← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 265

مرويات فضائل علي بن أبي طالب في المستدرك

أحمد الجابري

Полный текст (466 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إدارة الثقافة الإسلامية وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة الكويت بحثٌ في مَرْويَّات فضائل عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ في مُستَدرَك الحاكِم دراسة حَديثيَّة جَمَعه وحقَّقه وعلَّق عليه أحمد بن إبراهيم الجابري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المُقدِّمة الحمد لله وحده ذي الجلال، والصلاة والسلام على خير أنبيائه محمد وصحبه وأزواجه والآل، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم واتبعهم بإحسان. أما بعد، فإن أصحاب رسول الله ﵌ هم خير هذه الأمة، وأفضل رجالها، فهم الذين وعوا السنن، وأدّوها ناصحين محسنين، حتى كمل بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، ولذلك كانوا خير الناس في هذه الأمة أجمعين. وقد شهد لهم بذلك رسول الله ﷺ وهو الصادق الأمين؛ فقال: «خير أمتي - وفي لفظ: خير الناس -: قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). والكلام عن فضلهم طويل، قد أُفردت له كتبٌ ومصنَّفات، ورسائل ومؤلَّفات.

стр. 3

وقد ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عليهم، وثناء رسوله ﵊، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، ولا تزكية أفضل من ذلك، ولا تعديل أكمل منه. قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. فهذه صفة من بادر إلى تصديقه والإيمان به، وآزره ونصره، ولصق به وصحبه، وليس كذلك جميع من رآه، ولا جميع من آمن به، فالصحابة ليسوا جميعا في منزلة واحدة من الدين والإيمان، والفضل والتقدم، فالله قد فضَّل بعض النبيين على بعض، وكذلك سائر المسلمين، والحمد لله رب العالمين، وقال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقد اختلف السَّلف في المراد بالسابقين الأولين المذكورين في الآية: فقال بعضهم: هم الذين صلّوا إلى القبلتين. وقال آخرون: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان (١).

стр. 4

ومما يدل على مسألة المفاضلة بين الصحابة: قول عبدالله بن عمر: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ ، لا نفاضل بينهم» (١). وقال الحافظُ ابنُ حَجَر - في معرض كلامه على هذا الأثر -: «وقد تقرر عند أهل السنة قاطبة تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، وتقديم أهل بدر على من لم يشهدها، وغير ذلك» (٢). فالشاهد من هذه النقولات: أنَّ الصحابة أنفسهم على درجات متفاوتة من الفضل والخير، وأعلاهم مرتبة في ذلك: الخلفاء الأربعة الراشدون المهديون: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفَّان، وعلي بن أبي طالب، ﵃ أجمعين. ولا يكاد يُعرف عن أحد من هؤلاء الراشدين الأربعة اختلاف الناس فيه، بين غالٍ ومُقصِّر، ومُفْرِط ومُفَرِّط؛ كما عُرف عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (٣)!

стр. 5

ويُضاف لذلك أيضا: ما ورد في شأنه وفضائله من الأحاديث الكثيرة التي لم ترد لغيره (١)، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الأحاديث المُسنَدة، السنن، أو الجوامع، يُخصِّص صاحبُه فيه كتابا للحديث عن المناقب؛ من إفراد باب خاص للحديث عن فضائل عليٍّ ومناقبه، وحُقَّ لهم ذلك. وأمَّا المصنَّفات في فضائل الصحابة خاصَّة: فلا تخلو من هذا الباب الهام. ومن كتب الأحاديث، التي أفرد صاحبها في كتابه كتابا لمعرفة الصحابة ومناقبهم، وبداخله بابا مفردا للحديث عن عليٍّ بن أبي طالب ﵁ ومناقبه؛ كتاب «المُستَدرَك» لأبي عبدالله الحاكم النيسابوري. وتظهر أهمية هذه الأحاديث التي في هذا الكتاب: حينما نعلم أن صاحبه إمام من أئمة الحديث (٢)، كما أنه ألَّف كتابه هذا ليستدرك على الشيخين - البخاري ومسلم - ما فاتهما من الأحاديث الصحيحة، وعلى ذلك: فوجود هذه الأحاديث في كتابه مظنَّة الصحة، لكنَّ الأمر في حقيقته ليس كظاهره!

стр. 6

فقد انتُقِد الحاكم كثيرا بسبب هذا الكتاب، ورُمِي بالتساهل في تصحيح أحاديثه، بل نُسب إلى الانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، واتهامه بالرفض، بسبب بعض الأحاديث التي أوردها في مناقب عليٍّ ﵁، حتى قال الذهبي: «ليته لم يُصنِّف المُستَدرَك، فإنه غض من فضائله بسوء تصرفه» (١). لهذه الأسباب التي تقدَّمت جميعها، وغيرها؛ عزمتُ على استخراج أحاديث مناقب عليٍّ ﵁ من المُستَدرَك، وتحقيقها، لتبيين صحة حكم الحاكم عليها من خطئه، وتبيين من وافقه ومن خالفه، حتى يكون في ذلك إنصافٌ للحاكم نفسه من جهة، بتبيين أنه في بعض التصحيحات لم ينفرد، بل وافقه بعض من سبقه من الأئمة، فلا لوم عليه في ذلك، ومن جهة أخرى: نذبُّ عن سنة رسول الله ﷺ ، بتبيين ما وَهِم فيه الحاكم ﵀ من مخالفة للأئمة في تصحيح ما ليس بصحيح، مُتحريا في ذلك الإنصاف - قدر المُستطاع -، فهو عزيز، كما قال الذهبي (٢)، والله المستعان.

стр. 7

عملي في هذا الكتاب: * قُمتُ باستخراج الأحاديث المرفوعة في مناقب عليٍّ بن أبي طالب ﵁ الواردة في كتاب المُستَدرَك، ولم أتقيَّد في ذلك بكتاب أو بباب مُعين من كتب وأبواب الكتاب، بل حيثما ورد الحديث في فضل عليٍّ ﵁ استخرجته، ووضعته هنا. واحترزتُ بقولي «الأحاديث المرفوعة» عن الآثار الموقوفة والمقطوعة، الواردة في المُستَدرَك في فضائله، فهي ليست من موضوع هذا البحث. * قُمتُ بترتيب هذه الأحاديث على مسانيد الصحابة، ثم رتبتُ هذه المسانيد تبعا لحروف الهجاء. * وضعت ترقيما تسلسليا لهذه الأحاديث بين قوسين ()، تبعا لموطن ورودها في هذا البحث، يعقب ذلك الترقيم: رقم الحديث وفق ما جاء في كتاب المُستَدرَك، تبعا لطبعة «دار الكتب العلمية». * قُمتُ بالتعريف برجال الإسناد المذكورين بكناهم، ليستطيع القارئُ الوقوف على أسمائهم.

стр. 8

* لم أقم بالترجمة لرجال الإسناد كلهم، إلا من كانت مرتبته دون الثقات، عندها أذكر درجته، لأنها مؤثرة في الحكم على الحديث، ومن لم أُترجم له: فهو ثقة - إن شاء الله -. * من كانت مرتبته من هؤلاء الرواة دون الثقات، فهم على قسمين: أ- قسم ذكره الحافظ ابن حجر في «تقريب التهذيب»، وهؤلاء أيضا على قسمين: قسم وافقته في حكمه عليهم؛ فأكتفي عندها بذكر حكمه. وقسم لم أوافقه في الحكم عليهم؛ فعندها لا أذكر حكمه، بل أذكر الراجح عندي، مؤيدا ذلك الحكم بأقوال أئمة الجرح والتعديل المتقدِّمين. ب- وقسم لم يذكره الحافظ ابن حجر في كتابه «التقريب»، فهؤلاء أذكر الحكم عليهم من خلال أقوال أئمة الجرح والتعديل، مشيرا إلى مصادر تراجمهم. * قُمتُ بتخريج الأحاديث المستخرجة بتوسع قدر المستطاع، من خلال المصادر المطبوعة، مراعيا في التخريج المتابعات لرجال إسناد الحاكم، وكذلك مراعيا الترتيب الزمني لوفيات أصحاب الكتب، مقدما الأقدم وفاة على الأحدث. مع تصدير ذلك بالحكم الراجح - عندي - على الحديث.

стр. 9

* إذا كان الحديث موجودا في مصدر من المصادر المذكورة في التخريج، كمصنِّف ابن أبي شيبة - مثلا - ورواه من طريقه صاحب كتاب آخر، كابن أبي عاصم في السنة - مثلا -؛ فإنني لا أذكر المصدر الفرعي، الذي روى الحديث من طريق صاحب المصدر الأصلي المذكور، إلا في حالة من اثنتين: الأولى: أن يكون صاحب المصدر الفرعي قد اشترط لكتابه الصحة - كابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما، على سبيل المثال -، أو يكون قد خصص كتابه للأحايث الضعيفة والموضوعة - كالموضوعات لابن الجوزي، على سبيل المثال -؛ لأن ذكره هنا يفيد في ترجيح الحكم على الحديث، صحة أو ضعفا. الثانية: أن تكون المصادر التي وقفتُ عليها عند تخريج الحديث شحيحة قليلة، فعندها أذكر المصادر الفرعية، لتبيين من أخرج الحديث، وإن كان من طريق صاحب المصدر الأصلي. * قُمتُ بشرح غريب الحديث، وتبيين معاني الألفاظ الغامضة، من خلال كتب غريب الحديث، وكتب الشروح. * قُمتُ بالتعليق على الأحاديث التي فيها بعض العبارات المُشكَلَة، أو التي أُسيء فهمها، واستُدلَّ بها في غير موطنها، مُبيِّنا الصواب في ذلك، من خلال نصوص العلماء وأقوالهم.

стр. 10

* ذيَّلتُ هذا البحث بفهرس لأطراف الأحاديث، مُرتَّبا على حروف الهجاء، ثم الفهرس العام للموضوعات، وبين الفهارس وأحاديث الكتاب؛ وضعتُ: جريدة المصادر والمراجع. * قدَّمتُ لأحاديث الكتاب، والتي تقع في الباب الثاني منه؛ بباب تمهيدي، قسمته على فصلين: o الفصل الأول: وهو خاص بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وينقسم لمبحثين: • المبحث الأول: ترجمة موجزة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وتشمل الحديث عن: • اسمه ونسبه. • كنيته. • مولده. • صفته. • إسلامه. • أزواجه وأولاده. • جهاده ونشره للدين. • علاقته بالخلفاء الراشدين، ومكانته في أيامهم وخلافتهم. • خلافته، ومبايعة الصحابة له.

стр. 11

• تلخيص لما حدث في معركة الجمل. • تلخيص لما حدث في معركة صفين. • تلخيص لما حدث في معركة النهروان. • مقتله. • مناقبه. • المبحث الثاني: اختلاف الفرق فيه، وموقف أهل السنة منه. o الفصل الثاني: وهو مختص بالحاكم وكتابه «المُستَدرَك»، وينقسم أيضا لمبحثين: • المبحث الأول: ترجمة الحاكم ﵀، وتشمل الحديث عن: • اسمه وكنيته. • شهرته. • لقبه. • مولده. • طلبه للعلم، وجهوده في حفظ السنة. • وفاته. • ما أُخِذ عليه.

стр. 12

• المبحث الثاني: التعريف بكتاب «المُستَدرَك»، ويشمل الحديث عن: • سبب التأليف. • موضوع الكتاب. • المنهج الذي سار عليه الحاكم في «المُستَدرَك». • أقسام أحاديث «المُستَدرَك». • ما أُلِّف حول «المُستَدرَك». وبعد هذا: فإني لا أنُزِّه هذا العمل عن الخطأ أو التقصير، فهو لا يعدو جهدا بشريا، يصدق فيه وفي غيره قول الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. وقد أبى الله أن يجعل العصمة لكتاب: إلا لكتابه. لكن حسبي أني اجتهدت، وأوضحت في أول كلامي عمَّا قصدتُ وأردت، فإن أصبت: فذاك فضل من الله، أحمده عليه، وإن أخطأتُ أو قصرت: فهو من نفسي ومن الشيطان، فأستغفر الله منه. وخِتاماً: فإني أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن ينفع بهذا الكتاب صاحبه، وناشره، وقارئه، وأن يجعله باب خير وبركة

стр. 13

عليَّ - في الحياة والممات - وعلى سائر المسلمين، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، والسر والعلن. اللهم آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلِّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. وكتبه: أحمد بن إبراهيم الجابريّ E-Mail: Islamtime@Hotmail.Com.

стр. 14

الباب الأول: تمهيد البحث ، ويشتمل على فصلين الفصل الأول: وهو خاص بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. الفصل الأول: وهو خاص بالحاكم، وكتابه المستدرك.

стр. 15

الفصل الأول، ويشتمل على مبحثين المبحث الأول: ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. المبحث الثاني: اختلاف الفِرَقِ في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وموقف أهل السنة منه.

стр. 16

المبحث الأول: تَرْجمةُ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ (١) • اسمُهُ ونَسَبُه: هو علي بن أبي طالب (٢) بن عبدالمطلب (٣) بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. فهو ابن عم رسول الله ﷺ ، ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، ووالده أبو طالب شقيق عبدالله والد النبي ﷺ . وأُمُّه هي: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ﵂، أول هاشمية ولدت هاشميا، وقد أسلمت وهاجرت، وهي التي

стр. 17

سمَّت عليا: أَسَدَاً عند مولده، وسمته بذلك لاسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر، حيث قال: أنا الذي سمَّتني أُمِّي حَيْدَرَه (١) كَلَيْثِ غابات كَرِيهِ المَنْظَرَه (٢) وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، كره هذا الاسم، وسمَّاه عليًا (٣). • كُنْيتُه: له كنيتان مشهورتان: الأولى: أبو الحسن، نسبة لابنه الأكبر: الحسن بن علي، وهو ابنه من فاطمة ﵂. والثانية: أبو تراب، وتسميته بها من قِبَل النبي ﷺ ، ولها قصة: يقول سهل بن سعد: «ما كان لعليٍّ اسم أحب إليه من أبي التراب، وإن كان ليفرح إذا دُعِيَ بها»، فقيل لسهل: أخبرنا عن قصته، لم سُمِّيَ أبا تراب؟ قال: «جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة، فلم يجد

стр. 18

عليا في البيت، فقال: «أين ابن عمك؟» فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ (١) عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان «انظر، أين هو؟» فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاءه رسول الله ﷺ وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، فأصابه تراب، فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول «قم أبا التراب، قم أبا التراب» (٢). ويُقال له أيضا: أبو السِّبْطَيْن (الحسن والحسين) (٣). • مَوْلِدُه: وقع خلاف بين الروايات في تحديد وقت مولده، ففي بعضها: أنه وُلِد قبل البعثة بخمس عشرة أو ست عشرة سنة (٤)، وفي أخرى: أنه

стр. 19

قبل البعثة بثماني سنين (١)، وفي ثالثة: أنه قبل البعثة بعشر سنين، وهذا الأخير هو ما ذكره ابن إسحاق (٢)، ورجَّحه الحافظ ابن حجر (٣). وأمَّا عن مكان مولده؛ فيقول الحاكم: «إن الأخبار تواترت بأن عليًا وُلِد في جوف الكعبة» (٤). • صِفَتُه: كان عليٌّ ﵁: شيخًا سمينًا، عظيم البطن، أصلعاً، كثير الشعر، آدم (٥) شديد الأدمة، ثقيل العينين عظيمهما، أقرب إلى القصر من الطول، عظيم اللحية جدًّا، قد ملأت ما بين منكبيه، أبيض الرأس واللحية، لم يصفه أحد بالخضاب إلا سوادة بن حنظلة؛ فإنه قال: «رأيت علياً أصفر اللحية»، ويشبه أن يكون قد خضب مرة ثم ترك (٦). • إِسْلامُه: يقول مجاهد بن جبر: «كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، ومما صنع الله له، وأراده به من الخير، أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان

стр. 20

أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم،: «يا عباس: إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه رجلا، وتأخذ أنت رجلا، فنكلهما عنه». فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله ﷺ عليا، فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله ﵎ نبيا، فاتبعه علي ﵁، وآمن به وصدَّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه» (١). ولهذه المكانة لعلي في بيت النبوة: كان أول من أسلم من الصبيان، واختُلف في أول من أسلم من

стр. 21

الرجال عامة: هل هو أبو بكر الصديق أم علي؟ فقال ابن عبدالبر: «الصحيح في أمر أبي بكر أنه أول من أظهر إسلامه، كذلك قال مجاهد وغيره، قالوا: ومنعه قومه. وقال ابن شهاب، وعبدالله بن محمد بن عقيل، وقتادة، وأبو إسحاق: أول من أسلم من الرجال علي. واتفقوا على أن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدَّقه فيما جاء به، ثم علي بعدها». ثم أسند ابن عبدالبر إلى محمد بن كعب القرظي أنه سُئِل عن أول من أسلم: عليٌّ أو أبو بكر ﵄؟ فقال: «سبحان الله! عليٌّ أولهما إسلاما، وإنما شُبِّه على الناس لأن عليَّا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه، ولا شك أن عليَّا عندنا أولهما إسلاما» (١). وأيا كان الراجح في هذه المسألة، قهي تدل على فضيلة ظاهرة لعلي ﵁، في سبقه للإسلام. • أزواجه وأولاده: تزوج من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وهي أولى زوجاته، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، ﵂، ووُلِد له منها: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم الكبرى (٢).

стр. 22

وتزوج من خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة، ووُلِد له منها: محمد الأكبر، وهومحمد بن الحنفية. وتزوج من ليلى بنت مسعود بن خالد من بنى تميم، ووُلِد له منها: عبيد الله، وأبو بكر. وتزوج من أم البنين بنت حزام بن خالد بن جعفر بن ربيعة، ووُلِد له منها: العباس الأكبر، وعثمان، وجعفر الأكبر، وعبدالله. وتزوج من أسماء بنت عميس الخثعمية، ووُلِد له منها: يحيى وعون. وتزوج من الصهباء أم حبيب بنت ربيعة بن بجير، ووُلِد له منها: عمر الأكبر، ورقية. وتزوج من أمامة بنت العاص بن الربيع، ووُلِد له منها: محمد الأوسط. وتزوج من أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، ووُلِد له منها: أم الحسن، ورملة الكبرى. وتزوج من محياة بنت امرئ القيس، ووُلِد له منها: ابنة هلكت وهي جارية.

стр. 23

ووُلِد له من أمهات الأولاد: محمد الأصغر، وأم هانئ، وميمونة، وزينب الصغرى، ورملة الصغرى، وأم كلثوم الصغرى، وفاطمة، وأمامة، وخديجة، وأم الكرام، وأم سلمة، وأم جعفر، جمانة ونفيسة. قال ابن سعد: «فجميع ولد علي بن أبي طالب لصلبه أربعة عشر ذكرا، وتسع عشرة امرأة، وكان النسل من ولده لخمسة: الحسن، والحسين، ومحمد وابن الحنفية، والعباس ابن الكلابية، وعمر ابن التغلبية. ولم يصح لنا من ولد علي ﵁ غير هؤلاء» (١). • جِهادُه ونَشْرُه للدين: منذ اللحظات الأولى التي أعلن عليٌّ إسلامه فيها، وهو يعلم أن منزلة رسول الله ﷺ لا يدانيها منزلة أحد من البشر، وأنه لا ينبغي لأحد من المسلمين أن يتردد في أن يفدي رسول الله ﷺ بنفسه. وكذلك علم أن عليه واجبا تجاه دينه ينبغي أن يؤديه، وقد أثبتت الأيام صدق ما رسخ في نفسه في هذا الوقت. ففي حادث الهجرة: عندما تمالأ كفار قريش على قتل رسول الله ﷺ ، واجتمعوا حول بيته لتنفيذ جريمتهم؛ أراد رسول

стр. 24

الله ﷺ أن يترك أحدا مكانه في فراشه، وهي مهمة خطرة بلا شك، قد يدفع من يقوم بها حياتَه ثمنا لها، فانتدب النبي ﷺ عليَّا لها، وقال له: «نَمْ على فراشي، وتَسَجَّ (١) ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنَمْ فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» (٢). قال ابن عباس: «شَرَى عليٌّ نفسه، فلبس ثوب النبي ﷺ ، ثم نام في مكانه» (٣). ولم يتوقف جهاده في سبيل الله، مع رسول الله ﷺ عند حادث الهجرة، بل ترك وطنه وأهله ولحق عليٌّ بنبيه بعد هجرته، وظلَّ يتنقل معه من غزوة لأخرى، ومن مشهد لآخر، فمن بَدْرٍ لأُحُد، ثم الأحزاب، فبيعة الرضوان وصلح الحديبية، ثم خيبر، ثم فتح مكة، وحنين، والطائف، مرورا بالسرايا والمهمات الخاصة التي كان النبي ﷺ ينتدبه لها.

стр. 25

يقول النووي: «وأجمع أهل التواريخ على شهوده بدرًا وسائر المشاهد غير تبوك. قالوا: وأعطاه النبى ﷺ اللواء في مواطن كثيرة. وقال سعيد بن المسيب: أصابت عليًا يوم أُحُد ستةُ عشر ضربة. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أعطاه الراية يوم خيبر، وأخبر أن الفتح يكون على يديه (١)، وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة» (٢). فلم يتخلَّف علي عن غزوة من الغزوات، إلا ما كان منه في غزوة تبوك، حينما استخلفه النبي ﷺ على المدينة، فقال له علي: «أتخلفني في الصبيان والنساء؟» فقال له النبي ﷺ : «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون، من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟» (٣). ولم تقتصر خدمة عليٍّ لدين الله، ونشره له؛ على ميدان القتال والسيف فحسب، بل نَشَرَه كذلك بلسانه، فحمل إلى الأمة حديثا كثيرا عن رسول الله ﷺ . فروى عن رسول الله صلى الله عليه

стр. 26

وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم منها على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر (١)، هذا بخلاف فتاويه وتعليمه للناس. يقول النووي: «وأما علمه، فكان من العلوم بالمحل العالي» (٢). • علاقته بالخلفاء الراشدين، ومكانته في أيامهم وخلافتهم: أوَّلاً: عليٌّ مع أبي بكر الصدِّيق ﵄: وردت عِدَّةُ أخبار في شأن تأخر علي عن مبايعة أبي بكر الصديق، وجُلُّ هذه الأخبار ليست صحيحة، وفي المقابل جاءت روايات صحيحة السند تفيد بأن عليًا بايع الصديق في أول الأمر، ومن ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: «لما تُوفِّي رسولُ الله ﷺ قام خطباء الأنصار .... ، فذكر بيعة السقيفة، ثم قال: فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا، فسأل عنه، فقام أناس من الأنصار، فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله

стр. 27

صلَّى الله عليه وسلَّم وختنه، أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ ، فبايعه» (١). قال الحافظ ابن كثير: «هذا إسناد صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب، إما في أول يوم، أو في الثاني من الوفاة، وهذان حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلفه» (٢). ووقف عليٌّ بعد ذلك بجوار أبي بكر الخليفة في حروبه ضد المرتدِّين، يساند ويؤازر وينصح، ويتجلَّى نصحه وصدقه يوم أراد

стр. 28

الصدِّيق أن يخرج بنفسه لقتال المرتدِّين، فوقف له عليٌّ، وأخذ بزمام فرسه، وقال له: «إلى أين يا خليفة رسول الله ﷺ ؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «شم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك». وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا». فرجع، وأمضى الجيش (١). وكان عليٌّ يعرف لأبي بكر فضله، فيقدِّمه على نفسه، وهذا بصريح قوله لا بقول أحد غيره، ومن ذلك: أن ابنه محمد بن الحنفية قال له يوما: يا أبت، أيُّ الناس خيرٌ بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: «أبو بكر»، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر»، وخشيتُ أن يقول عثمان، قُلتُ: ثُمَّ أنت؟ قال: «ما أنا إلا رجل من المسلمين» (٢). وفي المقابل: كان أبو بكر يعرف لعلي ولآل البيت فضلهم، فينزلهم منزلتهم، ويقدرهم قدرهم، ومن ذلك: أن أبا بكر ﵁ صلَّى

стр. 29

العصر يوما، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب مع الصبيان، فحمله على عاتقه، وقال: «بأبي، شبيه بالنبي، لا شبيه بعلي». وعلي ﵁ يضحك (١). وظلَّت هذه العلاقة من المودة والإخاء، والمحبة والتقدير بينهما حتى لحق الصدِّيق بربه، واستخلف عُمَرَ من بعده. ثانياً: عليٌ مع عمر بن بن الخطاب ﵄: على درب الصدق والنصح والإخاء الذي سار عليه مع الصدِّيق، سار عليٌّ مع عمر بن الخطاب. وفي المقابل أيضا: كانت لعلي منزلته العالية عند الفاروق عمر، كما كانت عند أبي بكر. يقول ابن الجوزي عن عليّ: «كان أبو بكر وعمر يشاورانه ويرجعان إلى رأيه، وكان كل الصحابة مفتقرا إلى علمه، وكان عمر يقول: «أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن» (٢). ولذلك جعله عمر من مجلس مشورته، وتراجع مرات عن رأيه، آخذا برأي علي، حينما تبيَّن له صحته، ومن ذلك: أن عمر بن الخطاب، ﵁، أُتِيَ بامرأة قد زنت، فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم عليٌّ، ﵁، فقال: «ما هذه؟» قالوا: زنت فأمر عمر

стр. 30

برجمها، فانتزعها عليٌّ من أيديهم وردَّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: «ما ردَّكم؟» قالوا: ردَّنا عليٌّ، قال: «ما فعل هذا عليٌّ إلا لشيء قد علمه»، فأرسل إلى عليّ، فجاء وهو شبه المغضب، فقال: «ما لك رددتَ هؤلاء؟» قال: «أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل؟» قال: «بلى»، قال عليٌّ: «فإن هذه مبتلاة بني فلان، فلعله أتاها وهو بها»، فقال عمر: «لا أدري»، قال: «وأنا لا أدري». فلم يرجمها (١). وفي المقابل: كان عليٌّ يعرف لعمر فضله، ويقدِّمه على نفسه، وقد مر معنا في علاقته بأبي بكر، أنه لما سُئِلَ: أيُّ الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: «أبو بكر»، قِيل له: ثُمَّ مَنْ؟ قال: «ثُمَّ عمر» (٢). ولمَّا طُعن عمر، ﵁، كان عليٌّ من أشد الناس حزنا عليه، وثناءً عليه، يقول عبدالله بن عباس: «وُضِع عمر بن الخطاب على سريره، فتكنَّفه (٣) الناس يدعون ويُثنون ويُصلُّون عليه، قبل أن يُرفع،

стр. 31

وأنا فيهم، قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه فإذا هو علي، فترحَّم على عمر، وقال: ما خلَّفتُ أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: «جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» فإن كنت لأرجو، أو لأظن، أن يجعلك الله معهما» (١). وفي مُقابل ذلك: فإن عمر لما طُعن: رشَّح عليا للخلافة مع أهل الشورى، وذلك حينما قِيل له: أوص يا أمير المؤمنين، استخلِفْ. فقال: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين تُوفِّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض». فسمَّى عليَّاً، وعُثمانَ، والزُّبيرَ، وطلحةَ، وسعداً، وعبدالرحمن (٢). ثالثاً: عليٌ مع عُثمان بن عفَّان ﵄:

стр. 32

بعد مقتل عمر، انعقد مجلس الشورى الذي سمَّاه هو قبل رحيله، وتولَّى زمام الأمر: عبدالرحمن بن عوف، فعزل نفسه من الاختيار، وطاف على أهل المدينة من المهاجرين والأنصار، واستمع إلى أهل الحل والعقد منهم، حتى رأى استقرار الجميع على عثمان بن عفان، فبايعه، وبايعه الجميع: المهاجرون، والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون، ومعهم علي بن أبي طالب (١). وظلَّت لعليّ مكانته في مجلس الخليفة، فكان عثمان يستشيره مع من يستشير، ومن أعظم الأدلة على ذلك: استشارته إياه في شأن جمع الناس على مصحف واحد، وقد كان عليٌّ يدافع عن عثمان في هذا الفعل، ويشيد بدوره فيه. يقول علي: «يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعا، ... » إلى أن قال: «والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل» (٢).

стр. 33

ولمَّا وقعت الفتنة في نهاية خلافة عثمان، وحوصر من الخوارج، كان عليٌّ من أكثر الناس رغبة في الدفاع عنه، ولما منعه عثمان من ذلك، رغبة في صيانة دماء المسلمين، أرسل عليٌّ الحسن والحسين مع باقي أبناء الصحابة، كعبدالله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ليدافعوا عن عثمان. ولمَّا بلغه خبر مقتله قال لابنيه: «كيف قُتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟» قالا: لم نعلم، فرفع يده ولطم الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة وعبدالله بن الزبير، ثم خرج وهو غضبان يسترجع (١). وكان عليٌّ يقول: «والله ما شاركتُ، وما قتلتُ، ولا أمرتُ، ولا رضيتُ» - يعني: قتل عثمان - (٢).

стр. 34

• خِلافة علي بن أبي طالب ﵁، ومبايعة الصحابة له: لمَّا كان أهل الشورى الذين سمَّاهم عمر قد آل أمر الاختيار بينهم إلى رجلين: عثمان وعليّ، ولمَّا استقر الأمر على تقديم عثمان، ولمَّا كان عثمان قد قُتِل غدرا دون أن يستخلف؛ كان الترتيب المنطقي أن تؤول الخلافة إلى علي بن أبي طالب، فقد كان هو أحق الناس بها في ذلك الوقت، ولذا بايعه الصحابة. قال الزهري: «لما قُتِل عثمان: برز عليُّ بن أبي طالب للناس ودعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وهذا لأن سائر من بقي من أصحاب الشورى كانوا قد تركوا حقوقهم عند بيعة عثمان، فلم يبق أحد منهم لم يترك حقه إلا علي، وكان قد وفَّى بعهد عثمان حتى قتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحد أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى» (١). وقال أبو عبدالله بن بطة: «كانت بيعةُ عليٍّ بيعةَ اجتماع ورحمة، لم يدعُ إلى نفسه، ولم يجبرهم على بيعته بسيفه، ولم يغلبهم بعشيرته، ولقد

стр. 35

شرف الخلافة بنفسه، وزانها بشرفه، وكساها حلة البهاء بعدله، ورفعها بعلو قدره، ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه» (١). وقال الحافظ ابن حجر: «وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهم بعد ما كان» (٢). ولا يُفهم من هذا الكلام أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام امتنعوا عن مبايعة علي لأنهم يرون معاوية أو غيره أحق بالخلافة، لا، ولكنهم أرادوا الثَّأر أَوَّلاً لدم عثمان قبل مبايعة علي، خاصة معاوية، فهو ابن عم عثمان، ويرى أنه أحق من يطالب بدمه لأنه وليه، ومن هنا نشأ الخلاف، وشبَّت الفتنة بين علي ومعاوية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لما طلب علي من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليا أفضل وأحق، ولكن طلبوا من علي أن يقيم الحد على قتلة عثمان،

стр. 36

وكان علي غير متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إما لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم علي لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية» (١). • تلخيص لما حدث في معركة الجمل (سنة ٣٦ هـ): منذ مقتل عثمان وبدأت الفتن تلوح في الأفق، وتلقي بظلالها على من عاصرها، ويرجع أصل النزاعات والحروب التي قامت في هذا الوقت إلى الخلاف الواقع حول مسألة الثَّأر لدم عثمان، والانتصار من قاتليه، فهذه المسألة وإن كان متَّفقا عليها بين الجميع، إلا أن الخلاف وقع بينهم في: متى تكون. ففريق يرى أن هذا الأمر مُقدَّم على غيره، وهذا الفريق انقسم لقسمين: القسم الأول: بايع عليَّا واعترف له بالخلافة، لكنه كان يرى أن أول واجب على عليّ: أن يثأر من القتلة قبل أي شيء، وأن يُعجِّل بالقصاص

стр. 37

منهم. وهذا القسم يُمثِّلُه الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، ومن معهما. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم الجمل. القسم الثاني: امتنع عن مبايعة علي حتى يتم الثأر لدم عثمان، وهذا القسم يُمثِّلُه معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم صِفِّين. وأما الفريق الآخر: فيرى أن الثأر لدم عثمان حق وواجب، ولكن الأمر في الدولة الإسلامية في هذا الوقت غير مستقر، والمطالبة بالثأر الآن ليست في قدرة الخليفة ولا في استطاعته، فقتلة عثمان منتشرون ومتغلغلون داخل الجيش، فالتأنِّي الآن والتريُّث هو الأسلم للمسلمين. وهذا الفريق يُمثِّلُه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١). يقول ابن حزم في معرض دفاعه عن موقف عليٍّ ومن معه: «أما قولهم: إن أخذ القَوَد واجب من قتلة عثمان، المحاربين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، الساعين في الأرض بالفساد، والهاتكين حرمة الإسلام والحرم والأمانة والهجرة والخلافة والصحبة والسابقة؛ فنَعَم،

стр. 38

وما خالفهم قط عليٌّ في ذلك، ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عددا ضخما جمَّا، لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن عليٍّ مالا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج، ولا فرق، قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ولو أن معاوية بايع عليا لقَوِيَ به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصحَّ أن الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم، ..... » إلى آخر كلامه هناك (١). وبهذا التلخيص يتبين لنا أن كلا من هؤلاء الصحابة الأفاضل قد اجتهد، وهم جميعا أهل لهذا الاجتهاد، فيكون للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر، ولا حرج عليهم إن شاء الله تعالى. ونعود الآن إلى القسم الأول من الفريق الأول، الذي بايع عليا، لكنه طلب بتعجيل القصاص من قتلة عثمان، فهم يرون الآن أن الأشهر تمر، وعليٌّ لم يفعل شيئا بعد في شأن هؤلاء القتلة. عندها بدأوا يفكرون في حلول بديلة.

стр. 39

خرج طلحة والزبير أوَّلاً إلى مكة، فالتقيا هناك بأم المؤمنين عائشة، واتفقوا جميعا على ضرورة التعجيل بالثأر لدم عثمان، وساعدهم على التحرك لهذا الغرض: أنْ تواجد في مكة في هذا الوقت عبدالله بن عامر، وكان أمير البصرة في عهد عثمان، وكذلك تواجد يعلى بن أمية، الذي كان قد خرج من اليمن لإعانة الخليفة، وكِلا الرجلين يحثّ على الخروج، ويعرض المعونة المادية. واتفقوا بعد تشاور بينهم على أن يبدأوا الحركة من البصرة، ثم يتوجهوا إلى الكوفة، ويستعينوا بأهلها على قتلة عثمان منهم أو من غيرهم، ثم يدعون أهل الأمصار الأخرى لذلك، حتى يُضيقوا الخناق على قاتلي عثمان الموجودين في جيش عليّ، فيأخذونهم بأقل قدر ممكن من الضحايا (١). وكانت مطالبهم في ذلك الخروج واضحة، وهي: الثأر لدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا المطلب هو لإقامة حد من حدود الله، وأنه إذا لم

стр. 40

يؤخذ على أيدي قتلة عثمان فسيكون كل إمام معرضًا للقتل من أمثال هؤلاء (١). ولما وصلوا إلى البصرة، خرج إليهم عثمان بن حنيف، والي عليٍّ على البصرة، فقال لهم: «ماذا تريدون؟» قالوا: نريد قتلة عثمان. فقال لهم: «حتى يأتي عليٌّ»، ومنعهم من الدخول. ثم خرج إليهم حُكيم بن جَبَلة، وهو أحد الذين شاركوا في قتل عثمان، فقاتلهم في سبعمئة رجل فانتصروا عليه، وقتلوا كثيرا ممن كان معه، وانضم كثير من أهل البصرة إلى جيش طلحة والزبير وعائشة (٢). بلغ عليَّا أن ثمة قتال وقع بين عثمان بن حنيف، وبين جيش طلحة والزبير، عندها جهز جيشا قوامه عشرة آلاف، وخرج من المدينة إلى الكوفة. وهنا يظهر لنا جليا أن علي بن أبي طالب هو الذي خرج إليهم ولم يخرجوا عليه، ولم يقصدوا قتاله كما تدعي بعض الطوائف ومن تأثَّر بهم، ولو كانوا يريدون الخروج على عليٍّ لذهبوا إلى المدينة مباشرة، وليس إلى البصرة (٣).
следующие страницы →