← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 26583

السنة في مواجهة الأباطيل

محمد طاهر حكيم

Полный текст (181 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[السنة في مواجهة الأباطيل]ـ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [مطبوعات رابطة العالم الإسلامي] دعوة الحق: سلسلة شهرية تصدر مع مطلع كل شهر عربي السَنَة الثانية: ١٤٠٢ هـ ربيع الأول العدد (١٢) السُنَّة في مواجهة الأباطيل تأليف الأستاذ محمد طاهر حكيم عدد الأجزاء: ١. أَعَدَّهُ للمكتبة الشاملة / توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي].

стр. 2

المقدمة: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل عليه كتابه تبياناً لكل شيء وهدى إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنزل عليه الكتاب، فبيَّن أحكامه، ورفع إبهامه، وخصص إطلاقه وشرح أهدافه، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه وذريته وعلينا معهم أجمعين، آمين. وبعد: فلا يخفى على من له أدنى إلمام بشرائع الإسلام أنَّ السُنَّة هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، بل هي قُطْبُ رحاها، ومصدر إشعاعها، وشمس الحقيقة ومنبع الهداية، وهي السراج الوهاج في ليل داج، فقد كانت البشرية في الجاهلية تتخبط خبط عشواء، وكانت منغمسة في شهواتها، ومنتهية في جهالاتها، ومرتطمة في نزواتها، في خبط وحيرة، وظلمات مدلهمَّة لا تهتدي سبيلاً، ولا تجد طريقاً. حتى منّ الله عليها ببعث نبيه الكريم ﷺ وأنزل كتابه العظيم. ولما كان القرآن الكريم محتوياً للأصول، غير مستقص لجميع التفاصيل، فيه من الإجمال شيء غير قليل، فوض الله بيانه إلى الرسول الكريم ﷺ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١).

стр. 3

فكان رسول الله ﷺ هو المُبَيِّنُ عن الله والكتاب الناطق، والرحمة المهداة والنعمة المسداة. ومن هنا يظهر جلياً، أنه لا يمكن فهم كتاب الله تعالى على وجهه، والعمل به على مراد الله تعالى، إلاَّ ببيان رسوله النيّر وأسوته الحسنة، وبيانه النيّر وأسوته الحسنة هما السُنَّة. فمن رام الهداية من غيرهما، أو من كتاب الله وحده، فقد رام المُحال. ولما كانت للسُنَّة هذه المنزلة، وكان كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا مطمع في تغييره بالتصحيف والتحريف، أو الزيادة والنقص، قام أعداء الإسلام بالتشكيك في السُنَّة وحُجِيَّتها وزعزعة الثقة بها، وأثاروا الشُبُهَات المختلفة حولها، حتى - لا قَدَّرَ اللهُ - إذا تم لهم ذلك، إنهار صرح الإسلام من أساسه، وبعد تقويض بنيانه، ما أسهل نقل المسلمين إلى أي نحلة من النحل الباطلة. وإذا كان مُنكرو السُنَّة قديماً قد انقرضوا وصاروا في ذمة التاريخ، فإنَّ المستشرقين وتلامذتهم من المستسلمين قد حَلُّوا محلهم وقاموا بالهجوم على الإسلام، أنهم كشفوا عن سرائرهم، فليس يرضيهم شيء إلاَّ أن يفضوا أهله من حوله، وأنْ يملأوا الدنيا أراجيف بأن الإسلام دعوة باطلة، ورسالة زائفة، وأنه لا يجوز لها البقاء أكثر مِمَّا بقيت .. ألا ساء ما يصفون. وقد تتابعت جهود المستشرقين وتلامذتهم لإشاعة هذا الإفك، وكثرت مؤلفاتهم التي تغمز الإسلام، وتنال من نبيه ورسالته، وتشريعاته، وبعض هذه المؤلفات قد تبدو عليها - في الظاهر - مسحة البحث العلمي المزعوم، وقد يكون صاحبه قد طالع -بالفعل - عدداً ضخماً من المؤلفات الإسلامية القديمة والحديثة، ومن ثم يعرض أفكاره السامة في ألبسة من الاستنتاج الهادئ، وبين يدي نقول محرفة عن مواضعها.

стр. 4

ومن المؤسف حقاً أنَّ المستشرقين ليسوا وحدهم الخائضين في تاريخ الإسلام وتشريعه ورسالته، كذباً وزوراً، عن سوء قصد أو سوء فهم، بل يشترك معهم فريق كبير من المستغربين - من العرب والمسلمين - في هذا الحوض الظالم الأليم. والأغلب من هؤلاء الذين ينخدعون من المسلمين بالمستشرقين يكونون قد تأثروا بأفكار المستشرقين، إما بدراستهم في جامعات الغرب، أو جهلهم بحقائق التراث الإسلامي، وانخداعهم بالأسلوب العلمي المزعوم الذي يدَّعيه أولئك الخصوم. ونظراً لما أثير حول السُنَّة من اعتراضات وشُبُهات في ثبوتها وحجيتها ورُواتها، ولما فشا الجهل وضعف الوازع الديني في النفوس غالباً، كان لا بد من دحض مفترياتهم وكشف شُبُهاتهم حتى لا يتأثر بها ضعفاء المؤمنين من العامة الذين ليس لهم كبير إلمام بالعلم ولاسيما بالسُنَّة وعلومها. وهذا ما حفزني على الإدلاء بدلوي بين الدلاء والكتابة فيه، إسهاماً متواضعاً في الذود عن رياض السُنَّة وعلومها، وقد جعلت الموضوع في ستة أبواب كالآتي: الباب الأول: (السُنَّة وما إليها). وفيه أربعة فصول: ١ـ تعريف السُنَّة. ٢ـ مكانة السُنَّة التشريعية. ٣ـ حُجِيَّة السُنَّة. ٤ـ جهود العلماء لحفظ السُنَّة. الباب الثاني: (نظرة سريعة عن مُنْكِرِي السُنَّة قديماً). وفيه ثلاثة فصول:

стр. 5

١ - السُنَّة والخوارج. ٢ - السُنَّة والشيعة. ٣ - السُنَّة والمعتزلة. الباب الثالث: (السُنَّة ومُنْكروها حديثاً) عرض - وتحليل. وفيه ستة فصول: ١ - السُنَّة والمستشرقون. ٢ - السُنَّة والدكتور توفيق صدقي. ٣ - السُنَّة والأستاذ أحمد أمين. ٤ - السُنَّة ومحمود أبي رية. ٥ - السُنَّة والدكتور أحمد زكي أبو شادي. ٦ - السُنَّة ومنكروها في القارة الهندية. الباب الرابع: (شُبُهات مُنكري السُنَّة). وفيه فصلان: ١ - شُبُهَات مُنْكِرِي السُنَّة عموماً. ٢ - شُبُهَات أهل القرآن في القارة الهندية. الباب الخامس: اعتراضات من مُنْكِرِي السُنَّة. الباب السادس: أمثلة من الأحاديث الصحيحة تعرضت لنقد مُنْكِرِي السُنَّة. هذا وقد راعيت الجانب العلمي في البحث، فخرَّجت الأحاديث، وشرحت معاني الجمل - إذ رأيت المقام يقتضي ذلك - وناقشت الشُبُهَات بأسلوب علمي هادئ رصين، ومقارعة الحُجَّة بالحُجَّةِ، من غير إسفاف بحث فيه مقتنع لكل ذي لب وإنصاف. والله المسؤول أنْ يوفِّقني لخدمة السُنَّة المطهرة والعمل بها، وهو المرجو أنْ يتقبل عملي ويجزل أجري ويعفو عن سيئاتي، ويستر عوراتي وعيوبي، فإنه هو الغفور الرحيم.

стр. 6

وأختم كلمتي بدعوة الإمام ابن الجوزي ﵀ إذ يقول: اللهم لا تعذب لساناً يخبر عنك، ولا عيناً تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدماً تمشي إلى خدمتك، ولا يداً تكتب حديث رسولك، فبعزتك لا تدخلني النار، فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دينك، اللهم آمين. وصل الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً .. طيبة الطيبة في ٢٩/ ٩ / ١٤٠١ هـ خادم الكتاب والسُنَّة محمد طاهر حكيم وفَّقه الله

стр. 7

الباب الأول: (السُنَّة وما إليها): وفيه أربعة فصول ١ - تعريف السُنَّة. ٢ - مكانة السُنَّة التشريعية. ٣ - حُجيَّة السُنَّة. ٤ - جهود العلماء لحفظ السُنَّة. يشتمل هذا الباب على بيان حقيقة السُنَّة ومعناها ومنزلتها في التشريع الإسلامي وحُجيَّتها في كافة الشؤون الدينية والاجتماعية والأخلاقية .. ونبذة من جهود العلماء التي بذلوها لحفظ السُنَّة في كلمات مختصرة. وكان لا بد منه إذ كيف يمكن الدفاع عن شيء قبل بيان حقيقته ومكانته والجهود التي بذلت في سبيل الحفاظ عليه.

стр. 8

الفصل الأول: تعريف السُنَّة: السُنَّة لغة: الطريقة، كذا في " القاموس " (١) و " اللسان " (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (٣). وقوله: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ (٤). قال ابن كثير: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا﴾: أي هكذا عادتنا في الدين كفروا برسلنا (٥). ومنه قوله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (٦) ومنه قوله ﷺ : «أَتَرْغَبُونَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟» (٧). أي عن طريقة رسول الله ﷺ .

стр. 9

وقوله: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ» (١) أي من طريقتهم. ويستخلص من النصوص السابقة أنَّ الكلمة استعملت بمعنى الطريقة والمادة. والسُنَّة في اصطلاح المحدثين: «ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية أو سيرة سواء كان قبل البعثة أو بعدها» (٢). وأما الأصوليون فالسنة عندهم: «ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير (٣) من غير القرآن الكريم». وثمة إطلاق آخر في الفقه وهو ما يقابل الفرض فيقال: هذه سُنَّة وليس بواجب وليس بفرض. السُنَّة عند المستشرقين: قال شاخت: «إنَّ النظرة الكلاسيكية للفقه الإسلامي تُعَرِّف السُنَّةَ بأفعال النبي ﷺ المثالية، وفي هذا المفهوم يستعمل الشافعي كلمة السُنَّة وعنده أنَّ " السُنَّة " أو " سُنَّة الرسول " ﷺ كلمتان مترادفتان لكن معنى السُنَّة - على وجه الدقة - إنما هو النظائر السابقة ( Precedent) ومنهج للحياة». ويقول: «إنَّ مفهوم السُنَّة في المجتمع الإسلامي في العصر الأول كان: الأمر العرفي أو الأمر المجتمع عليه». ولقد وضَّح جولدتسيهر «إنها مصطلح وثني في أصله وإنما تبنَّاهُ واقتبسه الإسلام».

стр. 10

وقال مارغوليوث: «إنَّ معنى السُنَّة في صدر الإسلام: ما كان عُرفاً مألوفاً» (١). إنَّ قوله هذا لا يستند إلى دليل وهو واهي في غاية الوهاء لأنَّ النبي ﷺ كان مُشَرِّعاً بالوحي الإلهي لا مُقلداً للأعراف الجاهلية لأنه لم يكن ثم أي عرف قبل تشريع النبي ﷺ الأحكام بالوحي الإلهي إلاَّ الأعراف الجاهلية، ومحال أنْ يتَّبع النبي ﷺ الأعراف الجاهلية بَدَلَ الوحي الإلهي، وفساد كلامه ظاهر مستغن من الإطالة في ردِّه. وأما قول شاخت أنَّ السُنَّة: «إنما هي النظائر السابقة» فلم تكن ثم قبل زمان النبي ﷺ إلاَّ الجاهلية البحتة لأنَّ شريعة - موسى وعيسى - عَلَيْهِمَا الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كانتا حُرِّفَتَا ومُسِخَتَا ولم يبق أي عمل من شرائع الأنبياء السابقة إلاَّ بعض أفعال الحج وتوحيد الله . وخلاصة القول: إنَّ السُنَّة معناها في اللغة - الطريقة والعادة حسنة كانت أم سيئة، وقد استعملها الإسلام في معناها اللغوي ثم خصَّصها بطريق النبي ﷺ . ومن ناحية أخرى فإنَّ هذه الكلمة لم تكن مصطلحاً وثنياً قط ولم يكن يقصد بها عند المسلمين عُرف المجتمع. اهـ.

стр. 11

الفصل الثاني: مكانة السُنَّة التشريعية: القرآن الكريم هو المصدر التشريعي الأول في الإسلام، والسُنَّة هي المصدر الثاني لأنها مُبيِّنة لأحكامه موضحة لإبهامه ومُخصِّصة لإطلاقه ومشرحة لأحكامه وأهدافه. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). والرسول ﷺ كما خُصَّ بالوحي المتلو وهو القرآن الكريم كذلك خُصَّ بالوحي غير المتلو وهو السُنَّة، لا مندوحة عن اتباعها، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣). وقال ﷺ : «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (٤). وهو السُنَّة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥).

стр. 12

وقد قرن الله طاعة الرسول ﷺ بطاعته في آيات كثيرة من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). وألزم اتباعه عن طيب القلب تسليماً وانقياداً - فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٢). واعتبر طاعته طاعة لله واتباعه حُباً لله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣) وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤). وحذَّرَ من مخالفة أمره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥). ولم يسوِّغ للمؤمنين مطلقاً أنْ يخالفوه في شيء كائناً ما كان فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٦). وقد بيَّنتْ السُنَّة القرآن من وجوه فبيَّنت ما أجمل من عبادات وأحكام فقد فرض الله الصلاة على المؤمنين من غير أنْ يُبيِّنَ أوقاتها وأركانها وعدد ركعاتها فبَيَّنَ الرسول الكريم هذا بصلاته وتعليم المسلمين كيفية الصلاة فقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٧).

стр. 13

وفرض الله الحج من غير أنْ يُبيِّن جميع مناسكه وجملة أحكامه، وقد بيَّنَ الرسول الكريم ﵊ تلك المناسك المُجملة وكيفيتها وقال: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (١). وفرض الزكاة من غير أنْ يُبيِّنَ ما تجب فيها من أموال وعروض وزُرُوع كما لم يُبَيِّنْ النصاب الذي تجب فيه، فبَيَّنَتْ ذلك كله. «وفي السُنَّةِ أحكام لم يَنُصَّ عليها الكتاب وليست بيانًا له ولا تطبيقًا مؤكدًا لما نَصَّ عليه كتحريم الحُمُرِ الأهلية وكل ذي ناب من السباع وتحريم نكاح المرأة على عمَّتِها أو خالتها» (٢). فخلاصة القول - أنَّ السُنَّة مصدر تشريعي مُهِمٌّ لا بد منه وأنها صِنْوُ الكتاب تسايره في الأحكام والتشريع على السواء وإنها لا يمكن الاستغناء عنها ولا يمكن فصل السُنَّة عن الكتاب بحال من الأحوال ولذلك قال الشافعي: «فكل من قبل عن الله فرائضه، قبل عن رسول الله سُنَّته، بفرض الله طاعة رسوله ﷺ على خلقه، وأنْ ينتهُوا إلى حكمه. ومن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته» (٣).

стр. 14

الفصل الثالث: حُجِيَّةُ السُنَّة: اتفق العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم قاطبة على حُجِيَّةِ السُنَّةِ. قال الشوكاني: «إنَّ ثُبُوتَ حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَاسْتِقْلاَلَهَا بِتَشْرِيعِ الأَحْكَامِ ضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ وَلاَ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ لاَ حَظَّ لَهُ فِي دِينِ الإِسْلاَمِ» (١). والقرآن والسُنَّة وإجماع الأمَّة مطبقة على لزوم أتباع السُنَّة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢). وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٣). قال ميمون بن مهران: «الردُّ إلى الله هو الرجوع إلى كتابه وَالرَدُّ إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته» وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).

стр. 15

فقد جعل سبحانه أمر رسوله واجب الاتِّباع ونهيُهُ واجب الانتهاء عنه، وهذه الآية تعتبر أصلاً لكل ما جاءت السُنَّة به مِمَّا لم يَرِدْ له ذكر في القرآن وعلى هذا الدرب صار من جاء بعد الصحابة من أئمة العلم والدين. فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب " العلم " له عن عبد الرحمن بن يزيد: «أَنَّهُ رَأَى مُحْرِمًا عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَنَهَى الْمُحْرِمَ، قَالَ: ائْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَنْزِعُ بِهَا ثِيَابِي، فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]». وقال ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١). وقال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ , وَسُنَّتِي» (٢). وقال البيهقي: «لولا ثبوت الحُجَّة بالسُنَّة لما قال ﷺ في خطبته بعد تعليم من شهدها أمر دينهم: " فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ "» (٣).

стр. 16

ثم أورد حديث: «نَضَّرَ اللهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١). قال الشافعي: «فلما ندب رسول الله ﷺ إلى استماع مقالته وحفظها , وأدائها، دَلَّ على أنه لا يأمر أنْ يُؤَدَّى عنه إلاَّ ما تقوم به الحُجَّةُ على من أدَّى إليه لأنه إنما يُؤَدَّى عنه حلال يُؤْتَى وحرام يُجْتَنَبُ وَحَدٌّ يُقَامُ ومالٌ يُؤْخَذُ ويُعْطَى في دين ودنيا. ثم أورد البيهقي حديث أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ «لاَ أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةٍ يَأْتِيهِ الأَمْرُ مِنْ أَمْرِي، مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ» (٢). وفي حديث المقداد أنَّ النبي ﷺ حَرَّمَ أشياء يوم خيبر: الحمار الأهلي وغيره ثم قال: «يُوشِكُ الرَجُلُ مُتَّكِئًا عَلى أرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بَحَدِيث مِنْ حَدِيثي فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلاَل اسْتَحْلَلْنَاهُ، ومَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ وَإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرَّم اللهُ» (٣).

стр. 17

ثم قال البيهقي: «وهذا خبر من رسول الله ﷺ عما يكون من بعده من رَدِّ المبتدعة فوجد تصديقه فيما بعده» (١). ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ شَبِيبٍ بْنِ أَبِي فُضَالَةَ الْمَكِّيّ: «أََنَّ عِمْرَاَنَ بْنَ حُصَيْن - رَضِيَ اللهُ - عَنهُ ذكر الشَّفَاعَة فَقَالَ رجل من الْقَوْم: يَا أَبَا نَجِيدٍ إِنَّكُم تُحَدِّثُونَا بِأَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لَهَا أَصْلاً فِي القُرْآنِ، فَغَضِبَ عِمْرَان وَقَالَ لِلْرَّجُلِ: قََرَأْتَ الْقُرْآن؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فََهَْل وَجَدْتَ فِيهِ صَلاَةَ العِشَاءِ أََرْبَعًا وَوَجَدْتَ المَغْرِبَ ثَلاَثًا وَالغَدَاةَ رَكْعَتَيْنِ وَالظّهْرَ أَرْبَعًا وَالعَصْرَ أَرْبَعًا؟ قَالَ: لاَ: قَالَ. فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ ذَلِك، أَلَسْتُمْ عَنَّا أَخَذْتُمُوهُ وَأَخَذْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ أَوَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَفِي كل كَذَا بَعِيرًا كَذَا وفى كُلِّ كَذَا دِرْهَماً كَذَا. قَالَ: لاَ. قَالَ فَعَن من أَخَذْتُم ذَلِك؟ أَلَسْتُمْ عَنَّا أَخَذْتُمُوهُ وَأَخَذْنَاهُ عَن النَّبِِيِّ ﷺ ؟ وَقَالَ: أَوَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآن: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) أَوَجَدْتُمْ فِيهِ فَطُوفُوا سَبْعاً وَارْكَعُوا رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقََامِ، أَوَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآن: لاَ جلب وَلَا جنب وَلاَ شِغَارَ فِي الإِسْلاَم؟ أَمَا سَمِعْتُمْ اللهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) قَالَ عِمْرَاَنُ: فَقَدْ أَخَذْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَشْيَاءَ لَيْسَ لَكُمْ بِهَا عِلْمٌ (٤).

стр. 18

حسب أهوائهم ونزعاتهم، وقد بحث في هذا الحديث بعض الأئمة فقال: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مُخالفاً له لأنَّا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). ووجدنا فيه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢). ووجدنا فيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣). وهكذا نرى أنَّ القرآن الكريم يُفَنِّدُ هذا الحديث ويَرُدُّهُ. قال السيوطي: «فاعلموا رحمكم الله أَن من أنكر كَون حَدِيث النَّبِي ﷺ قولاً كَانَ أَو فعلا بِشَرْطِهِ الْمَعْرُوف فِي الأُصُول حجَّة، كفر وَخرج عَن دَائِرَة الإِسْلاَم وَحشر مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى، أَو مَعَ من شَاءَ الله من فرق الْكَفَرَة». وروى الإمام الشافعي ﵁ يوماً حديثاً وقال: إنه صحيح فقال له قائل: أَتَقُولُ بِهِ يَا أَبَا عَبْدَ اللهِ، فَاضْطَرَبَ وَقَالَ: يَا هَذَا أَرَأَيْتَنِي نَصْرَانِياً، أَرَأَيْتَنِي خَارِجاً من كَنِيسَةٍ، أَرَأَيْتَ فِي وَسَطِي زُنَّارًا؟ أَرْوِي حَدِيثَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلاَ أَقُولُ بِهِ؟ (٤) اهـ.

стр. 19

الفصل الرابع: جهود العلماء لحفظ السُنَّة: أسلفنا في الفصلين السابقين - مكانة السُنَّة التشريعية وحُجية السُنَّة ونذكر في هذا الفصل بيذة من جهود العلماء من لدن الصحابة والتابعين لحفظ السُنَّة وصيانتها لِنُدَلِّلَ على أنَّ السُنَّة حظيت من أول يومها بسياج وحماية منقطعة النظير، وما ذلك إلاَّ لأنهم عرفوا منزلة السُنَّة وإنها المصدر التشريعي الأول بعد القرآن الكريم ولهذا اتبعوا كل سبيل يحفظ على السُنَّة نورها وبالغوا في التحري والتثبت في روايتها خشية الوقوع في الخطأ وخوفاً من أنْ يتسرَّب إليها التصحيف أو التحريف، بل إنَّ بعضهم فَضَّلَ الإقلال من الرواية، قال ابن قتيبة: «وَكَانَ عُمَرُ أَيْضًا شَدِيدًا عَلَى مَنْ أَكْثَرَ الرِّوَايَةَ، أَوْ أَتَى بِخَبَرٍ فِي الْحُكْمِ لاَ شَاهِدَ لَهُ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُقِلُّوا الرِّوَايَةَ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنْ لاَ يَتَّسِع النَّاس فِيهَا، وَيَدْخُلُهَا الشَّوْبُ؛ وَيَقَعُ التَّدْلِيسُ وَالكَذِبُ مِنَ الْمُنَافِقِ وَالْفَاجِرِ وَالأَعْرَابِيِّ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ، وَأَهْلِ الخَاصَّةِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأَبِي بَكْرٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يُقِلُّون الرِّوَايَةَ عَنْهُ. بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ لاَ يَكَادُ يَرْوِي شَيْئًا كَسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّةِ» (١). وكما احتاط السلف في التحديث احتاطوا وتثبَّتُوا في قبول الأخبار عن رسول الله ﷺ ، قال الذهبي: «كَانَ أَبُو بَكْرٌ ﵁، أَوَّلَ مَنْ احْتَاطَ فِي قَبُولِ الأَخْبَارِ، فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ قَبِيْصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ

стр. 20

أَنَّ الجَدَّةَ جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَلْتَمِسُ أَنْ تُوَرَّثَ، فَقَالَ: " مَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ ذَكَرَ لَكِ شَيْئًا "، ثُمَّ سَأَلَ النَّاسَ فَقَامَ المُغيرَةُ فَقَالَ: " سَمِعُتُ رَسُولَ الْلَّهِ ﷺ يُعْطِيهَا الْسُّدُسَ ". فَقَالَ لَهُ: " هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ " فَشَهِدَ مُحَمَّدٌ بْن مَسْلَمَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُوْ بَكْرٍ ﵁» (١). وفي " صحيح مسلم " (٢): اسْتَشَارَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ النَّاسَ فِي إِمْلاَصِ الْمَرْأَةِ (٣)، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ»، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: ائْتِنِي بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلمَةَ. وحدث لعمر مثل هذه الحادثة مع كثير من الصحابة منهم أُبَيْ بن كعب وأبي موسى وفي رواية قال عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٤). وعن عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - قال: «كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ» (٥).

стр. 21

هذا لا يعني أنَّ الصحابة اشترطوا لقبول الحديث أنْ يرويه راويان فأكثر أو يشهد الناس على الراوي أو أنْ يستحلف بل كان الحامل لهم على هذا ألاَّ يسترسل الناس في رواية الحديث ويتساهلوا فيه من غير تَحَرٍّ وَتَثَبُّتٍ كاف فيقعوا في الكذب على الرسول ﷺ من حيث شعروا أو لم يشعروا ويتَّضح هذا من قول عمر لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » وإلاَّ فقد قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وبنوا عليها أحكامهم، فقد ورد أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الْمَجُوسَ. فَقَالَ: «مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ». فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (١). وأراد رجم مجنونة حتى أُعْلِمَ بقول رسول الله ﷺ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ» (٢) فأمر أنْ لا تُرْجَمَ. يَتَبَيَّنُ من هذا أنَّ الخلفاء الأربعة لم تكن لهم شروط معيَّنة لقبول الأخبار وإنَّ كل ما روي عنهم ما يوهم ذلك لا يعدو التثبت والتأكد وكل ما صدر عنهم كان في سبيل الحفاظ على السُنَّة المطهَّرة وألاَّ يشوبها ما ليس منها. ومن الجهود التي بُذِلَتْ للحفاظ على السُنَّة وضع ضوبط مُقَرَّرَةٍ تعرف بها قوة الحديث أو وَهَنِهِ منها علم إسناد الحديث وقد بدأ المطالبة به منذ وقت مُبَكِّرٍ واهتم به العلماء حتى جعلوه من الدين، قال عبد الله بن المبارك: «الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» وقال: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الْقَوَائِمُ» (٣) يَعْنِي الإِسْنَادَ.

стр. 22

ومنها - أيضاً - نقد الرُواة وبيان حالهم ومن تقبل روايته ومن لا تقبل من خلال دراسة الراوي سيرة وتاريخاً وما خفى من أمره وما ظهر. ولم تأخذ العلماء في ذلك لومة لائم. وقيل ليحيى بن سعيد القطان: «أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ الذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فَقَالَ: «لأَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ خَصْمِي أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟» (١). هذه بعض جهود العلماء لحفظ السُنَّة ولا سبيل إلى استقصاء جهود علماء السُنَّة في الحفاظ عليها والإفاضة في بيانها في هذا المختصر.

стр. 23

الباب الثاني: (السُنَّةُ ومنكروها قديماً): لما كان منكرو السُنَّةِ حديثاً قد تعلَّقوا بكثير من آراء السُنَّة قديماً وكان لمنكري السُنَّةِ قديماً أثر كبير في ظهور منكري السُنَّة حديثاً لذا رأيت أنْ أقدِّم نبذة سريعة ونظرة عاجلة عن منكري السُنَّةِ قديماً في ثلاثة فصول: ١ - الفصل الأول: السُنَّةُ والخوراج. ٢ - الفصل الثاني: السُنَّة والشيعة. ٣ - الفصل الثالث: السُنَّة والمعتزلة.

стр. 24

تمهيد: ذكرنا - فيما سبق - مكانة السُنَّة من التشريع الإسلامي وإنها صنو الكتاب ولا يمكن الاستغناء عنها والاعتماد على القرآن وحده، وأنه لا يمكن الجمع بين دعوى الالتزام بتعاليم الإسلام وإنكار حُجِيَّةِ السُنَّةِ إلاَّ أنَّ بعض الناس قد يجهلون أو يتجاهلون البدهيات من الأمور وهذا الذي حدث بالنسبة للسُنَّة النبوية الشريفة. قَالَ أُمَيَّةُ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ خَالِدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «إِنَّا نَجِدُ صَلاَةَ الْحَضَرِ، وَصَلاَةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلاَ نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: «يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلاَ نَعْلَمُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَفْعَلُ» (١). ثم كثر أصحاب هذه الفتنة حتى قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيِّ: «إِذَا حَدَّثْتَ الرَّجُلَ بِالسُّنَّةِ فَقَالَ: دَعْنَا مِنْ هَذَا وَحَدِّثْنَا مِنَ الْقُرْآنِ , فَاعْلَمْ أَنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ» (٢). إلاَّ أنَّ هذا الاتجاه لم يكن عاماً جماعياً حيث لم يكن هناك حزب أو جماعة تعرف بهذا الاتجاه وإنما كان ثمة أفراد معدودون وأشخاص معروفون بالإلحاد والزندقة وبشكل خاص بالعراق. ثم دار الزمان دوره فَقُبَيْلَ نهاية القرن الثاني، وُجِدَتْ شرذمة أنكرت حُجِيَّةَ السُنَّة كمصدر للتشريع، وأخرى أنكرت حُجِيَّةَ غير المتواتر منها، وإليك بعض هذه الطوائف:

стр. 25

الفصل الأول: السُنَّةُ والخوراج: الخوارج إنْ لم ينغمسوا في رذيلة الكذب على رسول الله ﷺ كما فعل أغمار الشيعة - نظراً لصراحتهم وتقواهم وبداوة طبائعهم وبُعْدِهِمْ عن الأخذ بمذهب التَقِيَّةِ الذي يؤمن به الشِيعَة، لكنهم خالفوا الجمهور في مواقف تشريعية كثيرة فرويت عنهم أحكام غريبة، مثل إباحتهم الجمع بين المرأة وعمّتها أو خالتها، وإنكارهم حكم الرجم الوارد في السُنّة، ولم يكن سبب ذلك كما زعم بعض الكاتبين جهلهم بالدين وجرأتهم على الله واستحلالهم لما حرّم اللهُ ورسُولُه، بل كان سببه ما ذهبوا إليه من رد الأحاديث التي خرجت بعد الفتنة أو التي اشترك رواتُها بالفتنة. وإنه لبلاء عظيم أن تسقط عدالة جمهور الصحابة الذين اشتركوا في النزاع مع عليّ ومعاوية، أو نسقط أحاديثهم ونحكم بكفرهم أو فسقهم، وهم هذا الرأي لا يقِلُّون عن الشِيعَة خطراً وفساد رأي وسوء نتيجة (١). إلاَّ أنه ليس كل الخوارج على هذ الحالة بل كان هناك فرقة منها تُسَمَّى - الإباضية - يقبلون الأحاديث النبوية وَيَرْوُونَ عن عَلِيٍّ وعثمان وعائشة وابي هريرة وغيرهم ﵃. وأما أخذهم بخبر الآحاد فواضح مِمَّا كتبوه في أصول الفقه، ومن هنا لا ينبغي إطلاق القول بأنَّ كافة الخوارج يرفضون السُنَّة التي رواها الصحابة بعد التحكيم أو قبله، إلاَّ أنَّ السُنَّةَ الصحيحة قد لقيت من الخوارج والشيعة عَنَتاً كبيراً وكان لآرائهم الباطلة في الصحابة أثر كبير في اختلاف الآراء والأحكام في الفقه وفيما أثير حول السُنَّةِ من شُبَهٍ فيما بعد.

стр. 26

الفصل الثاني: السُنَّة والشيعة: الشيعة طوائف عديدة وفرق كثيرة والموجود منهم حاليًا في العالم الإسلامي أكثرهم من الإثني عشرية، يطعنون في أبي بكر وعُمَرَ وعثمان ومن شايعهم من الصحابة ويُلَفِّقُونَ التُّهَمَ على أم المؤمنين عائشة ﵂ وينالون من طلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ويحطون على جمهور الصحابة إلاَّ عَلِيًّا وشيعته من الصحابة - على زعمهم - وقد ذكر بعضهم أنهم من ثلاثة إلى خمسة عشر صحابيًا فقط، وأقاموا على ذلك مذاهبهم من رَدِّ أحاديث جمهور الصحابة إلاَّ ما رواه شيعة عَلِيٍّ ﵁، على أنْ تكون رواية الأحاديث التي يقبلونها من طرق أئمتهم لاعتقادهم عِصْمَتَهُمْ أو عن طريق من هو على نِحْلَتِهِمْ، والقاعدة العامة عندهم أنَّ من لم يوال عَلِيًّا - على التفصيل الذي عندهم - فقد خان وصية الرسول ﷺ ونازع أئمة الحق فليس أهلاً للثقة والاعتماد مع أنهم أكذب الطوائف كلها. قال الشافعي: «مَا رَأَيْتُ أَشْهَدَ بالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ» وقال صاحب " الوشيعة: «ادَّعَتْ كُلُّ كُتُبِ الشِيعَةِ أَنَّ الأَئِمَّةَ أَوْلاَدُ عَلِيٍّ كَانَتْ تُنْكِرُ كُلَّ حَدِيثٍ يَرْوِيهِ إِمَامٌ مَن أَئِمَّةِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ الأَخْذَ بِنَقِيضِ مَا أَخَذَتْهُ الأُمَّةُ أَسْهَلُ طَرِيقٍ فِي الإِصَابَةِ , وَكُلُّ خَبَرٍ وَافَقَ الأُمَّةَ بَاطِلٌ، ومَا خَالَفَ الأُمَّةَ فَفِيهِ الرَّشَادُ، وَكَانَ الإِمَامُ يَقُولُ: (دَعُوا مَا وَافَقَ القَوْمَ فَإِنَّ الرُّشْدَ فِي خِلاَفِ القَوْمِ). وَتَقُولُ الشِّيعَةُ: إِنْ وَافَقَ الكُلَّ يَجِبُ الوُقُوفَ (أَيْ التَوَقُّفَ). وَكَانَ الصَّادِقُ يَأْمُرُ بِمَا فِيهِ خِلاَفَ العَامَّةِ (أَهْلُ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ) وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ يَدِينُ بِدِينٍ إلاَّ كَانَتْ الأُمَّةُ تُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ إِبْطَالاً لأَمْرِ عَلِيٍّ» (١).

стр. 27

هذه دعوة الشيعة، وهذا أصل من أصولهم مِمَّا يقتضي منه العجب، وذكر السيوطي: «أنَّ من غُلاة الرافضة من ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسُنَّة والاقتصار على القرآن، فهم يعتقدون أنَّ النبوة لِعَلِيٍّ، وأنَّ جبريل أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين ﷺ ، ومنهم من أَقَرَّ للنبي ﷺ بالنبوة ولكن قال أنَّ الخلافة كانت حقاً لِعَلِيٍّ، فلما عدل بها الصحابة عنه إلى أبي بكر قال هؤلاء - المخذولون لعنهم الله - كفروا وعدلوا بالحق مستحقه، وَكَفَّرُوا عَلِيًّا ﵁ أيضًا لعدم طلبه حَقه فَبَنَوْا على ذَلِك رَدَّ الأَحَادِيث كلهَا لِأَنَّهَا عِنْدهم بزعمهم من رِوَايَة قوم كُفَّارٍ فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون» (١). إنَّ عدالة الصحابة أمر مُقَرَّرٌ بإجماع المسلمين وهو معلوم من الدين بالضرورة لأنه ورد فيهم ما يوجب لهم الجلالة ويجعلهم في قمة الثقة والأمانة. فهم جلساء رسول الله ﷺ ، اختارهم الله لِصُحْبَةِ رسوله وجعلهم أمناء على حديثه، كيف لا، وقد زَكَّاهُمْ الله ورسوله واجتمعت الأُمَّةُ على ذلك فلا سبيل إلى الطعن فيهم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ﴾ (٢). وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٣).

стр. 28

وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١). وقال سُبْحَانَهُ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٢). وقال ﷺ : «لاَ تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ» (٣). وقال: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٤). وقال عبد الله بن مسعود: «مَنْ كَانَ مِنْكُم مُسْتَنًّا فَليَسْتَنَّ بِِمَنْ قَدْ مَاتَ فََإِِنَّ الحَيَّ لاَ تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانُوا وَاللهِ أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَأَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ فِي آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلاَقِهِمْ وَدِينِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ» (٥).

стр. 29

ولله درُّ أبي زُرعة الرازي ما أحسن قوله: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ حَقٌّ , وَالْقُرْآنَ حَقٌّ , وَمَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَيْنَا الصَحَابَةُ، وَهَؤُلاَءِ الزَنَادِقَةُ يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى» (١). هذا هو الحق الصَرَاحُ والصدق القراح أنهم تَذَرَّعُوا بإنكار السُنَّة وحُجِيَّتَهَا إلى إبطالها رأسًا وبذلك مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأعجب بكفر هؤلاء، ويأبى الله إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.

стр. 30

الفصل الثالث: السُنَّةُ والمعتزلة: اختلفت نُقُولُ العلماء من موقف المعتزلة من السُنَّة، والذي استنتجه الخضري من كتابات الشافعي ومال إلى ذلك الأستاذ السباعي بأنَّ الفرقة التي رَدَّتْ الأخبار كلها هي المعتزلة (١) لأنهم كانوا يَزِنُونَ جميع الأشياء بعقولهم الفاسدة وأذهانهم القاصرة، ولا شك أنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذُّرْوَةِ والكمال فلا بُدَّ أنْ يبقى قاصرًا عن إدراك بعض الحقائق ولا سيما الأمور التعبُّدية غير المُعَلَّلَةِ كما قال الشافعي: «كما أنَّ الحواس لها حد تنتهي إليه كذلك العقل له حد ينتهي إليه ويقصر دونه». والواقع أنَّ نُقُولَ العلماء عن موقف المعتزلة من السُنَّةِ قد اضطربت - كما قال السباعي - هل هم مع الجمهور في القول بِحُجِيَّتِهَا بِقِسْمَيْهَا المتواتر والآحاد أم ينكرون حُجِيَّتِهَا بِقِسْمَيْهَا أم يقولون بحجية المتواتر وينكرون حجية خبر الآحاد؟ وذكر السباعي نُقُولاً عن الآمدي وابن حزم وابن القيم ثم قال: «وهذه النقول - كما ترى - متضاربة لا تعطينا حكما صحيحاً في المسألة» ثم تحدث عن مذهب النَظَّامِ وأنه ينكر معجزات النبي ﷺ من انشقاق القمر وتسبيح الحصى في يده ونبع الماء من بين أصابعه ليتوصل من ذلك إلى إنكار نُبُوَّتِهِ. ثم إنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها ولم يجرؤ على إظهار

стр. 31

رفعها فأبطل الطرق الدالة عليها فأنكر لأجل ذلك حجية الإجماع وحجية القياس في الفروع الشرعية وأنكر الحُجَّةَ من الأخبار التي لا توجب العلم الضروري ... كما عاب أصحاب الحديث وروايتهم أحاديث أبي هريرة، وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس وطعن في الفاروق عمر ﵁ وزعم أنه شك يوم الحديبية في دينه وشك يوم وفاة النبي ﷺ وأنه ضرب فاطمة وابتدع صلاة التراوايح، وطعن في عثمان لاستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران، وطعن في عَلِيٍّ وابن مسعود ونسب الصحابة إلى الجهل والنفاق ... إلى آخر هذيانه (١). ومنه نرى أنَّ المعتزلة ما بين شاك في عدالة الصحابة منذ عهد الفتنة كـ (واصل) وما بين مُوقِنٍ بفسقهم كـ (عمرو بن عبيد) وما بين طاعن في أعلامهم مُتَّهِمٌ لهم بالكذب والجهل والنفاق وذلك يوجب رَدَّهُمْ - على زعمهم - للأحاديث التي جاءت من طريق هؤلاء الصحابة (٢). ما أسخف هذا الدليل وما أوهى هذا الاستدلال فيا لله لدواوين السُنَّة وكتب الحديث، نعوذ بالله من الخذلان واستحواذ الشيطان من لم يهده فلا هادي له. «وقد كان موقف المعتزلة من السُنَّة هذا الموقف المتطرف المباين لعقيدة جمهور المسلمين أثر كبير في الجفاء بين علماء السُنَّة ورؤوس المعتزلة، تراشق على أثره الفريقان التُّهَمَ، فالمعتزلة يرمون المُحَدِّثِين بروايتهم الأكاذيب والأباطيل - على زعمهم -، وبأنهم زوامل للأخبار لا يفهمون ما يروون ... بينما يَتَّهِمُ المُحَدِّثُونَ أئمة الاعتزال بالفسق والفجور والابتداع في الدين والقول بآراء ما نزَّلَ الله من سلطان».

стр. 32

هذا وقد أدى مع الأسف هذا الصراع إلى نتيجتين خطيرتين فيما يتعلق بالسُنَّة: أولاهما: ما فتحه رؤساء المعتزلة من ثغرات في مكانة الصحابة استطاع أنْ يَلِجَ المتعصبون من المستشرقين ويَجْرُؤُا على رميهم بالكذب والتلاعب في دين الله مستدلين إلى ما افتراه النَظَّام وأمثاله عليهم، وقد تبع المستشرقين في هذا بعض كُتَّابِ المسلمين كأحمد أمين وأَبِي رِيَّةَ وغيرهما. ثانيهما: أنَّ جمهور المعتزلة كانوا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه حتى أنَّ بِشْر المريسي كان من أبرز رؤوس المعتزلة في عصره: قالوا إنه كان في الفقه على رأي أبي يوسف (١). فلما أشرعت الخصومة بين أهل الحديث وأهل الاعتزال جَرَّحَ المُحَدِّثُونَ كُلَّ من قال بخلق القرآن، وجرَّ ذلك بعض المُغالين منهم إلى أَنْ يُجَرِّحَ كثيراً من أصحاب أبي حنيفة بِحُجَّةِ أنهم يقولون بالرأي. ولا ذنب لهم إلاَّ أنَّ مذهب أبي حنيفة كان مذهب خصومهم المعتزلة، حتى إنَّ الإمام أبا حنيفة نفسه لم يسلم من أذى الذين جاؤوا بعده من أولئك المُحَدِّثِينَ، فلقد نسبوا إليه القول بخلق القرآن مع أن الثابت عنه بنقل الثقات غير ذلك ومع أن محمد بن الحسن كان يقول: «مَنْ صَلَّى خَلْفَ المُعْتَزِلِيَّ يُعِيدُ صَلاَتَهُ». هذا وقد وجد قديمًا بعض الأشخاص أو بعض الفرق التي طعنت في السُنَّة ولكنها انهزمت وَضَمَّهُمْ الدهر إليه بنهاية القرن الثاني أو على الأكثر بنهاية القرن الثالث ولم تقم لها قائمة بعد ذلك. وقد أحييت الفتنة مَرَّةً أخرى في القرن الماضي بتأثير الاستعمار الغربي كما سنراه قريبًا.

стр. 33

الباب الثالث: السُنَّة ومنكروها حديثاً: عرض وتحليل وفيه ستة فصول: ١ - السُنَّة والمسشرقون. ٢ - السُنَّة والدكتور توفيق صدقي. ٣ - السُنَّة والأستاذ أحمد أمين. ٤ - السُنَّة ومحمود أبو رية. ٥ - السُنَّة والدكتور أحمد زكي أبي شادي. ٦ - السُنَّة ومنكروها في القارة الهندية.

стр. 34

تمهيد: ذكرنا في الفصل الماضي وجود شرذمة قُبَيْلَ نهاية القرن الثاني دعت إلى نَبْذِ السُنَّة النبوية وجُحُودِهَا إلاَّ أنَّ هؤلاء بقوا مخذولين مغمورين إلى نهاية القرن الثاني أو على الأكثر نهاية القرن الثالث ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك. وظلت الأُمَّةُ الإسلامية آمنة طوال أحد عشر قرنًا من هذه الفتنة حتى جاء عهد الاستعمار وبدأ المستعمرون بنشر أفكارهم الخبيثة للقضاء على مقومات الإسلام وتحقيق مآربهم الاستعمارية من تمزيق المسلمين وتشتيتهم شذر مذر. وقد اتَّخَذَ المستعمرون مهاجمة السُنَّة والتشكيك في حُجِيَّتِهَا وصدق جامعيها وَرُوَاتِهَا كوسيلة للقضاء على مصادر التشريع ليغزوا المسلمين - بعد ذلك - غَزْوًا فكريًا. ومن البَلِيَّةِ أنهم وجدوا من أبناء المسلمين من ينتمون إلى آباء المسلمين ويتظاهرون بالإسلام والغيرة عليه وهم ألدُّ أعدائه وأشد ولاء لسادتهم المستشرقين المستعمرين المنطوين على الحقد الدفين ضد الإسلام والمسلمين وعملاء تحقيق خططهم الاستعمارية لأنهم رُبُّوا في أحضان الحضارة الغربية وَتَشَبَّعُوا بثقافتها الإلحادية فلم يحل لهم إلاَّ معايرها ولم يرق في نظرهم إلاَّ إلحادها وانحرافها عن كل ما يمت بصلة إلى القيم الإسلامية وتعاليمها الصافية التي منبعها الكتاب والسُنَّة. ولما رأوا أنه لا يمكن لهم عداء الإسلام جَهْرًا وتشويه تعاليمه ظاهرًا مع الحفاظ على مصالحهم وتعايشهم في البيئة الإسلامية تَلَطَّفُوا في تحقيق مآربهم بالدسائس الخفية والحيل اللطيفة بإثارة الشُبُهَاتِ الواهية والمغالطات المكشوفة في طريق السُنَّة وفي السُنَّةِ نفسها فانطلت دَسِسَتُهُمْ على الأغمار وراجت خديعتهم على الأغرار. ولكن جرت سُنَّةُ الله أنه لم تكن فتنة إلاَّ قَيَّضَ الله من يقمعها وما أصاب المسلمين غمة إلاَّ ندب الله من يجلوها كما قال تعالى:

стр. 35

﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢). فتفطن لها المحدثون (٣). وأدرك مدى خطرها وتفاقم شرها السادة المُتَّقُونَ، فكشفوا أضاليلهم وفَنَّدُوا أباطيلهم فصارت فتنتهم هباء منثورًا كأنْ لم يكن شيئًا مذكورًا، والحمد لله رب العالمين. وها نحن نقدم طائفة من هؤلاء الذين تعرضت السُنَّة المباركة لمطاعنهم وشُبُهَاتِهِمْ ومغالطاتهم. نقول وبالله التوفيق:

стр. 36

الفصل الأول: السُنَّة والمستشرقون: نظرة تاريخية لدراسة المستشرقين للسُنَّة: لم يَتَّجْهْ المستشرقون إلى دراسة الأحاديث النبوية في وقت مبكر ولعل أول من قام بمحاولة دراسة الأحاديث النبوية هو المستشرق (جولدتسيهر) الذي نشر نتيجة بحثه سَنَةَ ١٨٩٠ م بعنوان " دراسات إسلامية " باللغة الألمانية. وحظي كتابه هذا مكانًا مرموقًا في دائرة الاستشراق من ذلك الوقت حتى الآن وَعُدَّ كتابه إنجيلاً مُقَدَّسًا عندهم. ثم بعد ذلك - وبِمُضِيِّ أكثر من نصف قرن - نشط البروفسور المستشرق (شاخت) وأمضى وقتًا غير قليل في البحث والتنقيب في معادن الأحاديث الفقهية وخلاصة ما وصل إليه من نتائج «أنه ليس هناك حديث واحد صحيح وخاصة الأحاديث الفقهية» وأصبح كتابه إنجيلاً ثانيًا لعالم الاستشراق وفاق (شاخت) سلفه (جولدتسيهر) حيث غَيَّرَ من نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث إلى نظرة متيقنة في عدم صحتها. ولقد ترك كتابه هذا أثرًا عميقًا في تفكير دَارِسِي الحضارة الإسلامية حتى قال المستشرق (جب): «إنه - يعني كتاب شاخت - سيكون في المستقبل أساسًا لكافة الدراسات عن الحضارة الإسلامية والتشريع وعلى الأقل في الغرب». ولم تنشر بحوث في السُنَّة بأقلام المستشرقين في غضون ثلاثة أرباع قرن - ما عدا هذين الكتابين - اللَّهُمَّ إلاَّ عِدَّةَ مقالات لا تمس الموضوع إلاَّ من بعيد.

стр. 37

وخلاصة القول أنَّ الأحاديث النبوية لم يتجه إلى دراستها إلاَّ عدد قليل جدًا من المستشرقين، ومع ذلك فإنَّ بحوثهم لم تكن ناضجة، ومناهج بحثهم لم تكن علمية، ويمثل ذروة هذه الدراسات كتابات (شاخت) التي أصبحت من المصادر الأساسية لِكُتَّابِ الغرب بل ولكثير من كُتَّابِ الشرق الذين قاموا بأخطر دور في تاريخ البحث العلمي فيما يتعلق بالحديث النبوي، ومن ثم وجهت سهام الطعن إلى السُنَّة النبوية من قبل مختلف الأشخاص ومن مختلف الزوايا وتناول كل فريق منهم جانبًا من جوانبها المختلفة. فمنهم من طعن في حُجِيَّةِ السُنَّة ومكانتها التشريعية ومنهم من ادَّعَى تأخر كتابة الأحاديث إلى قرن أو أكثر ثم استنتج من ذلك أنه لا يمكن الاعتماد عليها، ومنهم من أثار الشك في الأسانيد وقيمتها العلمية. وقال قائل منهم كيف نقبل الأحاديث وتعتبرها صحيحة وقد بلغ عددها سبعمائة ألف. ألم يكن للنبي ﷺ مشغل شاغل إلاَّ الكلام فقط، ومنهم من أضاف إلى ذلك تساؤلاً آخر فقال: «إنَّ الأحاديث الموجودة في أيدينا لا تصل إلى مائة ألف فأين بقية الرصيد المُدَّعَى». ومنهم من استنتج نتيجة أخرى فقال: «لقد انتشر الكذب في الحديث فبلغ في عهد البخاي حَدًا لم يجد بسببه إلاَّ حديثًا واحدًا صحيحًا من كل مائة وخمسين أفلا يحق لنا أنْ ننتقد هذه المجموعة أيضًا - مجموعة البخاري نفسها - فنختار منها ما نختار بالبحث والتحقيق وندع ما ندع غير آسفين لنا قدر في البخاري». ومنهم من حكم قائلاً - كغلام أحمد البرويز - أنَّ الأحاديث إنما كانت مؤامرة أعجمية على نقاءة الإسلام وصفائه وبساطته وقد تجمعت هذه الأفكار

стр. 38

فَتَجَسَّدَتْ في كتابات (شاخت) الذي ادَّعَى بعد بحث مُضْنٍ أنه ليس هناك حديث واحدٌ صحيحٌ، وخاصة الأحاديث الفقهية وأنها في الواقع - على حَدِّ زعمه - كلام علماء المسلمين من القرن الثاني والثالث الهِجْرِيَّيْنِ وأقاويلهم، وضعت على لسان النبي ﷺ زُورًا وَبُهْتَانًا (١).

стр. 39

عرض تاريخي لأغراض المستشرقين: إذا كانت عداوة أهل الصليب للإسلام قديمة وشديدة فإنها اشتدت بعد ما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس وارتدت الحملات الصليبية كلها مدحورة مهزومة وهي التي كانت تحلم في استعمار بلاد الشام وما حولها. إذًا فأهم أهداف المستشرقين هو الطعن في الإسلام وتشويه حقائقه لكونه الخصم الوحيد للمسيحية في نظر الغربيِّين. وهناك دافع سياسي استعماري وذلك لما سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد الإسلام من طمأنينة ومدنيَّة وأراضي خصبة، كما سمعوا الشيء الكثير عن ثرواتها ومصانعها فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح وما في نفوسهم في الحق إلاَّ الرغبة في الاستعمار والفتح والاستئثار بخيرات المسلمين وجعلهم طوع بنانهم لمقاصدهم الاستعمارية وأداة مرنة لبلوغ مآربهم. وشاء الله أنْ تندحر الحملة الصليبية كلها مهزومة بعد حروب دامت قرابة قرنين من الزمان وترجع إلى ديارها تحمل في قلوبها الحسرة غير أنَّ ملوكها وأمراءها رجعوا مُصَمِّمِينَ على الاستيلاء على هذه البلاد مهما طال الزمن وكثرت التكاليف ورأوا بعد الإخفاق في الاستيلاء عليها عسكريًا أنْ يتَّجهوا إلى دراسة شؤونها وعقائدها ومصادر تشريعها تمهيدًا لغزوها فكريًا. ولما كان القرآن الكريم قد حفظه الله من التحريف والزيادة والنقصان حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).

стр. 40

فإنَّ تفكير أعداء الإسلام اتجه إلى السُنَّة بالطعن والتشكيك وكانت النواة الأولى التي تولت القيام بهذه المهمة - ولا زالت - تتألف من رجال الدين المسيحي أو اليهودي الذين هم - ولا شك - أشد الناس كُرْهًا للإسلام وَتَعَصُّبًا عليه ولذلك كان من الطبيعي أنْ تتسم بحوث هؤلاء بالمظاهر الآتية: ١ - سوء الظن والفهم لكل ما يتصل بالإسلام في أهدافه ومقاصده. ٢ - سوء الظن برجال المسلمين وعلمائهم وعظمائهم. ٣ - تصوير المجتمع الإسلامي في مختلف العصور وخاصة في العصر الأول بمجتمع متفكك تقتل الأنانية رجاله وعظماءه. ٤ - تصوير الحضارة الإسلامية تصويرًا دون الواقع بكثير تهوينًا لشأنها واحتقارًا لآثارها. ٥ - الجهل بطبيعة المجتمع الإسلامي على حقيقته والحكم عليه من خلال ما يعرفه هؤلاء المستشرقون من أخلاق شعوبهم وعادات بلادهم. ٦ - إخضاع النصوص للفكرة وتحريف النصوص في كثير من الأحيان تحريفًا مقصودًا وتحكمهم في المصادر التي ينقلون منها كل ذلك انسياقًا مع الهوى وانحرافًا عن الحق (١). والمُطَّلِعُ على تاريخ الاستشراق - في جمهورهم - لا يخلو أحدهم من أن يكون قِسِّيسًا أو استعماريًا أو يهوديًا، وقد يَشِذُّ عن ذلك أفراد. ثانيًا: أنَّ الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية - كالدول السكاندنافيه - أضعف منه في الدول الاستعمارية.
следующие страницы →