Полный текст (242 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
حسّادٌ وأعادي. فروَيدكَ بعضَ هذا الحِرْصِ الشديدْ على تشييدِ الِبنَاءِ الجديدْ. ولا يصُدَّنكَ إبارُ
стр. 37
السُّحُقِ الجبّار عنِ التّبتُّلِ إلى الملكِ الجبّار وإيّاكَ والكلَفَ ببيضاتٍ الخُدور وقسماتهِنَّ المشبهةِ بالبُدورْ
стр. 38
وأنْ تعلِّقَ همّتك بأعلاقِ الأموالْ والاستيثاقِ منها بالأبوابِ والأقفالْ. واستنظِرْ نفسَكَ إن تقاضَتك إيثارَ الملاهي. واستمهلِها إن طالبتكَ بارتكابِ المنَاهي، إلى أن يتفضَّلَ عليكَ ذُو الطولِ والمنّةِ. بالوصولِ إلى دارِ الجنّة.
مقامة التسليم
جديدانِ يَبْلى بتناسُخِهما كلُّ جديد. ويكلُّ على تعاقبِهما كلُّ حديدْ. وطلوعُ شمسٍ وغروبُ شمسْ. يطّرحانِ كلَّ إنسي تحتَ الرَّمْس. وما الدَّهرُ إلا أمسٌ ويومٌ وغدْ.
стр. 39
وما العيشُ إلا ضَنْكٌ ورغَدْ. وأيُهما قُيَّضَ لإنسانْ. فقد وُكِّلَ بإزالتهِ مرُّ الزمانُ. فَذُو اللبِّ منْ جعلَ لذاتهِ كأوصابهْ وسوَّى بينَ حالَتيْ عُرسهِ ومُصابهِ. ولمْ يفصلْ بينَ طعْمَيْ أريهِ وصابهِ فإذا اعتوَرَهُ النعيمُ والبُوس
стр. 40
لمْ يعتقَبْ عليهِ التهلُّلُ والعُبوسْ. ذاكَ لأنهُ مسلِّمٌ لمجتلبِ القضا عالمٌ أنَّ كل ذلكَ إلى انقِضا. والذي بينَ دفّيه قلبٌ هَواءْ قد تياسرتَهُ الشهواتُ والأهواءٌ. لا استبصارَ يزَعهُ. ولا رويةَ تردَعُهْ. لا يعرِفُ الغناثةَ والسِّمنَ إلا في بدنهِ وماشيتهِ. ولا يفطنُ للقلةِ والكثرةِ إلا في ضبنتهِ وحاشيتهْ. لا يعبأ بدينهِ أغَثٌ هوَ أم سمينٌ. بل هوَ بالغثاثةِ قمينْ. ولا يكترِثُ بخيرهِ أقليلٌ هو أمْ كثيرْ. بل هوَ بالقّلةِ جديرْ. ولا يرى النقصانَ إلا ما وقعَ في مالهِ
стр. 41
ولا يُبالي به في سيرهِ وأعمالهِ. قدْ رانَ على قلبهِ حُبُّ الدنيا رَينا. وزانهُ الشيطانُ في عينهِ زينا فذاكَ إن نزَلَ بهِ بعضُ اللأواءْ رُزِءَ فيهِ أيضاً بمثوبةِ العَزاءْ ولا يدري أنَّ الرُّزء بالثوابِ أطَمْ. وإنْ سالَ بهِ البحرُ الغِطمْ.
стр. 42
رُزْءُ الفَتى بثوابهِ لعزائهِ ... يُنْسي الشديدَ الصَّعبَ منْ أرزائهِ.
ليسَ الفتى إلا فتىً إن نابهُ ... عزَّاءُ دهرٍ عَزَّ في عزَّائهِ.
والعِزُّ أن يلوي على الصَّبرِ الّذي ... يمشي ثوابُ الله تحتَ لوِائهِ.
مقامة الصمت
يا أبا القاسم زعمتَ أنّكَ ما ألممْتَ بمعاطاةِ كأسِ
стр. 43
العُقار لا في أوقاتِ الطّيشِ ولا إذ لبستَ ثوبَ الوَقار. وإنَّ حُمَيّاها لمْ تطرِ في هامتكِ. ولا دبّتْ في مفاصلِكِ. ولم تقفْ على حقيقةِ أثرِها وعملِها. ولا عرفْتَ ما معنى نشوتَهِا وثملِها. وأنّكَ منَ المصونينَ عمّا يُدنُّيها ويُدْني منها. والآمنينَ أنْ تُسألُ يومَ العرضِ أعمالُكَ عنها. إيهاً وإن
стр. 44
صدرَتْ زعمتُكْ عنْ مصدوقَه وكانتْ كلمتُك محضةً غيرَ ممذوقه. فغيبةُ الأخِ المسلمِ من تعاطي الكأسِ أحرَمْ. والإمساكُ عنْ عرضهِ من تركِ المُعاقرةِ ألزَمْ إنَّ المُغتابَ فضَّ الله فمَه. يأكلُ لحمَ المُغتابِ ويشربُ دمَهُ. وذاكَ لعَمرُ الله شرٌ من شرْبِ ماءِ الكَرْمِ. وأغمسُ لصاحبِها في غِمارِ الإثمِ والجُرْم. فاسجُنْ يا أبا القاسم لسانَك. وأطبقْ عليهِ شفتيكَ وأسنانك. ثمَّ لا تُطلقْ عنهُ إلا ما ترى النطقَ منَ الصمتِ أفضلْ. وإلى رِضى اللهِ وما يُزْلفُ إليهِ أوصلَ. وإلا فكنْ كأنّكَ أخرَسْ. واحذْر لِسانكَ فإنّهٌ ُ سبعٌ أو أفرَسْ. حسبُكَ ما أورَدَكَ إيّاهُ من المواردِ. وما صَبَّ في الأعراضِ منَ
стр. 45
الصَّوارِدْ.
شعر:
ألا رُبَّ عبدٍ كفَّ أذيالَهُ ولَمْ ... يكُفَّ عنِ الجارِ القريبِ أذاتَهُ.
رطيبٌ بثَلبِ المسلمينَ لِسانهُ ... وإنْ كانَ لَمْ يَبلل براحٍ لَهاتَهُ.
ويرجو نجاةً منْ تَوجُّهِ سخطةٍ ... عَليهِ وكلا أعَزَّ نجاتَهُ.
مقامة الطاعة
يا أبا القاسم تبتلْ إلى اللهِ وخَلِّ ذكرَ الخصرِ المَبتلْ ورتّل القرآنَ وعَدِّ عنْ صفةِ الثغرِ المرَتل. أدِرْ عينيكَ في وجوهِ الصَّلاحِ لتعلقَ أصلحَها. لا في وجوهِ الملاحِ لتعشقَ
стр. 46
أصبحها. وابكِ على ما مضى في غيرِ طاعةِ اللهِ من شبابكَ. ودَعِ البكاءَ على الظاعنينَ منْ أحبابِك. وعليكَ بآثارِ منَ قبلكَ ممّن تعزَّزَ بالبُروجِ المشيدَة واعتصمَ بالصُّروحِ الممرَّدة. وتجبرَ في القصورِ المنجدَة. ثمَّ خرجَ من الدُّنيا راغِماً لم يُنجه منَ الإذعان لمذلّة الخروج. تّعززهُ بالبروج. ولمْ ينقذه من قابض الروح. اعتصامه بالصروح ولم يخلِّصْهُ
стр. 47
من الاستكانة في القبور. تجبرُهُ في القصور. قف على
стр. 48
أطلالها بالتّأوه والاستعبارْ ولا يكونَنَّ تأوٌّهُك واستعبارُكَ إلاَّ للتذكر والاعتبار. ولا تستوقف الركبَ في أوطان سلمَى ومنازل سُعدىَ مُقترِحاً عليهم أن يُساعدوكَ بالقلوبِ والعُيون. ويساعفوك ببذلِ ذخائرِ الشؤون. متردِّداً في العِراصِ والملاعبْ. متلدِّداً في مساحبِ أذيالِ الكواعبْ. تقولُ أينَ أيامُنا بحزُوى ومَن لنا بليالي العقيقِ واللِّوى. حسبُكَ ما أوضعتَ من مطايا الجهلِ في سبُلِ الهوى. وما سيرَتْ من ركابِ الضَّلالِ في ثنيّاتِ الصبا. مالكَ لا تحُلُّ عنها أحمالَك. ولا تحُطُّ عنْ ظُهورِها أثقالَك. ألقِ حِبالها على غَواربها. واضرِبْ في وُجوهِهِا تطرْ إلى مساربها.
стр. 49
وأدإبْ نفسَكَ في سُبُلِ اللهِ فطالما أرحتَها على مضاجعِ الشيطان. وأحمضِها فقد حانَ لها أن تْسأمَ من خُلةِ العِصيان.
مقامة المنذر
يا أبا القاسم فيئتُك إلى اللهِ من صُنعه وفضلهِ الغامر. فهنيئاً مريئاً غيرَ داءٍ مخامر. لقد رآكَ عن سواءِ المنهج
стр. 50
زائغاً وعنْ مَنْ يحوشُك على الحقِ الأبلجِ رائغاً هائماً على وجهِكَ راكباً رأسكْ راكضاً في تيهِ الغَيّ رواحلِكَ وأفراسَك. بطّالاً مُبطلاً قد أصرَرْتَ إصراراً. وإن أعلنَ لك النّاصحُ أو أسرُّ إسراراً. تنقضي عنكَ شهورُ سنتكِ. وأنتَ
стр. 51
غارِزٌ رأسكَ في سِنتكْ. لا تشعرُ بإنصافٍ لهنَّ ولا سرار، ولا تحس أتحتَ أهِلّةٍ أنتَ أمْ أقمار. تستن في الباطلِ استنان المُهرِ الأرِن ما كل رائضٍ لشماسِكَ بمقرِنْ. فرماكَ عرَنُ قدرتهِ بسهمٍ منْ سهامهِ ليقفَك وعضَّكَ بمغمزٍ من بلائهِ ليثقّفك ومسّكَ بضُرٍ أن
стр. 52
عَرَّى عظامكَ وأنحفَك. فأيَّ دثارٍ من صحةِ اليقينِ ألحفَك. كذلك الدَّواءُ الإلهي النافع. والشفاءُ السماوي النّاجع. فيما وسع كل شيءٍ من رحمتهِ.
ولا يُعدُّ ولا يحصى من نعمتهِ. لئنْ ظللتَ أيامَ الغابرِ من عمركَ صائماً. وبتَّ لياليهُ قائماً لتشكرَ ما أطلقَ لكَ من هذهِ اليدِ البيضاءُ. وخوَّلكَ منْ هذهِ النعمةِ الخضراءِ لبقيتَ تحتَ قطرةٍ من بحرِها غريقاً في التيّار وتحتَ حصاةٍ من طَودِها مرضوضَ الفقار.
أصحّكَ بالعلُّةِ المُضنيةِ ... قضاءٌ تُرَدُّ له الأقضية.
فسُبحانَ مَنْ جعلَ الدَّاءَ في ... تماديهِ أشفى مِنَ الأدويةْ.
ألا إنها نعمةٌ لو جرَتْ ... لسَالتْ بأيسرِها أودية.
стр. 53
مقامة الاستقامة
يا أبا القاسم نُصبتُ لك غايةٌ فتجشّم في ابتدارِها النصبْ وأحرِز قبلَ أن يُحرزَ غيرك القصَبْ. املأ فَروج دابّتك منَ الإحضار حتى تحسرَ عنكَ أعينُ النظّار منْ طلبَ الخيرَ لمْ تحمدْ هويناهُ
стр. 54
وأناتهُ. ومنْ قارعَ الباطلَ وجبَ أن تصلبَ قناته قبيحٌ بمثلك أن يحيدَ عن الحقِّ ويصيف. ويطيشَ سهمهُ عنِ القرطاسِ ويحيف إمضِ على ما جرَّدْتَ من عزيمتكَ الجادَّة. واستقِم على مفرقِ المنهاجِ ووضحِ الجادَّة فلن يُحلَّ دارَ الُمقامة. إلا أهلُ الاستقامة. وإنَّ بهاءَ العملِ الصالحِ أن يطّرِدَ ويستمرْ. وهجينتهُ أن تنزوَ إليه نزوةَ طامحٍ ثمَّ تستعِرْ. الإعصارُ عصفتهُ خفيفة والسحابةُ الصيفيةُ مطرتها طفيفة. فأعيذُكَ باللهِ أن تشبهَ عزمتُكَ عصفةَ الإعصارِ في سرعةِ مُرورِها. وفيئتْكَ سحابةَ الصيفِ في قلّةِ دُرورِها ليكنْ عملُكَ ديمة فليسَ للعملِ الأبترِ
стр. 55
قيمة. الأمرُ جدٌ فلا تزدهُ كلَّ يومٍ إلا جِدا واشدُدْ يديكَ بغرزِهِ شداً واكدُدْ فيهِ الطاقةَ كدَّاً ورُض نفسَكَ فإنها صعبةٌ أبيّة. وألنْ هذهِ الشّكيمة والعُبيِّة إلا في إحياءِ حقٍ أو إماتةِ باطلٍ فعلى المؤمنِ أن يوجدَ فيها أشدَّ من الشديد. وأقسى من الحجرِ وأصلبَ من الحديدْ.
مقامة الطيب
يا أبا القاسم تمنَّ على فضلِ اللهِ أن يجعلَ سُقياك من زُلالِ المشرب. ورزقكَ من حلالِ المُكتسبِ. فالطّيبُ لا يرِدُ إلا الطّيب منَ المناهل. والكريمُ لَّا يريد إلاَّ الكريمَ
стр. 56
منَ المآكل. والحرُّ عَزوفُُ عَروف لمواردِ السوءِ عَيوف. يربأ بنفسهِ عنِ استحبابِ الرِيَّ الفاضح. على احتمال الظمأ الفادح. ويستنكفُ أن يكونَ الحرامُ عندهُ أثيراً. إذا لم يجدِ الحلالَ كثيراً. فهوَ وإن بقيَ حَراَّنَ ينضنضُ لسانَهُ ويلهثْ
стр. 57
وشارفَ أن يقضيَ عليهِ الإقواءُ والغرَث. يتعاظمهُ بَلُّ الغليلِ بماءٍ طرْقْ. ويطولُ عليهِ مد اليدِ إلى ما ليسَ بطلقَ ألا إنَّ اتقّاءَ المحارمْ. من أجلِ المكارم. فاتقّها إمّا لكرَمِ الغريزة. وحميّةِ النفسِ العزيزة. وإمّا للتوقُفِ عندَ حدودِ الشارع. وتخوُّف ِالزواجرِ والقوارعْ. وأيّةً سلكْتَ. فنفسكَ في السُّعداءِ سلكتْ وعلى أيهما وقعت فقد دفعت. إلى جنبٍ طيّب.
стр. 58
وسراة وادٍ مخصب. ينبتُ لكَ من الثّناءِ الدَّوحَ الأعلى ويخرجُ لكَ من الثّوابِ الثمَرَ الأحلى. وإنْ ظاهرتَ بينَ الأمرينِ مظاهرةَ الدارعْ. وكما تكونُ بزَّةُ البطلِ المقارع فجعلتَ شعارَكَ الإباءَ والحميةِ. ودِثارَكَ التقيّة الإسلامية. وذلكَ هو المظنونُ بأشباهكَ من أُولي الشهامةِ والحزمْ. وأضرابكَ من ذوي الجدّ والعزْم فأهلاً بمن اختارَ الخيرَ من قواصيهِ وأطرافهِ. وقبضَ بكفيّهِ من نواصيهِ وأعرافهِ.
محارِمُ تبتغى منها التقيّهْ ... فظاهرْ بينَ دينكَ والحميّه.
هما درعانِ مَن يلبَسهما لمْ ... يكنْ للنّابلِ المصمي رميّه.
وليسَ يَقي ركوبَ الشرِّ إلا ... حذارُ النارِ أو خوفُ الدَّنيّه.
ولما قلَّ في الناسِ التّوقيّ ... تهافتَ في محارمِها البريّه.
стр. 59
مقامة القناعة
يا أبا القاسم اقنعْ من القناعةِ لا من القنوع. تستغنِ عن كلِّ مِعطاءٍ ومنوعْ. لا تخلق أديمَ وجهِكَ إلا عندَ مَن خلقهُ وخلقَك. ولا تسترزق إلا مَن رزقهُ وإن شاءَ رزَقَك. القناعةُ مملكةٌ تحتَها كل مملكة. مملكةٌ لا سبيلَ
стр. 60
عليها لمهلكَه. لا يتوقّعُ صاحبُها أن يفتقرَ بعدَ غُنيته. ولا يقعُ النفادُ في كنزهِ وقنيتهِ. ثمَّ إنّه معَ أنَّ يسارَهُ لا يفضلهُ يسار. ولا يضبطُ حُسبان ما يملكُ يمينٌ ولا يسار. أخفّ الناس ِشغلاً ومؤَونة. وأغناهم من إرفادٍ ومعونة. لا يهمهُ مكيلٌ ولا موزونْ. ولا يعنيهِ مدَّخرٌ ولا مخزون. مفاتحُهُ لا تنوءُ بالعصبةِ أولي القوَّة على أنَّه أوفرُ من قارونَ سعةً وثروة من قنعَ بالنّزرِ اليسيرِ أيسر. ومَن حَرصَ على الجمِّ الغفيرِ أعسر. إنَّ القانعْ أصابَ كلَّ ما أرادَ وزاد. ولن تجدَ حريصاً يبلغُ المراد. الحريصُ وإن استمرءَ المطعمْ. لا يترُكُ أن يطلبَ
стр. 61
الأنعمَ فالأنعم وإن استسرى اللَّباس واستفرَهَ الأفراسْ. وجدتهُ أحرَصَ وأشرَهْ. على أسرى وأفره. يوغرُ أبداً أن يُنعموا لهُ المهاد. ويقولُ خشنٌ يورثُ السهاد. حتى إذا بلغَ كلَّ مبلغٍ في التوطئةِ والإنعامْ وكُسيَ بشكيرِ السمور وزِفِ النّعام. دعتهُ نفسهُ إلى تمنّي بيوتةٍ أهنأ مهجَعاً. وأوطأ مضجَعاً. وإنِ اجتلى أنَورَ من القمرِ عضَّ على الخمس. وقال هلا كانَ أضوءَ من الشّمس. شقيٌ تصَبُّ
стр. 62
إلى كلِّ مُشتهىً لهَاتُه. وتضِبُّ لكلِّ مُتمنّىً لثاتُه. فليسَ لهُ إذَن حدٌّ ينتهي إلى مطلبهِ. ولا أمدٌ يتوقّفُ وراءَ مرغبِه. فأمّا القانعُ فقد قدَّرَ مبلغَ حاجتهِ وبيّنَه. ومثّلَ مقدارَ إربهِ وعيّنه. وذاكَ رثٌّ يُواري سْوأتَه. وغَثٌّ يُطفئُ سورتَه.
стр. 63
فإذا ظفِرَ بذلكَ فقد حازَ النّعيم بحذافيرهِ. وأصبح أثَرى من النُّعمانِ بعصافيرهِ.
مقامة التوقي
يا أبا القاسم لا تقولَنَّ لشيءٍ من سّيئاتكَ حقير. فلعلّهُ عندَ
стр. 64
اللهِ نخلةٌ وعندَكَ نقير. ورَوّ في جلالةِ قدرِ النّاهي وكبرِه. ولا تنظرْ إلى دقّةِ شأنِ المنهيّ عنهُ وصغرِه فإنَّ الأشياءَ تتفاضلُ بتفاضُلِ عناصرِها. وإنَّ الأوامرَ والنّواهي تجلُّ وتدِق بحسبِ مصادرِها. لا تُسمّ الهَنةَ من الخطيّةِ هنَهْ. فإنَّ ذمتّكَ باجتنائها مُرتهنة. وتذكرّ حسابَ اللهِ وموازينهُ المعدَّلة. والنّقاشَ في مثقالِ الذرَّةِ ووزنِ الخردَله. واستعظِمْ أن تنفلِتَ عن مُلتقى أجفانكَ لحظة. أو تفرُط من عذبةِ لسانك
стр. 65
لفظَه. أو تخالجَ من ضميرِكَ خطرة. أو تتصلَ بقدمكَ خطوة. ولحظتُكَ بمُقلةِ مُريب. ولفظتُكَ لا عن لهجةِ أريب. وخطرَتُك فكرٌ في خلافِ سدَدْ وخطوتُكَ مشيٌ على غيرِ جدَدَ. فقد علمتَ أنّكَ مأمورٌ بالغضّ من البصر. وحذفِ فضولِ النظر. وبأنْ تجعلَ الصمتَ من ديدنِكَ ودينك. إذا لم يعنِكَ المنطِقُ في دُنياكَ ودينك. وأن لا تُديرَ في خلدٍ ولا تُخطرَ ببال إلا كُلَّ أمرٍ ذي خطرٍ
стр. 66
وبال. وأن لا تَنقُلَ قدمكَ إلا إلى مشهدِ خيرٍ يحمدُ عناؤك فيه. أو إلى موطنِ شرٍّ تُخمدُ ضرامهُ وتُطفيه فراقبِ اللهَ عندَ فتحِ جفنكَ وإطباقه. وإمساكِ نظرِكَ وإطلاقه. وأمام تكلمكَ وصمتك. وما تَرفعُ وتخفضُ من صوتكَ. وبينَ يديْ نسيانكَ وذكرِك. وما تجيلُ من رويّتكَ وفكرِك. ودونَ تقديمِ قدمكَ وتأخيرِها. وتطويلِ خُطاكَ وتقصيرِها
стр. 67
وحاوِلْ أن يقعَ جميعُ ذلكَ متّصفاً بالسّدادِ ومتّجهاً بالصَّواب. بعيداً من المؤاخذةِ قريباً من الثواب.
مقامة الظلف
يا أبا القاسم ليتَ شعري أينَ يذهبُ بك. عنْ ثمراتِ علمك وأدبك. ضلّةٌ لمنْ رضيَ من ثمرةِ علمه. بأنْ يُشادَ
стр. 68
بذكرِهِ وينوَّهَ باسمه. ولمن قنعَ من ريعِ أدبه بأن يصلَ من الدنيا إلى أربه وأفٍ لمنْ حسبَهُما للتّكسبِ والمُباهاةِ متعلّمَينْ. ونصَبَهُما إلى أبوابِ الملوكِ سُلّمَينْ. فإن اتّفقتْ لهُ إلى أحدِ هؤلاءِ زُلفة. والتأمَتْ بينهُ وبينَ خدمهِ ألفه. وقيلَ أهَبَّ المَلكُ لفُلان قبولَ قبولهِ رُخاءْ وأرّخى لهُ عَزَالى سحابهِ إرْخاء.
стр. 69
وقُصارى ذاكَ أنّهُ يُصيبهُ بنفحةٍ منَ السحتْ. ورضخةٍ منَ الحرامِ البحْتْ. هَزَّ مِنْ عطفهِ ونشِط. وكُشفَ غطاءُ الهمِّ وكُشط. واسُتطيرَ فَرحاً وازدُهي ورَمحَ أذيالهُ وزُهي. وما شئتَ من اغتباطٍ معَ نحَوهْ. وطرَبات من غيرِ نشْوَة. وكادَ يُبارى كُبَيْدات السّماءْ. ويناطِحُ هامَةَ الجوزاءْ. وأقبلَ على
стр. 70
العلمِ يبوسُ الأرضَ بينَ يديهِ. وعلى الأدبِ يعتنقهُ ويلثمُ خدّيه، بعدما كانَ يتطيرُ منهما ويسمّي التشاغلَ بهما حرماناً وحُرْفة. ويتمنّى الجهلَ والنقصَ ويحسبُهُما سببيَ النعيمِ والتٌّرفه. يقولُ بملءِ فيهِ بارَكَ اللهُ في العلمِ والأدبِ. هما خيرٌ من كنوزِ الفضةِ والذهبْ. ما أنا لولاهُما والأخذُ بذؤابةِ الشرفِ الأفرعْ. والقبضُ على هاديهِ هذا الفخرِ الأتلع. ومالي
стр. 71
ولمساورةِ هذا العزِّ الأقعس. ومشاورةِ هذا الملكِ الأشوس. ومَن لي بهذا الرِّزقِ الواسعِ النّطاق. المُحلِّق على قممِ الأرزاق. واللهِ ما كان ذلكَ الاتفاقُ السماوي والإلهامُ الإلهيُّ إلا خيرةً وبركة. وما زالت البرَكةُ في الحركة. لقد صحَّ قولُهمْ والحركةُ ولُودٌ والسكونُ عاقِرْ. وإلا فمِنْ أينَ تنزاحُ تلكَ المفاقر. يمينَ اللهِ لو لزمتُ جُثومي واعتزالي. لحرِمتُ صوبَ هذهِ العزالي. هَبلَتْ الهَبول. من لمَ تهُبَّ لهُ هذهِ القَبول. وما يدريكَ ما شقيَ لعلَّ الاعتباط أنجى من ذلكَ الاغتباط. ونشطَةَ
стр. 72
الأراقمِ أرجى من ذلكَ النّشاط وأنْ ترزقَ في ثُغرتكَ بالمزارق. خيرٌ من أن تُرزقَ مثلَ تلكَ الأرزاق. مَن حمَلَ العلمَ والأدبَ لمثلِ هذهِ الثّمار. فقد حملَ منهُما أثقالاً على ظهرِ حمار. إنَّ من ثمراتها النزولَ على قضيّاتِ الحِكَم. ورياضةِ صِعابِ الشيَم. وعزَّة النفسِ وبُعد الهمم. وعزَّةُ النفس أن لا تدعَها تُلمُّ بالعملِ السّفساف. وأن تُسفَّ إلى الدناءةِ بعضَ
стр. 73
الإسفاف. وأن تظلِفَها عنِ المطامعِ الدَّنية. لا أن تعلفها المطاعمَ الهنيّة وبُعدُ الهمّةِ أن توجِّهها إلى طريقِ الآخرةِ وسلوكها. والاستهانةِ بالدنيا ومُلوكها. وأن لا تلتفتَ إلى ما يتفيئّونَ منَ الظل الوارِف. ويعلقُونَ فيهِ المخارِف. ويعلّقونَ بهِ منَ الزَّينِ والزخارف وأن لا تقولَ لما عُجَّلَ لهمْ منَ المراتبِ ما أفخمهْ وأن تتصوَّرَ ما ادخرَ لهمْ منَ العواقبِ ما أوخمه عيشٌ هنيٌ عن قليلٍ يتنغّص. ظلٌ ظليلٌ عمّا قليلٍ يتقلّص. ملكٌ ثابتُ الأطنابِ يُقوَّض تقويضَ الخيامِ. ونعيمٌ دائمُ التسكابِ يُقلعُ إقلاعَ الغَمام. وللهِ عبدٌ لم يطرُق بابَ ملكٍ ولم يطأ عتبتَهْ. ولم يلمحْ ببصرهِ مرتبتَه. ولم يعرِفْ حُسّابَهُ ولا كتَبَتَه. ولمْ يصُفَّ قدميهِ إلا بينَ يدي الملكِ الجبارِ جابرِ ما كسرتهُ الجبابرةَ. وكاسرِ ما جبرتهُ الأكاسرة.
стр. 74
مقامة العزلة
يا أبا القاسم أزلْ نفسَك عن صحبةِ الناسِ واعزِلها. وائتِ فرْعةً من فِراعِ الجبلِ فانزِلها. ولُذْ ببعضِ الكُهوفِ والغيران. بعيداً منَ الرفقاءِ والجيران. حيثُ لا تُعلّقُ طرفكَ إلا بسوادِك. ولا تجري مؤامرتَكَ إلا مع فؤادكْ. ولا توصِلْ إلى سمعكَ إلا همسَكَ ومُناجاتك. وإلا جُؤارَكَ
стр. 75
ومُناداتك. ولا تفطُنْ لعيبِ أحدٍ سوى عيبك. ولا يهمكَ إلا دنسُ رُدْنَيكَ وجيبك. قاتلَ اللهُ بني هذهِ الأيام. فإنهمْ طلائعُ الشرورِ والآثام. لِقاهمْ لقاءٌ وحوارُهم غِوار. ونِقالُهم نِقارْ. ووِفُاقهم نِفاقٌ تسلِق بألسنتِهم الأعراض. كما ترشقُ بسهامهِم الأغراض. تجمَعُ النّدوَةَ كِبارَهم فلا
следующие страницы →