه"стр. 950
في مقصد المعجزات.
ورمي أبو رهم الغفاري كلثوم بن الحصين بسهم فوقع في نحره, فبصق عليه ﷺ فبرئ.
وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا فعاد في
الحواشي
(١) وهو: أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي ﷺ , فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، فعادتا تبرقان.
قال الدارقطني: تفرَّد به عن مالك عمارُ بن نصر، وهو ثقة, هكذا ساق لفظه "في مقصد المعجزات" هو الرابع، فلا يصح الجمع بأنَّ إحداهما وقعت على وجنته، والأخرى أصيبت، لكنها لم تصل إلى مثل ما وصلت إليه الأخرى؛ لأنه صرَّح في رواية العينين، كما ترى بأنهما معًا, فأسقطتا على وجنتيه. وقد قال النووي: وقال أبو نعيم: سالت عيناه، وغلطوه.
قال البرهان في النور، وروى الأصمعي عن أبي معشر قال: قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان، فقال: ممن الرجل؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فقال عمر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا
انتهى.
وفي رواية: فقال عمر: بمثل هذا فليتوسّل المتوسِّلون، ووصله وأحسن جائزته، وقوله: ويا حسن ما خد، هكذا رواية الأصمعي، وبها استدرك البرهان إنشاده اليعمري، ويا حسن ما رَدَّ وعلى صحتها فلا إيطاء فيه؛ لأنَّ الأوّل معرف، والثاني منكر، هذا ووقع في مسند أبي يعلى الموصلي أنَّ أبا ذر أصيبت عينه يوم أحد، وفيه عبد العزيز بن عمران، متروك، وأبو ذر لم يحضر بدرًا، ولا أحدًا ولا الخندق، قاله في الاستيعاب.
"ورُمِيَ" بالبناء للمفعول, ونائبه "أبو رهم الغفاري، كلثوم بن الحصين" بن خالد، أحد من بايع تحت الشجرة، واستخلفه ﵇ على المدينة في عمرة القضاء، وعام الفتح.
وروى الزهري عن ابن أخيه عنه: "بسهم، فوقع في نحره", قال في النور: فسمي المنحور، "فبصق عليه ﷺ فبرئ", في هذا كسابقه معجزة باهرة، "وانقطع" كما ذكر الزبير بن بكار، "سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه ﷺ عرجونًا" لفظ الزبير: عرجون نخلة، "فعاد فيстр. 951
يده سيف، فقاتل به, وكان ذلك السيف يسمَّى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دينار.
وهذا نحو حديث عكاشة السابق في غزوة بدر, إلّا أن سيف عكاشة كان يسمَّى العون، وهذا يسمَّى العرجون.
واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون, وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله ﷺ , وأشراف أصحابه.
الحواشي
(١) يده سيفًا، فقاتل به" حتى قُتِلَ ﵁، قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، ثم قتله علي بعده، ودُفِنَ هو وخاله حمزة في قبرٍ واحد كما يأتي. "وكان ذلك السيف يسمَّى العرجون" باسم أصله قبل الآية الباهرة، "ولم يزل يتوارث" هذا لفظ السهيلي عن الزبير. ولفظ أبي عمر عنه: يتناول، واليعمري عنه: يتناقل، والمعنى قريب، وإنما ذكرته لأنَّ البرهان استدرك على اليعمري بأبي عمر، "حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله" الخليفة العباسي، إبراهيم بن هارون الرشيد، "في بغداد بمائتي دينار"، وهذا" كما قال السهيلي، "نحو حديث عكاشة -بضم العين وشد الكاف وتخفف- ابن مصحن "السابق في غزوة بدر، إلّا أن سيف عكاشة كان يسمَّى العون -بفتح العين، وسكون الواو بعدها نون, وهذا يسمَّى العرجون" -بضم العين وسكون الراء، وجيم، فواو فنون؛ لأنه عرجون نخلة، فافترقا، "واشتغل المشركون" ذكورًا وإناثًا، فهو تغليب.
وذكر النساء بعد من عطف الخاص على العام، لمبالغتهنَّ وإظهارهنَّ الفرح "بقتلى المسلمين يمثلون بهم" -بفتح الياء، وضم المثلثة مخففة، وبضم الياء وفتح الميم، وكسر المثلثة مشددة- أي: بجميعهم.
قال في العيون: إلّا حنظلة بن أبي عامر، فإن أباه كان معهم فلم يمثلوا به، ذكره ابن عقبة. انتهى، لكنه مختلف، فبالغوا في بعضهم دون بعض. "يقطعون الآذان" بدل من يمثلون، "والأنوف" جمع أنف، ويجمع أيضًا على آناف وآنف كما في القاموس، حتى اتخذت هند منهما خلاخل، "وقلائد, "والفروج ويبقرون" بفتح الياء، وضم القاف: يشقون "البطون, وهم يظنُّون أنهم أصابوا رسول الله ﷺ , وأصابوا "أشراف أصحابه" اعتمادًا على قول ابن قمئة, وما وقع بهامش: إنَّ التمثيل إنما وقع من النساء فقط لا يصح، فعند الواقدي، وتبعه الحافظ أبو الربيع بن سالم في مغازيه: أنَّ وحشيًّا بعدما رمى حمزة تركه حتى مات، ثم أتاه وأخذ حربته، وأخرج كبده، وذهب بها إلى هند, وقال لها: هذه كبد حمزة قاتل أبيك، فأخذتها ومضغتها، فلم تقدرстр. 952
وكان أوَّل مَنْ عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله ﷺ , فلمَّا عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشِّعْب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلمَّا أسند
الحواشي
(١) أن تسيغها، فلفظتها وأعطته ثوبها وحليها, ووعدته عشرة دنانير بمكة، انتهى.
وعند ابن إسحاق: إن سيد الأحابيش الحليس مَرَّ بأبي سفيان وهو يضرب بزجّ الرمح في شدق حمزة ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بني كنانة, هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحمًا، فقال: ويحك اكتمها عني، فإنها كانت زلة.
وفي العيون: كان خارجة بن زيد بن أبي زهير أخذته الرماح يوم أحد، فجُرِحَ بضعة عشر جرحًا، فمَرَّ به صفوان بن أمية فعرفه، فأجهز عليه، ومثَّلَ به, وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر.
"وكان أوَّل" بالفتح خبر مقدّم، والضم اسم، وهو أَوْلَى؛ لأن المبتدأ والخبر إذا عُرِفَا قُدِّمَ المبتدأ، ولأنَّ الذي يقصد بيانه وتعيينه هو الخبر، قرره شيخنا "مَنْ عرف رسول الله ﷺ " بعد التحدث بقتله وخفائه عن أعينهم، "كعب بن مالك" بن عمرو، الخزرجي السلمي العقبي، أحد الثلاثة الذي تيبَ عليهم في تخلفهم عن تبوك.
روى له الستة، وأحمد في المسند, "قال: عرفت عينيه تزهران،" أي: تضيئان، ومن رواه تزران، فمعناه تتوقدان، قاله أبو ذر في الإملاء. وفي الصحاح: زرت عينه تزر -بالكسر- زريرًا، وعيناه تزران إذا توقدتا، "من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين" أبشروا، كما في رواية ابن إسحاق، "هذا رسول الله ﷺ ", زاد في رواية ابن إسحاق: فأشار لي ﷺ أن أنصت.
وروى الطبراني برجال ثقات عن كعب: كان يوم أحد، وصرنا إلى الشِّعب، كنت أول من عرف رسول الله ﷺ , فقلت: هذا رسول الله، فأشار إلي بيده أن اسكت، ثم ألبسني لامته ولبس لامتي، فلقد ضربت حتَّى جرحت عشرين جراحة، أو قال: بضعًا وعشرين، كل من يضربني يحسبني رسول الله ﷺ , "فلمَّا" سمعوا ذلك، وأقبلوا عليه، و"عرفوه نهضوا" أي: أسرعوا إليه، حتى أتوه، "ونهض معهم نحو الشِّعْب"؛ لينظر حال الناس, "معه أبو بكر، وعمر وعلي ورهط من المسلمين".
قال ابن عقبة: بايعوه على الموت، انتهى. منهم طلحة، والزبير، والحارث بن الصمة، كما في ابن إسحاق وغيره.
قال شيخنا: وظاهره أنهم لم يكونوا ممن نهض إليه، ولا مانع منه لجواز أن كعبًا حين نادى سمعه طائفة لم يكونوا عنده فأقبلوا, وكان عند أبو بكر ومن معه فساروا معه، "فلمَّا أسند،"стр. 953
رسول الله ﷺ في الشِّعْب أدركه أُبَيّ بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منَّا؟ فقال ﷺ : "دعوه"، فلمَّا دنا تناول ﵊ الحربة من الحارث بن الصمة، فلمَّا أخذها منه ﵊ انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله ﵊، فطعنه رسول الله ﷺ طعنة
الحواشي
(١) قال في النور: أي صعد "رسول الله ﷺ في الشِّعب"، وكأنَّ معناه: إنهم لما دخلوا به في الشعب صعدوا به في الصخرة، فاستندوا إلى جانب من الجبل، بدليل رواية ابن إسحاق: نهض ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بدن وظاهر بين درعين، فلمَّا ذهب لينهض لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوى عليها، فقال كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير بن العوام، سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ: "أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع".
قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه ﷺ لم يبلغ الدرجة المبنية في الشِّعب.
قال البرهان: بدن -بفتح الدال المهملة المشددة أي: أسنّ، أو ثقل من السنّ، وأوجب طلحة.
قال اليعمري: يعني أحدث شيئًا يستوجب به الجنة.
"أدركه أُبَيّ بن خلف وهو يقول: أين محمد لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله! "يعطف" فهو استفهام بتقدير الهمزة، وكأنها سقطت من قلم المصنف؛ إذ هي ثابتة في ابن إسحاق، "عليه رجل منا، فقال -صلى الله عليه سلم: "دعوه" , وعند ابن عقبة: عن سعيد بن المسيب، فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم ﷺ , فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب، "فلمَّا دنا تناول ﵊ الحربة من الحارث بن الصمة", ويقال من الزبير، ويقال من طلحة، ويقال من سهل بن حنيف، "فلمَّا أخذها ﵊ منه, انتفض بها انتفاضة تطايرنا،" وفي نسخة: تطايروا، أي: بعدنا، "عنه تطاير الشعراء" بشين معجمة، فعين مهملة ساكنة فراء، فألف تأنيث.
قال ابن هشام: ذباب صغير له لذع، "عن ظهر البعير إذا انتفض" البعير.
قال السهيلي: ورواه العتيبي: تطاير الشعر، أي: بضم الشين وسكون العين، وقال: هي جمع شعراء.
"ثم استقبله ﵊، فطعنه رسول الله ﷺ طعنة" في عنقه، وفي لفظ: فيстр. 954
وقع بها عن فرسه, ولم يخرج له دم, فكسر ضلعًا من أضلاعه.
فلمَّا رجع إلى قريش قال: قتلني والله محمد، أليس قد كان قال لي بمكة:
أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات عدو الله بسرف
الحواشي
(١) ترقوته من فرجة، في سابغة البيضة والدرع.
وفي لفظ: فخدشه في عنقه خدشًا غير كبير، والترقوة في أصل العنق فلا خلف، "وقع بها عن فرسه" مرارًا، وجعل يخور كما يخور الثور، "ولم يخرج له دم،" بل احتبس، "فكسر ضلعًا" بكسر الضاد وفتح اللام، وتسكن "من أضلاعه", ففيه آية باهرة، سواء كان كسره من الطعنة، أو من سقوطه عن فرسه؛ لأن سقوطه من الطعنة، "فلمَّا رجع إلى قريش" يركض فرسه حتى بلغهم وهو يخور كالثور، "قال: قتلني والله محمد", فقالوا: ليس عليك بأس ما أجزعك، إنما هو خدش, لو كان بعين أحدنا ما ضره، فقال: واللات لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز، وفي رواية: بربيعة ومضر لماتوا أجمعين، وفي رواية: بجميع الناس لقتلهم، "أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك".
وروى ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: إن أبيًّا كان يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد, إن عندي فرسًا أعلفه كل يوم فرقًا من ذرة أقتلك عليه، فيقول ﷺ : "بل أنا أقتلك عليه إن شاء الله تعالى"، فلمَّا رجع إلى قريش، وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير، فاحتقن الدم, قال: قتلني والله محمد، قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك, "فوالله لو بصق عليّ لقتلني".
وفي رواية: قال له أبو سفيان: ويلك ما بك إلّا خدشة، قال: ويلك يا ابن حرب, ما تعلم من ضربها، أما ضربها محمد، وإنه قال لي: سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، ولا أنجو منه ولو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني، وأنا أجد من هذه الطعنة ألمًا لو قُسِّمَ على جميع أهل الحجاز لهلكوا، وكان يصرخ ويخور حتى مات، وإنما اقتصر أُبَيّ على قوله: قال لي بمكة, مع أنه ﷺ قال ذلك بالمدينة أيضًا بعد بدر, لما بلغه قول أُبَيّ: إنه يقتله على فرسه كما في رواية؛ لأنه لم يبلغ أبيًّا، أو بلغه، واقتصر على ما شافهه به هذا.
وفي النور ما نصه: ذكر الذهبي ما لفظه، وأخبر، أي: النبي ﷺ أنه يقتل أُبَيّ بن خلف الجمحي، فخدشه يوم بدر، أو أحد خدشًا فمات منه، وهو غريب، والمعروف أنه يوم أحد، انتهى. فلم يذكر أن الذهبي روى حديثًا يدل على ذلك كما زعم، "فمات عدو الله بسرف،" بفتح السين المهملة، وكسر الراء وبالفاء، على ستة أميال من مكة، وقيل: سبعة، وتسعة واثنيстр. 955
وهم قافلون إلى مكة. رواه أبو نعيم والبيهقي ولم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه.
قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبَيّ بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصيح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أُبَيّ بن خلف، ورواه البيهقي.
الحواشي
(١) عشر، ووجه هلاكه بها أنه مسرف, قاله البرهان، "وهم قافلون" أي: راجعون "إلى مكة، رواه أبو نعيم و" كذا "البيهقي، و" لكنه "لم يذكر: فكسر ضلعًا من أضلاعه", وهي ثابتة عند ابن عقبة وغيره.
وقد روى الحاكم، عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أُبَيّ بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ , فاعترضه رجال من المؤمنين، فأمرهم ﷺ , فخلوا سبيله, ورأى ﷺ ترقوة أُبَيّ من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه بحربته، فسقط عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعًا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خور الثور، فقالوا له: ما أعجزك إنما هي خدش، فذكر لهم قوله ﷺ : "بل أنا أقتل أبيًّا"، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات أُبَيّ قبل أن يقدم مكة، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] .
قال في اللباب: صحيح الإسناد لكنه غريب، والمشهور أنها نزلت في رميه يوم بدر بالقبضة من الحصباء. انتهى.
"قال الواقدي" محمد بن مر بن واقد، أبو عبد الله المدني: "وكان ابن عمر" عبد الله "يقول: مات أُبَيّ بن خلف ببطن رابغ" بكسر الموحدة وغين معجمة، بطن واد عند الجحفة، "فإني لأسير ببطن رابغ بعد هويّ" بفتح الهاء، وكسر الواو وشد التحتية، الحين الطويل من الزمان، وقيل: هو مختص باليل، كما في الشامية، فقوله: "من الليل" صفة مقيدة على الأول، ولازمة على الثاني، "إذا نار تأجّج" بحذف إحدى التاءين، "تتوقد، "فهبتها, وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها" بذال معجمة يسحبها: "يصيح" بفتح الياء من صاح، "العطش" بالرفع والنصب، "وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ , هذا أُبَيّ بن خلف، ورواه البيهقي".
وقد روى البخاري وغيره عن النبي ﷺ اشتدَّ غضب الله على رجل قتله رسول الله في سبيل الله.стр. 956
ولما انتهى ﷺ إلى فم الشِّعب ملأ علي بن أبي طالب ﵁ درقته من المهراس -وهو صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد-
الحواشي
(١) وروى البرقاني عن ابن مسعود قال: قال ﷺ : "إن أشدَّ الناس عذابًا من قتله نبي أو مصور".
قال المحب الطبري: وجه ذلك، والله أعلم، أن المصور ضاهى فعل الله ، ومن قتله نبي محمول على أنه قتله دفعًا عن نفسه، أو بارز لعناده، فإن الأنبياء مأمورون باللطف والشفقة على عباد الله، والرأفة, فما يحمله على قتله إلّا أمر عظيم، انتهى.
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك هذه الأبيات:
لقد ورث الضلالة عن أبيه ... أُبَيّ حين بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذ يغوث يا عقيل
وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل وأمهما الهيول
وأفلت حارث لما اشتغلنا ... بأسر القوم أسرته قليل
وقال حسان أيضًا:
ألا من مبلغ عني أُبَيًّا ... فقد ألقيت في سحق السعير
تمنى بالضلالة من بعيد ... وتقسم إن قدرت مع النذور
تمنيك الأماني من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طرًّا ... إذا نابت ملمات الأمور
"ولما انتهى ﷺ إلى فم الشِّعب، ملأ علي بن أبي طالب ﵁ درقته من المهراس" بكسر الميم، وسكون الهاء، وبالراء وسين مهملة آخره، "وهي صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء" تجعل إلى جانب البئر، ويصبّ فيها الماء لينتفع به الناس، "وقيل: هو اسم ماء بأحد".
قال الشاعر: وقتيلًا بجانب المهراس، قاله المبرد، وحكاه عنه أبو ذر الهرويّ، وتبعه ابن الأثير، لكن غلط السهيلي المبرد، فقال: المهراس حجر منقور يمسك الماء فيتوضأ منه, شبه بالمهراس الذي هو الهاون، ووهم المبرد، فجعل المهراس اسمًا علمًا للمهراس الذي بأحد خاصة، وإنما اسم لكل حجر نقر، فأمسك الماء.
ورى ابن عبدوس عن مالك أنه سُئِلَ عن رجل مَرَّ بمهارس في أرض فلاة، كيف يغتسلстр. 957
فجاء به إلى رسول الله ﷺ , وغسل عن وجهه الدم، وصبّ على رأسه وهو يقول: "اشتدَّ غضب الله على من دمى وجه نبيه".
وصلى النبي -صلى لله عليه وسلم- الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلَّى المسلمون خلفه قعودًا.
قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثِّلن بالقتلى
الحواشي
(١) منه، فقال مالك: هلَّا قلت بغدير، ومن يجعل له مهراسًا في أرض فلاة، وبهذا يتبين لك أن المهراس ليس مخصوصًا بالذي كان بأُحد، ولذا وقع في غريب الحديث أنه ﷺ مَرَّ بقوم يتحارون مهراسًا أن يرفعوه. انتهى.
"فجاء به،" أي: بالماء الذي ملأ به درقته، وفي الشامية: فجاء بها، أي: بالدرقة، لكن الذي في ابن إسحاق، وتبعه اليعمري به، "إلى رسول الله ﷺ ".
قال ابن إسحاق: ليشرب منه، فوجد له ريحًا، فعافه فلم يشرب منه، "وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه", وهذا وقع قبل انصراف الكفَّار من علي وحده، ثم لما انصرفوا، كما في رواية الطبراني: أتت فاطمة في النسوة، فجعلت تغسل وعلي يسكب كما يأتي، فلا يورد على هذا كما زعم، "وهو" ﷺ "يقول" كما ذكره ابن إسحاق بلا إسناد: "اشتد غضب الله على من دمى".
قال البرهان: بفتح الميم المشددة، وهذا ظاهر، انتهى. أي: جرح, "وجه نبيه" , وأسنده البخاري وغيره عن ابن عباس بلفظ: "غضب الله على قوم دموا وجه نبي الله".
قال المصنف: بفتح الدال المهملة، والميم المشددة، أي: جرحوا. انتهى.
"وصلى النبي ﷺ " فيما ذكره ابن هشام مرسلًا، "الظهر يومئذ قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلَّى المسلمون خلفه قعودًا" من الجراح التي أصابتهم، أو لأنَّ موافقة الإمام كانت واجبة، ثم نسخت.
"قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة" بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بليلة، وشهدت معه اليرموك.
روى الأزرقي وغيره: أنها لما أسلمت جعلت تضرب صنمها في بيتها بالقدوم فلذة فلذة وتقول: كفاني غرورًا.
روى عنها ابنها معاوية وعائشة، ماتت سنة أربع عشرة. "والنسوة اللاتي معها" تقدَّمت عدتهن، "يمثِّن بالقتلى" يقال: مَثَل به -بفتح الميم والثاء المخففة- يمثل، بضم الثاء، مثلًا، بفتحстр. 958
من أصحاب رسول الله ﷺ , يجدعن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها.
الحواشي
(١) الميم وإسكان الثاء، أي: نكَّل، والاسم المثلة بالضم، ومثَّل بالقتيل: جدعه, وكثير من الناس يشدد مثل، وكأنه إذا أريد التكثير يجوز ذلك، "من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعن" بفتح الياء وإسكان الجيم وخفة الدال، وكأنه إذا أريد المبالغة يجوز التشديد، "أي: يقطعن "الآذان والآنف" بفتح الهمزة الممدودة وضم النون, قاله كله البرهان.
قال ابن إسحاق: حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنفهم خدمًا وقلائد، وأعطت خدمها، وقلائدها، وقرطها وحشيًّا الخدم -بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة: الخلاخيل, الواحدة خدمة، "وبقرت" بموحدة وقاف، أي: شقَّت، "عن كبد حمزة ﵁, فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها".
قال البرهان: يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغًا، أي: سهل مدخله في الحلق، وسغته أنا أسوغه وأسيغه يتعدَّى ولا يتعدَّى، والأجود أسغته إساغة، "فلفظتها" طرحتها، ولا ينافي هذا ما ذكره الواقدي وغيره أن وحشيًّا لما قتل حمزة شقَّ بطنه وأخرج كبده، فجاء بها إلى هند فقال: هذه كبد حمزة، فمضغتها ثم لفظتها, وقامت معه حتى أراها مصرع حمزة، فقطَّعت من كبده، وجدعت أنفه؛ لأن الذي أخذه وجاء به إليها بعض الكبد، ثم أخذت هي باقيه كما هو صريحه.
قال ابن إسحاق: ثم علت، أي: هند، على صخرة مشرفة، فصرخت بأعلى صوتها، فقالت:
نحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر ... ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري ... شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي على عمري ... حتى ترم أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب المطلبية، أخت مسطح:
خزيت في بدر وبعد بدر ... يابنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر ... بالهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري ... حمزة ليثي وعليّ صقري
إذا رام شيب وأبوك غدري ... فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
قال الحافظ أبو الربيع في الاكتفاء: هذا قول هند، والكفر يحنقها، والوتر يقلقها، والحزن يحرقها، والشيطان ينطقها، ثم إن الله هداها للإسلام وعبادة الله وترك الأصنام، وأخذ بحجزتهاстр. 959
ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعل هبل.
وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أُحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أُحد، فلما قال: أعل هبل، أي: زد علوًّا.
قال رسول الله ﷺ لعمر: "أجبه فقل: الله أعلى وأجل".
فقال أبو سفيان:
الحواشي
(١) عن سوء النار، ودلها على دار السلام فصلحت حالها، وتبدَّلت أقوالها حتى قالت له ﷺ : والله يا رسول الله, ما كان على أهل الأرض خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم أهل خباء أحبَّ إليَّ أن يعِزُّوا من أهل خبائك، فالحمد لله الذي هدانا برسوله أجمعين، انتهى.
"ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت" روي بفتح التاء خطابًا لنفسه وبسكونها، أي: الواقعة، أو الحرب، أو الأزلام، "فعال" بفتح الفاء وتخفيف المهملة، "إن الحرب سجال" بكسر المهملة وخفة الجيم، أي: مرَّة لنا ومرَّة علينا, من مساجلة المستقيين على البئر بالدلاء. وفي رواية: سمال جمع سملة، وهي الماء القليل، والمراد بها ما أريد بالأول؛ لأن الماء القليل يتناوبه وراده ولا يزدحمون عليه لقِلَّته، "يوم بيوم بدر".
وعند الطبراني حنظلة بحنظلة، ويوم أُحد بيوم بدر، "أعل" بضم الهمزة، وسكون العين المهملة وضم اللام، "هبل"، أي: أظهر دينك، قاله ابن إسحاق. وقال السهيلي: معناه: زد علوًّا، وقال الكرماني: فإن قلت ما معنى أعل ولا علوًّا في هبل، فالجواب هو بمعنى العلى، أو المراد: أعلى من كل شيء. انتهى من الفتح.
وعند البخاري في الجهاد، ثم جعل يرتجز: أعل هبل أعل هبل، "و" سبب قوله ذلك أنه "كان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أحد،" استقسم بالأزلام، "كتب على سهم نعم، "وعلى الآخر لا، وأجالهما" أي: أدارهما، "عنده" أي: هبل، "فخرج سهم نعم، فخرج إلى أُحد، "فلمَّا قال: أعل هبل" بضم الهاء، وفتح الموحَّدة ولام، اسم صنم كان في الكعبة، "أي: زد علوًّا" كما قال السهيلي، أو ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت.
"قال رسول الله ﷺ لعمر" بن الخطاب: "أجبه، فقل: الله أعلى وأَجَلّ"، فقال أبو سفيان:стр. 960
أنعمت فعال، أي: اترك ذكرها, فقد صدقت في فتواها وأنعمت، أي: أجابت بنعم.
فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
فقال: إن لنا عزى ولا عزى لكم.
فقال له ﵊ قولوا: "إن الله مولانا ولا مولى لكم".
الحواشي
(١) أنعمت" بسكون التاء "فعال، أي: اترك ذكرها فقد صدقت في فتواها، وأنعمت" الأزلام، "أي: أجابت بنعم" التي يحبها، وهذا كله ظاهر في سكون التاء، وإن فاء فعال من بنية الكلمة لا حرف عطف, فهو معدول عن فاعلة كحذام عن حاذمة.
وقال أبو ذر في الإملاء: أنعمت يخاطب نفسه، ومن رواه: أنعمت عني الحرب، أو الواقعة وفعال.
قال اليعمري: اسم الفعل الحسن، وأنعم زاد.
وقال السهيلي: فعال أمر، أي: عالٍ عنها، وأقصر عن لومها, تقول العرب: أعل عني، وعالٍ بمنى ارتفع عني ودَعْني.
ويروى أن الزبير قال لأبي سفيان يوم الفتح: أين قولك أنعمت؟ فقال: قد صنع الله خيرًا، وذهب أمر الجاهلية.
وقال أبو ذر: عالٍ من فعال، ارتفع يقال: عالٍ وأعل عن الوسادة، أي: ارتفع. قال: وقد يجوز أن تكون الفاء من نفس الكلمة، ويكون معدولًا عن الفعلة كما عدلوا، فجار عن الفجرة، أي: بالغت هذه الفعلة، ويعني بها: الوقعة، انتهى.
"فقال عمر: لا سواء" قال السهيلي: أي: لا نحن سواء، ولا يجوز دخول لا على اسم مبتدأ معرفة إلّا مع التكرار نحو: لا زيد قائم، ولا عمرو خارج، ولكنه جاز في هذا الموضع؛ لأن القصد فيه إلى نفي الفعل، أي: وهو لا يجب تكرار لا معه، فكذا ما هو بمعناه، أي: لا نستوي, كما جاز لا لك، أي: لا ينبغي لك.
وفي رواية أنه ﷺ قال لعمر:"قل: لا سواء, قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار". قال أبو سفيان: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذًا وخسرنا، "فقال: إن لنا العزى ولا عزى لكم" تأنيث الأعزّ -بالزاي- اسم صنم لهم، "فقال ﵊: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم" هكذا في رواية البخاري.
وفي رواية: فقال لعمر: "قل إن الله ... إلخ ".
قال المصنف: أي: لا ناصر لكم، فالله تعالى مولى العباد جميعًا من جهة الاختراع، وملك التصرف، ومولى المؤمنين خاصَّة من جهة النصرة.стр. 961
ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال ﵊ لرجل من أصحابه: "قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد".
وذكر الطبراني: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنّهم, فكانت فاطمة فيمن خرج، فلمَّا لقيت النبي ﷺ اعتنقته, وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلمَّا رأت ذلك أخذت شيئًا
الحواشي
(١) "ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر" هكذا رواية ابن إسحاق وأتباعه.
وفي بعض الروايات: ألا إن موعدكم بدر الصفراء على رأس الحول.
قال الشامي: بالإضافة, وبدر تقدمت, والصفراء -بفتح الصاد المهملة، وسكون الفاء- تأنيث الأصفر، قرية فوق ينبع، كثيرة النخل والزرع، والحول السنة, انتهى.
وفي رواية: يا محمد, موعدنا موسم بدر لقابل إن شئت.
"فقال ﵊ لرجل من أصحابه" هو عمر بن الخطاب، كما عند الواقدي، وذكره الشامي في غزوة بدر الأخيرة، فقول البرهان لا أعرفه تقصير: "قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد" زاد في رواية: إن شاء الله.
قال ابن إسحاق: ثم بعث ﷺ عليَّ بنِ أبي طالب، وقال ابن عائذ: سعد بن أبي وقاص، ويحتمل أنه بعثهما جميعًا، فقال: "اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرنَّ إليهم، ثم لأناجزنهم" , قال علي، أو سعد: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة, قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب﴾ [آل عمران: ١٥١] الآية.
قال في الكشاف: قذف الله في قلوبهم الخوف يوم أحد، فانهزموا إلى مكة من غير سبب.
"وذكر"، أي: روى "الطبراني" من طريق سعيد بن عبد الرحمن عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، "أنه لما" كان يوم أحد، "وانصرف المشركون, خرج النساء إلى الصحابة يعنَّهم، فكانت فاطمة" الزهراء سيدة النساء، "فيمن خرج، فلمَّا لقيت النبي ﷺ اعتنقته" فرحًا وشوقًا، "وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم، فلمَّا رأت ذلك".
وفي رواية البخاري: فلمَّا رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلّا كثرة، "أخذت شيئًا،" وفيстр. 962
من حصير أحرقته بالنار وكمَّدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم.
ثم أرسل ﵊ محمد بن سملة -كما ذكره الواقدي- فنادى في القتلى: "يا سعد ...
الحواشي
(١) البخاري، قطعة "من حصير" زاد في رواية: بردى، هو نبات يعمل منه الحصر، "أحرقته", وللبخاري في النكاح: عمدت إلى حصيرها فأحرقتها "بالنار", وللطبراني من طريق آخر: حتى صار رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد، "وكمَّدته" بشد الميم, أي: ألصقته "به", وفعلت ذلك "حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم", وللطبراني من الطريق الآخر: فوضعته فيه حتى رقا الدم، وقال في آخر الحديث: ثم قال يومئذ: "اشتدَّ غضب الله على قوم دموا وجه رسوله"، ثم مكث ساعة، ثم قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
قال الحافظ: وفي الحديث جواز التداوي، وأنَّ الأنبياء قد يصابون ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة، وليتأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره, والعاقبة للمتقين, انتهى.
قال غيره: وليتحقق الناس أنهم مخلوقون لله، فلا يفتتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات، كما افتتن النصارى بعيسى، وفيه أنه لا ينافي التوكُّل والاستعانة في المداواة، وأنَّ الدواء حصير فاطمة التي أحرقتها.
وروى الجوزجاني عن أبي أمامة بن سهل، أنه ﷺ داوى جرحه يوم أحد بعظم بال، لكنه حديث غريب، كما قال ابن كثير، فلا يعادل ما في الصحيح، وعلى فرض الصحة, فقد يكون جمع بينهما، وإنما عزاه المصنف للطبراني، مع أنه في الصحيحين، والترمذي وابن ماجه؛ لأنه بَيِّنَ فيه سبب مجيء فاطمة إلى أُحد ﵂.
"ثم أرسل ﵊"؛ لينظر خبر سعد بن الربيع، فقال كما في رواية ابن إسحاق: "من ينظر إلى سعد بن الربيع، أفي الأحياء أم في الأموات، فإني رأيت اثني عشر رمحًا شرعا إليه" , فقال رجل من الأنصار، يعني "محمد بن سلمة، كما ذكره" محمد بن عمر بن واقد "الواقدي".
وعند الحاكم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه، قال: بعثني -صلى الل عليه وسلم- يوم أُحد لطلب سعد بن الربيع، وقال لي: "إن رأيته، فأقرأه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك"؟.
وقال ابن عبد البَرِّ واليعمري: أرسل أُبَيّ بن كعب.
قال البرهان: فلعله أرسل الثلاثة متعاقبين، أو دفعة واحدة. "فنادى في القتلى: يا سعد،"стр. 963
ابن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق, فقال: أبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له: يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى به نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: لا عُذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم مات ﵁.
وقتل أبو جابر,
الحواشي
(١) بضم الدال وفتحها، "ابن" بالفتح "الربيع مرة بعد أخرى، فلم يجبه"؛ لكونه في غمرات الموت، واستمرّ لا يجيبه، "حتى قال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليك", وعند ابن إسحاق: أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ "فأجابه بصوت ضعيف" قال: أنا في الأموات، "فوجده جريحًا في القتلى", وفي حديث زبد بن ثابت: وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، "وبه رمق" بقية حياة، "فقال: أبلغ".
قال البرهان: بقطع الهمزة وكسر اللام رباعي، وهذا ظاهر جدًّا, "رسول الله ﷺ عني السلام, وقل له: يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيًّا عن أمته" وقل له: إني أجد ريح الجنة، "وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص" -بضم أوله وفتح ثالثه- مبني للمفعول، كما في النور، والأصل: أن يخلص أحد "إلى نبيكم, وفيكم عين تطرف" بفتح أوله وكسر الراء، أي: تطبق أحد جفنيها على الآخر، والمراد كما قال البرهان وغيره: وفيكم حياة، "ثم مات ﵁".
وعند ابن إسحاق: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره.
قال ابن هشام: وحدثني أبو بكر الزبيري: أن رجلًا دخل على أبي بكر، وبنت سعد بن الربيع جارية صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له الرجل، من هذه؟ قال: بنت رجل خير مني، سعد بن الربيع، كان من النقاباء يوم العقبة وشهد بدرًا، واستُشهد يوم أُحد.
وروى الطبراني عن أم سعد بنت سعد بن الربيع: إنها دخلت على الصديق فألقى لها ثوبه، حتى جلست عليه، فدخل عمر فسأله فقال: هذه ابنة من هو خير مني ومنك، قال: ومن هو يا خليفة رسول الله؟ قال: رجل قبض على عهد رسول الله مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت.
"وقتل أبو جابر" عبد الله بن عمرو بن حرام -بمهملة وراء. قال المصنف: قتله أسامة أبو الأعور بن عبيد، أو سفيان بن عبد شمس، أبو أبي الأعور السلمي، وعن جابر: أنه أول قتيل من المسلمين، وأن أخته هندًا حملته هو وزوجها عمرو بن الجموح وابنها خلّاد على بعير، ورجعت بهم إلى المدينة, فلقيتها عائشة وقالت لها: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلّاد وزوجي، قالت:стр. 964
فما عرف إلّا ببنانه -أي أصابعه، وقيل أطرافها، واحدتها بنانة.
وخرج ﷺ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي، قد بُقِرَ بطنه عن كبده، ومُثِّل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر ﵊ إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه, فقال: "رحمة الله عليك، لقد كنت فعولًا للخير، وصولًا للرحم، أما والله
الحواشي
(١) فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها، ثم زجرت بعيرها فبرك، فقالت لها عائشة لما عليه قالت: ما ذاك به؟ فإنه لربما حمل ما يحمل بعيران، ولكن أراه لغير ذلك, وزجرته ثانيًا، فقام وبرك, فوجهته إلى أُحد فأسرع, فرجعت إلى النبي ﷺ , فأخبرته فقال: "إن الجمل مأسور، هل قال عمرو -يعني ابن الجموح، شيئًا"؟ قالت: إنه لما توجه إلى أُحد قال: اللهمَّ لا تردني إلى أهلي وارزقني الشهادة، فقال ﷺ : "فلذلك الجمل لا يمضي, إن فيكم معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبَرَّه, منهم عمرو بن الجموح، ولقد رأيته يطأ بعرجته في الجنة". وهذا يناكد من قال: لعل سرَّ عدم سير الجمل أنه ورد الأمر بدفن الشهداء في مضاجعهم.
"فما عرف"؛ لأنه مُثِّل به وجدع "إلّا ببنانه، أي: أصابعه،" قيل: سميت بنانًا؛ لأن بها صلاح الأحوال التي يستقر بها الإنسان، يقال: أبن بالمكان إذا استقرَّ به كما في المصباح، "وقيل: أطرافها واحدتها بنانة".
قال ابن إسحاق: "وخرج ﷺ " فيما بلغني، "يلتمس حزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر" بالبناء للمفعول، أي: شُقَّ "بطنه عن كبده", وفاعل ذلك هند ووحشي كما مَرَّ، "ومثل به" بضم الميم وكسر المثلثة المخففة, وتشدد لإرادة التكثير كما مَرَّ، "فجدع" بالتخفيف والتشديد للمبالغة، أي: قطع "أنفه وأذناه" بالرفع نائب الفاعل.
قال ابن إسحاق: فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير، أنه ﷺ قال: "لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير". زاد ابن هشام وقال: "لن أصاب بمثلك أبدًا"، ونزل جبريل فقال: إن حمزة مكتوب في أهل السموات السبع أسد الله وأسد رسوله.
وأخرج اليعمري من طريق أبي طالب في الغيلانيات بسنده عن أبي هريرة، أنه ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، "فنظر ﵊ إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه, فقال: "رحمة الله عليك لقد كنت" ما علمتك كما في الرواية، أي: مدة علمي لك، "فعولًا للخير" أي: مكثرًا لفعله، "وصولًا للرحم"، مكثرًا لوصلهم يما يليق بكل منهم، وأسقط المؤلف من ذا الحديث ما لفظه: "ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواهٍ شتى" قبل قوله: "أما والله" بألف بعد ميم وبحذفها.стр. 965
لأمثِّلنَّ بسبعين منهم مكانك"، قال: فنزلت عليه خواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ [النحل: ١٢٦] الآية, فصبر وكفَّر عن يمينه وأمسك عمَّا أراد.
الحواشي
(١) قال ابن الشجري في الأمالي: ما الزائدة للتوكيد، ركبوها مع همزة الاستفهام، واستعملوا مجموعهما على وجهين: أحدهما أن يراد به معنًى حقًّا في قولهم: أما والله لأفعلنَّ، والآخر: أن تكون افتتاحًا للكلام بمنزلة ألَّا, كقولك: أما إن زيدًا منطلق، وأكثر ما تحذف ألفًا إذا وقع بعدها القسم؛ ليدلَّ على شدة اتصال الثاني بالأول؛ لأنَّ الكلمة إذا بقيت على حرف لم تقم بنفسها، فعُلِم بحذف ألفها افتقارها إلى الاتصال بالهمزة، هكذا قاله النووي في شرح: أما والله لأستغفرنَّ لك، فنقله هنا البرهان وهو حسن, إلا أنه لم يعجبني نقله قول النووي: أم من غير ألف بعد الميم، وفي كثير من الأصول أو أكثرها: إما بالألف بعد الميم، وكلاهما صحيح؛ لأن هذا إنما قاله النووي في لفظ حديث مسلم، لا في هذا الحديث، فإنه ليس في مسلم، فلذا أسقطت صدر عبارة النووي. "لأمثلنّ بسبعين منهم مكانك" , وفي رواية ابن إسحاق: "ولئن أظهرني الله على قريش لأمثلنَّ بثلاثين رجلًا منهم".
قال البرهان: فيحتمل أنه قال مرتين، أو أنَّ مفهوم العدد ليس بحجة، ورواية الأقل داخلة في رواية الأكثر، "فنزلت عليه" لفظ الحديث: فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بـ "خواتيم سورة النحل، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية, ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخر السورة، "فصبر" كما أمره ربه بقوله: فاصبر، "وكفَّر عن يمينه" لعزمه على الضد، "وأمسك عمَّا أراد، وهذا الحديث رواه الحاكم، والبيهقي، والبزار والطبراني, قال في الفتح بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة أنه ﷺ لما رأى حمزة قد مُثِّلَ به قال: "رحمة الله عليك, لقد كنت وصولًا للرحم، فعولًا للخير، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى"، ثم حلف وهو مكانه: "لأمثلنَّ بسبعين منهم"، فنزل القرآن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلخ السورة.
وعند ابن مردويه، عن ابن عباس نحوه، وقال في آخره: بل نصبر يا رب.
وروى الترمذي، وحسَّنه، والحاكم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، والطبراني عن أُبَيّ بن كعب، قال: لما كان يوم أحد مثَّل المشركون بقتلى المسلمين، فقال الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر لنريين عليهم، فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل: لا قريش بعد اليوم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، فقال ﷺ : "كفّوا عن القوم".
قال في اللباب: وظاهر هذا تأخر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد،стр. 966
وممن مثِّل به كما بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة, ولذا يعرف بالمجدع في الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة في قبر واحد.
ولما أشرف ﵊ على القتلى
الحواشي
(١) وجمع ابن الحصار، بأنها نزلت أولًا بمكة، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا بعد الفتح تذكيرًا من الله لعباده، انتهى.
وروى الحاكم عن ابن عباس قال: قتل حمزة جنبًا، فقال ﷺ : "غسَّلته الملائكة". وعند ابن سعد من مرسل الحسن: لقد رأيت الملائكة تغسّل حمزة.
وروى الطبراني برجال ثقات عن أبي أسيد، والحاكم عن أنس قالا: كفَّن ﷺ حمزة في نمرة، فمدت على رأسه فانكشف رجلاه, فمدت على رجليه فانكشف رأسه، فقال ﷺ : "مدوها على رأسه، واجعلوا على رجليه شيئًا من الحرمل" , وفي لفظ: من الإذخر. "وممن مثِّل به كما مثِّل بحمزة عبد الله بن جحش" ابن رياب براء مكسورة وتحتية وموحدة. قال في العيون: غير أنه لم يبقر عن كبده، "ابن أخت حمزة" أميمة -بميمين مصغرًا- بنت عبد المطلب, شقيقة والده ﷺ ، اختُلِف في إسلامها، فنفاه ابن إسحاق, ولم يذكرها غير ابن سعد، "ولذا يعرف بالمجدع في الله"؛ لأنه سأل الله ذلك.
روى الطبراني وأبو نعيم بسند جيد عن سعد بن أبي وقاص: أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله, فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقيت العدو، فبلغني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده -بفتح المهملة والراء ودال مهملة- أي: غضبه, أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه، فأمَّنَ عبد الله، ثم قال: "اللهم ارزقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني فيقتلني, ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلتَ: يا عبد الله, فيم جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فيقول الله: صدقت.
قال سعد: كانت دعوته خيرًا من دعوتي, لقد رأيته أخير النهار، وأنَّ أنفه وأنه معلقان في خيط، "وكان حين قتل" على يد أبي الحكم ابن الأخنس الثقفي, "ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع" خاله "حمزة في قبر واحد", وهذا صريح في أنه قتل بأُحد.
قال البرهان: وهو الصحيح، ورأيت بعضهم حكى قولًا أنه قتل بمؤتة. انتهى، وكان قائله انتقل حفظه لعبد الله بن رواحة، "ولما أشرف" أي: اطَّلع "﵊" كما قال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة: أنَّ رسول الله ﷺ لما أشرف "على القتلى"стр. 967
قال: "أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يجرح في الله إلّا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه, اللون لون الدم, والريح ريح المسك".
الحواشي
(١) يوم أحد، "قال: "أنا شهيد على هؤلاء" راقب أحوالهم، وشفيع لهم بما فعلوه من بذل أجسامهم، وأرواحهم وأموالهم، وترك من له الأولاد كأبي جابر، ترك تسع بنات، طيبة بذلك قلوبهن، فرحين مستبشرين بوعد خالقهم، حتى إنه منهم من قال: إني لأجد ريح الجنة دون أُحد؛ كأنس بن النضر، وسعد بن الربيع, ومنهم من ألقى تمرات كنَّ في يده، وقاتل حتى قُتِل كما في الصحيح، ومنهم من قال: اللهمَّ لا تردَّني إلى أهلي؛ كعمرو بن الجموح، ومنهم من خلفه المصطفى لكبر سِنِّه، فخرج رجاء الشهادة, وهو اليمان وثابت بن وقش، فحذف المشهود به للعلم به.
قال السهيلي: شهيد من الشهادة, وهي ولاية وقيادة، فوصلت بحرف على؛ لأنه مشهود له وعليه.
وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، وهذه الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان ﷺ كالرقيب المؤتمن على أمته عدّي بعلى، وظاهره أن مجرَّد كون اللفظ بمعنى لفظ آخر يعدَّى بما يعدَّى به ما هو بمعناه، وليس من التضمين.
قال شيخنا: والمراد لما اطَّلع عليهم بعد البحث عن حمزة وغيره، وعرف جملة من قتل قال ذلك, فلا يرد أنه يقتضي قوله بمجرد رؤيتهم، والسياق يدل على خلافه، وأنه إنما قال ذلك بعد الإحاطة بهم.
"وما من جريح يجرح في" القتال لمحبة, "الله" وإخلاصه في إعزاز دينه، ففيه حذف شيئين، أو هو استعارة تبعية, شبه تمّن المجروح في المحبَّة بتمكّن المظروف في الظرف، فاستعار له لفظ في بدل اللام كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْل﴾ [طه: ٧١] ، "إلّا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه" بفتح الياء والميم، أي: يخرج منه الدم, "اللون" أي: لوم ما يخرج من جرحه، "لوم الدم" , والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل ما صفة دمائهم؟ هل هي على صفة دماء الدنيا أم لا؟ "والريح ريح المسك".
قال المصنف: أي كريحه, أي: ليس هو مسكًا حقيقة, بخلاف اللون لون الدم، فلا يقدر فيه ذلك؛ لأنه دم حقيقة، فليس له من أحكام الدنيا وصفاتها إلا اللون فقط. قال: وظاهر قوله في رواية مسلم: كل كلم يكلمه المسلم إنه لا فرق في ذلك بين أن يموت، أو تبرأ جراحه، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة، وجرحه يجري دمًا من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما رواه ابن حبان في حديث معاذ: عليه طابع الشهداء, والحكمة في بعثته كذلك أن يكون معهстр. 968
وفي رواية عبد الله بن ثعلبة: قال ﵊ لقتلى أحد: "زمّلوهم بجراحهم".
الحواشي
(١) شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله. ولأصحاب السنن، وصحّحه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث معاذ: "من جرح جرحًا في سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت, لونها الزعفران, وريحها المسك".
قال الحافظ ابن حجر: وعرف بهذه الزيادة أنَّ الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد, كذا قال فليتأمل.
وقال النووي: قالوا: وهذا الفضل، وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفّار، فيدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطّاع الطريق، وفي إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البر، واستشهد على ذلك بقوله ﵊: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في هذا الفضل؛ لإشاراته ﷺ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك في قوله: "والله أعلم بمن يكلم في سبيله"، والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله, وإنما يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع، ولا يلزم من كونه شهيدًا أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأي بذلٍ بذَلَ نفسه فيه لله حتى يستحق هذا الفضل، انتهى.
"وفي رواية" النسائي من طريق الزهري، عن "عبد الله بن ثعلبة" بن صعير بصادٍ وعين مهملتين مصغرًا، العذري، حليف بني زهرة، له رؤية ولم يثبت له سماع. مات سنة سبع أو تسع وثمانين، وقد قارب التسعين.
"قال ﵊ لقتلى أحد" اللام للتعليل، أي: لأجلهم بيانًا لما يفعل في تكفينهم: "زمّلوهم بجراحهم" , أي: معها باقية على ما هي عليه, فلا تزيلوا ما عليها من الدم بغسل ولا غيره.
قال أبو عمر: اختُلِف في صلاته ﷺ على شهداء أحد، ولم يختلف في أنه أمر بدفنهم بثيابهم ودمائهم ولم يغسّلوا. وقد ثبت في الصحيح عن جابر، أنه ﵊ قال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلّ عليهم، ولم يغسَّلوا.
قال العلماء: وأما حديث صلاته عليهم صلاته على الميت، فالمراد دعاؤه لهم كدعائه للميت جمعًا بين الأدلة.стр. 969
وروى أبو بكر بن مردويه أن رسول الله ﷺ قال: "يا جابر ألا أخبرك، ما كلم الله تعالى أحدًا قط إلّا من وراء حجاب، وإنه كلَّم أباك كفاحًا، فقال: سلني أعطك، فقال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب : إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ " [آل عمران: ١٦٩] الآية.
الحواشي
(١) "وروى أبو بكر بن مردويه" وكذا الترمذي، وحسَّنه وابن ماجه, كلهم عن جابر: "أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا جابر ألا أخبرك".
وفي رواية الترمذي وابن ماجه: "ألا أبشرك بما لقي الله به أباك"، وللترمذي أيضًا: لقيني النبي ﷺ فقال: "ما لي أراك منكسرًا"، قلت: يا رسول الله! استشهد أبي يوم أُحد وترك دينًا وعيالًا، قال: "أفلا أبشرك"، وفي رواية: قلت: بلى، قال: "ماكلم الله أحدًا قط" غير من قام الدليل على تكليمهم بلا واسطة كالمصطفى ليلة الإسراء وموسى, قال: "إلّا من وراء حجاب" , أو المراد من هؤلاء الشهداء، كما يرشد إليه السياق فلا يردّان؛ لأنه كلمهما في حياتهما، "وإنه كلم أباك" عبد الله بن عمر، المدفون هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد بأمره ﷺ , قال: لماكان بينهما من الصفاء, فحفر لهما وعليهما نمرتان، وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه ويده عليه، فأميطت يده عن وجهه، فانبعث الدم فردت إلى مكانها، فسكن، ذكره ابن سعد. "كفاحًا" بكسر الكاف، مصدر كافح الشيء إذا باشره بنفسه، أي: بلا واسطة، "فقال: سلني أعطك" عطف مفصل على مجمل.
وفي رواية الترمذي وابن ماجه: "فقال: يا عبدي تمنَّ علي أعطك" , "قال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا".
وفي رواية الترمذي وابن ماجه قال: "يا رب تحييني فأقتل فيك" قتلة "ثانية, "فقال الرب : إنه سبق مني" الوعد. وفي رواية: "قد قضيت"، "أنهم" بفتح الهمزة "لا يرجعون" أي: يعدم رجوعهم " إلى الدنيا، قال: يارب فأبلغ من ورائي" ما صنعت بي لئلَّا يزهدوا في الجهاد، "فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ - بالتخفيف والتشديد- ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية". وناهيك بها شرفًا حيث وصفهم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهي عندية تخصيص وتشريف، والمراد حياة الأرواح في النعيم الأبدي لا حقيقة الدنيوية، بدليل أن الشهيد يورث وتتزوج زوجته.
قال بعضهم: ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها، كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام المشاهدة، بل يكون لهاстр. 970
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلَّا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا
الحواشي
(١) حكم آخر, فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم، وأمَّا الإدركات فحاصلة لهم ولسائر الموتى، ثم المراد بالآية جنسها، فلا ينافي قوله الآتي، فأنزل الله على نبيه هذه الآيات، وهي كما في الشامية إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين﴾ [آل عمران: ١٧١] الآية، وأما قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية إلخ، فليس في شأن الشهداء، بل في حمراء الأسد كما يأتي.
"وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أصيب" بحسب الظاهر بالقتل، "إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم" مع اتصالها بأجسادهم، "في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها" كما قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، "وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش"، أنكر هذا قوم، وقالوا: لا يكون روحان في جسد.
قال القاضي عياض: وليس للأقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد الله جعلها في قناديل أو أجواف طير وقع ذلك ولا إشكال، فإن الروح وإن وجدت في جوف الطير فليس فيه قيام روحين بجسد واحد، بل قيام الروح بجوف الطير، كقيام الجنين في بطن أمه، وروحه غير روحها.
وقال السهيلي والبيضاوي: خلق الله لأرواحهم بعد مفارقة أجسامهم صورة طيور تجعل فيها الأرواح خلفًا عن الأبدان، توسلًا لنيل اللذات الحسية إلى أن يعيده الله يوم القيامة.
وقال بعضهم: في بمعنى على، أي: أرواحهم على أجواف هي طيور، وسمي الطير جوفًا لإحطاته واشتماله عليه, فهو من تسمية الكل باسم المجزء, وفيه تعسّف.
وقال السهيلي: أي في صورة طير خضر، كما تقول: رأيت ملكًا في صورة إنسان، "فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم" من الأنهار, "وحسن مقيلهم" مكانهم الذي يأوون إليه للاسترواح والتمتع تجوّز به عن مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبًا؛ إذ لا نوم في الجنة، كما قاله البيضاوي في قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
"قالوا: يا" للتنبيه أو النداء المحذوف، أي: يا هؤلاء "ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلّا يزهدوا في الجهاد" , أي: يتركوه ويعرضوا عنه، "ولاينكلوا" بضم الكاف وتفتح في لغة،стр. 971
عن الحرب، "قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم, فأنزل الله هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ " رواه أحمد.
قال بعض من تكلّم على هذا الحديث: قوله: ثم تأوي إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ , وإنما تأوي إلى ذلك القناديل ليلًا وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة, وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ.
الحواشي
(١) ومنعها الأصمعي, "عن الحرب" أي: ولئلَّا يجبنوا عنه ويتأخروا، "قال الله تعالى: أن أبلغهم عنكم, فأنزل الله على نبيه هذه الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ " [آل عمران: ١٦٩] مفعول ثانٍ، والأول الذين, والفاعل إمَّا ضمير كل مخاطب، أو ضمير الرسول ﷺ , وهذا صريح في نزولها في شهداء أحد.
وحكى البيضاوي قولًا: إنها نزلت في شهداء بدر، فإن صحَّ أمكن أنها مما تكرر نزوله، وعليه فكأنهم تمنَّوا علم إخوانهم بما حصل لهم، مع أنَّ الآيات عندهم متلوّة؛ لأنه عَبَّر فيها بالماضي, في قوله: قُتِلُوا، ثم لا يعارض هذا ما قبله من نزولها في شأن أبي جابر؛ لأن كلامه تعالى له لا يمنع قول قية الشهداء ما ذكر, فنزلت إبلاغًا عن الجميع على مفاد الخبرين، ولا مانع من تعدد سبب النزول وهو أولى من تجويز أنها مم تعدَّد نزوله؛ لأن الأصل عدمه، "روه أحمد", أخرجه مسلم عن مسروق، قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات، قال: أمَّا إنا قد سألنا عنها فقيل لنا: "لما أصيب إخوانكم" الحديث. ولم يعزه له المصنف لعدم صراحته برفع الحديث، فلذا عدل لحديث ابن عباس عند أحمد لكونه صريحًا في الرفع.
"قال بعض من تكلَّم على هذا الحديث" هو الإمام السهيلي في الروض، "قوله: "ثم تأوي إلى قناديل" يصدقه قوله على أحد الأقوال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مبتدأ وخبر، أي: الذين استشهدوا ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ وقيل: المراد الأنبياء من قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وقيل: هو عطف على الخبر وهو الصديقون: أي: أولئك بمنزلة الصديقين والشهداء، أو المبالغون في الصدق لتصديقهم جميع أخبار الله ورسله، وقائمون بالشهادة لله ولهم، أو على الأمم يوم القيامة، حكاها كلها البيضاوي وغيره.
"وإنما تأوي إلى تلك القناديل ليلًا، وتسرح نهارًا قبل دخول الجنة", فتعلم بذلك الليل من النهار، "وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في" مدة "البرزخ" هذا ما يدل عليه ظاهر الحديث.стр. 972
وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها.
وقد ردَّ هذا القول، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق, عند باب الجنة، في قباب خضر, يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًّا".
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأنَّ الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر, فيجتمعون هناك ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح.
الحواشي
(١) "وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها، وقد ردَّ هذا القول" أنكره ابن عبد البر.
قال السهيلي: وليس بمنكر عندي، "ويشهد له" أي: لقول مجاهد ويبيّن مراده "ما وقع في مسند ابن أبي شيبة وغيره"؛ كالإمام أحمد والطبراني والحاكم, كلهم عن ابن عباس, "أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الشهداء بنهر أو على نهر" شكَّ، "يقال له بارق" بالموحدة وبعد الألف راء مكسورة، ثم قاف في الحديث نهر، "عن باب الجنة, في قباب خضر, يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشيًّا".
ولفظ أحمد ومن ذكر بعده: "الشهداء على بارق بباب الجنة, في قبة خضراء, يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا".
قال البيضاوي: يعني تعرض أرزاقهم على أرواحهم, فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض الناس على آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع، وفيه دلالة على أنَّ الأرواح جواهر قائمة بأنفسها, مغايرة لما يحس من البدن، باقية بعد الموت داركة، وعليه الجمهور, وبه نطقت الآية والسنن، فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الربّ, ومزيد البهجة والكرامة.
"قال الحافظ عماد الدين بن كثير" في الجمع بين مختلف الروايات، الدالّ بعضها على دخولهم الجنة، وبعضها على وقوفهم ببابها عند النهر، "كأنَّ الشهداء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة" كما دلَّ عليه حديث ابن عباس الأول، "ومنهم من تكون على هذا النهر بباب الجنة" كما دل عليه حديثه الثاني، وعبَّر بكان؛ لأنه عل سبيل الاحتمال لا القطع؛ لأن حقيقة الحال غيب عنَّا، "وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هناك ويغدى" بالبناء للمفعول وضمّنه معنى يمر, فعدَّاه بعلى في قوله: "عليهم برزقهم هناك ويراح"стр. 973
قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمنٍ بأنه روحه تكون في الجنة أيضًا, وتسرح فيها, وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور, وتشاهد ما أعدَّ الله لها من الكرامة.
قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم, اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتَّبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة
الحواشي
(١) مبنى للمفعول أيضًا, والغدوّ والرَّوَاح هنا بمعنى السير، أي: وقت كان، فالعطف تفسيري.
"قال" ابن كثير: "وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه بشرى لكل مؤمن" وإن لم يكن شهيدًا، "بأن روحه تكون في الجنة أيضًا، وتسرح فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة" بسكون الضاد- والرونق، "والسرور" عطف مسبب على سبب، فإن الحسن سبب السرور، والرؤية علمية لا بصرية؛ إذ البصر لا يتعلّق بالسرور، أو بصرية، بتقدير مضاف، أي: ترى ما فيها من أسباب السرور، أو استعمل السرور فيما يحصله مجازًا، "وتشاهد ما أعدَّ الله لها من الكرامة، قال: وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم" جمعها مبالغة في الثناء على إسناده، "اجتمع فيه ثلاث من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبَعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس، عن الزهري" محمد بن مسلم، "عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك" الأنصاري السلمي, يكنَّى أبا الخطاب. وُلِدَ في عهد النبي ﷺ , وذكره البغوي في الصحابة.
روى عن أبيه وأخيه عبد الله, وجابر وسلمة بن الأكوع, وأبي قتادة وعائشة، وعنه أبو أمامة بن سهل، وهو من أقرانه وأسنّ منه, والزهري وغيرهما. قال ابن سعد: ثقة، وهو أكثر حديثًا من أخيه، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك، "عن أبيه يرفعه" لفظة استعملها المحدثون بدل قال ﷺ : "نسمة" أي: روح "المؤمن طائر يعلق" بفتح اللام في رواية الأكثر، كما قاله القرطبي, "في شجر الجنة" تسرح فيها لتأكل منها.
وقال الإمام السهيلي في الروض: ويعلق -بفتح اللام- يتشبث بها، ويرى مقعده منها، ومن رواه بضم اللام فمعناه: يصيب منها العلقة من الطعام، فقد أصاب دون ما أصاب غيره ممن أدرك الرغد، أي: العيش الواسع, فهو مثل مضروب يفهم منه هذا المعنى، وإن أراد بيعلق الأكل نفسه, فهو مخصوص بالشهيد، فتكون رواية من رواه بالضم للشهداء، ورواية الفتح لمن دونهم، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله من ذلك، انتهى.стр. 974
حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه".
وقوله: يعلق، أي: يأكل، وفي هذا الحديث أنَّ روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله تعالى الكريم المنَّان أن يميتنا على الإسلام.
وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون -فيما ذكره مغلطاي وغيره, وقيل: خمسة وستون, أربعة من المهاجرين.
وروى ابن منده من حديث أُبَيّ بن كعب قال:
الحواشي
(١) ووقع في بعض نسخ الشافية تصحيف، فقال: يعلق -بضم اللام: يتشبث، وبفتحها: يصيب منها العلقة، والصواب ما في الروض وهو المناسب لقوله العلقة؛ إذ هي بالضم, كلَّ ما يتبلّغ به من العيش كما في القاموس، "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" يوم القيامة، "وقوله: يعلق" بالتحتية، صفة لطائر كتذكير الضمير في يرجعه، "أي: يأكل، وفي هذا الحديث: "إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة" , لا أن روحه جعل في جوف طائر ليأكل ويشرب كالشهيد.
"وأمَّا أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها" على ما دلَّ عليه الحديثان، وقد تأوَّل بعضهم كما في الروض حديث "نسمة المؤمن" مخصوصًا بالشهيد، انتهى. ولكن المتبادر خلافه، ولذا جزم ابن كثير بالعموم, "فنسأل الله تعالى الكريم المنَّان أن يميتنا على الإسلام" بمنِّه وكرمه, "وقد استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون فيما ذكره مغلطاي وغيره" اعتمادًا على ما صرَّح به حديث البراء وأنس في الصحيح، وأُبَيّ بن كعب، وقد صحَّحه ابن حِبَّان وهو المؤيَّد بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
اتفق علماء التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أُحد، وأنَّ المراد بإصابتهم مثليها يوم بدر بقتل سبعين، وأسر سبعين، وبه جزم ابن إسحاق, وقد مَرَّ له مزيد، وأنَّ الزيادة إن ثبتت إنما نشأت عن الخلاف في التفصيل, وليست زيادة في الجملة، قاله اليعمري والعسقلاني: "وقيل: خمسة وستون, أربعة من المهاجرين" حمزة، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، ومصعب بن عمير كما عند ابن إسحاق.
"وروى ابن منده" والحاكم في الإكليل والمستدرك "من حديث أُبَيّ بن كعب، قال:стр. 975
استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون, ومن المهاجرين ستة, وصحَّحه ابن حِبَّان من هذا الوجه.
وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا، وقتل ﵊ بيده أُبَيّ بن خلف.
الحواشي
(١) استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة.
قال الحافظ: وكان الخامس سعد مولى حاطب، ذكره موسى بن عقبة، والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي حليف بني عبد شمس، فقد عدَّه الواقدي منهم، "وصحَّحه ابن حبان من هذا الوجه", وكذا الحاكم وهو قول الأكثر، وعد ابن سعد من استشهد بأحد من غير الأنصار: الحارث بن عقبة بن قابوس المزني، وعمَّه وهب بن قابوس، وعبد الله وعبد الرحمن ابني الهبيب -بموحدتين- مصغَّر من بني سعد بن ليث، ومالكًا والنعمان ابني خلف بن عون الأسلميين، قال: إنهما كانا طليعة للنبي ﷺ فقتلا.
قال الحافظ: ولعلَّ هؤلاء كانوا من حلفاء الأنصار فعدوا فيهم، فإن كانوا من غير المعدودين أولًا، فحينئذ تكمل العدة سبعين من الأنصار، وتكون جملة من قتل أكثر من سبعين. ومن قال سبعون، ألغى الكسر، انتهى. "وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلًا" منهم حملة اللواء من بني عبد الدار بن قصي، عشرة بغلامهم قد سبق ذكرهم.
وقال ابن إسحاق: اثنان وعشرون رجلًا، فأسقط واحدًا, وهو شريح بن قارظ.
وفي سيرة مغلطاي ما لفظه: وقتل من المشركين ثلاثة، ويقال: اثنان وعشرون رجلًا، وهذه عبارة موهمة كما قاله البرهان.
"وقتل ﵊ بيده أُبَيَّ بن خلف", ولم يقتل بيده أحد سواه. ففي قول ابن إسحاق: ناول سيفه فاطمة فقال: "اغسلي عن هذا دمه" نظر، وكذا في قوله: "رمى عن قوسه حتى صارت شظايا"، كذا ذكر ابن تيمية، وقال: الشجاعة تكون شيئين: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن بأن يقتل كثيرًا، أو يقتل قتلًا عظيمًا, والأول هو الشجاعة، والثاني يدل على قوة البدن وعمله، وليس كل قوي البدن قوي القلب، ولا عكسه، والخصلة الأولى يحتاج إليها أمراء الجيوش والحروب وقوادها أكثرمن الثانية، فإن المقدم إذا كان شجاع القلب ثابتًا، أقدم وثبت ولم ينهزم، فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانًا ضعيف القلب ذلَّ ولم يقدم ولم يثبت، ولو كان قوي البدن, وكان ﷺ أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب، ولم يقتل بيده إلّا أُبَيّ بن خلف.
قال البرهان: وفي المستدرك عن ابن عباس، لما رجع ﷺ من أُحد أعطى فاطمة ابنتهстр. 976
وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه: أنه رأى عن يمين رسول الله ﷺ , وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان عنه كأشد القتال.
وفيه -كما قدمناه في غزوة بدر- أن قتال الملائكة معه ﷺ لا يختص بيوم بدر، خلافًا لمن زعمه، كما نصَّ عليه النووي في شرح مسلم كما قدَّمته, والله أعلم.
الحواشي
(١) سيفه، فقال: "بنية اغسلي عنه الدم" وأعطاها علي سيفه. وقال هذا: فاغسلي عنه دمه.. الحديث. ولم يتعقبه الذهبي ففيه ردّ على ابن تيمية.
"وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه" في كتاب المناقب، لا المغازي، "أنه رأى", ولفظه قال: رأيت، "عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله يوم" وقعة "أُحد رجلين" أي: ملكين في صورة رجلين, "عليهما ثياب بيض, ما رأيتهما قبل ولا بعد".
وفي رواية الطيالسي: لم أرهما قبل ذلك اليوم ولا بعده.
"يعني: جبريل وميكائيل يقاتلان عنه" ﷺ "كأشد القتال".
قال المصنف: الكاف زائدة، أو للتشبيه، أي: كأشد قتال بني آدم، وهذ الحديث أخرجه البخاري أيضًا، ولكنه لم يقع عنده التصريح باسم الملكين، فلذا اقتصر المصنّف على عزوه له، "وفيه كما قدمناه في غزوة بدر أن قتال الملائكة معه ﷺ لا يختص بيوم ببدر،" لتصريحه بأنهما قاتلا يوم أُحد. وأيضًا روى الطبراني وابن منده أنه ﷺ سأل الحارث بن الصمَّة عن عبد الرحمن بن عوف، فقال: هو بجنب الجبل، فقال ﷺ : "إن الملائكة تقاتل معه". قال الحارث: فذهبت إليه فوجدت بين يديه سبعة، فقلت له: ظفرت يمينك أكل هؤلاء قتلت؟ فقال: أما هذا وهذا فأنا قتلتهما، وأمَّا هؤلاء فقتلهم من لم أره، فقلت: صدق الله ورسوله.
وروى ابن سعد: أن مصعبًا لما قُتِلَ أخذ اللواء ملك في صورته، فجعل ﷺ يقول: "تقدَّم يا مصعب" فالتفت الملك إليه وقال: لست بمصعب، فعرف أنه ملك أُيّد به، "خلافًا لمن زعمه كما نصَّ عليه انووي في شرح مسلم كما قدمته، والله أعلم" وقد قدَّمنا ثمة الجواب عن البيهقي وغيره, بما حاصله أنَّ قتالهم ببدر كان عامًّا عن جميع القوم، وأمَّا في أُحد فإنهما ملكان, وقتالهما عن المصطفى فقط.стр. 977
ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون, وظهر غش اليهود.
ذكر القاضي عياض في الشفاء, عن القاضي أبي عبد الله بن المرابط من المالكية أنه قال: من قال إن النبي ﷺ هزم يستتاب, فإن تاب وإلّا قُتِل؛ لأنه تنقص،؛ إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته؛ إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته،
الحواشي
(١) قال شيخنا: على أنه لا يلزم من ذلك قتال, بل يجوز أنهما كانا يدفعان عنه ما يُرْمَى به من السهام، ونحوهما، وعبَّر عن ذلك بالقتال مجازًا، وأمَّا الذي حمل اللواء فليس فيه أنه قاتل، فيجوز أنه رفع اللوء ليراه المسلمون فلا ينكسروا، وكذا لا يرد مقاتلتهم مع ابن عوف؛ لأنه ليس عن عموم الجيش, فهو مخصوص بعبد الرحمن.
"ولما بكى المسلمون على قتلاهم سُرَّ بذلك المنافقون" باطنًا، ولذا عبَّر بسُرَّ لإسلامهم ظاهرًا, حتى بعد أُحد, وإن خذلوا وأمروا بالتفرق، وقالوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ، فرد الله عليهم: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ ، "وظهر غش اليهود" الذي كانوا يخفونه خوفًا من المسلمين؛ حيث تخيَّلوا وهنهم، فلذلك عبَّر بظهر لمخالفتهم في الظاهر والباطن، فقالوا: ما محمد إلّا طالب ملك، ما أصيب هكذا نبيّ قط, أصيب في بدنه وفي أصحابه، وما هذا البهتان بأقوى من قتلهم الأنبياء بغير حق.
تتمة إيقاظ لئلَّا يغترَّ ناقص العلم بما قد وقع في سياق الحديث، فيسري إلى وهمه أنه يجوز اعتقاده أو التكلم به.
"ذكر القاضي عياض في الشفاء عن القاضي أبي عبد الله" محمد بن خلف بن سعيد، المعروف ب"ابن المرابط, من المالكية" الإفريقي، فقيه بلده، ومفتيه وقاضيه، كان من أهل الفضل والفقه والتفنن, سمع أبا القاسم المهلب، وأجازه أبو عمر الطلمنكي، وشرح البخاري شرحًا كبيرًا حسنًا، ورحل إليه الناس وسمعوا منه. توفِّي بعد الثمانين وأربعمائة، "أنه قال: من قال إنَّ النبي -صلى عليه وسلم- هزم", وما في معناه من فَرَّ وهَرَب وتوارى واختفى؛ إذ العلة في ذلك تنقيصه, ولا توقف عندنا في ذلك، "يستتاب"" أي: يطلب منه الرجوع عمَّا قاله، "فإن تاب" قبلت توبته، "وإلّا قُتِلَ؛ لأنه تنقُّص" أي: ذم وتعييب، لكن في القاموس وغيره: انتقصه، فالمناسب أن يقول: لأنه انتقاص، والذي في الشفاء تنقيص بياء قبل الصاد، "إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصيته" أي: لا مرخصه الله به، حيث ثبَّت قلبه، وألقى الرعب في قلوب أعدائه؛ "إذ هو على بصيرة من أمره" يعرف بها أن أحدًا لا يقدر على إصابته بسوء، "ويقين من عصمته", أي: عصمة الله له بحفظه، وأي يقين مثل ما وقع له يوم أُحد بحيث لم يبق معه غير طلحة وسعد في بعض الأوقات، وهوстр. 978
انتهى.
وهذا موافق لمذهبنا. لكن قال العلامة البساطي من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة، أعني: حكم السابّ، فله وجه، وإن وافق على أن السابّ لا تقبل توبته فمشكل, انتهى.
وقد كان في قصة أُحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة:
منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية, وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ أن لا يبرحوا منه.
الحواشي
(١) ثابت, ما يزال يرمي عن قوسه ينادي إلي عباد الله، ولم يبال بأن تسمع الأعادي صوته. "انتهى" كلام ابن المرابط وهو ضعيف، وإن مشى عليه صاحب المختصر؛ لأنه خلاف قول مالك وأصحابه، ولذا عقَّب صاحب الشفاء كلامه بقول القروي مذهب مالك وأصحابه أنَّ من قال فيه ما فيه نقص قُتِلَ دون استتابة.
"و" لذا قال المصنف: "هذا موافق لمذهبنا" أي: الشافعية، أنَّ سبَّ الرسول رِدَّة, "لكن قال العلامة" شيخ الإسلام " البساطي" قاضي القضاة المالكية بمصر, شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، وُلِدَ سنة ستين وسبعمائة، وبرز في الفنون ودرس بالشيخونية وغيرها، وصنَّف تصانيف، ومات في رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة "من المالكية" في شرح المختصر، "هذا القائل إن كان يخالف" المالكية "في أصل المسألة، أعني: حكم السباب" بمعنى السبّ، أي: الشتم، من أنه يقتل حدًّا وإن تاب، ويقول بمذهب الشافعية من قبول توبته مطلقًا، "فله وجه"؛ لأنه خرج عن مذهبه لغيره، "وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته" بالنسبة إلى أحكام الدنيا، بمعنى أنها لا تفيده في نفي قتله؛ لأنه حدٌّ كالزنا والشرب، "فمشكل" لمخالفته، نص مالك وأصحابه، "انتهى. وقد كان في قصة أُحد" كما نقله في الفتح عن العلماء: "وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحِكَم الربانية أشياء عظيمة, منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي،" أي: المنهيّ عنه، "لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله ﷺ أن ايبرحوا منه", وإلى هذا أشار : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية.
أخرج الطبري عن السدي وغيره: إن المراد بالوعد قوله ﷺ للرماة: "إنكم ستظهرونстр. 979
ومنها: إن عادة الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العاقبة، والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائمًا لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره, ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميّز الصادق من الكاذب, وذلك أنَّ نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين, فلمَّا جرت هذه القصة وأَظْهرَ أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول, عاد التلويح تصريحًا، وعرف المسلمون أن لهم عدوًّا في دورهم, فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم.
ومنها:
الحواشي
(١) عليهم فلا تبرحوا من مكانكم حتى آمركم" , وعن قتادة ومجاهد: تحسونهم، أي: تقتلونهم. وقال البخاري وابن هشام: تستأصلونهم قتلًا، وهو من كلام أبي عبيدة.
قال جرير:
تحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في الأجمّ الحصيد
قال ابن مسعود: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النبي ﷺ يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] الآية. رواه السدي، وقد يرد عليه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧] الآية، فإنها نزلت في شأن بدر وهي قبل هذه.
"ومنها: أنّ عادة الرسل أن تبتلى، وتكون لهم العاقبة" كما قاله هرقل لأبي سفيان, "والحكمة في ذلك: أن لو انتصروا دائمًا، لدخل في المسلمين من ليس منهم, ولم يتميز الصادق من غيره" كما قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية، ذكره ليدل على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفى عليه ما في الصدور وغيرها؛ لأنه عالم بجميع المعلومات، وإنما ابتلاهم لمحض الإلهية، أي: للاستصلاح. "ولو انكسرو دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب" كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الآية، أي: المنافقين من المؤمنين، "وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيًا عن المسلمين" أي: مستورًا، اسم مفعول من خفاء لا من خفي، فإنه لازم ولا يأتي المفعول منه إلّا بالصلة, "فلمَّا جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول" كانخزالهم وقولهم: لو نعلم قتالًا لاتَّبعناكم، "عاد التلويح تصريحًا" أي: عاد ما كانوا يضمرونه ويتكلمون به فيما بينهم ويخفونه عن المسلمين مصرحًاстр. 980
أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها, فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع المنافقون.
ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيِّضَ لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها.
ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها.
ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين
الحواشي
(١) به، "وعرف المسلمون أنَّ لهم عدوًّا في دورهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، ومنها: أنَّ في تأخير النصر في بعض المواطن هضمًا للنفس، وكسرًا لشماختها" تكبرها وتعاظمها، تفسير لهمضها، "فلمَّا ابتلي المسلمون صبروا وجزع" بكسر الزاي "المنافقون" أي: لم يصبروا.
"ومنها: أنَّ الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته" الجنة، "لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمِحَن" جمع محنة، مساوٍ للابتلاء، "ليصلوا إليها" كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
قال ابن إسحاق: أي: حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثوابي الكرامة، ولم أخبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره، حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان بي, والصبر على ما أصابكم فيّ.
"ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها،" إكرامًا لهم؛ حيث اتخذ منهم شهداء، وقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده, لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنِّي, ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلَّفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله, ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
"ومنها: أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك"؛ حيث اعتقدوا أنهم على شيء من ظفرهم الصوري بالمسلمين، فزادوا وعتوًّا وتجبرًا، وإلّا فقد ألقى في قلوبهم الرعب "من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه، فمحَّص ذنوب المؤمنين،" التمحيص التخليص من الشيء المعيب، وقيل: هو الابتلاء والاختيار. قال:
رأيت فصيلًا كأن شيئًا ملفقًا ... فكشفه التمحيص حتى بدالياстр. 981
ومحق بذلك الكافرين.
الحواشي
(١) "ومحق بذلك الكافرين" كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين﴾ الآية. أي: يهلك الكافرين الذين حاربوا يوم أحد ولم يسلموا؛ لأنه تعالى لم يمحق كل كافر، بل بقي منهم كثير على كفرهم. والمعنى: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كان على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم.
ومنها: أن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام تعظيمًا لأجرهم, تأسَّى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين.
قال ابن إسحاق: أنزل الله في شأن أُحد ستين آية من آل عمران.
وروى ابن أبي حاتم وأبو يعلى من طريق المسْوَر بن مخْرَمَة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أخبرني عن قصتكم يوم أُحد؟ قال: اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها، ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ . قال: ألقى عليهم النوم، والله أعلم.стр. 982
" غزوة حمراء الأسد ":
وهي على ثمانية أميال من المدينة, على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة.
وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال, على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس،
الحواشي
(١) غزوة حمراء الأسد:
بالحاء المهملة والمد. قال أبو عبيد البكري: تأنيث أحمر مضافة إلى أسد، "وهي" أنَّثه لكونه اسمًا للبقعة أو نظرًا للفظ حمراء، وإلّا ففي النور اسم مكان، والقاموس موضع، "على ثمانية أميال", وقيل: عشرة كما في الخميس، "من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت" أيها الذاهب من المدينة "ذا الحليفة", تكون عن يسارك، "وكان صبيحة يوم أحد" وهو يوم السبت، فهذه الغزوة يوم الأحد "ليست عشرة ليلة مضت" عند ابن إسحاق, "أو لثمانٍ خَلَوْنَ" عند ابن سعد، "من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة".
قال اليعمري: والخلاف عندهم كما سبق في أُحد، "لطلب عدوهم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: الذين عادوهم "بالأمس" أي: اليوم الذي قبل يوم خروجهم؛ لأنه كما ذكر الواقدي، باتت وجوه الأنصار على بابه ﷺ خوفًا من كرة العدوّ، فلمَّا طلع الفجر وأذَّن بلال بالصلاة، وجاء عبد الله ابن عمرو المزني, فأخبره ﷺ أنه قد أقبل من أهله, حتى إذا كان بملل بميمстр. 983
ونادى مؤذن رسول الله ﷺ : "أن لا يخرج معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.
الحواشي
(١) ولامين, موضع قرب المدينة، إذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون: ما صنعتم شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم, ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا -بمهملة وموحدة، أي: غضبوا، وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم, فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. فقال ﷺ : "أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده, لقد سومت لهم الحجارة, ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب"، ودعا ﷺ أبا بكر وعمر, فذكر لهما ما أخبر به المزني، فقالا: يا رسول الله, اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، أي: يدخلون، فلمَّا انصرف من صلاة الصبح ندب الناس، "وأذَّن مؤذن رسول الله ﷺ ".
قال البرهان: لا أعرفه، وفيه تقصير، فقد ذكر الواقدي أنه بلال, أمره أن ينادي: أنَّ رسول الله ﷺ يأمركم بطلب عدوكم, و"أن لا يخرج معنا أحد إلّا من خرج معنا أمس".
زاد ابن إسحاق: وكلمه جابر فقال: إن أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع, وفي لفظ: تسع، وهو الصحيح. وقال: يا بني, إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هذه النسوة لا رجل فيهنّ, ولست بالذي أترك الجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي, فتخلف على أخواتك, فتخلفت عليهنَّ فأذن له ﷺ فخرج معه.
وعند الواقدي: فوثب المسلمون إلى سلاحهم, وما عولوا على دواء جراحهم, وجرح من بني سلمة أربعون جريحًا, بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبخراش بن الصمة عشر، وبقطبة بن عامر تسع، وبكعب بن مالك بضعة عشر.
"أي: من شهد أُحد"؛ لعل حكمة ذلك وإن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إظهار الشدة للعدو, فيعلمون من خروجهم مع كثرة جرحاتهم أنَّهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول, والزيادة في تعظيم من شهد أُحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه كان يمنعهم دون المسلمين.
وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة: لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"، فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير.
زاد الطبراني عن ابن عباس، وعمر وعثمان وعلي وعمّار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود.стр. 984
وإنما خرج ﵊ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
الحواشي
(١) قال الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدًّا، فالمشهور عند أصحاب المغازي أنَّ الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أُحدًا، وكانوا سبعمائة، قُتِلَ منهم سبعون، وبقي الباقون.
قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها: فانتدب منهم سبعون، أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون, ولم ينبه على ذلك الحافظ في الفتح، انتهى.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم.
قال ابن سعد: ودعا ﷺ بلوائه وهو معقود لم يحل, فدفعه إلى عليِّ، ويقال: إلى أبي بكر الصديق. "وإنما خرج ﵊ مرهبًا." قال البرهان: بكسر الهاء, اسم فاعل، أي: مخيفًا "للعدو, وليبلغهم أنه خرج في طلبهم" عطف سبب على مسبب، أي: خرج ليبلغهم فيخافوا، وفي نسخة: حذف الواو وهو الذي في ابن إسحاق، وكذا في العيون عنه، "ليظنوا به قوةً, وأن الذي أصابهم لم يوهنهم", أي: لم يضعفهم، "عن عدوهم،" فهذا سبب الغزوة عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة وغيره أن سببها ما بلغه من إرادة أبي سفيان العود لاستئصال المسلمين، كذا جعله الشامي خلافًا، وانتقده شيخنا بأنَّ مثل هذا لا يستلزم أن يكون خلافًا في السبب، بل يجوز أنه لما بلغه خبر أبي سفيان خرج لإرهاب العدو حتى لا يرجعوا إلى المدينة, فذكر ابن عقبة السبب الحقيقي وهو بلوغ خبر أبي سفيان وابن إسحاق, ما أراده ﷺ بعد بلوغ الخبر.
وذكر ابن سعد أنه ﷺ ركب فرسه وهو مجروح، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعةً في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد, ولهم زجل, ويأتمرون بالرجوع, وينهاهم صفوان، فبصروا بالرجلين فقتلوهما، ومضوا ومضى ﷺ بأصحابه, ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج، حتى عسكر بحمراء الأسد، فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد.
وروى النسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك ﷺ , فندب المسلمين فانتدبوا, حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية، وهذا قول أكثر المفسرين ورجَّحه ابن جرير.
وقال مجاهد وعكرمة: نزلت في بدر الصغرى.
قال ابن كثير: والصحيح الأول.стр. 985
وأقام ﵊ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة, وقد غاب خمسًا.
وظفر ﵊ في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص, فأمر بضرب عنقه صبرًا.
الحواشي
(١) "وأقام ﵊ بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء".
قال ابن سعد: وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله بذلك عدوهم.
وعند ابن إسحاق: أنه لقيه بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، فعزاه بمصاب أصحابه، وهو يومئذ مشرك، وأسلم بعد, كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان وأصحابه وهم بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا في أُحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؛ لنكِرنَّ عليهم فلنفرغنَّ منهم، فلمَّا رأى أبو سفين معبدًا قال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط, يتحرقون عليكم تحرقًا, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم, وندموا على ما صنعوا, فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول! قال: ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة.
وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة. فقال ﷺ : "إن أبا سفين قد أصاب منكم طرفًا، وقذف الله في قلبه الرعب".
"ثم رجع" ﷺ بأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء "إلى المدينة يوم الجمعة", لم يذكر ابن إسحاق وأتباعه يوم الجمعة، فلعله ﷺ خرج من حمراء الأسد يوم الخميس، وبات بالطريق لغرض ما ليلة الجمعة، ثم دخل يومها، "وقد غاب خمسًا" كما جزم به البلاذري، "وظفر ﵊ في مخرجه ذلك", أي: رجوعه من حمراء الأسد قبل روعه إلى المدينة "بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص" بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة، "فأمر بضرب عنقه صبرًا" بأن أوثقه حتى أمر بقتله.
قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمَّار بن ياسر قتلاه بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله ﷺ ، فأمَّنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتِل، فأقام بعد ثلاثследующие страницы →