Полный текст (555 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
هل استسلف أربابه ثمنه أم لا. وأما استفهامه عن حياة صاحب الجنازة فإنه أراد به أخلف عقباً يحيى ذكره به أم لا. فلما خرج إلى الرجل حدثه بتأويل ابنته كلامه فخطبها إليه فزوجه إياها فلما سار بها إلى قومه وخبروا ما فيها من الدهاء والفطنة قالوا وافق شن طبقة فسار مثلاً. وحكي أن الأصمعي سئل عن تفسير هذا المثل فقال أظن الشن وعاء من آدم كان قد استشن فلما اتخذ له غطاء وافقه ضرب فيه هذا المثل. وأما حدأة وبندقة فإنه يقال
المقامة التِّنِّيسيّة
حدّثَ الحارثُ بنُ همّامٍ قال: أطَعْتُ دَواعيَ التّصابي. في غُلَواء شَبابي. فلمْ أزَلْ زِيراً للغِيدِ. وأُذُناً للأغارِيدِ. الى أن وافَى النّذيرُ. وولّى العيشُ النّضيرُ. فقَرِمْتُ الى رُشْدِ الانتِباهِ.
стр. 422
وندِمْتُ على ما فرّطْتُ في جنْبِ اللهِ. ثمّ أخذْتُ في كسْعِ الهَناتِ بالحَسَناتِ. وتلافي الهفَواتِ قبلَ الفَواتِ. فمِلْتُ عنْ مُغاداةِ الغاداتِ. الى مُلاقاةِ التُّقاةِ. وعنْ مُقاناةِ القَيْناتِ. الى مُداناةِ أهلِ الدّياناتِ. وآلَيتُ أن لا أصْحَبَ إلا مَنْ نزَعَ عنِ الغَيّ. وفاءَ منشَرُهُ الى الطّيّ. وإنْ ألْفَيْتُ منْ هوَ خَليعُ الرّسَنِ. مَديدُ الوسَنِ. أنْأيْتُ داري عن دارِهِ. وفرَرْتُ عنْ عَرّهِ وعارِهِ. فلمّا ألقَتني الغُربَةُ بتِنّيسَ. وأحَلّتني مسجِدَها الأنيسَ. رأيتُ بهِ ذا حَلقَةٍ مُلتَحمَةٍ. ونظّارَةٍ مُزدَحِمةٍ. وهوَ يقولُ بجأشٍ مَكينٍو ولِسنٍ
стр. 423
مُبينٍ: مِسكينٌ ابنُ آدمَ وأيُّ مِسكينٍ. ركَنَ من الدّنيا الى غيرِ رَكينٍ. واستَعصَمَ منها بغيرِ مَكسنٍ. وذُبِحَ من حُبّها بغيرِ سِكّينٍ. يَكْلَفُ بها لغَباوَتِهِ. ويَكْلَبُ عليْها لشَقاوَتِهِ. ويعْتَدّ فيها لمُفاخرَتِهِ. ولا يتزوّدُ منها لآخرتِهِ. أُقسمُ بمَنْ مرَجَ البَحرَينِ. ونوّرَ القمَرَينِ. ورفَعَ قدْرَ الحجريْنِ. لوْ عقَلَ ابنُ آدَمَ. لما نادَمَ. ولوْ فكّرَ في ما قدّمَ. لبَكى الدّمَ. ولوْ ذكَرَ المُكافاةَ. لاستَدرَكَ ما فاتَ. ولوْ نظَرَ في المآلِ. لحسّنَ قُبْل الأعْمالِ. يا عجَباً كلَّ العجَبِ. لمَنْ يقتَحِمُ ذاتَ اللهَبِ. في اكْتِنازِ الذّهبِ. وخزْنِ النّشَبِ.
стр. 424
لذوي النّسَبِ. ثمّ منَ البِدْعِ العَجيبِ. أن يعِظَكَ وخْطُ المشيبِ. وتؤذِنُ شمسُكَ بالمَغيبِ. ولستَ ترى أن تُنيبَ. وتهذّبَ المَعيبَ. ثمّ اندفَعَ يُنشِدُ. إنشادَ منْ يُرشِدُ:
يا ويْحَ مَنْ أنذرَهُ شَيبُهُ ... وهوَ على غَيّ الصِّبا منكَمِشْ
يعْشو الى نارِ الهَوى بعْدَما ... أصبَحَ من ضُعْفِ القُوى يرتَعِش
ويمتَطي اللهْوَ ويعْتَدُّهُ ... أوْطأ ما يفتَرِشُ المُفتَرِشْ
لم يهَبِ الشّيبَ الذي ما رأى ... نجومَهُ ذو اللُّبّ إلا دُهِشْ
ولا انتهَى عمّا نَهاهُ النُهى ... عنهُ ولا بالى بعِرْضٍ خُدِشْ
فذاكَ إنْ ماتَ فسُحْقاً لهُ ... وإن يعِشْ عُدّ كأنْ لمْ يعِشْ
стр. 425
لا خيْرَ في مَحْيا امرئٍ نشْرُهُ ... كنَشْرِ ميْتٍ بعدَ عشْرٍ نُبِشْ
وحبّذا مَن عِرضُهُ طيّبٌ ... يَروقُ حُسْناً مثلَ بُرْدٍ رُقِشْ
فقُلْ لمَن قد شاكَهُ ذنبُهُ ... هلَكْتَ يا مِسكينُ أو تنتَقِشْ
فأخْلِصِ التّوبَةَ تطمِسْ بها ... منَ الخَطايا السودِ ما قد نُقِشْ
وعاشِرِ الناسَ بخُلقٍ رِضًى ... ودارِ منْ طاشَ ومنْ لم يطِشْ
ورِشْ جَناحَ الحُرّ إنْ حَصّهُ ... زمانُهُ لا كانَ منْ لم يرِشْ
وأنجِدِ الموْتورَ ظُلماً فإنْ ... عجِزْتَ عن إنْجادِهِ فاستجِشْ
وانعَشْ إذا ناداكَ ذو كَبوَةٍ ... عساكَ في الحشْرِ بهِ تنتَعِشْ
وهاكَ كأسَ النُصْحِ فاشرَبْ وجُدْ ... بفَضْلَةِ الكأسِ على مَنْ عطِشْ
стр. 426
قال: فلمّا فرَغَ من مُبكِياتِهِ. وقضَى إنشادَ أبياتِهِ. نهضَ صبيٌّ قد شدَنَ. وأعْرى البَدَنَ. وقال: يا ذَوي الحَصاةِ. والإنْصاتِ الى الوَصاةِ. قد وعَيْتُمُ الإنشادَ. وفقِهتُمُ الإرْشادَ. فمَن نَوى منكُمْ أن يقْبَلَ. ويُصلِحَ المُستَقبَلَ. فلْيُبِنْ ببِرّي عنْ نِيّتِهِ. ولا يعدِلْ عني بعَطيّتِهِ. فوالذي يعلَمُ الأسرارَ. ويغفِرُ الإصْرارَ. إنّ سرّي لكَما تَرَوْنَ. وإنّ وجهي ليَستَوْجِبُ الصّوْنَ. فأعينوني رُزِقْتُمُ العوْنَ. قال: فأخذَ الشيخُ في ما يعطِفُ عليْهِ القُلوبَ. ويُسَنّي لهُ المطْلوبَ. حتى أنْبَطَ حَفرُهُ. واعْشَوشَبَ قَفْرُهُ. فلمّا أنْ ترِعَ الكيسُ. انصَلَتَ يميسُ. ويحمَدُ تِنّيسَ. ولمْ يحْلُ للشيخِ المُقامُ. بعْدَما انْصاعَ الغُلامُ. فاستَرْفَعَ الأيْدي بالدّعاء.
стр. 427
ثمّ نَحا نحْوَ الانكِفاء. قال الراوي: فارتَحْتُ الى أن أعجُمَهُ. وأحُلَّ مُترجَمَهُ. فتَبعتُهُ وهو يشتَدّ في سمْتِهِ. ولا يفْتُقُ رتْقَ صمتِهِ. فلمّا أمِنَ المُفاجيَ. وأمكَنَ التّناجي. لفَتَ جيدَهُ إليّ. وسلّمَ تسْليمَ البَشاشَةِ عليّ. ثمّ قال: أراقَكَ ذكاءُ ذاكَ الشُّوَيْدِنِ؟ فقلتُ: إي والمؤمِنِ المُهَيمِنِ! قال: إنهُ فتى السّروجيّ. ومُخرِجِ الدُّرّ منَ اللُّجّيّ! فقلْتُ: أشهَدُ إنّكَ لَشَجرَةُ ثمرَتِهِ. وشُواظُ شرَرَتِهِ. فصدّقَ كَهانَتي. واستَحْسَنَ إبانَتي. ثمّ قال: هل لكَ في ابتِدارِ البيتِ. لنَتنازَعَ كأسَ الكُمَيتِ؟ فقلتُ لهُ: ويْحَكَ أتأمُرونَ الناسَ بالبِرّ وتَنسَوْنَ أنفُسَكُمْ؟ فافتَرّ افتِرارَ مُتَضاحِكٍ. ومرّ غيرَ مُماحِكٍ. ثمّ بَدا لهُ أنْ تَراجَعَ إليّ. وقال: احفَظْها عني وعليّ:
стр. 428
إصْرِفْ بصِرْفِ الرّاحِ عنكَ الأسى ... وروّحِ القلْبَ ولا تكتَئِبْ
وقلْ لمَنْ لامكَ في ما بِهِ ... تدفعُ عنكَ الهمّ قدْكَ اتّئِبْ
ثمّ قال: أمَا أنا فسأنطَلِقُ. الى حيثُ أصطَبِحُ وأغْتَبِقُ. وإذا كُنتَ لا تَصحَبُ. ولا تُلائِمُ مَن يطرَبُ. فلسْتَ لي برَفيقٍ. ولا طريقُكَ لي بطَريقٍ. فخَلّ سَبيلي ونكّبْ. ولا تُنقّرْ عني ولا تُنقّبْ. ثمّ ولّى مُدْبِراً ولمْ يُعَقّبْ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فالْتَهَبْتُ وجْداً عندَ انطِلاقِهِ. ووَدِدْتُ لوْ لمْ أُلاقِهِ.
المقامة النَّجرانِيّة
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: تَرامتْ بي مَرامي النّوى. ومسَاري الهَوى. الى أن صِرْتُ ابنَ كُلّ تُربَةٍ. وأخا كُلّ غُربةٍ. إلا أني لمْ أكُنْ أقطَعُ وادِياً. ولا أشهَدُ نادِياً. إلا لاقْتِباسِ الأدَبِ المُسْلي عنِ
стр. 429
الأشْجانِ. المُغْلي قيمَةَ الإنسانِ. حتى عُرِفَتْ لي هذه الشِّنْشِنَةُ. وتناقلَتْها عني الألسنَةُ. وصارتْ أعْلَقَ بي منَ الهوى ببَني عُذْرَةَ. والشّجاعَةِ بآلِ أبي صُفرَةَ. فلمّا ألْقَيتُ الجِرانَ بنَجْرانَ. واصطَفَيتُ بها الخُلاّنَ والجيرانَ. تخِذْتُ أندِيَتَها مُعتَمَري. وموسِمَ فُكاهَتي وسمَري. فكنْتُ أتعَهّدُها صَباحَ مساء. وأظهَرُ فيها على ما سرّ وساء. فبَينَما أنا في نادٍ محْشودٍ. ومحْفِلٍ مشْهودٍ. إذ جثَمَ لدَيْنا هِمٌّ. علَيهِ هِدْمٌ. فحَيّا تحيّةَ ملِقٍ. بلِسانٍ ذلِقٍ. ثمّ قال: يا بُدورَ المَحافِلِ. وبحورَ
стр. 430
النّوافِلِ. قد بيّنَ الصّبْحُ لِذي عيْنَينِ. ونابَ العِيانُ مَنابَ عدْلَينِ. فماذا تَروْنَ. في ما ترَوْنَ؟ أتُحسِنونَ العَوْنَ. أم تنأوْنَ. إذْ تُدعَوْنَ؟ فقالوا: تاللهِ لقَدْ غِظْتَ. ورُمْتَ أن تُنبِطَ فغِضْتَ. فناشَدَهُمُ اللهَ عمّاذا صدّهُمْ. حتى استَوجَبَ ردَّهُمْ. فقالوا: كنّا نتَناضَلُ بالألْغازِ. كما يُتَناضَلُ يومَ البِرازِ. فما تمالَكَ أن شعّثَ منَ المَنْضولِ. وألْحَقَ هذا الفضْلَ بنمَطِ الفُضولِ. فلَسَنَتْهُ لُسْنُ القوْمِ. ووَخَزوهُ بأسنّةِ اللّوْمِ. وأخذَ هوَ يتنصّلُ من هَفوَتِهِ. ويتندّمُ على فَوْهَتِهِ. وهُمْ مُضِبّونَ على
стр. 431
مؤاخذَتِهِ. ومُلَبّونَ داعيَ مُنابَذَتِهِ. الى أن قالَ لهُمْ: يا قومِ إنّ الاحتِمالَ منْ كرَمِ الطّبْعِ. فعَدّوا عنِ اللّذْعِ والقَذْعِ. ثمّ هلُمّ الى أن نُلغِزَ. ونُحكّمَ المُبرِّزَ. فسكنَ عندَ ذلِك توقُّدُهُمْ. وانحَلّتْ عُقدُهمْ. ورَضوا بما شرَطَ عليهِمْ ولَهُمْ. واقتَرَحوا أنْ يكونَ أوّلَهُمْ. فأمْسكَ ريْثَما يُعقَدُ شِسْعٌ. أو يُشَدّ نِسْعٌ. ثمّ قال: اسمَعوا وُقيتُمُ الطّيشَ. ومُلّيتُمُ العيْشَ. وأنشدَ مُلغِزاً في مِروَحَةِ الخيْش:
وجارِيَةٍ في سيرِها مُشمَعِلّةٍ ... ولكِنْ على إثْرِ المَسيرِ قُفولُها
لها سائِقٌ من جِنسِها يستَحثّها ... على أنهُ في الإحتِثاثِ رَسيلُها
стр. 432
تُرى في أوانِ القَيظِ تنظُفُ بالنّدى ... ويَبدو إذا ولّى المَصيفُ قُحولُها
ثمّ قال: وهاكُمْ يا أولي الفضْلِ. ومَراكِزَ العقْلِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في حابولِ النّخْلِ:
ومُنتَسِبٍ الى أمٍّ ... تَنَشّا أصْلُهُ منْها
يعانِقُها وقد كانتْ ... نفَتْهُ بُرهَةً عنْها
بهِ يتوصّلُ الجاني ... ولا يُلْحى ولا يُنْهى
ثمّ قال: ودونَكُمُ الخَفيّةَ العلَمِ. المُعتَكِرَةَ الظُلَمِ. وأنشدَ مُلغِزاً في القلَمِ:
ومأمومٍ بهِ عُرِفَ الإمامُ ... كما باهَتْ بصُحْبَتِهِ الكِرامُ
لهُ إذ يرتَوي طَيْشانُ صادٍ ... ويسكُنُ حينَ يعْروهُ الأُوامُ
стр. 433
ويُذْري حين يُستَسْعى دُموعاً ... يرُقْنَ كما يروقُ الإبتِسامُ
ثمّ قال: وعلَيْكُمْ بالواضِحَةِ الدّليلِ. الفاضِحَةِ ما قيلَ. وأنشدَ مُلغِزاً في المِيلِ:
وما ناكِحٌ أُختَينِ جَهْراً وخُفيَةً ... وليسَ عليهِ في النّكاحِ سَبيلُ
متى يغْشَ هذي يغْشَ في الحالِ هذه ... وإنْ مالَ بعْلٌ لمْ تجِدْهُ يَميلُ
يَزيدُهُما عندَ المَشيبِ تعهّداً ... وبِرّاً وهذا في البُعولِ قَليلُ
ثم قال: وهذِهِ يا أولي الألْبابِ. مِعْيارُ الآدابِ. وأنشَد مُلغِزاً في الدّولابِ:
وجافٍ وهْوَ موْصولٌ ... وَصولٌ ليسَ بالجافي
стр. 434
غَريقٌ بارِزٌ فاعْجَبْ ... لهُ منْ راسِبٍ طافِ
يسُحّ دُموعَ مهْضومٍ ... ويهْضِمُ هَضْمَ مِتْلافِ
وتُخْشى منهُ حِدّتُهُ ... ولكِنْ قلبُهُ صافِ
قال: فلمّا رشَقَ. بالخَمْسِ التي نسَقَ. قال: يا قوْمِ تدَبّروا هذهِ الخمْسَ. واعْقِدوا عليْها الخَمْسَ. ثمّ رأيَكُمْ وضَمّ الذّيلِ. أوِ الازدِيادَ منْ هَذا الكَيْلِ! قال: فاستَفزّتِ القوْمَ شهوَةُ الزّيادَةِ. على ما أُشرِبوا منَ البَلادَةِ. فقالوا لهُ: إنّ وُقوفَنا دونَ حدّكَ. ليُفْحِمُنا عنِ استِيراء زنْدِكَ. واستِشْفافِ فِرِنْدِكَ. فإنْ أتْمَمتَ عشْراً فمِنْ عِندِكَ. فاهتزّ اهتِزازَ منْ فلَجَ سهمُهُ. وانخَزَلَ خصْمُهُ. ثمّ افتَتَح النُطْقَ بالبَسمَلَةِ. وأنشدَ مُلغِزاً في المُزَمَّلَةِ:
стр. 435
ومَسْرورَةٍ مَغمومَةٍ طولَ دهرِها ... وما هيَ تدري ما السُرورُ ولا الغَمُّ
تُقرَّبُ أحياناً لأجْلِ جَنينِها ... وكمْ ولدٍ لوْلاهُ طُلّقَتِ الأمُّ
وتُبعَدُ أحياناً وما حالَ عهدُها ... وإبعادُ من لم يَستَحِلْ عهدُه ظُلمُ
إذا قَصُرَ الليلُ استُلِذّ وصالُها ... وإن طالَ فالإعراضُ عن وصْلِها غُنمُ
لها ملبَسٌ بادٍ أنيقٌ مبَطَّنٌ ... بما يُزْدَرى لكنْ لِما يُزْدرى الحُكمُ
ثم كشَرَ عن أنيابِهِ الصُفْرِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الظُفْرِ:
ومرهوبِ الشَّبا نامٍ ... وما يرْعى ولا يشرَبْ
يُرى في العَشْرِ دونَ النّحْ ... رِ فاسمَعْ وصفَهُ واعْجَبْ
ثم تخازرَ تخازُرَ العِفْريتِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في طاقَةِ الكِبريتِ:
стр. 436
وما مَحْقورَةٌ تُدْنى وتُقْصى ... وما منْها إذا فكّرْتَ بُدُّ
لها رأسانِ مُشتَبِهانِ جِداً ... وكُلٌ منهُما لأخيهِ ضِدُّ
تعذَّبُ إن هُما خُضِبا وتُلغى ... إذا عَدِما الخِضابَ ولا تُعَدّ
ثمّ تخمّطَ تخمُّطَ القَرْمِ. وأنشدَ في حلَبِ الكَرْمِ:
وما شيءٌ إذا فسَدا ... تحوّلَ غيُّهُ رشَدا
وإنْ هوَ راقَ أوصافاً ... أثارَ الشرّ حيثُ بَدا
زَكيُّ العِرقِ والِدُهُ ... ولكِنْ بِئْسَ ما ولَدا
ثمّ اعتَضَدَ عَصا التَّسيارِ. وأنشَدَ مُلغِزاً في الطيّارِ:
وذي طَيشَةٍ شِقُّهُ مائِلٌ ... وما عابَهُ بهِما عاقِلُ
يُرى أبداً فوقَ عِلّيّةٍ ... كما يعْتَلي المَلِكُ العادِلُ
стр. 437
تساوَى لدَيْهِ الحَصا والنُّضارُ ... وما يستَوي الحقُّ والباطلُ
وأعْجَبُ أوصافِهِ إنْ نظرْتَ ... كما ينظُرُ الكَيّسُ الفاضِلُ
تَراضي الخُصومِ بهِ حاكِماً ... وقدْ عرَفوا أنّهُ مائِلُ
قال: فظلّتِ الأفكارُ تَهيمُ في أوديةِ الأوْهامِ. وتَجولُ جوَلانَ المُستَهامِ. الى أن طالَ الأمَدُ. وحصْحَصَ الكمَدُ. فلمّا رآهُمْ يزنِدونَ ولا سَنا. ويقْضونَ النّهارَ بالمُنى. قال: يا قومِ إلامَ تنظُرونَ. وحتّامَ تُنظَرونَ؟ ألَمْ يأنِ لكُمُ استِخْراجُ الخَبيّ. أو استِسلامُ الغَبيّ؟ فقالوا: تاللهِ لقدْ أعْوَصْتَ. ونصَبْتَ الشَّرَكَ فقنَصْتَ. فتحَكّمْ كيفَ شيتَ. وحُزِ الغُنْمَ والصّيتَ. ففرَضَ عنْ كلّ مُعَمًى فرْضاً. واستخلَصَهُ منهُمْ نَضّاً. ثمّ فتَح الأقفالَ. ورسمَ
стр. 438
الأغْفالَ. وحاولَ الإجْفالَ. فاعتلَقَ بهِ مِدرَهُ القومِ. وقال لهُ: لا لُبسَةَ بعْدَ اليومِ. فاستَنْسِبْ قبلَ الانطِلاقِ. وهَبْها مُتعَةَ الطّلاقِ. فأطْرَقَ حتى قُلْنا مُريبٌ. ثمّ أنشَدَ والدمعُ مُجيبٌ:
سَروجُ مطْلِعُ شمْسي ... وربْعُ لَهْوي وأُنسي
لكِنْ حُرِمْتُ نَعيمي ... بها ولَذةَ نفْسي
واعْتَضْتُ عنها اغْتِراباً ... أمَرَّ يومي وأمْسي
ما لي مقَرٌّ بأرضٍ ... ولا قَرارٌ لعَنْسيْ
يوماً بنَجدٍ ويوْماً ... بالشّأمِ أُضْحي وأُمسي
أُزْجي الزّمانَ بقوتٍ ... منغّصٍ مُستَخَسّ
ولا أبيتُ وعندي ... فلْسٌ ومَنْ لي بفَلْسِ
стр. 439
ومنْ يعِشْ مثلَ عيشي ... باعَ الحياةَ ببخْسِ
ثم إنّهُ اخْتَبَن خُلاصَةَ النّضّ. وندرَ ضارِباً في الأرضِ. فناشدْناهُ أن يعودَ. وأسْنَيْنا لهُ الوعودَ. فلا وأبيكَ ما رجعَ. ولا التّرغيبُ لهُ نجعَ.
المقامة البَكرِيّة
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: هَفا بيَ البينُ المطَوِّحُ. والسيرُ المبرِّحُ. الى أرضٍ يضِلّ بها الخِرّيتُ. وتفْرَقُ فيها المصاليتُ. فوجَدتُ ما يجِدُ الحائِرُ الوحيدُ. ورأيتُ ما كُنتُ منه أحيدُ. إلا أني شجّعْتُ قلْبيَ المَزْؤودَ. ونسأتُ نِضْوِيَ المجْهودَ. وسِرْتُ سيرَ الضّارِبِ بقِدْحَينِ. المُستَسلِمِ للحَينِ. ولمْ أزَلْ
стр. 440
بينَ وخْدٍ وذَميلٍ. وإجازَةِ مِيلٍ بعْدَ ميلٍ. الى أن كادَتِ الشمْسُ تجِبُ. والضّياءُ يحتجِبُ. فارْتَعْتُ لإظْلالِ الظّلامِ. واقتِحامِ جَيشِ حامٍ. ولمْ أدْرِ أأكْفِتُ الذّيلَ وأرتبِطُ. أم أعتَمِدُ اللّيلَ وأختَبِطُ؟ وبيْنا أنا أقلّبُ العزْمَ. وأمتَخِضُ الحزْمَ. تَراءى لي شبَحُ جمَلٍ. مُستَذْرٍ بجبَلٍ. فترَجّيتُهُ قُعْدَةَ مُريحٍ. وقصدْتُهُ قصْدَ مُشيحٍ. فإذا الظّنّ كَهانَةٌ. والقُعدَةُ عَيرانَةٌ. والمُريحُ قدِ ازْدَمَلَ ببِجادِهِ. واكتَحَلَ برُقادِه. فجلَسْتُ عندَ راسِهِ. حتى هبّ من نُعاسِهِ. فلمّا ازْدَهَرَ سِراجاهُ. وأحَسّ بمَنْ فاجاهُ.
стр. 441
نفَرَ كما ينفِرُ المُريبُ. وقال: أخوكَ أمِ الذّيبُ؟ فقلتُ: بلْ خابِطُ ليْلٍ ضَلّ المسلَكَ. فأضِئْ أقْدَحْ لكَ. فقال: ليَسْرُ عنكَ همُّكَ. فرُبّ أخٍ لكَ لمْ تلِدْهُ أمُكَ. فانْسرَى عندَ ذلِكَ إشْفاقي. وسرَى الوسَنُ الى آماقي. فقال: عندَ الصّباحِ يحْمَدُ القومُ السُّرى. فهلْ تَرى كما أرى؟ فقلتُ: إني لكَ لأطْوَعُ منْ حِذائِكَ. وأوْفَقُ من غِذائِكَ. فصَدَعَ بمحبّتي. وبخْبَخَ بصُحْبَتي. ثمّ احتَمَلْنا
стр. 442
مُجِدَّينِ. وارتَحلْنا مُدلِجَيْنِ. ولمْ نزَلْ نُعاني السُّرى. ونُعاصي الكَرى. الى أنْ بلغَ الليلُ غايتَهُ. ورفَعَ الفجْرُ رايتَهُ. فلمّا أسْفرَ الفاضِحُ. ولمْ يبْقَ إلا واضِحٌ. توسّمتُ رفيقَ رِحلَتي. وسَميرَ لَيلَتي. فإذا هوَ أبو زيدٍ مطلَبُ النّاشِدِ. ومَعلَمُ الرّاشِدِ. فتهادَيْنا تحيّةَ المُحبّينِ. إذا التَقَينا بعْدَ البيْنِ. ثمّ تباثَثْنا الأسْرارَ. وتناثَثْنا الأخْبارَ. وبَعيري ينحِطُ منَ الكِلالِ. وراحِلَتُهُ تزِفُّ زَفيفَ الرّالِ. فأعْجَبَني اشْتِدادُ أمرِها. وامتِدادُ صبرِها. فأخَذْتُ أستَشِفُّ جوهرَها. وأسألُهُ منْ أين تخيّرَها. فقال: إنّ لهذِهِ النّاقَةِ. خبَراً حُلْوَ المَذاقَةِ. مليحَ السّياقَةِ. فإنْ أحببْتَ استِماعَهُ فأنِخْ. وإنْ لمْ تشأ فلا تُصِخْ. فأنَخْتُ لقولِه نِضْوي. وأهدَفْتُ السّمْعَ
стр. 443
لما يَروي. فقال: اعْلَمْ أني استَعرَضْتُها بحَضْرَمَوْتَ. وكابدْتُ في تحصيلِها الموْتَ. وم زِلتُ أجوبُ علَيها البُلدانَ. وأطِسُ بأخفافِها الظِّرّانَ. الى أنْ وجدْتُها عُبْرَ أسفارٍ. وعُدَّةَ قرارٍ. لا يلحَقُها العَناءُ. ولا تُواهِقُها وجْناءُ. ولا تدْري ما الهِناءُ. فأرْصَدتُها للخَيرِ والشرّ. وأحلَلْتُها محَلَّ البَرّ السَّرّ. فاتّفَقَ أن ندّتْ مُذْ مُدةٍ. وما لي سِواها قُعدَةٌ. فاستشْعَرْتُ الأسَفَ. واستَشرفْتُ التّلَفَ. ونسيتُ كُلّ رُزْءٍ سلَفَ. ومكثت ثلاثا
стр. 444
لا استطيع انبعاثا ولا اطعم النوم الا حثاثا. ثمّ أخذْتُ في استِقْراء المَسالِكِ. وتفقُّدِ المسارِحِ والمَبارِكِ. وأنا لا أستَنْشي منها ريحاً. ولا أستَغْشي يأساً مُريحاً. وكلّما ادّكَرْتُ مضاءها في السيرِ. وانبِراءها لمُباراةِ الطّيرِ. لاعَني الادّكارُ. واستَهوَتْني الأفكارُ. فبَينَما أنا في حِواء بعضِ الأحْياءِ إذْ سمِعْتُ منْ شخْصٍ متبَعِّدٍ. وصوْتٍ متجرِّدٍ: منْ ضَلّتْ لهُ مطيّةٌ. حضرَميّةٌ وطِيّةٌ. جِلدُها قد وُسِمَ. وعَرُّها قد حُسِمَ. وزِمامُها قد ضُفِرَ. وظهرُها كأنْ قد كُسِرَ ثم جُبِرَ. تَزينُ الماشيَةَ. وتُعينُ النّاشيَةَ. وتقطَعُ المَسافَةَ النّائِيَةَ. وتظَلّ
стр. 445
أبداً لكَ مُدانِيةً. لا يعتَوِرُها الوَنى. ولا يعترِضُها الوَجى. ولا تُحْوِجُ الى العَصا. ولا تَعْصي في مَنْ عصى. قال أبو زيدٍ: فجذَبَني الصوتُ الى الصّائِتِ. وبشّرَني بدرَكِ الفائِتِ. فلمّا أفْضَيْتُ إليْهِ. وسلّمْتُ علَيْهِ. قلتُ لهُ: سلّمِ المطيّةَ. وتسلّمِ العطيّةَ. فقال: وما مطِيّتُكَ. غُفِرَتْ خطِيّتُكَ؟ قلت له: ناقَةٌ جُثّتُها كالهَضْبَةِ. وذِروَتُه كالقُبّةِ. وجلَبُها مِلْءُ العُلبَةِ. وكنتُ أُعطيتُ بها عِشرينَ. إذ حللْتُ يَبرينَ. فاستَزَدْتُ الذي أعطى. ودريْتُ أنهُ أخْطا. قال: فأعْرَضَ عني حينَ سمِعَ صِفَتي.
وقال: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ. وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ. وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ. وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتي بطِلْبِكَ. فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ. وعدّ عنْ سبّكَ. وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ. البَريء من الغَيّ. فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ. وإن زَواها عنْكَ فلا تتكلّمْ. فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي. ولا مَساغَ غُصّتي. إلا أنْ آتيَ الحكَمَ. ولوْ لكَمَ. فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِ النِّصْبَةِ. أنيقِ العِصْبَةِ. يؤنَسُ منهُ سُكونُ الطائِرِ. وأنْ ليسَ بالجائرِ. فاندَرأتُ أتظلّمُ وأتألّمُ. وصاحبي مُرِمٌّ لا يترَمْرَمُ. حتى إذا نثلْتُ كِنانَتي. وقضَيْتُ من القَصَصِ لُبانَتي. أبرَزَ نعْلاً رَزينَةَ الوزْنِ. مَحْذوّةً لمسلَكِ الحَزْنِ. وقال: هذهِ التي عرّفْتُ. وإياها وصَفْتُ. فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ. وها هوَ من المُبصِرينَ. فقدْ كذَبَ في دعْواهُ. وكبُرَ ما افتَراهُ. اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُ. ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُ. فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ غَفْراً. وجعلَ يقلّبُ النّعْلَ بطْناً وظهْراً. ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي. وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي. فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك. وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ. فقُمْتُ وقلت: لستَ بصاحِبِ لُقطَتي! فأخَذْتُ بتَلابيبِهِ. وأصرَرْتُ على تكذيبِهِ. وهمَمْتُ بتمزيقِ جَلابيبِهِ. وهوَ يقول: يا هذا ما مطيّتي بطِلْبِكَ. فاكْفُفْ عني منْ غَربِكَ. وعدّ عنْ سبّكَ. وإلا فقاضِني الى حَكَمِ هذا الحيّ. البَريء من الغَيّ. فإنْ أوجبَها لكَ فتسلّمْ. وإن زَواها عنْكَ فلا تتكلّمْ. فلمْ أرَ دَواءَ قِصّتي. ولا مَساغَ غُصّتي.
стр. 446
إلا أنْ آتيَ الحكَمَ. ولوْ لكَمَ. فانْخَرَطْنا الى شيخٍ رَكينِ النِّصْبَةِ. أنيقِ العِصْبَةِ. يؤنَسُ منهُ سُكونُ الطائِرِ. وأنْ ليسَ بالجائرِ. فاندَرأتُ أتظلّمُ وأتألّمُ. وصاحبي مُرِمٌّ لا يترَمْرَمُ. حتى إذا نثلْتُ كِنانَتي. وقضَيْتُ من القَصَصِ لُبانَتي. أبرَزَ نعْلاً رَزينَةَ الوزْنِ. مَحْذوّةً لمسلَكِ الحَزْنِ. وقال: هذهِ التي عرّفْتُ. وإياها وصَفْتُ. فإنْ كانتْ هي التي أُعطِيَ بها عِشرينَ. وها هوَ من المُبصِرينَ. فقدْ كذَبَ في دعْواهُ. وكبُرَ ما افتَراهُ. اللهُمّ إلا أنْ يَمُدّ قَذالَهُ. ويُبَيّنَ مِصداقَ ما قالَهُ. فقالَ الحكَمُ: اللهُمّ
стр. 447
غَفْراً. وجعلَ يقلّبُ النّعْلَ بطْناً وظهْراً. ثمّ قال: أما هذِهِ النّعلُ فنَعْلي. وأما مطِيّتُكَ ففي رحْلي. فانهَضْ لتسَلُّمِ ناقتِك. وافعَلِ الخيرَ بحسَبِ طاقَتِكَ. فقُمْتُ وقلت:
أُقسِمُ بالبيتِ العَتيقِ ذي الحُرَمْ ... والطائِفينَ العاكِفينَ في الحَرَمْ
إنّك نِعْمَ منْ إليْهِ يُحتكَمْ ... وخيرُ قاضٍ في الأعاريبِ حكَمْ
فاسلَمْ ودُمْ دوْمَ النّعامِ والنَّعَمْ
فأجابَ من غيرِ رويّةٍ. ولا عَقْدِ نيّةٍ. وقال:
جُزيتَ عن شُكرِكَ خيراً يا ابنَ عمْ ... إذ لستُ أستَوجبُ شكراً يُلتَزَمْ
شرُّ الأنامِ منْ إذا استُقْضي ظلمْ ... ثمّ مَنِ استُرْعي فلمْ يرْعَ الحُرَمْ
فذانِ والكَلْبُ سَواءٌ في الفِيَمْ
ثمّ إنهُ نفّذَ بينَ يدَيّ. منْ سلّم النّاقَةَ إليّ. ولمْ يمْتَنّ عليّ. فرُحْتُ نَجيحَ الأرَبِ. أجُرّ ذيْلَ الطّرَبِ. وأقولُ: يا لَلْعَجَبِ! قال
стр. 448
الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ تاللهِ لقدْ أطْرَفْتَ. وهرَفْتَ بما عرَفْتَ. فناشَدتُكَ اللهَ هلْ ألفَيْتَ أسْحَرَ منكَ بلاغَةً. وأحسَنَ للّفْظِ صِياغَةً؟ فقال: اللهُمّ نعَمْ. فاستَمِعْ وانْعَمْ. كُنتُ عزَمْتُ. حين أتْهَمْتُ. على أن أتّخِذَ ظَعينَةً. لتكونَ لي مُعينَةً. فحينَ تعيّنَ الخِطْبُ المُلِبّ. وكادَ الأمرُ يستَتِبّ. أفْكَرْتُ فكْرَ المتحرِّزِ منَ الوهْمِ. المتأمِّلِ كيفَ مَسقِطُ السّهْمِ. وبِتُّ ليلَتي أُناجي القلْبَ المعذَّبَ. وأقلّبُ العزْمَ المُذَبذَبَ. الى أن أجمَعْت على أن أُسْحِرَ. وأُشاوِرَ أوّلَ منْ أُبصِرُ. فلمّا قوّضَتِ الظُّلمَةُ أطْنابَها. وولّتِ الشُّهُبُ أذْنابَها. غدَوْتُ غُدُوَّ المتعرِّفِ. وابتكرْتُ ابتِكارَ المتعيِّفِ. فانْبَرى لي يافِعٌ. في وجْهِهِ شافِعٌ.
стр. 449
فتيمّنْتُ بمنظَرِهِ البَهيجِ. واستَقْدَحْتُ رأيَهُ في التّرويجِ. فقال: أوَتبْغيها غَواناً. أم بِكْراً تُعانى؟ فقلتُ: اختَرْ لي ما تَرى. فقدْ ألْقَيتُ إليكَ العُرى. فقال: إليّ التّبيينُ. وعليْكَ التّعيينُ. فاسمَعْ أنا أفْديكَ. بعْدَ دفْنِ أعاديكَ. أما البِكرُ فالدُرّةُ المخزونَةُ. والبَيضَةُ المَكنونَةُ. والباكورَةُ الجَنِيّةُ. والسُلافَةُ الهَنيّةُ. والروْضَةُ الأُنُفُ. والطّوْقُ الذي ثمُنَ وشرُفَ. لمْ يُدَنّسْها لامِسٌ. ولا تسَغْشاها لابِسٌ. ولا مارسَها عابِثٌ. ولا وكَسَها طامِثٌ. ولها الوجهُ الحَييّ. والطّرْفُ الخفيّ. واللّسانُ العَيِيّ.
стр. 450
والقلْبُ النّقيّ. ثمّ هيَ الدُمْيَةُ المُلاعِبَةُ. واللّعْبَةُ المُداعِبَةُ. والغَزالَةُ المُغازِلَةُ. والمُلْحَةُ الكامِلَةُ. والوِشاحُ الطاهرُ القَشيبُ. والضّجيعُ الذي يُشِبُّ ولا يُشيبُ. وأما الثّيّبُ فالمَطيّةُ المذَلّلَةُ. واللُّهْنَةُ المعَجّلَةُ. والبِغْيَةُ المُسهَّلَةُ. والطّبّةُ المُعلِّلَةُ. والقَرينةُ المتحبِّبَةُ. والخَليلَةُ المتقرِّبَةُ. والصَّناعُ المدَبِّرَةُ. والفَطْنَةُ المختَبِرَةُ. ثمّ إنّها عُجالَةُ الرّاكِبِ. وأُنشوطَةُ الخاطِبِ. وقُعدَةُ العاجِزِ. ونُهْزَةُ المُبارِزِ. عريكَتُها لَيّنَةٌ. وعُقلَتُها هيّنَةٌ. ودِخلَتُها متَبيِّنَةٌ.
стр. 451
وخِدمَتُها مزيِّنَةٌ. وأقسِمُ لقد صدَقْتُ في النّعتَينِ. وجلَوْتُ المَهاتَينِ. فبأيّتِهِما هامَ قلبُكَ؟ قال أبو زيد: فرأيتُهُ جندَلَةً يتّقيها المُراجِمُ. وتُدمى منها المَحاجِمُ. إلا أني قلتُ له: كُنتُ سمعتُ أن البِكْرَ أشَدُّ حُبّاً. وأقلُّ خِبّاً. فقال: لعَمْري قد قيلَ هذا. ولكِنْ كمْ قوْلٍ آذى! ويْحَكَ أمَا هيَ المُهرَةُ الأبيّةُ العِنانِ. والمَطيّةُ البَطيّةُ الإذْعانِ! والزَّنْدَةُ المتعسِّرَةُ الاقْتِداحِ. والقَلعَةُ المُستَصْعَبَةُ الافتِتاحِ! ثمّ إنّ مؤونَتَها كثيرةٌ. ومَعونتَها يَسيرةٌ. وعِشْرَتَها صَلِفَةٌ. ودالّتَها مُكلَّفَةٌ. ويدَها خرْقاء. وفِتْنَتها صَمّاء. وعَريكتَها خشْناء. وليلَتَها ليْلاء. وفي رياضَتِها عَناءٌ. وعلى خِبرَتِها غِشاءٌ!
стр. 452
وطالما أخزَتِ المُنازِلَ. وفرِكَتِ المُغازِلَ. وأحنَقَتِ الهازِلَ. وأضرَعَتِ الفَنيقَ البازِلَ. ثمّ إنّها التي تقول: أنا ألْبَسُ وأجلِسُ. فأطلُبُ منْ يُطلِقُ ويحبِسُ! فقلتُ لهُ: فما ترى في الثّيّبِ. يا أبا الطّيّبِ؟ فقال: ويْحَكَ أترغبُ في فُضالَةِ المآكِلِ. وثُمالَةِ المناهِلِ؟ واللّباسِ المُستَبذَلِ. والوِعاءِ المُستَعْمَلِ؟ والذّواقَةِ المُتطرِّفَةِ. والخَرّاجةِ المتصرِّفَةِ؟ والوَقاحِ المتسلِّطَةِ. والمُحتَكِرَةِ المتسخِّطةِ؟ ثمّ كلمَتُها كُنتُ وصِرْتُ. وطالَما بُغيَ عليّ فنُصِرْتُ. وشتّان بين اليومِ وأمْسِ. وأينَ القمرُ منَ الشّمسِ؟
стр. 453
وإنْ كانتِ الحَنّانَةَ البَروكَ. والطّمّاحَةَ الهَلوكَ. فهيَ الغُلُّ القَمِلُ. والجُرْحُ الذي لا يندَمِلُ! فقلتُ له: فهلْ ترى أن أترَهّبَ. وأسلُكَ هذا المذْهَبَ؟ فانْتَهَرني انتِهارَ المؤدِّبِ. عندَ زَلّةِ المتأدِّبِ. ثمّ قال: ويلَكَ أتَقتَدي بالرُّهْبانِ. والحقُّ قدِ استَبانَ؟ أُفٍّ لكَ. ولوَهْنِ رائِكَ. وتبّآً لك ولأولَئِكَ! أتُراكَ ما سمعْتَ
بأنْ لا رَهْبانيّةَ في الإسلام. أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَ الصالحةَ تَرُبّ بيتَكَ. وتُلبّي صوتَكَ. وتغُضّ طرْفَكَ. وتطيّبُ عَرفكَ؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ. وريْحانَةَ أنفِكَ. وفرْحةَ قلبِكَ. وخُلْدَ ذِكرِكَ. وتعِلّةَ يومِكَ وغدِكَ. فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ. ومُتعَةِ المتأهِّلينَ. وشِرْعَةِ المُحْصَنينَ. ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ. ما سمِعْتُ من فيكَ. ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ. ونَزا نَزَوانَ العُنظَبِ. فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراً. وتدعُني متحيِّراً؟ فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ. لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ. ولا أشَبّ قرْنَكَ! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَ الخَزْيانِ. وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَ. أنّ الجدَلَ منكَ وإلَيْكَ. فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِ. ثم قال: العَقِ العسَلَ. ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُ في مدْحِ الأدبِ. وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِ. وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِ. ويُغْضي عني إغْضاءَ المتمهّلِ. فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ. للعُصبَةِ الأدبيّةِ. قال لي: صهْ. واسمعْ مني وافْقَهْ: ْ لا رَهْبانيّةَ في الإسلام. أو ما حُدّثْتَ بمناكِحِ نبيّكَ عليْهِ أزْكى السّلامِ؟ ثم أمَا تعلَمُ أنّ القَرينَةَ الصالحةَ تَرُبّ بيتَكَ. وتُلبّي صوتَكَ. وتغُضّ طرْفَكَ. وتطيّبُ عَرفكَ؟ وبها ترَى قُرّةَ عينِكَ. وريْحانَةَ أنفِكَ. وفرْحةَ قلبِكَ. وخُلْدَ ذِكرِكَ. وتعِلّةَ يومِكَ
стр. 454
وغدِكَ. فكيفَ رَغِبْتَ عنْ سُنّةِ المُرسَلينَ. ومُتعَةِ المتأهِّلينَ. وشِرْعَةِ المُحْصَنينَ. ومَجْلَبَةِ المالِ والبَنين؟ واللهِ لقدْ ساءني فيكَ. ما سمِعْتُ من فيكَ. ثمّ أعْرَضَ إعْراضَ المُغضَبِ. ونَزا نَزَوانَ العُنظَبِ. فقلتُ لهُ: قاتَلَكَ اللهُ أتنطَلِقُ متبخْتِراً. وتدعُني متحيِّراً؟ فقال: أظنّكَ تدّعي الحَيرَةَ. لتَستَغْنيَ عنِ المُهَيْرَةِ! فقلتُ له: قبّحَ اللهُ ظنّكَ. ولا أشَبّ قرْنَكَ! ثمّ رُحْتُ عنهُ مَراحَ الخَزْيانِ. وتُبتُ منْ مُشاوَرَةِ الصّبيانِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ أُقسِمُ بمنْ أنْبَتَ الأيْكَ. أنّ الجدَلَ منكَ وإلَيْكَ. فأغْرَبَ في الضّحِكِ وطرِبَ طَرْبَةَ المُنهَمِكِ. ثم قال: العَقِ العسَلَ. ولا تسَلْ! فأخَذْتُ أُسهِبُ في مدْحِ الأدبِ. وأفضّلُ ربّّهُ على ذي النّشبِ. وهوَ ينظُرُ إليّ نظرَ المُستَجْهِلِ. ويُغْضي عني
стр. 455
إغْضاءَ المتمهّلِ. فلمّا أفْرَطْتُ في العَصبيّةِ. للعُصبَةِ الأدبيّةِ. قال لي: صهْ. واسمعْ مني وافْقَهْ:
يقولونَ إنّ جَمالَ الفتى ... وزينَتَهُ أدَبٌ راسِخُ
وما إنْ يَزينُ سوى المُكثِرينَ ... ومنْ طوْدُ سودَدِهِ شامِخُ
فأما الفَقيرُ فخيْرٌ لهُ ... منَ الأدَبِ القُرْصُ والكامِخُ
وأيّ جَمالٍ لهُ أنْ يُقال ... أديبٌ يعلِّمُ أو ناسِخُ
ثمّ قال: سيتّضِحُ لكَ صِدْقُ لهجَتي. واستِنارَةُ حُجّتي. وسِرْنا لا نألو جُهْداً. ولا نستَفيقُ جَهْداً. حتى أدّانا السيرُ. الى قريَةٍ عزَبَ عنها الخيرُ. فدخلْناها للارْتِيادِ. وكِلانا منْفِضٌ منَ الزّادِ. فما
стр. 456
إنْ بلَغْنا المَحَطّ. والمُناخَ المخْتَطّ. أو لَقيَنا غُلامٌ لمْ يبلُغِ الحِنْثَ. وعلى عاتِقِه ضِغْثٌ. فحيّاهُ أبو زيدٍ تحيّةَ المُسلمِ. وسألَهُ وَقفَةَ المُفهِمِ. فقال: وعمّ تسألُ وفّقكَ اللهُ؟ قال: أيُباعُ هاهُنا الرُّطَبُ. بالخُطَبِ؟ قال: لا واللهِ! قال: ولا البلَحُ. بالمُلَحِ؟ قال: كلا واللهِ. قال: ولا الثّمرُ. بالسّمَرِ؟ قال: هيهاتَ واللهِ! قال: ولا العَصائِدُ. بالقصائدِ؟ قال: اسْكُتْ عافاكَ اللهُ! قال: ولا الثّرائِدُ. بالفَرائدِ؟ قال: أينَ يُذهَبُ بكَ أرشَدَكَ اللهُ؟ قال: ولا الدّقيقُ. بالمعْنى الدّقيقِ؟ قال: عدّ عنْ هذا أصْلَحَكَ اللهُ! واستَحْلى أبو زيدٍ تَراجُعَ السّؤالِ والجَوابِ. والتّكايُلَ منْ هذا الجِرابِ. ولمَحَ الغُلامُ أنّ
стр. 457
الشّوطَ بَطينٌ. والشيخَ سُوَيطينٌ. فقال له: حسبُكَ يا شيخُ قد عرَفْتُ فنّكَ. واستبَنْتُ أنّكَ. فخُذِ الجوابَ صُبرَةً. واكْتَفِ بهِ خِبرَةً: أما بهذا المكانِ فلا يُشتَرى الشِّعرُ بشَعيرَةٍ. ولا النّثرُ بنُثارَةٍ. ولا القَصَصُ بقُصاصَةٍ. ولا الرّسالَةُ بغُسالَةٍ. ولا حِكَمُ لُقْمانَ بلُقمَةٍ. ولا أخْبارُ المَلاحِمِ بلَحْمَةٍ. وأما جيلُ هذا الزّمانِ فما منهُمْ مَنْ يَميحُ. إذا صيغَ لهُ المديحُ. ولا مَنْ يُجيزُ. إذا أُنشِدَ لهُ الأراجيزُ. ولا منْ يُغيثُ. إذا أطرَبَهُ الحديثُ. ولا منْ يَميرُ. ولوْ أنّهُ أميرٌ. وعندَهُمْ أنّ مثَلَ الأديبِ. كالرّبْعِ الجَديبِ. إنْ لم تجُدِ الرّبْعَ ديمَةٌ. لمْ تكُنْ لهُ قيمةٌ. ولا دانَتْهُ بَهيمةٌ. وكذا الأدَبُ. إنْ لم يعْضُدْهُ نشَبٌ. فدَرْسُهُ نصَبٌ. وخزْنُهُ
стр. 458
حصَبٌ. ثمّ انسَدَرَ يعْدو. وولّى يحْدو. فقال لي أبو زيدٍ: أعَلِمْتَ أنّ الأدَبَ قد بارَ. وولّتْ أنصارُهُ الأدْبارَ؟ فبُؤتُ لهُ بحُسْنِ البَصيرَةِ. وسلّمْتُ بحُكْمِ الضّرورةِ. فقال: دعْنا الآنَ منَ المِصاعِ. وخُضْ في حديثِ القِصاعِ. واعْلَمْ أنّ الأسْجاعَ. لا تُشبِعُ منْ جاعَ. فما التّدبيرُ في ما يُمسِكُ الرّمَقَ. ويُطفِئ الحرَقَ؟ فقلتُ: الأمرُ إليْكَ. والزّمامُ بيديْكَ. فقال: أرى أنْ ترْهَنَ سيفَكَ. لتُشبِعَ جوفَكَ وضيفَكَ. فناوِلْنيهِ وأقِمْ. لأنقَلِبَ إليكَ بما تلْتَقِمُ. فأحسنْتُ به الظّنّ. وقلّدتُهُ السيفَ والرّهْنَ. فما لَبِثَ أنْ ركِبَ الناقَةَ. ورفضَ الصّدقَ والصّداقَةَ. فمكثْتُ مليّاً أترَقّبُهُ. ثمّ نهضْتُ أتعقّبُهُ. فكُنتُ كمَنْ ضيّعَ اللّبَنَ في الصّيفِ. ولم ألْقَهُ ولا السّيفَ.
стр. 459
المقامة الشّتَويّة
حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عشَوْتُ في ليلَةٍ داجِيَةِ الظُّلَمِ. فاحِمَةِ اللِّمَمِ. الى نارٍ تُضْرَمُ على علَمٍ. وتُخبِرُ عن كرَمٍ. وكانتْ ليلَةً جوُّها مَقرورٌ. وجَيْبُها مَزْرورٌ. ونجمُها مغْمومٌ. وغيمُها مرْكومٌ. وأنا فيها أصْرَدُ منْ عينِ الحِرْباء. والعَنْزِ الجَرْباء. فلمْ أزلْ أنُصّ عنْسي. وأقولُ: طوبى لكِ ولَنفْسي! الى أن تبصّرَ المُوقِدُ آلي. وتبيّنَ إرْقالي. وتبيّنَ إرْقالي. فانحدَرَ يعْدو الجَمَزَى. ويُنشِدُ مُرتَجِزاً:
حُيّيتَ منْ خابِطِ ليْلٍ ساري ... هَداهُ بلْ أهْداهُ ضوءُ النارِ
الى رَحيبِ الباعِ رحْبِ الدّارِ ... مرحِّبٍ بالطّارِقِ المُمْتارِ
стр. 460
تَرْحابَ جعْدِ الكفّ بالدّينارِ ... ليسَ بمُزْوَرٍّ عنِ الزُوّارِ
ولا بمِعْتامِ القِرى مِئْخارِ ... إذا اقشَعرّتْ تُرَبُ الأقْطارِ
وضَنّتِ الأنواءُ بالأمْطارِ ... فهْوَ على بؤسِ الزّمانِ الضّاري
جمُّ الرّمادِ مرهَفُ الشِّفارِ ... لمْ يخْلُ في ليلٍ ولا نَهارِ
من نحْرِ وارٍ واقتِداحِ وارِي
ثمّ تلقّاني بمُحيّا حَييٍّ. وصافَحَني براحَةِ أريَحِيٍّ. واقْتادَني الى بيتٍ عِشارُهُ تخورُ. وأعْشارُهُ تفورُ. وولائِدُهُ تمورُ.
следующие страницы →