← Адаб

Адаб · id 26585

مقامات الحريري

الحريري

Полный текст (555 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم اللهُمّ إنّا نحْمَدُك على ما علّمْتَ من البَيانِ. وألْهَمْتَ من التِّبْيان. كما نحْمَدُك على ما أسْبغْتَ منَ العَطاء. وأسبَلْت من الغِطاء. ونَعوذُ بكَ منْ شِرّةِ اللّسَنِ. وفضولِ الهذَرِ. كما نَعوذُ بكَ منْ معرّةِ اللّكَنِ. وفُضوحِ الحصَرِ. ونَستَكْفي بكَ الافتِتانَ بإطْراء المادِحِ. وإغضاءِ المُسامِحِ. كما نَستَكْفي بكَ الانتِصابَ لإزْراء القادِحِ. وهتْكِ الفاضِحِ. ونسْتغْفِرُك منْ سَوْقِ الشَّهَواتِ. الى سوقِ الشُّبُهاتِ. كما نستغْفِرُكَ منْ نقْلِ الخطَواتِ.

стр. 2

الى خِطَطِ الخَطيئَاتِ. ونسْتَوْهِبُ منْكَ توفيقاً قائِداً الى الرُشْدِ. وقَلْباً متقلِّباً معَ الحقّ. ولِساناً متحلّياً بالصّدْقِ. ونُطْقاً مؤيَّداً بالحُجّةِ. وإصابةً ذائِدَةً عنِ الزَّيْغِ. وعَزيمةً قاهِرةً هَوى النّفْسِ. وبصيرةً نُدْرِكُ بها عِرْفانَ القَدْرِ. وأنْ تُسعِدَنا بالهِدايَةِ. الى الدِّرايةِ. وتَعْضُدَنا بالإعانَةِ. على الإبانَةِ. وتعْصِمَنا منَ الغَوايَةِ. في الرّوايَةِ. وتصرِفَنا عنِ السّفاهَةِ. في الفُكاهَةِ. حتى تأمَنَ حصائِدَ الألْسِنَةِ. ونُكْفَى غَوائِلَ الزّخْرفَةِ. فلا نَرِدَ موْرِدَ مأثَمةٍ. ولا نقِفَ موْقِفَ مَنْدمَةٍ. ولا نُرْهَقَ بتَبِعةٍ ولا مَعتَبَةٍ. ولا نُلْجَأَ الى معْذِرَةٍ عنْ بادِرَةٍ. اللهُمّ فحقِّقْ لَنا هذِهِ المُنْيَةَ. وأنِلْنا هذِه البُغْيَةَ. ولا تُضْحِنا عنْ ظِلّكَ السّابِغِ.

стр. 3

ولا تجْعَلْنا مُضغَةً للماضِغِ. فقدْ مدَدْنا إليْكَ يدَ المسْألَةِ. وبخَعْنا بالاسْتِكانَةِ لكَ والمَسْكَنةِ. واستَنْزَلْنا كرَمَك الجَمّ. وفضْلَكَ الذي عمّ. بضَراعَةِ الطّلَبِ. وبِضاعَةِ الأمَلِ. بالتّوسّلِ بمحَمّدٍ سيّدِ البشَرِ. والشّفيعِ المُشفَّعِ في المحْشَرِ. الذي ختَمْتَ بهِ النّبيّينَ. وأعليتَ درجتَهُ في عِلّيّينَ. ووَصَفْتَه في كِتابِك المُبينِ. فقُلتَ وأنتَ أصدَقُ القائلين: وما أرْسَلْناكَ إلاّ رحمةً للعالَمينَ. اللهُمّ فصَلِّ علَيه وعلى آلِه الهادينَ. وأصحابِه الذين شادوا الدّين. واجْعَلْنا لهَدْيِه وهَديهمْ متّبِعينَ. وانْفَعْنا بمحبّتِه ومحبّتِهِمْ أجْمَعينَ. إنّك على كُلّ شيء قديرٌ. وبالإجابةِ جَديرٌ. وبعْدُ فإنّهُ قدْ جرَى ببَعْضِ أنْديَةِ الأدَبِ الذي ركدَتْ في هذا العصْرِ ريحُهُ. وخبَتْ مصابيحُهُ. ذِكْرُ

стр. 4

المَقاماتِ التي ابْتَدعَها بَديعُ الزّمانِ. وعلاّمَةُ همَذانَ. رحِمَهُ اللهُ تعالى. وعَزا الى أبي الفتْحِ الإسكنْدَريّ نشْأتَها. والى عيسى بنِ هِشامٍ رِوايتَها. وكِلاهُما مجْهولٌ لا يُعرَفُ. ونَكِرةٌ لا تتَعرّفُ! فأشارَ مَنْ إشارتُه حُكْمٌ. وطاعَتُه غُنْمٌ. الى أنْ أُنْشئَ مَقاماتٍ أتْلو فيها تِلْوَ البَديعِ. وإنْ لمْ يُدْرِكِ الظّالِعُ شأوَ الضّليعِ. فذاكَرْتُهُ بما قيلَ فيمَنْ ألّفَ بينَ كَلِمتَينِ. ونظَم بيْتاً أو بيتَينِ. واسْتقَلْتُ منْ هذا المَقامِ الذي فيهِ يَحارُ الفَهْمُ. ويفرُطُ الوهْمُ. ويُسْبَرُ غوْرُ العقْلِ. وتتَبَيّنُ فيمَةُ المَرْء في الفضْلِ. ويُضْطَرّ صاحِبُه الى أن يكونَ كحَاطِبِ لَيْلٍ.

стр. 5

أو جالِبِ رَجْلٍ وخَيْلٍ. وقلّما سلِمَ مِكْثارٌ. أو أُقيلَ لهُ عِثارٌ. فلمّا لمْ يُسْعِفْ بالإقالَةِ. ولا أعْفَى منَ المَقالَةِ. لبّيْتُ دعْوَتَهُ تلبِيَةَ المُطيعِ. وبذَلْتُ في مُطاوَعَتِه جُهْدَ المُستَطيعِ. وأنْشأتُ على ما أُعانِيه منْ قَريحةٍ جامِدةٍ. وفِطْنَةٍ خامِدةٍ. ورَويّةٍ ناضِبَةٍ. وهُمومٍ ناصِبَةٍ. خمْسينَ مَقامةً تحْتَوي على جِدّ القَوْلِ وهزْلِه. ورَقيقِ اللّفْظِ وجزْلِه. وغُرَرِ البَينِ ودُرَرِه. ومُلَحِ الأدَبِ ونوادِرِه. الى ما وشّحْتُها بهِ من الآياتِ. ومَحاسِنِ الكِناياتِ. ورصّعْتُهُ فيها من الأمْثالِ العربيّةِ. واللّطائِفِ الأدبيّةِ. والأحاجيّ النّحْويّةِ. والفَتاوَى اللّغويّةِ. والرّسائِلِ المُبتَكَرةِ. والخُطَبِ المُحَبّرةِ. والمواعِظِ المُبْكِيةِ. والأضاحيكِ المُلْهِيَةِ. ممّا أمْلَيْتُ جميعَهُ على لِسانِ أبي زيْدٍ السَّرُوجيّ. وأسْنَدْتُ رِوايتَهُ الى

стр. 6

الحارِثِ بنِ هَمّامٍ البِصْرِيّ. وما قصَدْتُ بالإحْماضِ فيهِ. إلا تنْشيطَ قارِئِيهِ. وتكْثيرَ سَوادِ طالِبيهِ. ولمْ أُودِعْهُ منَ الأشْعارِ الأجْنبيّةِ إلا بيْتَينِ فذّينِ أسّسْتُ علَيْهِما بُنْيَةَ المَقامَة الحُلْوانيّةِ. وآخَرَينِ توأمَينِ ضمّنْتُهُما خَواتِمَ المَقامَةِ الكرَجيّةِ. وما عدا ذلِك فخاطِري أبو عُذْرِهِ. ومُقْتَضِبُ حُلْوِهِ ومُرِّهِ. هذا معَ اعْتِرافيْ بأنّ البَديعَ ﵀ سَبّاقُ غاياتٍ. وصاحِبُ آياتٍ. وأنّ المتصَدّيَ بعدَهُ لإنْشاء مَقامةٍ. ولوْ أُوتيَ بَلاغَةَ قُدامَةَ. لا يغْترِفُ إلا من فُضالَتِه. ولا يسْري ذلِك المَسْرى إلا بدَلالَتِهِ. وللهِ دَرُّ القائِلِ: أسّسْتُ علَيْهِما بُنْيَةَ المَقامَة الحُلْوانيّةِ. وآخَرَينِ توأمَينِ ضمّنْتُهُما خَواتِمَ المَقامَةِ الكرَجيّةِ. وما عدا ذلِك فخاطِري أبو عُذْرِهِ. ومُقْتَضِبُ حُلْوِهِ ومُرِّهِ. هذا معَ اعْتِرافيْ بأنّ البَديعَ ﵀ سَبّاقُ غاياتٍ. وصاحِبُ آياتٍ. وأنّ المتصَدّيَ بعدَهُ لإنْشاء مَقامةٍ. ولوْ أُوتيَ بَلاغَةَ قُدامَةَ. لا يغْترِفُ إلا من فُضالَتِه. ولا يسْري ذلِك المَسْرى إلا بدَلالَتِهِ. وللهِ دَرُّ القائِلِ: فلوْ قبْلَ مَبْكاها بكَيْتُ صَبابةً ... بسُعْدى شفَيتُ النفسَ قبل التّنَدُّمِ

стр. 7

ولكِنْ بكَتْ قبْلي فهيّجَ لي البُكا ... بُكاها فقُلتُ الفضْلُ للمتَقدِّمِ وأرْجو أنْ لا أكونَ في هذا الهذَرِ الذي أوْرَدْتُهُ. والمَوْرِدِ الّذي تورّدْتُهُ. كالباحِثِ عنْ حتْفِهِ بظِلْفِه. والجادعِ مارِنَ أنْفِهِ بكفّهِ. فألحَقَ بالأخْسَرِينَ أعْمالاً الذينَ ضلّ سعْيُهُمْ في الحياةِ الدُنْيا. وهُمْ يحْسِبونَ أنّهُمْ يُحسِنونَ صُنْعاً. على أني وإنْ أغْمَضَ لي الفَطِنُ المُتغابي ونضَحَ عنّي المُحبُّ المُحابي. لا أكادُ أخْلُصُ منْ غُمْرٍ جاهِلٍ. أو ذي غِمْرٍ متَجاهِلٍ. يضَعُ مني لهَذا الوضْعِ. ويندّدُ بأنّهُ منْ مَناهي الشّرْعِ. ومَنْ نقَدَ الأشْياءَ بعَينِ المعْقولِ. وأنْعَمَ النّظَرَ في مَباني الأصولِ. نظَمَ هذِه المَقاماتِ. في سِلْكِ الإفاداتِ. وسلَكَها

стр. 8

مسْلَكَ الموْضوعاتِ. عنِ العَجْماواتِ والجَماداتِ. ولمْ يُسْمَعْ بمَنْ نَبا سمْعُهُ عنْ تِلكَ الحِكاياتِ. أو أثّمَ رُواتَها في وقْتٍ من الأوْقاتِ. ثمّ إذا كانَتِ الأعْمالُ بالنِّيّاتِ. وبها انْعِقادُ العُقودِ الدِّينِيّاتِ. فأيُّ حرَجٍ على مَنْ أنْشأ مُلَحاً للتّنْبيهِ. لا للتّمويهِ. ونَحا به منحَى التّهْذيبِ. لا الأكاذيبِ؟ وهلْ هُوَ في ذلِك إلا بمنزِلَةِ مَنِ انتَدَبَ لتعْليمٍ. أو هدَى الى صِراطٍ مُستَقيمٍ؟ على أنّني راضٍ بأنْ أحْمِلَ الهَوى ... وأخْلُصَ منْهُ لا عليّ ولا لِيا وباللهِ أعْتَضِدُ. فيما أعْتَمِدُ. وأعْتَصِمُ. ممّا يصِمُ. وأسْتَرْشِدُ. الى ما يُرْشِدُ. فما المَفْزَعُ إلاّ إليْهِ. ولا الاستِعانةُ إلا بهِ. ولا التّوفيقُ إلا منْهُ. ولا الموْئِلُ إلا هُوَ. علَيْهِ توكّلتُ وإليْهِ أُنيبُ. وبهِ نسْتَعينُ. وهو نِعْمَ المُعينُ.

стр. 9

المقامة الصنعانية حدّثَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قالَ: لمّا اقتَعدْتُ غارِبَ الاغتِرابِ. وأنْأتْني المَترَبَةُ عنِ الأتْرابِ. طوّحَتْ بي طَوائِحُ الزّمَنِ. الى صنْعاء اليَمَنِ. فدَخَلْتُها خاويَ الوِفاضِ. باديَ الإنْفاضِ. لا أمْلِكُ بُلْغَةً. ولا أجِدُ في جِرابي مُضْغَةً. فطَفِقْتُ أجوبُ طُرُقاتِها مِثلَ الهائِمِ. وأجولُ في حَوْماتِها جَوَلانَ الحائِمِ. وأرُودُ في مَسارحِ لمَحاتي. ومَسايِحِ غدَواتي ورَوْحاتي. كريماً أُخْلِقُ لهُ ديباجَتي. وأبوحُ إلَيْهِ بحاجتي. أو أديباً تُفَرّجُ رؤيَتُه غُمّتي. وتُرْوي رِوايتُه غُلّتي. حتى أدّتْني خاتِمَةُ المَطافِ. وهدَتْني فاتِحةُ الألْطافِ. الى نادٍ

стр. 10

رَحيبٍ. مُحتَوٍ على زِحامٍ ونَحيبٍ. فوَلَجْتُ غابةَ الجمْعِ. لأسْبُرَ مَجْلَبَةَ الدّمْعِ. فرأيتُ في بُهْرَةِ الحَلْقَةِ. شخْصاً شخْتَ الخِلْقَةِ. عليْهِ أُهْبَةُ السّياحَةِ. وله رنّةُ النِّياحَةِ. وهوَ يطْبَعُ الأسْجاعَ بجواهِرِ لفظِهِ. ويقْرَعُ الأسْماعَ بزَواجِرِ وعْظِهِ. وقدْ أحاطَتْ بهِ أخلاطُ الزُّمَرِ. إحاطَةَ الهالَةِ بالقَمَرِ. والأكْمامِ بالثّمرِ. فدَلَفْتُ إليهِ لأقْتَبِسَ من فوائِدِه. وألْتَقِطَ بعْضَ فرائِدِه. فسمِعْتُهُ يقولُ حينَ خبّ في مجالِه. وهَدَرَتْ شَقاشِقُ ارتِجالِه. أيّها السّادِرُ في غُلَوائِهِ. السّادِلُ ثوْبَ خُيَلائِهِ. الجامِحُ في جَهالاتِهِ. الجانِحُ الى

стр. 11

خُزَعْبِلاتِه. إلامَ تسْتَمرُّ على غَيّكَ. وتَستَمْرئُ مرْعَى بغْيِكَ؟ وحَتّامَ تتَناهَى في زهوِكَ. ولا تَنْتَهي عن لَهوِكَ؟ تُبارِزُ بمَعصِيَتِكَ. مالِكَ ناصِيَتِكَ! وتجْتَرِئُ بقُبْحِ سيرَتِك. على عالِمِ سَريرَتِكَ! وتَتَوارَى عَن قَريبِكَ. وأنتَ بمَرْأى رَقيبِكَ! وتَستَخْفي مِن ممْلوكِكَ وما تَخْفى خافِيَةٌ على مَليكِكَ! أتَظُنُّ أنْ ستَنْفَعُكَ حالُكَ. إذا آنَ ارتِحالُكَ؟ أو يُنْقِذُكَ مالُكَ. حينَ توبِقُكَ أعمالُكَ؟ أو يُغْني عنْكَ ندَمُكَ. إذا زلّتْ قدَمُكَ؟ أو يعْطِفُ عليْكَ معشَرُكَ. يومَ يضُمّكَ مَحْشَرُكَ؟ هلاّ انتَهَجْتَ مَحَجّةَ اهتِدائِكَ. وعجّلْتَ مُعالجَةَ دائِكَ. وفَلَلْتَ شَباةَ اعتِدائِكَ. وقدَعْتَ نفْسَكَ فهِيَ أكبرُ أعدائِكَ؟ أما الحِمام ميعادُكَ. فما إعدادُكَ؟ وبالمَشيبِ إنذارُكَ. فما أعذارُكَ؟ وفي اللّحْدِ مَقيلُكَ. فما قِيلُكَ؟ وإلى الله مَصيرُكَ. فمَن نصيرُكَ؟ طالما أيْقَظَكَ الدّهرُ فتَناعَسْتَ. وجذَبَكَ الوعْظُ فتَقاعَسْتَ!

стр. 12

وتجلّتْ لكَ العِبَرُ فتَعامَيْتَ. وحَصْحَصَ لكَ الحقُّ فتمارَيْتَ. وأذْكَرَكَ الموتُ فتَناسَيتَ. وأمكنَكَ أنْ تُؤاسِي فما آسيْتَ! تُؤثِرُ فِلساً توعِيهِ. على ذِكْرٍ تَعيهِ. وتَختارُ قَصْراً تُعْليهِ. على بِرٍ تُولِيهِ. وتَرْغَبُ عَنْ هادٍ تَسْتَهْدِيهِ. الى زادٍ تَستَهْديهِ. وتُغلِّبُ حُبّ ثوبٍ تشْتَهيهِ. على ثوابٍ تشْتَريهِ. يَواقيتُ الصِّلاتِ. أعْلَقُ بقَلبِكَ منْ مَواقيتِ الصّلاةِ. ومُغالاةُ الصَّدُقاتِ. آثَرُ عندَكَ من مُوالاةِ الصَّدَقاتِ. وصِحافُ الألْوانِ. أشْهى إلَيْكَ منْ صَحائِفِ الأدْيانِ. ودُعابَةُ الأقْرانِ. آنَسُ لكَ منْ تِلاوَةِ القُرْآنِ! تأمُرُ بالعُرْفِ وتَنتَهِكُ حِماهُ. وتَحْمي عنِ النُّكْرِ ولا تَتحاماهُ! وتُزحزِحُ عنِ

стр. 13

الظُلْمِ ثمْ تغْشاهُ. وتخْشَى الناسَ واللهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ! ثمّ أنْشَدَ: تباً لطالِبِ دُنْيا ... ثَنى إلَيها انصِبابَهْ ما يسْتَفيقُ غَراماً ... بها وفَرْطَ صَبابَهْ ولوْ دَرى لَكفَاهُ ... مما يَرومُ صُبابَهْ ثمّ إنّهُ لبّدَ عَجاجَتَهُ. وغيّضَ مُجاجتَهُ. واعْتَضَدَ شكْوَتَهُ. وتأبّطَ هِراوَتَهُ. فلمّا رنَتِ الجَماعَةُ الى تحفُّزِهِ. ورأتْ تأهُّبَهُ لمُزايَلَةِ مركَزِهِ. أدْخَلَ كلٌ منهُمْ يدَهُ في جيْبِهِ. فأفْعَمَ لهُ سَجْلاً منْ سَيْبِه. وقال: اصْرِفْ هَذا في نفقَتِكَ. أو فرّقْهُ على رُفْقَتِكَ. فقبِلَهُ منهُم مُغضِياً. وانْثَنى عنْهُم مُثْنِياً. وجعَلَ يودِّعُ مَنْ يُشيّعُهُ. ليَخْفَى علَيْهِ مَهْيَعُهُ. ويُسرّبُ منْ يتْبَعُهُ. لكَيْ يُجْهَلَ مرْبَعُهُ. قال

стр. 14

الحارِثُ بنُ هَمّامٍ: فاتّبعْتُهُ مُوارِياً عنْهُ عِياني. وقَفوْتُ أثرَهُ منْ حيثُ لا يَراني. حتّى انْتَهى الى مَغارَةٍ. فانْسابَ فيها على غَرارَةٍ. فأمْهَلْتُه ريثَما خلَعَ نعْلَيْهِ. وغسَل رِجلَيْهِ. ثمّ هجَمْتُ علَيهِ. فوجدتُهُ مُشافِناً لتِلْميذٍ. على خبْزِ سَميذٍ. وجَدْيٍ حَنيذٍ. وقُبالَتَهُما خابيةُ نبيذٍ. فقلتُ لهُ: يا هذا أيَكونُ ذاكَ خبرَكَ. وهذا مَخْبَرَكَ؟ فزَفَرَ زفْرَةَ القَيْظِ. وكادَ يتميّزُ منَ الغيْظِ. ولمْ يزَلْ يحَمْلِقُ إليّ. حتّى خِفْتُ أن يسطُوَ عليّ. فلمّا أن خبَتْ نارُهُ. وتَوارَى أُوارُهُ. أنْشَد: لبِسْتُ الخَميصةَ أبغي الخَبيصَهْ ... وأنْشَبْتُ شِصّيَ في كل شِيصَه

стр. 15

وصيّرتُ وعْظيَ أُحبولَةً ... أُريغُ القَنيصَ بها والقَنيصَه وألْجأني الدّهْرُ حتى ولَجْتُ ... بلُطْفِ احتِيالي على اللّيثِ عيصَه على أنّني لم أهَبْ صرفَهُ ... ولا نبَضَتْ لي مِنْهُ فَريصَه ولا شرَعت بي على مَورِدٍ ... يُدنّسُ عِرضيَ نفْسٌ حَريصَه ولو أنْصَفَ الدّهرُ في حُكمِهِ ... لَما ملّكَ الحُكْمَ أهلَ النّقيصَه ثمّ قال ليَ: ادْنُ فكُلْ. وإنْ شِئْتَ فقُم وقُلْ. فالتَفَتّ الى تِلميذِه وقُلتُ: عزَمْتُ عليْكَ بمَن تستَدفِعُ بهِ الأذى. لتُخْبرَنّي مَنْ ذا. فقال: هذا أبو زيْدٍ السَّروجيُّ سِراجُ الغُرَباء. وتاجُ الأدَباء. فانصرَفْتُ من حيثُ أتيتُ. وقضَيْتُ العجَبَ ممّا رأيْتُ. المقامة الحُلوانيّة حَكى الحارِثُ بنُ هَمّامٍ قال: كلِفْتُ مُذْ ميطَتْ عني التّمائِمُ. ونِيطَتْ بيَ العَمائِمُ. بأنْ أغْشى مَعانَ الأدَبِ. وأُنضيَ إليْهِ

стр. 16

تتجاذب أطراف الأناشيد. ونتوارد طرف الأسانيد. إذ وقف بنا شخص عليه سمل. وفي مشيته قزل. فقال يا أخاير الذخائر. وبشائر العشائر. عموا صباحاً. وأنعموا اصطباحاً. وانظروا إلى من كان ذا نديٍّ وندىً. وجدة وجداً. وعقار وقرى. ومقار وقرا. فما زال به قطوب الخطوب. وحروب الكروب. وشرر شر الحسود. وانتياب النوب السود. وأقوى المجمع. وأفض المضجع. واستحالت الحال. وأعول العيال. وخلت

стр. 17

المرابط. ورحم الغابط. وأودى الناطق والصامت. وركى لنا الحاسد والشامت. وآل بنا الدهر الموقع. والفقر المدقع. إلى أن احتذينا الوجى. واغتذبنا الشجا. واستنبطنا الجوى. وطوينا الأحشاة على الطوى. واكتحلنا السهاد. واستوطنا الوهاد. واستوطأنا القتاد. وتناسينا الأقتاد. واستنبطنا الحين المجتاح. واستنبطنا اليوم المتاح. فهل من حر آس. أو سح مؤاس. فوالذي استخرجني من قيلة. لقد أمسيت أخا عيلة. لا أملك بيت ل يلة. قال الحارث بن همام فأويت لمفاقره. ولويت إلى استنباط فقره. فأبرزت ديناراً. وقلت له اختباراً. إن مدحته

стр. 18

رِكابَ الطّلَبِ. لأعْلَقَ منْهُ بِما يكونُ لي زينَةً بينَ الأنامِ. ومُزنَةً عندَ الأُوامِ. وكُنْتُ لفَرْطِ اللهَجِ باقْتِباسِه. والطّمَعِ في تقمّصِ لِباسِهِ. أُباحِثُ كلّ مَنْ جَلّ وقَلّ. وأسْتَسْقي الوَبْلَ والطّلّ. وأتعلّلُ بعَسى ولَعلّ. فلمّا حلَلْتُ حُلْوانَ. وقدْ بلَوْتُ الإخْوانَ. وسَبَرْتُ الأوْزانَ. وخبَرْتُ ما شانَ وَزانَ. ألفَيْتُ بها أبا زيْدٍ السَّروجيَّ يتقلّبُ في قوالبِ الانتِسابِ. ويخْبِطُ في أساليبِ الاكتِسابِ. فيدّعي تارَةً أنّهُ من آلِ ساسانَ. ويعْتَزي مرّةً الى أقْيالِ غسّانَ. ويبْرُزُ طَوراً في شِعارِ الشّعَراء. ويَلبَسُ حيناً كِبَرَ الكُبَراءِ. بيْدَ أنّهُ معَ تلوّنِ حالِهِ. وتبَيّنِ مُحالِهِ. يتحلّى برُواءٍ ورِوايَةٍ. ومُدراةٍ ودِرايَةٍ.

стр. 19

وبَلاغَةٍ رائِعَةٍ. وبَديهةٍ مُطاوعةٍ. وآدابٍ بارِعةٍ. وقدَمٍ لأعْلامِ العُلومِ فارِعةٍ. فكانَ لمحاسِنِ آلاتِهِ. يُلْبَسُ على عِلاّتِه. ولِسَعَةِ رِوايَتِه. يُصْبى الى رؤيَتِهِ. ولخلابَةِ عارِضَتِهِ. يُرْغَبُ عنْ مُعارضَتِهِ. ولعُذوبَةِ إيرادِهِ. يُسْعَفُ بمُرادِهِ. فتعَلّقتُ بأهْدابِهِ. لخَصائِصِ آدابِهِ. ونافَسْتُ في مُصافاتِهِ. لنَفائِسِ صِفاتِه. فكُنتُ بهِ أجْلو هُمومي وأجْتَلي ... زمانيَ طلقَ الوجْهِ مُلتَمِعَ الضّيا أرَى قُرْبَهُ قُرْبى ومَغْناهُ غُنْيَةً ... ورؤيَتَهُ رِيّاً ومَحْياهُ لي حَيا ولَبِثْنا على ذلِكَ بُرْهَةً. يُنْشئ لي كلَّ يومٍ نُزهَةً. ويدْرَأُ عن قلبي شُبهَةً. الى أنْ جدَحَتْ لهُ يَدُ الإمْلاقِ. كأس الفِراقِ. وأغْراهُ

стр. 20

عدَمُ العُراقِ. بتَطْليقِ العِراقِ. ولفَظَتْهُ مَعاوِزُ الإرْفاقِ. الى مَفاوِزِ الآفاقِ. ونظَمَهُ في سِلْكِ الرّفاقِ. خُفوقُ رايةِ الإخْفاقِ. فشحَذَ للرّحْلَةِ غِرارَ عزْمَتِهِ. وظَعَنَ يقْتادُ القلْبَ بأزِمّتِهِ. فما راقَني مَنْ لاقَني بعْدَ بُعْدِهِ ... ولا شاقَني مَنْ ساقني لوِصالِهِ ولا لاحَ لي مُذْ ندّ نِدٌ لفَضْلِهِ ... ولا ذو خِلالٍ حازَ مثلَ خِلالِهِ واسْتَسَرّ عني حيناً. لا أعرِفُ لهُ عَريناً. ولا أجِدُ عنْهُ مُبيناً. فلمّا أُبْتُ منْ غُربَتي. الى منْبِتِ شُعْبَتي. حضَرْتُ دارَ كُتُبِها التي هيَ مُنتَدى المتأدّبينَ. ومُلتَقَى القاطِنينَ منهُمْ والمُتغرّبينَ. فدخَلَ ذو لِحْيَةٍ كثّةٍ. وهيئَةٍ رثّةٍ. فسلّمَ على الجُلاّسِ. وجلَسَ في

стр. 21

أُخرَياتِ الناسِ. ثمّ أخذَ يُبْدي ما في وِطابِهِ. ويُعْجِبُ الحاضِرينَ بفصْلِ خِطابِهِ. فقال لمَنْ يَليه: ما الكِتابُ الذي تنظُرُ فيهِ؟ فقالَ: ديوانُ أبي عُبادةَ. المشْهودِ لهُ بالإجادَةِ. فقال: هلْ عثَرْتَ لهُ فيما لمحْتَهُ. على بَديعٍ استَملَحْتَهُ؟ قال: نعمْ قولُه: كأنّما تبْسِمُ عن لُؤلُؤٍ ... منضّدٍ أو برَدٍ أو أقاحْ فإنّهُ أبدَعَ في التّشبيهِ. المُودَعِ فيهِ. فقالَ لهُ: يا لَلعجَبِ. ولَضَيْعَةِ الأدبِ! لقدِ استَسْمَنْتَ يا هَذا ذا ورَمٍ. ونَفَخْتَ في غيرِ ضرَمٍ! أينَ أنتَ منَ البيْتِ النّدْرِ. الجامِعِ مُشَبّهاتِ الثّغْرِ؟ وأنْشَد: نفْسي الفِداءُ لثَغْرٍ راقَ مبسِمُهُ ... وزانَهُ شنَبٌ ناهيكَ من شنَبِ

стр. 22

يفترُّ عن لُؤلُؤٍ رطْبٍ وعن برَدٍ ... وعن أقاحٍ وعن طلْعٍ وعن حبَبِ فاستَجادَهُ مَنْ حضَر واسْتَحْلاهُ. واستَعادَهُ منْهُ واسْتمْلاهُ. وسُئِلَ: لمنْ هذا البيتُ. وهلْ حيٌ قائِلُهُ أو ميْتٌ؟ فقال: أيْمُ اللهِ لَلحَقُّ أحَقُّ أنْ يُتّبَعَ. ولَلصّدْقُ حَقيقٌ بأنْ يُستَمَعَ! إنّهُ يا قَوْمُ. لنَجيّكُمْ مُذُ اليوْمَ. قال: فكأنّ الجَماعَةَ ارْتابَتْ بعزْوَتِه. وأبَتْ تصْديقَ دعْوَته. فتوجّسَ ما هجَسَ في أفْكارِهِمْ. وفطِنَ لِما بَطَنَ مِنِ استِنْكارِهِمْ. وحاذَرَ أنْ يفْرُطَ إليْهِ ذمّ. أو يَلْحَقَهُ وصْمٌ. فقرأ: إنّ بعْضَ الظنّ إثْمٌ. ثم قال: يا رُواةَ القَريضِ. وأُساةَ القوْلِ المَريضِ. إنّ خُلاصَةَ الجوهَرِ تظهَرُ بالسّبْكِ. ويدَ الحقّ تصْدَعُ رِداءَ الشّكّ. وقدْ قيلَ فيما غبَرَ منَ الزّمانِ: عندَ الامتِحانِ. يُكرَمُ الرّجُلُ أو يُهانُ. وها أنا قدْ عرّضْتُ

стр. 23

خبيئَتي للاخْتِبارِ. وعرَضْتُ حَقيبَتي على الاعْتِبارِ. فابْتَدَر. أحدُ مَنْ حضَرَ. وقال: أعرِفُ بيْتاً لمْ يُنسَجْ على مِنْوالِهِ. ولا سمَحَتْ قَريحةٌ بمِثالِهِ. فإنْ آثَرْتَ اختِلابَ القُلوبِ. فانْظِمْ على هذا الأسْلوبِ. وأنْشَدَ: فأمطَرَتْ لؤلؤاً من نرْجِسٍ وسقَتْ ... ورْداً وعضّتْ على العُنّابِ بالبَرَدِ فلم يكُنْ إلا كلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أقرَبُ. حتى أنْشَدَ فأغْرَب: سألتُها حينَ زارَتْ نَضْوَ بُرْقُعِها ال ... قاني وأيداعَ سمْعي أطيَبَ الخبَرِ فزَحزَحَتْ شفَقاً غشّى سَنا قمَرٍ ... وساقَطَتْ لُؤلؤاً من خاتَمٍ عطِرِ فحارَ الحاضِرونَ لبَداهَتِه. واعتَرَفوا بنَزاهَتِه. فلمّا آنَسَ استِئْناسَهُمْ

стр. 24

بكَلامِهِ. وانصِبابَهُمْ الى شِعْبِ إكْرامِهِ. أطْرَقَ كطَرْفَةِ العَينِ. ثمّ قال: ودونَكُمْ بيتَينِ آخرَينِ. وأنشدَ: وأقبَلَتْ يومَجدّ البينُ في حُلَلٍ ... سودٍ تعَضُّ بَنانَ النّادِم الحَصِرِ فلاحَ ليْلٌ على صُبْحٍ أقلّهُما ... غُصْنٌ وضرّسَتِ البِلّورَ بالدَّرَرِ فحينَئذٍ استَسْنى القوْمُ قيمَتَهُ. واستَغْزَروا ديمَتَهُ. وأجْمَلوا عِشْرَتَهُ. وجمّلوا قِشرَتَهُ. قال المُخْبِرُ بهَذِهِ الحِكايَةِ: فلمّا رأيتُ تلهُّبَ جذْوَتِهِ. وتألُّقَ جلْوَتِهِ. أمعَنْتُ النّظَرَ في توسُّمِهِ. وسرّحْتُ الطّرْفَ في ميسِمِهِ. فإذا هوَ شيخُنا السَّروجيّ. وقدْ أقْمَرَ ليلُه الدّجُوجيُّ. فهنّأتُ نفسي بمَورِدِهِ. وابتدَرْتُ اسْتِلام يدِهِ. وقلتُ لهُ: ما الذي أحالَ

стр. 25

صفَتَكَ. حتى جهِلْتُ معرِفَتَكَ؟ وأيّ شيء شيّبَ لحيَتَكَ. حتى أنْكَرْتُ حِليَتَكَ؟ فأنشأ يقول: وقْعُ الشّوائِبِ شيّبْ ... والدّهرُ بالناسِ قُلَّبْ إنْ دانَ يوماً لشَخْصٍ ... ففي غدٍ يتغلّبْ فلا تثِقْ بوَميضٍ ... منْ برْقِهِ فهْوَ خُلّبْ واصْبِرْ إذا هوَ أضْرى ... بكَ الخُطوبَ وألّبْ فما على التِّبْرِ عارٌ ... في النّارِ حينَ يُقلَّبْ ثمّ نهضَ مُفارِقاً موضِعَهُ. ومُستَصْحِباً القُلوبَ معَهُ. المقامة الدّينارية رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: نظَمَني وأخْداناً لي نادٍ. لمْ يخِبْ فيه مُنادٍ. ولا كَبا قدْحُ زِنادٍ. ولا ذكَتْ نارُ عِنادٍ. فبيْنَما نحنُ

стр. 26

نتجاذَبُ أطْرافَ الأناشيدِ. ونَتوارَدُ طُرَفَ الأسانيدِ. إذْ وقَفَ بِنا شخْصٌ علَيْهِ سمَلٌ. وفي مِشيَتِهِ قزَلٌ. فقال: يا أخايِرَ الذّخائِرِ. وبشائِرَ العَشائِرِ. عِموا صَباحاً. وأنْعِموا اصطِباحاً. وانظُروا الى مَنْ كان ذا نَديّ ونَدًى. وجِدَةٍ وجَداً. وعَقارٍ وقُرًى. ومَقارٍ وقِرًى. فما زالَ بهِ قُطوبُ الخُطوبِ. وحُروبِ الكُروبِ. وشَرَرُ شرِّ الحَسودِ. وانْتِيابُ النّوَبِ السّودِ. حتى صفِرَتِ الرّاحَةُ. وقرِعَتِ الساحَةُ. وغارَ المنْبَعُ. ونَبا المَرْبَعُ. وأقْوى المجْمَعُ. وأقَضّ المضْجَعُ. واستَحالَتِ الحالُ. وأعْوَلَ العِيالُ. وخَلَتِ المَرابِطُ. ورَحِمَ الغابِطُ. وأودى النّاطِقُ والصّامِتُ. ورَثى لَنا الحاسِدُ والشّامِتُ. وآلَ بِنا الدّهرُ الموقِعُ. والفَقْرُ المُدْقِعُ. الى أنِ احْتَذيْنا الوَجى. واغْتذدَينا الشّجا. واستَبْطَنّا الجَوى. وطَوَيْنا الأحْشاءَ على الطّوى. واكْتَحَلْنا السُهادَ. واستَوطَنّا الوِهادَ. واستوطأن القتاد. وتناسينا الأقتاد، واستطبنا الحين المحتاج واستَبْطأنا اليومَ المُتاحَ. فهل من حُرٍّ آسٍ. أو سمْحٍ مُؤاسٍ؟ فوَالّذي استَخْرَجَني من قَيلَه. لقَد أمْسَيتُ أخا عَيْلَه. لا أمْلِكُ بيْتَ ليْلَه. قال الحارِثُ بنُ همّامٍ: فأوَيْتُ لمَفاقِرِه. ولوَطْتُ الى استِنْباطِ فِقَرِهِ. فأبْرَزتُ ديناراً. وقُلتُ لهُ اختِباراً: إنْ مدَحْتَهُ نَظْماً. فهوَ لكَ حتْماً. فانْبَرى يُنشِدُ في الحالِ. من غيرِ انتِحال: أكْرِمْ بهِ أصفَرَ راقَتْ صُفرَتُهْ ... جوّابَ آفاقٍ ترامَتْ سَفرَتُهْ مأثورَةٌ سُمعَتُهُ وشُهرَتُهْ ... قد أُودِعَتْ سِرَّ الغِنى أسرّتُهْ وقارَنَتْ نُجحَ المَساعي خطرَتُه ... وحُبِّبَتْ الى الأنامِ غُرّتُهْ كأنّما منَ القُلوبِ نُقْرَتُهْ ... بهِ يصولُ مَنْ حوَتْهُ صُرّتُهْ وإنْ تَفانَتْ أو توانَتْ عِتْرَتُهْ ... يا حبّذا نُضارُهُ ونَضْرَتُهْ وحبّذا مَغْناتُهُ ونصْرَتُهْ ... كمْ آمِرٍ بهِ استَتَبّتْ إمرَتُهْ ومُتْرَفٍ لوْلاهُ دمَتْ حسْرَتُهْ ... وجيْشِ همٍّ هزمَتْهُ كرّتُهْ

стр. 27

وبدرِ تِمٍّ أنزَلَتْهُ بدْرَتُهْ ... ومُستَشيطٍ تتلظّى جمْرَتُهْ أسَرّ نجْواهُ فلانَتْ شِرّتُهْ ... وكمْ أسيرٍ أسْلمَتْهُ أُسرَتُهْ أنقَذَهُ حتى صفَتْ مسرّتُهْ ... وحقِّ موْلًى أبدَعَتْهُ فِطْرَتُهْ لوْلا التُقَى لقُلتُ جلّتْ قُدرتُهْ ثم بسَط يدَهُ. بعدَما أنْشدَهُ. وقال: أنْجَزَ حُرٌ ما وعَدَ. وسَحّ خالٌ إذ رَعَدَ. فنبَذْتُ الدّينارَ إليْهِ. وقلتُ: خُذْهُ غيرَ مأسوفٍ علَيْهِ. فوضَعهُ في فيهِ. وقال: بارِك اللهُمّ فيهِ! ثمّ شمّرَ للانْثِناء. بعْدَ توفِيَةِ الثّناء. فنشأتْ لي منْ فُكاهَتِه نشوَةُ غرامٍ. سهّلَتْ عليّ ائْتِنافَ اغْتِرامٍ. فجرّدْتُ ديناراً آخَرَ وقلتُ لهُ: هلْ لكَ في أنْ تذُمّهُ. ثم

стр. 28

تضُمّهُ؟ فأنشدَ مُرتَجِلاً. وشَدا عجِلاً: تبّاً لهُ من خادِعٍ مُماذِقِ ... أصْفَرَ ذي وجْهَيْنِ كالمُنافِقِ يَبدو بوَصْفَينِ لعَينِ الرّامِقِ ... زينَةِ معْشوقٍ ولوْنِ عاشِقِ وحُبّهُ عندَ ذَوي الحَقائِقِ ... يدْعو الى ارتِكابِ سُخْطِ الخالِقِ لوْلاهُ لمْ تُقْطَعْ يَمينُ سارِقِ ... ولا بدَتْ مظْلِمَةٌ منْ فاسِقِ ولا اشْمأزّ باخِلٌ منْ طارِقِ ... ولا شكا المَمطولُ مطلَ العائِقِ ولا استُعيذَ منْ حَسودٍ راشِقِ ... وشرّ ما فيهِ منَ الخلائِقِ أنْ ليسَ يُغْني عنْكَ في المَضايِقِ ... إلاّ إذا فرّ فِرارَ الآبِقِ واهاً لمَنْ يقْذِفُهُ منْ حالِقِ ... ومَنْ إذا ناجاهُ نجْوى الوامِقِ قال لهُ قوْلَ المُحقّ الصّادِقِ ... لا رأيَ في وصلِكَ لي ففارِقِ

стр. 29

فقلتُ له: ما أغزَرَ وبْلَكَ! فقال: والشّرْطُ أمْلَكُ. فنفَحتُهُ بالدّينارِ الثّاني. وقلتُ لهُ: عوّذهُما بالمَثاني. فألْقاهُ في فمِهِ. وقرَنَهُ بتوأمِهِ. وانْكفأ يحمَدُ مغْداهُ. ويمْدَحُ النّاديَ ونَداهُ. قالَ الحارِثُ بنُ همّامٍ: فناجاني قلبي بأنّهُ أبو زيدٍ. وأنّ تعارُجَهُ لِكَيدٍ. فاستَعَدْتُهُ وقلتُ له: قد عُرِفْتَ بوشْيِكَ. فاستَقِمْ في مشيِكَ. فقال: إنْ كُنتَ ابنَ هَمّامٍ. فحُيّيتَ بإكْرامٍ. وحَييتَ بينَ كِرامٍ! فقلتُ: أنا الحارثُ. فكيفَ حالُك والحوادِثُ؟ فقال: أتقلّبُ في الحالَينِ بُؤسٍ ورَخاءٍ. وأنقَلِبُ مع الرّيحَينِ زعْزَعٍ ورُخاءٍ. فقلتُ: كيفَ ادّعَيْتَ القَزَلَ؟ وما مِثلُكَ مَن هزَلَ. فاستَسَرّ بِشرُهُ الذي كانَ تجلّى. ثمّ أنشَدَ حينَ ولّى: تعارَجْتُ لا رَغبَةً في العرَجْ ... ولكِنْ لأقْرَعَ بابَ الفرَجْ

стр. 30

وأُلْقيَ حبْلي على غارِبي ... وأسلُكَ مسْلَكَ مَن قد مرَجْ فإنْ لامَني القومُ قلتُ اعذِروا ... فليسَ على أعْرَجٍ من حرَجْ المقامة الدّمياطيّة أخبَرَ الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال: ظعَنْتُ الى دُمْياطَ. عامَ هِياطٍ ومِياطٍ. وأنا يومئِذٍ مرْموقُ الرَّخاء. موموقُ الإخاء. أسْحَبُ مَطارِفَ الثّراء. وأجْتَلي معارِفَ السّرّاء. فرافَقْتُ صَحْباً قد شَقّوا عَصا الشِّقاقِ. وارْتَضَعوا أفاوِيقَ الوِفاقِ. حتى لاحُوا كأسْنانِ المُشْطِ في الاستِواء. وكالنّفْسِ الواحِدَةِ في التِئامِ الأهْواء.

стр. 31

وكُنّا مع ذلِك نسيرُ النّجاء. ولا نرْحَلُ إلا كُلّ هَوْجاء. وإذا نزَلْنا منزِلاً. أو وَردْنا مَنْهَلاً. اخْتلَسْنا اللُّبْثَ. ولمْ نُطِلِ المُكْثَ. فعنّ لَنا إعْمالُ الرِّكابِ. في ليلةٍ فَتيّةِ الشّبابِ. غُدافيّةِ الإهابِ. فأسرَيْنا الى أن نَضا اللّيلُ شَبابَهُ. وسلَتَ الصّبحُ خِضابَهُ. فحينَ ملِلْنا السُرَى. ومِلْنا الى الكَرى. صادَفْنا أرْضاً مُخضَلّةَ الرُّبا. مُعتلّةَ الصَّبا. فتخيّرْناها مُناخاً للعِيسِ. ومَحطّاً للتّعريسِ. فلمّا حلّها الخَليطُ. وهَدا بها الأطيطُ والغَطيطُ. سمِعْتُ صَيّتاً منَ الرّجالِ. يقولُ لسَميرِه في الرّحالِ: كيفَ حُكْمُ سيرَتِكَ. معَ جيلِكَ وجيرتِكَ؟ فقال:

стр. 32

أرْعَى الجارَ. ولوْ جارَ. وأبذُلُ الوِصالَ. لمَنْ صالَ. وأحْتَمِلُ الخَليطَ. ولوْ أبْدى التّخليطَ. وأودّ الحَميمَ. ولو جرّعَني الحَميمَ. وأفضّلُ الشّفيقَ. على الشّقيقِ. وأفي للعَشيرِ. وإنْ لمْ يُكافئْ بالعَشيرِ. وأستَقِلّ الجَزيلَ. للنّزيلِ. وأغمُرُ الزّميلَ. بالجميلِ. وأنزّلُ سَميري. منزِلَةَ أميري. وأُحِلّ أنيسي. محَلّ رَئيسي. وأُودِعُ مَعارِفي. عَوارِفي. وأُولي مُرافِقي. مَرافقي. وأُلينُ مَقالي. للقالي. وأُديم تَسْآلي. عنِ السّالي. وأرْضى منَ الوَفاء. باللَّفاء. وأقْنَعُ منَ الَجزاء. بأقَلّ الأجزاء. ولا أتظلّمُ. حينَ أُظلَمُ. ولا أنْقَمُ. ولو لدَغَني الأرقَمُ. فقال لهُ صاحبُه: ويْكَ يا بُنيّ إنّما يُضَنّ بالضّنينِ.

стр. 33

ويُنافَسُ في الثّمينِ. لكِنْ أنا لا آتي. غيرَ المُؤاتي. ولا أسِمْ العاتي. بمُراعاتي. ولا أُصافي. مَنْ يأبى إنْصافي. ولا أُواخي. مَنْ يُلْغي الأواخي. ولا أُمالي. مَنْ يُخيّبُ آمالي. ولا أُبالي بمَنْ صرَمَ حِبالي. ولا أُداري. مَنْ جهِلَ مِقداري. ولا أُعطي زِمامي. مَنْ يُخْفِرُ ذِمامي. ولا أبْذُلُ وِدادي. لأضْدادي. ولا أدَعُ إيعادي. للمُعادي. ولا أغرِسُ الأيادي. في أرضِ الأعادي. ولا أسمَحُ بمُواساتي. لمَنْ يفْرَحُ بمَساءاتي. ولا أرى التِفاتي. الى مَن يشْمَتُ بوَفاتي. ولا أخُصّ بحِبائي. إلا أحبّائي. ولا أستَطِبّ لدائي. غيرَ أوِدّائي. ولا أمَلِّكُ خُلّتي. مَنْ لا يسُدّ خَلّتي. ولا أصَفّي نيّتي. لمَنْ يتمنّي منيّتي. ولا أُخْلِصُ دُعائي. لمَنْ لا يُفعِمُ وِعائي. ولا أُفرِغُ ثَنائي. على مَنْ

стр. 34

يفْرغُ إنائي. ومنْ حكمَ بأنْ أبذُلَ وتخْزُنَ. وألينَ وتخْشُنَ. وأذوبَ وتجْمُدَ. وأذْكو وتخْمُدَ؟ لا واللهِ بلْ نتَوازَنُ في المَقالِ. وزْنَ المِثْقالِ. ونَتحاذَى في الفِعالِ. حذْوَ النّعالِ. حتى نأَنَ التّغابُنَ. ونُكْفى التّضاغُنَ. وإلا فلِمَ أعُلّكَ وتُعلّني. وأُقلّكَ وتستَقلّني. وأجتَرِحُ لكَ وتجرَحُني. وأسْرَحُ إليْكَ وتُسرّحُني؟ وكيف يُجْتَلَبُ إنْصافٌ بضَيْمٍ. وأنّى تُشرِقُ شمْسٌ معَ غيْمٍ؟ ومتى أُصْحِبَ وُدٌ بعَسْفٍ. وأيّ حُرّ رضيَ بخُطّةِ خسْفٍ؟ وللهِ أبوكَ حيثُ يقول: جزَيْتُ مَنْ أعلَقَ بي وُدَّهُ ... جَزاءَ مَنْ يبْني على أُسّهِ وكِلْتُ للخِلّ كما كالَ لي ... على وَفاء الكَيْلِ أو بخْسِهِ

стр. 35

ولمْ أُخَسِّرْهُ وشَرُّ الوَرى ... مَنْ يوْمُهُ أخْسَرُ منْ أمْسِهِ وكلُّ منْ يطلُبُ عِندي جَنى ... فما لهُ إلا جَنى غرْسِهِ لا أبتَغي الغَبْنَ ولا أنْثَني ... بصَفقَةِ المغْبونِ في حِسّهِ ولسْتُ بالموجِبِ حقاً لمَنْ ... لا يوجِبُ الحقَّ على نفسِهِ ورُبّ مَذاقِ الهَوى خالَني ... أصْدُقُهُ الوُدّ على لَبْسِهِ وما دَرى منْ جهلِهِ أنّني ... أقْضي غَريمي الدّينَ منْ جِنسِه فاهجُرْ منِ استَغباكَ هجرَ القِلى ... وهَبْهُ كالمَلْحودِ في رمْسِهِ والبَسْ لمَنْ في وصْلِهِ لُبسَةٌ ... لباسَ مَنْ يُرْغَبُ عنْ أُنسِهِ ولا تُرَجِّ الوُدَّ ممّنْ يرَى ... أنّك مُحْتاجٌ الى فَلْسِهِ قال الحارثُ بنُ همّام: فلمّا وعَيتُ ما دارَ بينهُما. تُقْتُ الى أن أعرِفَ عينَهُما. فلمّا لاحَ ابنُ ذُكاء. وألحَفَ الجوَّ الضّياءُ. غدَوْتُ قبلَ استِقلالِ الرّكابِ. ولا اغتِداءَ الغُرابِ. وجعلْتُ

стр. 36

أستَقْري صوْبَ الصّوتِ اللّيْليّ. وأتوسّمُ الوُجوهَ بالنّظَرِالجَليّ. الى أنْ لمحْتُ أبا زيْدٍ وابنَهُ يتحادَثان. وعلَيهِما بُرْدانِ رثّانِ. فعَلِمتُ أنّهُما نجِيّا ليلَتي. ومُعْتَزَى رِوايَتي. فقَصَدْتُهُما قصْدَ كلِفٍ بدَماثَتِهِما. راثٍ لرَثاثَتِهِما. وأبَحْتُهُما التحَوّلَ الى رحْلي. والتّحكّمَ في كُثْري وقُلّي. وطَفِقْتُ أُسيّرُ بينَ السّيّارةِ فضْلَهُما. وأهُزّ الأعْوادَ المُثمِرَةَ لهُما. الى أنْ غُمِرا بالنُّحْلانِ. واتُّخِذا منَ الخُلاّنِ. وكُنّا بمعرَّسٍ نتبيّنُ منْهُ بُنْيانَ القُرَى. ونتنوّرُ نيرانَ القِرَى. فلمّا رأى أبو زيدٍ امتِلاءَ كِيسِهِ. وانجِلاءَ بُوسِهِ. قال لي: إنّ بدَني قدِ اتّسَخَ. ودرَني قد رسَخَ. أفتأذَنُ لي في قصْدِ قريَةٍ لأستَحمّ. وأقضيَ

стр. 37

هذا المُهِمَّ؟ فقلتُ: إذا شِئْتَ فالسّرعَةَ السّرْعَهْ. والرّجعَةَ الرّجْعَهْ! فقال: ستجِدُ مطْلَعي عليْكَ. أسرَعَ منِ ارْتِدادِ طرْفِكَ إليْكَ. ثمّ استَنّ استِنانَ الجَوادِ في المِضْمارِ. وقال لابْنِهِ: بَدارِ بَدارِ! ولمْ نخَلْ أنّهُ غَرَّ. وطلَبَ المفَرّ. فلبِثْنا نرقُبُهُ رِقبَةَ الأعْيادِ. ونستَطلِعُهُ بالطّلائِعِ والرّوّادِ. الى أنْ هَرِمَ النّهارُ. وكادَ جُرُفُ اليومِ ينْهارُ. فلمّا طالَ أمَدُ الانتِظارِ. ولاحَتِ الشمسُ في الأطْمارِ. قُلتُ لأصْحابي: قد تَناهَيْنا في المُهْلَةِ. وتمادَيْنا في الرّحلَةِ. الى أنْ أضَعْنا الزّمانَ. وبانَ أنّ الرجُلَ قد مان. فتأهّبوا للظّعَنِ. ولا تَلْووا على خضْراء الدِّمنِ. ونَهَضْتُ لأحدِجَ راحِلَتي. وأتحمّلَ لرِحلَتي. فوجدْتُ أبا زيْدٍ قد كتبَ. على القَتَبِ:

стр. 38

يا مَنْ غَدا لي ساعِداً ... ومُساعِداً دونَ البَشَرْ لا تحْسَبَنْ أنّي نأي ... تُكَ عنْ مَلالٍ أو أشَرْ لكنّني مُذْ لمْ أزَلْ ... ممّنْ إذا طَعِمَ انتشَرْ قال: فأقْرَأتُ الجَماعةَ القتَبَ. ليعْذِرَهُ منْ كان عتَبَ. فأُعجِبوا بخُرافَتِه. وتعوّذوا منْ آفَتِه. ثمّ إنّا ظعَنّا. ولمْ ندْرِ منِ اعتاضَ عنّا. المقامة الكوفيّة حَكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: سمَرْتُ بالكوفَةِ في ليلَةٍ أديمُها ذو لوْنَينِ. وقمرُها كتَعْويذٍ من لُجَينٍ. معَ رُفقَةٍ غُذوا بلِبانِ البَيانِ. وسحَبوا على سَحْبانَ ذيْلَ النّسْيانِ. ما فيهِمْ إلا مَنْ

стр. 39

يُحْفَظُ عنْهُ ولا يُتَحفَّظُ منْهُ. ويَميلُ الرّفيقُ إليهِ ولا يَميلُ عنهُ. فاستَهْوانا السّمَرُ. الى أنْ غرَبَ القمَرُ. وغلَبَ السّهَرُ. فلمّا روّقَ الليْلُ البَهيمُ. ولمْ يبْقَ إلا التّهويمُ. سمِعْنا منَ البابِ نبْأةَ مُستَنْبِحٍ. ثمّ تلَتْها صكّةُ مُستفْتِحٍ. فقُلنا: منِ المُلِمّ. في اللّيلِ المُدْلَهِمّ؟ فقال: يا أهلَ ذا المَغْنى وُقيتُمْ شَرّا ... ولا لَقيتُمْ ما بَقيتُمْ ضُرّا قدْ دفَعُ الليلُ الذي اكْفَهَرّا ... الى ذَراكُمُ شَعِثاً مُغْبَرّا أخا سِفارٍ طالَ واسْبَطَرّا ... حتى انْثَنى مُحْقَوْقِفاً مُصْفَرّا مثلَ هِلالِ الأُفْقِ حينَ افْتَرّا ... وقد عَرا فِناءكُمْ مُعْتَرّا وأمَّكُمْ دونَ الأنام طُرّا ... يبْغي قِرًى منكُمْ ومُستَقَرّا

стр. 40

فَدونَكُمْ ضَيْفاً قَنوعاً حُرّا ... يرْضَى بما احْلَوْلى وما أمَرّا وينثَني عنْكُمْ ينُثّ البِرّا قال الحارثُ بنُ هَمّامٍ: فلمّا خلَبَنا بعُذوبَةِ نُطقِهِ. وعلِمْنا ما وَراء برْقِه. ابتَدَرْنا فتْحَ البابِ. وتلَقّيناهُ بالتّرْحابِ. وقُلْنا للغُلامِ: هيّا هَيّا. وهلُمّ ما تَهيّا! فقالَ الضّيفُ: والذي أحَلّني ذَراكُمْ. لا تلَمّظْتُ بقِراكُمْ. أو تَضْمَنوا لي أنْ لا تتّخِذوني كَلاًّ. ولا تجَشّموا لأجْلي أكْلاً. فرُبّ أكْلَةٍ هاضَتِ الآكِلَ. وحرَمَتْهُ مآكِلَ. وشَرُّ الأضْيافِ مَنْ سامَ التّكليفَ. وآذَى المُضيفَ. خُصوصاً أذًى يعْتَلِقُ بالأجْسامِ. ويُفْضي الى الأسْقامِ. وما قيلَ في المثَلِ الذي سارَ سائِرُهُ: خيرُ العَشاء سَوافِرُهُ. إلا ليُعَجَّلَ التّعَشّي. ويُجْتَنَبَ أكْلُ اللّيلِ الذي يُعْشي.
следующие страницы →