← Адаб

Адаб · id 26585

مقامات الحريري

الحريري

Полный текст (555 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفي تقسّسْتُ باللّيلِ الكلامَ وفي ... مُسيطرٍ وشَموسٍ واتخِذْ جرَسا وفي قَريسٍ وبرْدٍ قارِسٍ فخذِ ال ... صّوابَ منّي وكُنْ للعِلمِ مُقتَبِسا فقال لهُ: أحسنْتَ يا نُغَيشُ. يا صنّاجةَ الجيْشِ. ثمّ قال: ثِبْ يا عَنبَسَةُ. وبيّنِ الصّاداتِ المُلتَبِسَةَ. فوثبَ وِثبَةَ شِبلٍ مُثارٍ. ثم أنشَدَ من غيرِ عِثارٍ: بالصّادِ يُكتَبُ قد قبَصْتُ دراهِماً ... بأنامِلي وأصِخْ لتَستَمِعَ الخَبَرْ

стр. 492

وبصَقْتُ أبصُقُ والصِّماخُ وصَنجةٌ ... والقَصُّ وهْوَ الصّدرُ واقتصّ الأثَرْ وبخَصْتُ مُقلتَهُ وهَذي فُرصَةٌ ... قد أُرعِدَتْ منهُ الفَريصَةُ للخَوْرِ وقصَرْتُ هِنداً أي حبَستُ وقد دنا ... فِصْحُ النّصارَى وهْوَ عيدٌ مُنتظَر وقرَصْتُهُ والخمْرُ قارِصَةٌ إذا ... حذَتِ اللّسانَ وكلّ هذا مُستَطَرْ فقال له: رَعْياً لكَ يا بُنيّ. فلقدْ أقرَرْتَ عينيّ. ثمّ استَنْهَضَ ذا جُثّةٍ كالبَيذَقِ. ونَعشَةٍ كالسّوذَقِ. وأمرَهُ بأنْ يقِفَ بالمِرصادِ. ويسرُدَ ما يجْري على السّينِ والصّادِ. فنهضَ يسحَبُ بُردَيْهِ. ثمّ

стр. 493

أنشَدَ مُشيراً بيدَيْهِ: إنْ شِئْتَ بالسّينِ فاكتُبْ ما أبيّنهُ ... وإنْ تَشأ فهْوَ بالصّاداتِ يُكتَتَبُ مَغسٌ وفَقسٌ ومُسطارٌ ومُمّلسٌ ... وسالغٌ وسِراطُ الحقّ والسّقَبُ والسّامِغانِ وسقْرٌ والسَّويقُ ومِسْ ... لاقٌ وعن كل هذا تُفصحُ الكُتُبُ فقال له: أحسَنتَ يا حبَقَةُ. يا عينَ بقّةَ. ثمّ نادى: يا دَغْفَلُ. يا أبا زَنفَلَ. فلبّاهُ فتًى أحسَنُ منْ بيضَةٍ. في روضَةٍ. فقال له: ما

стр. 494

عَقْدُ هِجاء الأفعالِ. التي أخِرُها حرْفُ اعتِلالٍ؟ فقال: اسْمَعْ لا صُمّ صَداكَ. ولا سمِعَتْ عِداكَ! ثمّ أنشدَ. وما استَرشَدَ: إذا الفِعْلُ يوماً غُمّ عنْكَ هجاؤه ... فألحِقْ بهِ تاء الخِطابِ ولا تقِفْ فإنْ ترَ قبْلَ التّاء ياءً فكَتْبُهُ ... بياءٍ وإلا فهْوَ يُكتَبُ بالألِفْ ولا تحسُبِ الفِعلَ الثّلاثيّ والذي ... تعدّاهُ والمهموزُ في ذاك يختلِفْ فطَرِبَ الشيخُ لما أدّاهُ. ثمّ عوّذَهُ وفدّاهُ. ثمّ قال: هلمّ يا قَعْقاعُ. يا باقِعَةَ

стр. 495

البِقاعِ. فأقْبَلَ فتًى أحسَنُ منْ نارِ القِرى. في عينِ ابنِ السُرَى. فقال له: اصدَعْ بتمْييزِ الظّاء منَ الضادِ. لتَصْدَعَ بهِ أكْبادَ الأضْدادِ. فاهتَزّ لقوْلِهِ واهتَشّ. ثمّ أنشَدَ بصوتٍ أجَشّ: أيها السائلي عنِ الضّادِ والظّا ... ء لكَيْلا تُضِلّهُ الألْفاظُ إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسمع ... ها استِماعَ امرِئٍ لهُ استيقاظُ هيَ ظَمْياءُ والمظالِمُ والإظْ ... لامُ والظَّلْمُ والظُّبَى واللَّحاظُ والعَظا والظّليمُ والظبيُ والشّيْ ... ظَمُ والظّلُّ واللّظى والشّواظُ

стр. 496

والتّظَنّي واللّفْظُ والنّظمُ والتق ... ريظُ والقَيظُ والظّما واللَّماظُ والحِظا والنّظيرُ والظّئرُ والجا ... حِظُ والنّاظِرونَ والأيْقاظُ والتّشظّي والظِّلفُ والعظمُ والظّن ... بوبُ والظَّهْرُ والشّظا والشِّظاظُ والأظافيرُ والمظَفَّرُ والمحْ ... ظورُ والحافِظونَ والإحْفاظُ والحَظيراتُ والمَظِنّةُ والظِّنّ ... ةُ والكاظِمونَ والمُغْتاظُ والوَظيفاتُ والمُواظِبُ والكِظّ ... ةُ والإنتِظارُ والإلْظاظُ

стр. 497

ووَظيفٌ وظالِعٌ وعظيمٌ ... وظَهيرٌ والفَظُّ والإغْلاظُ ونَظيفٌ والظَّرْفُ والظّلَفُ الظّا ... هِرُ ثمّ الفَظيعُ والوُعّاظُ وعُكاظٌ والظَّعْنُ والمَظُّ والحنْ ... ظَلُ والقارِظانِ والأوْشاظُ وظِرابُ الظِّرّانِ والشّظَفُ البا ... هِظُ والجعْظَريُّ والجَوّاظُ

стр. 498

والظَّرابينُ والحَناظِبُ والعُنْ ... ظُبُ ثمّ الظّيّانُ والأرْعاظُ والشَّناظِي والدَّلْظُ والظّأبُ والظَّبْ ... ظابُ والعُنظُوانُ والجِنْعاظُ والشّناظيرُ والتّعاظُلُ والعِظْ ... لِمُ والبَظْرُ بعْدُ والإنْعاظُ هيَ هذي سِوى النّوادِرِ فاحفَظْ ... ها لتَقْفو آثارَكَ الحُفّاظُ واقضِ في ما صرّفتَ منها كما تق ... ضيهِ في أصْلِهِ كقَيْظٍ وقاظوا

стр. 499

فقال لهُ الشيخُ: أحسنْتَ لا فُضّ فوكَ. ولا بُرّ منْ يجفوكَ. فوَاللهِ إنّكَ معَ الصِّبا الغَضّ. لأحْفَظُ منَ الأرضِ. وأجمَعُ من يومِ العرْضِ. ولقدْ أورَدْتُك ورُفْقتَكَ زُلالي. وثقّفْتُكُم تثْقيفَ العَوالي. فاذْكُروني أذكُرْكُمْ واشْكُروا لي وَلا تكفُرون. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فعجِبْتُ لما أبْدى من بَراعَةٍ. معجونَةٍ برِقاعَةٍ. وأظهَرَ منْ حَذاقَةٍ. ممزوجَةٍ بحَماقَةٍ. ولمْ يزَلْ بصَري يُصَعِّدُ فيهِ ويصوِّبُ. وينقِّرُ عنهُ وينقِّبُ. وكنتُ كمنْ ينظُرُ في ظَلْماء. أو يَسري في بهْماء. فلما استَراثَ تنبُّهي. واسْتَبان تدلُّهي. حمْلقَ إليّ وتبسّمَ. وقال: لمْ يبقَ مَنْ يتوسّمُ. فبُهْتُ لفَحْوى كلامِهِ. ووجَدْتُهُ أبا زيدٍ عندَ ابتِسامِهِ. فأخذْتُ ألومُهُ على تديُّرِ بُقعَةِ النَّوْكى. وتخيُّرِ حِرفَةِ الحمْقَى. فكأنّ وجهَهُ أُسِفّ رَماداً. أو أُشرِبَ سَواداً.

стр. 500

إلا أنهُ أنشدَ وما تَمادى: تخيّرْتُ حِمْصَ وهَذي الصّناعهْ ... لأُرزَقَ حُظوَةَ أهلِ الرَّقاعَهْ فما يَصطَفي الدّهرُ غيرَ الرّقيعِ ... ولا يوطِنُ المالَ إلا بِقاعَهْ ولا لأخي اللُّبّ منْ دهْرِهِ ... سوى ما لعَيْرٍ رَبيطٍ بِقاعَهْ ثم قال: أمَا إنّ التعليمَ أشرَفُ صِناعةٍ. وأربَحُ بِضاعةٍ. وأنجَعُ شَفاعةٍ. وأفضَلُ براعَةٍ. وربُّهُ ذو إمْرَةٍ مُطاعَةٍ. وهيبَةٍ مُشاعَةٍ. ورعيّةٍ مِطواعةٍ. يتسيْطَرُ تسيْطُرَ أميرٍ. ويرتِّبُ ترْتيبَ وزيرٍ. ويتحكّمُ تحكُّمَ قَديرٍ. ويتشبّهُ بِذي مُلْكٍ كبيرٍ. إلا أنهُ يخْرَفُ في أمَدٍ يَسيرٍ. ويتّسِمُ بحُمقٍ شَهيرٍ. ويتقلّبُ بعقْلٍ صَغيرٍ. ولا يُنَبّئكَ مثلُ خَبيرٍ. فقلتُ لهُ: تاللهِ إنّكَ لابنُ الأيّامِ. وعلَمُ الأعلامِ. والسّاحِرُ اللاعِبُ بالأفْهامِ. المُذَلَّلُ لهُ سُبُلُ الكَلامِ. ثمّ لمْ

стр. 501

أزَلْ معتَكِفاً بنادِيهِ. ومُغتَرِفاً منْ سيْلِ وادِيهِ. الى أن غابَتِ الأيامُ الغُرُّ. ونابَتِ الأحْداثُ الغُبْرُ. ففارقْتُهُ ولعَيْني العُبْرُ. المقامة الحَجْرِيّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: احتَجْتُ الى الحِجامَةِ. وأنا بحَجْرِ اليَمامةِ. فأُرشِدْتُ الى شيخٍ يحْجُمُ بلَطافَةٍ. ويسفِرُ عنْ نَظافَةٍ. فبعَثْتُ غُلامي لإحْضارِهِ. وأرْصَدْتُ نفْسي لانتِظارِهِ. فأبْطأ بعْدَما انطلَقَ. حتى خِلتُهُ قد أبَقَ. أو ركِبَ طبَقاً عنْ طبَقٍ. ثمّ عادَ عوْدَ المُخفِقِ مسْعاهُ. الكَلِّ على موْلاهُ. فقُلْتُ لهُ: ويلَكَ أبُطْءَ فِنْدٍ. وصُلودَ زَندٍ؟ فزَعَم أنّ الشيخَ أشْغَلُ من ذاتِ النِّحْيَيْنِ. وفي حربٍ

стр. 502

كحَرْبِ حُنَينٍ. فعِفتُ المَمْشى الى حجّامٍ. وحِرْتُ بين إقدامٍ وإحْجامٍ. ثمّ رأيتُ أنْ لا تعْنيفَ. على منْ يأتي الكَنيفَ. فلمّا شهِدْتُ

стр. 503

موسِمَهُ. وشاهدْتُ مِيسَمَهُ. رأيتُ شيْخاً هيئَتُهُ نَظيفَةٌ. وحركَتُهُ خَفيفَةٌ. وعليْهِ منَ النّظارَةِ أطْواقٌ. ومنَ الزِّحامِ طِباقٌ. وبينَ يَدَيْهِ فتًى كالصَّمْصامَةِ. مُستَهدِفٌ للحِجامَةِ. والشيخُ يقولُ له: أراكَ قد أبرَزْتَ راسَكَ. قبلَ أن تُبرِزَ قِرْطاسَكَ. ووَلّيتَني قَذالَكَ. ولمْ تقُلْ لي ذا لَكَ. ولستُ ممّنْ يبيعُ نقْداً بدَينٍ. ولا يطلُبُ أثَراً بعدَ عينٍ. فإنْ أنتَ رضَخْتَ بالعَينِ. حُجِمْتَ في الأخدَعَينِ. وإنْ كُنتَ ترى الشُحّ أوْلى. وخزْنَ الفَلْسِ في النّفْسِ أحْلى. فاقْرأ عبَسَ وتولّى. واغْرُبْ عني وإلا. فقالَ الفتَى: والذي حرّمَ صوْغَ المَينِ. كما حرّمَ صيْدَ الحرَمَينِ. إني لأفْلَسُ منِ ابنِ يوْمَينِ. فثِقْ بسَيلِ تلْعَتي. وأنْظِرْني الى سَعَتي. فقالَ لهُ الشيخُ: ويْحَكَ

стр. 504

إنّ مثَلَ الوُعودِ. كغرْسِ العودِ! هوَ بينَ أن يُدرِكَهُ العطَبُ. أو يُدرَكُ منهُ الرُّطَبُ. فما يُدْرِيني أيَحْصُلُ منْ عودِكَ جَنًى. أم أحصُلُ منهُ على ضنًى؟ ثمّ ما الثّقَةُ بأنّكَ حينَ تبتَعِدُ. ستَفي بما تعِدُ؟ وقد صارَ الغدْرُ كالتّحْجيلِ. في حِليَةِ هذا الجيلِ. فأرِحْني باللهِ منَ التّعذيبِ. وارْحَلْ الى حيثُ يَعْوي الذّيبُ. فاسْتَوى الغُلامُ إليْهِ. وقدِ استوْلى الخجَلُ علَيْهِ. وقال: واللهِ ما يَخيسُ بالعهْدِ. غيرُ الخَسيسِ الوغْدِ. ولا يرِدُ غَديرَ الغَدْرِ. إلا الوَضيعُ القدْرِ. ولوْ عرَفْتَ منْ أنا. لما أسمَعْتَني الخَنا. لكنّكَ جهِلْتَ فقُلْتَ. وحيثُ وجَبَ أنْ تسْجُدَ بُلْتَ. وما أقبَحَ الغُربَةَ والإقلالَ. وأحسَنَ قوْلَ منْ قال: إنّ الغَريبَ الطّويلَ الذّيلِ ممتَهَنٌ ... فكيفَ حالُ غَريبٍ ما لهُ قوتُ لكنّهُ ما تَشينُ الحُرُّ موجِعَةٌ ... فالمِسكُ يُسحَقُ والكافورُ مَفتوتُ

стр. 505

وطالَما أُصْليَ الياقوتُ جمرَ غضًى ... ثمّ انطَفى الجمرُ والياقوتُ ياقوتُ فقالَ لهُ الشيخُ: يا ويلَةَ أبيكَ. وعوْلَةَ أهليكَ! أأنْتَ في موقِفِ فخْرٍ يُظهَرُ. وحسَبٍ يُشهَرُ. أم موقِفِ جِلْدٍ يُكشَطُ. وَقَفاً يُشْرَطُ؟ وهبْ أنّ لكَ البيتَ. كما ادّعَيتَ. أيَحْصُلُ بذلِكَ. حَجْمُ قَذالِكَ؟ لا واللهِ ولوْ أنّ أباكَ أنافَ. على عبْدِ مُنافٍ. أو لخالِكَ دانَ. عبدُ المَدانِ. فلا تضْرِبْ في حَديدٍ بارِدٍ. ولا تطْلُبْ ما لسْتَ لهُ

стр. 506

بواجِدٍ. وباهِ إذا باهَيْتَ بموجودِكَ. لا بحُدودِكَ. وبمَحْصولِكَ. لا بأصولِكَ. وبصِفاتِكَ. لا برُفاتِكَ. وبأعْلاقِكَ. لا بأعْراقِكَ. ولا تُطِعِ الطّمَعَ فيُذِلَّكَ. ولا تتّبِعِ الهَوى فيُضِلّكَ. وللهِ القائلُ لابنِهِ: بُنيّ استَقِمْ فالعُودُ تَنمي عُروقُهُ ... قَويماً ويغْشاهُ إذا ما التَوى التّوَى ولا تُطِعِ الحِرْصَ المُذِلّ وكنْ فتًى ... إذا التَهَبتْ أحشاؤهُ بالطّوى طوَى وعاصِ الهَوى المُرْدي فكم من محَلِّقٍ ... إلى النّجْمِ لمّا أنْ أطاعَ الهَوى هوَى وأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرى ... على من إلى الحرّ اللُّبابِ انضوى ضوَى وحافِظْ على مَنْ لا يخونُ إذا نَبا ... زمانٌ ومن يرْعى إذا ما النوى نوَى

стр. 507

وإنْ تقتدرْ فاصْفحْ فلا خيرَ في امرِئٍ ... إذا اعتلَقتْ أظفارُهُ بالشّوى شَوى وإيّاكَ والشّكوى فلمْ ترَ ذا نُهًى ... شكا بل أخو الجهل الذي ما ارعوى عوى فقالَ الغُلامُ للنّظّارَةِ: يا للعَجيبةِ. والطُرفَةِ الغَريبةِ! أنْفٌ في السّماء. واسْتٌ في الماء! ولفْظٌ كالصّهْباء. وفِعْلٌ كالحَصْباء! ثمّ أقبلَ على الشيخِ بلِسانٍ سَليطٍ. وغيظٍ مُستَشيطٍ. وقال: أفٍّ لكَ منْ

стр. 508

صوّاغٍ باللّسانِ. روّاغٍ عنِ الإحْسانِ! تأمُرُ بالبِرّ. وتعُقّ عُقوقَ الهِرّ. فإنْ يكُنْ سبَبُ تعنُّتِكَ. نَفاقَ صنعَتِكَ. فرَماها اللهُ بالكَسادِ. وإفْسادِ الحُسّادِ. حتى تُرى أفرَغَ منْ حَجّامِ ساباطَ. وأضيَقَ رِزْقاً منْ سمّ الخِياطِ. فقال لهُ الشيخُ: بلْ سلّطَ اللهُ عليْكَ بَثْرَ الفَمِ. وتبيُّغَ الدّمِ. حتى تُلْجأ الى حجّامٍ عظيمِ الاشْتِطاطِ. ثَقيلِ الاشْتِراطِ. كَليلِ المِشْراطِ. كثيرِ المُخاطِ والضُّراطِ. قال: فلمّا تبيّنَ الفتى أنهُ يشْكو الى غيْرِ مُصَمَّتٍ. ويُراوِدُ استِفْتاحَ بابٍ مُصْمَتٍ. أضْرَبَ عنْ رجْعِ الكَلامِ. واحتفَزَ للقيامِ. وعلِمَ الشيخُ أنهُ قدْ ألامَ. بما أسمَعَ الغُلامَ. فجنَحَ الى سِلمِهِ.

стр. 509

وبذَلَ أنْ يُذعِنَ لحُكمِهِ. ولا يَبْغي أجْراً على حَجْمِهِ. وأبى الغُلامُ إلاّ المَشْيَ بدائِهِ. والهرَبَ منْ لِقائِهِ. وما زالا في حِجاجٍ وسِبابٍ. ولِزازٍ وجِذابٍ. الى أن ضجّ الفَتى منَ الشِّقاقِ. وتَلا رُدنُهُ سورَةَ الانشِقاقِ. فأعْوَلَ حينئِذٍ لوَفارَةِ خُسرِهِ. وانعِطاطِ عِرْضِهِ وطِمْرِهِ. وأخذَ الشيخُ يعتَذِرُ منْ فرَطاتِهِ. ويُغيِّضُ منْ عبَراتِهِ. وهوَ لا يُصْغي الى اعتِذارِهِ. ولا يقصِّرُ عنِ استِعْبارِهِ. الى أنْ قالَ لهُ: فَداكَ عمُّكَ. وعدَاكَ ما يغُمُّكَ! أما تسْأمُ الإعْوالَ. أما تعرِفُ الاحتِمالَ. أمَا سمِعْتَ بمَنْ أقالَ. وأخذَ بقولِ منْ قال: أخمِدْ بحِلمكَ ما يُذكيهِ ذو سفَهٍ ... من نارِ غيظكَ واصْفَحْ إن جنى جانِ فالحِلمُ أفضَلُ ما ازْدانَ اللّبيبُ بهِ ... والأخذُ بالعَفوِ أحْلى ما جَنى جانِ

стр. 510

فقال لهُ الغُلام: أمَا إنّكَ لو ظهرْتَ على عيْشيَ المُنكَدِرِ. لعَذَرْتَ في دمْعيَ المُنهَمِرِ. ولكِنْ هانَ على الأملَسِ ما لاقَى الدّبِرُ. ثمّ كأنّهُ نزَعَ الى الاستِحْياء. فأقْلَعَ عنِ البُكاء. وفاء الى الارْعِواء. وقال للشيخِ: قدْ صِرْتُ الى ما اشتَهَيْتَ. فارْقَعْ ما أوْهَيتَ. فقال: هيْهاتَ شغلَتْ شِعابي جَدوايَ. فشِمْ بارِقَ سِوايَ. ثمّ إنهُ نهضَ يستَقْري الصّفوفَ. ويستَجْدي الوُقوفَ. ويُنشِدُ في ضِمْنِ ما هوَ يطوفُ: أُقسِمُ بالبيتِ الحرامِ الذي ... تهْوي إليْهِ الزُمَرُ المُحرِمَهْ لوْ أنّ عِندي قُوتَ يومٍ لَما ... مسّتْ يَدي المِشْراطَ والمِحجَمهْ

стр. 511

ولا ارتضَتْ نفْسي التي لمْ تزَلْ ... تسْمو الى المجْدِ بهذي السِّمَهْ ولا اشْتَكى هذا الفتى غِلظَةً ... منّي ولا شاكَتْهُ منّي حُمَهْ لكِنْ صُروفُ الدّهرِ غادَرْنني ... كخابِطٍ في اللّيلَةِ المُظلِمَهْ واضْطَرّني الفقْرُ الى موقِفٍ ... منْ دونِهِ خوْضُ اللّظى المُضرَمه فهلْ فتًى تُدرِكُهُ رِقّةٌ ... عليّ أو تعطِفُهُ مَرْحَمَهْ قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فكُنتُ أوّلَ منْ أوى لبَلْواهُ. ورقّ لشَكْواهُ. فنفَحْتُهُ بدِرْهَمَينِ. وقلتُ: لا كانا ولوْ كانَ ذا مَيْنٍ! فابتهَجَ بباكُورَةِ جَناهُ. وتفاءلَ بهِما لغِناهُ. ولمْ تزَلِ الدّراهِمُ تنْهالُ عليْهِ. وتنْثالُ لديْهِ. حتى آلَ ذا عيشَةٍ خضْراء. وحَقيبةٍ بجْراء.

стр. 512

فازْدهاهُ الفرَحُ عندَ ذلِكَ. وهنّأ نفْسَهُ بما هُنالِكَ. وقال للغُلام: هَذا ريْعٌ أنتَ بَذرُهُ. وحلَبٌ لكَ شطرُهُ. فهلُمّ لنَقتَسِمَ. ولا نحْتَشِمْ. فتقاسَماهُ بينَهُما شقَّ الأبلَمَةِ. ونهَضا مُتّفِقَي الكَلِمَةِ. ولمّا انتظَمَ بينهُما عقْدُ الاصْطلاحِ. وهمّ الشيخُ بالرّواحِ. قُلتُ له: قدْ تبوّغَ دَمي. ونقلْتُ إليْكَ قدَمي. فهلْ لكَ أن تحْجُمَني. وتُكفْكِفَ ما دهَمَني؟ فصوّبَ طرْفَهُ وصعّد. ثمّ ازْدَلَفَ إليّ وأنشدَ: كيفَ رأيتَ خُدْعَتي وختْلي ... وما جرى بيْني وبينَ سخْلي حتى انثَنَيْتُ فائِزاً بالخصْلِ ... أرْعى رياضَ الخِصْبِ بعدَ المحلِ

стр. 513

باللهِ يا مُهجةَ قلْبي قلْ لي ... هلْ أبصرَتْ عيناكَ قطُّ مثلي يفتَحُ بالرُقيَةِ كلَّ قُفْلِ ... ويستَبي بالسّحْرِ كلَّ عقْلِ ويعجِنُ الجِدّ بماء الهزْلِ ... إنْ يكُنِ الإسكَندَريُّ قبْلي فالطّلُّ قد يبْدو أمامَ الوَبْلِ ... والفضْلُ للوابِلِ لا للطّلِّ قال: فنبّهَتْني أُرجوزَتُهُ عليْهِ. وأرَتْني أنهُ شيخُنا المُشارُ إليهِ. فقرّعْتُهُ على الابتِذالِ. والاتِحاقِ بالأرْذالِ. فأعْرضَ عمّا سمِعَ. ولمْ يُبَلْ بِما قُرّعَ. وقال: كُلَّ الحِذاء يحْتَذي الحافي الوَقِعُ. ثمّ قاصاني مُقاصاةَ المُهانِ. وانطلَقَ هوَ وابنُهُ كفَرَسيْ رِهانٍ. قال الشيخ الإمام الرئيس أبو محمد القاسم بن علي ﵁ قد أودعت هذه المقامة

стр. 514

بضعة عشر مثلاً من أمثال العرب وما أنا أفسر ما أخاله يلتبس على من يقتسر. أما قوله (بطء فند) فهو مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ﵁ وكانت بعثته بالمدينة ليقتبس لها ناراً فقصد من فوره مصر وأقام بها سنة ثم جاءها بعد السنة وهو يشتد ومعه جمر فتبدد منه فقال تعست الحجلة. وأما قوله (أنف في السماء واست في الماء) فيضرب هذا المثل لمن يكبر مقالاً ويصغر فعالاً. وأما قوله (افرغ من حجام ساباط) فذكر أنه كان حجاماً ملازماً ساباط المدائن. يحجم الجندي بدانق نسيئة وربما مرت عليه برهة لا يقرئه فيها حد فكان يبرز أمه عند تمادي عطلته فيحجمها لكيلاً يقرع بالبطالة فما زال يحجمها حتى نزف دمياً وماتت. وأما قوله (يشكو إلى غير مصمت) فهو مثل يضرب لمن لا يكترث بشأن صاحبه ولا يعبأ باستمرار شكايته لأنه لو أشكاه لصمت وأمسك عن الكلام ومنه قول الراجز يحاطب جملاً له إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل القبل لو مت ونحو هذا المثل (هان على الأملس ما لاقى الدير) وأما قوله (شعلت شعابي حدواي) فالمراد به أنه ليس يفضل عني ما أصرفه إلى غيري والشعاب هي النواحي واحدها شعب. وقوله (كل الحذاء يحتذى الحافي الوقع) معناه أن المجهود يقنع بما يحد والوقع أن تصيب الحجارة القدم فتوهنها ف أما البعير الموقع فهو الذي يكثر آثار الكسر لظهره. المقامة الحَراميّة روى الحارثُ بنُ همّامٍ عنْ أبي زيدٍ السَّروجيّ قال: ما زِلْتُ مُذ رحَلْتُ عنْسي. وارتَحَلْتُ عنْ عِرْسي وغَرْسي. أحِنّ إلى عِيانِ البَصرَةِ. حَنينَ المظْلومِ الى النُصرَةِ. لِما أجمَعَ عليْهِ أرْبابُ

стр. 515

الدّرايَةِ. وأصْحابُ الرّوايَةِ. منْ خصائِصِ معالمِها وعُلَمائِها. ومآثِرِ مشاهِدِها وشُهَدائِها. وأسْألُ اللهَ أن يوطِئَني ثَراها. لأفوزَ بمرْآها. وأنْ يُمطيَني قَراها. لأقْتَري قُراها. فلمّا أحَلّنيها الحظُّ. وسرَحَ لي فيها اللّحْظُ. رأيتُ بها ما يمْلأ العَينَ قُرّةً. ويُسْلي عنِ الأوطانِ كلّ غَريبٍ. فغلَسْتُ في بعض الأيامِ. حينَ نصَلَ خِضابُ الظّلامِ. وهتَفَ أبو المُنذِرِ بالنُّوّامِ. لأخْطوَ في خِطَطِها. وأقْضيَ الوطَرَ منْ توسُّطِها. فأدّاني الاخْتِراقُ في مَسالِكِها. والانصِلاتُ في سِككِها. الى محلّةٍ موسومَةٍ

стр. 516

بالاحْتِرامِ. منسوبَةٍ الى بني حَرامٍ. ذاتِ مَساجِدَ مشهودَةٍ. وحِياضٍ موْرودَةٍ. ومَبانٍ وثيقَةٍ. ومغانٍ أنيقَةٍ. وخصائِصَ أثيرَةٍ. ومَزايا كثيرةٍ: بها ما شِئْتَ منْ دِينٍ ودُنْيا ... وجيرانٍ تنافَوْا في المعاني فمَشغوفٌ بآياتِ المثاني ... ومفْتونٌ برَنّاتِ المثاني ومُضْطَلِعٌ بتلْخيصِ المعاني ... ومُطّلِعٌ الى تخْليصِ عانِ وكمْ منْ قارِئٍ فيها وقارٍ ... أضَرّا بالجُفونِ وبالجِفانِ وكمْ منْ مَعْلَمٍ للعِلْمِ فيها ... ونادٍ للنّدى حُلْوِ المَجاني

стр. 517

ومَغْنًى لا تزالُ تغَنُّ فيهِ ... أغاريدُ الغَواني والأغاني فصِلْ إن شِئتَ فيها مَنْ يُصَلّي ... وإمّا شِئْتَ فادنُ منَ الدِّنانِ ودونَكَ صُحبَةَ الأكياسِ فيها ... أوِ الكاساتِ منطَلِقَ العِنانِ قال: فبَينَما أنا أنفُضُ طُرُقَها. وأستَشِفُّ رونَقَها. إذْ لمحْتُ عندَ دُلوكِ بَراحِ. وإظْلالِ الرّواحِ. مسجِداً مُشتَهِراً بطَرائِفِهِ. مزدَهِراً بطوائِفِه. وقد أجْرى أهلُهُ ذِكْرَ حُروفِ البدَلِ. وجرَوْا في حلْبَةِ الجدَلِ. فعُجْتُ نحوَهُمْ. لأستَمطِرَ نوّهُمْ. لا لأقتَبِسَ نحوَهُمْ. فلمْ يكُ إلا كقَبْسَةِ العَجْلانِ. حتى ارتفَعَتِ الأصْواتُ

стр. 518

بالأذانِ. ثمّ رَدِفَ التّأذينَ بُروزُ الإمامِ. فأُغْمِدَتْ ظُبى الكلامِ. وحُلّتِ الحِبى للقِيامِ. وشُغِلْنا بالقُنوتِ. عنِ استِمْدادِ القوتِ. وبالسّجودِ. عنِ استِنْزال الجودِ. ولمّا قُضيَ الفَرْضُ. وكادَ الجمْعُ ينفَضّ. انْبَرى منَ الجماعَةِ. كهْلٌ حُلْوُ البَراعةِ. لهُ منَ السّمتِ الحسَنِ. ذَلاقَةُ اللّسَنِ. وفَصاحَةُ الحسَنِ. وقال: يا جيرَتي. الذينَ اصْطفَيتُهُمْ على أغصانِ شجرَتي. وجعلْتُ خِطتَهُمْ دارَ هِجرَتي. واتّخَذْتُهُمْ كَرِشي وعَيبَتي. وأعددْتُهُمْ لمَحْضَري وغيْبَتي. أما تعْلَمونَ أنّ لَبوسَ الصّدقِ أبْهى الملابِسِ الفاخِرةٍ. وأنّ فُضوحَ الدُنيا أهوَنُ منْ فُضوحِ الآخِرَةِ؟ وأنّ الدّينَ إمْحاضُ النّصيحَةِ. والإرْشادَ عُنوانُ العَقيدَةِ الصّحيحةِ؟ وأنّ المُستَشارَ مُؤتَمَنٌ. والمستَرشِدَ

стр. 519

بالنُصحِ قَمِنٌ؟ وأنّ أخاكَ هوَ الذي عذلَكَ. لا الذي عذَرَكَ؟ وصديقَكَ منْ صدقَكَ. لا مَنْ صدّقَكَ؟ فقال لهُ الحاضِرون: أيها الخِلّ الوَدودُ. والخِدْنُ الموْدودُ. ما سِرّ كلامِكَ المُلغَزِ. وما شرْحُ خِطابِكَ الموجِزِ. وما الذي تبْغيهِ منّا ليُنْجَزَ؟ فوَالذي حَبانا بمحبّتِكَ. وجعلَنا منْ صفْوَةِ أحِبّتِكَ. ما نألوكَ نُصْحاً. ولا ندّخِرُ عنْكَ نَضْحاً. فقال: جُزيتُمْ خيراً. ووُقيتُمْ ضَيراً. فإنّكُمْ ممّنْ لا يَشْقى بهِمْ جَليسٌ. ولا يصدُرُ عنهُمْ تلْبيسٌ. ولا يُخيَّبُ فيهِمْ مَظنونٌ. ولا يُطْوى دونَهُمْ مكْنونٌ. وسأبُثّكمْ ما حاكَ في صدْري. وأستَفْتيكُمْ في ما عيلَ فيهِ صبْري. اعْلَموا أني كُنتُ عندَ صُلودِ الزّنْدِ. وصُدودِ الجَدّ. أخْلَصْتُ معَ اللهِ نِيّةَ العقْدِ. وأعطَيتُهُ صَفقَةَ العهْدِ. على أنْ لا أسْبأ مُداماً. ولا أُعاقِرَ

стр. 520

نَدامَي. ولا أحْتَسيَ قهوَةً. ولا أكْتَسيَ نشْوَةً. فسوّلَتْ ليَ النّفسُ المُضِلّةُ. والشّهوَةُ المُذلّةُ المُزِلةُ. أنْ نادَمْتُ الأبْطالَ. وعاطَيتُ الأرْطالَ. وأضَعْتُ الوَقارَ. وارتضَعْتُ العُقارَ. وامتطَيْتُ مَطا الكُمَيتِ. وتناسيْتُ التّوبَةَ تَناسيَ الميْتِ. ثمّ لمْ أقْنَعْ بهاتِيكُمُ المَرّةِ. في طاعَةِ أبي مُرّةَ. حتى عكفْتُ على الخَندَريسِ. في يومِ الخَميسِ. وبتُّ صَريعَ الصّهْباء. في اللّيلَةِ الغرّاء. وها أنا بادي الكآبَةِ. لرَفْضِ الإنابَةِ. نامي النّدامَةِ. لوصْلِ المُدامَةِ. شديدُ الإشْفاقِ. منْ نقْضِ الميثاقِ. مُعتَرِفٌ بالإسْرافِ. في عَبّ السُّلافِ: فيَا قوْمِ هلْ كَفّارَةٌ تعْرِفونَها ... تُباعِدُ منْ ذَنْبي وتُدني الى ربّي

стр. 521

قال أبو زيد: فلمّا حلّ أُنشوطَةَ نفْثِهِ. وقَضى الوَطَرَ منِ اشتِكاء بثّهِ. ناجَتْني نفْسي يا أبا زيْدٍ. هذهِ نُهزَةُ صيْدٍ. فشمّرْ عن يدٍ وأيْدٍ. فانتهَضْتُ منْ مَجْثِمي انتِهاضَ الشّهْمِ. وانخرَطْتُ منَ الصّفّ انخِراطَ السّهْمِ. وقُلتُ: أيها الأرْوَعُ الذي ... فاقَ مجْداً وسؤدُدا والذي يبْتَغي الرّشا ... دَ ليَنجو بهِ غَدا إنّ عندي عِلاجَ ما ... بِتَّ منهُ مسَهَّدا فاستَمِعْها عجيبةً ... غادرَتْني مُلَدَّدا أنا منْ ساكِني سَرو ... جَ ذَوي الدّينِ والهُدى كنتُ ذا ثرْوَةٍ بها ... ومُطاعاً مُسَوَّدا مرْبَعي مألَفُ الضّيو ... فِ ومالي لهُمْ سُدَى أشتَري الحمْدَ باللُّهى ... وأقي العِرْضَ بالجَدا

стр. 522

لا أُبالي بمُنفِسٍ ... طاحَ في البَذْلِ والنّدى أوقِدُ النارَ باليَفا ... عِ إذا النِّكسُ أخْمَدا وبَراني المؤمِّلو ... نَ مَلاذاً ومَقْصِدا لمْ يشِمْ بارِقي صَدٍ ... فانْثَنى يشْتَكي الصّدَى لا ولا رامَ قابِسٌ ... قدْحَ زَندي فأصْلَدا طالَما ساعَدَ الزّما ... نُ فأصْبَحْتُ مُسْعَدا فقَضى اللهُ أنْ يُغيّ ... رَ ما كانَ عَوّدا بوّأ الرّومَ أرْضَنا ... بعْدَ ضِغْنٍ تولَّدا فاسْتباحوا حريمَ مَنْ ... صادَفوهُ موَحِّدا وحوَوْا كلَّ ما استس ... رّ بها لي وما بدا

стр. 523

فتطوّحْتُ في البِلا ... دِ طَريداً مُشرَّدا أجْتَدي الناسَ بعْدَما ... كُنتُ من قَبْلُ مُجْتَدى وتُرى بي خَصاصَةٌ ... أتَمنّى لها الرّدى والبَلاءُ الذي بهِ ... شمْلٌ أُنسي تبَدّدا إسْتِباءُ ابْنَتي التي ... أسَروها لتُفْتَدى فاسْتَبِنْ مِحنَتي وم ... دّ الى نُصْرَتي يَدا وأجِرْني منَ الزّما ... نِ فقدْ جارَ واعْتَدى وأعِنّي على فَكا ... كِ ابْنَتي منْ يدِ العِدَى فبِذا تَنْمَحي المآ ... ثِمُ عمّنْ تمرّدا وبِهِ تُقبَلُ الإنا ... بَةُ ممّنْ تزَهّدا وهْوَ كفّارَةٌ لمَنْ ... زاغَ منْ بعْدِ ما اهْتَدى

стр. 524

ولَئِنْ قُمتُ مُنشِداً ... فلقَدْ فُهْتُ مُرشِدا فاقْبَلِ النُصْحَ والهِدا ... يَةَ واشْكُرْ لمَنْ هَدى واسمَحِ الآنَ بالّذي ... يتسنّى لتُحْمَدا قال أبو زيدٍ: فلمّا أتْمَمْتُ هذْرَمَتي. وأُوهِمَ المسؤولُ صِدْقَ كلِمَتي. أغْراهُ القرَمُ الى الكرَمِ بمؤاساتي. ورغّبَهُ الكلَفُ بحمْلِ الكُلَفِ في مُقاساتي. فرضَخَ لي على الحافِرَةِ. ونضَخَ لي بالعِدَةِ الوافِرَةِ. فانقلَبْتُ الى وَكْري. فرِحاً بنُجْحِ مَكْري. وقد حصلْتُ منْ صوْغِ المَكيدةِ. على سوْغِ الثّريدَةِ. ووصلْتُ منْ حوْكِ القَصيدَةِ. الى لوْكِ العَصيدَةِ. قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فقلتُ لهُ سُبحانَ منْ أبدعَكَ. فما أعْظمَ خُدَعَكَ. وأخْبَثَ بدَعَكَ!

стр. 525

فاستَغْرَبَ في الضّحِك. ثمّ أنشدَ غيرَ مُرتَبِكٍ: عِشْ بالخِداعِ فأنتَ في ... دهْرٍ بَنوهُ كأُسْدِ بِيشَهْ وأدِرْ قَناةَ المَكْرِ حت ... ى تسْتَديرَ رَحى المَعيشَهْ وصِدِ النّسورَ فإنْ تعذ ... رَ صيدُها فاقْنَعْ بريشَهْ واجْنِ الثّمارَ فإنْ تفُتْ ... كَ فرَضّ نفسَكَ بالحشيشَهْ وأرِحْ فؤادَكَ إنْ نَبا ... دهْرٌ منَ الفِكَرِ المُطيشَهْ فتغايُرُ الأحْداثِ يؤ ... ذِنُ باستِحالَةِ كُلّ عيشَهْ المقامة السّاسانيّة حكى الحارثُ بنُ همّامٍ قال: بلَغني أنّ أبا زيدٍ حينَ ناهزَ القَبْضَةَ. وابتَزّهُ قيدُ الهرَمِ النّهْضَةَ. أحضرَ ابنَهُ. بعْدَما اسْتَجاشَ ذِهنَهُ. وقال لهُ: يا بُنيّ إنهُ قد دنَا ارتِحالي منَ الفِناء. واكتِحالي بمِروَدِ الفَناء. وأنتَ بحمْدِ اللهِ وليُّ عهْدي. وكبْشُ الكَتيبَةِ

стр. 526

السّاسانيّة منْ بعْدي. ومثلُكَ لا تُقرَعُ لهُ العَصا. ولا يُنَبَّهُ بطَرْقِ الحصَى. ولكِنْ قد نُدِبَ الى الإذْكارِ. وجُعِلَ صيْقَلاً للأفكارِ. وإني أُوصيكَ بما لمْ يوصِ بهِ شيثٌ الأنْباطَ. ولا يعْقوبُ الأسْباطَ. فاحفَظْ وصيّتي. وجانِبْ معْصِيتي. واحْذُ مِثالي. وافْقَهْ أمْثالي. فإنّكَ إنِ استَرشدْتَ بنُصْحي. واستَصْبَحْتَ بصُبْحي. أمْرَعَ خانُكَ.

стр. 527

وارتفَعَ دُخانُكَ. وإنْ تناسَيْتَ سُورَتي. ونبذْتَ مَشورَتي. قَلّ رمادُ أثافيكَ. وزَهِدَ أهلُكَ ورهْطُكَ فيكَ. يا بُنيّ إني جرّبْتُ حقائِقَ الأمورِ. وبلَوْتُ تصاريفَ الدّهورِ. فرأيْتُ المرْءَ بنَشَبِهِ. لا بنَسَبِهِ. والفحْصَ عن مكسَبِهِ. لا عنْ حسَبِهِ. وكُنتُ سمِعْتُ أنّ المَعايِشَ إمارَةٌ. وتجارَةٌ. وزِراعَةٌ. وصناعَةٌ. فمارَسْتُ هذِهِ الأرْبَعَ. لأنظُرَ أيّها أوفقُ وأنفَعُ. فما أحْمَدْتُ منها معيشَةً. ولا استرْغَدْتُ فيها عِيشَةً. أما فرَصُ الوِلاياتِ. وخُلَسُ الإماراتِ. فكأضْغاثِ الأحْلامِ. والفَيْءِ المُنتَسِخِ بالظّلامِ. وناهيكَ غُصّةً بمَرارَةِ الفِطامِ.

стр. 528

وأما بضائِعُ التّجاراتِ. فعُرْضَةٌ للمُخاطَراتِ. وطُعمَةٌ للغاراتِ. وما أشبَهَها بالطّيورِ الطّيّاراتِ. وأما اتّخاذُ الضِّياعِ. والتّصدّي للازدِراعِ. فمنْهَكَةٌ للأعْراضِ. وقُيودٌ عائِقَةٌ عنِ الارْتِكاضِ. وقلّما خَلا ربُّها عنْ إذْلالٍ. أو رُزِقَ رَوْحُ بالٍ. وأما حِرَفُ أولي الصناعاتِ. فغيْرُ فاضِلَةٍ عنِ الأقْواتِ. ولا نافِقَةٍ في جَميعِ الأوْقاتِ. ومُعظَمُها معْصوبٌ بشَبيبَةِ الحَياةِ. ولمْ أرَ ما هوَ بارِدُ المَغنَمِ. لَذيذُ المطعَمِ. وافي المَكْسَبِ. صافي المَشرَبِ. إلا الحِرفَةَ التي وضعَ ساسنُ أساسَها. ونوّعَ أجْناسَها. وأضْرَمَ في الخافِقَيْنِ نارَها. وأوضَحَ لبَني غَبْراءَ مَنارَها. فشَهِدْتُ وقائِعَها مُعْلِماً. واخترْتُ سِيماها لي مِيسَماً. إذْ كانَتِ المَتْجَرَ الذي لا يَبورُ.

стр. 529

والمنهَلَ الذي لا يغورُ. والمِصْباحَ الذي يعْشو إلَيْهِ الجُمهورُ. ويستصْبِحُ بهِ العُمْيُ والعورُ. وكانَ أهلُها أعَزّ قَبيلٍ. وأسعَدَ جيلٍ. لا يَرْهَقُهُمْ مسُّ حيْفٍ. ولا يُقلِقُهُمْ سَلُّ سيْفٍ. ولا يخْشَوْنَ حُمَةَ لاسِعٍ. ولا يَدينونُ لدانٍ ولا شاسِعٍ. ولا يرْهَبونَ ممّنْ برَقَ ورعَدَ. ولا يحفِلونَ بمَنْ قامَ وقعَدَ. أنديَتُهُمْ منزّهَةٌ. وقُلوبُهُمْ مرفّهَةٌ. وطُعَمُهُمْ مُعجَّلَةٌ. وأوقاتُهُمْ محَجّلَةٌ. أيْنما سقَطوا. لقَطوا. وحيثُما انخرَطوا. خرَطوا. لا يتّخذونَ أوْطاناً. ولا يتّقونَ سُلطاناً. ولا يمْتازونَ عمّا تغْدو خِماصاً. وتَروحُ بِطاناً. فقالَ لهُ ابنُهُ: يا أبَتِ لقدْ صدَقْتَ. في ما نطَقْتَ. ولكنّك رتَقْتَ. وما فتَقْتَ. فبيّنْ لي كيفَ أقتَطِفُ. ومنْ أينَ تؤكَلُ الكتِفُ؟ فقال: يا بُنيّ

стр. 530

إنّ الارتِكاضَ بابُها. والنّشاطَ جِلبابُها. والفِطنَةَ مِصباحُها. والقِحَةَ سلاحُها. فكُنْ أجْوَلَ منْ قُطرُبٍ. وأسرى من جُندُبٍ. وأنشَطَ من ظَبْيٍ مُقمِرٍ. وأسلَطَ من ذِئْبٍ متنمِّرٍ. واقْدَحْ زَنْدَ جدّكَ بجِدّكَ. واقْرَعْ بابَ رعْيِكَ بسعْيِكَ. وجُبْ كُلّ فجّ. ولِجْ كلّ لُجّ. وانتَجِعْ كلّ روْض. وألْقِ دلْوَكَ الى كُلّ حوْضٍ. ولا تسْأمِ الطّلَبَ. ولا تمَلّ الدأَبَ. فقدْ كانَ مكتوباً على عَصا شيْخِنا ساسانَ: منْ طلبَ. جلبَ. ومنْ جالَ. نالَ.
следующие страницы →