وكان علي غير متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إما لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم علي لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية» (١).
• تلخيص لما حدث في معركة الجمل (سنة ٣٦ هـ):
منذ مقتل عثمان وبدأت الفتن تلوح في الأفق، وتلقي بظلالها على من عاصرها، ويرجع أصل النزاعات والحروب التي قامت في هذا الوقت إلى الخلاف الواقع حول مسألة الثَّأر لدم عثمان،
والانتصار من قاتليه، فهذه المسألة وإن كان متَّفقا عليها بين الجميع، إلا أن الخلاف وقع بينهم في: متى تكون.
ففريق يرى أن هذا الأمر مُقدَّم على غيره، وهذا الفريق انقسم لقسمين:
القسم الأول: بايع عليَّا واعترف له بالخلافة، لكنه كان يرى أن أول واجب على عليّ: أن يثأر من القتلة قبل أي شيء، وأن يُعجِّل بالقصاص
стр. 37
منهم. وهذا القسم يُمثِّلُه الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، ومن معهما. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم الجمل.
القسم الثاني: امتنع عن مبايعة علي حتى يتم الثأر لدم عثمان، وهذا القسم يُمثِّلُه معاوية بن أبي سفيان ومن معه من أهل الشام. وهذا القسم هو من حاربه عليٌّ في يوم صِفِّين.
وأما الفريق الآخر: فيرى أن الثأر لدم عثمان حق وواجب، ولكن الأمر في الدولة الإسلامية في هذا الوقت غير مستقر، والمطالبة بالثأر الآن ليست في قدرة الخليفة ولا في استطاعته، فقتلة عثمان منتشرون ومتغلغلون داخل الجيش، فالتأنِّي الآن والتريُّث هو الأسلم للمسلمين. وهذا الفريق يُمثِّلُه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١).
يقول ابن حزم في معرض دفاعه عن موقف عليٍّ ومن معه: «أما قولهم: إن أخذ القَوَد واجب من قتلة عثمان، المحاربين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، الساعين في الأرض بالفساد، والهاتكين حرمة الإسلام والحرم والأمانة والهجرة والخلافة والصحبة والسابقة؛ فنَعَم،
стр. 38
وما خالفهم قط عليٌّ في ذلك، ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عددا ضخما جمَّا، لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن عليٍّ مالا يستطيع عليه، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه من قيام بالصلاة والصوم والحج، ولا فرق، قال الله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ولو أن معاوية بايع عليا لقَوِيَ به على أخذ الحق من قتلة عثمان، فصحَّ أن
الاختلاف هو الذي أضعف يد علي عن إنفاذ الحق عليهم، ..... » إلى آخر كلامه هناك (١).
وبهذا التلخيص يتبين لنا أن كلا من هؤلاء الصحابة الأفاضل قد اجتهد، وهم جميعا أهل لهذا الاجتهاد، فيكون للمصيب منهم أجران، وللمخطئ أجر، ولا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.
ونعود الآن إلى القسم الأول من الفريق الأول، الذي بايع عليا، لكنه طلب بتعجيل القصاص من قتلة عثمان، فهم يرون الآن أن الأشهر تمر، وعليٌّ لم يفعل شيئا بعد في شأن هؤلاء القتلة. عندها بدأوا يفكرون في حلول بديلة.
стр. 39
خرج طلحة والزبير أوَّلاً إلى مكة، فالتقيا هناك بأم المؤمنين عائشة، واتفقوا جميعا على ضرورة التعجيل بالثأر لدم عثمان، وساعدهم على التحرك لهذا الغرض: أنْ تواجد في مكة في هذا الوقت عبدالله بن عامر، وكان أمير البصرة في عهد عثمان، وكذلك تواجد يعلى بن أمية، الذي كان قد خرج من اليمن لإعانة الخليفة، وكِلا الرجلين يحثّ على الخروج، ويعرض المعونة المادية.
واتفقوا بعد تشاور بينهم على أن يبدأوا الحركة من البصرة، ثم يتوجهوا إلى الكوفة، ويستعينوا بأهلها على قتلة عثمان منهم أو من غيرهم، ثم يدعون أهل الأمصار الأخرى لذلك، حتى يُضيقوا الخناق على قاتلي عثمان الموجودين في جيش عليّ، فيأخذونهم بأقل قدر ممكن من الضحايا (١).
وكانت مطالبهم في ذلك الخروج واضحة، وهي: الثأر لدم عثمان، والإصلاح، وإعلام الناس بما فعل الغوغاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن هذا المطلب هو لإقامة حد من حدود الله، وأنه إذا لم
стр. 40
يؤخذ على أيدي قتلة عثمان فسيكون كل إمام معرضًا للقتل من أمثال هؤلاء (١).
ولما وصلوا إلى البصرة، خرج إليهم عثمان بن حنيف، والي عليٍّ على البصرة، فقال لهم: «ماذا تريدون؟» قالوا: نريد قتلة عثمان. فقال لهم: «حتى يأتي عليٌّ»، ومنعهم من الدخول.
ثم خرج إليهم حُكيم بن جَبَلة، وهو أحد الذين شاركوا في قتل عثمان، فقاتلهم في سبعمئة رجل
فانتصروا عليه، وقتلوا كثيرا ممن كان معه، وانضم كثير من أهل البصرة إلى جيش طلحة والزبير وعائشة (٢).
بلغ عليَّا أن ثمة قتال وقع بين عثمان بن حنيف، وبين جيش طلحة والزبير، عندها جهز جيشا قوامه عشرة آلاف، وخرج من المدينة إلى الكوفة. وهنا يظهر لنا جليا أن علي بن أبي طالب هو الذي خرج إليهم ولم يخرجوا عليه، ولم يقصدوا قتاله كما تدعي بعض الطوائف ومن تأثَّر بهم، ولو كانوا يريدون الخروج على عليٍّ لذهبوا إلى المدينة مباشرة، وليس إلى البصرة (٣).
стр. 41
ولما وصل عليٌّ إلى البصرة، أرسل القعقاع بن عمرو للتفاوض مع طلحة والزبير، واتفق الجميع على عدم القتال، والانتظار لحين استقرار الأمر، حتى يتسنَّى لعلي تنفيذ القصاص. بيد أن هذا الاتفاق لم يصادف قبولا عند قتلة عثمان الذين تغلغلوا في جيش علي، فقد رأوا في هذا الاتفاق تمهيدا للقضاء عليهم، فباتوا ليلتهم يفكرون في كيفية إشعال الفتنة والحرب بين الجيشين، فاستقر رأيهم على أن تخرج جماعة منهم لتهجم على جيش طلحة والزبير، وتقتل بعض الأفراد منهم، ثم يولوا هاربين، وفي ظلام الليل نفَّذوا ما اتفقوا عليه.
فوجئ جيش طلحة بهجوم عليه، وقَتْلٍ في أفراده، فظنوا أن جيش عليٍّ غدر بهم، فناوشوا جيش عليّ في الصباح، فظن جيش علي أن جيش طلحة والزبير قد غدر، فاستمرت المناوشات بين الفريقين حتى كانت الظهيرة؛ فاشتعلت المعركة.
وعلى الرغم من محاولة علي لتهدئة الموقف من جهة، والزبير وطلحة من جهة أخرى؛ إلا أن نداءاتهم لم تجد آذانا صاغية، وساعد قتلةُ عثمان على إذكاء نار الحرب وتهييجها، حتى كثر القتل في الطرفين، وسالت الدماء، وتناثرت الأشلاء، وعُقر جمل أم المؤمنين عائشة، والذي سُمِّيت الموقعة باسمه، واستبسل الناس في الدفاع عنها، وقُتِل طلحة
стр. 42
والزبير ﵄ في ذلك اليوم. وردَّ
عليٌّ أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى المدينة مُعزَّزَة مُكرَّمَة (١).
• تلخيصٌ لما حدث في معركة صِفِّين (سنة: ٣٧ هـ):
كان معاوية - كما قدَّمنا - من القسم الثاني من الفريق الأول، والذي امتنع عن مبايعة علي حتى يتم القصاص من قتلة عثمان، فرأى عليٌّ بعد معركة الجمل أنه يجب على معاوية وأصحابه طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، ورأى أنهم خارجون عن طاعته، يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة؛ عندها رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة (٢).
ولذا أعدَّ عليٌّ جيشه، وخرج به إلى صِفِّين في الشام. ولما علم معاوية بخروج عليٍّ إليه، جهَّز جيشا وخرج به لملاقاة علي ومن معه، مُصِرَّاً بذلك على موقفه من عدم المبايعة؛ لحين تسليمه قتلة عثمان.
بدأ الأمر بين الجيشين بمناوشات يسيرة، ثم محاولات للصلح لم يُكتب لها النجاح، وأعقب ذلك حرب دامية بين الطرفين، قُتِل فيها عشرات الآلاف من الطرفين، حتى رأى بعض العقلاء ضرورة التوقُّف
стр. 43
حقنا لدماء من بقي من المسلمين، وخوفا على النساء والذراري من فناء رجالهم، وهجوم الأعداء عليهم، فرفع جنود معاوية المصاحف على أسنَّة الرماح، مطالبين بذلك تحكيم كتاب الله بينهم، فرضي عليٌ بذلك، ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية إلى الشام.
انتدب عليٌ أبا موسى الأشعري ليكون نائبه في ذلك التحكيم، وانتدب معاويةُ عمرو بن العاص ليكون نائبه، ودارت بينهما مفاوضات، وردت فيها أخبار كثيرة باطلة لا يصح منها شيء (١)، والصحيح أن الطرفين اتفقا في النهاية على وقف القتال لأجل مُسمَّى (٢).
وقبل أن نغادر هذا الموطن، يحسن بنا أن نشير هنا إلى شيء من آراء العلماء في الترجيح بين اجتهاد الصحابة في هذه الفتنة:
قال ابنُ كثيرٍ: «كان عليٌّ وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم، كما ثبت في صحيح مسلم (٣) من حديث أبى سعيد الخدري قال: حدثني من هو خير
стр. 44
مني - يعني أبا قتادة- أن رسول الله ﷺ قال لعمار بن ياسر: «تقتلك الفئة الباغية» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وعليٌّ ومن معه أولى بالحق من معاوية وأصحابه، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " «تمرق مارقة على حين فُرْقةٍ من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (٢)، فدلَّ هذا الحديث على أن عليَّا أولى بالحق ممن قاتله؛ فإنه هو الذي قتل الخوارج لما افترق المسلمون» (٣).
ومع كون علي ﵁ كان الأقرب إلى الحق، إلا أن بعض العلماء يرون أنه لم يصب الحق كاملا، وأن الحق كان مع من اعتزل القتال بالكلية، فإن الإصلاح كان أولى من الاقتتال، وإلا فالاعتزال.
قال شيخ الإسلام - بعد أن قرَّر أن عليَّا وعسكره أولى بالحق من معاوية وعسكره -: «لكن الفئة الباغية هل يجب قتالها ابتداء قبل أن
стр. 45
تبدأ الإمام بالقتال، أم لا تقاتل حتى تبدأ بالقتال؟ هذا مما تنازع فيه العلماء، وأكثرهم على القول الثاني، فلهذا كان مذهب أكابر الصحابة والتابعين والعلماء أن ترك عليّ القتال كان أكملَ وأفضلَ وأتمَّ في سياسة الدين والدنيا» (١).
ثم اعتذر عن فعل عليٍّ بأنه كان إمام هدى من الخلفاء الراشدين، وأنه فعل ما فعل متأولا مجتهدا، وقد عَذَرَ النبي ﷺ أسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي أشهر إسلامه لمَّا رَفَع عليه السيف، وكذلك عَذَرَ خالد بن الوليد لما قتل من قتل من بني جذيمة، لأنهم لم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، وقالوا: صبئنا؛ لأن ذلك كان تأولا منهما، ومعلوم أن عليَّا وطلحة والزبير كانوا أفضل من أسامة وخالد وغيرهما، فهم أولى بقبول العذر منهم.
وقال شيخ الإسلام: «ولما قال النبي ﷺ عن الحسن: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» " (٢)، فمدح الحسن على الإصلاح، ولم يمدح على القتال في
стр. 46
الفتنة؛ علمنا أن الله ورسوله كان يحب الإصلاح بين الطائفتين دون الاقتتال. ولما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (١)، وقال: «يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق» ورُوِيَ: «أولى الطائفتين بالحق» (٢) من معاوية وأصحابه؛ أَعْلَمَ أن قتال الخوارج المارقة أهل النهروان الذين قاتلهم علي بن أبي طالب، كان قتالهم مما أمر الله به ورسوله، وكان عليٌّ محمودا مأجورا مثابا على قتاله إياهم. وقد اتفق الصحابة والأئمة على قتالهم، بخلاف قتال الفتنة، فإن النص قد دلَّ على أنَّ ترك القتال
فيها كان أفضل، لقوله ﷺ : «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من
стр. 47
الماشي، والماشي فيها خير من الساعي» (١)، ومثل قوله لمحمد بن مسلمة: «هذا لا تضره الفتنة» (٢)، فاعتزل محمد بن مسلمة الفتنة، وهو من خيار الأنصار، فلم يقاتل لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكذلك أكثر السابقين لم يقاتلوا، بل مثل سعد بن أبي وقاص، ومثل أسامة بن وزيد، وعبدالله بن عمر، وعمران بن الحصين، ولم يكن في العسكرين بعد علي أفضل من سعد بن أبي وقاص ولم يقاتل، وزيد بن ثابت، ولا أبو هريرة، ولا أبو بكرة، ولا غيرهم من أعيان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد قال النبي ﷺ لأُهْبَان بن صَيْفِي: «خذ هذا السيف فقاتل به المشركين، فإذا اقتتل المسلمون فاكسره» (٣)، ففعل ذلك ولم
стр. 48
يقاتل في الفتنة. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من
الفتن» (١). وفي الصحيح عن أسامة، عن النبي ﷺ قال: «إني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كمواقع القَطْر» (٢).
والأحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في إخباره بما سيكون في الفتنة بين أمته، وأمره بترك القتال في الفتنة، وأنَّ الإمساك عن الدخول فيها خيرٌ من القتال» (٣).
стр. 49
لكن يبقى لنا بعد أن عرضنا هذه الأقوال والآراء للعلماء في هذه الفتنة، أن نشير إلى أن الإمساك عمَّا شَجَرَ بين الصحابة، وذكرهم بالحسنى؛ هو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال أبو بكر المرُّوذي: قيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: يا أبا عبدالله، ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية؟ فقال أبو عبدالله: «ما أقول فيهم إلا الحسنى» (١).
وقال المرُّوذي: وسمعت أبا عبدالله، وذُكر له أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: «﵏ أجمعين، ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والمغيرة، كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]» (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان من مذهب أهل السنة: الإمساك عما شَجَرَ بين الصحابة،
فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم» (٣).
стр. 50
وقال ابن كثير: «وأما ما شجر بينهم بعده ﵊، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صِفِّين. والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ، ومأجور أيضاً، وأما المصيب فله أجران اثنان» (١).
وقال الحافظ ابن حجر: «واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عُرِف المُحِقُّ منهم، لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين» (٢).
• معركة النَّهْرَوَان (٣):
بعدما عاد عليٌ إلى الكوفة، خرج عليه الخوارج، الذين رفضوا قضية التحكيم، فأرسل إليهم عبدالله بن عباس، فحاورهم وأجاب عن
стр. 51
حججهم، فعادت طائفة منهم إلى الحق معه، وبقيت طائفة أخرى على موقفها وعنادها (١).
стр. 52
ولم تقتصر هذه الفرقة الخارجة على عنادها، بل أخذوا يطعنون في عليٍّ ويُشغِّبون عليه، وامتدت
أيديهم لسفك دماء بعض المسلمين بغير وجه حق، كعبدالله بن خباب ﵁، عندها خرج عليٌ لقتالهم، فقتلهم، وكان عليٌ في ذلك القتال على حالة تختلف عن حالته في قتال الجمل وصِفِّين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ثبت اتفاق الصحابة على قتالهم - يعني: الخوارج -، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
стр. 53
وذكر فيهم سنة رسول الله ﷺ المتضمنة لقتالهم، وفرح بقتلهم، وسجد لله شكرا لما رأى أباهم مقتولا، وهو ذو الثدية، بخلاف ما جرى يوم الجمل وصفين؛ فإن عليا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يذكر عن النبي ﷺ في ذلك سنة، بل ذكر أنه قاتل باجتهاده» (١).
• مَقْتَلُ عليِّ بن أبي طالب ﵁:
لم تمر معركة النَّهْرَوان هيِّنةً على نفوس من بقي من الخوارج، بل تركت فيهم جرحا غائرا، زاده إيلاما شرُّ نفوسِهم مع مرور الأيام عليهم، فبدأوا يفكرون في طريقة للثأر ممن كانوا سببا فيما وقع لهم، ومن هنا بدأت المؤامرة على قتل عليٍّ ﵁.
اجتمع عبدُالرحمنِ بن مُلْجَم، والبُرَك بن عبدالله، وعمرو بن بكر التميمي، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحَّموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا! إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا! فقال ابن ملجم -وكان من أهل مصر-: أنا أكفيكم عليَّ بن أبي طالب، وقال البرك بن عبدالله: أنا أكفيكم
стр. 54
معاوية بن أبي سفيان، وقال عمرو بن بكر: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسمّوها، واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه الذي يطلب (١).
وفي ليلة مقتله ﵁، يقول ابنه محمد بن الحنفية: «كنت أصلي تلك الليلة التي ضرب فيها عليٌّ في المسجد الأعظم، في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السُّدَّة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذ خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: «أيها الناس، الصلاة الصلاة!» فما أدري أخرج من السُّدَّة فتكلم بهذه الكلمات أم لا! فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفا، ثم رأيت ثانيا، ثم سمعت عليا يقول: «لا يفوتنكم الرجل»، وشد الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أُخِذ ابنُ مُلجم وأُدخِل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس،
стр. 55
فسمعت عليَّا يقول: «النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي» (١).
وأسند ابن عبدالبر إلى عبدالله بن مالك، أنه قال: «جُمِعَ الأطباء لعليٍّ ﵁ يوم جُرِح، وكان
أبصرهم بالطب أثير بن عمرو
стр. 56
السكوني (١)، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عرقا منها، فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه، فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت» (٢).
ولما أيقن أمير المؤمنين بحلول أجله، استدعى ولديه الحسن والحسين، فعهد إليهما، وأوصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية، بعد أن ذكرهما بتقوى الله وطاعته، والعمل بما في كتابه (٣).
ثم لم ينطق بعد وصيته إلا بـ «لا إله إلا الله» حتى قُبِض ﵁، وذلك في شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وغسَّله ابناه الحسن والحسين، ومعهما عبدالله بن جعفر، وكُفِّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبَّر عليه الحسن تسع تكبيرات (٤).
стр. 57
وقد اختُلِف في موضع دفنه، فقيل: دُفِن في قصر الإمارة بالكوفة. وقيل: بل دُفِن في رحبة الكوفة. وقيل: دُفِن بنجف الحيرة: موضع بطريق الحيرة، ورُوِيَ عن أبى جعفر - الباقر - أن قبر علي رضى الله عنه جُهل موضعه (١).
واختُلِف أيضا في مبلغ سنه يوم مات، فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان وخمسون. وقيل: ثلاث وستون، وقيل: خمس وستون، وقيل غير ذلك، فالله أعلم بالصواب.
وأما مدة خلافته: فكانت أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام. وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: أربعة عشر يوما (٢).
•
مناقِبُ عليِّ بن أبي طالب ﵁:
لا يكاد أحدٌ يكتب في مناقب ه ذا الصحابي الكبير، إلا ويتذكر قول إمام أهل السنة: أحمد بن حنبل، حين قال: «ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ﵁» (٣). فهذا القول من إمام عارف بالحديث
стр. 58
وأخباره، يدلُّ على كثرة الأحاديث الواردة في فضل عليٍّ، لكنه مع ذلك لا يدل على صحة هذه الأحاديث!
نعم، قد رُويت هذه العبارة عن الإمام أحمد بلفظ آخر، وهو: «ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسنايد الصحاح مثل ما لعلي رضى الله عنه» (١)، لكنَّ إسنادها لا يصح، وكذلك متنها أيضا. فهناك فارق بين الكلام عن ورود الأحاديث وروايتها، والكلام عن ثبوتها وصحتها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأحمد بن حنبل لم يقل إنه صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، بل أحمد أجل من أن يقول مثل هذا الكذب، بل نُقل عنه أنه قال: روي له ما لم يُروَ لغيره، مع أن في نقل هذا عن أحمد كلاما ليس هذا موضعه» (٢).
وقال في موطن آخر: «وقول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره؛ كذب، لا يقوله أحمد ولا غيره من أئمة الحديث؛ لكن قد يقال: روي له ما لم يرو لغيره، لكن أكثر ذلك من نَقْلِ من عُلِمَ كذبُه أو خطؤُه؛ ودليل واحد صحيح المُقدِّمات سليم عن المعارضة خيرٌ من
стр. 59
عشرين دليلا مُقدِّماتها ضعيفة، بل باطلة، وهي معارضة بأصح منها يدل على نقيضها» (١).
وقال الخليلي: «قال بعض الحفاظ: تأملت ما وضعه أهل الكوفة في فضائل علي وأهل بيته، فزاد
على ثلاثمائة ألف» (٢).
وقال الإمام الذهبي: «لم يُروَ لأحد من الصحابة في الفضائل أكثر مما رُوِيَ لعليٍّ ﵇ لكنها ثلاثة أقسام: قسم صحاح وحسان، وقسم ضعاف وواهيات، وفيها كثرة، وقسم أباطيل وموضوعات، وهي كثيرة للغاية، لعلَّ بعضها ضلال وزندقة، قاتل الله من افتراها، .... ، وعلي ﵁ سيد كبير الشأن، قد أغناه الله تعالى أن تثبت مناقبه بالأكاذيب، .... » إلى آخر كلامه (٣).
стр. 60
والأمر كما قال الذهبي ﵀، فقد ثبت لأمير المؤمنين عليٍّ ﵁ من المناقب ما يُغني عن هذه الأحاديث الضعيفة والباطلة والمكذوبة، ولن أتكلم عن هذه الأحاديث الثابتة هنا، ففي ثنايا أحاديث المُستَدرَك التي تمَّ تحقيقها، والتي تأتي في الباب الثاني من هذا البحث؛ ما فيه الكفاية، فلتُنظر هناك، وليُنظر كلام العلماء عليها، وبالله التوفيق (١).
لكن مما ينغي أن يُشار إليه هنا: أنه لكثرة هذه الأحاديث المروية في فضائل علي ﵁،
الثابتة وغير الثابتة، اهتم العلماء بإفراد مُصنَّفاتٍ لها، ومن هذه المُصنَّفات - على سبيل المثال - ما يلي:
١ - «خصائص علي» للإمام النَّسائي.
стр. 61
قال الحافظ ابن حجر: «وأوعب من جمع مناقبه - أي: مناقب عليٍّ - من الأحاديث الجياد: النسائي في كتاب الخصائص» (١).
٢ - «مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»، لابن المغازلي، أبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن الطيب بن أبي يعلى بن الجلابي.
٣ - «مناقب الأسد الغالب، مُمزق الكتائب ومُظهر العجائب، ليث بن غالب، أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب» لشمس الدين ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف (٢).
٤ - «مناقب علي بن أبي طالب» لأبي المؤيَّد موفَّق بن أحمد الخوارزمي.
٥ - «مناقب علي بن أبي طالب» لأبي المعالي الفقيه، المالكي.
٦ - «مناقب علي بن أبي طالب» لحافظ الدين محمد بن أحمد العجمي (٣).
стр. 62
٧ - «كفاية الطالب، في مناقب علي بن أبي طالب» للشيخ الحافظ: أبي عبدالله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، الشافعي (١).
стр. 63
المبحث الثاني: اختلاف الفِرَقِ في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وموقف أهل السنة منه
لم يَسْلَم أحدٌ من الخلفاء الراشدين الأربعة (أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي) ﵃ -من معاداة بعض المنتسبين للإسلام، وإن كان حظهم من تلك المعاداة يتفاوت من واحد لآخر (١). وبعضهم ابتُلي مع هذه المعاداة، بغلُوٍّ شديد في المناصرة والمحاباة. ومن أكثر الخلفاء تعرضا لهذه الابتلاءات والمتناقضات، وأكثرهم عرضة لاختلاف الفِرَق فيه؛ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.
فقد انقسمت الفِرَق في شأنه إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: المُفْرِطون في محبة علي وآل بيته ﵃:
وهم الذين غالوا في محبة عليٍّ وآل بيته، فرفعوه فوق منزلته، وجعلوا له من الصفات والحقوق ما لم يجعلوه لغيره. وهؤلاء ليسوا على
стр. 64
درجة واحدة في المغالاة والإفراط، بل هم على درجات متفاوتة، وأعلى هؤلاء من الغلاة: من جعلوا عليَّا هو الإله! وقد ظهر هؤلاء في زمن عليٍّ نفسه، وشاهدهم بعينه، وأنكر كلامهم، وردَّهم عن قولهم، فلما أَبَوْا: أحرقهم (١).
ودون هؤلاء طائفة أخرى جعلوا منزلة عليٍّ أفضل من منزلة النبي ﷺ ، بل منهم من زعم أنه كان أحق بالنبوة منه، وأن الله أرسل جبريل ﵇ إلى علي، فغلط في طريقه فذهب إلى محمد، لأنه كان يشبهه!
وطائفة أخرى جعلت عليا أفضل الصحابة على الإطلاق، وأولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، فذمُّوا الشيخين (أبا بكر وعمر)، وانتقصوا من قدرهما، وزعموا أن الصحابة
خانوا وصية رسول الله ﷺ بتولية علي الخلافة من بعده!
وأدنى هؤلاء الغلاة قولا واعتقادا في علي: من حفظوا للشيخين مكانتيهما، واعترفوا بخلافتيهما، لكنهم يقدِّمون عليا على عثمان بن عفان، ويرون أنه كان أحق بالخلافة منه (٢).
стр. 65
القسم الثاني: المُفَرِّطون في محبة عليٍّ وآل بيته ﵃، المُعادون له:
وهم الذين فرَّطوا في حق عليٍّ وآل بيته، فبَخَسُوه حقه، وتجاهلوا منزلته ومناقبه وفضله، فلم يراعوا له حرمة عامة ولا خاصة. وهؤلاء أيضا على درجات متفاوتة، وأعلاهم شأنا في التفريط: من كفَّروا عليَّا، وأخرجوه عن الدين والملة!
ودونهم من خَرَجوا على حكم عليٍّ، لكنهم لم يُكفِّروه، وإنما خاصموه، وشنَّعوا عليه، وزعموا أنه ظالمٌ، خالف القرآن في حكمه وفعله، ومِن ثمَّ خرجت طائفة منهم لمحاربته!
وأدنى هذا القسم درجة: من اكتفوا ببغض عليٍّ، وأظهروا بعض اللمز والغمز في كلامهم تجاهه، لكن لم يصرحوا بانتقاصه (١).
стр. 66
القسم الثالث: المعتدلون المتوسِّطون في محبة عليٍّ وآل بيته ﵃:
وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة، الذين عرفوا لعليٍّ قدره، واعترفوا بعلوِّ منزلته وفضله، فأقرُّوا له
بالموالاة والمحبة، ولباقي آل بيته، عملا بالأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في فضله، وفي موالاته ومحبته، ويعترفون أيضا بأن عليَّا وآل بيته قد بُغي عليهم من بعض الطوائف، لكنهم مع ذلك يعترفون أيضا بأن هناك من غالى فيهم، لذلك فمذهب أهل السنة فيهم هو: إقرار ما لهم من حقوق، لكن بدون غُلوٍّ ولا شطط، فلا يقدمون أحدا من الصحابة - عليَّا أو غيره - على الشيخين أبي بكر وعمر، لما ثبت لهما من الفضائل التي ليست لغيرهما، وهذا هو مذهب آل البيت أيضا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين، وتابعيهم من ولد الحسين بن علي، وولد الحسن، وغيرهما؛ أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر، وكانوا يفضلونهما على علي، والنقول عنهم ثابتة متواترة» (١).
стр. 67
وقال الذهبي وهو يبين الاعتقاد الصحيح في عليٍّ وآل بيته: «فمولانا الإمام علي: من الخلفاء الراشدين، المشهود لهم بالجنة ﵁ نحبه أشد الحب، ولا ندعي عصمته، ولا عصمة أبي بكر الصديق. وابناه الحسن والحسين: فسبطا رسول الله ﷺ ، وسيدا شباب أهل الجنة، لو استخلفا لكانا أهلا لذلك» إلى آخر كلامه هناك (١).
وأما عن المفاضلة بين عثمان وعليٍّ ﵄: فإن جمهور أهل السنة والحديث على تقديم عثمان على عليّ، وهذا ما تؤيده الأحاديث والآثار والاعتبار.
قال أبو نعيم الأصبهاني وهو يعرض الأقوال في أفضلية الخلفاء الأربعة: «ومنهم من يقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين - وذلك قول أهل الجماعة والأثر من رواة الحديث، وجمهور الأمة» (٢).
стр. 68
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان، وهو مذهب جماهير أهل
الحديث، وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار» (١).
ومن هذه النصوص التي تدل على تفضيل عثمان على علي: قول عبدالله بن عمر: «كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ ، لا نفاضل بينهم» (٢).
قال الحافظ ابن حجر، مُعلِّقا على هذا الأثر: «وقد اتفق العلماء على تأويل كلام بن عمر هذا، لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان، ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها، وغير ذلك، فالظاهر أن بن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورا بينا فيجزمون به، ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص» (٣). يعني: في تفضيل علي بعد عثمان.
стр. 69
ويدل على هذا التفضيل أيضا: اجتماع المهاجرين والأنصار على تقديم عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب، ولذلك قال غير واحد من العلماء، كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني: «من قدَّم عليا على عثمان: فقد أَزْرَى بالمهاجرين والأنصار» (١).
وعلَّق ابن كثير على ذلك بقوله: «وهذا الكلام حق وصدق، وصحيح ومليح» (٢).
وعلى كل حال: فليست هذه المسألة مما يُبدَّع فيها المخالف، لأن الخلاف فيها قديم، وكل له وجه، وإن كان جمهور العلماء والأئمة على تقديم عثمان، كما تقرر وتقدَّم.
يقول الذهبي: «ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في
الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور
стр. 70
الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب. والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما - بلا شك - أبو بكر وعمر» (١).
ومما تقدَّم: نخلص إلى أن أعدل الأقوال في عليٍّ ﵁: أنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وأن أهل السنة يحبونه ويتولونه، ويتبرأون ممن يقعون فيه ويبغضونه، ولكنهم مع ذلك لا يرفعونه فوق منزلته، ولا يدَّعون له - أو لغيره من الصحابة - العصمة. والله تعالى أعلم.
стр. 71
الفصل الثاني
ويشتمل على مبحثين
المبحث الأول: تَرْجمةُ الحاكِم ﵀
المبحث الثاني: التعريف بكتابه "المُستَدرَك"
стр. 72
المبحث الأول: تَرْجمةُ الحاكِم ﵀ (١)
• اسمُهُ وكُنْيتُه:
هو: مُحمَّد بن عبدالله بن مُحمَّد بن حَمْدُوَيْه بن نُعَيْم بن الحَكَم، أبو عبدالله، المعروف بابن البَيِّع (٢)، الضَّبِّيُّ، الطَّهْمانيُّ، النَيْسابُوريُّ، الشَّافعيُّ.
стр. 73
قال عبدالغافر الفارسي: «يُقال له: الضَّبِّي لأنَّ جَدَّ جدته عيسى بن عبدالرحمن بن سليمان الضبي، وأم عيسى بن عبدالرحمن متويه بنت إبراهيم بن طهمان الزاهد الفقيه، فلذلك يُقال له: الطَّهْمانيّ» (١).
• شُهرتُه:
اشتُهِر قديمًا في زمنه بابن البَيِّع، ثم أصبح مشهوراً عند المتأخرين بأبي عبدالله الحاكِم النَيْسابُوري.
• لَقَبُه:
لُقِّبَ بالحاكِم لتولِّيه القضاء، بخلاف ما اشتُهر عند بعض المتأخرين من أنَّ لقب الحاكِم لقبٌ من
ألقاب الحديث مثل الحافظ، والمتقن، وأمير المؤمنين في الحديث؛ فهذا خطأ، بل الصواب أن الحاكِم لقب لمن تولى القضاء.
ولُقِّب أيضاً بالحافظ لقوة حفظه، ولذلك إذا قال البيهقي: «حدثنا أبو عبدالله الحافظ»؛ فإنه يعني شيخه الحاكِم.
• مَوْلِدُهُ:
وُلِد يوم الاثنين، الثالث من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، بِنَيْسابُور.
стр. 74
• طَلَبُه للعلم وجُهُودُه في حِفظ السُنَّة:
أوَّلاً: عِلمُه بالقراءات:
قال عبدالغافر الفارسي: «قرأ القرآن بخُراسان والعراق على قُرَّاء وقته» (١).
وقال الذَّهبيّ: «وقد قرأ بالروايات على ابن الإمام، ومُحمَّد بن أبي منصور الصرام، وأبي علي بن النقار مقرئ الكوفة، وأبي عيسى بكار مقرئ بغداد» (٢).
وترجم له ابن الجزري في طبقات القراء، وقال: «أخذ القراءة عرضاً عن أحمد بن إسماعيل الصرام، وأبي بكر مُحمَّد بن العباس بن الإمام بخُراسان، وأبي عيسى بكار بن مُحمَّد ببغداد، وأبي علي النقار بالكوفة، ومُحمَّد بن الحسين بن أيوب النوقاني، وأبي الحسن مُحمَّد بن مُحمَّد بن الحسن الكازري» (٣).
стр. 75
ثانياً: عِلمُه بالفِقه:
قال الذَّهبيّ: «تفقَّه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسَّان بن مُحمَّد، وأبي سهل الصعلوكي» (١).
وقال ابن الجزري: «أتقن الفقه للشافعي» (٢).
وعَدَّه ابنُ الصلاح، وابنُ السُبكي، وابنُ قاضي شهبة، والإسنوي، وابنُ هداية الله؛ في فقهاء الشافعية، وذلك في طبقاتهم.
ثالثاً: رَحَلاتُه:
كان أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاث مِئَة، أي وعمره تسع سنوات، وهذا يدلُّ على تبكيره في طلب الحديث.
قال عبدالغافر الفارسي: «رحل إلى العراق أوَّلاً سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وإلى بلاد خُراسان سنة ثلاث وأربعين» (٣).