← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 26583

السنة في مواجهة الأباطيل

محمد طاهر حكيم

Полный текст (181 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا بعض ما كتبه الدكتور عن السُنَّة ورجالها، وهو ترديد لما سبق من كلام أعداء الإسلام من المستشرقين وأذنابهم من الطعن في السُنَّة وتشكيك لما ثبت وصحح على أيدي المحققين أصحاب السُنن الذين حفظوا الإسلام ممثلاً في تراثه الخالد جيلاً بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها. إنَّ المحققين قد أجمعوا على أنَّ أصح الكتب بعد كتاب الله لهي " صحيح البخاري " فـ " مسلم " ثم " أبو داود "، فـ " الترمذي "، فـ " النسائي "، و " ابن ماجه "، فقوله: «إِنَّ الجمهرة من الأحاديث النبوية مُخْتَلَقَة» هو محض افتراء وكذب وطعن في الصحاح وتجاهل بمكانة السُنَّة التي هي صنو الكتاب في التشريع، على أني لا أضيع وقتي في الرد على مزاعم الدكتور إذ هي ترديد لما سبقت من المستشرقين وتلامذتهم ولأنها ليست قليلة بمكان يمكن أَنْ تضمَّها هذه العجالة السريعة. إنَّ نظرة المؤلف العامة للإسلام نظرة مُشَوَّهَةٌ ومحفوفة بالمخاطر والمطاعن ومن طالع كتابه هذا بإمعان يدرك أنه لا يهدف إلى هدم السُنَّة والطعن فيها فحسب بل يتخذ منها سبيلاً إلى تحريف القرآن والشريعة ليخضعهما - على حسب زعمه - لمتطلبات العصر، وجعلهما عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والظروف حتى يصل في نهاية المطاف إلى إبطال الدين والشرائع. يقول (١): «إنَّ روح الإسلام التي تقر مبدأ الصالح العام بل تقدِّسه تسمح في هذا العر بأنْ تكون المرأة قوامة على الرجل بقدر ما تسمح بأنْ يكون الرجل قَوَّامًا على المرأة إذ أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى الاعتبار الاقتصادي لا أكثر ولا أقل، بخلاف ما كان عليه الحال في فجر الإسلام» ... إلى آخره ... فهو لا يهمه أنْ يبطل مفعول الآية الكريمة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٢)

стр. 72

تحت ستار الصالح العام وكيف يأتي بعبارة مُنَمَّقَةٍ عليها مسحة البحث العلمي المزعوم ليبطل حكم الله الخالد وسُنَّته التي لا تتبدل ويثبت أنَّ المرأة قَوَّامَةٌ على الرجل ويرجع ذلك - على زعمه - إلى الاعتبار الاقتصادي لا أقل ولا أكثر، أما الدين والخلق فلا عبرة بهما. ثم يقول: « ... والقرآن الشريف والأحاديث النبوية مجموعة مبادئ خلقية وسلوكية مُسببة، بحيث أنَّ أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والأسباب ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفاقًا لتبدل الأسباب والظروف» (١). إنَّ الرجل يريد أنْ نُبَدِّلَ القرآن والسُنَّة على حسب أهوائه ونزعاته وشهواته، إنه يظن مصادر التشريع الإسلامي أهون من قوانين أوروبا التي لا تستبدل إلاَّ بعد إجراء تجارب معينة وتحت ظروف وجمعية تشريعية عليا لتصرفها حسب الظروف المتبدلة، إنني أخشى على الإسلام من أعدائه قدر ما أخاف عليه من أبنائه وأدعيائه. إنَّ الرجل عاش وتربَّى في حضن الولايات المتحدة الأمريكية وعايش بعض الأحداث في عصر كان يدين بالحرية المطلقة، وهو معجب بمدنية أوروبا الغربية عامة وبأمريكا خاصة ويُمَجِّدَهَا تمجيدًا قويًا - ولهذا كثيرًا ما يُرَى في كتابه يستشهد بمبادئ أمريكا وحضارتها حتى قال: «إنَّ مبادئ الإسلام نظريًا وعمليًّا هي أقرب ما تكون لمبادئ الحضارة الأمريكية والحياة الأمريكية تفكيرًا وسلوكًا، فهل يتنبَّه المسلمون إلى هذه الحقيقة الراسخة فيفلحوا» (٢). لم أَرُدُّ عليه وهو يجعل من القوانين الرخيصة الوضعية مثلاً أعلى ومن الحياة الغربية المهنية شأنًا وأي شأن؟؟!! يقول:

стр. 73

«وما الدفاع الذي تقوم به أمريكا اليوم عن العالم الحر إلاَّ صنو الدفاع الذي رفع لواءه محمد ﷺ » (١). إنَّ الرجل الذي بلغ الذروة في حبه لأمريكا ومبادئها وحضارتها وأعجب بها أي إعجاب حتى نسي ما تقوم به أمريكا من مساندة وتأييد للصهيونية المجرمة الغاشمة وإسرائيل وغمطها للحق العربي الإسلامي وحق شعب فلسطين. إنَّ المؤلف مُعْجَبٌ بالثورات لذلك سَمَّى كتابه " ثورة الإسلام " وهل ما يدري ماذا جنى المسلمون والعرب من تلك الثورات المتعاقبة على حكوماتهم إلاَّ ضعفًا على ضعف ووهنًا على وهنٍ، إنَّ الثورة بمفهومها تعني التغيير والتبديل بالقوة والتسلط وفرض نفسها بالجبروت والطغيان والاستيلاء على السلطة بالعنف ... فهل جاء الإسلام ثائرًا على البشرية ثائرًا على أوضاعها وتقاليدها، ثائرًا على حياتها ومجتمعاتها .. كَلاَّ إنه جاءها هاديًا للبشرية ورحمة للإنسانية مُنَفِّذًا لها من هاوية الدمار والخراب .. إلى دار السعادة والهناء والبقاء .. والخير والفلاح .. في الدنيا والآخرة. هذا ولا يزال أعداء السُنَّة يواصلون حملات تضليلية تشكيكية مُرَكِّزَةٍ تستهدف السُنَّة بل الإسلام عقيدة وشريعة، فقد نشرت مجلة " العربي " الكويتية (٢) مقالاً لعبد الوارث بعنوان [ليس كل ما في صحيح البخاري صحيحًا وليست هذه الأحاديث مفتراة فحسب بل منكرة] وطالب فيه بضرورة تنقية كتب التفسير والحديث من هذه الخزعبلات والمفتريات .. على حد زعمه. ومزاعمه هذه ما هي إلاَّ مواصلة لمساعي سادته المستشرقين والغربيِّين المنطوين على الحقد الدفين ضد الإسلام والمسلمين. والأدهى من هذا وأَمَرُّ أنْ يدعو رئيس دولة إسلامية إلى نبذ السُنَّة وإنكارها ويجهر بذلك، فيا لله لدواوين السُنَّة وكُتُبَ الحديث، نعوذ بالله من الخذلان واستحواذ الشيطان، ومن يضلل الله فلا هادي له.

стр. 74

الفصل السادس: مُنكرو السُنَّة في القارة الهندية: تمهيد: سبق أنْ ذكرنا أنَّ كُتُبَ التاريخ لا تحدِّثنا عن أفراد أو جماعات انتسبت إلى الإسلام ودعت إلى نبذ السُنَّة بعد القرن الثاني أو على الأكثر بعد القرن الثالث، وأنَّ الأُمَّة الإسلامية ظلت آمنة طوال أحد عشر قرنًا إلاَّ أنَّ الفتنة قد استيقظت بعد ذلك من قبل المستعمرين. يقول الأستاذ المودودي ﵀: «ما أنْ حل القرن الثالث عشر الهجري حتى دبت الحياة في هذه الفتنة (فتنة إنكار السُنَّة وحُجِيَّتها) من جديد فكانت ولادتها في العراق وترعرعت في الهند، وإنِّ بدايتها لتعود في الهند إلى سيد أحمد خان ومولوي جراغ علي، ثم كان فارسها المقدام مولوي عبد الله جكرالوي ثم تَسَلَّمَ الراية مولوي أحمد دين امرتسري ثم تقدم بها مولانا أسلم جراجيوري وأخيرًا تولى رياستها غلام أحمد برويز الذي أوصلها إلى ساحل الضلال» (١). وفي ضوء ما أشار إليه الأستاذ المودودي ينبغي أنْ نَتَعَرَّفَ على أفكار السيد أحمد خان وجراغ علي حول السُنَّة (٢)، لأنَّ أفكارهما هي التي مَهَّدَتْ الطريق لإعلان خبايا نفوس أهل القرآن الذين صَرَّحُوا بإنكار السُنَّة كلها، وأخذوا يدعون إليها كحركة علمية ثقافية تقدمية فَاغْتَرَّ بالانضمام إليها بعض البُلْهِ ومن لا صلة له بالعلوم الدينية من العامة والمثقفين (٣).

стр. 75

نشأة أهل القرآن في القارة الهندية: في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بدأت الدعوات الهَدَّامَةُ تغزو الهند إثر إصابة المسلمين بجمود ثقافي واجتماعي، غير أنَّ مفعولها سَرَى على شكل واضح في ولاية بنجاب بأواسط الهند الموحدة. وما أسوأ حظ هذه البقعة من الأرض حيث كانت مسرحًا لحركتين هَدَّامَتَيْنِ للإسلام - القاديانية وأهل القرآن. ففي سَنَةِ ١٩٠٠ م ظهر في تلك البقعة ميرزا غلام أحمد القادياني وادَّعَى النبوة، ثم بدأ غلام نبي المعروف بعبد الله جكرالوي (١) نشاطه الهدام بإنكار السُنَّة كلها وأسس مذهبه باسم أهل القرآن في سَنَةِ ١٩٠٢ م.

стр. 76

وقد تزعم حركة أهل القرآن في بداية الأمر شخصيتان «محب الحق عظيم آبادي» (١) في بهار - شرقي الهند - و «عبد الله الجكرالوي» في لاهور في آن واحد. غير أنَّ الأول لم يخالف المسلمين في الأعمال الظاهرة بل كان متمثلاً لها كأي فرد من المسلمين باستنباط ذلك من القرآن الكريم دون اللجوء إلى السُنَّة الشريفة (٢) مع ما سجله من المخالفات الظاهرة كإنكاره وجود منصب الإمامة في الإسلام لعدم ذكر القرآن له وغير ذلك. وأما عبد الله فقد خالف المسلمين منذ اللحظة الأولى ابتداء من ثاني أركان الإسلام إلى أنْ أدى به المقام إلى تشكيل فرقة جديدة باسم (أهل الذكر والقرآن). أسباب نشأة أهل القرآن: كانت المصادر التي بحثت عن نشأة أهل القرآن وخروجهم إلى حَيِّز الوجود تتفق على أنهم الثمرة الطبيعية للحركة التي بذر بذورها أعضاء حركة السيد أحمد خان (٣) وقد تحدث عن ذلك الشيخ ثناء الله ما نصه «ما أشأم ذلك اليوم

стр. 77

الذي خرج فيه صوت عليكره (١) المخالف لجميع الأمة الإسلامية الداعي إلى الاعتماد على القرآن وحده في الدين أو السُنَّة لا تكون دليلاً شرعيًا، فأثر هذا الصوت على الحافظ محب الحق العظيم آبادي في " بتنة " بالهند كما أثر على عبد الله جكرالوي في لاهور بباكستان أعظم تأثير» (٢). ٢ - أصابت المسلمين بجمود ثقافي واجتماعي وجهل الكثيرين منهم بأمور دينهم مما نتج عنه فقدان العلم الصحيح بين الأوساط الإسلامية. ٣ - استغلال الدولة المستعمرة تربية بعض الأفراد المنحرفين ممن تسموا بالمسلمين مباشرة أو بالوساطة وشحن أفكارهم لصالحها ولو على حساب الدين، مما تضمن بهم الولاء على المسلمين وكان على رأس هؤلاء غلام أحمد القادياني وعبد الله جكرالوي وأتباعهما. ٤ - اغترار بعض الفئات بالنظريات العلمية الأوروبية المنتشرة خلال النصف الأول من القرن العشرين وتفسير الحقائق الإسلامية على ضوء تلك النظريات والتوفيق بينها وبين الإسلام، وقد ترأس أتباع سيد أحمد خان إيجاد

стр. 78

هذا الانسجام، ثم تبعهم أهل القرآن في هذا المسلك لوجود الصلة الروحية بين الفريقين (١). ٥ - ولعل السبب المباشر لنشأة أهل القرآن هو شعورهم بضرورة وحدة الصف الإسلامي والخلاص من الفرق المتعددة (على حد زعمهم) من الحنفية والشافعية والمالكية .. وجميع المسلمين تحت راية واحدة، لكنهم ضلوا الطريق لجهلهم بالإسلام وأسس الحكمة (٢). ومهما تعددت أسباب نشأتهم إلاَّ أنَّ في طبيعة هذه الأسباب إنما هو الزيغ والإلحاد والضلال وحب الشهرة والرئاسة والحصول على المكانة المرموقة عند المستعمر وكسب المكاسب المادية منه.

стр. 79

أشهر زعماء أهل القرآن: ١ - الخواجه أحمد دين الأمرتسري: ولد في عام ١٨٦١ م بمدينة امرتسر بالهند، وتلقى علومه الدينية في امرتسر وغاية ما وصل إليه من التعليم المنتظم هو الثانوية الإسلامية في امرتسر، غير أنَّ جِدَّهُ وشغفه بالمطالعة أكسباه شهرة واسعة فَعُيِّنَ عضوًا لهيئة التدريس في المدرسة الإسلامية بامرتسر. وفي ١٩١٧ م أحيل إلى التقاعد ثم دَرَّسَ مُدَّةً في مدرسة البنات وكان يجيد اللغة العربية والفارسية والأردية والإنجليزية، وقد نبغ في كل علوم الاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والفلك والمنطق والعلوم الإسلامية كما كان يعرف علم النبات وطبقات الأرض وغيرها من العلوم الشائعة آنذاك (١). وقد اتصل بعبد الله الجكرالوي في ١٩٠٢ م وكثيرًا ما كان الخواجه يزروه لتبادل الآراء والمناقشة حول العديد من المسائل العلمية فيقنع عبد الله الخواجه أحيانًا كما كان يقنع هو بآراء الخواجه أحيانًا أخرى. هذا وقد قام الخواجه بتأسيس طائفته النفصلة بامرتسر في عام ١٩٢٦ م واختار لها اسم (أُمَّة الإسلام) وأصدر مجلة " البلاغ " خاصة بهذه الجماعة تحمل أفكارهم وتنشر نظرياتهم الخاصة وقد استطاع أنْ يجذب إليه كثيرًا من الأثرياء والبلغاء والنبهاء، وَيُوَسِّعَ نشاط هذه الفرقة بسبب دماثة خُلُقِهِ. وكان يمتاز بعمق الفكر فيما يكتب فيه يفوفي الموضوع حقه من جميع جوانبه بالاعتماد على القرآن وحده دون اللجوء إلى ما عداه. وله مؤلفات

стр. 80

عديدة، من أشهرها " معجزة القرآن " (مجلد واحد) مات في ١٩٣٦ من بعد أنْ ظل طريح الفراش ثلاثة أشهر. ٢ - الحافظ أسلم جراجبوري: ولد في جراجبور عام ١٨٨٠ م بالهند في أسرة أهل الحديث وحفظ القرآن قبل أنْ يناهز التاسعة من عمره ولذلك لُقِّبَ بالحافظ. ثم درس الفارسية والإنجليزية ثم الرياضيات كما أنه درس العربية على مولانا فتح الله. والمعروف أنه لم يدرس في مدرسة منظمة إلاَّ أنَّ شغفه بالعلم والمطالعة سَمَا به إلى مكان مرموق وقد تنقل مُدَرِّسًا في عدة مراحل. ولعل صلته بأهل القرآن ترجع إلى قلقه النفسي من جراء مسألة حجب ابن الابن بعد وفاة أبيه مع عمه، يقول: أثناء دراستي للسراجي (١) وقفت في مسألة حجب ابن الابن مع عمه، ولم تلق في نفسي قبولاً فبحث في علم الفرائض فلم أجد لي موافقًا، وأخيرًا وجدت القرآن يوافق ذلك (٢). وقد أخرج كتابًا باسم " محجوب الإرث " نقد فيه قواعد الميراث المجمع عليها بين المسلمين. والحافظ يمتاز - من بين أهل القرآن - باطِّلاعه الواسع وكثرة مؤلفاته في النقد للعلوم المستنبطة لخدمة السُنَّة. وهو يعتبر الرجل الثاني - بعد برويز - من حيث التأليف والقيام بنشر أفكار أهل القرآن. وقد مات في ٢٨ ديسمبر عام ١٩٥٥ م عن عُمُرٍ قارب الخمسة والسبعين.

стр. 81

٣ - برويز: هو غلام أحمد برويز بن فضل دين، ولد في عام ١٩٠٣ م، في بلدة بثالة القريبة من قاديان بالبنجاب الشرقية في الهند في أسرة علمية وتلقى علومه الدينية الأولى في كنف جده ولم يتجاوز في دراسته الثانوية ثم انتقل إلى المحيط العملي فتوظف في المطبعة الحكومية. وبعد استقلال باكستان انتقل إلى كراتشي ونشط في دعوته نشاطًا بالغًا لخلو الجو من المعارضة آنذاك فوضع لمؤيِّديه أسسًا واضحة وجعل لهم مكاتب فكر تحت إدارته ولم تمض بضع سنوات حتى عَمَّ ذكره في أرجاء باكستان وانضم إلى صفوفه كثير من المثقفين المحامين والمحاضرين والطلاب والمهندسين. وكان يمتاز بالاطلاع الواسع على الأفكار الأوروبية ويرمي وجوب صيغ الإسلام بها، وهو يعتقد أنَّ النظريات العلمية حقائق لا تقبل الجدل والمناقشة بل يجب تفسير القرآن بمقتضاها (١). كما أنَّ أسلوبه في المؤلفات يجلب قارئه من حيث يذهل عما دَسَّ فيها من الأباطيل، أما التأويل وصرف الكلمات عن معانيها الحقيقية في كتبه فَحَدِّثْ ولا حرج، فما من معتقد إسلامي إلاَّ مَسَّهُ قلم برويز بالتأويل بأسلوب لا يفطن إليه إلاَّ المتعمق في دراسة العلوم الإسلامية. والرجل قد تتلمذ على الحافظ أسلم وورث منه جميع مخلَّفات الخواجه الفكرية حول السُنَّة، ويُعَدُّ السيد أحمد خان في قائمة مفكري هذا العصر ويمدح عبد الله الجكرالوي في منهجه وَيَدَّعِي كمال الدين في القرآن وعدم التسليم لغيره في الحُجَّةِ والبرهان، وهو يعتبر أكثر أهل القرآن كتابة وتأليفًا (٢).

стр. 82

ولا يزال الرجل حَيًّا يسعى ويجتهد في نشر أفكاره وحزبه (طلوع اسلام) أقوى أحزاب أهل القرآن الموجودين في الوقت الحاضر. ويوجد في الوقت الحاضر أربع فرق من أهل القرآن (١) ويجمعهم أمران: ١ - القول بالاكتفاء على القرآن وحده في أمور الدنيا والآخرة. ٢ - وأنَّ السُنَّة النبوية - عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ - ليست بحجة في الدين فلا مجال لإقحامها فيه، وبهذا نعرف الفرق بين أهل القرآن وغيرهم من منكري السُنَّة، فهؤلاء ينكرون السُنَّةَ أصلاً كمصدر للتشريع بينما غيرهم يثيرون الشُبُهَاتِ حولها. يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إنَّ الذين يثيرون الغبار حول السنة فريقان، فريق ظهر مروقه من الدين مروق السهم من الرمية وقد ظهرت هذه الطائفة في الهند وباكستان والْتَقَيْتُ بنفر منهم فحكمت بادي الرأي عليهم بحكم لاَ يَسُرُّ أتباعهم في مصر، ذلك أنَّ هؤلاء لا يكتفون بإنكار حُجيَّة السُنَّة بل يفسرون القرآن بأهوائهم وما يعرفون كلمة عربية بل يفسرون الترجمة الأعجمية الباطلة ويضربون الكتاب بعضه ببعض فينكرون حكم آيات المواريث وحكم آيات الصدقات بل ينكرون بعض الصلوات وهكذا كان علمهم إنكارًا وتفكيرهم ضلالاً، وأصل هؤلاء من منبوذي الهنود دخلوا الإسلام ليفسدوه فضل سعيهم .. وساء ما يفعلون ويقولون، وقد وجدنا أتباعًا لهذه النحلة الضالة المضلة في مصر .. والفريق الثاني من هؤلاء لا يظهرون إنكار حجية السُنَّة ولكنهم يكثرون من التشكيك فيها وفي الرُوَاةِ وَيَدَّعُونَ أنهم يريدون تنقيتها، وأولئك منهم من يلبس العمائم

стр. 83

وَيَتَزَيَّ بِزِيِّ الإسلام ويتسربل بسربال علمائه .. ويقول: إنه تَخَرَّجَ من معاهد أقيمت للدراسة الإسلامية. وهؤلاء نقول لهم: بدل أنْ تطعنوا بالجملة: خَصِّصُوا وادرسوا إنْ كنتم مخلصين وائتونا بمجموعة تقيمون الدليل فيها على عدم صدق النسبة إلى النبي ﷺ ، أما أنْ تلقوا القول على عواهنه وتثيرون الغبار في الجو كله .. فإنَّ ذلك يدل على فساد المقصد وسوء الطوية ويثبت أنكم لا تريدون للإسلام عزًا ولا لأحكامه تقريرًا وتثبيتًا (١). سيد أحمد خان (٢) وموقفه من السُنَّة النبوية: سبق أنْ ذكرنا أنَّ نشأة أهل القرآن إنما كانت الثمرة الطبيعية للحركة التي بذر بذورها أعضاء حركة السيد أحمد خان وذكرنا أنَّ حركة السيد أحمد خان

стр. 84

كانت تقوم على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية وأنه لا بُدَّ للمسلمين إذا أرادوا الرقي والتقدم والازدهار أنْ يتخلَّوا عن مبادئ دينهم ونظم شريعتهم وأنْ يُقَلِّدُوا مستعمريهم في كل شؤون دينهم ودنياهم، فهذا طريق رُقِيِّهِمْ وتقدمهم. وأما موقفه من السُنَّة فيتَّضح مما سجله بقلمه في العديد من كتبه وقد استغرقت بحوثه عن السُنَّة والأحكام الواردة عن طريقها الجزء الأكبر من مقالاته الدينية فبدأ بالتأويل في المغيبات الواردة عن طريقها مثل تأويله في تعريف الشيطان بأنه «القوى العدائية التي لا يملك الإنسان السيطرة عليها» (١). ثم تقدم خطوة فأنكر الجزئيات من السُنَّة مثل إنكاره للسُنَّة الواردة في مماثلة الأراضين للسماوات في العدد، فقال: «إنَّ هذا التصور مما كان يقول به الجاهليون دون سواهم .. وبناء على لفظ ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ في الآية (٢) وضعت تلك الروايات كلها في هذا الباب والله ورسوله بريء منها» (٣). ومثل إنكاره للأمر الخارق للعادة، فما كان منه في القرآن نفاه على أنه لم يقع كَنَفْيِهِ إلقاء إبراهيم في النار وولادة عيسى ﵇ من غير أب، وابتلاع الحوت ليونس ﵇ (٣) أو حمله على الاستعارات والمجازات، وما كان من الخرق في السُنَّةِ أنكره استنادًا إلى أنه مخالف للقوانين الطبيعية ولا يصح الخلف في القوانين الطبيعية البتة (٣). ثم تقدم خطوة فقال: «بعد وفاة الرسول ﷺ ظلت الروايات تتناقل على الألسنة إلى عهد التصنيف في الكتب المعتمدة، غير أننا لا نستطيع

стр. 85

أن نغض الطرف عن الصورة التي دُوِّنَتْ بها كتب الأحاديث تلك التي كان مبناها روايات الذاكرة .. بينما البعد الزمني كفيل بمزج الزائد بها وإضافة الجديد إليها» (١). ويضيف قائلاً: «بأنَّ ما دُوِّنَ في هذه الكتب من الأحاديث إنما هي ألفاظ للرُواة ولا نعرف ما بين اللفظ الأصلي - الصادر من سفتيه ﷺ والمُعَبِّرُ به من وفاق أو خلاف وليس من العجب أنْ يخطئ أحد الرُواة في فهم الحديث مما يكون سببًا في ضياع المفهوم الصحيح» (٢). وبناء على هذا جعل الأحكام المستنبطة من السُنَّة بوجه عام أحكامًا لا يجب على المسلم اتِّبَاعَهَا «وأنَّ ما استخرج العلماء من نصوصها الحالية إنما هي أحكام اجتهادية لا نَصِّيَةَ فيها ولا حتمية لاحتمال ألاَّ يكون ذلك مقصوده ﵇» (٣). ثم خطا خطوة أخرى إلى الأمام فعاتب المحدثين والسلف مُحَمِّلاً إياهم التقصير في عدم تمحيص متون السُنَّة مثل السند فقال: «وإنا لنشكر المحدثين جهودهم المبذولة في هذا الشأن غير أنَّ جُلَّ مساعيهم بل كلها لم تتجاوز توثيق الرُواة وعدمه بينما أولئك الرُواة قد مضى على وفاتهم زمن طويل ثم أعقب ذلك دور التحقيق عنهم بحيث يكون هو العمدة في قبول الحديث ورده، فإنْ لم يكن هذا العمل مستحيلاً فلا يخلو أنْ يكون أمرًا في غاية الصعوبة» (٤). كما قال أحمد أمين في " ضُحَى الإسلام " (٥). وفي نهاية المطاف حاول أنْ يُجْهِزَ على السُنَّة بوضعه الشروط التي يَتَعذَّرُ توفرها في أغلب الأحاديث فقال: «والمعيار السليم لقبولها هو أنْ ينظر إلى المروي بمنظار القرآن، فما وافقه أخذناه ولما لم يوفقه نبذناه ... وإنْ نُسِبَ شَيْءٌ من ذلك إلى الرسول ﷺ فيجب أن يتوفر فيه ثلاثة شروط.

стр. 86

١ - أَنْ يكون الحديث المروي قول الرسول بالجزم واليقين. ٢ - أَنْ توجد شهادة تثبت أنَّ الكلمات التي أتى بها الراوي هي الكلمات النبوية بعينها. ٣ - أَلاَّ يكون للكلمات التي أتى بها الرُواة معان سوى ما ذكرها الشُرَّاحُ. فإن اختلف أحد هذه الشروط الثلاثة لم يصح نسبة القول إلى رسول الله ﷺ أو إنه حديث من أحاديثه» (١). وهذه الشروط لا تتوفر إلاَّ في المتواتر اللفظي دون سائر السُنَّة الصحيحة المتواترة تواترًا معنويًا أو السُنَّة الآحادية التي عليها مدار الأحكام الشرعية عند المسلمين، إذًا فمعنى هذا نبذ السُنَّة كمصدر تشريعي للدين الحنيف. ويعلم من هذا أنَّ المؤلف باشتراط هذه الشروط يريد أنْ يتوصَّل تدريجيًا إلى إنكار السُنَّة وَحُجِيَّتُهَا وأنْ يُجْهِزَ عليها كليًا لأنَّ هذه الشروط يتعذَّرُ توفرها في أغلب الأحاديث. ولا غرابة منه هذا فقد أنكر الجنة والنار والملائكة وكثيرًا من أمور الآخرة التي تواترت النصوص على ثبوتها ووجودها.

стр. 87

جراغ علي وموقفه من السُنَّة: يعتبر جراغ عَلِي (١) أحد أعمدة المدرسة التي أسَّسَهَا السيد أحمد خان ومن أكبر المدافعين عن آراء السيد كما أنه حاول أنْ يصبغ الإسلام بالحضارة الغربية مثل أستاذه - السيد أحمد خان - فَأًوَّلَ نصوص الإسلام بما يتلاءم مع تلك الحياة الأوروبية. يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: «إنَّ المستعمرين قد تَنَبَّهُوا لخطورة روح الجهاد بالسيف فشرعوا بالطعن في أحاديث الجهاد وكان جراغ عَلِي والمُتَنَبِّ الكذاب القادياني من قادة هذه المدرسة كما أنتجب الروح الإنهزامية رجالاً مثل السيد أحمد خان وعبد الله جكرالوي وأحمد أمرتسري وآخرين ... » (٢). وأما موقفه من السُنَّة فإنه يكشف النقاب عنه قوله: «إِنَّ القرآن كامل من كل الوجوه ويواكب سير الحضارة وتطورها ويرفع مُتَّبِعِيهِ إلى أعلى درجات الرُقِيِّ والتمدن، فإنْ أحسنَّا تفسيره وتعبيره سلك بنا هذا المسلك، وإنْ قَيَّدْنَاهُ بآراء المفسرين ومنهجهم وحصرناه في الروايات فإنَّ الوضع

стр. 88

ينقل رأسًا على عقب فنسير نحو الهبوط والهاوية بدلاً من التقدم ومسايرة الركب لأنَّ الروايات لم يصح منها إلاَّ القليل بل جُلُّهَا فرضيات وأوهام للعلماء أو أنها دلائل قياسية وإجماعية. وهذا المسلك هو ما يسير عليه قانون الشريعة والفقه ولا شك أنَّ مثل هذا المسلك يحجز عن الرقي والتقدم ومسايرة ظروف الحياة» (١). ويقول: «إنَّ المحقِّقين الذين جمعوا الأحاديث ومَيَّزُوا بين سقيمها وصحيحها صَرَّحُوا بأنَّ الحديث مهما قوي سنده لا يمكن الاعتماد عليه وما ذكر فيه غير حتمي قطعًا، فلو أَمْعَنَّا النظر في هذه الحقيقة لاضطررنا أنْ نقول: إنَّ معايير الصدق والأصول العقلية لا حاجة لإقامتها لتمير الحديث لأنَّ الحديث في حَدِّ ذاته لا يمكن الاعتماد عليه ولا اعتبار لما يتحدث عنه» (٢). هذا وإنَّ نظرة جراغ عَلِي العامة للإسلام نظرة مُشَوَّهَةٌ محفوفة بالمطاعن، ومن اطَّلع على آرائه المختلفة في الشريعة وشعائرها أدرك أنه لا يهدف إلى هدم السُنَّة فحسب بل يَتَّخِذُ من هدمها سبيلاً إلى تحريف القرآن والشريعة ليصل في نهاية المطاف إلى إبطال الدين والشرائع. يقول عن الجهاد: «ليس المراد من الجهاد هو قتال العدو وحربه كما يُفَسِّرُهُ علماء المسلمين والمستشرقين بل معناه بذل الوسع في تحقيق الشيء المراد حصوله، وأما تفسيره بحرب فلا تسنده اللغة العربية ولا الآيات القرآنية، بل إنَّ علماء الأدب يُقِرُّونَ بأنَّ الجهاد غير الحرب البَتَّةَ» (٣).

стр. 89

ويقولون عن الزكاة «لم يُعَيِّنْ القرآن المقصود من الزكاة، وإنما أمر بإعطاء الفقراء ما زاد عن الحاجة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (١)، (٢). هذا وقد كان لآرائه وآراء السيد أحمد خان وأعضاء حركتهما الآخرين الأثر الأكبر في الجهر بإنكار السُنَّة كلها مِمَّنْ جاء من بعدهم - في القارة الهندية - وَتَبَنَّى أفكارهم ودعا الناس إليها فلم يأت إنكارهم لِلْسُنَّةِ إلاَّ تمهيدًا لإنكار شرائع الدين وأحكامه حتى كان نهاية مطافهم أنْ حَرَّفُوا القرآن وأخضعوه لنظرياتهم الباطلة فمرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. ومن يضلل فلا هادي له. وأما شُبُهَاتُ أهل القرآن فسنورد أهمها في الباب القادم مع تفنيدها بإيجاز إنْ شاء الله.

стр. 90

الباب الرابع: شُبُهاتُ منكري السُنَّة: وفيه فصلان: ١ - شُبُهَاتُ مُنكري السُنَّة عموماً. ٢ - شُبُهَاتُ فرقة أهل القرآن في القارة الهندية.

стр. 91

الفصل الأول: شُبُهَاتُ مُنْكِرِي السُنَّةِ: تَعَلَّقَ هولاء وهولاء - مِمَّنْ أنكروا السُنَّةَ - قديمًا وحديثًا - بِشُبَهٍ وهي عندهم أدلة - تعلقوا بها لِيُقَوُّوا موقفهم ويدافعوا عن مذهبهم. نورد الأشهر منها ونرد عليها - باختصار - تلو كل شبهة، كالآتي: الشُبْهَةُ الأُُولََى: قالوا: قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وإذا قلنا أنَّ القرآن في حاجة إلى بيان كان ذلك تكذيبًا صريحًا للقرآن وتكذيبًا لِمُنْزِلِ القرآن الذي قد نفى عنه أنْ فيه تقصير أو تفريط في أمر من الأمور ولذا فلا يمكن أنْ يستعان بشيء آخر في شريعة الله من سُنَّةٍ أو حديثٍ (١)، (٢). تعلق به كل من توفيق صدقي وأبو رِيَّةَ (٣) الرَدَّ: إن القرآن حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ونص على بعضها بصراحة وترك بيان بعضها الآخر لرسول الله ﷺ ، وما دام الله قد أرسل رسوله لِيُبَيِّنَ للناس أحكام دينهم وأوجب عليهم اتباعه كان بيانه للأحكام بيانًا للقرآن، ومن هنا كانت أحكام الشريعة من كتاب

стр. 92

وَسُنَّةٍ وما يلحق بهما ويتفرَّعُ عنهما من إجماع وقياس أحكامًا من كتاب الله تعالى إما نَصًّا وإما دلالةً ولا منافاة بين حُجِيَّةِ السُنَّة وبين أنَّ القرآن جاء تبيانًا لكل شيء (١). وآية: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). الاستدلال بها ليس في محله لأنَّ القرآن قد أرشدنا إلى الأخذ بما جاء عن النبي ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. هذا على أنَّ المراد بالكتاب هنا القرآن، كيف وقد رَجَّحَ كثير من المفسِّرين أنَّ المراد بالكتاب هنا هو (اللوح المحفوظ) (٣). الشُبْهَةُ الثَانِيَةُ: قالوا: قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤). يدل على أنَّ الله تكفل بحفظ القرآن دون السُنَّة، ولو كانت دليلاً وحُجَّةً كالقرآن لتكفَّل بحفظها (٥). الرد: والجواب على هذا هو أنَّ ما وعد الله من حفظ الذكر لا يقتصر على القرآن وحده بل المراد به شرع الله ودينه الذي بعث به رسوله وهو أَعَمُّ من أنْ يكون قرآنًا أو سُنَّةً ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٦)

стр. 93

أي أهل العلم بدين الله وشرعه، ولا شك أنَّ الله كما حفظ كتابه حفظ سُنَّة نبيِّه ﵊ بما تهيأ لها من أئمة العلم يحفظونها ويتناقلونها ويتدارسونها ويُميِّزون صحيحها من دخيلها (١). وذكر الذهبي أَنَّ الرَّشِيْدَ أَخَذَ زِنْدِيقاً لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ وَضَعْتُهَا ? فَقَالَ الرَّشِيْدُ: فَأَيْنَ أَنْتَ يَا عَدُوَّ اللهِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ، وَابْنِ المُبَارَكِ يَتَخَلَّلاَنِهَا، فَيُخْرِجَانِهَا حَرْفاً حَرْفاً». وقيل لابن المبارك: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ [المَصْنُوعَةُ]؟ فقال: «يَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ» (٢). وقد رَدَّ ابن حزم على من زعم أنَّ المُرَادَ بالذكر في الآية وحده فقال: «هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل ... والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه ﷺ من قرآن أو من سُنَّةٍ وحي يُبَيَّنُ بها القرآن وأيضًا فإن الله تعالى يقول ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فصح أنه ﵇ مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مِمَّا لا نعلم ... فإذا كان بيانه ﵇ لذلك المُجْمَلِ غير محفوظ ولا مضمون سلامته مِمَّا ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منه» (٣). الشُبْهَهُ الثالثة: قالوا: لو كانت السُنَّة حُجَّةً لأمر النبي ﵊ بكتابتها ولعمل الصحابة والتابعون على جمعها وتدوينها، لكن لما ثبت أَنَّ

стр. 94

النبي ﷺ منع من كتابتها وأمر أنْ يُمْحَى ما كتب منها فكيف تكون حُجَّةً؟ (١). الرد: وأجيب على هذا: بأنَّ عدم أمر النبي ﷺ بكتابتها ونهيه عن ذلك كما ورد لا يدل على حُجِيَّتِهَا لأنَّ المصلحة حينئذٍ كانت تقتضي تضافر كُتَّابَ الصحابة - نظرًا لِقِلَّتِهِمْ - على كتابة القرآن وتدوينه، ولئلاَّ يختلط شيء من السُنَّة بالقرآن. والنهي الوارد إنما كان عن كتابة الحديث وتدوينه رسميًا كالقرآن، وأما أنْ يكتب الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه في عهد الرسول ﷺ بل تواتر كما سنذكره إنْ شاء الله. وليست الحُجِيَّةُ مقصورة على الكتابة حتى يقال: لو كانت حُجِيَّةُ السُنَّةِ مقصورة على النبي ﵊ لأمر بكتابتها فإنَّ الحُجِيَّة تثبت بأشياء كثيرة منها التواتر ومنها ما نقل العدول الثقات ومنها الكتابة، والقرآن نفسه لم يكن جمعه في عهد أبي بكر بناء على الرقاع المكتوبة فحسب بل لم يكتفوا بالكتابة حتى تواتر حفظ الصحابة لكل آية منه. وليس النقل عن طريق الحفظ بأقل صحة وضبطًا من الكتابة خصوصًا من قوم كالعرب عرفوا بقوة الحافظة وأتوا من ذلك بالعجائب، فقد كان الرجل منهم يحفظ القصيدة كلها من مرة واحدة كما ثبت عن ابن عباس أنه حفظ قصيدة لعمر بن أبي ربيعة في جلسة واحدة (٢). الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ: قالوا: يجب أنْ يكون الدين قَطْعِيًّا وفي الأخذ بالسُنَّةِ لا يبقى كذلك.

стр. 95

والآيات تدل على قطعية القرآن وتنفي عنه الريب: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ (٢). وقالوا: إنكم تزعمون أنَّ الحديث إما متواتر وإما آحاد، والمتواتر لا يتجاوز بضعة أحاديث أما البقية فكلها من الآحاد وهي ظنية حسب قولكم، فإذا كان الدين هو مجموع ما في الكتاب والسُنَّة كان بهذا الاعتبار ظنيًا إذ مجموع القطعي والظني ظني والقرآن الكريم يُنَدِّدُ بمن يتبع الظن، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٤). وبما أنَّ الأحاديث ظنية لذلك لا يمكن الاعتماد عليها ويبقى الدين هو القرآن وحده (٥). الرد: وللجواب على هذا نقول: إنها مِمَّا لا ريب فيه أنَّ القرآن الكريم قطعي الثبوت ولكنه ليس قطعي الدلالة في كل المواضع فمن يرجح أحد معانيه لا يستطيع أنْ يقطع بأنَّ هذه الدلالة قطعية وما سواها باطل، بل هو يعتقد بظنية دلالته فرجح الأمر إلى اتِّباع ما هو ظني الدلالة (٦).

стр. 96

وأما الدعوى بأنَّ الظن في أحكام الدين غير جائز فذلك فيما يتعلق بأصول الدين التي يكفر من جحدها أو شك فيها كوحدانية الله تعالى ... أما فروع الدين وجزئياته فالعمل بالظن واجب ولا سبيل إليها إلاَّ الظن بالظن غالبًا. وأيضًا، فإنَّ حُجِيَّةَ خبر الآحاد ليست ظنية بل هي مقطوع بها لانعقاد الإجماع على ذلك بين العلماء منذ عصر الصحابة فمن بعدهم فلا يكون العمل بها دليلاً ظنيًا بل بدليل مقطوع به مفيد للعلم بذلك وهو الإجماع (١). الشُبْهَةُ الخَامِسَةُ: قالوا: أثر عن بعض الصحابة النهي عن التحديث أو التقليل منه ولم تُدَوَّنْ السُنَّة إلاَّ في عصور متأخرة بعد أنْ طرأ عليها الخطأ والنسيان ودخل فيها التحريف والتغيير وذلك مِمَّا يوجب الشك بها وعدم الاعتماد عليها في أخذ الأحكام. الرد: الجواب على هذا: هو أَنَّ تحرز بعضهم عن التحديث أو النهي عنه فذلك من شدة الاحتياط في الدين أَنْ يذكروا عن رسولهم ما قد يخطئون فيه كما صَرَّحَ بذلك الزبير، أما من كان قوي الذاكرة فقد حَدَّثَ بلا حرج، كابن عباس وابن مسعود، على أنَّ الأخبار عن كتابة الصحابة والتابعين للحديث متواترة معنويًا لا مجال لطالب الحق معه أنْ ينكرها أو يتشكَّك فيها. أما القول بأنَّ السُنَّة قد تأخر تدوينها فزالت الثقة بضبطها وأصبحت مجالاً للظن والشك، والظن لا يجوز في دين الله - فهذا قول من لم يقف على جهود العلماء في مكافحة التحريف والوضع والكذب. «وإذا كانت السُنّة قد نقلت بالضبط والحفظ غالباً والكتابة أحياناً، من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول حيث دَوَّنَ الزُّهْرِي السُنّة بأمر عمر

стр. 97

ابن عبد العزيز، كانت سلسلة الحفظ والصيانة متصلة لم يتطرَّق إليها الانقطاع فلا يصح أَنْ يتطرق إليها الشك. أما ما دُسَّ على السُنّة من كذب فقد تصدَّى له العلماء وبيَّنُوهُ بما لا يترك مجالاً للشك، حتى إنَّ النفس لتطمئِنُّ إلى السُنّة إلى حدٍّ يكاد يصل إلى درجة اليقين» (١). ويرى الأستاذ «أحمد حسين المحامي» أَنَّ المستشرقين في نظرتهم إلى القرآن والحديث النبوي يقيسون تدوين السُنَّة النبوية بصياغة التعاليم المسيحية التي بدأ تدوينها أو (وضعها) على الأصح ابتداءً من القرن الرابع الميلادي حيث لا المسيح ولا تلامذته ولا الأناجيل ولا يونس نفسه قد صاغ التعاليم التعاليم المسيحية التي تمارس بها الآن. وإنما وضعتها المجامع المسيحية التي بدأت في القرن الرابع الميلادي - كما أسلفنا - بعد أنْ أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية وذلك لنحدد عناصر العقيدة وتصدر القرارات ضد مخالفيها (٢). الشُبْهَةُ السَادِسَةُ: قالوا: قد ورد من النبي ﷺ ما يدل على عدم حُجِيَّة السُنَّة من ذلك «إِنَّ الْحَدِيثَ سَيَفْشُو عَنِّي فَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ الْقُرْآنَ فَهُوَ عَنِّي وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَلَيْسَ مِنِّي». فإذا كان ما رُوِيَ من السُنَّة حكمًا شرعيًا جديدًا كان ذلك غير موافق للقرآن، وإنْ لم يثبت حُكْمًا جَدِيدًا كان لمحض التأكيد والحُجَّةِ هو القرآن. الرد: والجواب على هذا: هو أنَّ هذا الحديث رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله ﷺ ، وخالد مجهول وأبو جعفر ليس صحابي، فالحديث منقطع.

стр. 98

وقال الشافعي: «ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء». وقال البيهقي: «والحديث الذي رُوِيَ في عرض الحديث على القرآَن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن» (١). لقد اتفق أكثر منكري السُنَّة بالأدلة التي ذكرناها وبالحجج التي أوردناها والاتجاه الذي أوضحناه من ترك الاحتجاج بالسُنَّة النبوية لكن منكري السُنَّة قديمًا وحديثًا ما عدا أهل القرآن (٢) كانوا يأخذون بالسُنَّة العمليَّة المتواترة كالصلاة والزكاة والحج وما شاكل ذلك من الأمور التي تناقلها المسلمون جيلاً بعد جيل عمليًا ولكن ذهب أهل القرآن إلى أبعد من ذلك فأنكروا حتى هذا الجزء المتواتر العملي من الإسلام.

стр. 99

الفصل الثاني: شُبُهَات فرقة أهل القرآن: وأما شُبُهَات أهل القرآن فنوجزها فيما يلي مقترنة بالرد عليها. الشُبْهَةُ الأُُولََى: قالوا حسبنا كتاب الله لأنه تكفَّل بذكر الأمور الدينية كلها بالشرح والتفصيل، فلم يبق للمسلمين حاجة إلى السُنَّة كمصدر للتشريع وأخذ الأحكام منها. يقول عبد الله جكرالوي: «إنَّ الكتاب المجيد ذكر كل شيء يحتاج إليه في الدين مفصلاً ومشروحاً من كل وجه، فما الداعي إلى الوحي الخفي وما الحاجة إلى السُنَّة؟» (١). ويقول: «كتاب الله كامل مفصَّل لا يحتاج إلى الشرح ولا إلى تفسير محمد ﷺ وتوضيحه إياه أو التعليم العملي بمقتضاه» (٢). ويقول الحافظ أسلم في المعنى نفسه ما نصه: «قد انحصرت ضروريات الدين في اتباع القرآن المُفصَّل ولا تتعداه» (٣). الرد: لا شك أنَّ القرآن حوى أصول الدين وقواعد الأحكام العامة ونص على بعض جزئياتها اليسيرة وأما ما يدَّعيه هؤلاء من تنصيصه على كل صغيرة وكبيرة فهو ادِّعاء لا يقره واقع القرآن، فلو كان الأمر كما يقولون فأين عدد الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة فضلاً عن عدد الركعات لكل

стр. 100

فريضة وأين نصاب الإبل والبقر والغنم والذهب والفضة .. بل خول بيان هذه الجزئيات إلى النبي ﷺ ، فلو كان القرآن مشتملاً على كل التفاصيل والجزئيات التي يحتاج إليها في الدين - كما يزعم هؤلاء - لما أمر الله رسوله ﷺ بتبيينه للناس ولما أمر المسلمين بطاعة الرسول ﷺ بامتثال ما يأمرهم واجتناب ما ينهاهم عنه. وفي هذا المقام يقول الدكتور السباعي (*): «بحق إن الله لم ينص في الكتاب على كل جزئية من جزئيات الشريعة وإنما بَيَّنَ أصول الشريعة ومصادرها وقواعدها ومبادئها العامة. ومن الأصول التي بَيَّنَهَا العمل بِسُنَّةِ الرسول ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١). ولعل الذي أوقعهم في فهمهمه الخاطئ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٢). ففهموا من التفصيل القرآني ما يفهمون منه من لغتهم الأوردية فالتفصيل والتفصيلات في الأوردية يأتي بمعنى (تعيين الجزئيات) غير أنَّ مادة (ف - ص - ل) لم ترد بهذا المعنى في لغة الضاد وإنما معناها الإبانة والتنحية والتوضيح لأنَّ التفصيل ضد الإجمال» (٣). قال الراغب: «الفصل: إبانة أحد الشيئين عن الآخر» (٤) فإحلال التفصيل الأوردي مكان التفصيل العربي هو أساس الخطأ الذي وقعوا فيه.

стр. 101

وبناء على ما تقدم يتضح بأن التفصيل المقصود في الآية هر شمول القرآن بكل الأصول الشرعية دون نعيين جزئياتها بذكر كل صغيرة وكبيرة في المعاش والمعاد. الشُبْهَةُ الثَانِيَةُ: قالوا إِنَّ السُنَّةَ لم تكن وحيًا من الله وإنما هي أقوال نسبها الناس إلى رسول الله ﷺ زورًا وتزييفًا دون أَنْ يكون للايحاء يد في صدورها منه ﷺ وأنه لم ينزل عليه شيء من الوحي سوى ما حواه القرآن، يقول عبد الله: «إنا لم نؤمر إلاَّ باتباع ما أنزل الله بالوحي ولو فرضنا جدلاً صِحَّةَ نسبة بعض الأحاديث بطربق قطعي إلى النبي ﷺ فإنها مع صِحَّةِ نسبتها لا تكون واجبة الاِتِّبَاعِ، لأنها ليست بوحي منزل من الله » (١). ومثل هذا القول بقول الحافظ أسلم (٢). وقال الخواجه أحمد الدين: «إنَّ الأصل الذي لا يتغير ولا يتبدل هو الوحي الإلهي فحسب وهل أمرنا بالبحث عن هذا الوحي الإلهي في التوراة أو الإنجيل .. أو البخاري ومسلم أو الترمذي وأبي داود وابن ماجه .. أو مسانيد أئمة أخرى ... » (٣). الرد: كيف لم تكن السُنَّة وحيًا من الله، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤).

стр. 102

وبفول ﵊: «أَلاَ إِنِّى أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» (١). ثم إنَّ الله يقول مُبَيِّنًا حقيقة مقام الرسول ﷺ في تبليغ دينه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لأََخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (٢) تفيد الآية أَنَّ الرسول ﷺ لو تكلف القول وافترى على الله - حاشاه أنْ يفعل ذلك - غير ما أخبر الله به فإنَّ المنية تخترقه في حينه وأنَّ مغبة مثل هذا العمل قاسية وأليمة لا تحمد عقباها، فهل يتصور منه بعد هذا الإنذار والوعيد الشديدين لهذا النبي الأُمِيَّ ﵇ أَنْ يصدر منه تحليل أو تحريم أو تفصيل في الدين مبناه الهوى والنفس الأَمَّارة بالسوء فضلاً عن أنه الصادق الأمين. إذن لا تصدر حركاته وسكناته وأقاويله التشريعية إلاَّ موافقة للإرادة الإلهية وعلى هذا فالسُنَّة وحي من الله وأخبار منه بواسطة رسوله ﷺ . قال السيد رشيد رضا: «لا شك في أَنَّ أتباع الرسول ﷺ فيما صَحَّ عنه من بيان الدين داخل في عموم ما أنزل الله إلينا على لسانه ... فإنه تعالى أمرنا باتباعه وطاعته وأخبرنا أنه مُبَلِّغٌ عنه وقال له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. والجمهور على أنَّ الأحكام الشرعية الواردة في السُنَّة مُوحَى بها وأنَّ الوحي ليس مقصورًا في القرآن» (٣).

стр. 103

ويعلل ذلك بقوله: «لذلك أوجز القرآن في بيانه أحكام الدين العملية وَوَكَّلَ بيانها لعمل الرسول ﷺ وهو أحال في بيانها على العمل. ولعل الذي أوقع هؤلاء في هذه الشُبْهَةِ هو عدم فهمهم لحقيقة الوحي في السُنَّة، حيث ظنوا طريقة الوحي فيها مثل طريقة وحي القرآن من نزول الملك به فحفظه وتسجيله ثم روايته تواترًا وعدم إتيان البشر بمثله، فخفاء الفرق بين الوحيين أوقعهم في هذا اللبس» (١). فوحي القرآن يختلف عن وَحْيِ السُنَّةِ، إذ أَنَّ وحي السُنَّةِ في المرتبة الثانية بعد القرآن فلم يتوسط جبربل في نقل كل جزئية من جزئياتها كما هو الحال في القرآن ومن هنا جاء وَحْيُ السُنَّةِ، إذ أنَّ وَحْيَ السُنَّةِ أعم وصولاً إلى النبي ﷺ من إيحاء القرآن وقد كان يأتيه في صور متعددة من الإلهام والقذف والرؤيا في المنام ومن وراء حجاب أو بواسطة ملك الوحي، وقد ذكر الله هذه الأنواع وأشار إلى أنها طريق تكليم الله لعباده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ (٢). ووحي السُنَّةِ لم يتجاوز مفهوم هذه الآية ولم يتعداه لذا يقول الشيخ المودودي عقب هذه الآية: «ظهر أَنَّ القرآن اشتمل على نوع واحد من أنواع الوحي والصورتان الأخيرتان للوحي المذكور في الآية أيضًا مما كان يستمد منهما الرسول ﷺ الهداية والإرشاد وقد أظهرت لنا الآية ذلك» (٣).

стр. 104

الشُبْهَةُ الثَالِثَةُ: وللقوم شُبْهَةٌ أخرى مفادها أنَّ اتِّبَاعَ السُنَّةِ والقضاء بوفقها يُؤَدِّي إلى الاشتراك في الحكم وقد نهى القرآن عنه: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (١). يقول صاحب افتراء تعامل: «البعض على أقوال الرسل وأفعالهم وتقريراتهم مع وجود كتاب الله علة قديمة قدم الزمن وقد برأ الله رسله وأنبياءه من هذه الأحاديث بل جعل تلك الأحاديث كفرًا وشركًا» (٢). ويقول الخواجه أحمد الدين في شرح هذه الشُبْهَةِ ما نصه: «قد وضع الناس لإحياء الشرك طرقًا متعددة فقالوا إنا لنؤمن أَنَّ الله هو الأصل المطاع غير أَنَّ الله أمرنا باِتِّبَاعِ رسوله، فهو اِتِّبَاعٌ مضاف إلى الأصل المطاع وبناء على هذا الدليل الفاسد يُصَحِّحُون جميع أنواع الشرك، فهل يصبح الأجنبي زوجًا لمتزوجة يقول زوجها إنها زوجته إلاَّ أَنَّ الله لم يأمر بمثل ذلك: ﴿إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾» (٣). الرد: ما أقبح هذه الحُجَّةِ وما أبعد هذا الاستدلال وهل الله تعالى بعث رسله لإحياء الشرك أم لمحوه وهل اِتِّبَاعُ السُنَّةِ والحكم بوفقها إلاَّ اِتِّبَاعٌ وتطبيق لأحكام القرآن، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤).

стр. 105

يقسم الرب - جَلَّ وَعَلاَ - في هذه الآية بذاته بأنْ لن يذوق أحد طعم الإيمان ما لم يرض بقضائك يا محمد ﵊ ثم لا يشعر المتحاكمون إليك بحرج أو ضيق في أنفسهم بما قضيت فيهم. فهل يُؤَدِّي حكمه بعد هذا الخبر الإلهي في القضاء وفصل الخصومات إلى الشرك بل حكمه عين التوحيد وامتثال للأحكام الإلهية بل هو حكم الله تعالى: ولو اقتضت الإرادة الإلهية عدم التحاكم إلى السُنَّةِ كما يزعم هؤلاء لما صح مجيء كاف الخطاب في قوله: ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾ ولما جاءت تاء الخطاب في ﴿قَضَيْتَ﴾ للتنصيص على ذك. وقد تكرر هذا المفهوم في آيات متعددة من القرآن الكريم بل علقت بعض الآيات الهداية والفلاح والإيمان بالتسليم لحكمه وطاعته ﵇. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (١). وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). ويقول في آية أخرى مُحَذِّرًا من مغبة عدم اتِّبَاعِهِ ﵇ نافيًا الإيمان عن أولئك: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). وأما استدلالهم بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ﴾ (٤).

стр. 106

لإخراج السُنَّةِ عن كونها حكمًا إلهيًا فهو استدلال في غير محله. لأن هذه الجملة القرآنية وردت في ثلاثة مواضع من كتاب الله، ففى الأنعام جاءت رَدًّا على طلب الكفار من النبي ﷺ إنزال الآيات والإسراع بها، فَرَدَّ الله على هذا الطلب مُوَضِّحًا أنَّ ذلك مرجعه إلى الله لا إلى رسوله، وأنًَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في هذه الشؤون لا شريك له فيها لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (١). والموضعان الأخيران في سورة يوسف، أولهما حكاية عن قول يوسف لصاحبه في السجن ونصحه له بترك الشرك وأنَّ عبادة الأوثان افتراء واختلاق على الله وأنَّ الله هو المُتَفَرِّدُ في الحكم والعبادة، قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (٢). والموضع الأخير جاء حكاية عن قول يعقوب ﵇ ينصح أبناءه ويعلمهم آداب الدخول على الملوك وأنه إِنْ وقع لهم ما يكرهون في الحياة فهو قضاء وقدر وأنه لا يملك لهم من الله شيئًا (*) وأنَّ هذا لهو مسلك عباد الله الصالحين، قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ (٣) (٤)

стр. 107

والمواضع الثلاثة - كما ترى - لا تشير إلى ما ذهب إليه هؤلاء بل إنها تأمر العبد بالرضاء بما قدره الله له أو عليه وأنَّ الله هو المتفرِّدُ في حكمه، وهذا لا يتنافى مع الاحتكام إلى السُنَّةِ ولا يوصل من حكم بها أو تحاكم إليها إلى دائرة الشرك بل هو عين التوحيد لأنَّ الحكم بالسُنَّة مستمد من الله بواسطة رسوله ﷺ فالحكم بها في الحقيقة والواقع حكم لله المتفرد في شؤون خلقه، فال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١). وإنما كان يصح الاستدلال بهذه الآية إذا كان الرسول ﷺ يحكم ويأمر من عند نفسه وحسب هواه - وحاشاه ذلك - أما أنه لا ينطق عن الهوى وإنما يأمر بما أمره الله فإنَّ الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (٢). الشُبْهَةُ الرَابِعَةُ: قالوا إنَّ السُنَّة لم تكن شرعًا عند النبي ﷺ وفهمها الصحابة على هذا المنوال لذا نُهُوا عن كتابتها وقد تحدث برويز عن ذلك بقوله: «لو كانت السُنَّة جزءًا من الدين لوضع لها الرسول ﷺ منهجًا كمنهج القرآن من الكتابة والحفظ والمذاكرة ولا يفارق الدنيا إلاَّ بعد راحة بال على هذا الجزء من الدين لأنَّ مقام النبوة يقتضي أنْ يعطي الدين لأمته على شكل محفوظ لكنه ﷺ احتاط بكل الوسائل الممكنة لكتاب الله ولم يفعل شيئًا لسُنَّته بل نهى عن كتابتها: " لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ "» (٣).

стр. 108

وبقول الحافظ أسلم: «الأمر الذي لا مِرَاءَ فيه أَنَّ الصحابة قد أدركوا حقيقة نهي النبي ﷺ عن كتابة سُنَنِهِ وعرفوا أَنَّ الأمم السابقة لم تضل إلاَّ بسبب كتابة روايات أنبيائها» (١). ويضيف فيقول: «االشيء الملفت للنظر هو أنَّ الأحاديث لو كانت لها الصفة الدينية لما اشتدَّ نهي النبي ﷺ صحابته عن كتابتها ولهيَّأوا السبل لحفظها وتدوينها» (٢). وَيُحَذِّرُ صاحب " بلاغ الحق " العلماء من الجهر بالسُنَّة فيقول: «إياكم وإعلان الأحاديث على المنابر وإنْ أَبَيْتُمْ فسيدخل إلى دين الله ما ليس منه وينضاف إلى شرع الله ما لا يجوز إضافته إليه» (٣). الرد: أقول أما النبي ﷺ نهى عن كتابة السنة فإنه ثبت أنه قد أذن بكتابتها أيضًا وذكر النهي دون الإذن مخالف للأمانة العلمية وسنذكر في باب (اعتراضات منكري السُنَّة) طرق الجمع بين هذا النهي والإذن. وأنَّ الإذن ناسخ للنهي. على أنَّ مدى حرص النبي ﷺ هو تعليم صحابته وإفهامهم أمور دينهم باللسان والعمل، ثم إنَّ حياته العملية أكبر حافز للعض على سُنَّته والأخذ بها في جميع شؤون الحياة. فلو لم تكن السُنَّة عند النبي ﷺ دينًا وشرعًا - كما يزعم هؤلاء - لما اعتنى بها هذا الاعتناء ولما سلك لإشاعتها ونشرها كل الوسائل الممكنة له آنذاك ولما أمرهم بالحفظ والتبليغ، مثل قوله: «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ» (٤).

стр. 109

وقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (١). وقوله: «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٢). وقوله: «لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» (٣). فلو لم تكن السُنَّة شرعًا ودينًا لما حرص الصحابة والتابعون على حفظها ولما ضربوا أكباد الإبل لسماعها وحفظها وتدوينها وجمعها، يَقُولُ أَنَسٌ ﵁: «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَإِذَا قُمْنَا نَتَذَاكَرُهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظُهُ» (٤). ويقول أبو هريرة: «إِنِّي لأُُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: فَثُلُثٌ أَنَامُ، وَثُلُثٌ أَقُومُ، وَثُلُثٌ أَتَذَكَّرُ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٥). وهذا سعيد بن المسيب يقول: «كُنْتُ أَرْحَلُ الأَيَّامَ وَاللَّيَالِي فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» قِيْلَ لِلشَّعْبِيِّ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا العِلْمِ كُلُّهٌ؟ قَالَ: " بِنَفْيِ الاغْتِمَادِ (*)، وَالسَّيْرِ فِي البِلاَدِ، وَصَبْرٍ كَصَبْرِ الجَمَادِ (*)، وَبُكُوْرٍ كَبُكُوْرِ الغُرَابِ» (٦). فلو لم تكن السُنَّةُ شرعًا ودينًا لما حرصوا عليها هذا الحرص ولما تحمَّلوا مشاق السفر في سبيلها ولما أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية ولما قال ﵊: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (٧).

стр. 110

كيف لا تكون السُنَّةُ شرعًا ودينًا وعليها قوام بناء الدين، وكفاها فخرًا أنْ يجعلها رب العزة والجلال طريق الوصول إليه لمن أراد غفرانه وجنَّته: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (١). أما ما استدلوا به من أنَّ نهي النبي ﷺ عن كتابة السُنَّة دليل على عدم حُجِيَّتِهَا فهو استدلال لا ينهض لأنَّ عدم الكتابة ليس دليلاً على عدم حُجِيَّتِهَا وإخراجها من مصدر التشريع لأنَّ المكتوب في حد ذاته لا يكون حُجَّةً حتى يقوم الدليل على صدق نسبته إلى كاتبه بَيْدَ أَنَّ تشكيل المجتمع على السُنَّة العملية أقوى حُجَّةً وأكثر ضمانًا من المكتوب في الكراريس دون نزوله إلى محيط العمل لذا يقول الأستاذ المودودي: «ترك النبي ﷺ مجتمعًا متكاملاً على سُنَّته والذي نقل كل حركة من حركاته بختم هدايته ﵇ وكان هذا المجتمع يحوي ألوفًا من البشر ممن سمع أقواله وشاهد أفعاله وتربى في كنف هدايته ﵇ فنقل هؤلاء كل النقوش إلى من بعدهم نسلاً بعد نسل حتى وصلت إلينا» (٢). ثم لا يخفى على المُطَّلِعِ البصير أَنَّ ما ورد من النهي إنما كان عن كتابة الحديث رسميًا كالقرآن أما أَنْ يكتب الكاتب لنفسه فقد ثبت وقوعه وإقراره ﵊ على ذلك كما رُوِيَ عن عبد الله بن عمرو بن العاص في " مسند أحمد " (٣) أَنَّ بعض الصحابة اشتكوا سوء حفظهم لما يسمعون منه ﵇ فقالوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَحَادِيثَ لاَ نَحْفَظُهَا، أَفَلاَ نَكْتُبُهَا؟ قَالَ: " بَلَى، فَاكْتُبُوهَا "»
следующие страницы →