← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 26583

السنة في مواجهة الأباطيل

محمد طاهر حكيم

Полный текст (181 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لإخراج السُنَّةِ عن كونها حكمًا إلهيًا فهو استدلال في غير محله. لأن هذه الجملة القرآنية وردت في ثلاثة مواضع من كتاب الله، ففى الأنعام جاءت رَدًّا على طلب الكفار من النبي ﷺ إنزال الآيات والإسراع بها، فَرَدَّ الله على هذا الطلب مُوَضِّحًا أنَّ ذلك مرجعه إلى الله لا إلى رسوله، وأنًَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في هذه الشؤون لا شريك له فيها لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (١). والموضعان الأخيران في سورة يوسف، أولهما حكاية عن قول يوسف لصاحبه في السجن ونصحه له بترك الشرك وأنَّ عبادة الأوثان افتراء واختلاق على الله وأنَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في الحكم والعبادة، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢). والموضع الأخير جاء حكاية عن قول يعقوب ﵇ ينصح أبناءه ويعلمهم آداب الدخول على الملوك وأنه إِنْ وقع لهم ما يكرهون في الحياة فهو قضاء وقدر وأنه لا يملك لهم من الله شيئًا (*) وأنَّ هذا لهو مسلك عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٣) (٤)

стр. 107

والمواضع الثلاثة - كما ترى - لا تشير إلى ما ذهب إليه هؤلاء بل إنها تأمر العبد بالرضاء بما قدره الله له أو عليه وأنَّ الله هو المتفرِّدُ في حكمه، وهذا لا يتنافى مع الاحتكام إلى السُنَّةِ ولا يوصل من حكم بها أو تحاكم إليها إلى دائرة الشرك بل هو عين التوحيد لأنَّ الحكم بالسُنَّة مستمد من الله بواسطة رسوله ﷺ فالحكم بها في الحقيقة والواقع حكم لله المتفرد في شؤون خلقه، فال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١). وإنما كان يصح الاستدلال بهذه الآية إذا كان الرسول ﷺ يحكم ويأمر من عند نفسه وحسب هواه - وحاشاه ذلك - أما أنه لا ينطق عن الهوى وإنما يأمر بما أمره الله فإنَّ الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (٢). الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ: قالوا إنَّ السُنَّة لم تكن شرعًا عند النبي ﷺ وفهمها الصحابة على هذا المنوال لذا نُهُوا عن كتابتها وقد تحدث برويز عن ذلك بقوله: «لو كانت السُنَّة جزءًا من الدين لوضع لها الرسول ﷺ منهجًا كمنهج القرآن من الكتابة والحفظ والمذاكرة ولا يفارق الدنيا إلاَّ بعد راحة بال على هذا الجزء من الدين لأنَّ مقام النبوة يقتضي أنْ يعطي الدين لأمته على شكل محفوظ لكنه ﷺ احتاط بكل الوسائل الممكنة لكتاب الله ولم يفعل شيئًا لسُنَّته بل نهى عن كتابتها: " لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ "» (٣).

стр. 108

وبقول الحافظ أسلم: «الأمر الذي لا مِرَاءَ فيه أَنَّ الصحابة قد أدركوا حقيقة نهي النبي ﷺ عن كتابة سُنَنِهِ وعرفوا أَنَّ الأمم السابقة لم تضل إلاَّ بسبب كتابة روايات أنبيائها» (١). ويضيف فيقول: «االشيء الملفت للنظر هو أنَّ الأحاديث لو كانت لها الصفة الدينية لما اشتدَّ نهي النبي ﷺ صحابته عن كتابتها ولهيَّأوا السبل لحفظها وتدوينها» (٢). وَيُحَذِّرُ صاحب " بلاغ الحق " العلماء من الجهر بالسُنَّة فيقول: «إياكم وإعلان الأحاديث على المنابر وإنْ أَبَيْتُمْ فسيدخل إلى دين الله ما ليس منه وينضاف إلى شرع الله ما لا يجوز إضافته إليه» (٣). الرد: أقول أما النبي ﷺ نهى عن كتابة السنة فإنه ثبت أنه قد أذن بكتابتها أيضًا وذكر النهي دون الإذن مخالف للأمانة العلمية وسنذكر في باب (اعتراضات منكري السُنَّة) طرق الجمع بين هذا النهي والإذن. وأنَّ الإذن ناسخ للنهي. على أنَّ مدى حرص النبي ﷺ هو تعليم صحابته وإفهامهم أمور دينهم باللسان والعمل، ثم إنَّ حياته العملية أكبر حافز للعض على سُنَّته والأخذ بها في جميع شؤون الحياة. فلو لم تكن السُنَّة عند النبي ﷺ دينًا وشرعًا - كما يزعم هؤلاء - لما اعتنى بها هذا الاعتناء ولما سلك لإشاعتها ونشرها كل الوسائل الممكنة له آنذاك ولما أمرهم بالحفظ والتبليغ، مثل قوله: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (٤).

стр. 109

وقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١). وقوله: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). وقوله: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (٣). فلو لم تكن السُنَّة شرعًا ودينًا لما حرص الصحابة والتابعون على حفظها ولما ضربوا أكباد الإبل لسماعها وحفظها وتدوينها وجمعها، يَقُولُ أَنَسٌ ﵁: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا نَتَذَاكَرُهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٤). ويقول أبو هريرة: «إِنِّي لأُُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٥). وهذا سعيد بن المسيب يقول: «كُنْتُ أَرْحَلُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» قِيْلَ لِلشَّعْبِيِّ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا العِلْمِ كُلُّهٌ؟ قَالَ: " بِنَفْيِ الاغْتِمَادِ (*)، وَالسَّيْرِ فِي البِلاَدِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الجَمَادِ (*)، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ» (٦). فلو لم تكن السُنَّةُ شرعًا ودينًا لما حرصوا عليها هذا الحرص ولما تحمَّلوا مشاق السفر في سبيلها ولما أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية ولما قال ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٧).

стр. 110

كيف لا تكون السُنَّةُ شرعًا ودينًا وعليها قوام بناء الدين، وكفاها فخرًا أنْ يجعلها رب العزة والجلال طريق الوصول إليه لمن أراد غفرانه وجنَّته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (١). أما ما استدلوا به من أنَّ نهي النبي ﷺ عن كتابة السُنَّة دليل على عدم حُجِيَّتِهَا فهو استدلال لا ينهض لأنَّ عدم الكتابة ليس دليلاً على عدم حُجِيَّتِهَا وإخراجها من مصدر التشريع لأنَّ المكتوب في حد ذاته لا يكون حُجَّةً حتى يقوم الدليل على صدق نسبته إلى كاتبه بَيْدَ أَنَّ تشكيل المجتمع على السُنَّة العملية أقوى حُجَّةً وأكثر ضمانًا من المكتوب في الكراريس دون نزوله إلى محيط العمل لذا يقول الأستاذ المودودي: «ترك النبي ﷺ مجتمعًا متكاملاً على سُنَّته والذي نقل كل حركة من حركاته بختم هدايته ﵇ وكان هذا المجتمع يحوي ألوفًا من البشر ممن سمع أقواله وشاهد أفعاله وتربى في كنف هدايته ﵇ فنقل هؤلاء كل النقوش إلى من بعدهم نسلاً بعد نسل حتى وصلت إلينا» (٢). ثم لا يخفى على المُطَّلِعِ البصير أَنَّ ما ورد من النهي إنما كان عن كتابة الحديث رسميًا كالقرآن أما أَنْ يكتب الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه وإقراره ﵊ على ذلك كما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص في " مسند أحمد " (٣) أَنَّ بعض الصحابة اشتكوا سوء حفظهم لما يسمعون منه ﵇ فقالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لاَ نَحْفَظُهَا، أَفَلاَ نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: " بَلَى، فَاكْتُبُوهَا "»

стр. 111

وكان هذا آخر الأمرين من كتابة أقواله ﵇ (١). وأما ما زعمه من أنَّ تدوين أقوال الأنبياء كان سببًا لضلال الأمم السابقة وقياس هذه الأمة عليها فهو أمر مرفوض يحمل في طياته الغش والتمويه لأنَّ هناك فرقًا أساسيًا بين ما دُوِّنَ من أقوال الأنبياء السابقين وبين ما دُوِّنَ من سُنَّتِهِ ﷺ فأقوال السابقين لم تُدَوَّنْ بالسند وتسلسل الرُواة في نقلها حتى عهد التدوين في الكتب فضلاً عن معرفة سيرة هؤلاء الناقلين بينما أقوال سيدنا ونبينا محمد ﵊ نقلت بالتسلسل جيلاً بعد جيل وامتازت الأُمَّةُ المحمدية بميزة الإسناد التي لم تمتاز بها أُمَّةٌ قبلها ثم عرضت سير الناقلين على أصول معتمدة لقبول السُنَّة واعترف بهذا الواقع أعداء الإسلام وخصومه. يقول الدكتور شبرنجر مشيرًا إلى العناية الإسلامية بعلم الرجال: «اختص المسلمون بتسجيل خمسمائة ألف شخص من قدمائهم وضبط سيرتهم وأحوالهم في تاريخهم المعتمد القويم» (٢). الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ: قالوا: «إِنَّ طاعة الرسول ﷺ كانت طاعة مُقَيَّدَةً بزمنه، وامتثال أحكامه لا يتجاوز حياته، وقد أوصد هذا الباب منذ وفاته ﵇» (٣). ويشر ح صاحب " تبليغ القرآن " هذه الشُبْهَة بقوله: «لقد كانت إرشاداته ﷺ تصدر وفق ظروف أصحابه ولو كنا موجودين في تلك

стр. 112

الآونة لوجب علينا اتباع أقواله وإرشاداته ﵇ ... كما أنَّ خطاب القرآن عام عندنا غير أنَّ المخاطبين بالأحاديث أمَّة خاصة وهم العرب» (١). الرد: هذه دعوى جديدة لا أصل لها إلاَّ خيال كاتبها وإلاَّ فمن أين لهم أَنَّ طاعته ﵇ كانت مُقَيَّدَةً بزمنه، أليس الله قد أرسل رسوله للناس كافة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢). مع أنَّ العديد من آيات القرآن فيها خطاب خاص لمشركي العرب الذين أقاموا الحواجز في طريق الدعوة فأصدر أحكامًا في أولئك الصادين حسب مسلكهم الخاص ولا تنحصر تلك الأحكام بإجماع في أولئك الأفراد بل تتجاوز إلى من يماثلهم في تصرفاتهم العوجاء. فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. كما هو معروف في الأصول. فإذا كان حكم آيات القرآن لا يختص بزمن ولا بأشخاص معدودين فكذلك السُنَّة إذ لا فرق بين أحكام الكتاب وأحكام السُنَّة لصدورها من مصدر واحد، لذا كان الإيمان بمحمد رسول الله هو الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، ثم ما هو الدليل على هذا التفريق بين القرآن والسُنَّة حتى صار خطاب القرآن عامًا وخطاب السُنَّة خاصًا بأُمَّة العرب؟. ولو كانت سُنَّتُهُ ﵇ خاصة بأولئك الأفراد ففيم يكون تصديقه بعد وفاته وفيم يكون اتِّبَاعَهُ لجلب المحبة الربانية المنصوص عليها في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣) [آل عمران: ٣١]

стр. 113

لذا اتفق المسلمون على أنَّ خطاب القرآن والسُنَّة وأحكامهما عاملان شاملان لا يختصان بأمة ولا بزمن لأن عموم خطاب القرآن مستلزم لعموم خطاب السُنَّة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (١). وتخصيص أوامره ﵇ وإرشاداته محدودة أو بزمن معين تخصيص بغير مخصص لا يستند إلى دليل، لذا يقول الأستاذ المودودي ﵀: «لا فرق بين هداية القرآن وهداية المصطفى ﵇ فَإِنْ كانتا مؤقتتين ومحدودتين فهمًا معًا وإنْ كانتا دائمتين وعالميتين فَهُمَا مَعًا» (٢). الشُبْهَةُ السَادِسَةُ: قالوا: إنَّ السُنَّة قد انتقدت متنًا وسَنَدًا وأنَّ المحدثين تكلموا في رجالها ومتونها وما كان كذلك ودخله النقد وآراء الرجال لا يصلح دينًا، كما أنَّ الإسلام لم يجرؤ أعداؤه على توجيه الاتهام إليه إلاَّ عن طريق الأحاديث الي أقر المسلمون بصحتها لكن الإسلام بريء منها، يقول الحافظ أسلم: «إِنَّ الأحاديث قد انتقدت علميًّا ما أفقدها صفة التدين لأنَّ الأمور الدينية ما يدخلها النقد وآراء الرجال» (٣). ويضيف فيقول: «الاعتراضات الموجهة للإسلام من غير أهله لا تأتي إلاَّ من الأحاديث التي أَقَرَّ المسلمون بصحتها وهي موضوعة الأصل لا صلة لها بالدين» (٤). الرد: إنَّ الرجل يفوه بما لا يعرف وهو في شدة حقده على السُنَّة والطعن فيها لا يبحث عن موضع يظن به الضعف بل يطعن فيها هكذا خبط عشواء وهيهات أَنْ يصدع إلاَّ رأسه إنه يجهل أو يتجاهل تاريخ الإسلام وجهود العلماء

стр. 114

المحدثين لمقاومة الوضع فهو بدل ما يعترف للمحدثين بفضلهم وجهدهم في سبيل خدمة السُنَّة يتهمهم بأنهم أقروا بصحة الأحاديث وهي موضوعة الأصل ولا صلة لها بالدين وأنَّ الإسلام بريء منها. إنَّ الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة أَجَلُّ وأسمى من أَنْ يخوضوا في الكذب والوضع وَهُمْ رَوَوْا عن رسول الله ﷺ قوله: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١). إننا نعترف أنَّ حركة الوضع في الحديث بدأت في وقت مُبَكِّرٍ وأنَّ الخلافات السياسية والكلامية - ولا سيما - بين عَلِيٍّ ومعاوية ﵄ كانت من العوامل الرئيسية في حركة الوضع تلك إذ أخذ بعض أصحاب معاوية يضعون الأحاديث في مثالب عَلِيٍّ ﵁ وينشرونها بين الناس وقد قابلهم بمثلها جَهَلَةُ أصحاب عَلِيٍّ ﵁ دون علم عَلِيٍّ ومعاوية ﵄، كما أنَّ ظهور أرباب الكلام من القدرية والمرجئة والجهمية ... والمناقشات الحادة بينها هَيَّأَتْ الأجواء المناسبة للوضع بذم بعضهم بعضًا. لكن حركة الوضع هذه لا يمكن أنْ نجعلها دليلاً على أنَّ السُنَّة كلها موضوعة الأصل وأنها لا تصلح أنْ تكون دينًا عَامًا. هذه بعض شُبُهَاتِ فرقة أهل القرآن ومزاعمهم قد ذكرنا أشهرها وَفَنَّدْنَاهَا ولا تكفي هذه العُجَالَةُ لنستوفي جميع شُبُهَاتهم وهي في الحقيقة أباطيل وأضاليل، نسأل الله الهداية والرشاد «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ، فَلاَ هَادِيَ لَهُ» (٢).

стр. 115

الباب الخامس: اعتراضات من مُنْكِرِي السُنَّة: وقد وجه هؤلاء جملة اعتراضات وانتقادات بعضها على السُنَّة وتدوينها وكتابتها، وأخرى على رُواتها ورجالها، وها هي بعضها مقرونة بالرد عليها: ١ - قالوا: هناك أحاديث وردت عن النبي ﷺ فيها المنع عن كتابة الحديث كما وردت أحاديث أخرى فيها تصريح بكتابة الحديث وهذا تعارض. وللجواب على هذا نقول: إنَّ كل من نقل عنه كراهية كتابة الحديث فقد نقل عنه عكس ذلك أيضًا - ما عدا شخص أو شخصين - وقد ثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم ومن أشهر الصحابة الذين اشتهرت عنهم أحاديث عن النبي ﷺ فيها كراهة كتابة العلم: (أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبي هريرة وزيد بن ثابت ﵃). أما حديث أبي سعيد فقد رَدَّهُ مسلم بلفظ: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» (١) وهذا أصح ما رُوِيَ في هذا الباب.

стр. 116

وأما حديث ابن عباس وحديث أبي هريرة وحديث زيد بن ثابت فكلها متكلم في أسانيدها ولم تأت بطرق مقبولة بعتمد عليها. وأما حديث أبي سعيد - الذي عند مسلم " فقد اختلف العلماء في رفعه ووقفه، قال الحافظ: «وَمِنْهُمْ مَنْ أَعَلَّ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَقَالَ: الصَّوَاب وَقْفه عَلَى أَبِي سَعِيد، قَالَهُ الْبُخَارِيّ وَغَيْره» (١). وغلط بعض الرُوَاة فجعله عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وقد أورد ابن عبد البر في كتاب " العلم " (٢) قريباً من معناه موقوفاً على أبي سعيد من طرق لم يذكر فيها النبي ﷺ . وبعد التسليم أنها مرفوعة اختلفوا في توجيهها وأهمها قولان: (٣) ١ - أنَّ أحاديث النهي منسوخة بالأحاديث الأخرى التي تبيح كتابة الأحاديث ويجب ألاَّ ننسى بأنَّ هناك حديث واحد صحيح لا غير الذي ينهى عن كتابة الأحاديث علمًا بأنَّ فيه الاختلاف أيضًا - كما رأينا آنفًا - في رفعه ووقفه. ٢ - أنَّ النهي كان خاصًا بكتابة غير القرآن مع القرآن على ورق واحد خشية الالتباس بينهما (٤). وهذا التوجيه الثاني أوجه لإملاء النبي ﷺ على عدد من الصحابة، ولكتابة الصحابة الأحاديث التي بلغت درجة التواتر وإليك نماذج منها: ١ - عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن العَاصِ قَالَ: «كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 117

وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ» (١). ٢ - ويشهد أبو هريرة على كتابته قائلاً: «مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا عَنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو , فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ , وَلاَ أَكْتُبُ» (٢). ٣ - لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام رسول الله ﷺ فخطب خطبته ... فقال أبو شاة - رجل من اليمن -: اكتب لي يا رسول الله، فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٣). ٤ - وعن أبي الطفيل قال: سُئِلَ عَلِيٌّ ﵁ هل خَصَّكُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ بشيءٍ؟ فقال: مَا خَصَّنَا إِلاَّ مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: «لَعَنَ اللَّه مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّه» (٤). ٥ - وعن رافع بن خديج أَنَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ قال: «اكْتُبُوا وَلاَ حَرَجَ» (٥).

стр. 118

وذكرت روايات أخرى في هذا المعنى في المجمع (١). ٢ - قالوا: إنَّ السلف اهتموا بالأسانيد وحبسوا نشاطهم في وزن رجالها ولم يهتموا بالمتون أو يصرفوا جهدًا مذكورًا في تمحيصها .. (٢). قلنا: هذا خطأ فإنَّ الاهتمام بالسند لم يقصد لذاته وإنما قصد منه الحكم على المتن نفسه، ثم إنَّ صحة الحديث لا تجيء من عدالة رُوَاتِهِ فحسب بل أيضًا تجيء من انسجامه مع ما يثبت يقينًا من حقائق الدين الأخرى. ثم كيف يتفق زعمهم هذا مع ما ذهبوا إليه من الحكم على متن الحديث بالشذوذ والنكارة والاضطراب والتعليل والوضع والاختلاق وما وضعوه من أمارات يستدل بها على الحديث بالوضع. لقد جعلوا من أمارات الموضوع ركاكة اللفظ بحيث يشهد الخبير بالعربية أَنَّ هذا لن يصدر من فصيح فضلاً عَمَّنْ هو الفصحاء؟ وركاكة المعنى كَأَنْ يكون مشتملاً على محال، واشتمال الحديث على مجازفات ومبالغات لا تصدر من عاقل حكيم والمخالفة للحس والمشاهدة والمخالفة بصريح القرآن أو السُنَّة المتواترة أو الإجماع مع تعذر التأويل المقبول أو غير ذلك مما أفاضت به كتب تاريخ الوضع في الحديث. قال الربيع بن خثيم: «إِنَّ لِلْحَدِيثِ ضَوْءًا كَضَوْءِ النَّهَارِ تَعْرِفُهُ، وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ تُنْكِرُهُ». وقال ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: كُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ تُخَالِفُهُ العُقُولُ وَتُنَاقِضُهُ الأُُصُولُ وَتُبَايِنُهُ النُقُولُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (٣). ٣ - قالوا: إنَّ عمر أحرق كتب السُنَّة كما روى عنه القاسم بن محمد: «فَأَتَوْهُ بِكُتُبِهِمْ فَأَحْرَقَهَا بِالنَّارِ , ثُمَّ قَالَ: " أُمْنِيَةٌ كَأُمْنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ "». (٤).

стр. 119

ولم يكتف بهذا بل أرسل إلى الآفاق منشورًا يدعوهم لحرق كتب السُنَّة والتخلص منها، فقد جاء عن عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَّةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لاَ يَكْتُبَهَا , ثُمَّ كَتَبَ فِي الأَمْصَارِ «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَمْحُهُ» (١). والجواب عن هذا: أنَّ رواية القاسم بن محمد عن عمر منقطعة ومن ثم فهي ضعيفة وساقطة عن الاعتبار. ورواية يحيى عن جعدة كذلك منقطعة وساقطة عن الاعتبار (٢). ٤ - قالوا: هَدَّدَ بعض المحدثين بالنفي كما قال السائب بن يزيد أنه سمع عمر يقول لأبي هريرة: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ» وقال لكعب: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ [عَنِ الأُوَلِ] أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» (٣). وأجيب على هذا بأنَّ القول المنسوب إلى عمر غير ثابت عنه. قال المُعَلَّمِي: «ومحمد بن زرعة لم أجد له ترجمة، والمجهول لا تقوم به حُجَّة» (*). وفي الإسناد مشكلات أخرى. بل الثابت أَنَّ عمر بعث في آخر إمارته أبا هريرة إلى البحرين على القضاء والصلاة، وبطبيعة الحال كان يُحَدِّثُهُمْ ويعلِّمُهُمْ ويُفْتِيهِمْ. ٥ - قالوا: إنَّ عمر ضرب أبا هريرة على كثرة الرواية كما نقل أبو رية [ص ١٦٣] وقال له: «قَدْ أَكْثَرْتَ مِنَ الرِوَايَةِ وَاَحْرَ بِكَ أَنْ تَكُونَ كَاذِباً عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ». قلنا: هذا كذب وافتراء وَزُورٌ ولم يثبت ضرب عمر لأبي هريرة على رواية الحديث أو على أمر آخر، والخبر مكذوب مختلق وقائلة معتزل شيعي

стр. 120

لا يقبل قوله في الصحابة، وعزاها أبو رية إلى " شرح نهج البلاغة " لابن أبي الحديد، وهو من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، ثم لا يعرف له سند (١). ومثل هذه الحكايات الطائشة توجد بكثرة عند الرافضة والناصبة والشيعة وغيرهم بما فيها انتقاص لأبي بكر وعمر وعلي وعائشة وإنما يتشبث بها من لا يعقل. ٦ - قالوا: إنَّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر. وعند البعض - وأبا مسعود - مكان أبي ذر. وقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ : «مَا هذا الحديث الذي تحدثون عن محمد» (٢). نعم، هكذا زعموا أنه حبسهم، وهل يعقل من مثل عمر أنْ يحبسهم وهم الأجلاَّء من أصحاب رسول الله ﷺ وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا الرواية، وقد ناقش هذا الإمام ابن حزم وَرَدَّهُ وقال: هذا مرسل ومشكوك فيه من (شيعة) فلا يصح ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد لأنه لا يخلو عمر من أنْ يكون اِتَّهَمَ الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث ... ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي ﷺ ، فما عمر إلاَّ واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً. ولئن كان حبسهم وهم غير مُتَّهَمِينَ فقد ظلمهم، فليختر المحتج مذهبه هذا الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء ولا بد له من أحدهما ... ثم قال: «وقد حدث عن عمر بحديث كثير ... وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة أَكثر رِوَايَة مِنْهُ إِلاَّ بضعَة عشر مِنْهُم» (٣). ولهذا قال السباعي: «وَقَدْ حَاوَلْتُ أَنْ أَعْثُرَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ [فِي كِتَابٍ مُعْتَبَرٍ] فَلَمْ أَجِدْهَا، وَدَلاَئِلُ الوَضْعِ عَلَيْهَا ظَاهِرَةٌ» (٤).

стр. 121

ثم لو سلمنا - جَدَلاً - بصحة الرواية، فهناك خلاف بين المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود - بينما يذكر ابن حزم - ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إنَّ خبرًا كهذا يجب أنْ ينتشر في الآفاق من غير أنْ يحتمل الشك في المحبوسين، ولو سلمنا أَنَّ العبرة في الحادثة نفسها فإنَّ هناك صحابة أكثر منهم حديثًا لم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أنْ يحبس بعضًا دون بعض في قضية واحدة. فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة وهو أكثر حديثًا منهم. فقد روى [٥٣٧٤] حديثًا. هذه يدلك على أنَّ هذه الحادثة فرية وأكذوبة. ولأنَّ ابن مسعود كان من كبار الصحابة وأقدمهم إسلامًا وله مقام كبير في نفس عمر حتى أنه حين أرسله إلى العراق لِيُعَلِّمَ أهلها الدين والأحكام اِمْتَنَّ عليهم بقوله: «وَلَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ الله عَلَى نَفْسِي». وأما أبو ذر فمهما نقل عنه من حديث فهو لم يبلغ جزءًا ما رواه أبو هريرة، فَلِمَ يحبسه ولا يحبس أبا هريرة؟ (١). يتبيَّنُ من هذا أنَّ ما نسب إلى عمر ليس بصحيح، بل مختلق مكذوب، بل على العكس فإنَّ هذه الأخبار على فرض صحتها، لا تدل على عدم اعتداده بالسُنَّة النبوية، بل على أنه كان يريد التثبت لا أكثر. ٧ - قالوا: إنَّ بعض الصحابة - كابن عباس وعائشة - رَدُّوا على أبي هريرة بعض حديثه وَكَذَبُوهُ وَمَثَّلُوا لذلك بحديث «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ»، فلم يأخذ ابن عباس بخبره وقال: «لاَ يَلْزَمُنَا الوُضُوءُ مِنْ حَمْلِ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ». يريدون من هذا أنْ يثبتوا أَنَّ الصحابة كان يضع بعضهم بعضًا موضع النقد والطعن. وليس فيه دليل على ما زعموا وإنما هو نقاش

стр. 122

علمي محض مبني على اختلاف أنظارهم وتفاوت مراتبهم في الاستنباط والاجتهاد أو على نسيان أحدهم حديثًا وتذكر الآخر له. وليس ذلك ناشئًا عن شك أو ريبة أو تكذيب واحد لآخر. أما الحديث هذا فليس له أثر بهذا اللفظ - كما قال الشيخ السباعي - في كتب الحديث قاطبة ولا في كتب الفقه - وليس فيها ذكر لهذه الحادثة التي رَوَوْهَا عن ابن عباس على أبي هريرة - ولو ثبت وثبتت الحادثة لما أغفلوا النص عليها. نعم، ذكرها بعض علماء الأصول منهم - صاحب [" مُسَلَّم الثبوت "]- وهؤلاء القوم بتساهلون - بعضهم - في ذكر الأحاديث التي ليس لها أصل أو لها أصل من طريق ضعيف لأنَّ الحديث ليس من اختصاصهم، وعلى كل حال فإنَّ كتبهم ليست مرجعًا في علم الحديث ولا يرجع إليها فيه. واللفظ الموجود لهذا الحديث في كتب الحديث هو «مِنْ غُسْلِهِ الْغُسْلُ وَمِنْ حَمْلِهِ الْوُضُوءُ» (١). ثم إنَّ أبا هريرة لم ينفرد بهذا الحديث، بل رواه عَلِيٌّ وعائشة ورواه أبو هريرة مرفوعًا وموقوفًا. ثم على فرض صحة الواقعة وثبوت رَدِّ ابن عباس لأبي هريرة فليس معناه التكذيب ولا الطعن بل هو خلاف في فهم الحديث وفقهه، فأبو هريرة يوجب الوضوء من الجنازة عملاً بظاهر الحديث وابن عباس يرى الوجوب غير مراد من الحديث بل هو محمول على الندب (٢). ٨ - قالوا: إنَّ أبا هريرة لم يكن يكتب الحديث، بل كان يعتمد في روايته على ذاكرته (٣).

стр. 123

قلنا هذا شيء لم ينفرد به أبو هريرة وإنما صنيع كل من روى الحديث من صحابة رسول الله ﷺ ما عدا - عبد الله بن عمرو - فقد كانت له صحيفة يكتب فيها. وهذا شيء يعترفون به كما قال أحمد أمين: «وعلى كل حال مضى العصر الأول ولم يكن تدوين الحديث شائعًا إنما كانوا يَرْوُونَهُ شفاهًا وحفظًا، ومن كان يُدَوِّنُ فإنما كان يُدَوِّنُ لنفسه» (١). إذًا فما وجه تخصيص أبي هريرة بهذا؟ وما الفائدة من ذكره وهو معلوم في أحاديث أبي هريرة، فما دام الرجل لم يكتب الحديث وما دام لم يرو عن ذاكرته فقط، وما دامت الذاكرة قد تخطئ وتخون فنحن في شك من صحة أحاديثه (٢). سبحان الله! هل هذا مأخذ على أبي هريرة؟ فهل غفل الأستاذ عن ثناء الصحابة عليه في حفظه وصدقه وزُهده وورعه، بل هل غفل أو تغافل عن دعاء الرسول ﷺ بالحفظ؟. هل جهل الأستاذ أنَّ العلماء من يفضل الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من حفظه إذا كان مثبتًا صدوقًا عن الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من كتاب غيره، حتى لقد قال علماء الأصول: إذا تعارض حديثان أحدهما مسموع والآخر والآخر مكتوب كان المسموع أولى وأرجح، ومن هنا كره فريق من العلماء من الصحابة والتابعين كتابة الحديث كيلا يَتَّكِلُوا على الكتابة وحدهافتضعف ملكة الحفظ. أخرج ابن عبد البر عن الأوزاعي: «كَانَ هَذَا الْعِلْمُ شَيْئًا شَرِيفًا إِذْ كَانَ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ يَتَنَاقَلُونَهُ وَيَتَذَاكَرُونَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ ذَهَبَ نُورُهُ وَصَارَ إِلَى غَيْرِ [أَهْلِهِ]» (٣).

стр. 124

٩ - قال الأستاذ أحمد أمين: «إنَّ أبا هريرة لم يكن يقتصر على ما سمع من الرسول ﷺ . بل كان يُحَدِّثُ عنه بما سمعه من غيره، فقد رُوِيَ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: " مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، فَلاَ صَوْمَ لَهُ " فأنكرت ذلك عَائِشَةُ ﵂ وَقَالَتْ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ احْتِلاَمٍ فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ " فلما ذُكِرَ ذلك لأبي هريرة قال: " إِنَّهَا أَعْلَمُ مِنِّي وَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ بَلْ سَمِعْتُهُ مِنَ الفَضْلِ بْن العَبَّاسِ» (١). الجواب على ذلك: أولاً: إنَّ إسناد أبي هريرة إلى الرسول ﷺ ما لم يسمعه منه شيء لم ينفرد به أبو هريرة بل شاركه فيه صغار الصحابة، ومن تأخَّر إسلامه فعائشة وأنس والبراء وابن عباس وابن عمر، هؤلاء وأمثالهم أسندوا إلى الرسول ﷺ ما سمعوه من صحابته عنه وذلك لما ثبت عندهم من عدالة الصحابي وصدقه، فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ». وأسنده إلى أبي هريرة. وقد قال أنس ﵁: «مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ سَمِعْنِاهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، [وَلَكِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلاَ يَتَّهِمُ بَعْضُنَا بَعْضًا]». وقال البراء: «مَا كُلُّ الْحَدِيثِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُنَا عَنْهُ، كَانَتْ تَشْغَلُنَا عَنْهُ رَعِيَّةُ الإِبِلِ». وهذا ما يُسَمَّى عند العلماء بمرسل الصحابي وقد أجمعوا

стр. 125

على الاحتجاج به وأنَّ حكمه حكم المرفوع وأنَّ الجهالة بالصحابي غير قادحة لأنَّ الصحابة كلهم عدول، قال الإمام النووي بعد ذكر الخلاف في حُجِيَّة المرسل: «هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ أَمَّا مرسل الصحابي كاخباره عن شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ لِصِغَرِ سِنِّهِ أَوْ لِتَأَخُّرِ إسْلاَمِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ حُجَّةٌ ... » ثم قال: «وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " وَ " مُسْلِمٍ " مِنْ هَذَا مَا لا يحصى. وقال الاستاذ أبو إسحاق الاسفراينى مِنْ أَصْحَابِنَا: " لاَ يُحْتَجُّ بِهِ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مُرْسَلِ غَيْرِهِ إلاَّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لاَ يُرْسِلُ إلاَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ صَحَابِيٍّ، [قَالَ]: لأنهم قَدْ يَرْوُونَ عَنْ غَيْرِ صَحَابِيٍّ "»، ثم قال النووي: «وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ وَأَنَّهُ يُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ [نَادِرَةٌ] وَإِذَا رَوَوْهَا بَيَّنُوهَا فَإِذَا أَطْلَقُوا ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ [الصَّحَابَةِ] وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ» (١). ثانيًا: إنَّ كُتُبَ الحديث لم تذكر إنكار عائشة على أبي هريرة ولكنها ذكرت المسألة على أنَّ أبا هريرة استفتى في صوم من أصبح جُنُبًا فأفتى بأنه لا صوم له، فاستفتيت عائشة وأم سلمة في المسألة نفسها فكلتاهما أفتت بصحة صومه، وقالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا ثُمَّ يَصُومُ [ذَلِكَ الْيَوْمَ]» فلما قيل ذلك لأبي هريرة رجع عن فتواه وقال: «هُمَا أَعْلَمُ مِنِّي»، فالواقعة واقعة فتوى أفتى فيها كل بما علمه وصح عنده عن رسول الله ﷺ وليس فيها إنكار عائشة ولا رَدَّها عليه (٢). ثم لو سلمنا بثبوت الإنكار عنها فليس معناه تكذيب أبي هريرة فيما روى بل معناه أنها لا تعرف هذا الحكم، وإنما تعرف خلافه فيكون من الاستدراكات

стр. 126

التي استدركتها عائشة أم المؤمنين على كبار الصحابة وما زال الصحابة يستدركون بعضهم على بعض لا يرون ذلك تكذيبًا بل تصحيحًا للعلم وأداء للأمانة على ما يعرفها الصحابي (١). ١٠ - زعموا أنَّ الصحابة قد أكثروا من نقد أبي هريرة على إكثاره من الحديث عن رسول الله ﷺ وَشَكُّوا فيه. هذا زعم كل من الأستاذ أحمد أمين والمستشرق جولدتسيهر. من المعلوم أنَّ أبا هريرة كان من المكثرين في التحديث عن رسول الله ﷺ على الرغم من تأخر إسلامه لكثرة ملازمته للرسول ﷺ حتى كان يدور معه حيث دار، فلما توفي الرسول ﷺ كما كان يفعل صغار الصحابة. يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ رَجُلاً مِسْكِينًا، أخدُم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ» وفي حديث آخر «وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا» (٢). ١١ - قال صاحب " فجر الإسلام ": «والحنفية يتركون حديثه - يعني حديث أبي هريرة - أحياناً إذا عارض القياس كما فعلوا في حديث [المُصَرَّاةِ] (*)» (٣).

стр. 127

يزعم المؤلفان أنَّ الحنفية يقدمون القياس على الخبر إذا عارضه، والحنفية لم يقولوا بتقديم القياس على الحديث بل الإمام وصاحباه وجمهرة من أتباعه على أنَّ الخبر مُقَدَّمٌ على القياس مطلقًا وإنْ كان ضعيفًا، وذكر ابن حزم الإجماع على أنَّ مذهب أبي حنيفة: أنَّ ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياس إذا لم يجد في الباب غيره (١) وهو مذهب الجمهور. وذهب فخر الإسلام واختاره ابن أبان وأبو زيد وهم من الحنفية، إلى أَنَّ الراوي إذا كان فقيهًا قدم خبره على القياس مطلقًا. وإِنْ كان غير فقيه قدم خبره على القياس أيضًا إِلاَّ إذا خالف جميع الأقيسة وانسد باب الرأي بالكلية، ومثلوا لذلك بحديث [المُصَرَّاةِ]. ثم يظهر من ظاهر قول [المُؤَلِّفَيْنِ] هذا الموقف من تقديم القياس على الخبر خاص بأبي هريرة - عند القائلين به - وليس بصحيح، بل هم يُعَمِّمُونَ في كل رَاوٍ غير فقيه، إذًا فما وجه تخصيص أبي هريرة بالذكر؟ إلاَّ شيء في نفس المؤلف على أبي هريرة. وأما ما نقله عن الحنفية من قولهم بعدم فقاهة أبي هريرة فغير صحيح، إذ لم يقل بذلك منهم إلاَّ فخر الإسلام وصاحباهُ، وجمهور الحنفية على خلافهم والتشنيع على مقالتهم تلك (٢)، وجمهور الحنفية على أنَّ أبا هريرة فقيه، قال الكمال [بن] الهُمَام: «وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهٌ». نعم إِنَّ الحنفية مع كونهم يُقَدِّمون الخبر على القياس إذا تعارضا، فقد

стр. 128

تركوا خبر أبي هريرة هنا - لا لخصوص أبي هريرة - كما يزعم المؤلف، ولا خروجًا عن قاعدتهم بل يناء على قاعدة مُسَلَّمٌ بها عندهم وعند جميع العلماء أنَّ الخبر إذا عارض الكتاب والسُنَّة والإجماع لم يعمل به، لأنَّ القاعدة في الترجيح عند تعارض الأدلة أنْ يصار إلى الأقوى ولا شك أنَّ ما دَلَّ عليه الكتاب والسُنَّة بمجموعها والإجماع أقوى مِمَّا دَلَّ عليه خبر الآحاد، وهذا الخبر قد عارض عندهم الكتاب والسُنَّة والإجماع فلا يعمل به، ثم سلكوا في الجواب عنه مسالك مختلفة أقربها أنه منسوخ. وَأَيًّا كان الأمر فليس في مسلك الحنفية هنا ما يعود بالطعن على أبي هريرة. ١٢ - قال: «وَالوُضّاع قد استغلوا فرصة إكثاره فزوَّرُوا عليه أحاديث لاَ تُعَدُّ» (١). نقول: إنَّ هذا شيء لم يُخَصَّ به أبو هريرة بل إِنَّ عَلِيًّا وعمر وعائشة وابن عباس وغيرهم قد كُذِبَ عليهم، إذًا فما وجه تخصيص أبي هريرة بالذكر إِلاَّ أنَّ الأستاذ يريد التشكيك في مرويات أبي هريرة كلها كما صَرَّحَ قبل ذلك بقوله: «كل هذه الظروف تجعلنا نقف من أحاديث أبي هريرة موقف الحذر والشك»، بهذا يُنْهِي الأستاذ حديثه عن أبي هريرة كما أنهى سلفه - جولدتسيهر - بحثه في أبي هريرة حيث يقول: «إنَّ كثيرًا من الأحاديث التي نسبها الرُواة إليه قد نُحِلَتْ عليه في عصر متأخر» (٢). وهكذ يحمل مؤلف " فجر الإسلام " حملات مُنْكَرَةٍ بأسلوب لطيف على هذا الصحابي الجليل من غير تَثَبُّتٍ ولا تحقق أو مُتعمدًا ليحقق فكرة خبيثة في ذهن مستشرق ومغلوب على هواه لِيُشَوِّهَ بها سيرة عظمائنا الذين نقلوا إلينا هذا الشرع وحفظوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 129

١٣ - يزعمون أَنَّ السُنَّة لما دخلها من الوضع ورواية بالمعنة لم تعد مَحَلاًّ للثقة والاعتماد، يقول أبو رية [ص ٨] أنه بعد أنْ لبث زمنًا طويلاً يبحث ويُنَقِّبُ بعد أَنْ أخذ نفسه بالصبر والأناة، انتهى إلى حقائق عجيبة ونتائج خطيرة: «ذلك أني وجدت أنه لا يكاد يوجد في كتب الحديث (كلها) - مِمَّا سَمَّوْهُ صحيحًا أو ما جعلوه حسنًا - حديث قد جاء على حقيقة لفظه ومُحْكَمِ تركيبه كما نطق به الرسول ... وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في بعض الأحاديث القصيرة، وذلك في القلة والندرة، وَتَبَيَّنَ لي أنَّ ما يسمُّونه في اصطلاحهم حديثًا صحيحًا إنما كانت صِحَّتُهُ في نظر رُوَّاتِهِ لاَ أَنَّهُ صَحِيحٌ في ذاته». إنه يريد أنْ يُفْهِمَ القارئَ أنَّ السُنَّة لم يأت فيها حديث على مُحْكَمٍ لفظه وأصل تركيبه، وأنها قد دخلها الكثير من التغيير والتحريف والتبديل وأنَّ رواية الحديث بالمعنى هو الأصل والقاعدة ومجيئها على اللفظ النبوي أمر شاذ ونادر ... الخ. «ونحن لا نقول: إِنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بألفاظها، وكيف وقد ثبت أنَّ القصة الواحدة أو الواقعة رُوِيَتْ بألفاظ مختلفة وإنْ كان المعنى واحداً؟ ولا نقول: إنَّ الأحاديث كلها رُوِيَتْ بالمعنى - كما زعم - وكيف ومن الأحاديث ما اتفقت الروايات على لفظها؟ أفلا يدل اتفاق الروايات على اللفظ أنَّ هذا حقيقة اللفظ المسموع من الرسول ﷺ ؟ ومن الأحاديث ما لا يشك متذوق للبلاغة أنها من كلام أفصح العرب، وأنها لن تخرج إِلاَّ من مشكاة النبوَّة» (١). وبعد هذا يعلم أنَّ الرواية بالمعنى قد منعها كثير من العلماء كما أجازها بعض الآخرين لمن كان عارفًا بالألفاظ والأساليب خبيرًا بمدلولاتها والفروق

стр. 130

الدقيقة بينها على أنْ تكون بقدر الحاجة إليها لا أنها أصل يتبع ويلتزم في الرواية وأنَّ الرواية بالمعنى ممنوعة باتفاق في الأحاديث المعتبر بلفظها كالأذكار والأدعية وجوامع كلمه ﷺ . إنَّ الذين نقلوا الأحاديث من الصحابة ومن بعدهم من ثقات الرواة كان لهم من الخصائص الدينية والنفسية والخُلُقِيَّةِ ما يعصمهم من التغيير والتبديل والتساهل في الرواية، وإنكار ذلكر مكابرة. وأما ما ادَّعَاهُ من أنه يَتَبَيَّنُ له أنَّ ما سَمَّوْهُ صحيحًا إنما هو في نظر رواته لا أنه صحيح في ذاته، فشيء سبق به من ألف سَنَةٍ أو تزيد، فقد قال أئمة الحديث (١) إنَّ الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو عدم تحققها. وليس المراد أنه صحيح أو حسن أو ضعيف في الواقع ونفس الأمر، إذ لا يعلم ذلك يقينًا إلاَّ عَلاَّمُ الغيوب وأنه يجوز عقلاً أنْ يكذب الصادق ويصدق الكذوب به، وهذا التجويز العقلي دعاهم إليه التعمق في البحث والتأنِّي في النظر والتثبت في الحكم وبلوغ الغاية في النصفة» (٢). ١٤ - قالوا: «إنهم أباحوا للناس أنْ يَرْوُوهَا - السُنَّة - عنهم بالمعنى على حسب ما فهموه»، قاله الدكتور توفيق صدقي (٣). ونقول له: إنَّ جواز رواية الحديث بحسب ما يؤدِّيه الفهم، لا نسمعه إلاَّ منك فإنَّ المقرر المعروف أنَّ فهم الحديث في ذاته تابع لروايته لا أنَّ روايته تابعة لفهمه، وأما رواية الحديث بمعناه - إذا غاب عن الراوي لفظه - فجائز لأنَّ المراد منه حكمه لا التحدي بلفظه، ولأنَّ القرآن مُتَعَبَّدٌ بلفظه وليست السُنَّةُ كذلك، إذًا فلا بأس بروايته بمعناه.

стр. 131

١٥ - وقال الدكتور توفيق - أيضًا -: «إنَّ ولوع المتقدمين بجمع روايات الحديث مدعاة إلى وقوع التضارب والاختلاف فيها». قلنا بالعكس بل هو ادَّعَى إلى حفظها وصيانتها لأنَّ من وقف على قراءة شيء من أخبار اولئك الأخيار العدول الذين انقضت أعمارهم في هذا السبيل، إذ كان يمشي الواحد منهم الشهر والشهرين والأكثر متنقلاً بين الأقطار والمدن لطلب الحديث الواحد، قال سعيد بن المسيب: «كُنْتُ أَرْحَلُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ». مع العلم أنَّ ولوع المتقدمين بجمع الروايات ورواية الحديث الواحد بطرق متعددة وبأسانيد مختلفة أكبر مدافع لدعوى التضارب والاختلاف فيها. ١٦ - قالوا: كيف نقبل الأحاديث ونعتبرها صحيحة وقد بلغ عددها أكثر من سبعمائة ألف، ألم يكن للنبي ﷺ شغل شاغل إلاَّ الكلام فقط؟. وأضاف بعضهم: إنَّ الأحاديث الموجودة بين أيدينا لا تصل إلى مائة ألف، فأين بقية الرصيد المُدَّعَى؟. أما الأستاذ أحمد أمين فاتخذ من كثرة الحديث دليلاً على كثرة الوضع حيث قال: « ... وأن البخاري وكتابه يشتمل على سبعة آلاف حديث منها نحو ثلاثة آلاف مُكَرَّرَةٌ، قالوا: إنه اختارها وصَحَّتْ عنده من ستمائة ألف حديث كانت متداولة في عصره» (١). نحن لا ننكر كثرة الحديث ولكن يجب أنْ يعلم تحديد المراد من كلمة الحديث وتفريق العلماء بين الحديث والخبر والأثر.

стр. 132

فقد قال جماعة: إنَّ الحديث ما أضيف إلى النبي ﷺ فيختص بالمرفوع عند الإطلاق ولا يراد به الوقوف إلاَّ بقرينة. أما الخبر فإنه أعم من أنْ يطلق على المرفوع والموقوف فيشمل ما أضيف إلى الصحابة والتابعين وعليه يُسَمَّى كل حديث خبرًا، ولا يُسَمَّى كل خبر حديثًا. أما الأثر: فإنه مرادف للخبر، فيطلق على المرفوع والموقوف. وفقهاء خراسان يسمون الوقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر. فإذا عرف تحديد المراد بالحديث والخبر والأثر سهل علينا أنْ نفهم معنى لهذه الكثرة الهائلة، فهي شاملة لما نقل عن النبي ﷺ ولأقوال الصحابة والتابعين، كما يشمل طرق الحديث الواحد، فقد يروي المُحَدِّثُ الحديث الواقع من طرق مختلفة بجمع طرقه من رُواته، فقد يبلغ أحيانًا عشرة طرق فيعدها عشرة أحاديث وهي ليست إلاَّ حديثًا واحدًا، وقد كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: «كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنْ مِائَةِ وَجْهٍ فَأَنَا فِيهَ يَتِيمٌ». وبهذا إذا جمعت أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته إلى أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت طرق كل حديث لا يستغرب ولا يستبعد أنْ يبلغ ذلك كله مئات الألوف بهذا المعنى. وبهذا تفهم معنى قول بعضهم: «فلان كان يحفظ سبعمائة ألف حديث». أي من أقوال الرسول ﷺ والصحابة والتابعين مع طرق كل قول.

стр. 133

الباب السادس: أمثلة من الأحاديث تعرَّضت لنقد مُنْكِرِي السُنَّة: قد تعرض هؤلاء المنكرون لسُنَّة رسول الله ﷺ لطعن ونقد كثير من الأحاديث الصحيحة وفيما يأتي أمثلة منها: الحديث الأول: [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]]. -------------------------------- (١) هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِيُّ اليماني، ونظراً لما أشيع حوله من شُبُهَاتٍ ومطاعن، ومفتريات فإني أوسع ترجمته - بعض الشيء - أداءً لبعض حقه ولما قام به من خدمة جليلة في سبيل السُنَّةِ الشريفة فأقول: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس فسمَّاهُ رسول الله ﷺ عبد الرحمن، واشتهر بِكُنْيَتِهِ حتى غلبت على اسمه وسُئِلَ أبو هريرة: لِمَ كُنِّيتَ بذلك؟ قال: «كُنِّيتُ أبا هريرة لأني وجدت هِرَّةً فحملتها في كُمِّي فقيل لي: أبو هريرة». أسلم سَنَةَ سبع من الهجرة على الطُفيل بن عمرو وقد لازم رسول الله ﷺ إلى آخر حياته وقصر نفسه على خدمته فكانت صحبته

стр. 134

أربع سنوات وقد اتَّخذ الصفة مقامًا له وخدم رسول الله ﷺ على ملء بطنه وكان يحب رسول الله ﷺ حُبًّا شديدًا وكان ورعًا ملتزمًا سُنَّةَ رسول الله يُحَذِّرُ الناس من الانغماس في ملذات الدنيا وشهواتها يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، صبر على الفقر الشديد حتى أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يقول: «إِنِّي كُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، [بِشَبَعِ] بَطْنِي، حَتَّى لاَآكُلَ الخَمِيرَ ... »، ويقول: «وَكُنْتُ فِي سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الصُفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا بُرْدَةٌ، أَوْ كِسَاءٌ قَدْ رَبَطُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ» (١). وكان عفيف النفس مع فقرة فياض اليد مبسوط الكف لم يحمله فقره على الشح. اعتزل الفتن التي قامت بعد استشهاد عثمان ﵁ وربما كان يحث الناس على اعتزالها ويروي عن رسول الله ﷺ قوله: «سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» (٢). كان حسن المعشر طيب النفس صافي السريرة نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها فلم تدفعه الإمارة إلى الكبرياء بل أظهرت تواضعه فربما استخلفه مروان على المدينة فيركب حمارًا قد شد عليه بردعة وفي رأسه خلبة (*) من ليف يسير فيلقى الرجل فيقول: «الطَّرِيقَ .. قَدْ جَاءَ الأَمِيرُ» (٣). ويمر في السوق يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذٍ أمير على المدينة - لمروان

стр. 135

كان رسول الله ﷺ لا يتأخر عن إجابته لما يسأل لما عرف من حرصه على طلب العلم، قال ذات يوم: يَا رَسولَ الله مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله خَالِصًا مِنْ [قِبَلِ نَفْسِهِ]» (١). قد عرف الصحابة منزلته بعد رسول الله ﷺ فكان يُحَدِّثُ في مسجد رسول الله ﷺ ويفتي الناس بحضرة علماء وكبارهم وكان أمينًا في حديثه عن الرسول ﷺ وإذا قال في شيءٍ برأيه قال: «هَذَا مِنْ كِيسِي» وقد روى عن رسول الله ﷺ كثيرًا وكان يقول: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَلاَ أَكْتُبُ» وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله ﷺ بكثرة سماعه وأخذه عن رسول الله ﷺ ، وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه حتى أَنَّ بعضهم رَوَوْا عنه لأنه سمع عن النبي ﷺ ولم يسمعوا. رَوَى أَشْعَثُ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، ... » (٢). وكان حافظًا ضابطًا لما يُرْوَى، اجتمعت فيه صفتان عظيمتان تتم إحداهم الأخرى، الأولى سعة علمه وكثرة مروياته والثانية قوة ذاكرته وحسن ضبطه، وهذا غاية ما يتمناه أولو العلم.

стр. 136

روى عنه خلق كثير من التابعين. قال البخاي: روى عنه نحوًا من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم. قال ابن عمر: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ الله ﷺ وَأَعْلَمُنَا بِحَدِيثِهِ» (١). قال الإمام الشافعي: «أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ» (٢). وقال الذهبي: «كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَثِيقَ الحِفْظِ، مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ» (٣). وهذا ما ذكرناه غيض من فيض، شهد به رؤوس العلم لأبي هريرة، فسعة علمه وكثرة حديثه لا يخفيان على مسلم. وفاته: توفي سَنَةَ تسع وخمسين ﵁ وَرَحِمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً - ------------------------------------- «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ (لاَ يَقْطَعُهَا)» (٤). النقد: يقول أبو رية عن هذا الحديث: «وإليك مثلاً من ذلك نختم به ما نقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول بنا القول». ثم ذكر الحديث، ثم قال: «ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث

стр. 137

حتى أسرع كعب، قال: " صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد (١) ﷺ ». الرد: أنكر أبو رية هذا الحديث على أبي هريرة وزعم أنه من الإسرائيليات لكن ما وجه الإنكار فيه؟ إذا كان رواه أبو هريرة، فقد رواه سهل بن سعد وأبو سعيد كما ذكرنا في التخريج. وإذا كان وجه إنكار هذا الحديث لضخامة الشجرة وكبرها فهل يستغرب وجود مثل هذه الشجرة في ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) وإذا كان وجه إنكار هذا الحديث هو كون الراكب يسير في ظلها مائة عام فإني أسأله: أليست الجنة من أمور الغيب؟ أليس رسول الله ﷺ قال: «فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (٣) إذًا فما وجه الإنكار والاستغراب؟ ليس إلاَّ الزيغ والإلحاد ... هل يريد هؤلاء أَنْ ينفوا كل ما لم تتصوره عقولهم وتفكيرهم؟ فإن أرادوا هذا وجب عليهم أَنْ ينفوا كثيرًا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها أو نراها ولا نعقلها. ثم أليس في عالم الشهادة ما استطاع العلم أَنْ يكشف من عظمته مما لا يكاد يتصوره العقل، ألا يُحَدِّثُنَا علماء الفلك الآن عن كبر حجم الشمس بالنسبة إلى أرضنا أكثر من مليون مرة؟ والشمس إحدى ملايين السموس التي تكبر شمسنا هذه بملايين المرات؟ ألا يحدثنا هؤلاء العلماء عن شموس

стр. 138

في هذا الفضاء الرحب، لم يصل إلى الأرض نورها حتى الآن منذ مليون أو أكثر من السنوات الضوئية

стр. 139

الحديث الثاني: ٢ - عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (١). النقد: قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد وضع علماء الجرح والتعديل قواعد ليس هنا محل ذكرها ولكنهم - والحق يقال - عنوا بنقد الإسناد أكثر مِمَّا عنوا بنقد المتن، فقلَّ أنْ نَظْفَرَ منهم بنقد من ناحية أَنَّ ما نسب إلى النبي ﷺ لا يتفق والظروف الي قيلت فيه، أو أَنَّ الحوادث التاريخية الثابتة تناقضه، أو أَنَّ عبارة الحديث نوع من التعبير الفلسفي يخالف المألوف في تعبير النبي، أو أَنَّ الحديث أشبه في شروطه وقيوده بمتون الفقه وهكذا، ولم نظفر منهم في هذا الباب بعشر معشار ما عنوا به من جرح الرجال وتعديلهم حتى نرى البخاري نفسه - على جليل قدره ودقيق بحثه - يثبت أحاديث دَلَّتْ الحوادث الزمنية والمشاهدة التجريبية على أنها غير صحيحة، لاقتصاره على نقد الرجال، كحديث: «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ

стр. 140

مَنْفُوسَةٌ» (١) وحديث «مَنْ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ ذَلِكَ اليَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ» (٢). الرد: إنَّ المؤلف نقد هذا الحديث لأنَّ الحوادث الزمنية والمشاهد التجريبية - على حسب زعمه - تخالفه، ولا عبرة عنده أَنَّ الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وأنه صحيح سندًا ومَتْنًا. إِنَّ قطع مؤلف " فجر الإسلام " بتكذيب هذا الحديث جرأة مذمومة بالغة منه، لا يمكن أَنْ تقبل في المحيط العلمي بأي حال، كيف وقد دلت شواهد طبية - كما سأذكرها - على أَنَّ التمر مفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون والبواسير ونحو ذلك، ولو لم تكن هذه الشواهد موجودة، فإنَّ الحديث الصحيح حُجَّةٌ في نفسه لا يحتاج إلى شواهد خارجية. إنَّ العلماء من جعل هذا الحديث خاصًا بتمر المدينة عملاً برواية مسلم «إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً - أَوْ إِنَّهَا تِرْيَاقٌ - أَوَّلَ البُكْرَةِ» (٣). وقالوا: ولا مانع أَنْ يخص الله بلدًا بميزة لا تكون في غيرها لبعض إلاَّ دواء في الأدوية التي تكون في بعض تلك البلاد دون ذلك الجنس في غيره، لتأثير يكون في تلك الأرض أو ذلك الهواء ببركة النبي ﷺ . قَالَ الْقُرْطُبِيّ: «ظَاهِر [الأَحَادِيث] خُصُوصِيَّةِ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ بِدَفْعِ السُّمّ وَإِبْطَال السِّحْر، وَالْمُطْلَق مِنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى المُقَيَّدِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْخَوَاصِّ الَّتِي لاَ تُدْرَكُ بِقِيَاسٍ ظَنِّيٍّ» (٤).

стр. 141

وقال النووي: «وَفِي هَذِهِ [الأَحَادِيثِ] فَضِيلَةُ تَمْرِ الْمَدِينَةِ وَعَجْوَتِهَا وَفَضِيلَةُ التَّصَبُّحِ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْهُ وَتَخْصِيصُ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ غَيْرِهَا» (١). ومنهم من قال إنَّ هذا عام في كل عجوة لأنَّ: «السَّمُومَ إِنَّمَا تَقْتُلُ لإِفْرَاطِ بُرُودَتِهَا فَإِذَا دَاوَمَ عَلَى التَّصَبُّحِ بِالْعَجْوَةِ تَحَكَّمَتْ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَأَعَانَتْهَا الْحَرَارَةُ الْغَرِيزِيَّةُ فَقَاوَمَ ذَلِكَ بُرُودَةَ السُّمِّ مَا لَمْ يُسْتَحْكَمْ» (٢). والذي ارتضاه الأكثرون تخصيصه لعجوة المدينة لما مَرَّ من حديث " مسلم " ولما جاء في حديث سَعْدٍ الآتِي قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي فَقَالَ: «إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ، ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ أَخَا ثَقِيفٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ» (٣). قال ابن القيم: «والتمر غذاء فاضل حافظ الصحة ولا سيما من اعتاد الغذاء به كأهل المدينة وغيرهم ... » إلى أَنْ قال: «وتمر العالية من أجود أصناف تمرهم فإنه مُلَيِّنٌ للجسم لذيذ الطعم، صادق الحلاوة، والتمر يدخل في الأغذية والأدوية والفاكهة وهو يوافق أكثر الأبدان ... ولا ريب أَنَّ للأمكنة اختصاصًا ينفع كثيرًا من الأدوية في ذلك دون غيره فيكون الدواء الذي نبت في هذا المكان نافعًا من الداء» (٤). ولا يوجد فيه ذلك النفع إذا نبت ف يمكان غيره لتأثير

стр. 142

نفس التربية أو الهواء أو هما معًا جميعًا، فإنَّ للأرض خواص وطبائع يقارب اختلافها اختلاف طبائع الإنسان، وكثير من النبات يكون في بعض البلاد غذاء مأكولاً، وفي بعضها سُمًّا قاتلاً. وقال في مكان آخر: «وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ [هَذَا] التَّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنَ السَّمِّ وَالسِّحْرِ، بِحَيْثُ تَمْنَعُ إِصَابَتُهُ، مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَوْ قَالَهَا أَبُقْرَاطُ وَجَالِينُوسْ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَطِبَّاءِ، لَتَلَقَّاهَا عَنْهُمُ الأَطِبَّاءُ بِالقَبُولِ وَالإِذْعَانِ وَالانْقِيَادِ، مَعَ أَنَّ الْقَائِلَ إِنَّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتَّخْمِينُ وَالظَّنُّ، فَمَنْ كَلاَمُهُ كُلُّهُ يَقِينٌ، وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ، وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقَّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَتَرْكِ الاعْتِرَاضِ» (١). «أما السحر فإذا ذهبنا إلى أنه مرض نفسي، وأنه يحتاج إلى علاج نفسي، وَأَنَّ الإيحاء النفسي له أثر كبير في شفاء المرضى بمثل تلك الأمراض، وإذا أخذنا العجوة إلى أنها مُغَذِّيَةٌ مفيدة للجسم، مقوية للبنية، قاتلة للديدان، قاضية على تعفن الفضلات، وأنها من عجوة المدينة، مدينة النبي ﷺ ، وأن هذا علاج وصفه ﵊، وهو الذي لا ينطق عن الهوى. لا أشك في أَنَّ ذلك يحدث أثراً طيباً في نفس المسحور، وقد أثبت الطب أثر التخيل والوهم والإيحاء النفسي في كثير من الأمراض شفاء أو إصابة، أفليس ذلك من شأنه ألا نتسرع في تكذيب الحديث ما دام من الممكن تخريجه على وجه معقول؟» (٢). تجربة علمية تؤيد الحديث: ---------------------------- وإذا كان الحديث حُجَّةً في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي، فإنَّ النفس تطير فرحًا وسرورًا عندما يوافق العلمُ الصحيح الحديثَ الصحيح، كتبت جريدة " الأهرام " تحت عنوان (البلح علاج لأمراض العيون والجلد والأنيميا والنزيف ولين العظام والبواسير ويساعد على الولادة بسرعة).

стр. 143

أثبتت الأبحاث العلمية التي أجريت أخيرًا بالمركز القومي للبحوث أَنَّ البلح غذاء كامل، ويفيد في وقاية الجسم وعلاجه من أمراض العيون وضعف البصر وعلاج الأمراض الجلدية كالبلاجرا وأمراض الأنيميا وحالات النزيف ولين العظام والبواسير ويساند المرأة الحامل على الولادة بسهولة. صَرَّحَ بذلك الدكتور عبد العزيز شرف المشرف على وحدة بحوث الأدوية بالمركز القومي للبحوث وأضاف: «إِنَّ الأبحاث أثبتت كذلك أَنَّ البلح يعادل اللحم في قيمته الغذائية ويتفوق عليه بما يعطيه من سعرات حرارية ومواد معدنية وسكرية وذلك بالإضافة إلى أنه غني بالكالسيوم والفُسْفُورِ والحديد ويحتوي على غالبية الفيتامينات المعروفة» (١). ويقول الدكتور السباعي أنه جرب بنفسه حين ذهب إلى الحج في عام ١٣٨٤ هـ واستمر على التصبح بسبع تمرات من تمر المدينة مدة خمسة أشهر كاملة، وأنه مصاب بمرض (السكر) ثم حلل البول والدم فلم يظهر أي أثر للسكر في البول ولم يزد السكر في الدم عما كان عليه قبل سفره إلى الحج (٢). بعد هذه التجارب المؤكدة لا يجوز أَنْ يبقى شك في نفس المسلم. أما الملحدون وأصحاب الأهواء فللكلام معهم أسلوب آخر ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

стр. 144

الحديث الثالث: ٣ - عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لاَ يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ» (١). النقد: هذا الحديث من الأحاديث التي زعم مؤلف " فجر الإسلام " أَنَّ الحوادث الزمنية والمشاهد التجريبية تخالفه كما مر آنفًا في الحديث السابق. الرد: إِنَّ صاحب " فجر الإسلام " اقتصر على الجزء من الحديث الذي ذكره البخاري (٢) « ... فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ»، أما البخاري فعادته ما جرى عليه من تقطيع الحديث في أبواب متعددة، والمؤلف إنما حكم عليه بالوضع لمخالفته للحوادث التاريخية والمشاهد - على حسب زعمه - على الجزء من الحديث، فلو جمع الحديث من طرقه المختلفة وأبوابه المتعددة، ربما لم يخرج بهذه النتيجة المؤسفة. فقد روى الحديث

стр. 145

من طرق متعددة فَسَّرَ بعضها بعضًا، فالمراد من الحديث أنه عند انقضاء مائة سَنَةٍ من قول رسول الله ﷺ لن يبقى أحد مِمَّنْ كان موجودًا في عهده ﷺ حين قال هذا النبأ. قال ابن قتيبة: «وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا حَدِيثٌ قَدْ أَسْقَطَ الرُّوَاةُ مِنْهُ حَرْفًا (أي كلمة)، إِمَّا لأَنَّهُمْ نَسَوْهُ، أَوْ لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْفَاهُ، فَلَمْ يَسْمَعُوهُ. وَنَرَاهُ - بَلْ لاَ نَشُكُّ - أَنَّهُ قَالَ: " لاَ يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ ". يَعْنِي، مِمَّنْ حَضَرَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ يَعْنِي الصَّحَابَةَ فَأَسْقَطَ الرَّاوِي (مِنْكُم)» (١). وعلى كل حال فإنَّ الروايات الأخرى توضح هذه الرواية، قال النووي: «هَذِهِ الأَحَادِيثُ [قَدْ] فَسَّرَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَفِيهَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ وَالمُرَادُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الأَرْضِ لاَ تَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ أَمْرُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ» (٢). ويرى الدكتور السباعي: أَنَّ بعض الصحابة «لَمْ يَفْطِنْ إِلَىَ تَقْيِيدِ الرَّسُولِ بِمَنْ هُوَ عَلَىَ ظَهْرِهَا - اليَوْمَ - فَظَنُّوهُ عَلَىَ إِطْلاَقِهِ وَأَنََّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَنَبَّهَهُمْ ابْنِ عُمَرَ إِلَىَ [القَيْدِ] فِي لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيَّنَ لَهُمْ المُرَادَ مِنْهُ» (٣). وقد استقصى العلماء من كان آخر الصحابة مَوْتًا فذكر الحافظ في " الفتح " أَنَّ أبا الطُفيل عامل بن واثلة آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ وَأَنَّ وفاته كانت سَنَةَ مائة من الهجرة (٤). وكل ما في الأمر أَنَّ الرسول بَيَّنَ لأصحابه أنهم لن يعمروا كما عمر من
следующие страницы →