Полный текст (242 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولمساورةِ هذا العزِّ الأقعس. ومشاورةِ هذا الملكِ الأشوس. ومَن لي بهذا الرِّزقِ الواسعِ النّطاق. المُحلِّق على قممِ الأرزاق. واللهِ ما كان ذلكَ الاتفاقُ السماوي والإلهامُ الإلهيُّ إلا خيرةً وبركة. وما زالت البرَكةُ في الحركة. لقد صحَّ قولُهمْ والحركةُ ولُودٌ والسكونُ عاقِرْ. وإلا فمِنْ أينَ تنزاحُ تلكَ المفاقر. يمينَ اللهِ لو لزمتُ جُثومي واعتزالي. لحرِمتُ صوبَ هذهِ العزالي. هَبلَتْ الهَبول. من لمَ تهُبَّ لهُ هذهِ القَبول. وما يدريكَ ما شقيَ لعلَّ الاعتباط أنجى من ذلكَ الاغتباط. ونشطَةَ
стр. 72
الأراقمِ أرجى من ذلكَ النّشاط وأنْ ترزقَ في ثُغرتكَ بالمزارق. خيرٌ من أن تُرزقَ مثلَ تلكَ الأرزاق. مَن حمَلَ العلمَ والأدبَ لمثلِ هذهِ الثّمار. فقد حملَ منهُما أثقالاً على ظهرِ حمار. إنَّ من ثمراتها النزولَ على قضيّاتِ الحِكَم. ورياضةِ صِعابِ الشيَم. وعزَّة النفسِ وبُعد الهمم. وعزَّةُ النفس أن لا تدعَها تُلمُّ بالعملِ السّفساف. وأن تُسفَّ إلى الدناءةِ بعضَ
стр. 73
الإسفاف. وأن تظلِفَها عنِ المطامعِ الدَّنية. لا أن تعلفها المطاعمَ الهنيّة وبُعدُ الهمّةِ أن توجِّهها إلى طريقِ الآخرةِ وسلوكها. والاستهانةِ بالدنيا ومُلوكها. وأن لا تلتفتَ إلى ما يتفيئّونَ منَ الظل الوارِف. ويعلقُونَ فيهِ المخارِف. ويعلّقونَ بهِ منَ الزَّينِ والزخارف وأن لا تقولَ لما عُجَّلَ لهمْ منَ المراتبِ ما أفخمهْ وأن تتصوَّرَ ما ادخرَ لهمْ منَ العواقبِ ما أوخمه عيشٌ هنيٌ عن قليلٍ يتنغّص. ظلٌ ظليلٌ عمّا قليلٍ يتقلّص. ملكٌ ثابتُ الأطنابِ يُقوَّض تقويضَ الخيامِ. ونعيمٌ دائمُ التسكابِ يُقلعُ إقلاعَ الغَمام. وللهِ عبدٌ لم يطرُق بابَ ملكٍ ولم يطأ عتبتَهْ. ولم يلمحْ ببصرهِ مرتبتَه. ولم يعرِفْ حُسّابَهُ ولا كتَبَتَه. ولمْ يصُفَّ قدميهِ إلا بينَ يدي الملكِ الجبارِ جابرِ ما كسرتهُ الجبابرةَ. وكاسرِ ما جبرتهُ الأكاسرة.
стр. 74
مقامة العزلة
يا أبا القاسم أزلْ نفسَك عن صحبةِ الناسِ واعزِلها. وائتِ فرْعةً من فِراعِ الجبلِ فانزِلها. ولُذْ ببعضِ الكُهوفِ والغيران. بعيداً منَ الرفقاءِ والجيران. حيثُ لا تُعلّقُ طرفكَ إلا بسوادِك. ولا تجري مؤامرتَكَ إلا مع فؤادكْ. ولا توصِلْ إلى سمعكَ إلا همسَكَ ومُناجاتك. وإلا جُؤارَكَ
стр. 75
ومُناداتك. ولا تفطُنْ لعيبِ أحدٍ سوى عيبك. ولا يهمكَ إلا دنسُ رُدْنَيكَ وجيبك. قاتلَ اللهُ بني هذهِ الأيام. فإنهمْ طلائعُ الشرورِ والآثام. لِقاهمْ لقاءٌ وحوارُهم غِوار. ونِقالُهم نِقارْ. ووِفُاقهم نِفاقٌ تسلِق بألسنتِهم الأعراض. كما ترشقُ بسهامهِم الأغراض. تجمَعُ النّدوَةَ كِبارَهم فلا
стр. 76
يتواصَوْنَ بالصبر بلْ يتناصَوْن على الصَّدر. ولا يتشاوَرونَ في حسمِ الفساد. كما يتساورُون على قسمِ الوِساد. إنْ آنسوكَ حمِدْتَ الوحشَة. وإن جالسوكَ ودَدْتَ الوَحدة. بينا أنتَ في خلواتكَ وانفرادِك مُكبّاً على أحزابكَ
стр. 77
وأورادِك. مرَدّداً فكرَكَ كما يجبُ فيهِ ترديدُه. مجدّداً ذكرَ اللهِ الذي لا ينبغي إلا تجديدُه. مُشتغلاً بخويصة نفسكَ وماِ يعنيك. عاكفاً على ما يدعوكَ إلى الخيرِ ويُدنيك. ويلفتُكَ عن الشرِ ويثنيك. إذ فوجئتَ بمُثافنةِ بعضهم. من الذينَ أخذكَ اللهُ ببغضِهم. فضربَ بينكَ وبينَ ما كنتَ فيهِ بأسداد. ورماكَ بأمورٍ من تلكَ الأولِ
стр. 78
بأضداد. وافتنَّ في الأحاديثِ كحاطبِ الليلْ. واستنَّ في الأكاذيبِ كعائرِ الخيلْ ملقياً أسبابَ الفتنِ بين يديِ افتنانه. مخلّفاً للآدابِ والسننِ وراءَ استنانهِ. لا يدفعُ في صدرِه من حياءٍ دافعْ. ولا يزَعهُ من دينِ حق وازِع. ولا ينزعُه من عرقِ صدقٍ نازع. فإذا أنشأ يأكلُ لحمَ أخيهِ بالنقيصةِ والثّلبِ. ويلغُ في دمهِ الحرامِ وُلوغَ الكلب. ويصوَّبُ ويصعّدُ في تمزيقِ فروتهِ. ويقومُ ويقعدُ في قرعِ مروته. ويخلطُ ذلكَ باستهزاءٍ متتابع. واستغرابٍ متدافع. لم يملكْ حينئذٍ عنانهْ. ولم يُثبطْ عنِ استهزائهِ جنّانه فإن لم تُقبل عليهِ بوجهكَ وصفكَ بالكبرياءْ. وإن لم ترعهِ سمعكَ نسبكَ إلى الرّياءْ مسجّلاً عليكَ بالشكاسةِ والكزازةْ.
стр. 79
وناهضاً عنكَ بملءْ الصدرِ منَ الحزازة. وإن أعطيتهُ من نفسِكَ ما يريد فكلاكما والشيطانُ المريد. قد جرى أحدُكما في طلقِ الضلالِ والثاني رسيلُه. واستوى الأولُ على صهوةِ الباطلِ والآخرُ زميلهُ. بل استبقتُما إلى غايةِ الغوايةِ مُعنِقينْ. وتردَّيتما في هُوَّةِ الرَّدى معتنقِينْ. فيالها
стр. 80
محنةً ما أضرَّها ويا لها فتنةً وقى اللهُ شرَّها.
الإنسُ مشتققٌ منَ الإنسِ ... والأنسُ أن تنأى عنِ الإنس.
ثيابهمْ مُلسُ ولكنها ... على ذئابٍ منهمُ طُلسِ.
نفسَك فاغنمها وشرِّد بها ... عنْهم وقُلْ أفلتِ يا نفسِ.
إنْ لمْ تشرِّدْها تجدْها لقىً ... للفَرْسِ بينَ الظفْرِ والضِّرْسِ.
стр. 81
مقامة العفة
يا أبا القاسم بسَأتْ نفسكَ بالشهواتِ فافطمِها عن هذا البسوءْ. ولا تطعِها إنَّ النفسَ لأمّارةٌ بالسوءْ. تطلبُ منكَ أنْ يكونَ مسكنُها داراً قوراءْ. وسكنها مَهاةً
стр. 82
حوراءْ، تجُرُّ في عرصتها فُضولَ مرطِها. وتمسُّ عقوتها بهُدَّابِ رَيطِها. وترقرِقُ المسكَ السحيقَ في ترابها إذا لعَبت فيها معَ أترابها تطلُعُ إليكَ من جانبِ الخِدْرْ. كما أنجابتِ السماءُ عن شُقّةِ البَدْرْ. وأن تكونَ سماءُ رُواقها منمقةً بالرقمِ الزِّريابي. وأرضُها منجدةً بالبُسطِ والزَّرابي. وأنتَ مُتّكئ فيهِ على الأريكة. مع تركية كالتريكة. وتقترِحُ عليكَ وصيفاً موصوفاً بالجمال. واصِفاً للغزالةِ
стр. 83
والغزال. مُقرطَعاً مخَنق الْخَصْر ينفثُ في عُقدِ السّحْر. اسمُ أبيهِ يافث. واسمهُ نافِث يقبلُ إليكَ بخُوْطِ البانْ. ويدبرُ عنكَ ببعضِ الكثبان. وتسألُكَ أن تلبسَ ما يدِق ويرِق من حُرِّ الملابس. وما يروقُ ويفوقُ منَ الحللِ والنّفائس مُستشعراً ما لانَ منَ الحريرْ. مُتدثِّراً بما راقَ منَ الخير. مُروِاحاً في مصيفكَ ومَشتاكَ بينَ اللاذِ
стр. 84
والرَّدَن. مُنتقياً منهُما ما هوَ أخف وأدفأ للبدن وتحدوكَ على ركوبِ أعتقِ المراكبِ وأروعِها. وأسلسِها قياداً وأطوعِها مُوشّىً بالآلاتِ المَزِيّنة. مُغَشّى بالحليةِ الرَّزينة منَ الذهبِ الحمراء والفضةِ البيضاءْ. كأنّما يسبحُ في لجّةٍ منَ اللجين. أو تَسيحُ عليهِ عينٌ مَنَ العينْ وتدعوكَ إلى أكلِ الطّيّبِ الناعمِ. من ألوانِ المطاعمْ الدَّجاجَ المسمنَ بكسكَرْ. والرَّجراجَ بالسّمنِ والسكر. وكلَّ ما يرتبُ على موائدِ أولي المَراتبِ. من أصنافِ الحَلاوى والاطايب. ويحكَ لا تجبها إلى شيءٍ من طلبتِها. وارجِعها ناكِصةً على أخيبِ خيبتِها. واحمِل
стр. 85
عليها بتصريدِ شهواتها. وانزِعْ بقيءٍ من طعمِ اللهوِ في لهَواتها. واعلم أنّكَ إنْ تعصِها الساعة. تجدْها بعدَ ساعتكَ مِطواعه. وإن أطعتَها أرتكَ العجبَ منْ مُعاصاتها. وقعدْتَ لا يدَيْ لكَ بمعاناتها. ويئِستْ دعوتُكَ منْ إنصاتها بمُناصاتها. يكفيكَ منَ الرُّواقِ المزخرَفِ وبساطهِ الموشي. كِنٌّ كأنّهُ كِناسُ الوحشي يسَعُ الفقيرَ وما يُصلحهُ في يومهِ وليلتهِ. ويطابقُ ما لهُ في تصعلكهِ وعَيلتهِ. لعمرُكَ إنَّ ما ترُمُّهُ الوَرْقاءُ من ثلاثةِ أعوادْ. وما شيدهُ فرعونُ ذو الأوتاد. سيّانِ عندَ مَن فكرَ في العواقبْ. وتأمل آثارَ هذا الدوْرِ المتعاقبْ. ويُغنيكَ عن صاحبةِ المرْطِ المرَحلْ. وساحبةِ الرَّيط المرَقلْ
стр. 86
تقيةٌ تتبلغُ بها مُرْغماً للفتّان اللّعينْ. إلى أن يبعثَها اللهُ تعالى منَ الحورِ العينْ. وتنوبُ عنِ الحصانِ قدَماكَ تسعى بهِما في سُبِل الهُدى وتتسابقُ بهما في مضمارِ البرِّ إلى المَدى ويُقنعُكَ عنِ الاطايبِ التي وصفتُها. وسردتُ نُعوتها ورصفتُها قُرصا شعيرٍ في غدائكَ وعشائك. وما عداهُما عُدَّةٌ لكظّتك وجُشائِكْ. ويجزئُكَ عن يمنةِ اليمنْ. والخُسروانيِّ الغالي الثمنْ. وبُرودِ صنعاءَ وعدَن بُردةٌ تسترُ بها مُعرَّاك. وما يواري سوأتكَ عمن يراكْ. والعبدُ الصالحُ من استحبَّ رقةَ الحالِ وخفةَ الحاذْ على المُراوحةِ بينَ الرَّدنِ واللاذْ.
стр. 87
واعتقدَ أنَّ لبسَ الخُسرَوانِّي منَ الخُسرانِ. ووثقَ أنَّ العُسرَ قُرِنَ بهِ يُسران وإن أردتَ التزينَ منَ الثيابِ بأسناها. ومنَ الحُللِ بحُسناها. فأين أنتَ منَ الحلّةِ التي لا يعبأ لابسُها بنسيجِ الذَّهبِ على عطفي بعضِ الملوكْ. وكأنهُ في عينهِ سحقُ عباءَةٍ على كتفيْ صُعلوكْ وما هي إلا لباسُ التّقوى الذي هوَ اللَّباسْ لباسٌ تلقَى فيهِ اللهَ وتلقى فيما سواهُ الناسُ فافُرقْ ما تفرُقُ بينَ الملقييّنْ بينَ اللِّباسَين فليَسا بسِّييْن وتذكّرْ ما بلغَكَ من قولِ الحسَنْ. وما جرى لهُ مع الحسناءِ في الثوبِ
стр. 88
الحسَنْ وما سجَمه من العَبرة. ووجَمَ عليهِ منَ العِبرة. وأمّا المقرطَقُ فخله لإخوانِ الفئةِ المشرِكة وهم أصحابُ المؤتفِكةِ. واستعصمِ اللهَ لعلهُ يعصمِك وصمْ عن جميعِ ما يزْرِي بكَ ويصمِك.
مقامة الندم
يا ابا القاسم إنكَ لَفي موقفٍ صعبٍ بينَ حَوبةٍ رِكبتها. وبينَ توبةٍ تبتَها. فمتى ياسرْتَ بنظرِكَ إلى جانبِ حوبتكَ وهوَ أوحشُ جانبْ. وأجدرُهُ بالمخاوفِ والمهايب جانبٌ قد سدَّهُ الغُبارُ المُضِبْ وأطبَقَ عليهِ الظلامُ المُرِبْ. لا يتراءَى
стр. 89
فيهِ شبَحانِ وإن اقتربَتْ بينهُما المسافة. وإن لم تعتوِرْ أبصارَهُما آفةْ. رأيتَ الشرَّ يُهروِلُ إليكَ مُقعقِعاً بأقرابهِ. مخترِطاً منصَلَه من قرابهِ. يؤآمُر فيكَ نفسيَهْ ويداوِرُ فيكَ رأييهْ. أيقُدُّك أم يقُطك. وفي أيِّ الغَمرتَينِ يُغطك.
стр. 90
والوعيدُ يتلقّاكَ بوجهِ جهم. ويزحفُ تلقاءَكَ بجيشٍ دهْم. والعِقابُ يُحدُّ لكَ نابَهْ. ويُشمرُ عن مخلبهِ قنابهْ. وبناتُ الرَّجاء يبرُزْنَ إليكَ في جِداد. وأفواهُ الناسِ تكشرُ لكُ عنْ أنيابٍ حداد. ومتى يامَنْتَ ببصرِك إلى جانبِ توبِتك وهي آنسُ جهةٍ وآنقُها. وأوفقُها بالمؤمنِ وأرفقُها جهةٌ كأنَّ الفجرَ المستطيرَ تنفسَ في أعراضِها. وكأنَّ النهارَ المستنيرَ اقُتبسَ من بياضِها يبرَقُ البصرُ
стр. 91
في سُطوعِ إياتها. وكادَ يهدي العُمَي وُضوحَ آياتها. وجدتَ الخيرَ مُقبلاً بوجهٍ متطلِّق بسّاماً عن مثلِ وميضٍ متألِّق يلازمُكَ لِزامَ الحميمِ المشفِق. ويلاثُمكَ لِثامَ الحبيبِ المتشوِّق والوعدُ ينفضُ على خدَّيكَ وردَ الاستبشار. ويُذيقُ قلبكَ بردَ الاستبصار. والثوابُ يمسحُ أركانكَ بجناح ويغسلِكَ عن كلِّ مأثمٍ وجُناح. والرَّجاءُ واليأسُ يتقارَعان فيخرُجُ سهمُ الرَّجاءُ بالفوزِ والفلَجْ. ويبقى اليأسُ مقروعاً داحضَ الحُجج. فخُذْ حذارَكَ أن يُزِلكَ الشيطانُ ويضلكَ. بأن يُلقي على إحدى الجهتينِ ظلّك. وتهَبَ لها دونَ الأخرى
стр. 92
كُلكْ. فإنّك إن فعلْتَ ذلكَ ملَكَكَ القُنوطُ والفزَعْ. واستولى عليكَ الأمنُ والطمَع. وكِلاهُما لعَمْرُ اللهِ أكلٌ وبيل. ومنهلٌ ليسَ له إلى المساغِ سبيل. القانطُ الفزعُ جامدٌ لا يرتاحُ للعمل. والآمِنُ الطّمعُ متلكّئ متكىء على الأمل فإن حاولتَ أن لا تقعُدَ يائساً بائساً ولا آملاً آمناً فقطِّعْ بينَ الجهتينِ نظرَك. وشطِّر إليهما بصرَك. حتى تجعلَ نفسكَ مترجِّحةً بينَ الرجاِء والحِذار. مترنّحةً بينَ البشارةِ والإنذار. تُلمِّظُها طَوراً حلاوَةَ الطمعِ إرادةَ الرَّغبةِ والنشاط
стр. 93
وطوْراً مَرارةَ الفزعِ خيفةَ الاسترسالِ والانبساط. امزُجِ اليأسَ والطّمع والبسِ الأمنَ والفزَع لا تذَرْ منْ كلا النّفيسينِ شيئاً ولا تدعْ مَنْ يكنْ يقتنيِها فقدِ استكملَ الوَرَع.
مقامة الولاية
يا أبا القاسم تأمّلْ بيتَ النّاظمِ:
تودُّ عَدُوِّي ثمَّ تزْعَمُ أنّني ... صديقكَ ليس النوكُ عنك بعازِبِ.
وتبصرْ كيف حَدَّ لك المصافاةَ بحدِّها. ودلّكَ عل هزلِ المودِّة وجدِّها وفهمَك أنَّ صفيِكَ من كانَ لكَ على ما ترضى وتسخَطُ وفقاً وفي جميعِ ما تهوى وتمقُتُ
стр. 94
لِفقا. فيصفو لمَنْ يُعاضِدُكَ ويُصافيك ويكدرُ على كلِّ من يعاديكَ ويُنافيك وأنَّ مُوادَّ مُتضادِّكَ. مُحادُّك وليس بموادِّكَ وعلمكَ أنَّ منِ ادَّعى مِقةَ أخيهِ وهوَ يركنُ إلى ماقتهْ. فقد سجّلَ بسفَههِ وحماقته حيثُ صرَّحَ بأنَّ النّوكَ عنهُ ليسَ بعازِبْ ونصَّ له أنّهُ ضربةُ لازِبْ ثمَّ انظرْ في أيِّ منزلةٍ منَ اللهَ يراك. وبأيِّ صفةٍ يصفُكَ مِنْ ذَراك إن واليتَ
стр. 95
مَن ليسَ لربِّك لِوليّ أو صافيتَ من ليسَ للأولياءِ بصفي. إن صحَّ أنّكَ عبدٌ محبٌ لربّهِ فلا تُشعِرْ قلبكَ إلا محبّةً محبّه. مَن لم يُوالي اللهَ ومواليهِ فلا تَطُرْ حَراه ولا تُنِخْ راحلتِكَ في ذَراه. وإيّاكَ أن تتناظَر داراكُما أوْ تتراءى ناركُما واستحي منَ اللهِ وقلبُكَ قلبُه وكُلكَ فهوَ فاطرُه وربه أن تشغَلَ بمقةِ مَن شَغَلَ بمقتهِ قلبَهُ قلبَك وأنْ تعكُفَ على
стр. 96
مُوادَّةِ من عكفَ على محادَّته لُبهُ لُبك وإن كانَ الصِّنوَ الشقيق والعمَّ الشقيق والأبَ البار والأخَ السّار وإنِ استطعتَ أن لا تُظلِكُما سماءٌ فاحرِص. وأن لا تقلِكُما أرضٌ فافترِص وليكُن منكَ على بالٍ ما نَقَمَ اللهُ من حاطِب وما كادَ يقعُ بهِ منَ المعاطِب.
مقامة الصلاح
يا أبا القاسم حتى مَ تلهو وتلعبَ. وغُرابُ البينِ فوقَكَ
стр. 97
ينعَبْ وإلى مَ تروحَ في التماسِ الغِنى وتغدو وسائقُ الرَّدَى وراءَكَ يحدُو وفيمَ تجوبُ لارتيادِ المالِ الأوديةَ والمفاوز وليسَ الحريصُ لما قُدِّرَ لهُ بُمجاوز ألا وإنَّ بذلَ الاستطاعة واستقِصاءَ الجِدِّ في الطّاعة أوْلى بمَنْ يركبُ الآلةَ الحَدباءَ بعدَ ساعة والسّعيَ النّجيحَ في العملِ الدائرِ بينَ حُقوقِ الله أحقُّ مِن لَعبِ اللاعبِ ولهوِ اللاه والوَلوعَ بنيلِ المفازةِ في الأخرى. أجدرُ مِن جَوْبِ المفاوزِ وأحرَى. كأنّي بجنازتك يجمَزُ بها إلى بعضِ الأجداث.
стр. 98
وبأهلِ ميراثكَ هجَروك بعدَ الثلاث وشغلْهم عنكَ تناجزُهم على الميراث وغادروكَ وأنت مُعفّرٌ طريح فقد ضمّكَ لحدٌ وضريح رهينَ هلكةٍ مُبسَلاً في يدِ المُرتْهِن أسيرَ محنةٍ مُبلساً مِن إطلاقِ الممتحِن. لم يبقَ بعدَ هجر العشيرةِ وجفوةِ العشير وودَاعِ المستشيرِ من جُلسائكَ والمُشير إلا عملُكَ الذي لزِمَكَ في حياتكَ لُزومَ صحبكَ ويستبقي صحبتكَ بعد قضاءِ نحبِك فيصحبُكَ على التّختِ مَغسولا ويألفُكَ على
стр. 99
النعشِ محمولاً ويرافُقك موضوعاً على الأكتافِ في المُصلّى ويحالفُك وأنتَ في الحُفرةِ مُدلّى ويضاجُعك غيرَ هائبٍ من مضجعكَ الخرِب ويعانقكَ غيرَ مستوحشٍ من خدّكَ الترب. ولا يفارقُك ما دمتَ في غِمار الأموات. وإن أصبحتَ ومؤلفاتكَ أشتات وعِظامُك ناخرةٌ ورُفات. فإذا راعتكَ نفخةُ النّشر وفاجأتكَ أهوالُ الحشر. وفرَّ منكَ أبوكَ. وأمك وأخوك ولكلِّ منهم مهمٌ يعينه وشأنٌ حينئذٍ يُغنيه وجدتَ عملكَ في ذلك اليومِ الأغبرْ. وساعةِ الفزَعِ الأكبر أتبعَ لكَ منَ ظِلّكَ وألزَم منْ شَعراتِ قصَّك يفدُ معكَ أينما تفِد ويرِدُ حيثُما ترِد ثمَّ إما أن يدُلّكَ على فوزٍ مبين وإما أن يدُعّك إلى عذابٍ مُهين. فاجهدْ نفسكَ فعلَ كادحٍ غيرَ مَلول. واركب كلَّ صعبٍ وذَلول ولعلّك
стр. 100
تستصحبْ من هذا القرينِ المواصِلِ الملازم. وهذا الرَّفيقِ المخاصرِ المحازِم صاحبَ صِدقٍ يؤنسُكَ في مواقيتِ وحدتكَ ووحشتِك ويُلقي عليكَ السّكينة في مقاماتِ حيرتَكَ ودهشتِك ويمهّد لكَ في دار السّلام المِهادَ الأوثر ويرِدُ بكَ سلسبيلاً والكوثر.
مقامة الإخلاص: يا أبا القاسم للسيدِ سيادَتُه. وعلى العبدِ عبادتهُ. ولكَ سيّدٌ ما أجلّه وأنتَ عبدٌ ما أذله فاعبُد سيَّدكَ الذي كلُّ مَن يُسوُّدُ فلهُ يسجُد وكلُّ مَن يعبدُ فإيّاه يعبُد تَرى كلَّ
стр. 101
ذي خد أصْعر وطَرْفٍ أصوَر وجيدٍ مِنَ الزَّهوِ منتصِب ورأسٍ بالتّاجِ مُعتصِب يضعُ لعزَّتهِ صحيفةَ خدَّة ويخضعُ نجدِّه لتَعالي جدِّه يخفضُ ما نصَبَ منْ جيدِه عندَ تقديسهِ وتمجيدهِ ويُطأطئُ تاجهُ المرفع واكليلهُ
стр. 102
المرصَّع مشعثِّاًرأسهُ إذا دُهي. كأنّه لم يتجبّر قطّ ولا زُهي. وادعهُ بالليلِ متضرَّعاً مخفياً ونادِه أن يعصِمكَ من مقامِ المتصدَّي من عبادهِ لعنادِه. واخشعْ لهُ بما تنطوي عليهِ جوانُحك وإن لم يخشعْ لهُ أعطافُك وجوارِحُك فهوَ المطلعُ على ما استكنَّ من ضمائرِك. وما اجتنَّ في أحشائكَ من سرائرِك. وإنما يتقبلُ ما نصَعت له طويتك ونقَيت فيهِ رويتُك. وأنصعُ ما عملَتْ وأنقاهُ ما هوَ مَزوي. وعنِ الناسِ مطوِي. لا يحسُّ بينهم مرئيٌ ولا مرْوي وكانَ منَ العملِ المزينِ بُحسنِ المُعتقد. دزنَ المزيفِ عندَ المنتقَد فلن يرجَحَ
стр. 103
في الميزانِ المدخولُ المنتحَل ولن يجوزَ على الصِّراطِ إلا المنخولُ المنتخَل.
مقامة العمل
يا أبا القاسم لا تسمعْ لقولِهم فضلٌ مبين وأدبٌ متين واسمٌ في المهارةِ بِهما شهير. وصيتٌ في إتقانِها جهير. وفتىً طيّان منَ المناقصِ والرَّذائل ريّان منَ المناقبِ والفضائلِ إن
стр. 104
ذُكرَ متنُ اللغةِ فحِلسٌ منْ أحلاسهْ. أو قياسُها فسائسُ أفراسه. أو أبنيتُها فليسمُرِ السّمارِ بهِ وبدقّةِ تصريفهِ لا بسنّمارٍ
стр. 105
وغرابة ترصيفهِ. أوِ النّحوِ فهوَ سيبويَه وكتابُه. ينطقُ عنهُ تراجمهُ وأبوابُه. أو علمُ المعاني فمَن مساجلُه ومُسانيه ومُزاولُهُ ومُعانيه ومَن يغوصُ على معانٍ كمعانيه أو نقدُ الكلامِ فالنقدَةُ إليهِ كأنهم النقَدْ وقد عاثَ فيه الذئبُ الأعقَد أوِ العَروضُ فابنُ بجدَتها وطلاع أنجدتها أوِ القوافي
стр. 106
فإبداعهُ فيها يلقِّطكَ ثمراتِ الغُراب. وإغرابُه فيها يحثو الترابَ في وجوهِ أهلِ الإغراب أو الشعرُ فزَيّادهُ وحسّانهُ وإحسانهُ كما دبجَ الرَّوضَ نيسانُه أوِ النثرُ فلو راءَ ابنُ لسانِ الحمرةِ حُمرةَ لسانهِ لجَهشَ وما بهَش ولو سمِعَ قولَ قائلٍ من صحبانهِ سحبانُ بنُ وائلٍ لا استقبلَ
стр. 107
منَ الدَّهش أو معرفةُ الكتابةِ والخط. فقد لججَ وتركَ الناسَ على الشّط. أو حفِظُ ما يحاضرُ به فصيّبُ يفيض وبحرٌ لا يغيض. وليس بعريانٍ كعودِ النبعْ من ثمرِ علومِ الشّرع نعم يا أبا القاسم إن سمعتهُم يقولونَ ما أكثرَ فضلكَ فقلْ إنَّ فُضولي أكثر وما أغزَر أدبكَ فقلْ إنَّ قلة أدبي أغزَر فلعَمُر اللهِ ليسَ بأديبٍ ولا أريب. كلُّ مُغربٍ وحافظِ غريب. الأديبُ مَن أخذَ نفسَهُ بآدابِ اللهِ فهذَّبها ونقحَ أخلاقهُ منَ العُقدِ الشّاثنةِ فشذَّبها. والأريبُ الفاضلُ مَن لم يكنْ لهُ أرَبٌ ولا وطر. إلا أن يكونَ لهُ عندَ اللهِ فضلٌ وخطَر. ما غناءُ مَن قويَ علمهُ وعملهُ قد فترَ. إنَّ عِلماً بلا عملٍ كقوسٍ بلا وتَر. حامِلُها حيرانُ مُرتبِك في العماية لا يهتدي وإن كان ابن تقنٍ إلى وجهِ الرَّماية متى نظرَ إلى الرُّماة
стр. 108
موترينَ مُنبضينَ مسدّدينَ غيرَ محبضينَ قعوداً من الوحشِ على المراصِدْ يشقونَ خُصورَها بالقواصدِ أقبل على مقلاةِ الغمِّ يتقلى. وبجمرةِ الغيظِ يتصلّى لا يزيدُ على تنفيزِ سهامهِ. والعضِّ على اتهامهِ فإذا اشتوى غيرُهُ انشوى بنارٍ منَ الحسرةِ نزَّاعةٍ للشوى أغدُ عاقداً بين عِلمكَ وعملكَ صِهراً وسُق إلى العملِ منَ اجتهادكِ مَهراً. ولا تظِلم منهُما شيئاً منْ إقبالك ولا تبخَسهُما حظّاً من
стр. 109
إشبالك ولا تدعْ أن تضرِب أخماساً لأسداس. حتى تلفُهمُا ونفسَكَ في بُردةٍ أخماس واعلمْ أنَّ العلمَ إنما يُتعلم لأنهُ إلى العملِ سُلم. كما أنَّ العملَ إلى ما عندَ اللهِ ذريعة ولولاهُما ما عُلِمَ علمٌ ولا شُرِعت شريعة.
مقامة التوحيد
يا أبا القاسم أفلاكٌ مسخرة وكواكبُ مُسيّرة تطلعُ حيناً
стр. 110
وحيناً تغرُب وينأى بعضُها عن بعضٍ ويقرُب وقمرٌ في منازلهِ يعوم وشمسٌ في دورانها تدومُ فما تقوم وسحابٌ تُنشئُها القُبول وتُلحُقها وتمري أخلافَها
следующие страницы →