وقال النووي: «وَفِي هَذِهِ [الأَحَادِيثِ] فَضِيلَةُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا وَفَضِيلَةُ التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْهُ وَتَخْصِيصُ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهَا» (١).
ومنهم من قال إنَّ هذا عام في كل عجوة لأنَّ: «السَّمُومَ إِنَّمَا تَقْتُلُ لإِفْرَاطِ بُرُودَتِهَا فَإِذَا دَاوَمَ عَلَى التَّصَبُّحِ بِالْعَجْوَةِ تَحَكَّمَتْ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَأَعَانَتْهَا الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ فَقَاوَمَ ذَلِكَ بُرُودَةَ السُّمِّ مَا لَمْ يُسْتَحْكَمْ» (٢).
والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه لعجوة المدينة لما مَرَّ من حديث " مسلم " ولما جاء في حديث سَعْدٍ الآتِي قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي فَقَالَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ، ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ» (٣).
قال ابن القيم: «والتمر غذاء فاضل حافظ الصحة ولا سيما من اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم ... » إلى أَنْ قال: «وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم فإنه مُلَيِّنٌ للجسم لذيذ الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة وهو يوافق أكثر الأبدان ... ولا ريب أَنَّ للأمكنة اختصاصًا ينفع كثيرًا من الأدوية في ذلك دون غيره فيكون الدواء الذي نبت في هذا المكان نافعًا من الداء» (٤). ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت ف يمكان غيره لتأثير
стр. 142
نفس التربية أو الهواء أو هما معًا جميعًا، فإنَّ للأرض خواص وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان، وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولاً، وفي بعضها سُمًّا قاتلاً.
وقال في مكان آخر: «وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ [هَذَا] التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ، مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ، وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ» (١).
«أما السحر فإذا ذهبنا إلى أنه مرض نفسي، وأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وَأَنَّ الإيحاء النفسي له أثر كبير في شفاء المرضى بمثل تلك الأمراض، وإذا أخذنا العجوة إلى أنها مُغَذِّيَةٌ مفيدة للجسم، مقوية للبنية، قاتلة للديدان، قاضية على تعفن الفضلات، وأنها من عجوة المدينة، مدينة النبي ﷺ ، وأن هذا علاج وصفه ﵊، وهو الذي لا ينطق عن الهوى. لا أشك في أَنَّ ذلك يحدث أثراً طيباً في نفس المسحور، وقد أثبت الطب أثر التخيل والوهم والإيحاء النفسي في كثير من الأمراض شفاء أو إصابة، أفليس ذلك من شأنه ألا نتسرع في تكذيب الحديث ما دام من الممكن تخريجه على وجه معقول؟» (٢).
تجربة علمية تؤيد الحديث:
----------------------------
وإذا كان الحديث حُجَّةً في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي، فإنَّ النفس تطير فرحًا وسرورًا عندما يوافق العلمُ الصحيح الحديثَ الصحيح، كتبت جريدة " الأهرام " تحت عنوان (البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير ويساعد على الولادة بسرعة).
стр. 143
أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرًا بالمركز القومي للبحوث أَنَّ البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام والبواسير ويساند المرأة الحامل على الولادة بسهولة.
صَرَّحَ بذلك الدكتور عبد العزيز شرف المشرف على وحدة بحوث الأدوية بالمركز القومي للبحوث وأضاف: «إِنَّ الأبحاث أثبتت كذلك أَنَّ البلح يعادل اللحم في قيمته الغذائية ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكالسيوم والفُسْفُورِ والحديد ويحتوي على غالبية الفيتامينات المعروفة» (١).
ويقول الدكتور السباعي أنه جرب بنفسه حين ذهب إلى الحج في عام ١٣٨٤ هـ واستمر على التصبح بسبع تمرات من تمر المدينة مدة خمسة أشهر كاملة، وأنه مصاب بمرض (السكر) ثم حلل البول والدم فلم يظهر أي أثر للسكر في البول ولم يزد السكر في الدم عما كان عليه قبل سفره إلى الحج (٢).
بعد هذه التجارب المؤكدة لا يجوز أَنْ يبقى شك في نفس المسلم. أما الملحدون وأصحاب الأهواء فللكلام معهم أسلوب آخر ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
стр. 144
الحديث الثالث:
٣ - عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» (١).
النقد:
هذا الحديث من الأحاديث التي زعم مؤلف " فجر الإسلام " أَنَّ الحوادث الزمنية والمشاهد التجريبية تخالفه كما مر آنفًا في الحديث السابق.
الرد:
إِنَّ صاحب " فجر الإسلام " اقتصر على الجزء من الحديث الذي ذكره البخاري (٢) « ... فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ»، أما البخاري فعادته ما جرى عليه من تقطيع الحديث في أبواب متعددة، والمؤلف إنما حكم عليه بالوضع لمخالفته للحوادث التاريخية والمشاهد - على حسب زعمه - على الجزء من الحديث، فلو جمع الحديث من طرقه المختلفة وأبوابه المتعددة، ربما لم يخرج بهذه النتيجة المؤسفة. فقد روى الحديث
стр. 145
من طرق متعددة فَسَّرَ بعضها بعضًا، فالمراد من الحديث أنه عند انقضاء مائة سَنَةٍ من قول رسول الله ﷺ لن يبقى أحد مِمَّنْ كان موجودًا في عهده ﷺ حين قال هذا النبأ.
قال ابن قتيبة: «وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَسْقَطَ الرُّوَاةُ مِنْهُ حَرْفًا (أي كلمة)، إِمَّا لأَنَّهُمْ نَسَوْهُ، أَوْ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْفَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوهُ. وَنَرَاهُ - بَلْ لاَ نَشُكُّ - أَنَّهُ قَالَ: " لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ". يَعْنِي، مِمَّنْ حَضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ فَأَسْقَطَ الرَّاوِي (مِنْكُم)» (١).
وعلى كل حال فإنَّ الروايات الأخرى توضح هذه الرواية، قال النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ [قَدْ] فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ» (٢).
ويرى الدكتور السباعي: أَنَّ بعض الصحابة «لَمْ يَفْطِنْ إِلَىَ تَقْيِيدِ الرَّسُولِ بِمَنْ هُوَ عَلَىَ ظَهْرِهَا - اليَوْمَ - فَظَنُّوهُ عَلَىَ إِطْلاَقِهِ وَأَنََّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَنَبَّهَهُمْ ابْنِ عُمَرَ إِلَىَ [القَيْدِ] فِي لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيَّنَ لَهُمْ المُرَادَ مِنْهُ» (٣).
وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة مَوْتًا فذكر الحافظ في " الفتح " أَنَّ أبا الطُفيل عامل بن واثلة آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ وَأَنَّ وفاته كانت سَنَةَ مائة من الهجرة (٤).
وكل ما في الأمر أَنَّ الرسول بَيَّنَ لأصحابه أنهم لن يعمروا كما عمر من
الحديث الرابع:
٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟.
قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ [وَيُزْوَى] بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» (١).
النقد:
طعن أَبُو رِيَّةَ في هذا الحديث لا لشيء - إلاَّ لأنه رواه أبو هريرة - وكل ما رواه أبو هريرة فهو عنده كذب وغير مقبول وإِنْ كان ما رواه من محاسن الإسلام لأنه يرمي إلى أبي هريرة بعين ساخطة ترى الصحيح سقيمًا والمستقيم مُعْوَجًّا والحق باطلاً.
الرد:
والحديث رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عن أبي هريرة. ورواه مسلم عن أبي هريرة من طرق عدة لا يتطرق إليها الارتياب، ورواه أيضًا عن أبي سعيد الخُدري مرفوعًا.
стр. 148
وروى آخره عن أنس بن مالك.
فلو كان هو من رواية أبي هريرة وحده لما اقتضى هذا الطعن فيه فما بالك وقد روى عن غيره من الصحابة كما رأيت، وبذلك انهار الأساس الذي بنى عليه كلامه وهو أنه من رواية أبي هريرة وحده وإذا كان أبو هريرة ليس بالعدل الثقة عنده فما رأيه والحديث ثبت عن غيره من الصحابة؟
وإذا كان وجه الإنكار هو أَنَّ الله تعالى يضع رجله، ففي القرآن جاء إثبات اليد والوجه والعين وغير ذلك، وإنْ كان وجه الإنكار أنهما تتخاصمان وتتكلمان فهل هذا مستنكر على الله الذي أنطق كل شيء، وهل يلزم من هذا التخاصم أَنْ يفهمه أَبُو رِيَّةَ وإلاَّ كان باطلاً.
قال النووي: «هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّارِ وَالْجَنَّةِ تَمْيِيزًا تُدْرَكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا» (١) ويحتمل أَنْ يكون بلسان الحال، والله على كل شيء قدير.
وإنْ كان سبب الاستغراب والإنكار أَنْ يأتي الله إلى النار، فإنَّ القرآن أثبت المجيء يوم القيامة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢).
إنَّ تحكيم العقل في مسألة الألوهية وصفاتها من سخافة العقل نفسه، ولا تؤدي عند هؤلاء المغتربين بعقولهم إلاَّ إلى الإلحاد والزندقة، وذلك لأَنَّ العقل الإنساني مهما بلغ من الذروة والكمال يبقى قاصرًا عن فهم كثير من الحقائق وخاصة المتعلقة منها بالألوهية وصفاتها والأمور التعبدية.
قال الشافعي: «كما أنَّ الحواس لها حد تنتهي إليه كذلك العقل له حد ينتهي إليه ويقصر دونه» (٣). وإذا كان العقل لا يزال عاجزًا عن معرفة سِرِّ الحياة في الإنسان نفسه، فكيف يستطيع أَنْ يحيط بحقيقة خالق هذا الكون وصفاته؟
стр. 149
ولله دَرُّ الشاعر القائل:
يَعْتَرِضُ العَقْلُ عَلَى خَاِلٍق * ... * ... * مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ العَقْلُ (*).
وإنما يستشكل هذا الحديث من لم يتذوق لغة العرب وأساليبهم في البيان والحديث سيق مساق التمثيل بجعل الجنة والنار بمنزلة شخصين عاقلين يتحاوران ويتجادلان ثم يفصل بينهما الحكم العدل بما فيه فصل الخطاب، وفي لغة العرب كثير من ذلك.
قال الشاعر:
شَكَا إِلَيَّ [جَمَلِي] (**) طُولَ السُّرَى * ... * ... * صَبْرًا جَمِيلاً فَكِلاَنَا مُبْتَلَى
ولا شكوى ولا كلام، وإنما [مجاز] وتمثيل (١).
ثم لنفض أَنَّ تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل تريدون أَنْ تُحَكِّمُوهُ؟
أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إِلاَّ وهو ينقض قول من سبقه.
أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإنَّ عنايتهم [- عفا الله عنهم -] بالنوادر والحكايات.
أعقل علماء الطب، أو الهندسة، أو الرياضيات؟ ما لهم ولهذا؟
أعقل المُحَدِّثِين؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تتهمونهم بالغباوة والبساطة.
[أعقل الفقهاء؟؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم - في رأيكم - كعقلية المُحَدِّثِين].
أعقل الملحدين؟ إنهم يريدون أَنَّ إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة ...
أعقل أهل السُنَّة والجماعة؟ هذا لا يُرْضِي الشِيعَةَ، ولا المعتزلة.
[أم عقل الشِيعَة؟ هذا لا يرضي أهلَ السُنَّةَ، ولا الخوارج].
أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين!.
[سيقول أَبُو رِيَّةَ]: «إنني أرتضي عقل المعتزلة، لأنهم أصحاب العقول الصريحة» (٢).
إنه ليست القضية قضية عقل. إنه الإلحاد والزيغ والضلال، فلا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.
стр. 150
الحديث الخامس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ (كُلَّهُ)، ثُمَّ لِيَنْزِعَهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً» (١).
النقد:
عَلَّقَ أَبُو رِيَّةَ على الحديث في الحاشية بما سماه (معركة الذباب) بين مجلة " لواء الإسلام " و " مجلة الدكتور " وانتصر يها لـ " مجلة الدكتور "، وأنحى باللائمة والتثريب على المُصَحِّحِينَ لهذا الحديث ونبزهم بالألقاب.
الرد:
الحديث قد صَحَّ سندًا وَمَتْنًا عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة وأبي سعيد وأنس ثبوتًا لا مجال فيه للشك كما ثبت صدق أبي هريرة في روايته عن رسول
стр. 151
الله ﷺ رغم أنف الطاعنين، بل إنَّ الطاعنين فيه هو الطاعن في هذا الحديث فقد رموا صحابيًا بالبهت وَرَدُّوا حديث رسول الله ﷺ لمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة، والحال أنه رواه جماعة من الصحابة وليت شعري هل علم هؤلاء بعدم تفرد أبي هريرة بالحديث، وهو حُجَّةٌ لو انفرد. فكيف وقد تابعه صحابيان جليلان؟.
ثم قالوا - منكرين -: كيف يكون الذباب الذي هو مياءة الجراثيم فيه دواء؟
وكيف يجمع الداء والدواء في شيء واحد؟ وهل الذباب يعقل فيقدم أحد الجناحين على الآخر؟
سبحان الله! هل العقل يمنع أَنْ يجمع الله الداء والدواء في شيء واحد بل هو معروف مشاهد، فالنحلة تلقي السم من أسفلها وتخرج عسلاً فيه شفاء للناس من فيها، والحية القاتل سمها يدخل لحمها في الترياق الذي يعالج به السم، والله الذي هدى النملة إلى أًنْ تبني بيتها على أحسن نظام هندسي، وهَدَى النملة إلى أَنْ تَدَّخِرَ قُوتَهَا لأوان حاجتها لقادر على أنْ يلهم الذبابة أنْ تقدم جناحًا وتوخر آخر ...
ثم إنَّ كثيرًا من الناس يتوهم أنَّ هذا الحديث يخالف ما يقرره الطب وهو أنَّ الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أنَّ هذا الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك بلى يؤيدهم إذ يخبران في أحد جناحيه داء ولكنه يزيد عليهم فيقول: «وَفِي الآخَرِ شِفَاءٌ».
فهذا مما لم يحيطوا بعلمه فوجب عليهم الإيمان به إِنْ كانوا مسلمين وإلاَّ فالتوقف إنْ كانوا من غيرهم، إِنْ كانوا عقلاء علماء؟ وذلك لأن العلم الصحيح يشهد أَنَّ عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
стр. 152
هذا على افتراض أَنَّ الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة حيث اختلفت آراء العلماء فيه، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأنَّ النبي ﷺ (لاَ يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) لا يهمنا كثيرًا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأنَّ الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي.
الطب الحديث يؤيد هذا الحديث:
-------------------------------
ومع ذلك فإنَّ النفس تزيد إيمانًا وفرحًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، فلهذا ألا يخلو من فائدة لو نقلت خلاصة المحاضرة التي ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية في مصر حول هذا الحديث، قال: «يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضا آخر، فتتكون في جسمه مادة سامة يسميها علماء الطب " مبعد البكتيريا " وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية، أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتيريا هذا، وأن هناك خاصية في أحد الجناحين هي أنه يحول مبعد البكتيريا إلى ناحيته وعلى هذا إذا سقط الذباب في طعام أو شراب وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه فإن أقرب مبعد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتيريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله، وطرفه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة وكاف في إبطال عملها».
ونقل الشيخ سعيد حوى تحقيقًا لطبيبين مصريين - محمود كمال ومحمد عبد المنعم - في إثبات ما في الحديث وفحوى التحقيق:
«إنَّ بعض العلماء - وقد أورد أسماءهم وتواريخهم - قد استطاعوا عزل
стр. 153
مواد مضادة للحيوية من مزرعة للفطريات الموجودة على نفس جسم الذبابة فوجدوها ذات مفعول قوي على الجراثيم السالبة لصيغة غرام كالزحار والتيفونيم وذات مفعول قوي على الجارثيم المسببة للحميات». وهكذا يضع العلماء بأبحاثهم تفسيرًا للحديث النبوي المؤكد لضرورة غمس الذبابة كلها في السائل والغذاء ليخرج من بطنها الدواء الذي يكافح ما تحمله من داء.
ويستنتج من ذلك أَنَّ العلم الحديث قد حقق بعد قرون طويلة ما أخبر به النبي ﷺ .
стр. 154
الحديث السادس:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَنَّ مُوسَى لَطَمَ عَيْنَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَعْوَرَهُ» (١).
النقد:
قال بعض أهل الإلحاد: «فَإِنْ كَانَ يَجُوزُ عَلَى مَلَكِ الْمَوْتِ الْعَوَرُ، جَازَ عَلَيْهِ الْعَمَى.
وَلَعَلَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ﵇ قَدْ لَطَمَ الأُخْرَى فَأَعْمَاهُ؛ لأَنَّ عِيسَى ﵇، كَانَ أَشَدَّ لِلْمَوْتِ كَرَاهِيَةً مِنْ مُوسَى ﵇، وَكَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ صَارِفًا هَذِهِ الْكَأْسَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَاصْرِفْهَا عَنِّي "» (٢).
أما أبو رية فقد قال عن الحديث: «إنَّ رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث».
стр. 155
الرد:
هذا الحديث صحيح سندًا ومَتْنًا كما رأيت، اتفق عليه الشيخان.
إنَّ الله تعالى قد جعل الملائكة من الاستطاعة، أَنْ تتمثل في صور مختلفة وقد أتى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ (١).
فإن قال قائل: كيف ساغ لنبي أَنْ يلطم عين ملك الموت؟
قال القسطلاني: «أرسل الله ملك الموت إلى موسى ﵉ في صورة آدمي اختبارًا وابتلاءً، فلما جاءه ملك الموت بهذه الصورة ظنه آدميًا حقيقة تسور عليه منزله بغير إذنه ليوقع به مكروهًا، فلما تسور عليه صكه - لطمه - على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة المَلَكِيَّةِ» (٢).
فإن قال قائل: كيف ساغ لنبي أنْ يلطم عين ملك الموت وإنْ كان على صورة أخرى؟
قيل لقد قال بعض أصحابنا فيه: إنما ينتقل فيه هذه الأمثلة تخيلات وأنَّ اللطمة أذهبت العين التي هي تخيل وليست بحقيقة.
ومنهم من قال: إنَّ معنى قوله: لطم موسى ﵇ عين ملك الموت (هو) توسع في الكلام وهو نحو ما يحكى عن عَلِيٍّ ﵁ أنه قال:
[وقال: الإمام أبو بكر بن فورك (٣)]: «وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إَِِّن مَعْنَى قَوْلِهِ لَطَمَ مُوسَى ﵇ عَيْنَ مَلَكَ المَوْتِ تَوَسَّعَ فِي الكَلاَم وَهُوَ نَحْوَ مَا يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنه قَالَ: " أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَة " يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلْزَامَ مُوسَى مَلَكَ المَوْتِ الحُجَّةَ حِينَ رَادَهُ فِي قَبْضِ رُوحِهِ حسب مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر».
وخلاصة ما أجيب على اعترضات هذا الحديث
стр. 156
١ - أنه لا يمتنع أنْ يكون موسى ﵇ قد أذن الله له في تلك اللطمة ويكون ذلك امتحانًا للملطوم.
٢ - أنَّ ذلك على المجاز، وأنَّ المراد أنَّ موسى ﵇ ناظره فغلبه بالحُجَّة، وهذا بعيد عن ظاهر الحديث.
٣ - أنَّ موسى ﵇ لم يعلم أنه ملك الموت وظن أنه رجل قصده يريد نفسه مدافعة عنها، فأدت المدافعة إلى فَقْءِ عينه، لا أنه قصدها بِالفَقْءِ (١).
وقد رَجَّحَ ابن قتيبة القول بالمجاز، مهما كان الأمر فلا سبيل هناك إلى الطعن في الحديث (٢).
стр. 157
الحديث السابع:
٧ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (١).
النقد:
هذا الحديث من الأحاديث التي تعرضت لنقد الدكتور أبي شادي في كتابه " ثورة الإسلام ": ص ٤٥، يقول: «وما هي إلاَّ أمثلة قليلة من كثير من صحف ينسب إلى صاحب أعظم شريعة عقلية شريعة عقلية قضت على الخرافات والأباطيل في عصرها ووضعت الأسس لتقدم البشرية المتواصل».
الرد:
هذا الكلام الذي يسرده المؤلف جزافًا يدل على جهله المركب بأصول الإسلام وتشريعه وأحكامه، والغريب أنه يعترف بأنَّ محمدًا ﷺ صاحب أعظم شريعة عقلية قضت على الخرافات والأباطيل، وما وجه
стр. 158
الإنكار؟ إنَّ الخطب أعظم من هذا أنَّ المؤلف لا يؤمن بحياة أخرى للميت بعد موته في قبره، لهذا لم يستسغه عقله وأنه كيف يعذب الميت بفعل غيره وقد انقطع عمله؟
إنَّ المؤلف كثيرًا ما يتغنى بالعقل، وأنَّ الإسلام هو دين العقل وأنَّ محمدًا ﷺ هو صاحب أعظم شريعة عقلية، يقول في ص ١٦٩: «إنَّ الإسلام الكريم يحترم العقل كما يحترم البحث ... » فإذا كان الإسلام دين العقل فهل العقل يرفض وجود الحياة الأخرى؟
إنَّ وجه الإنكار عنده أنه كيف يعذب الميت بعمل غيره وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (١).
والعمومات الأخرى؟
وللجواب على هذا قال الحافظ: «وَالْجَوَاب أَنَّهُ لاَ مَانِع فِي سُلُوك طَرِيق الْجَمْع مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْعُمُومَاتِ وَتَقْيِيد بَعْض الْمُطْلَقَات، فَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ دَالاَّ عَلَى تَعْذِيب كُلّ مَيِّت بِكُلِّ بُكَاء لَكِنْ دَلَّتْ أَدِلَّة أُخْرَى عَلَى تَخْصِيص ذَلِكَ بِبَعْضِ الْبُكَاء كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهه وَتَقْيِيد ذَلِكَ بِمَنْ كَانَتْ تِلْكَ سُنَّتُهُ أَوْ أَهْمَلَ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ الَّذِي يُعَذَّب بِبَعْضِ بُكَاء أَهْله مَنْ كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ بِأَنْ تَكُون تِلْكَ طَرِيقَته» (٢).
وقال [المباركفوري] (*): وذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَأْوِيلِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لِمُخَالَفَتِهَا لِلْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَإِثْبَاتِهَا لِتَعْذِيبِ مَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّأْوِيلِ فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ إِلَى تَأْوِيلِهَا [بِمَنْ] أَوْصَى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ لأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ قَالُوا: وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ.
إِذَا مُتُّ فَابْكِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ * ... * ... * وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا أُمَّ مَعْبَدِ
стр. 159
قال ابن المبارك: «أَرْجُو إِنْ كَانَ يَنْهَاهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ أَنْ لاَ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ» (١).
هذا هو مذهب الجمهور وأنه لا بُدَّ من تأويل للجمع بين الحديث والعمومات الأخرى، وهذا مذهب صحيح أخذ به الجماهير وبه يمكن الأخذ بجميع الأدلة، ولكن إذا كابر أحد هذا المذهب قائلا إنه لا يقبل التأويل فإننا نقول له: «إن الميت يؤذيه من عمل أهله أشياء محظورة اقترفوها، كما يسوؤه ويحزنه أنْ ينوح عليه أحد من أهله، والإساءة والحزن عذاب» وهذا غير محتاج إلى تأويل. اهـ. والله أعلم.
стр. 160
الحديث الثامن:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ» (١).
النقد:
يقول صاحب " ضُحَى الإسلام " (٢) «ولكنهم لم يتوسَّعُوا كثيراً في النقد الداخلي، فلم يعرضوا لمتن الحديث هل ينطبق على الواقع أو لا؟ مثال ذلك ما رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السُّمِّ».
стр. 161
فهل اتَّجهوا في نقد الحديث إلى امتحان الكمأة؟ وهل فيها مادة تشفي العين أو العجوة وهل فيها ترياق؟ نعم إنهم رَوَوْا أنَّ أبا هريرة قال: «أَخَذْتُ ثَلاَثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، [فَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ] فِي قَارُورَةٍ وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ، فَبَرَأَتْ».
ولكن هذا لا يكفي لصحة الحديث فتجربة جزئية نفع فيها شيء مرة لا تكفي منطقيًا لإثبات الشيء في ثبت الأدوية إنما الطريقة التي تجرب بها مرارًا وخير من ذلك أنْ تُحَلَّلَ لتعرف عناصرها، فإذا لم يكن التحليل في ذلك العصر ممكنًا فلتكن التجربة مع الاستقراء، فكان مثل هذا طريقًا لمعرفة صحة الحديث أو وضعه.
الرد:
إنَّ الحديث صحيح ثابت في " الصحيحين " وغيرهما وسنده من ناحية النقد متين ليس في رُواته متهم. ثم إنَّ أبا هريرة جَرَّبَ هذا الحديث فوجده صحيحًا وجَرَّبَهُ غيره كثيرون فوجدوه صحيحًا.
شهادة تاريخية في تأييد الحديث:
--------------------------------
قال النووي: «وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا وَغَيْرِي فِي زَمَنِنَا مَنْ كَانَ عَمِيَ وَذَهَبَ بَصَرُهُ حَقِيقَةً فَكَحَّلَ عَيْنَهُ بِمَاءِ الْكَمْأَةِ مُجَرَّدًا فَشُفِيَ وَعَادَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَهُوَ الشَّيْخُ الْعَدْلُ الأَيْمَنُ الْكَمَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ صَاحِبُ صَلاَحٍ، وَرِوَايَةٍ لِلْحَدِيثِ وَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ لِمَاءِ الْكَمْأَةِ اعْتِقَادًا فِي الحَدِيثِ وَتَبَرُّكًا بِهِ» (١).
وذكر ابن القيم في " الهدي النبوي " (٢) اعترف مشاهير الأطباء
стр. 162
وقال ابن البيطار المالقي في [" مفرداته "]: «ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن بماء الإثمد واكتحل به فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصرة حِدَّةً وَقُوَّةً» (١).
«فها أنت ترى أن العلماء لم يقصروا في التجربة [وأَنَّ الأطباء لم يقصروا في البحث]، ومع ذلك فلم يرض مؤلف " [فجر] الإسلام " إلا أن ياتي كل مسلم إلى كمية من الكماة، ثم يعصرها ويقطر عينيه بمائها، [فإن أصابهم العمى جميعاً كان الحديث مكذوبا وإلا كان صحيحاً] .. ونحن نسأله؟ إن أبا هريرة والنووي والأطباء قديماً جَرَّبُوا الكمأة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ هو جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ (٢). إنه ليس شيء من ذلك إلاَّ المكابرة والزيغ والانحراف؟ ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
стр. 163
الحديث التاسع:
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قََالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ انتََقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» فَقِيلَ لابْنِ عُمَرَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَزِيدُ فِي الرِّوَايَةِ «أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ» فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «إِنَّ لأَبِي هُرَيْرَةَ زَرْعًا» (١).
النقد:
قال صاحب " ضُحَى الإسلام " بعد ذلك: «وهذا نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي، يريد أن ابن عمر يتهم أبا هريرة بزيادة (أَوْ كَلْبَ زَرْعٍ) في لفظ الحديث لأنه كان صاحب زرع فزادها تبريراً لاتخاذه الكلب لزرعه» (٢).
الرد: إنْ كان المؤلف يريد الطعن في أبي هريرة، فإنَّ أبا هريرة لم ينفرد بهذه الزيادة، بل إنَّ بعض الصحابة قد وافق أبا هريرة على روايته تلك الزيادة وأَنَّ غيره سمعها من النبي ﷺ كما ذكرنا في شواهد الحديث.
стр. 164
أما الطعنة التي استنتجها المؤلف من قول ابن عمر والذي عَبَّرَ عنها بقوله: «وهذا نقد من ابن عمر لطيف ... » فقد تعرض الشُرَّاحُ لها وَبََيَّنُوا مُرَادَ ابن عمر من مقالته.
قال الحافظ: «وَيُقَال إِنَّ اِبْن عُمَر أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِشَارَة إِلَى تَثْبِيت رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة وَأَنَّ سَبَب حِفْظه لِهَذِهِ الزِّيَادَة دُونه أَنَّهُ كَانَ صَاحِب زَرْع دُونه، وَمَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ اِحْتَاجَ إِلَى تَعَرُّف أَحْكَامه» (١).
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: «فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ إبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّرْعِ لأَنَّهَا زِيَادَةُ حَافِظٍ»، زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في أصول الحديث إذا كان هذا في غير الصحابة فما ظنك بالصحابة وهم عُدُولٌ عُدُولٌ عُدُولٌ.
قال النووي عند قول ابن عمر: «[قَالَ الْعُلَمَاءُ]: لَيْسَ هَذَا تَوْهِينًا لِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلاَ شَكًّا فِيهَا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ صَاحِبَ زَرْعٍ وَحَرْثٍ اعْتَنَى بِذَلِكَ وَحَفِظَهُ وَأَتْقَنَه ... وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ [وهى اتخاذه للزرع] من رواية بن الْمُغَفَّلِ وَمِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ... ومن رواية بن الْحَكَمِ [وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ البجلى] عن ابن عمر ... وَلَوِ انْفَرَدَ بِهَا لَكَانَتْ مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً مُكَرَّمَةً» (٢) كيف وقد وافقه غيره.
ومن هنا تعرف الحقيقة الصحيحة، وأَنَّ ابن عمر لم يُكَذِّبْ أبا هريرة، وكيف يُكَذِّبُهُ وقد سبق أنه اعترف أَنَّ أبا هريرة كان أحفظهم لحديث رسول اللهُُ ﷺ .
стр. 165
ومن هنا تعرف عدم أمانة مؤلف " فجر الإسلام " التي أبت عليه أَنْ يُبَيِّنَ الباعث الحقيقي لهذه الزيادة والعجيب أنه يرشدنا إلى النووي، وهل في كلام النووي - المَارِّ آنِفًا - رائحة التكذيب من ابن عمر لأبي هريرة؟ إنه ليس في شيء من ذلك إلاَّ الخيانة العلمية واتباع أهواء المستشرقين الحاقدين على الإسلام وأهله، نسأل الله السلامة.
стр. 166
الحديث العاشر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ (*) مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).
فَقَالَ الْحَسَن: «وَمَا ذَنْبهمَا؟» قَالَ: «أُحَدِّثك عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ وَتَقُول وَمَا ذَنْبهمَا»، فَسَكَتَ.
قَالُوا: قَدْ صَدَقَ الْحَسَنُ «مَا ذَنْبُهُمَا» (٢).
النقد:
قال أبو رية: «[وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى] أَنَّ هَذَا الحَبْرَ الدَّاهِيَةَ قَدْ طَوَىَ أَبَا هُرَيْرَةَ تَحْتَ جَنَاحِهِ حَتَّىَ جَعَلَهُ يُرَدِّدُ كَلاَمَ هَذَا الكَاهِنِ بِالنَّصِّ وَيَجْعَلَهُ حَدِيثًا مَرْفُوعًا مَا نُوْرِدُ لَكَ شَيْئا مِنْهُ ... » ثم ذكر هذا الحديث.
الرد:
إِنَّ أبا رِيَّةَ كعادته يحاول إيقاع الطعن على أبي هريرة ﵁، لكن لو سألناه ما وجه الإنكار في هذا الحديث؟.
إِنْ كان هو المتن الذي رواه البخاري (*) فمعناه في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٤).
стр. 167
وزيادة غير " البخاري " «فِي النَّارِ» يشهد لها قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١).
وفي " صحيح البخاري " (٢) ثُمَّ [قَالَ]: «يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ».
وفيه: «يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ» (٣).
وهذا يوافق قوله تعالى في فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (٤).
فإنْ قيل وما ذنبهما حتى يُعَذَّبَانِ؟ فإنه مثل رجل سمع بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٥).
فقال: ما ذنب الحجارة؟ (٦).
قلت: أجاب عن ذلك الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ: «لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي النَّارِ تَعْذِيبُهُمَا بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ تَبْكِيتٌ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُهُمَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْلَمُوا أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهُمَا كَانَتْ [بَاطِلاً]».
ولا شك في أَنَّ جمع العابد والمعبود في النار غاية التوبيخ والسخرية والإيلام (٧).
قَالَ الإِسْمَاعِيلِي: «لاَ يَلْزَم مِنْ جَعْلهمَا فِي النَّار تَعْذِيبهمَا، فَإِنَّ لِلَّهِ فِي النَّار مَلاَئِكَة وَحِجَارَة وَغَيْرهَا لِتَكُونَ لأَهْلِ النَّار عَذَابًا وَآلَة مِنْ آلاَت الْعَذَاب وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ تَكُون هِيَ مُعَذَّبَة» (٨).
стр. 168
فَإِنْ قيل: «وكيف يؤتى بالشمس والقمر ويكوران ويلقيان في النار والنار تضيق بالقمر فضلا عن الشمس، وهذا أمر يعلمه أهل الفلك وغيرهم؟
قلنا: إِنَّ ذلك سيكون يوم القيامة، وأحوال يوم القيامة لا تقاس على أحوال الدنيا، فستبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وسيتغير نظام العالم الذي هو عليه اليوم، وشواهد ذلك من القرآن [أكثر من أن تحصى] (١)».
هذا لا يشكك فيه موحد، وأما المحلدون فللحديث معهم طريق آخر وأسلوب مغاير.
وبهذا ترى أنَّ الحديث صحيح ومزاعم أبي رية ذهبت هباءً منثورًا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢).
стр. 169
الحديث الحادي عشر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. فَقَالَ السَّلاَمُ: عَلَيْكُمْ فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ» (١).
النقد:
قال أَبُو رِيَّةَ: (٢) «هذا الكلام قد جاء في " الإصحاح الأول " من " التوراة " - العهد القديم - ونصه هناك (وخلق الله الإنسان على صورته، لا صورة الله خلقه)».
يريد أَنَّ أبا هريرة أخذه من كعب ثم رفعه إلى النبي ﷺ .
الرد:
الحديث صحيح سَنَدًا وَمَتْنًا اتفق على صحته الإمامان الجليلان البخاري ومسلم، ولا ضير على أبي هريرة أَنْ يكون ما رواه من الحديث موافقًا لما
стр. 170
في " التوراة " فالكل من عند الله ووحيه، و " القرآن " والسُنَّة الصحيحة هما المهيمنان والشاهدان على الكتب السابقة ولم يدخله تحريف ولا تبديل. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (١).
وقد تأول المتأولون الحديث على وجوه كثيرة أظهرها:
١ - إنَّ هذا الخبر خرج على سبب وذلك أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ برجل يضرب عبده في وجهه لَطْمًا ويقول: «قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ»، فَقَالَ ﷺ : «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ ... ».
وإنما قال ﷺ ذلك لأنه سمعه يقول: «قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ». وذلك سَبٌّ للأنبياء والمرسلين والمؤمنين إذ خلق وجه الإنسان على صورة آدم، وآدم نبي من الأنبياء، وهذا معنى سَبِّ الأنبياء والمرسلين.
٢ - إِنَّ الكناية في قوله: «صُورَتِهِ» ترجع إلى آدم، وذلك ينقسم إلى وجوه:
... [١]- أن يكون معناه وفائدته تعريفنا نعمة الله على أبينا آدم ﵇ أَنَّ فضله بِأَنْ خلقه بيده وأسكنه جنته .. ثم عصاه وخالفه فلم يعاقبه على ذلك بسائر ما عاقب به المخالفين له في نحوه. فَعَرَّفَنَا ﷺ بذلك أَنَّ أباكم آدم ﵇ كان في الجنة على الصورة التي كان عليها في الدنيا لم يغير الله خلقته وتكون فائدة ذلك تعريفنا الفرق بينه وبين سائر من أخرجه من الجنة معه وإبانته منهم في الرتبة والدرجة.
... [٢]- إذا قلنا إنَّ الهاء يرجع إلى آدم فسبيله أَنَّ النبي ﵇ أفادنا
стр. 171
إبطال قول أهل الذمة أنه لم يكن إنسان إلاَّ من نطفة ولا نطفة إلاَّ من إنسان، وفائدته: أنه خلقه من صلصال كالفخار ثم خلق فيه الروح ولم يكن قط في صُلْبٍ وَلاَ رَحِمٍ ولا كان علقة ولا مضغة بل خلق ابتداءً بشرًا سَوِيًّا (١).
... [٣]- إنَّ الهاء إلى آدم ﵇ والفائدة أَنَّ الله خلق آدم على الصورة التي كان عليها من غير أنْ كان ذلك حادثًا أو شيئًا منه عن توليد عضو أو تأثير طبع أو فلك أو ليل أو نهار، أبطالاً لقول الطبائعيين.
... [٤]- إنَّ الهاء راجعة إلى الله (من طريق الإضافة إلى الله على وجه التخصيص والتشريف) مثل ناقة الله وبيت الله.
وقد رَدَّ ابن فورك على ابن قتيبة على قوله في هذا الحديث: «إِنَّ اللهَ صُورَةٌ لاَ كَالصُّوَرِ كَمَا أَنَّهُ شَيْءٌ لاَ كَالأَشْيَاءِ». وقال: «هَذّا فَاسِدٌ، لاَ يَلِيقُ بِاللهِ لاقْتِضَائِهِ أَنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مُرَكَّبًا ذُو حَدٍّ وَنِهَايَةٍ وَبَعْضٍ وَغَايَةٍ» (٢).
وَقَالَ ابن الجوزي: «هَذّا تَخْلِيطٌ وَتَهَافُتٌ لأَنَّ مَعْنَى كَلاَمِهِ أَنَّ صُورَةَ آدَمَ كَصُورَةِ الحَقِّ تَعَالَى» (٣).
وقال أيضًا: «إِعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَقَائِقَ وَآفَاتٍ لاَ يَعْرِفُهَا إِلاَّ العُلَمَاءُ وَالفُقَهَاءُ»
وخلاصة ما قال: للناس في هذا مذهبان:
١ - السكوت عن تفسيره.
٢ - الكلام في معناه.
واختلف أرباب الكلام على ثلاثة أقوال في الهاء:
[١]- أنها تعود إلى بعض بني آدم كما مَرَّ في السبب.
стр. 172
[٢]- أنها كناية عن اسمين ظاهرين فلا يصلح أَنْ تصرف إلى الله لقيام الدليل أنه تعالى ليس بذي صورة فعادت إلى بني آدم.
ومعنى الحديث: أَنَّ الله خلق آدم التي خلقه عليها تامًا لم ينقله من نطفة إلى علقة كبنية.
[٣]- أنها تعود إلى الله تعالى وفي ذلك قولان.
١ - أَنْ تكون صورة ملك لأنها فعله وخلقه فتكون إضافتها إليه من وجهين:
(أ) التشريف بالإضافة كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ (١).
(ب) ابتدعها لأعلى مثال سبق.
٢ - أنْ تكون الصورة بمعنى الصفة. تقول هذه الصورة هذا الأمر: أي صفته، ويكون خلق آدم على صفته من الحياة والعلم والقدرة، ميزة بذلك على جميع الحيوانات (٢).
стр. 173
الحديث الثاني عشر:
١٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١).
النقد:
قال أبو رية (٢): «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا ... ».
وذكر ما قاله الحافظ من ورود الحديث في بعض رواياته بدون «مُتَعَمِّدًا» وفي بعضها بذكرها ثم قال: «ولكن من حقق النظر وأبعد النجعة في مطارح البحث يجد أَنَّ الروايات الصحيحة التي جاءت عن كبار الصحابة، ومنهم من الخلفاء الراشدين لم تكن فيها كلمة " مُتَعَمِّدًا " وكل ذمي يستبعد أَنْ يكون
стр. 174
النبي قد نطق بها ... ولعل هذه الكلمة قد تسللت إلى هذا الحديث من طريق الإدراج المعروف عند العرب ليسوغ بها الذين يضعون الحديث على رسول الله حِسبة. من غير عمد، أو يتكئ عليها الرواة فيما يَرْوُونَهُ عن غيرهم على سبيل الخطأ أو الوهم أو بسوء الفهم لكي لا يكون عليهم حرج في ذلك لأنَّ المخطئ غير مأثوم ... ».
الرد:
قلتُ: روى هذا الحديث من طرق كثيرة عن جماعة غفيرة من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما وقد أوصلها بعض المحدثين إلى المائة ما بين صحيح وحسن وضعيف، والحق أَنَّ الحديث رُوِيَ بهذا اللفظ «مُتَعَمِّدًا» من طرق تصل به إلى درجة المتواتر كما حَقَّق الحافظ ذلك في " الفتح " (١). ثم إنه لم يَصِحَّ عن أحد من الخلفاء إلاَّ عن عَلِيٍّ في " الصحيحين " وعثمان في " الصحيحين " لا عن ثلاثة من الخلفاء كما زعم.
وقد جاء كلمة «مُتَعَمِّدًا» في أغلب رويات " الصحيحين " وغيرهما من الكتب المعتمدة وطرق ذكرتها أكثر من طرق تركتها وأقوى، كما ذكرنا في التخريج.
والقاعدة عند نُقَّادِ الحديث (إذا تعارضت الروايات رُجِّحَ الأكثر والأقوى) وهنا ترجح روايات ذكر اللفظ ويحمل المطلق على المقيد.
ومن دواعي ترجيح الزيادة أنها جاءت عن الزبير بن العوام في " مستخرج الإسماعيلي " وفي " سنن ابن ماجه "، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
أما زعمه «أَنَّ هذه الكلمة وضعت ليسوغ بها ... » فغير مقبول.
стр. 175
كيف يجتمع الوضع حسبة مع عدم التعمد؟ إنَّ معنى الحسبة أَنْ يقصد الواضع وجه الله وثوابه، وهل يرجى وجه الله وثوابه بالكذب على رسول الله ﷺ إلاَّ على مذهب الجهلة الصوفية والكرَّامية القائلين: إنا نكذب لرسول الله لا على رسول الله! وهو باطل.
أما قوله: «أدرجت ليتكئ عليها الرُواة ... إلخ»، فمردود لأنَّ رفع إثم الخطأ والنسيان ليس بهذه الكلمة وإنما بأدلة أخرى.
إنَّ السر في ذكرها أنَّ الحديث لما ترتب وعيدًا شديدًا على الكذب، والمخطئ والناس والساهي لا إثم عليهم كان من الدقة والحيطة في التعبير التقييد بالعمد وذلك لرفع توهم الإثم على المخطئ والناسي.
وأما نقله عن الحافظ أنه لا يرى تواتر هذا الحديث حيث قال (١): «وَلأَجْلِ كَثْرَة طُرُقه أَطْلَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَة أَنَّهُ مُتَوَاتِر، وَنَازَعَ بَعْض مَشَايِخنَا فِي ذَلِكَ قَالَ: لأَنَّ شَرْط التَّوَاتُر اِسْتِوَاء طَرَفَيْهِ وَمَا بَيْنهمَا فِي الْكَثْرَة، وَلَيْسَتْ مَوْجُودَة فِي كُلّ طَرِيق مِنْهَا» اقتصر على هذا القدر متبعًا طريقة ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ﴾ وترك ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) وقد ترك ما ذكره الحافظ بعد هذا ما نصه: «وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَاد بِإِطْلَاقِ كَوْنه مُتَوَاتِرًا رِوَايَة الْمَجْمُوع عَنْ الْمَجْمُوع مِنْ اِبْتِدَائِهِ إِلَى اِنْتِهَائِهِ فِي كُلّ عَصْر، وَهَذَا كَافٍ فِي إِفَادَة الْعِلْم. وَأَيْضًا فَطَرِيق أَنَس وَحْدهَا قَدْ رَوَاهَا عَنْهُ الْعَدَد الْكَثِير وَتَوَاتَرَتْ عَنْهُمْ ... فَلَوْ قِيلَ فِي كُلّ مِنْهَا إِنَّهُ مُتَوَاتِر عَنْ صَحَابِيّه لَكَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّ الْعَدَد الْمُعَيَّن لَا يُشْتَرَط فِي الْمُتَوَاتِر، بَلْ مَا أَفَادَ الْعِلْم كَفَى ...
وأما ما ذكره في الحاشية (٣): أَنَّ أدعياء السُنَّة وعبيد الأسانيد في عصرنا
стр. 176
لا يزالون يكابرون في إثبات الزيادة فهو من قلة حيائه وسخفه وجرأته المذمومة وجهله المركب، فهل هو أعلم بالحديث من البخاري ومسلم والدارقطني وأحمد بن حنبل وابن حجر والعيني؟ وصدق النبي الحكيم ﷺ : «إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت».
كانت هذه طائفة من الأحاديث التي تعرضت لنقد المستشرقين وتلامذتهم وقد فَنَّدْنَا شُبُهَاتِهِمْ حولها وهذا غيض من فيض ولا يمكن الاستقصاء لجميع مزاعمهم في هذا المختصر.
وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 177
الفهرس:
الموضوع --------------------------------------------------------------------- صفحة
مقدمة ...................................................................................... ٣
الباب الأول: السُنَّةُ وما إليها ............................................................ ٩
-------- الفصل الأول: تعريف السُنَّة ................................................... ١٠
-------- الفصل الثاني: مكانة السُنَّة التشريعية ....................................... ١٣
-------- الفصل الثالث: حُجِيَّة السُنَّة ................................................... ١٦
-------- الفصل الرابع: جُهُودُ العلماء لحفظ السُنَّة .................................... ٢١
الباب الثاني: السُنَّةُ ومنكروها قديمًا .................................................... ٢٥
-------- الفصل الأول: السُنَّة والخوارج ................................................ ٢٧
-------- الفصل الثاني: السُنَّة والشيعة ................................................. ٢٨
-------- الفصل الثالث: السُنَّة والمعتزلة ............................................... ٣٢
الباب الثاني: السُنَّةُ ومنكروها حَدِيثًا .................................................... ٣٥
تمهيد ....................................................................................... ٣٦
-------- الفصل الأول: السُنَّة والمستشرقون ........................................... ٣٨
************ نظرة تاريخية لدراسة المستشرقين لِلْسُنَّةِ ............................... ٣٨
************ عرض تاريخي لأغراض المستشرقين ................................... ٤١
************ شُبهِ المستشرقين حول السُنَّةِ ............................................ ٤٤
-------- الفصل الثاني: السُنَّة والدكتور " توفيق صدقي " ........................... ٥٤
-------- الفصل الثالث: السُنَّة والأستاذ " أحمد أمين " ................................ ٥٨
-------- الفصل الرابع: السُنَّة و" محمود أبو رِيَّةَ " ................................... ٦٤
-------- الفصل الخامس: السُنَّة والدكتور " أحمد زكي أبي شادي " ................. ٧٢
-------- الفصل السادس: مُنْكِرُو السُنَّة في القارة الهندية ............................. ٧٦
************ نشأة أهل القرآن في القارة الهندية ....................................... ٧٧
************ أشهر زعماء أهل القرآن .................................................. ٨١
************ جراغ علي وموقفه من السُنَّةِ ............................................. ٨٩
стр. 178
الموضوع ------------------------------------------------------------------------ صفحة
الباب الرابع:
-------- الفصل الأول: شُبُهات منكري السُنَّة ............................................ ٩٢
-------- الفصل الثاني: شُبُهَاتُ فرقة أهل القرآن ....................................... ١٠١
الباب الخامس: اعتراضات منكري السُنَّةُ ............................................... ١١٧
الباب السادس: أمثلة من الأحاديث تعرضت لنقد منكري السُنَّةُ ........................ ١٣٥
- الحديث الأول: ........................................................................... ١٣٥
- الحديث الثاني: .......................................................................... ١٤١
- الحديث الثالث: .......................................................................... ١٤٦
- الحديث الرابع: .......................................................................... ١٤٩
- الحديث الخامس: ....................................................................... ١٥٢
- الحديث السادس: ....................................................................... ١٥٦
- الحديث السابع: ......................................................................... ١٥٩
- الحديث الثامن: ......................................................................... ١٦٢
- الحديث التاسع: ......................................................................... ١٦٥
- الحديث العاشر: ......................................................................... ١٦٨
- الحديث الحادي عشر: .................................................................. ١٧١
- الحديث الثاني عشر: ................................................................... ١٧٥
стр. 179
ثبت المصادر والمراجع:
١ - الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة للإمام اللكنوي وعليها " التعليقات الحافلة " للشيخ عبد الفتاح أبو غدة. طبع حلب.
٢ - الأحكام لابن حزم.
٣ - إرشاد الفحول للشوكاني
٤ - الإصابة في تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر.
٥ - أضواء على السُنّة المحمدية لمحمود أبو رية.
٦ - الأنوار الكاشفة للمعلمي اليماني.
٧ - البداية والنهاية لابن كثير.
٨ - تاريخ الإسلام للذهبي.
٩ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.
١٠ - تحفة الأحوذي في شرح الجامع للترمذي للمباركفوري.
١١ - تذكرة الحفاظ للذهبي.
١٢ - تفسير ابن كثير.
١٣ - تفسير المنار للشيخ رشيد رضا.
١٤ - تقييد العلم للخطيب البغدادي.
١٥ - توجيه النظر للشيخ طاهر الجزائري.
١٦ - تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر العسقلاني.
١٧ - ثورة الإسلام للدكتور أحمد زكي أبو شادي.
١٨ - جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر.
١٩ - جامع الترمذي للإمام الترمذي.
٢٠ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
٢١ - حُجِيَّة السُنَّة لمحمد لقمان السلفي (المطبوعة على الآلة الكاتبة).
٢٢ - دائرة المعارف الإسلامية لجماعة من المستشرقين.
٢٣ - دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للدكتور مصطفى الأعظمي.
٢٤ - دفاع عن أبي هريرة للشيخ عبد المنعم صالح العلي.
٢٥ - دفاع عن السُنَّة للدكتور محمد محمد أبو شهبة.
стр. 180
٢٦ - دفاع عن العقيدة والشريعة للشيخ محمد الغزالي.
٢٧ - دفع شُبه التشبيه لابن الجوزي.
٢٨ - الرسالة للإمام الشافعي.
٢٩ - السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي.
٣٠ - السُنَّة الإسلامية للدكتور رؤوف شلبي.
٣١ - السُنَّة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب.
٣٢ - سنت کي اءيني حيثيت للأستاذ أبو الأعلى المودودي (باللغة الأوردية).
٣٣ - سنن أبي داود مع معالم السنن للخطابي.
٣٤ - سنن الدارمي.
٣٥ - سنن ابن ماجه.
٣٦ - سير أعلام النبلاء للذهبي.
٣٧ - صحيح البخاري مع حاشية السندي.
٣٨ - صحيح مسلم.
٣٩ - صحيح مسلم بشرح النووي.
٤٠ - الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية لأبي الحسن الندوي.
٤١ - ضُحى الإسلام لأحمد أمين.
٤٢ - الطب النبوي لابن قيم الجوزية.
٤٣ - طبقات ابن سعد.
٤٤ - العقيدة الطحاوية مع شرح ابن أبي العز.
٤٥ - علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي [الصالح].
٤٦ - فتح الباري للحافظ ابن حجر.
٤٧ - فجر الإسلام لأحمد أمين.
٤٨ - فرقة أهل القرآن بباكستان وموقف الإسلام منها للشيخ خادم حسين (المطبوعة على الآلة الكاتبة.
٤٩ - الفرق بين الفرق.
٥٠ - القاموس المحيط للفيروزآبادي.
٥١ - القواعد في علوم الحديث للعلامة ظفر أحمد التهانوي.
٥٢ - لسان العرب لابن منظور.