← Адаб

Адаб · id 26585

مقامات الحريري

الحريري

Полный текст (555 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إنْ بلَغْنا المَحَطّ. والمُناخَ المخْتَطّ. أو لَقيَنا غُلامٌ لمْ يبلُغِ الحِنْثَ. وعلى عاتِقِه ضِغْثٌ. فحيّاهُ أبو زيدٍ تحيّةَ المُسلمِ. وسألَهُ وَقفَةَ المُفهِمِ. فقال: وعمّ تسألُ وفّقكَ اللهُ؟ قال: أيُباعُ هاهُنا الرُّطَبُ. بالخُطَبِ؟ قال: لا واللهِ! قال: ولا البلَحُ. بالمُلَحِ؟ قال: كلا واللهِ. قال: ولا الثّمرُ. بالسّمَرِ؟ قال: هيهاتَ واللهِ! قال: ولا العَصائِدُ. بالقصائدِ؟ قال: اسْكُتْ عافاكَ اللهُ! قال: ولا الثّرائِدُ. بالفَرائدِ؟ قال: أينَ يُذهَبُ بكَ أرشَدَكَ اللهُ؟ قال: ولا الدّقيقُ. بالمعْنى الدّقيقِ؟ قال: عدّ عنْ هذا أصْلَحَكَ اللهُ! واستَحْلى أبو زيدٍ تَراجُعَ السّؤالِ والجَوابِ. والتّكايُلَ منْ هذا الجِرابِ. ولمَحَ الغُلامُ أنّ

стр. 457

الشّوطَ بَطينٌ. والشيخَ سُوَيطينٌ. فقال له: حسبُكَ يا شيخُ قد عرَفْتُ فنّكَ. واستبَنْتُ أنّكَ. فخُذِ الجوابَ صُبرَةً. واكْتَفِ بهِ خِبرَةً: أما بهذا المكانِ فلا يُشتَرى الشِّعرُ بشَعيرَةٍ. ولا النّثرُ بنُثارَةٍ. ولا القَصَصُ بقُصاصَةٍ. ولا الرّسالَةُ بغُسالَةٍ. ولا حِكَمُ لُقْمانَ بلُقمَةٍ. ولا أخْبارُ المَلاحِمِ بلَحْمَةٍ. وأما جيلُ هذا الزّمانِ فما منهُمْ مَنْ يَميحُ. إذا صيغَ لهُ المديحُ. ولا مَنْ يُجيزُ. إذا أُنشِدَ لهُ الأراجيزُ. ولا منْ يُغيثُ. إذا أطرَبَهُ الحديثُ. ولا منْ يَميرُ. ولوْ أنّهُ أميرٌ. وعندَهُمْ أنّ مثَلَ الأديبِ. كالرّبْعِ الجَديبِ. إنْ لم تجُدِ الرّبْعَ ديمَةٌ. لمْ تكُنْ لهُ قيمةٌ. ولا دانَتْهُ بَهيمةٌ. وكذا الأدَبُ. إنْ لم يعْضُدْهُ نشَبٌ. فدَرْسُهُ نصَبٌ. وخزْنُهُ

стр. 458

حصَبٌ. ثمّ انسَدَرَ يعْدو. وولّى يحْدو. فقال لي أبو زيدٍ: أعَلِمْتَ أنّ الأدَبَ قد بارَ. وولّتْ أنصارُهُ الأدْبارَ؟ فبُؤتُ لهُ بحُسْنِ البَصيرَةِ. وسلّمْتُ بحُكْمِ الضّرورةِ. فقال: دعْنا الآنَ منَ المِصاعِ. وخُضْ في حديثِ القِصاعِ. واعْلَمْ أنّ الأسْجاعَ. لا تُشبِعُ منْ جاعَ. فما التّدبيرُ في ما يُمسِكُ الرّمَقَ. ويُطفِئ الحرَقَ؟ فقلتُ: الأمرُ إليْكَ. والزّمامُ بيديْكَ. فقال: أرى أنْ ترْهَنَ سيفَكَ. لتُشبِعَ جوفَكَ وضيفَكَ. فناوِلْنيهِ وأقِمْ. لأنقَلِبَ إليكَ بما تلْتَقِمُ. فأحسنْتُ به الظّنّ. وقلّدتُهُ السيفَ والرّهْنَ. فما لَبِثَ أنْ ركِبَ الناقَةَ. ورفضَ الصّدقَ والصّداقَةَ. فمكثْتُ مليّاً أترَقّبُهُ. ثمّ نهضْتُ أتعقّبُهُ. فكُنتُ كمَنْ ضيّعَ اللّبَنَ في الصّيفِ. ولم ألْقَهُ ولا السّيفَ.

стр. 459

المقامة الشّتَويّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: عشَوْتُ في ليلَةٍ داجِيَةِ الظُّلَمِ. فاحِمَةِ اللِّمَمِ. الى نارٍ تُضْرَمُ على علَمٍ. وتُخبِرُ عن كرَمٍ. وكانتْ ليلَةً جوُّها مَقرورٌ. وجَيْبُها مَزْرورٌ. ونجمُها مغْمومٌ. وغيمُها مرْكومٌ. وأنا فيها أصْرَدُ منْ عينِ الحِرْباء. والعَنْزِ الجَرْباء. فلمْ أزلْ أنُصّ عنْسي. وأقولُ: طوبى لكِ ولَنفْسي! الى أن تبصّرَ المُوقِدُ آلي. وتبيّنَ إرْقالي. وتبيّنَ إرْقالي. فانحدَرَ يعْدو الجَمَزَى. ويُنشِدُ مُرتَجِزاً: حُيّيتَ منْ خابِطِ ليْلٍ ساري ... هَداهُ بلْ أهْداهُ ضوءُ النارِ الى رَحيبِ الباعِ رحْبِ الدّارِ ... مرحِّبٍ بالطّارِقِ المُمْتارِ

стр. 460

تَرْحابَ جعْدِ الكفّ بالدّينارِ ... ليسَ بمُزْوَرٍّ عنِ الزُوّارِ ولا بمِعْتامِ القِرى مِئْخارِ ... إذا اقشَعرّتْ تُرَبُ الأقْطارِ وضَنّتِ الأنواءُ بالأمْطارِ ... فهْوَ على بؤسِ الزّمانِ الضّاري جمُّ الرّمادِ مرهَفُ الشِّفارِ ... لمْ يخْلُ في ليلٍ ولا نَهارِ من نحْرِ وارٍ واقتِداحِ وارِي ثمّ تلقّاني بمُحيّا حَييٍّ. وصافَحَني براحَةِ أريَحِيٍّ. واقْتادَني الى بيتٍ عِشارُهُ تخورُ. وأعْشارُهُ تفورُ. وولائِدُهُ تمورُ.

стр. 461

وموائِدُهُ تدورُ. وبأكْسارِهِ أضْيافٌ قدْ جلبَهُم جالِبي. وقُلّبوا في قالَبي. وهُمْ يجتَنونَ فاكِهةَ الشّتاء. ويمرَحونَ مرَحَ ذَوي الفَتاء. فأخذْتُ مأخذَهُمْ في الاصطِلاء. ووجدْتُ بهِمْ وجْدَ الثّمِلِ بالطِّلاء. ولمّا أنْ سَرى الحصَرُ. وانْسَرى الخَصَرُ. أُتينا بمَوائِدَ كالهالاتِ دَوْراً. والرّوْضاتِ نَوْراً. وقد شُحنّ بأطْعِمَةِ الوَلائمِ. وحُمينَ منَ العائِبِ واللائِمِ. فرفَضْنا ما قيلَ في البِطنَةِ. ورأيْنا الإمْعانَ فيها منَ الفِطنَةِ. حتى إذا اكتَلْنا بصاعِ الحُطَمِ. وأشْفَيْنا على خطَرِ التُخَمِ. تعاوَرْنا مَشوشَ الغمَرِ. ثمّ تبوّأنا مقاعِدَ السّمَرِ. وأخذَ كُلُّ واحِدٍ منا يَشولُ بلِسانِهِ.

стр. 462

وينشُرُ ما في صِوانِهِ. ما عَدا شيخاً مُشتَهِباً فَوْداهُ. مُخلَوْلِقاً بُرْداهُ. فإنّهُ ربَضَ حَجرَةً. وأوسَعَنا هِجرَةً. فغاظَنا تجنّبُهُ. المُلتَبِسُ موجِبُهُ. المعْذورُ فيهِ مؤنّبُهُ. إلا أنّا ألَنّا لهُ القوْلَ. وخشِينا في المسألَةِ العوْلَ. وكلّما رُمْنا أنْ يَفيضَ كما فِضْنا. أو يُفيضَ في ما أفَضْنا. أعْرَضَ إعْراضَ العِلّيّةِ عنِ الأرْذَلينَ. وتَلا: إنْ هذا إلا أساطيرُ الأوّلينَ. ثمّ كأنّ الحَميّةَ هاجَتْهُ. والنّفْسَ الأبيّةَ ناجَتْهُ. فدلَفَ وازْدَلَفَ. وخلعَ الصّلَفَ. وبذلَ أنْ يتَلافى ما سلَفَ. ثمّ استرْعى سمْعَ السّامِرِ. واندفَعَ كالسّيلِ الهامِرِ. وقال: عِندي أعاجيبُ أرْويها بلا كذِبِ ... عنِ العِيانِ فكَنّوني أبا العجَبِ

стр. 463

رأيتُ يا قوْمِ أقْواماً غذاؤهُمُ ... بَوْلُ العجوزِ وما أعني ابنَةَ العِنَبِ ومُسنِتِينَ منَ الأعْرابِ قوتُهُمُ ... أن يشتووا خِرقةً تُغني من السّغَبِ وقادِرينَ متى ما ساء صُنعُهُمُ ... أو قصّروا فيه قالوا الذّنْبُ للحطَبِ وكاتِبينَ وما خطّتْ أنامِلُهُمْ ... حرْفاً ولا قرَأوا ما خُطّ في الكُتُبِ وتابِعينَ عُقاباً في مسيرِهِمِ ... على تكمّيهِمِ في البيْضِ واليَلَبِ ومُنتَدينَ ذَوي نُبْلٍ بدَتْ لهُمُ ... نبيلَةٌ فانْثَنوْا منها الى الهرَبِ وعُصبَةً لمْ ترَ البيْتَ العَتيقَ وقدْ ... حجّتْ جُثِيّاً بلا شكٍّ على الرُّكَبِ ونِسوَةً بعدَما أدْلجنَ من حلَبٍ ... صبّحنَ كاظِمَةً من غيرِ ما تعَبِ

стр. 464

ومُدلِجينَ سرَوْا من أرضِ كاظِمَةٍ ... فأصبَحوا حينَ لاحَ الصُبحُ في حلَبِ ويافِعاً لم يُلامِسْ قطُّ غانِيَةً ... شاهَدتُهُ ولهُ نسلٌ منَ العَقِبِ وشائِباً غيرَ مُخْفٍ للمَشيبِ بَدا ... في البَدْوِ وهْوَ فتيُّ السِّنّ لم يشِبِ ومُرضَعاً بلِبانٍ لمْ يفُهْ فمُهُ ... رأيتُهُ في شِجارٍ بيّنِ السّبَبِ وزارِعاً ذُرَةً حتى إذا حُصِدَتْ ... صارتْ غُبَيراء يهواها أخو الطّرَبِ وراكِباً وهْوَ مغلولٌ على فرَسٍ ... قد غُلّ أيضاً وما ينفكّ عن خبَبِ وذا يدٍ طُلُقٍ يقْتادُ راحِلَةً ... مُستَعجِلاً وهْوَ مأسورٌ أخو كُرَبِ

стр. 465

وجالِساً ماشياً تهْوي مطيّتُهُ ... بهِ وما في الذي أوْرَدتُ من رِيَبِ وحائكاً أجْذَمَ الكفّينِ ذا خرَسٍ ... فإن عجبتمْ فكمْ في الخَلقِ من عجَبِ وذا شَطاطٍ كصدرِ الرّمحِ قامَتُهُ ... صادَفتُهُ بمِنًى يشكو منَ الحدَبِ وساعياً في مسَرّاتِ الأنامِ يرى ... إفْراحَهُمْ مأثماً كالظُّلمِ والكذِبِ ومُغْرَماً بمُناجاةِ الرّجالِ لهُ ... وما له في حديثِ الخلقِ من أرَبِ وذا ذِمامٍ وفَتْ بالعَهْدِ ذمّتُهُ ... ولا ذِمامَ لهُ في مذهَبِ العرَبِ

стр. 466

وذا قُوًى ما اسْتبانَتْ قطّ لِينَتُهُ ... ولِينُهُ مُستَبينٌ غيرُ مُحتجِبِ وساجداً فوقَ فحْلٍ غيرَ مكترِثٍ ... بِماأتى بلْ يراهُ أفضلَ القُرَبِ وعاذِراً مؤلِماً مَنْ ظلّ يعذِرُهُ ... معَ التّلطّفِ والمعذورُ في صخَبِ وبلْدَةً ما بها ماءٌ لمُغتَرِفٍ ... والماءُ يجري عليْها جرْيَ مُنسرِبِ وقريةً دونَ أُفحوصِ القطا شُحنتْ ... بديلمٍ عشيهُمْ من خُلسَةِ السّلَبِ وكوْكَباً يتَوارى عندَ رؤيتهِ ال ... إنسانُ حتى يُرَى في أمنَعِ الحُجُبِ وروْثَةً قوّمَتْ مالاً لهُ خطَرٌ ... ونفْسُ صاحِبِها بالمالِ لم تطِبِ

стр. 467

وصحفَةً من نُضارٍ خالصٍ شُريتْ ... بعدَ المِكاسِ بقيراطٍ من الذّهبِ ومُستَجيشاً بخشْخاشٍ ليدفعَ ما ... أظَلّهُ منْ أعاديهِ فلمْ يخِبِ وطالَما مرّ بي كلبٌ وفي فمهِ ... ثورٌ ولكنّهُ ثورٌ بلا ذنَبِ وكمْ رأى ناظِير فيلاً على جمَلٍ ... وقد تورّكَ فوقَ الرّحْلِ والقتَبِ وكم لَقيتُ بعرْضِ البيدِ مُشتكياً ... وما اشتكى قطّ في جِدٍّ وفي لعِبِ وكنتُ أبصرْتُ كرّازاً لراعِيَةٍ ... بالدّوّ ينظُرُ من عينَينِ كالشُهُبِ

стр. 468

وكم رأتْ مُقلَتي عينَينِ ماؤهُما ... يجري من الغَرْبِ والعَينانِ في حلَبِ وصادِعاً بالقَنا من غيرِ أن علِقَتْ ... كفّاهُ يوماً برُمْحٍ لا ولمْ يثِبِ وكم نزلْتُ بأرضٍ لا نَخيلَ بها ... وبعدَ يوم رأيتُ البُسرَ في القُلُبِ وكم رأيتُ بأقْطارِ الفَلا طبَقاً ... يطيرُ في الجوّ منصَبّاً الى صبَبِ وكم مشايخَ في الدُنْيا رأيتُهُمُ ... مخَلَّدينَ ومَنْ ينْجو من العطَبِ وكم بدا لي وحْشٌ يشتكي سغَباً ... بمنطِقٍ ذلِقٍ أمضى منَ القُضُبِ وكم دَعانيَ مُستَنْجٍ فحادثَني ... وما أخَلّ ولا أخْلَلْتُ بالأدَبِ

стр. 469

وكم أنختُ قَلوصي تحت جُنبُذَةٍ ... تُظلّ ما شئتَ من عُجمٍ ومن عُرُبِ وكم نظرْتُ الى منع سُرّ ساعَتَهُ ... ودمعُهُ مستَهِلُّ القطرِ كالسُّحُبِ وكم رأيتُ قَميصاً ضرّ صاحِبَهُ ... حتى انثنَى واهيَ الأعضاء والعصَبِ وكمْ إزارٍ لوَ انّ الدهرَ أتلَفَهُ ... لجفّ لِبْدُ حَثيثِ السيرِ مُضطرِبِ هذا وكمْ منْ أفانينٍ معجِّبَةٍ ... عندي ومن مُلَحٍ تُلهي ومن نُخَبِ فإنْ فطِنتمْ للَحنِ القوْلِ بان لكُمْ ... صِدْقي ودلّكُمُ طلْعي على رُطَبي

стр. 470

وإنْ شُدِهتُمْ فإنّ العارَ فيهِ على ... منْ لا يُمَيّزُ بينَ العودِ والخشَبِ قال الحارثُ بنُ همّام: فطفِقْنا نخبِطُ في تقْليبِ قَريضِهِ. وتأويلِ مَعاريضِهِ. وهوَ يلهو بِنا لهْوَ الخليّ بالشّجيّ. ويقول: ليسَ بعُشّكِ فادْرُجي. الى أن تعسّرَ النّتاجُ. واستحْكَمَ الارْتجاجُ. فألْقَينا إليْهِ المَقادَةَ. وخطَبْنا منهُ الإفادَةَ. فوقَفْنا بينَ المَطمَعِ والياسِ. وقال: الإيناسف قبلَ الإبْساسِ! فعلِمنا أنهُ ممّنْ يرغَبُ في الشُّكْمِ. ويرْتَشي في الحُكْمِ. وساء أبا مثْوانا أنْ نعرَّضَ للغُرْمِ. أو نُخَيَّبَ بالرُّغْمِ. فأحْضَرَ صاحِبُ المنزِلِ ناقةً عِيديّةً. وحُلّةً سَعيديّةً. وقال له: خُذْهُما حَلالاً. ولا ترْزأ أضْيافي زِبالاً. فقال: أشهَدُ أنها شِنشِنَةٌ أخزَميّةٌ. وأريَحيّةٌ حاتِميّةٌ. ثم قابلَنا بوجهٍ بِشرُهُ يشِفّ.

стр. 471

ونَضْرَتُهُ ترِفّ. وقال: يا قوْمِ إنّ الليْلَ قدِ اجْلَوّذَ. والنّعاسَ قدِ استحْوَذَ. فافْزَعوا الى المَراقِدِ. واغتَنِموا راحَةَ الرّاقِدِ. لتَشرَبوا نَشاطاً. وتُبعَثوا نِشاطاً. فتَعوا ما أفَسّرُ. ويتسهّلَ لكُمُ المتعسِّرُ. فاسْتَصوَبَ كلٌ ما رآهُ. وتوسّد وِسادَةَ كَراهُ. فلمّا وسَنَتِ الأجْفانُ. وأغْفَتِ الضِّيفانُ. وثبَ الى النّاقَةِ فرحَلَها. ثمّ ارتَحَلَها ورحّلَها. وقال مُخاطِباً لها: سَروجَ يا ناقَ فَسيري وخِدِي ... وأدْلِجي وأوّبي وأسْئِدي حتى تَطا خُفّاكِ مرْعاها النّدي ... فتَنعَمي حينَئذٍ وتَسعَدي وتأمَني أنْ تُتْهِمي وتُنْجِدي ... إيهِ فدَتكِ النّوقُ جِدّي واجهَدي وافْرِي أديمَ فدْفَدٍ ففَدْفَدِ ... واقْتَنِعِي بالنّشْحِ عندَ الموْرِدِ

стр. 472

ولا تَحُطّي دونَ ذاكَ المَقصِدِ ... فقدْ حلَفْتُ حَلفَةَ المُجتَهِدِ بحُرمَةِ البيتِ الرّفيعِ العُمُدِ ... إنّكِ إنْ أحلَلْتِني في بلَدي حللْتِ منّي بمحَلّ الولَدِ قل: فعلِمْتُ أنهُ السّروجيُّ الذي إذا باعَ انْباعَ. وإذا ملأ الصّاعَ انْصاعَ. ولمّا انبلَجَ صَباحُ اليومِ. وهبّ النّوّامُ منَ النّومِ. أعلَمتُهُمْ أن الشيخَ حينَ أغْشاهُمُ السُباتَ. طلّقَهُمُ البَتاتَ. وركِبَ النّاقَةَ وفاتَ. فأخذَهُم ما قَدُمَ وما حَدُثَ. ونَسوا ما طابَ منهُ بِما خبُثَ. ثمّ انشَعَبْنا في كلّ مشْعَبٍ. وذهبْنا تحْتَ كُلّ كوكَبٍ. قال الشيخ الرئيس أبو محمد القاسم بن علي ﵁ قد فسرت سر كل لعر تحته ولم أبعد على من يقرأه كتفه وقد بقيت أليماط اشتملت عليها هذه المقدمة ربما التمس تفسيرها على بعض من تقع إليه فأحببت إيضاحها له يكسى حيرة الشبهة

стр. 473

الأول وقوله (من نحر وار) يعني الجمل المكتنز شحماً الكثير مخاً. وقوله (عشارة تخور وإعشاره تفور) العشار النوق الحوامل والأعشار البرمة العظيمة كأنها شعبت لعظميها يقال برمة أعشار وجفنة أكسار وثوب أسمال وبرد أخلاق وحبل أرمام ووصف الجماعة منها كوصف الواحد. وقوله (فاكهة الشتاء) كني بها عن النار ومنه قوله بعض المحدثين النار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتياً فليصطل أن الفواكه في الشتاء شهية ... والتار المقرور أفضل مأكل وقوله (موائد كالهالات) يعني دارات القمر ودارة الشمس تسمى الطفاوة. وقوله (مشوش الغمر) يعني المنديل يقال مش يده بالمنديل أي مسحها ومنه قول امرئ القيس نمش بأعراف الحياد اكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب وقوله (مشتهباً فوداه) أي صارا من الشيب في لون الأشهب ومنه قول امرئ القيس أيضاً قالت الخساء لما جئتها ... شاب بعدي رأس هذا واشتهب وقوله (رنص حجرة) يعني ناحية ويقال في المثل لمن يشارك في الرخاء ويجانب عند البلاء يرتع وسطاً ويربض حجرة. وقوله (فاسترعة سمع السامر) يعني السمار لأن السامر اسم للجمع كالحاضر اسم للحي النازلين على الماء وكالباقر اسم لجماعة البقر وقال بعض أهل اللغة هوة اسم للبقر مع رعاتها واشتقاق السامر من السمر وهو ظل القمر مأخوذ من السمرة فلما كان غالب أحوال السمار أنهم يتحدثون في ظل القمر اشتق لهم اسم منه وإلى هذا يرجع قولهم لا أكلمه القمر والسمر. وقوله (ليس يعشك فادرجي) هذا مثل يضرب لمن يتعاطى ما لا ينبغي له والعشر ما يكون في شجرة فإذا كان في حائط أو كهف جبل فهو وكر. وقوله (الإيناس قبل الإنساس) هذا مثل أيضاً ومعناه أنه ينبغي أن بؤس الإنسان ث م يكلف واصله أن حالب الناقة يؤنسها حين يروم حلبها ثم لبس بها الحلب والإيساس أن تقول لها بس لتسكن وتدر وتسمى الناقة التي تدر على الابساس البسوس. وقوله (يرغب في الشكم) الشكم ما أعطيته على سبيل المجازاة فإن أعطيته مبتدءاً فهو الشكد. وقوله (ساء أبا مثوابا) يعني المضيف الذي أووا إليه وثووا عنده. وقوله (ناقة عيدية) قيل أنها منسوبة إلى فحل منجب اسمه عيد وقيل هي منسوبة إلى فخذ من مهرة اسمه عيد بن ميرة وكانت مهرة وعيد تتخذان نجائب الإبل

стр. 474

فنسبت إليهما. وقوله (حلة سعيدية) هي منسوبة إلى سعيد بن العاص وكان رسول الله ﷺ كساه وهو غلام حلة فنسب جسها إليه. وقوله (لا ترزأ أضيافي ربالاً) أي لا ترزأهم شيئاً وإن قل والأصل في الزبال ما تحمله النملة بفيها. وقوله (شنشة خزيمة) أشار به إلى المثل الذي ضربه حد حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن الخزم الطاءي حين نشأ حاتم وتقيل أخلاق جده أخزم في الجود فقال شنشة أعرفها من الخزم وتمثل عقيل بن غلفة بن حي قال إن بني ضر جوني ما نداه ... من يلق آساد الرجال يكم شنشة أعرفها من أخزم ومن ادعى أن المثل فقد سها فيه وقوله (الجلوذ) أي أسرع في الذهاب ومتهة حلاوط. وقوله (وثب إلى الناقة فرحلها) يعني شد عليها الرحل وبه سميت الراحلة لأنها بمعنى مفعولة كقوله تعالى في عيشة راضية وكقوله تعالى من داعي أي مدموق والراحلة تقعل على الناقة والجمل ودخول الهاء فيها بمبالغة مثل دهية وراوية. وقوله (ارتحلها) أي ركبها وفي الحديث أن النبي ﷺ سجد فركبه الحسن ومضى في سجوده فلما قضى صلاته قال إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله. وقوله (ورحيا) أي زعجها وأشخصها واحد بها في ترحيل

стр. 475

المقامة الرّمليّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: كنتُ أخذْتُ عنْ أولي التّجارِيبِ. أنّ السّفَرَ مِرآةُ الأعاجيبِ. فلمْ أزَلْ أجوبُ كلّ تَنوفَةٍ. وأقتَحِمُ كُلّ مَخوفَةٍ. حتى اجتَلَبْتُ كلّ أُطروفَةٍ. فمِنْ أحسَنِ ما لمحْتُهُ. وأغْرَبِ ما استَمْلَحْتُهُ. أنْ حضَرْتُ قاضيَ الرّملَةِ. وكانَ منْ أربابِ الدّولَةِ والصّولَةِ. وقد تَرافَعَ إليْهِ بالٍ في بالٍ. وذاتُ جَمالٍ في أسْمالٍ. فهمّ الشيخُ بالكلامِ. وتِبْيانِ المَرامِ. فمنعَتْهُ الفَتاةُ منَ الإفْصاحِ. وخسأتْهُ عنِ النُباحِ. ثمّ نضَتْ عنها فَضْلَةَ الوِشاحِ. وأنشدَتْ بلِسانِ السّليطَةِ الوَقاحِ: يا قاضيَ الرّملَةِ يا ذا الذي ... في يدِهِ التّمرَةُ والجَمْرَهْ إليْكَ أشْكو جوْرَ بعْلي الذي ... لمْ يحجُجِ البيتَ سوى مرّهْ

стр. 476

ولَيْتَهُ لمّا قضى نُسكَهُ ... وخفّ ظَهراً إذْ رمى الجَمرَهْ كانَ على رأيِ أبي يوسُفٍ ... في صِلَةِ الحِجّةِ بالعُمْرَهْ هذا على أنّيَ مُذْ ضمّني ... إليْهِ لمْ أعْصِ لهُ أمْرَهْ فمُرْهُ إمّا أُلفَةً حُلوَةً ... تُرْضي وإمّا فُرقَةً مُرّهْ منْ قبلِ أنْ أخلَعَ ثوْبَ الحَيا ... في طاعَةِ الشيخِ أبي مرّهْ فقال لهُ القاضي: قد سمِعتَ بما عزَتْكَ إليْهِ. وتوعّدَتْكَ عليْهِ. فجانِبْ ما عرّكَ. وحاذِرْ أنْ تُفرَكَ. وتُعْرَكَ. فجَثا الشيخُ على ثفِناتِهِ. وفجَرَ ينْبوعَ نفثَاتِهِ. وقال: إسمَعْ عداكَ الذّمُّ قولَ امرئٍ ... يوضِحُ في ما رابَها عُذرَهْ واللهِ ما أعْرَضْتُ عنها قِلًى ... ولا هَوَى قلبي قضى نذرَهْ

стр. 477

وإنّما الدهْرُ عَدا صرْفُهُ ... فابْتَزّنا الدُّرّةَ والذّرّهْ فمنزِلي قفرٌ كما جِيدُها ... عُطْلٌ منَ الجَزْعَةِ والشّذْرَهْ وكنتُ منْ قبْلُ أرى في الهَوى ... ودينِهِ رأيَ بني عُذرَهْ فمُذْ نَبا الدهرُ هجَرْتُ الدُّمى ... هِجرانَ عفٍّ آخِذٍ حِذْرَهْ ومِلتُ عنْ حَرْثيَ لا رغبَةً ... عنهُ ولكِنْ أتّقي بَذْرَهْ فلا تلُمْ مَنْ هذِهِ حالُهُ ... واعطِفْ عليْهِ واحتَمِلْ هَذرَهْ قال: فالتَظَتِ المرأةُ منْ مَقالِهِ. وانتضَتِ الحُجَجَ لجِدالِهِ. وقالتْ لهُ: ويلَكَ يا مَرْقَعانُ. يا مَنْ هُو لا طَعامٌ ولا طِعانٌ! أتَضيقُ بالولَدِ ذرْعاً. ولكُلّ أكولَةٍ مرْعًى؟ لقدْ ضلّ فهْمُكَ. وأخطأ سهمُكَ. وسفِهَتْ نفسُكَ. وشقِيَتْ بِكِ عِرسُكَ. فقال لها

стр. 478

القاضي: أمّا أنتِ فلوْ جادَلتِ الخنْساء. لانثَنَتْ عنكِ خرْساء. وأما هوَ فإنْ كانَ صدَقَ في زعمِهِ. ودعْوى عُدْمِهِ. فلهُ في همّ قَبْقَبِهِ. ما يشغلُهُ عنْ ذبْذَبِهِ. فأطرَقَتْ تنظُرُ ازوِراراً. ولا تُرجِعُ حِواراً. حتى قُلْنا: قد راجعَها الخفَرُ. أو حاقَ بها الظّفَرُ. فقالَ لها الشيخُ: تعْساً لكِ إنْ زخْرفْتِ. أو كتَمْتِ ما عرَفْتِ! فقالت: ويْحَكَ وهلْ بعْدَ المُنافَرَةِ كتْمٌ. أو بقيَ لنا على سِرٍّ ختْمٌ؟ وما فينا إلا مَنْ صدَقَ. وهتَكَ صوْنَهُ إذ نطَقَ. فلَيتَنا لاقَيْنا البَكَمَ. ولمْ نلْقَ الحكَمَ. ثمّ التفَعَتْ بوِشاحِها. وتباكَتْ لافْتِضاحِها. وجعلَ القاضي يَعجَبُ منْ خطبِهِما ويُعجِّبُ. ويلومُ لهُما الدّهْرَ ويؤنِّبُ. ثمّ أحْضَرَ من الورِقِ ألْفَينِ. وقال: أرْضِيا بهِما

стр. 479

الأجْوَفَينِ. وعاصِيا النّازغَ بينَ الإلْفينِ. فشَكَراهُ على حُسنِ السَّراحِ. وانطَلَقا وهُما كالماء والرّاحِ. وطفِقَ القاضي بعْدَ مسرَحِهِما. وتَنائي شبَحِهِما. يُثْني على أدَبِهِما. ويقول: هل منْ عارِفٍ بهِما؟ فقال لهُ عينُ أعْوانِهِ. وخالِصَةُ خُلْصانِهِ: أما الشيخُ فالسّروجيّ المشهودُ بفضلِهِ. وأما المرأةُ فقَعيدَةُ رحْلِه. وأمّا تحكُمُهما فمَكيدةٌ من فِعلِهِ. وأُحبولَةٌ من حبائِلِ ختْلِه! فأحْفَظَ القاضيَ ما سمِعَ. وتلهّبَ كيفَ خُدِعَ. ثمّ قال للواشي بهِما: قُمْ فرُدْهُما. ثم اقصِدْهُما وصِدْهُما. فنهضَ ينفُضُ مِذروَيْهِ. ثمّ عادَ يضرِبُ أصْدَرَيْهِ! فقال لهُ القاضي: أظهِرْنا على ما نبَثْتَ.

стр. 480

ولا تُخْفِ عنّا ما استَخْبَثْتَ. فقال: ما زِلْتُ أستَقْري الطُّرُقَ. وأستَفتِحُ الغُلُقَ. الى أن أدرَكْتُهُما مُصْحِرَينِ. وقد زمّا مطيَّ البيْنِ. فرغّبتُهُما في العَلَلِ. وكفَلْتُ لهُما بنَيلِ الأمَلِ. فأُشْرِبَ قلبُ الشّيخِ أن ييْأسَ. وقال: الفِرارُ بقُرابٍ أكيَسُ! وقالتْ هيَ: بلِ العوْدُ أحمَدُ. والفَروقَةُ يَكْمَدُ. فلمّا تبيّن الشيخُ سفَهَ رائِها. وغَرَرَ اجتِرائِها. أمسكَ ذَلاذِلَها. ثمّ أنشأ يقول لها: دونَكَ نُصْحي فاقتَفي سُبْلَهْ ... واغني عنِ التّفصيلِ بالجُملَهْ طيري متى نقّرْتِ عن نخلَةٍ ... وطلّقِيها بتّةً بتْلَهْ

стр. 481

وحاذِري العوْدَ إليْها ولوْ ... سبّلَها ناطورُها الأبْلَهْ فخيرُ ما للّصّ أنْ لا يُرى ... ببُقْعةٍ فيها لهُ عَمْلَهْ ثمّ قال لي: لقدْ عُنّيتَ. في ما وُلّيتَ. فارجِعْ منْ حيثُ جِئْتَ. وقلْ لمُرسِلِكَ إن شِئْتَ: رُوَيدَكَ لا تُعقِبْ جَميلَكَ بالأذى ... فتُضْحي وشملُ المال والحمد مُنصَدعْ ولا تتغضّبْ منْ تزَيُّدِ سائِلٍ ... فما هوَ في صوْغِ اللّسانِ بمُبتدِعْ وإنْ تكُ قد ساءتكَ مني خَديعَةٌ ... فقبلكَ شيخُ الأشعرِيّينَ قد خُدِعْ

стр. 482

فقالَ لهُ القاضي: قاتَلَهُ اللهُ فما أحسَنَ شُجونَهُ. وأملَحَ فنونَهُ! ثمّ إنّهُ أصْحَبَ رائِدَهُ بفرْدَينِ. وصُرّةً منَ العينِ. وقالَ لهُ: سِرْ سَيرَ منْ لا يرَى الالتِفاتَ. الى أن تَرى الشيْخَ والفَتاةَ. فبُلّ يدَيْهِما بهَذا الحِباء. وبيّن لهُما انخِداعي للأدَباء. قال الرّاوي: فلمْ أرَ في الاغتِرابِ. كهَذا العُجابِ. ولا سمِعْتُ بمِثلِه ممّنْ جالَ وجابَ. المقامة الحلبيّة روى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: نزعَ بي الى حلَبَ. شوْقٌ غلَبَ. وطلَبٌ يا لهُ من طلَبٍ! وكنتُ يومَئِذٍ خَفيفَ الحاذِ. حَثيثَ النّفاذِ. فأخذْتُ أُهبَةَ السيرِ. وخفَفْتُ نحوَها خُفوفَ الطّيرِ. ولمْ أزَلْ مُذْ حلَلْتُ رُبوعَها. وارْتبَعْتُ ربيعَها. أُفاني الأيّامَ.

стр. 483

في ما يَشْفي الغَرامَ. ويُرْوي الأُوامَ. الى أنْ أقْصرَ القلْبُ عنْ وَلوعِهِ. واسْتَطارَ غُرابُ البينِ بعْدَ وقوعِهِ. فأغْراني البالُ الخِلْوُ. والمرَحُ الحُلوُ. بأنْ أقصِدَ حِمْصَ. لأصْطافَ ببُقعَتِها. وأسبُرَ رَقاعَةَ أهلِ رُقعتِها. أفْرَعْتُ إليْها إسْراعَ النّجْمِ. إذا انْقَضّ للرّجْمِ. فحينَ خيّمتُ برُسومِها. ووجَدْتُ رَوْحَ نَسيمِها. لمحَ طَرْفي شيْخاً قد أقبلَ هَريرُهُ. وأدبَرَ غَريرُهُ. وعندَهُ عشَرَةُ صِبْيانٍ. صِنْوانٌ وغيرُ صِنْوانٍ. فطاوَعْتُ في قصْدِهِ الحِرصَ. لأخبُرَ بهِ أُدَباءَ حِمصَ. فبَشّ بي حينَ وافَيتُهُ. وحيّا بأحسَنَ ممّا

стр. 484

حيّيتُهُ. فجلسْتُ إليْهِ لأبلوَ جنى نُطقِهِ. وأكْتَنِهَ كُنْهَ حُمقِهِ. فما لبِثَ أنْ أشارَ بعُصَيّتِهِ. الى كُبْرِ أُصَيْبِيَتِهِ. وقال لهُ: أنشِدِ الأبياتَ العَواطِلَ. واحْذَرْ أن تُماطِلَ. فجَثا جِثوَةَ ليْثٍ. وأنشدَ منْ غيرِ ريْثٍ: أعْدِدْ لحُسّادِكَ حدّ السّلاحْ ... وأوْرِدْ وِرْدَ السّماحْ وصارِمِ اللهْوَ ووصْلَ المَها ... وأعمِلِ الكومَ وسُمرَ الرّماحْ واسْعَ لإدْراكِ محَلٍّ سَما ... عِمادُهُ لا لادّراعِ المِراحْ واللهِ ما السّؤدُدُ حسْوُ الطِّلا ... ولا مَرادُ الحَمدِ رُودٌ رَداحْ

стр. 485

واهاً لحُرٍّ واسِعٍ صدرُهُ ... وهمُّهُ ما سَرّ أهْلَ الصّلاحْ مورِدُهُ حُلوٌ لسؤّالِهِ ... ومالُهُ ما سألوهُ مُطاحْ ما أسمَعَ الآمِلَ رَدّاً ولا ... ماطَلَهُ والمطْلُ لؤمٌ صُراحْ ولا أطاعَ اللهْوَ لمّا دَعا ... ولا كَسا راحاً لهُ كأسَ راحْ سوّدَهُ إصْلاحُهُ سرَّهُ ... ورَدْعُهُ أهْواءهُ والطِّماحْ وحصّلَ المدْحَ لهُ علمُهُ ... ما مُهِرَ العورُ مُهورَ الصِّحاحْ فقال لهُ: أحسَنتَ يا بُدَيرُ. يا رأسَ الدّيرِ! ثمّ قالَ لتِلوِهِ. المُشتَبِهِ بصِنْوِهِ: ادنُ يا نُوَيرَةُ. يا قمَرَ الدُوَيرَةِ! فدَنا ولمْ يتَباطا. حتى حلّ منهُ مقْعَدَ المُعاطى. فقال لهُ: اجْلُ الأبْياتَ العَرائِسَ.

стр. 486

وإنْ لمْ يكُنّ نَفائِسَ. فبَرى القلَم وقَطّ. ثمّ احْتَجَرَ اللّوْحَ وخطّ: فتَنَتْني فجنّنَتْني تجَنّي ... بتَجنٍّ يفْتَنّ غِبَّ تجَنّي شغَفَتني بجَفنِ ظَبْيٍ غَضيضٍ ... غنِجٍ يقْتَضي تغَيُّضَ جَفْني غَشيَتْني بزِينتَينِ فشفّتْ ... ني بزِيٍّ يشِفّ بينَ تثَنّي فتظَنّيتُ تجْتَبيني فتجْزي ... ني بنَفْثٍ يشْفي فخُيّبَ ظنّي ثبّتَتْ فيّ غِشّ جيْبٍ بتَزْيي ... نِ خَبيثٍ يبْغي تشَفّيَ ضِغْن فنَزَتْ في تجنّي فثنَتْ ... ني بنَشيجٍ يُشْجي بفَنٍّ ففَنّ فلمّا نظرَ الشيخُ الى ما حبّرَهُ. وتصفّحَ ما زبَرَهُ. قال له: بورِكَ فيكَ منْ طَلاً. كما بورِكَ في لا ولا. ثمّ هتَفَ: اقْرُبْ.

стр. 487

يا قُطْرُبُ. فاقْتَرَبَ منهُ فتًى يحْكي نجْمَ دُجْيةٍ. أو تِمْثالَ دُميةٍ. فقال لهُ: ارْقُمِ الأبْياتَ الأخْيافَ. وتجنّبِ الخِلافَ. فأخذَ القلَمَ ورقَمَ: إسْمَحْ فبَثُّ السّماحِ زَينٌ ... ولا تُخِبْ آمِلاً تضَيّفْ ولا تُجِزْ رَدَّ ذي سؤالٍ ... فنّنَ أم في السّوالِ خفَّفْ ولا تظُنّ الدّهورَ تُبقي ... مالَ ضَنينٍ ولوْ تقَشّفْ واحلُمْ فجفنُ الكرامِ يُغضي ... وصَدرُهمْ في العَطاء نفنَفْ ولا تخُنْ عهْدَ ذي وِدادٍ ... ثبْتٍ ولا تبْغِ ما تزيَّفْ فقال له: لا شَلّتْ يَداكَ. ولا كلّتْ مُداكَ. ثمّ نادى: يا عشَمْشَمُ.

стр. 488

يا عِطْرَ منْشَمَ! فلبّاهُ غُلامٌ كدُرّةِ غوّاصٍ. أو جُؤذُرِ قنّاصٍ. فقالَ لهُ: اكتُبِ الأبياتَ المَتائِيمَ. ولا تكُنْ منَ المَشائيمِ. فتناولَ القلَمَ المثقّفَ. وكتبَ ولمْ يتوقّفْ: زُيّنتْ زينَبٌ بقَدٍّ يقُدُّ ... وتَلاهُ ويْلاهُ نهْدٌ يهُدُّ جُندُها جيدُها وظَرفٌ وطَرْفٌ ... ناعِسٌ تاعِسٌ بحدٍّ يَحُدُّ قدرُها قدْ زَها وتاهَتْ وباهَتْ ... واعْتَدَتْ واغتَدَتْ بخَدٍّ يخُدّ

стр. 489

فارَقَتْني فأرّقَتْني وشطّتْ ... وسطَتْ ثمّ نمّ وجْدٌ وجَدّ فدَنَتْ فدّيَتْ وحنّتْ وحيّتْ ... مُغضَباً مُغضِياً يوَدّ يُوَدّ فطفِقَ الشيخُ يتأمّلُ ما سطَرَهُ. ويقلّبُ فيهِ نظرَهُ. فلمّا استحسَنَ خطَّهُ. واستَصَحّ ضبْطَهُ. قال لهُ: لا شَلّ عشرُكَ. ولا استُخبِثَ نشْرُكَ. ثمّ أهابَ بفتًى فتّان. يسفِرُ عنْ أزهارِ بُستانٍ. فقالَ لهُ: أنشِدِ البَيتينِ المُطرَفَينِ. المُشتَبِهَيِ الطّرفَينِ. اللذَينِ أسْكَتا

стр. 490

كلّ نافِثٍ. وأمِنا أنْ يعَزَّزا بثالِثٍ. فقالَ له: اسمَعْ لا وُقِرَ سمْعُكَ. ولا هُزِمَ جمعُكَ. وأنشدَ منْ غيرِ تلبّثٍ. ولا تريّثٍ: سِمْ سِمَةً تحْسُنُ آثارُها ... واشكُرْ لمنْ أعطى ولوْ سِمسِمَهْ والمكْرُ مهْما استطَعْتَ لا تأتِهِ ... لتَقْتَني السّؤدَدَ والمَكرُمَهْ فقال لهُ: أجدْتَ يا زُغْلولُ. يا أبا الغُلولِ. ثمّ نادَى: أوضِح يا ياسينُ. ما يُشكِلُ من ذَواتِ السّينِ. فنهضَ ولمْ يتأنّ. وأنشدَ بصوْتٍ أغنّ: نِقْسُ الدّواةِ ورُسغُ الكفّ مُثبَتةٌ ... سيناهُما إنْ هُما خُطّا وإنْ دُرِسا وهكذا السّينُ في قسْبٍ وباسِقَةٍ ... والسفحِ والبخس واقسِرْ واقتبس قبَسا

стр. 491

وفي تقسّسْتُ باللّيلِ الكلامَ وفي ... مُسيطرٍ وشَموسٍ واتخِذْ جرَسا وفي قَريسٍ وبرْدٍ قارِسٍ فخذِ ال ... صّوابَ منّي وكُنْ للعِلمِ مُقتَبِسا فقال لهُ: أحسنْتَ يا نُغَيشُ. يا صنّاجةَ الجيْشِ. ثمّ قال: ثِبْ يا عَنبَسَةُ. وبيّنِ الصّاداتِ المُلتَبِسَةَ. فوثبَ وِثبَةَ شِبلٍ مُثارٍ. ثم أنشَدَ من غيرِ عِثارٍ: بالصّادِ يُكتَبُ قد قبَصْتُ دراهِماً ... بأنامِلي وأصِخْ لتَستَمِعَ الخَبَرْ

стр. 492

وبصَقْتُ أبصُقُ والصِّماخُ وصَنجةٌ ... والقَصُّ وهْوَ الصّدرُ واقتصّ الأثَرْ وبخَصْتُ مُقلتَهُ وهَذي فُرصَةٌ ... قد أُرعِدَتْ منهُ الفَريصَةُ للخَوْرِ وقصَرْتُ هِنداً أي حبَستُ وقد دنا ... فِصْحُ النّصارَى وهْوَ عيدٌ مُنتظَر وقرَصْتُهُ والخمْرُ قارِصَةٌ إذا ... حذَتِ اللّسانَ وكلّ هذا مُستَطَرْ فقال له: رَعْياً لكَ يا بُنيّ. فلقدْ أقرَرْتَ عينيّ. ثمّ استَنْهَضَ ذا جُثّةٍ كالبَيذَقِ. ونَعشَةٍ كالسّوذَقِ. وأمرَهُ بأنْ يقِفَ بالمِرصادِ. ويسرُدَ ما يجْري على السّينِ والصّادِ. فنهضَ يسحَبُ بُردَيْهِ. ثمّ

стр. 493

أنشَدَ مُشيراً بيدَيْهِ: إنْ شِئْتَ بالسّينِ فاكتُبْ ما أبيّنهُ ... وإنْ تَشأ فهْوَ بالصّاداتِ يُكتَتَبُ مَغسٌ وفَقسٌ ومُسطارٌ ومُمّلسٌ ... وسالغٌ وسِراطُ الحقّ والسّقَبُ والسّامِغانِ وسقْرٌ والسَّويقُ ومِسْ ... لاقٌ وعن كل هذا تُفصحُ الكُتُبُ فقال له: أحسَنتَ يا حبَقَةُ. يا عينَ بقّةَ. ثمّ نادى: يا دَغْفَلُ. يا أبا زَنفَلَ. فلبّاهُ فتًى أحسَنُ منْ بيضَةٍ. في روضَةٍ. فقال له: ما

стр. 494

عَقْدُ هِجاء الأفعالِ. التي أخِرُها حرْفُ اعتِلالٍ؟ فقال: اسْمَعْ لا صُمّ صَداكَ. ولا سمِعَتْ عِداكَ! ثمّ أنشدَ. وما استَرشَدَ: إذا الفِعْلُ يوماً غُمّ عنْكَ هجاؤه ... فألحِقْ بهِ تاء الخِطابِ ولا تقِفْ فإنْ ترَ قبْلَ التّاء ياءً فكَتْبُهُ ... بياءٍ وإلا فهْوَ يُكتَبُ بالألِفْ ولا تحسُبِ الفِعلَ الثّلاثيّ والذي ... تعدّاهُ والمهموزُ في ذاك يختلِفْ فطَرِبَ الشيخُ لما أدّاهُ. ثمّ عوّذَهُ وفدّاهُ. ثمّ قال: هلمّ يا قَعْقاعُ. يا باقِعَةَ

стр. 495

البِقاعِ. فأقْبَلَ فتًى أحسَنُ منْ نارِ القِرى. في عينِ ابنِ السُرَى. فقال له: اصدَعْ بتمْييزِ الظّاء منَ الضادِ. لتَصْدَعَ بهِ أكْبادَ الأضْدادِ. فاهتَزّ لقوْلِهِ واهتَشّ. ثمّ أنشَدَ بصوتٍ أجَشّ: أيها السائلي عنِ الضّادِ والظّا ... ء لكَيْلا تُضِلّهُ الألْفاظُ إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسمع ... ها استِماعَ امرِئٍ لهُ استيقاظُ هيَ ظَمْياءُ والمظالِمُ والإظْ ... لامُ والظَّلْمُ والظُّبَى واللَّحاظُ والعَظا والظّليمُ والظبيُ والشّيْ ... ظَمُ والظّلُّ واللّظى والشّواظُ
следующие страницы →