الفصل الأول: السُنَّة والمستشرقون:
نظرة تاريخية لدراسة المستشرقين للسُنَّة:
لم يَتَّجْهْ المستشرقون إلى دراسة الأحاديث النبوية في وقت مبكر ولعل أول من قام بمحاولة دراسة الأحاديث النبوية هو المستشرق (جولدتسيهر) الذي نشر نتيجة بحثه سَنَةَ ١٨٩٠ م بعنوان " دراسات إسلامية " باللغة الألمانية. وحظي كتابه هذا مكانًا مرموقًا في دائرة الاستشراق من ذلك الوقت حتى الآن وَعُدَّ كتابه إنجيلاً مُقَدَّسًا عندهم.
ثم بعد ذلك - وبِمُضِيِّ أكثر من نصف قرن - نشط البروفسور المستشرق (شاخت) وأمضى وقتًا غير قليل في البحث والتنقيب في معادن الأحاديث الفقهية وخلاصة ما وصل إليه من نتائج «أنه ليس هناك حديث واحد صحيح وخاصة الأحاديث الفقهية» وأصبح كتابه إنجيلاً ثانيًا لعالم الاستشراق وفاق (شاخت) سلفه (جولدتسيهر) حيث غَيَّرَ من نظرته التشكيكية في صحة الأحاديث إلى نظرة متيقنة في عدم صحتها.
ولقد ترك كتابه هذا أثرًا عميقًا في تفكير دَارِسِي الحضارة الإسلامية حتى قال المستشرق (جب): «إنه - يعني كتاب شاخت - سيكون في المستقبل أساسًا لكافة الدراسات عن الحضارة الإسلامية والتشريع وعلى الأقل في الغرب».
ولم تنشر بحوث في السُنَّة بأقلام المستشرقين في غضون ثلاثة أرباع قرن - ما عدا هذين الكتابين - اللَّهُمَّ إلاَّ عِدَّةَ مقالات لا تمس الموضوع إلاَّ من بعيد.
стр. 37
وخلاصة القول أنَّ الأحاديث النبوية لم يتجه إلى دراستها إلاَّ عدد قليل جدًا من المستشرقين، ومع ذلك فإنَّ بحوثهم لم تكن ناضجة، ومناهج بحثهم لم تكن علمية، ويمثل ذروة هذه الدراسات كتابات (شاخت) التي أصبحت من المصادر الأساسية لِكُتَّابِ الغرب بل ولكثير من كُتَّابِ الشرق الذين قاموا بأخطر دور في تاريخ البحث العلمي فيما يتعلق بالحديث النبوي، ومن ثم وجهت سهام الطعن إلى السُنَّة النبوية من قبل مختلف الأشخاص ومن مختلف الزوايا وتناول كل فريق منهم جانبًا من جوانبها المختلفة.
فمنهم من طعن في حُجِيَّةِ السُنَّة ومكانتها التشريعية ومنهم من ادَّعَى تأخر كتابة الأحاديث إلى قرن أو أكثر ثم استنتج من ذلك أنه لا يمكن الاعتماد عليها، ومنهم من أثار الشك في الأسانيد وقيمتها العلمية. وقال قائل منهم كيف نقبل الأحاديث وتعتبرها صحيحة وقد بلغ عددها سبعمائة ألف. ألم يكن للنبي ﷺ مشغل شاغل إلاَّ الكلام فقط، ومنهم من أضاف إلى ذلك تساؤلاً آخر فقال: «إنَّ الأحاديث الموجودة في أيدينا لا تصل إلى مائة ألف فأين بقية الرصيد المُدَّعَى».
ومنهم من استنتج نتيجة أخرى فقال: «لقد انتشر الكذب في الحديث فبلغ في عهد البخاي حَدًا لم يجد بسببه إلاَّ حديثًا واحدًا صحيحًا من كل مائة وخمسين أفلا يحق لنا أنْ ننتقد هذه المجموعة أيضًا - مجموعة البخاري نفسها - فنختار منها ما نختار بالبحث والتحقيق وندع ما ندع غير آسفين لنا قدر في البخاري».
ومنهم من حكم قائلاً - كغلام أحمد البرويز - أنَّ الأحاديث إنما كانت مؤامرة أعجمية على نقاءة الإسلام وصفائه وبساطته وقد تجمعت هذه الأفكار
стр. 38
فَتَجَسَّدَتْ في كتابات (شاخت) الذي ادَّعَى بعد بحث مُضْنٍ أنه ليس هناك حديث واحدٌ صحيحٌ، وخاصة الأحاديث الفقهية وأنها في الواقع - على حَدِّ زعمه - كلام علماء المسلمين من القرن الثاني والثالث الهِجْرِيَّيْنِ وأقاويلهم، وضعت على لسان النبي ﷺ زُورًا وَبُهْتَانًا (١).
стр. 39
عرض تاريخي لأغراض المستشرقين:
إذا كانت عداوة أهل الصليب للإسلام قديمة وشديدة فإنها اشتدت بعد ما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس وارتدت الحملات الصليبية كلها مدحورة مهزومة وهي التي كانت تحلم في استعمار بلاد الشام وما حولها.
إذًا فأهم أهداف المستشرقين هو الطعن في الإسلام وتشويه حقائقه لكونه الخصم الوحيد للمسيحية في نظر الغربيِّين.
وهناك دافع سياسي استعماري وذلك لما سمع ملوك أوروبا بما تتمتع به بلاد الإسلام من طمأنينة ومدنيَّة وأراضي خصبة، كما سمعوا الشيء الكثير عن ثرواتها ومصانعها فجاءوا يقودون جيوشهم باسم المسيح وما في نفوسهم في الحق إلاَّ الرغبة في الاستعمار والفتح والاستئثار بخيرات المسلمين وجعلهم طوع بنانهم لمقاصدهم الاستعمارية وأداة مرنة لبلوغ مآربهم.
وشاء الله أنْ تندحر الحملة الصليبية كلها مهزومة بعد حروب دامت قرابة قرنين من الزمان وترجع إلى ديارها تحمل في قلوبها الحسرة غير أنَّ ملوكها وأمراءها رجعوا مُصَمِّمِينَ على الاستيلاء على هذه البلاد مهما طال الزمن وكثرت التكاليف ورأوا بعد الإخفاق في الاستيلاء عليها عسكريًا أنْ يتَّجهوا إلى دراسة شؤونها وعقائدها ومصادر تشريعها تمهيدًا لغزوها فكريًا.
ولما كان القرآن الكريم قد حفظه الله من التحريف والزيادة والنقصان حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
стр. 40
فإنَّ تفكير أعداء الإسلام اتجه إلى السُنَّة بالطعن والتشكيك وكانت النواة الأولى التي تولت القيام بهذه المهمة - ولا زالت - تتألف من رجال الدين المسيحي أو اليهودي الذين هم - ولا شك - أشد الناس كُرْهًا للإسلام وَتَعَصُّبًا عليه ولذلك كان من الطبيعي أنْ تتسم بحوث هؤلاء بالمظاهر الآتية:
١ - سوء الظن والفهم لكل ما يتصل بالإسلام في أهدافه ومقاصده.
٢ - سوء الظن برجال المسلمين وعلمائهم وعظمائهم.
٣ - تصوير المجتمع الإسلامي في مختلف العصور وخاصة في العصر الأول بمجتمع متفكك تقتل الأنانية رجاله وعظماءه.
٤ - تصوير الحضارة الإسلامية تصويرًا دون الواقع بكثير تهوينًا لشأنها واحتقارًا لآثارها.
٥ - الجهل بطبيعة المجتمع الإسلامي على حقيقته والحكم عليه من خلال ما يعرفه هؤلاء المستشرقون من أخلاق شعوبهم وعادات بلادهم.
٦ - إخضاع النصوص للفكرة وتحريف النصوص في كثير من الأحيان تحريفًا مقصودًا وتحكمهم في المصادر التي ينقلون منها كل ذلك انسياقًا مع الهوى وانحرافًا عن الحق (١).
والمُطَّلِعُ على تاريخ الاستشراق - في جمهورهم - لا يخلو أحدهم من أن يكون قِسِّيسًا أو استعماريًا أو يهوديًا، وقد يَشِذُّ عن ذلك أفراد.
ثانيًا: أنَّ الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية - كالدول السكاندنافيه - أضعف منه في الدول الاستعمارية.
стр. 41
ثالثًا: إنَّّ المستشرقين المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يخلَّون عن جولدتسيهر وآرائه بعد أنْ انكشفت أهدافه الخبيثة.
رابعًا: إنَّ الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة، وفي الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة ووزارة الخارجية جَنْبًا إلى جنب، يلقى منهما كل تأييد.
خامسًا: إنَّ الدول الاستعمارية كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين (١).
стр. 42
شُبَهِ المستشرقين حول السُنَّةِ:
أنتقل بعد هذا إلى بيان موقف المستشرقين من السُنَّة النبوية ومزاعمهم وشُبَهِهِمْ التي أثاروها حولها، ولعل أشد المستشرقين خطرًا وأكثرهم خُبْثًا وإفسادًا في هذا الميدان هو المستشرق اليهودي «جولدتسيهر» (١).
ويبدو أنه كان واسع الاطلاع على المراجع العربية حتى عُدَّ شيخ المستشرقين في الجيل الماضي.
وقد نقل لنا الأستاذ أحمد أمين بصورة غير رسمية كثيرًا من آرائه عن تاريخ الحديث في " فجر الإسلام " و " ضُحَاهُ "، كما نقل لنا بصورة رسمية الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي " وقد تعرض لهما الدكتور مصطفى السباعي بالنقد في كتابه " السُنَّةُ ومكانتها في التشريع الإسلامي " (٢).
وفيما يلي عرض موجز وإشارة سريعة إلى بعض الاتجاهات العامة والخطوط الرئيسية في بحوثه:
١ - يقول الدكتور علي حسن عبد القادر في كتابه (٣): «وهناك
стр. 43
مسألة جد خطيرة نجد من الخير أنْ نعرض لها ببعض التفصيل، وهي وضع الحديث في هذا العصر، ولقد ساد إلى وقت قريب في أوساط المستشرقين الرأي القائل: «بأنَّ القسم الأكبر من الحديث ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهد الطفولة ولكنه أثر من آثار جهود المسلمين في عصر النضوج».
وأشار الدكتور إلى أنَّ هذا الرأي هو لجولدتسيهر:
هذا لا يستغرب من يهودي يسعى أنْ يقضي على الإسلام بأسره. إنَّ المفسر لا يهمه إقامة الدليل على دعواه بقدر ما يهمه النفث بدسائسه كي تعمل عملها في الذين لم يتمكن الإسلام في قلوبهم.
إنَّ القرآن الكريم والسُنَّة الصحيحة تُكَذِّبُ هذه الدعوى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١).
فما معنى كمال الدين وتمامه إذا قيل: إنَّ السُنَّة لم تحفظ وأنها نتيجة التطور وقال ﷺ : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي».
فما توفي رسول الله ﷺ إلاَّ وقد كان الإسلام ناضجًا متكاملاً لا طفلاً يافعًا كما يَدَّعِي هذا المستشرق.
ثم يقال له: إنك تعلم أنَّ المسلمين في مختلف بقاع الأرض التي وصلوا إليها وأهل تلك الديار الذين دخلوا في الإسلام كانوا يتعبَّدون عبادة واحدة ويقيمون أسس أسرهم وبيوتهم على أساس واحد، وهكذا كانوا مُتَّحِدِينَ
стр. 44
في العبادات والمعاملات والشعائر والعادات غالبًا فلو كان الحديث أو القسم الأكبر منه نتيجة للتطور الديني - كما زعمت - للزم حتمًا أَلاَّ تتحد عبادة المسلم في شمال إفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب آسيا، إنَّ البيئة في كل منهما مختلفة عن الأخرى تمام الاختلاف، فكيف اتَّحَدَا في العبادة والتشريع والمعاملات والآداب؟ وبينهما من البُعد ما بينهما.
من هذا نرى أنَّ زعمه هذا مبني على أساس من جرف هار فانهار من أول وهلة.
٢ - ثم حاول بعد ذلك أنْ يصور لنا أنَّ الأمويِّين كانوا يضطهدون الذين وأصحابه، وأنَّ العلماء الأتقياء كانوا على خلاف مستمر معهم وأنهم وضعوا أحاديث .. وهو كاذب في كلا الأمرين، فإنَّ الروايات التي يمكن أنْ يعتمد عليها والأخبار التي يمكن أنْ يتعلق بها في قوله عن الأمويِّين إذا تمعَّنت فيها ومحَّصتها تجدها كلها غير جديرة بالاهتمام حيث أنها كلها من آثار صنائع العباسيين والشيعة والروافض.
بل إننا نجد نصوصًا كثيرة تُكَذِّبُ ما رمى به هذا المستشرق خلفاء بني آمية، فقد كان الرسول ﷺ اختار معاوية ﵁ لكتابة الوحي. ونسك عبد الملك وتقواه ودعاء الناس يلقِّبُونه بحمامة المسجد، ولما جاء الناس يبايعونه كان يتلو كتاب الله على مصباح ضئيل، ولقد أنشأت أكثر المساجد المعروفة اليوم في عصر الوليد بن عبد الملك، والتاريخ يذكر بكثير من الإعجاب فتوحات الأمويِّين، وأما ما ادَّعاه من الخلاف المستمر بين العلماء الأتقياء والأمويِّين ففيه تمويه، فالحق الذي لا مرية فيه أنَّ العلماء الذين نهضوا لجمع الحديث وتدوينه لم يكن بينهم وبين الأمويين أي عداء إلاَّ ما نقل من جفاء سعيد بن المسيب لعبد الملك لأنه أراد أخذ البيعة لابنه الوليد ثم سليمان من بعده، فأبى سعيد وقال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى
стр. 45
عَنْ بَيْعَتَيْنِ» في وقت واحد، فهذا هو سبب الجفاء، ولا نعلم قبل هذه الحادثة جفاء بين سعيد وخلفاء بني أمية، ووقع شيء من الجفاء بين الحجاج وبعض علماء عصره سببه اشتداد الحَجَّاجِ في مقاومة خصوم الدولة الأموية. أما الذين قام العداء بينهم وبين الأمويين فهم الخوارج والعلويُّون وهؤلاء غير أولئك العلماء الذين ضَحُّوا بحياتهم في سبيل جمع الحديث وتدوينه، فإنْ كان المستشرق يريد بالعلماء الأتقياء - أولئك الغلاة من الشيعة والخوارج فنعم - ولكنه يثير العجب حيث إنه يطلق هذا اللقب على من كانوا أداة فساد وإفساد في أرض الله الطاهرة وتظاهرًا بِحُبِّ عَلِيًّ وآله ﵁ ووضعوا أحاديث للوصول إلى غايتهم وهم يضمرون في نفوسهم المكر والكيد للإسلام وأهله (١).
٣ - ثم يزعم «ولم يقتصر الأمر على هؤلاء فإنَّ الحكومة نفسها لم تقف ساكنة إزاء ذلك، فإذا أرادت أنْ تُعَمِّمَ رأيًا أو تسكت هؤلاء الأتقياء، تذرعت أيضًا لوجهات نظرها، فكانت تعمل ما يعمله خصومها، فتضع الحديث أو تدعو إلى وضعه» (٢).
وهذه دعوة جديدة لا وجود لها إلاَّ في خيال كاتبها، فما روى لنا التاريخ أنَّ الحكومة الأموية وضعت الأحاديث لتعمم بها رأيًا من آرائها فنحن نسأله أين تلك الأحاديث التي وضعتها الحكومة، ولا نجد في حديث واحد من آلافها الكثيرة في سنده عبد الملك أو يزيدًا أو الوليد أو أحد عُمَّالِهِمْ كالحَجَّاجِ، فاين ضاع ذلك في زوايا التاريخ لو كان له وجود؟ وإذا كانت الحكومة الأموية لم تضع بل دعت إلى الوضع فما الدليل على ذلك؟
стр. 46
٤ - ثم يقول: «إنه لا توجد مسألة خلافية سياسية أو اعتقادية إِلاَّ ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي» (١).
أهذا هو الدليل على أنَّ الحكومة الأموية هي التي دعت إلى الوضع؟
لماذا يكون لوضع هذه الأحاديث في المسائل الخلافية من وضع المذاهب المختلفة سبب إلاَّ الوضع؟
لقد بَيَّنَ علماؤنا أسباب اختلاف الحديث فما كان مرجعه إلى الوضع بَيَّنُوهُ، وما كان مرجعه إلى غير ذلك بَيَّنُوهُ أيضًا، فالزعم بِأَنَّ ذلك دليل على وضع الأحاديث المختلفة كلها زعم باطل وأشد منه بطلانًا أنْ يَتَّخِذَ ذلك دليلاً على تدخل الحكومة الأموية في الوضع ودعوتها إليه.
٥ - ثم يزعم «أنه استغلَّ هؤلاء الأمويون الإمام الزُّهْرِيَّ بدهائهم في سبيل وضع الأحاديث».
وهذه مؤامرة مذمومة وجُرْأَةٌ شنيعة من هذا اليهودي المستشرق على أكبر إمام من أئمة السُنَّة في عصره، بل على أول من دَوَّنَ السُنَّة من التابعين لنرى ما فيها من خُبْثٍ ولؤم وَدَسٍّ وتحريف، إنها لخطَّة مُبَيِّتَةٌ من هذا المستشرق أنْ يهاجم أركان السُنَّة واحدًا بعد واحدٍ، فلقد هاجم أكبر صحابي روى الحديث على رسول الله ﷺ وهو أبو هريرة ﵁ حتى إذا فرغ من تهديم أبي هريرة - على زعمه - جاء هنا ليهدم ركن السُنَّة في عصر التابعين، ولكن الله غالب على أمره ولا بُدَّ للحق من هزيمة الباطل مهما آوى الباطل إلى ظل ظليل وركن متين.
والإمام الزُّهْرِي لا يضره حقد الحاقدين فهو قطب السُنَّة ويكفيه فخرًا ما قال فيه الذهبي: «هُوَ أَعْلَمُ الحُفَّاظِ الإِمَامُ الحَافِظُ الحُجَّةُ». وقال مكحول
стр. 47
«مَا بَقِيَ عَلَى ظَهْرِهَا أَعْلَمَ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنَ الزُّهْرِيِّ» وقال عمر بن دينار: «مَا رَأَيْتُ أَنَصَّ وَأَبْصَرَ بِالحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ».
وهكذا تواترت روايات الأئمة والحفاظ وعلماء الجرح والتعديل على توثيقه وأمانته وجلالة قدره ونُبْلِهِ في أعين المحدثين.
ولا نعلم أنَّ أحدًا اتَّهَمَهُ بأمانته وصدقه في الحديث قبل هذا المستشرق اليهودي المُتَعَصِّبُ (جولدتسيهر).
٦ - ثم ادَّعَى أنه اعترف اعترافًا خطيرًا عندما قال: «إِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ أَحَادِيثِ» وأنَّ ذلك يُفْهَمُ منه استعداد الزُهري لأنْ يُلَبِّي رغبات الحكومة باسمه المعترف به عند الأمَّة الإسلامية.
وَرَدُّنَا على هذا الزعم المفترى هو:
أولاً: أنَّ هذا النص الذي نقله فيه تحريف مُتَعَمَّدٌ يقلب المعنى رأسًا على عقب.
ثانيًا: أنَّ الزُهري كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس، والظاهر أنه كان يفعل هذا ليعتمد الناس على ذاكرتهم [ولا يَتَّكِلُوا] على الكُتُبِ، فلما طلب منه هشام وَأَصَرَّ عليه أنْ يُمْلِي على ولده لِيَمْتَحِنَ حفظه، وأملى عليه أربعمائة حديث خرج من عند هشام وقال بأعلى صوته: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا كُنَّا مَنَعْنَاكُمْ أَمْراً قَدْ بَذَلْنَاهُ الآنَ لِهَؤُلاَءِ، وَإِنَّ هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ أَكْرَهُونَا عَلَى كِتَابَةِ (الأَحَادِيثِ) فَتَعَالَوْا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ بِهَا فَحَدَّثَهُمْ بِالأَرْبَعِمِائَةَ الحَدِيث». هذا هو النص الصحيح لقول الزهري.
وانظر الفرق بين قول الزهري كما رواه المستشرق وكما رواه المؤرخون والمحدثون ثم انظر إلى هذه الأمانة حيث حذف «الـ» من «الأحاديث» فقلبت الفضيلة رذيلة ...
٧ - ثم زعم «وقد شعر المسلمون في القرن الثاني بأنَّ الاعتراف بصحة الأحاديث يجب أنْ يرجع إلى (الشكلي) فقط، وأنه يوجد من الأحاديث
стр. 48
الجَيِّدة الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وساعدهم على هذا ما ورد من (الحديث)، " سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ بِحَدِيثٍ فَطَبِّقُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَمَا وَافَقَهُ فَهُوَ ِمنِّي، قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ " هذا هو المبدأ الذي حديث بعد قليل عند انتشار الوضع».
في الحقيقة أنَّ المستشرق افترى على علماء الإسلام في موضعين:
الأول: دعواه بأنَّ الاعتراف بصحة الحديث شكلي فقط، وأنه يوجد بين الأحاديث الجَيِّدَةِ الإسناد كثير من الأحاديث الموضوعة، وهذا افتراء منه عليهم وَهُمْ لم يقوموا بهذا قطعًا وكيف يعترفون بهذا وإن كان صحيحًا فليخبرنا الكتاب الذي اعترفوا فيه، وإنما الذين قالوه حين بحثوا مسألة العمل بخبر الواحد: هل يفيد القطع أو الظن؟ فذهب الجمهور إلى أنه يفيد الظن لأنه وإنْ كان صحيحًا بحسب الشروط المقررة إلاَّ أنه يحتمل ألاَّ يكون صحيحًا (في الواقع) والذي دعاهم إلى هذا هو الاحتياط والتثبت في شرع الله، فأين هذا مما ينقله عنهم هذا المستشرق؟.
والثاني: زعم أنَّ المبدأ الذي حدث بعد قليل هو حديث: «سَيَكْثُرُ التَحْدِيثُ عَنِّي». وهو كذب وافتراء محض لأنَّ هذا التحديث نقده صيارفة الحديث ونُقَّادُهُ وحكموا بوضعه وكذبه.
والحقيقة أنَّ هذا المستشرق من أقل الناس مروءة وحياء وأمانة في سبيل العلم، فهو يخترع الأكذوبة ويتخيَّلها وَيُرَكِّبُ لها في نفسه هيكلاً ثم يلتقط له من هنا ومن هناك ما يوهم أنه يؤيِّده فيما ادَّعى ولا يهمه أنْ يكذب في النصوص أو يُحَرِّفَهَا أو يزيد فيها أو ينقص منها - حسب هواه - أو يغالط في الفهم أو يستدل لما ليس بدليل ويعرض عما يكون دليلاً قاطعًا.
فهذا شأن قوم يزعمون التجرد وأنهم سلكوا المنهج العلمي الحديث.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 49
٨ - يزعم «أنًّ تعاليم القرآن تجد تكملتها واستمرارها في مجموعة من الأحاديث المتواترة - فهي وإنْ لم [تُرْوَ] (*) عن النبي ﷺ مباشرة تعتبر أساسية لتمييز روح الإسلام» (١).
أي أنَّ الأحاديث المتواترة لم تصدر عن النبي ﷺ والطعن ليس في حديث ما أو في جملة أحاديث عليها اعتراض قوي أو ضعيف، كَلاَّ، إنَّ الطعن في السُنَّة كلها المتواتر منها والمشهور والصحيح.
٩ - ويزعم: «أنَّ هذه الأحاديث وغيرها من النصوص المماثلة لها والتي يسهل علينا جمعها لا تمثل وجهات نظر خاصة بطبقة سامية الأخلاق فحسب بل إنها لتعبِّر عن العاطفة العامة لفقهاء الإسلام» (٢).
ومن أين أتى فقهاء الإسلام بهذه الأحاديث؟ ومن أين تَسَرَّبَتْ إليهم هذه العواطف التي أنطقتهم بهذه الأحاديث؟ إنهم أقل شأنًا من أنْ ينفردوا بتأليفها ولذلك يقول: «لكن الإسلام خلال توسُّعه التالي وبفعل التأثيرات الأجنبية ترك مجالاً لدقة العلماء المُفتين ولعلماء العقائد» (٣).
إنَّ الرجل يهرف بما لا يعرف وهو في حقده على الإسلام يهاجمه بعنف وعمى ولا يَتَّخذُ مكانًا يظن به الضعف ثم يهجم بل ينطح برأسه كل شيء دون تفريق وهيهات أنْ يصدع إلاَّ رأسه:
كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَهَا * ... * ... * فَلَمْ يُضِرْها وأوْهَى قَرْنَهُ الوَعلُ
(السُنَّّةُ كلها من صنع الناس حتى المتواتر منها):
عفاء على التاريخ والعلم كله إذا كانت قيم الحقائق تتناول بهذا الأسلوب الفوضوي، ولكن الرجل يريد إفهام قومه أنَّ الإسلام من صنع محمد وقومه.
стр. 50
٦٤١٠ - ثم يزعم وهو يقدم مفهوم النسخ في الإسلام: «إنَّ الرسول كان يتطور مع الزمن وكان يصطنع وحيًا جديدًا، ينسخ به الوحي القديم كلما لاحت ضرورة» (١)، الرسول يصطنع وحيًا جديدًا كلما لاحت ضرورة، إتهام حتى على الرسول ﵌.
١١ - ثم يقول: «إنَّ المسلمين - لما فتحوا هذه البلاد وحكموها بما فيها من تقاليد وقوانين بعد أنْ طَوَّرُوا هذه التقاليد والقوانين، وأضفوا عليها من عندهم صبغة دينية ثم جعلوها أحاديث شريفة ونسبوها إلى نبيهم» هذا هو التطور الفقهي في نظره.
قد يجيز العقل أنْ يستدين فقير من غني وأنْ يستعين ضعيف بقوي غير أنَّ العقل يحكم باستحالة التلاقي والاستعداد يوم يكون التكافؤ معدومًا بين الطرفين، فمن الحماقة أنْ يقال أنَّ (أرسطو) أخذ أفكاره من أحد الخبازين في أفران أثينا أو من أحد الخبازين في حاناتها، ومن الحماقة أنْ يقال أنَّ (فُورْدْ) أخذ ثروته من مُتَسَوِّلٍ في إحدى كنائس أمريكا.
ومن الحماقة أنْ يقال إنَّ (محمدًا ﷺ ) أَلَّفَ قرآنه بمعونة أحد الخواجات النازحين إلى مكة يطلبون الرزق.
إنَّ هذا البيان الساحر فحواه، القاهر بمعناه يعجز الأئمة العرب عن إتيان بآية مثله، فكيف بنازح أعجمي ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٢)(٣).
هذه بعض مزاعمه ومفترياته وأكاذيبه وقد ذكرنا بعضها وَفَنَّدْنَاهَا ولا تكفي هذه العُجالة أنْ تستوفي لجميع مزاعمه، ويأبى الله إلاَّ أنْ يُتِمَّ نوره ولو كره الكافرون.
стр. 51
هذا وإنَّ المستشرقين - بمجموعهم - بجتمعون مع جولدتسيهر في آرائه وأفكاره فهذا سبرنجر مثلاً يقول: «إنَّ أحاديث نبوية كثيرة زائفة ومُلَفَّقَة».
ويقول موير وويل ودوزي: «إنَّ نصف الأحاديث المُدَوَّنة في " صحيح البخاري " ليست أصيلة وغير موثوق بها».
ويقول شاخت: «إنَّ أسانيد الحديث النبوي عملية مُلَفَّقَة» ولهذا اكتفيت بتفنيد آراء جولدتسيهر وحده.
стр. 52
الفصل الثاني: السُنَّةُ والدكتور توفيق صدقي: (*)
نشر الدكتور - توفيق صدقي - مقالين في مجلة " المنار " (١) تحت عنوان (الإسلام هو القرآن وحده) وأتى من الفلسفة العجيبة وقَرَّرَ هدم دعامة من دعائم الدين وادَّعَى اكتفاء الاستنباط من القرآن الكريم وحده وزعم أنَّ السُنَّة كانت خاصة بمن كان في عصر الرسول ﷺ وأنها لو كانت عامة لجميع البشر لبذلوا الوسع في ضبطها ولتسابقوا في نشرها بين العالمين ولما وجد بينم مُتَوَانٍ وَمُتَكَاسِلٍ أو مُثَبِّطٍ لهم.
ويزعم «أنَّ عدم كتابة شيء من الحديث إلا بعد عهده ﷺ بمدة، كاف في حصول التلاعب والفساد الذي حصل» (٢).
قلنا: إنَّ عدم كتابة شيء من الحديث في عهده - ﷺ لا يفيد التلاعب والفساد - كما زعم - بل ربما كان عدم الكتابة مما يبالغ في النفس في تأكيد صحة أسانيد السُنَّة إذ رواية الحديث الواحد بطرق متعددة وبأسانيد مختلفة مع حفظ متنه أكبر مدفع لدعوى التلاعب والفساد.
هذا إذا سَلَّمْنَا هذه الدعوى فكيف وقد ثبت ما يفيد كتابة الأحاديث في عهده ﷺ وأنه أذن في ذلك، كما سيأتي:
стр. 53
من ذلك ما رواه أحمد (١) عن عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لاَ نَحْفَظُهَا، أَفَلاَ نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: " بَلَى، فَاكْتُبُوهَا "».
وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ مَا يَسْمَعُ مِنْ حَدِيثِهِ فَأَذِنَ لَهُ» (٢).
وقد صَحَّ عن أبي هريرة قوله: «مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا عَنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ , وَلاَ أَكْتُبُ» (٣).
يقول: «عدم إرادة النبي ﷺ لأن يبلغ عنه للعالمين شيء بالكتابة سوى القرآن المتكفل بحفظه في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ولو كان غير القرآن ضروريًا في الدين لأمر النبي ﷺ بتقييده كتابة ولتكفَّل الله بحفظه ولما جاز لأحد روايته على حسب ما أداه إليه فهمه (٤).
قلنا: هذه الدعوى غير مسلمة - ولو سلَّمنا جدلاً لما انتجت النتيجة - التي يريدها - وهي أنه لم يرد أنْ يبلغ عنه شيء أصلاً سوى القرآن، لأنَّ النبي ﷺ أرسل كثيرًا من الرسل إلى الجهات المختلفة ولم يثبت أنه كان يقتطع لهم من صحف الكتاب ما يكون الحُجَّة في دعوتهم إلى الإسلام.
стр. 54
على أنَّ أصل وظيفة النبي ﷺ إنما هي التبليغ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ﴾ (١)، وقد قال: «أَلاَ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» وذلك غير مخصوص بالكتاب بل بكل ما سمع منه قرآنًا كان أو سُنَّةً وقد قال تخصيصًا لهذه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ».
قال الدكتور السباعي: «وقصارى القول أنَّ إنكار حُجِيَّة السُنَّة والادعاء بأنَّ الإسلام هو القرآن وحده لا يقول به مسلم يعرف دين الله وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو يصادم الواقع، فإنَّ أحكام الشريعة إنما ثبت أكثرها بالسُنَّة، وما في القرآن من أحكام إنما هي مُجْمَلَةٌ وقواعد كلية في الغالب، وإلاَّ فأين نجد في القرآن أنَّ الصلوات خمسة، وأين نجد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة، وتفاصيل شعائر الحج وسائر أحكام المعاملات والعبادات» (٢).
وقال ابن حزم ﵀ «ونسأل قائل هذا القول الفاسد في أي قرآن وجد أَنَّ الظهر أربع ركعات وأَنَّ المغرب ثلاث ركعات وأَنَّ الركوع على صفة كذا والسجود على صفة كذا وصفة القراءة فيها والسلام وبيان ما يجتنب في الصوم وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر ... وأحكام الحدود وصفة وقوع الطلاق وأحكام البيوع وبيان الربا والأقضية والتداعي والإيمان والأحباس والعمرى والصدقات وسائر أنواع الفقه وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم نَدْرِ كيف نعمل فيها وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ وكذلك الإجماع إنما هو على مسائل يسيرة قد جمعناها كلها في كتاب واحد وهو المرسوم بكتاب المراتب فمن أراد الوقوف عليها فليطلبها هنالك فلا بد من الرجوع إلى الحديث ضرورة، ولو أنَّ امرءًا قال: لا نأخذ إلاَّ ما وجدنا في القرآن لكان كافرا بإجماع الأمة ولكان لا يلزمه إِلاَّ ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر لأنَّ ذلك هو
стр. 55
أقل ما يقع عليه اسم صلاة ولا حد للأكثر في ذلك وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة مِمَّنْ قد اجتمعت الأُمَّةُ على كفرهم» (١).
وأما قوله: «ولو كان غير القرآن ضروريًا في الدين لأمر النبي ﷺ بتقييده كتابة ولتكفل الله بحفظه ولما جاز لأحد روايته على حسب ما أداه إليه فهمه» (٢).
فقد ذكرنا أمر النبي ﷺ بكتابته وإذنه بذلك وأنه قد تكفَّل بحفظه ولم يُجَوِّزْ لأحد روايته على حسب ما أداه إليه فهمه وسيأتي مزيد إيضاحه في باب (اعتراضات منكري السُنَّة).
هذا وقد ذكر الدكتور السباعي أنَّ الدكتور توفيق صدقي قد رجع عن آرائه في آخر عمره.
стр. 56
الفصل الثالث: السُنَّة والأستاذ أحمد أمين: (*)
من المؤسف حقًا أنْ ينخدع ببحوث المستشرقين وخاصة جولدتسيهر فريق من الكُتَّاب المسلمين المعاصرين الذين تتلمذوا على المستشرقين وهو هجوم لا يبدو واضحًا كما بدت آراء المستشرقين من قبل، بل مقنعًا بستار العلم والبحث والتحقيق العلمي. وكان من أشهر الكُتَّاب الذين سلكوا هذا المسلك الأستاذ أحمد أمين في كتابيه " فجر الإسلام " و " ضُحاه " حين تعرض للكتابة عن الحديث وتدوينه فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل وهو في الحقيقة ردَّد لما كتبه جولدتسيهر إلاَّ أنه كان لبقًا وأشد تحرزًا حيث أنه بث السموم في أسلوب هادئ وحاول أنْ يصل إلى غايته من غير أنْ يثير ثائرة الجمهور عليه.
وأفرد الأستاذ في كتابه " فجر الإسلام " فصلاً خاصًا بالحديث حاول فيه أنْ يؤرِّخَ السُنَّةَ وتدوينها فبيَّن معنى السُنَّة وقيمتها التشريعية، ثم ذكر أنَّ السُنَّة لم تُدَوَّنْ في عهد الرسول ﷺ بل كان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم فقط. ثم تعرض للوضع في الحديث واستظهر أنَّ الكذب على النبي ﷺ بدأ في وقت مُبَكِّرٍ وأشار إلى أنَّ دخول
стр. 57
الشعوب في الإسلام كان له أثر كبير في الوضع الذي بلغ في الكثرة بعد أنْ اختار الإمام البخاري " صحيحه " من ستمائة ألف حديث كانت شائعة في عصره. ثم ذكر أهم الأمور التي حملت على الوضع وذكر منها تغالي الناس في أغراضهم عن العلم إلاَّ ما اتصل بالكتاب والسُنَّة اتصالاً وثيقًا، وانتهى من ذلك إلى بيان جهود العلماء في مكافحة الوضع وذكر ما يؤخذ عليهم من أنهم لم يعنوا بنقد المتن عُشْرَ ما عنوا بنقد السند ثم تكلموا عن أبي هريرة فقال: إنه لم يكن يكتب بل كان يُحَدِّثُ من ذاكرته وأنَّ بعض الصحابة شَكُّوا في حديثه وبالغوا في نقده ثم ختم هذا الفصل بالأدوار التي مَرَّ بها تدوين السُنَّة حتى عصر البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب الستة. هذا خلاصة ما كتبه الأستاذ عن السُنَّة.
وتعرَّضت لبعض آرائه بالنقد في أماكن مختلفة من بحثي هذا وأضيف على البعض ما يلي:
يقول الأستاذ متكلمًا عن نشأة الوضع: «ويظهر أنَّ الوضع حدث في عهد الرسول ﷺ ، فحديث " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ " (١) يغلب على الظن أنه إنما قيل لحادثة زَوَّرَ فيها على الرسول (٢) ﷺ ».
وهذا الذي زعمه الأستاذ لا سند له في التاريخ الثابت ولا في سبب الحديث المذكور. أما التاريخ فلم يحدثنا أنَّ أحدًا في حياة الرسول ﷺ ممن أسلم وصحبه زَوَّرَ عليه كلامًا ورواه على أنه حديثه ﵇ ولو وقع مثل هذا لتوفر الصحابة على نقله لشناعته وفظاعته، كيف وقد كان حرصهم شديدًا على أنْ ينقلوا لنا كل ما يتصل به ﷺ حتى ما يتعلق بحياته العادية.
стр. 58
وأما الحديث المذكور فقد اتَّفَقَتْ كتب السُنَّة المعتمدة على أنَّ الرسول إنما قاله حين أمرهم بتبليغ حديثه إلى من بعدهم فقد أخرج البخاري في (باب ما ذكر عن بني إسرائيل) من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أنَّ النبي ﷺ قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ورواه مسلم من طريق أبي سعيد ... وظاهر من هذه الرواية أنَّ النبي ﷺ وقد علم أنّض الإسلام سينتشر وسيدخل فيه أقوام من أجناس مختلفة، نَبَّهَ بصورة قاطعة على وجوب التحري في الحديث عنه وتجنُّب الكذب عليه بما لم يقله وَوَجَّهَ الخطاب في ذلك إلى صحابته لأنهم هم المُبَلِّغُونَ إلى أُمَّتِهِ من بعده وهم شهداء نُبُوَّتِهِ ورسالته وليس في هذه الرواية وغيرها إشارة قط إلى أنَّ هذا الحديث إنما قيل لوقوع تزوير على النبي ﷺ (١).
وقد ذكر السباعي أسبابًا غير ما ذكرته الرواية السابقة (٢) وقال في ص ٥٢٩: «وحسبك دليلا على مقدار الوضع أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: «لم يصح عنده منها شيء»، قد جمع فيها آلاف الأحاديث، وأن البخاري وكتابه يشتمل على سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مكررة، قالوا: إنه اختارها وصَحَّتْ عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره».
إنَّ كثرة الوضع في الحديث مِمَّا لاينكره أحد، ولكن المؤلف أراد أنْ يستدل على مقدار الوضع بأحاديث التفسير، وأحاديث " البخاري ". وظاهر كلامه أنه يُشكِّكُ في أحاديث التفسير كلها إذ ينقل عن الإمام أحمد أنه قال: «لم يصح منها شيء». والإمام أحمد لا تخفى مكانته في السُنَّة فإذا قال في أحاديث التفسير:
стр. 59
لم يصح منها شيء كان كل ما رُوِيَ فيها مشكوكًا بصحته إِنْ لم يحكم عليه بالوضع هذا نتيجة منطقية لظاهر كلام الأستاذ.
أما أحاديث التفسير فلا يخفى على كل من طالع كتب السُنَّةِ أنها أثبتت شيئًا كثيرًا منها بطرق صحيحة لا غبار عليها وما من كتاب في السُنَّةِ إلاَّ وقد أفرد فيه مؤلفه بَابًا خَاصًّا لما ورد في التفسير عن الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابعين.
وأما ما نقله الأستاذ عن الإمام أحمد في أحاديث التفسير فهو يشير إلى ما رُوِيَ من قوله: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَفْسِيرُ، وَالمَلاَحِمُ وَالمَغَازِي» والكلام عن هذه العبارة من وجوه.
أولاً: إنَّ في النفس من صحتها شيئًا لأنَّ الإمام أحمد نفسه قد ذكر في " مسنده " أحاديث كثيرة في التفسير، فكيف يعقل أنْ يُخْرِجَ هذه الأحاديث ويثبتها عن شيوخه في " مسنده " ثم يحكم بأنه لم يَصِحَّ في التفسير شيء.
ثانيًا: إِنَّ نفي الصِحَّة لا يستلزم الوضع أو الضعف، وقد عرف عن الإمام أحمد خاصة في نفي الصحة عن أحاديث وهي مقبولة. وقالوا في تأويل ذلك أَنَّ هذا الاصطلاح خاص به (١).
ثالثًا: الإمام لم يقل: إنه لم يصح في التفسير شيء وإنما قال: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ ... »، والظاهر أَنَّ مراده نفي كتب خاصة بهذه العلوم الثلاثة بدليل ما جاء في الرواية الثانية مُصَرِّحًا به «ثَلاَثَةُ كُتُبٍ» وهذ المعنى هو ما فهمه الخطيب البغدادي حيث قال: «إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ المَعَانِي الثَلاَثَةِ ... » (٢).
стр. 60
وأما زعمه أَنَّ البخاري قد انتقى أحاديث صحيحة من ستمائة ألف حديث فسيأتي الحديث عنه في باب (اعتراضات منكري السُنَّةِ).
وعندما تعرض المؤلف لعدالة الصحابة قال: (١) «وأكثر هؤلاء النُقَّادُ عَدَّلُوا الصحابة كلهم إجمالاً وتفصيلاً، فلم يتعرَّضوا لأحد منهم بسوء ولم ينسبوا لأحد منهم كَذِبًا وقليل منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم».
إِنَّ مما اتفق عليه الجماهير قاطبة من أهل السُنَّة والجماعة ونُقَّادِ الحديث تعديل الصحابة وتنزيههم عن الكذب والوضع وَشَذَّ عن ذلك الخوارج والمعتزلة والشيعة أصحاب الأهواء والميول المعروفة.
ولكن المؤلف - لغرض في نفسه - يُشَكِّكُنَا في هذه الحقيقة فَادَّعَى أولاً أَنَّ أكثر النُقَّادِ عَدَّلُوا الصحابة مع أَنَّ النُقَّادَ جميعًا عَدَّلُوهُمْ وعدالتهم محل إجماع بينهم ثم يزعم أَنَّ قليلاً منهم أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم مع أَّنَّ الذين تكلموا في الصحابة ليسوا من نُقَّادِ الحديث بل من أصحاب الأهواء والميول المعروفة بالتعصب لبعض الصحابة على بعض الآخر.
قال الحافظ الذهبي: قال الحافظ الذهبي: «فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى ... إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل، وبه ندين الله تعالى» (٢).
وقال الحافظ ابن كثير: «وَالصَحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، ثم قال: «وَقَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: الصَحَابَةُ عُدُولٌ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا قَوْلٌ بَاطِلٌ [مَرْذُولٌ] وَمَرْدُودٌ» (٣)
وهكذا ذهبت مزاعم الأستاذ هباء وصان الله صحابة رسوله ﵇ من تلك الحملات التشكيكية التضليلية التي رفع لواءها هؤلاء المُتَعَصِّبُونَ.
стр. 61
أما مزاعمه في أبي هريرة فقد تناولناها بالرد في باب (اعتراضات منكري السُنَّة).
ثم نشر إسماعيل أدهم رسالته في سَنَة ١٣٥٣ هـ عن تاريخ السُنَّة وَكَذَّبَ فيها أحاديث الكتب الصحاح (١) إلاَّ أنَّ أخطر من قام بهذا الدور في العصر الحديث هو محمود أبو رية.
فإلى الحديث مع «محمود أبو رية».
стр. 62
الفصل الرابع: السُنَّة ومحمود أبو رية: (*)
ثم بعد هؤلاء تَسَلَّمَ اللواء أبو رِيَّةَ وأخرج كتابه " أضواء على السُنَّة المحمدية " وهو لم يأت بفكرة جديدة ولا باستدلال جديد بل جمع ما كان من الشُبَةِ متناثراً في كتب الشيعة وأئمة الاعتزال والمتكلمين والمستشرقين مع حكايات تذكر في كتب الأدب التي يتفكَّه بها الناس في مجالسهم، وَأَيْمُ الله أنني قرأت فيه مُجَرَّداً من كل عاطفة فوجدت أنه لم يقل شيئاً لم يكن عند أسلافه وإنما الذي فاقهم فيه أنه أكثر خُبْثاً ودناءةً وأسوأ أدباً مع الصحابة الأمناء وأجرأ على الكذب والبُهُتِ والخيانات العلمية.
«أما ما ذكره خلال كتابه من نقول عن مصادر محترمة في الأوساط العلمية الإسلامية، فإنها لا تعدو أن تكون وردت في تلك المصادر في مورد غير الذي أورده المؤلف فوضعها في غير مواضعها، أو أن تكون هي في حد ذاتها حقائق مسَلَّمة لدى المحقّقين ولكنهم لا يقصدون منها ما قصده المؤلف، فيذكرها إيهاما للقارئ بأن أصحابها يلتقون معه في فكرته وأهوائه، أو تكون نصوصا «مبتورة» انتزع منها ما يردّ على المؤلف، ولم يذكر منها إلا ما يريد أن يثبته في البحث الذي يتناوله - وسنرى نموذجا لذلك في بحث أبي هريرة - أو أن تكون من أقوال بعض العلماء نقلا عن المعتزلة، فينسبها إلى هؤلاء العلماء أنفسهم، كما فعل فيما نقل عن ابن قتيبة، وبالجملة فإنَّ أصحاب هذه المؤلفات والنصوص التي نسبها إليهم لا يلتقون معه في آرائه ونزعاته» (١).
стр. 63
وأما تعريف كلمة السُنَّة عنده فيقول: «ولم تكن السُنَّة يومئذٍ (يعني عصر النبي ﷺ تعرف إلاَّ بالسُنَّة العملية» (١).
ومفهوم السُنَّة العملية عنده هو السُنَّة العملية المتواترة كما قال: «وسنن الرسول المتواترة - وهي السُنَّة العملية - وما أجمع عليه مسلمو الصدر الأول وكان معلومًا عندهم بالضرورة، كل ذلك لا يسع أحد جحده أو رفضه بتأويل أو اجتهاد ككون الصلاة المعروفة خمسًا ... » إلى أَنْ قال: «هذه هي سُنَّة الرسول ﷺ وأما إطلاقها على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث» (٢).
وأما بالنسبة لأحاديث الآحاد فيقول: «ومن صح عنده شيء منها رواية ودلالة عمل به، ولا تجعل تشريعًا عامًا تلزمه الأُمَّةُ إلزامًا تقليدًا لمن أخذ به» (٣). ويقول (٤): «إنهم جعلوا السُنَّة القولية في الدرجة الثانية أو في الدرجة الثالثة من الدين وإنها تلي القرآن في المرتبة». ثم قال بعد أسطر: «وأما الذي هو في الدرجة الثانية من الدين فهو السُنَّة العملية» ومفهومه أنَّ السُنَّةَ القولية ليست في الدرجة الثانية، ولا ندري ما منشأ هذا الاضطراب وعدم الثبوت على رأي حتى خالف عجز كلامه صدره ثم ما الدليل على التفرقة بين السُنَّة القولية والفعلية، «وليس في كلام الشاطبي الذي استشهد به ما يشهد للتفرقة بين السُنَّة القولية والفعلية بل كلام يدل على أَنَّ المُرَادَ بِالسُنَّةِ القول والفعل والتقرير» (٥).
ومعلوم أَنَّ السُنَّةَ جملة من المرتبة الثانية بعد الكتاب وأنَّ ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر الدين يجب اتِّبَاعَهُ وطاعته فيه إذًا فما الفائدة
стр. 64
من هذه التفرقة وما الدليل عليها وما الدليل على عدم جعل الأحاديث الآحاد تشريعًا، إنه يدعو إلى الفوضى في العقيدة والشريعة وإلى المخالفة الصريحة لكتاب الله .
وَيَدَّعِي أَنَّ الذين عنوا بالتشريع من أئمة الإسلام لم يكونوا أهلاً لتمحيص السُنَّة وبيان صحيحها وسقيمها وأنَّ الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة هم أهل لذلك.
يقول بعد التعريف بكتابه وذكر عُلُوِّ قدر الحديث النبوي: «وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة فإنَّ العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس وتركوا أمره لمن يُسَمُّون رجال الحديث يتناولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم ... » (١). يريد أنَّ أئمة الإسلام وفقهائه كالبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم لم يكونوا أهلاً لتمحيص السُنَّة لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض العقول فهم ليسوا عنده بعلماء وإنّض الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة هم أهل ذلك.
إنه يحاول الازدراء بالمحدثين ورميهم بالجمود لِيُقَلِّلَ من شأنهم ويتجاهل أَنَّ ما وضعه المحدثون من قواعد لنقد الراوي والمروي هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في الحديث والقديم.
«إنَّ علماء الأدب وأضرابهم مِمَّنْ ليسوا من رجال الحديث وصيارفته أكرم على أنفسهم مِنْ أَنْ يقفوا ما ليس لهم به علم، وأنْ يَزُجُّوا بأنفسهم في علوم ومعارف ليسوا أهلاً لها» (٢).
والحقيقة أَنَّ من أمعن النظر في كتابه هذا يدرك أَنَّ الرجل غير موثوق فيما ينقل فكثيرًا ما يزيد في النص الذي ينقله كلمة أو ينقص كلمة لينسجم
стр. 65
مع ما يريد دون ما يريد صاحبه وكثيرًا ما يسند القول إلى غير صاحبه تمويهًا وتضليلاً.
فنقل عن ابن كثير في " البداية والنهاية " (١) أنَّ عمر ﵁ قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وعبارة ابن كثير: لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) وليس فيها (عَنْ رَسُولِ اللهِ) ولكن " أمانة " أَبِي رِيَّةَ و (تحقيقه العلمي) أجازا له تحريف هذا النص ليثبت ما ادَّعَاهُ من أنَّ كَعْبًا كان يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ وأنَّ الصحابة كانوا يأخذون عنه الحديث، وهذه الفرية دَسَّهَا المستشرقون اليهود أمثال «جولدتسيهر» لِيَدَّعُوا تأثير اليهودية في الدين الإسلامي! .. فتلقفها منهم «المحقق العلمي» أَبُو رِيَّةَ، وتبرع لهم بإثبات الأدلة عن طريق «التزوير» (٢).
إنه لم يَتَحَلَّ بالأدب والخُلُقِ الشريف في بحثه فقد أتى بالألفاظ البذيئة والكلمات النابية التي يَتَرَفَّعُ عنها المؤلفون العاديون فضلاً عن المُحَقِّقِينَ المُنْصِفِينَ وجعل من نفسه (العلاَّمة المحقق الأمين) فَتَهَكَّمَ بالمُحَدِّثِينَ ورماهم بالجهل والتساهل فعندما عرض للحن والخطأ في الحديث والتقديم والتأخير والزيادة والنقص منه ص ٧٥ - ٧٩ ثم ذكر عنواناً بالخط العريض فقال: «تساهلهم - أَيْ المُحَدِّثِينَ - فيما يُرْوَى في الفضائل وضرر ذلك». وهو يوهم من لا يعلم أنَّ المُحَدِّثِينَ جميعًا على هذا - مع أنَّ كثيراً من الأئمة كالبخاري ومسلم وابن خزيمة قد جَرَّدُوا كتبهم للصحاح، وَتَحرَّوْا غاية التَحَرِّي في ذكر أحاديث الفضائل، وأيضاً فالمُحَدِّثُونَ لم يأخذوا بالأحاديث الضعيفة في باب الفضائل إِلاَّ بشروط فصلها أهل الفن والتحقيق، فإرسال القول على عواهنه - كما
стр. 66
صنع المؤلف - ليس من الأمانة العلمية في عرض الآراء، وهو إلى التدليس والتلبيس أقرب منه إلى التوضيح والتبيين (١).
وأما أبو هريرة فقد ترجم له في كتابه فيما يربو على خمسين صفحة ولم يَدَعْ منقصة ولا مَذَمَّةً إلاَّ ألصقها به وزعم «أَنَّ الصحابة والتابعين وفقهاء الإسلام وأئمة الحديث ثلاثة عشر قرنًا كاملةً قد خدعوا بأبي هريرة ﵁، ولم يفطنوا إلى (تفاهة أمره) و (حقارة منبته) وجرأته في الكذب إرضاء للأمويّين، إنهم لم يفطنوا لما فطن إليه «أَبُو رِيَّةَ» فيا لسوء حظ المسلمين الذين حرموا من رأي «أَبِي رِيَّةَ» الصائب وبصيرته النافذة خلال هذه القرون كلها! (٢).
وإليك أمثلة من إسفافه وهذيانه على أبي هريرة:
قال في [ص ١٥٢]: «وكان بينهم - أي الصحابة - لا في العير ولا في النفير».
وقال في [ص ١٥٧]: بعد نقله شيئًا من سيرة أبي هريرة ﵁ عن مُحَقِّقٍ (مثله) يظهر من هذه الحكايات وغيرها أنه كان مِمَّنْ حضر وقعة صِفِّينْ وأنه كان يصانع الفئتين - ثم قال: وَحَدَّثَ غير واحدٍ أنَّ أبا هريرة كان في بعض الأيام يصلي في جماعة عَلِيٍّ ويأكل مع جماعة معاوية، فإذا حمي الوطيس لحق بالجبل، فإذا سأل قال: «عَلِيٌّ أَعْلَمُ، وَمُعَاوِيَةُ [أَدْسَمُ]، وَالجَبَلُ أَسْلَمُ».
وقال في [ص ١٨٥]: «ومن كان هذا شأنه - لا يكون - لا جرم - إلاَّ مهينًا لا شأن له ولا خطر».
نعم هكذا يهذي ويفتري ويجمع من الحكايات والأكاذيب ولا سيما في موضوع فيه اتِّهام وتجريح لصحابي جليل من صحابة رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 67
وَسَلَّمَ - وأنه لا في العير ولا في النفير، ثم من قال لك أيها المُحَقِّقُ النظار وصاحبك الذي زعمت أنه محقق، و، وأَنَّ أبا هريرة شهد موقعة صِفِّينَ، حكاية باطلة تبني عليها هذا الحكم الظالم الأليم.
ثم هل من المعقول أَنَّ أبا هريرة كان ينتقل بين الجماعتين ويصانع الفئتين ولا ينكشف أمره، يا أيها الناس أليس لكم عقول تعقلون بها؟
ثم كان أبو هريرة مهينًا لا شأن له ولا خطر عند المؤلف لأنه لم يصاحب النبي ﷺ إلاَّ على ملء بطنه وأنه قد اتَّخَذَ من الصُفَّةِ ملاذًا لفقره ... وهذا أكبر عيب عند «أَبِي رِيَّةَ» يُجَرِّحُ به أبا هريرة والله تعالى مدح أهل الصُفَّةِ ومنهم - لا شك - أبو هريرة. قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١).
فيأتي أبو رية فيجعل المفاخر مثالب والفضائل رذائل.
فهل رأيت في باب النقد والبحث والتحقيق العلمي والأمانة العلمية شبيهًا لهذا، وفي أي قانون أو عُرْفٍ أو دين يكون السِّبَابُ نقدًا والشتائم بحثًا وتحريف الحقائق وتغييرها تحقيقًا علميًا إِلاَّ في عُرْفِ وقانونِ أبي رية.
وقال في [ص ١٦٦] تحت عنوان (أول راوية اتُّهِمَ في الإسلام): «أنَّ أبا هريرة اتَّهَمَهُ الصحابة وأنكروا عليه، وكانت عائشة أَشَدُّهُمْ إنكارًا عليه لتطاول الأيام بها وبه ... وَأَنَّ مِمَّنْ اتهم أبا هريرة بالكذب عمر وعثمان وعلي، ... ثم زعم أَنَّ عَلِيًّا كان سيئ القول فيه وقال عنه: ألا إنه أكذب الناس أو قال: أكذب الأحياء على رسول الله ﷺ لأبو هريرة ... إلخ».
стр. 68
ثم تَصَيَّدَ من كلام النظام وغيره من ساداته ما زعم أنه يشهد له.
والحقيقة أَنَّ الصحابة كانوا يَرْوُونَ عنه ﷺ بالذات كما كانوا يَرْوُونَ عنه بالوساطة عن صحابي آخر، وفي بعض الأحيان كان يراجع بعضهم بعضًا فيما يرويه، إما بالتثبت والتأكد لأنَّ الإنسان بنسى أو يغلط وإما لأنه ثبت عنده ما يخالفه أو ما يخصِّصُهُ أو يُقَيِّدُهُ، فليس من الإنصاف أَنْ نَتَّخِذَ من هذه المراجعة دليلاً على اتِّهام الصحابة بعضهم لبعض وتكذيب بعضهم لبعض.
وكل ما ذكره من تكذيب عمر وعثمان وعَلِيٍّ له وأنَّ عَلِيًّا كان سيء القول فيه لا يعدو أنْ يكون دعاوى كاذبة مُزَوَّرةٌ، وهذه كتب الثقات في تاريخ الصحابة وحياتهم لا تكاد تجد فيها شيئًا مِمَّا زعم وادَّعَى.
وهذه من «الدعاوى الكاذبة التي يطنطن بها [المُبَشِّرُونَ] والمُسْتَشْرِقُونَ ومن تابعهم من الكُتَّابِ المعاصرين الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لترديد كلامهم» (١).
وهو في الحقيقة لا يرمي إلى اتِّهَامِ أبي هريرة أو غيره من الصحابة، بل أنه يَتَّخِذُ من اتِّهَامِهِمْ سبيلاً إلى بطلان السُنَّة. فإذا تحقق له تهديم أبي هريرة وغيره فقد تحقق له هدم السُنَّة وبطلانها.
جاء في " تاريخ بغداد ": «أنَّ هارون الرشيد - لما أراد ضرب رأس (شاكر) رأس الزنادقة في عصره، سأله عن سبب اتخاذ الزنادقة لخطَّتهم في ابتدائهم مع من يطمعون بتزندقه، بتعليمه كراهية بعض سادات الصحابة، فقال شاكر: «إنَّا نريد الطعن على الناقلة، فإذا بطلت الناقلة أوشك أنْ نُبطل المنقول» (٢).
стр. 69
وهكذا صنع أبو رية وغيره ممن قاموا بحملات التشكيك والطعن في الصحابة إلاَّ أنَّ أبا رية كان الحظ الأوفر منها.
وقد أطرى كتابه بقوله: «وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها لم ينسج أحد قبلي على منوالها».
نعم لقد صدق وهي الأولى في موضوعها وأسلوبها خلطًا وكذبًا وَتَجَنِّيًا ولم ينسج أحد من قبل على منوالها.
«ولا أدري إنْ كان من قواعد التحقيق العلمي التي لم ينسج أحد من قبل على منوالها أنْ يكون مُدَّعِي العلم قليل الأدب بذيء الكلام، شنيع التهجم على من يتصدى لتاريخهم أو على من قد يتصدون للرد عليه في المستقبل؟ ولكن الذي أدريه أن رسول الله ﷺ قال: «الحَيَاءُ مِنْ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنْ الجَفَاءِ وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ» ولا أدري إِنْ كان «أبو رية» يطعن في هذا الحديث لأنه مِمَّا رواه أبو هريرة ﵁، فإليه حديثا آخر يرويه زيد بن طلحة بن ركانة عن النبي ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ» وصدق رسول الله ﷺ (١). وسوف ينال أبو رِيَّةَ جزاء فعله ما يستحق عند الله يوم القيامة (٢).
стр. 70
الفصل الخامس: السُنَّةُ والدكتور أحمد زكي أبي شادي:
ألف كتاباً سَمَّاهُ " ثورة الإسلام " مريداً به الدفاع عن الإسلام فمزج فيه الحق بالباطل وتردَّى بأئمة الحديث وكذب الأحاديث مستهزئاً بمكانتها وزعم أنها مختلقة وأنه لا يمكن أنْ يقبل صحتها العقل وأنَّ أغلبها تدعو إلى السخرية بالإسلام والمسلمين والنبي ﷺ ، يقول: «وهذه " سُنن ابن ماجه " و " البخاري " وجميع كتب الحديث والسُنَّة طافحة بأحاديث وأخبار لا يمكن أنْ يقبل صحتها العقل ولا نرضى نسبتها إلى الرسول ﷺ وأغلبها يدعو إلى السخرية بالإسلام والمسلمين وبالنبي الأعظم» والعياذ بالله (١).
ويزعم «وَإمَّا التغني بأبي داود والترمذي والنسائي ومسلم وترديد الأحاديث المُلَفَّقَةِ التي لا تنسجم وتعاليم القرآن وَإمَّا سوء تفسير آيات الكتاب العزيز وَإمَّا الجهل بروح القرآن، وَإمَّا التنازل عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان فبمثابة الخيانة لرسالة الإسلام الخالدة» (٢).
ثم يقول في حديثه مع المستشرقين: «ومع العلم أولئك المستشرقين كعلم المستنيرين من المسلمين بأنَّ الجمهرة من الأحاديث النبوية مختلفة اختلاف الإسناد نفسه الذي لم يكن معروفًا في فجر الإسلام فإنَّ حظَّهم هو التعلق بكل سخف حقير منها للتدليل على سخافة الإسلام وحقارته يساندهم في ذلك من طريق غير مباشر جهلة الكُتَّابِ المسلمين» (٣).
стр. 71
هذا بعض ما كتبه الدكتور عن السُنَّة ورجالها، وهو ترديد لما سبق من كلام أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم من الطعن في السُنَّة وتشكيك لما ثبت وصحح على أيدي المحققين أصحاب السُنن الذين حفظوا الإسلام ممثلاً في تراثه الخالد جيلاً بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
إنَّ المحققين قد أجمعوا على أنَّ أصح الكتب بعد كتاب الله لهي " صحيح البخاري " فـ " مسلم " ثم " أبو داود "، فـ " الترمذي "، فـ " النسائي "، و " ابن ماجه "، فقوله: «إِنَّ الجمهرة من الأحاديث النبوية مُخْتَلَقَة» هو محض افتراء وكذب وطعن في الصحاح وتجاهل بمكانة السُنَّة التي هي صنو الكتاب في التشريع، على أني لا أضيع وقتي في الرد على مزاعم الدكتور إذ هي ترديد لما سبقت من المستشرقين وتلامذتهم ولأنها ليست قليلة بمكان يمكن أَنْ تضمَّها هذه العجالة السريعة.
إنَّ نظرة المؤلف العامة للإسلام نظرة مُشَوَّهَةٌ ومحفوفة بالمخاطر والمطاعن ومن طالع كتابه هذا بإمعان يدرك أنه لا يهدف إلى هدم السُنَّة والطعن فيها فحسب بل يتخذ منها سبيلاً إلى تحريف القرآن والشريعة ليخضعهما - على حسب زعمه - لمتطلبات العصر، وجعلهما عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والظروف حتى يصل في نهاية المطاف إلى إبطال الدين والشرائع.
يقول (١): «إنَّ روح الإسلام التي تقر مبدأ الصالح العام بل تقدِّسه تسمح في هذا العر بأنْ تكون المرأة قوامة على الرجل بقدر ما تسمح بأنْ يكون الرجل قَوَّامًا على المرأة إذ أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى الاعتبار الاقتصادي لا أكثر ولا أقل، بخلاف ما كان عليه الحال في فجر الإسلام» ... إلى آخره ...
فهو لا يهمه أنْ يبطل مفعول الآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٢)
стр. 72
تحت ستار الصالح العام وكيف يأتي بعبارة مُنَمَّقَةٍ عليها مسحة البحث العلمي المزعوم ليبطل حكم الله الخالد وسُنَّته التي لا تتبدل ويثبت أنَّ المرأة قَوَّامَةٌ على الرجل ويرجع ذلك - على زعمه - إلى الاعتبار الاقتصادي لا أقل ولا أكثر، أما الدين والخلق فلا عبرة بهما.
ثم يقول: « ... والقرآن الشريف والأحاديث النبوية مجموعة مبادئ خلقية وسلوكية مُسببة، بحيث أنَّ أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والأسباب ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفاقًا لتبدل الأسباب والظروف» (١).
إنَّ الرجل يريد أنْ نُبَدِّلَ القرآن والسُنَّة على حسب أهوائه ونزعاته وشهواته، إنه يظن مصادر التشريع الإسلامي أهون من قوانين أوروبا التي لا تستبدل إلاَّ بعد إجراء تجارب معينة وتحت ظروف وجمعية تشريعية عليا لتصرفها حسب الظروف المتبدلة، إنني أخشى على الإسلام من أعدائه قدر ما أخاف عليه من أبنائه وأدعيائه.
إنَّ الرجل عاش وتربَّى في حضن الولايات المتحدة الأمريكية وعايش بعض الأحداث في عصر كان يدين بالحرية المطلقة، وهو معجب بمدنية أوروبا الغربية عامة وبأمريكا خاصة ويُمَجِّدَهَا تمجيدًا قويًا - ولهذا كثيرًا ما يُرَى في كتابه يستشهد بمبادئ أمريكا وحضارتها حتى قال: «إنَّ مبادئ الإسلام نظريًا وعمليًّا هي أقرب ما تكون لمبادئ الحضارة الأمريكية والحياة الأمريكية تفكيرًا وسلوكًا، فهل يتنبَّه المسلمون إلى هذه الحقيقة الراسخة فيفلحوا» (٢).
لم أَرُدُّ عليه وهو يجعل من القوانين الرخيصة الوضعية مثلاً أعلى ومن الحياة الغربية المهنية شأنًا وأي شأن؟؟!! يقول:
стр. 73
«وما الدفاع الذي تقوم به أمريكا اليوم عن العالم الحر إلاَّ صنو الدفاع الذي رفع لواءه محمد ﷺ » (١).
إنَّ الرجل الذي بلغ الذروة في حبه لأمريكا ومبادئها وحضارتها وأعجب بها أي إعجاب حتى نسي ما تقوم به أمريكا من مساندة وتأييد للصهيونية المجرمة الغاشمة وإسرائيل وغمطها للحق العربي الإسلامي وحق شعب فلسطين.
إنَّ المؤلف مُعْجَبٌ بالثورات لذلك سَمَّى كتابه " ثورة الإسلام " وهل ما يدري ماذا جنى المسلمون والعرب من تلك الثورات المتعاقبة على حكوماتهم إلاَّ ضعفًا على ضعف ووهنًا على وهنٍ، إنَّ الثورة بمفهومها تعني التغيير والتبديل بالقوة والتسلط وفرض نفسها بالجبروت والطغيان والاستيلاء على السلطة بالعنف ... فهل جاء الإسلام ثائرًا على البشرية ثائرًا على أوضاعها وتقاليدها، ثائرًا على حياتها ومجتمعاتها .. كَلاَّ إنه جاءها هاديًا للبشرية ورحمة للإنسانية مُنَفِّذًا لها من هاوية الدمار والخراب .. إلى دار السعادة والهناء والبقاء .. والخير والفلاح .. في الدنيا والآخرة.
هذا ولا يزال أعداء السُنَّة يواصلون حملات تضليلية تشكيكية مُرَكِّزَةٍ تستهدف السُنَّة بل الإسلام عقيدة وشريعة، فقد نشرت مجلة " العربي " الكويتية (٢) مقالاً لعبد الوارث بعنوان [ليس كل ما في صحيح البخاري صحيحًا وليست هذه الأحاديث مفتراة فحسب بل منكرة] وطالب فيه بضرورة تنقية كتب التفسير والحديث من هذه الخزعبلات والمفتريات .. على حد زعمه.
ومزاعمه هذه ما هي إلاَّ مواصلة لمساعي سادته المستشرقين والغربيِّين المنطوين على الحقد الدفين ضد الإسلام والمسلمين. والأدهى من هذا وأَمَرُّ أنْ يدعو رئيس دولة إسلامية إلى نبذ السُنَّة وإنكارها ويجهر بذلك، فيا لله لدواوين السُنَّة وكُتُبَ الحديث، نعوذ بالله من الخذلان واستحواذ الشيطان، ومن يضلل الله فلا هادي له.
стр. 74
الفصل السادس: مُنكرو السُنَّة في القارة الهندية:
تمهيد:
سبق أنْ ذكرنا أنَّ كُتُبَ التاريخ لا تحدِّثنا عن أفراد أو جماعات انتسبت إلى الإسلام ودعت إلى نبذ السُنَّة بعد القرن الثاني أو على الأكثر بعد القرن الثالث، وأنَّ الأُمَّة الإسلامية ظلت آمنة طوال أحد عشر قرنًا إلاَّ أنَّ الفتنة قد استيقظت بعد ذلك من قبل المستعمرين.
يقول الأستاذ المودودي ﵀: «ما أنْ حل القرن الثالث عشر الهجري حتى دبت الحياة في هذه الفتنة (فتنة إنكار السُنَّة وحُجِيَّتها) من جديد فكانت ولادتها في العراق وترعرعت في الهند، وإنِّ بدايتها لتعود في الهند إلى سيد أحمد خان ومولوي جراغ علي، ثم كان فارسها المقدام مولوي عبد الله جكرالوي ثم تَسَلَّمَ الراية مولوي أحمد دين امرتسري ثم تقدم بها مولانا أسلم جراجيوري وأخيرًا تولى رياستها غلام أحمد برويز الذي أوصلها إلى ساحل الضلال» (١).
وفي ضوء ما أشار إليه الأستاذ المودودي ينبغي أنْ نَتَعَرَّفَ على أفكار السيد أحمد خان وجراغ علي حول السُنَّة (٢)، لأنَّ أفكارهما هي التي مَهَّدَتْ الطريق لإعلان خبايا نفوس أهل القرآن الذين صَرَّحُوا بإنكار السُنَّة كلها، وأخذوا يدعون إليها كحركة علمية ثقافية تقدمية فَاغْتَرَّ بالانضمام إليها بعض البُلْهِ ومن لا صلة له بالعلوم الدينية من العامة والمثقفين (٣).
стр. 75
نشأة أهل القرآن في القارة الهندية:
في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بدأت الدعوات الهَدَّامَةُ تغزو الهند إثر إصابة المسلمين بجمود ثقافي واجتماعي، غير أنَّ مفعولها سَرَى على شكل واضح في ولاية بنجاب بأواسط الهند الموحدة. وما أسوأ حظ هذه البقعة من الأرض حيث كانت مسرحًا لحركتين هَدَّامَتَيْنِ للإسلام - القاديانية وأهل القرآن.
ففي سَنَةِ ١٩٠٠ م ظهر في تلك البقعة ميرزا غلام أحمد القادياني وادَّعَى النبوة، ثم بدأ غلام نبي المعروف بعبد الله جكرالوي (١) نشاطه الهدام بإنكار السُنَّة كلها وأسس مذهبه باسم أهل القرآن في سَنَةِ ١٩٠٢ م.