← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 265

مرويات فضائل علي بن أبي طالب في المستدرك

أحمد الجابري

Полный текст (466 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الثاني ويشتمل على مبحثين المبحث الأول: تَرْجمةُ الحاكِم ﵀ المبحث الثاني: التعريف بكتابه "المُستَدرَك"

стр. 72

المبحث الأول: تَرْجمةُ الحاكِم ﵀ (١) • اسمُهُ وكُنْيتُه: هو: مُحمَّد بن عبدالله بن مُحمَّد بن حَمْدُوَيْه بن نُعَيْم بن الحَكَم، أبو عبدالله، المعروف بابن البَيِّع (٢)، الضَّبِّيُّ، الطَّهْمانيُّ، النَيْسابُوريُّ، الشَّافعيُّ.

стр. 73

قال عبدالغافر الفارسي: «يُقال له: الضَّبِّي لأنَّ جَدَّ جدته عيسى بن عبدالرحمن بن سليمان الضبي، وأم عيسى بن عبدالرحمن متويه بنت إبراهيم بن طهمان الزاهد الفقيه، فلذلك يُقال له: الطَّهْمانيّ» (١). • شُهرتُه: اشتُهِر قديمًا في زمنه بابن البَيِّع، ثم أصبح مشهوراً عند المتأخرين بأبي عبدالله الحاكِم النَيْسابُوري. • لَقَبُه: لُقِّبَ بالحاكِم لتولِّيه القضاء، بخلاف ما اشتُهر عند بعض المتأخرين من أنَّ لقب الحاكِم لقبٌ من ألقاب الحديث مثل الحافظ، والمتقن، وأمير المؤمنين في الحديث؛ فهذا خطأ، بل الصواب أن الحاكِم لقب لمن تولى القضاء. ولُقِّب أيضاً بالحافظ لقوة حفظه، ولذلك إذا قال البيهقي: «حدثنا أبو عبدالله الحافظ»؛ فإنه يعني شيخه الحاكِم. • مَوْلِدُهُ: وُلِد يوم الاثنين، الثالث من شهر ربيع الأول، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، بِنَيْسابُور.

стр. 74

• طَلَبُه للعلم وجُهُودُه في حِفظ السُنَّة: أوَّلاً: عِلمُه بالقراءات: قال عبدالغافر الفارسي: «قرأ القرآن بخُراسان والعراق على قُرَّاء وقته» (١). وقال الذَّهبيّ: «وقد قرأ بالروايات على ابن الإمام، ومُحمَّد بن أبي منصور الصرام، وأبي علي بن النقار مقرئ الكوفة، وأبي عيسى بكار مقرئ بغداد» (٢). وترجم له ابن الجزري في طبقات القراء، وقال: «أخذ القراءة عرضاً عن أحمد بن إسماعيل الصرام، وأبي بكر مُحمَّد بن العباس بن الإمام بخُراسان، وأبي عيسى بكار بن مُحمَّد ببغداد، وأبي علي النقار بالكوفة، ومُحمَّد بن الحسين بن أيوب النوقاني، وأبي الحسن مُحمَّد بن مُحمَّد بن الحسن الكازري» (٣).

стр. 75

ثانياً: عِلمُه بالفِقه: قال الذَّهبيّ: «تفقَّه على أبي علي بن أبي هريرة، وأبي الوليد حسَّان بن مُحمَّد، وأبي سهل الصعلوكي» (١). وقال ابن الجزري: «أتقن الفقه للشافعي» (٢). وعَدَّه ابنُ الصلاح، وابنُ السُبكي، وابنُ قاضي شهبة، والإسنوي، وابنُ هداية الله؛ في فقهاء الشافعية، وذلك في طبقاتهم. ثالثاً: رَحَلاتُه: كان أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاث مِئَة، أي وعمره تسع سنوات، وهذا يدلُّ على تبكيره في طلب الحديث. قال عبدالغافر الفارسي: «رحل إلى العراق أوَّلاً سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وإلى بلاد خُراسان سنة ثلاث وأربعين» (٣).

стр. 76

قال الخليلي: «وله إلى العراق والحجاز رحلتان: ارتحل إليها سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية» (١). وقال الخطيب: «قدم بغداد في شبيبته، فكتب بها عن أبي عمرو بن السماك، وأحمد بن سلمان، .... ، ورحل إلى الأمصار والأقطار في طلب العلم، فجال خُراسان التي هي المنطقة التي يعيش فيها فدخل مرو، والري وغيرها من بلاد خُراسان، وأيضًا بلاد ما وراء النهر في بُخارى وسمرقند، وما جاورها، وإلى بلدان أخرى كثيرة متعددة فله رحلة واسعة، كما يظهر من تعدُّدِ مشايخه، وتنوُّعِ بلدانهم، واختلافها» (٢). رابعاً: شُيُوخُه: قال عبدالغافر الفارسي: «روى عن ألف شيخ أو أكثر من أهل الحديث، واختص بصحبة إمام وقته: أبي بكر مُحمَّد بن إسحاق بن أيوب الصبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان يراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ويُقدِّمه على أقرانه» (٣).

стр. 77

وقال الخطيب: «قدم بغداد في شبيبته فكتب بها عن أبي عمرو بن السماك، وأحمد بن سلمان النجاد، وأبي سهل بن زياد، ودعلج بن أحمد، ونحوهم من الشيوخ، ثم وردها وقد علت سِنُّه فحدث بها عن أبي العباس الأصم، وأبي عبدالله بن الأخرم، وأبي علي الحافظ، ومُحمَّد بن صالح بن هانئ، وغيرهم من شيوخ خُراسان» (١). وقال الخليلي: «سمع مُحمَّد بن يعقوب الأخرم، ومُحمَّد بن يعقوب الأصمّ، والحسن بن يعقوب العدل، فمن بعدهم من شيوخ نَيْسابُور، حتى روى عن من عاش بعده لسعة علمه، وسمع بمرو: المحبوبي، والقاسم السياري، والحسن بن مُحمَّد الحليمي، وعلي بن مُحمَّد بن حبيب، فمن بعدهم، وببخارى: أحمد بن سهل الفقيه، وخلفا الخيام، فمن بعدهما، وبنَيْسابُور: مُحمَّد بن عبدالله الجوهري، (وهو: الشافعي، صاحب «الغيلانيات») وأقرانه، وبالري: إسماعيل بن مُحمَّد الصياد، وبهمذان: ابن حمدان الجلاب، وببغداد: ابن السمَّاك، والنجَّاد، وابن درستويه، والعباداني، وبالكوفة: علي بن مُحمَّد بن عقب، وابن أبي دارم، وبمكة: الفاكِهِيّ، ومُحمَّد بن علي بن عبد الحميد الأدمي، وغيرهم» (٢). وقال الذَّهبيّ: «تصانيفه المشهورة تطفح بذكر شيوخه».

стр. 78

وقال أيضاً: «طلب هذا الشأن في صغره بعناية والده وخاله، وأول سماعه كان في سنة ثلاثين، وقد استملى على أبي حاتم بن حبان (صاحب الصحيح) في سنة أربع وثلاثين، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. ولحق الأسانيد العالية بخُراسان والعراق وما وراء النهر، وسمع من نحو ألفي شيخ، ينقصون أو يزيدون، فإنه سمع بنَيْسابُور وحدها من ألف نفس، وارتحل إلى العراق وهو ابن عشرين سنة، فقدم بعد موت إسماعيل الصفار بيسير. وحدَّث عن: أبيه، وكان أبوه قد رأى مسلما صاحب الصحيح، وعن مُحمَّد بن علي المذكر، ومُحمَّد بن يعقوب الأصم، ومُحمَّد بن يعقوب الشيباني ابن الأخرم، ومُحمَّد بن أحمد بن بالويه الجلاب، وأبي جعفر مُحمَّد بن أحمد بن سعيد الرازي صاحب ابن واره، ومُحمَّد بن عبدالله بن أحمد الصفار، وصاحبي الحسن بن عرفة: علي بن الفضل الستوري، وعلي بن عبدالله الحكيمي، ومُحمَّد بن أحمد بن محبوب - مُحَدِّث مَرْو -، وأبي عليٍّ الحُسَيْن بن عليٍّ النَيْسابُوريِّ الحافظ، وحاجب بن أحمد الطُّوْسِيّ - لكن عُدم سَمَاعُه مِنْهُ -، وأبي بكر النَّجَّاد، وعبد الباقِي بن قانع، وعبدالرَّحمن بن حَمْدَان الجَلَاّب - شيخ هَمَذَان -، وأمم سواهم.

стр. 79

وأخذ فنون الحديث عن: أبي علي الحافظ، والجِعابي، وأبي أحمد الحاكِم، والدَّارقُطنيّ، وعدة» (١). وقال ابن السُبكي: «شيوخه الذين سمع منهم بنَيْسابُور وحدها نحو ألف شيخ، وسمع بغيرها من نحو ألف شيخ أيضا، وكتب عن غير واحد أصغر مِنه سِنَّا وسَنَدَاً» (٢). وله عناية بالغة بالدَّارقُطنيّ؛ فقد سأله عن مجموعة من الرواة، جرحا وتعديلا، وهذه السؤالات دُوِّنت واشتُهِرت عنه، وهي مطبوعة الآن باسم: «سؤالات الحاكِم للدار قطني». خامساً: تَلامِيذُه: قال عبدالغافر الفارسي: «آخر من روى عنه الحديث بنَيْسابُور: أبو بكر بن خلف الشيرازي» (٣). وقال الخطيب: «رَوَى عنه الدَّارقُطنيّ، وحدثنا عنه: مُحمَّد بن أبي الفوارس، والقاضي أبو العلاء الواسطي، وغيرهما. وكان ثِقَة» (٤).

стр. 80

وقال الذَّهبيّ: «حَدَّثَ عنه: الدَّارقُطنيّ - وهو من شيوخه -، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، ومُحمَّد بن أحمد بن يعقوب، وأبو ذر الهروي، وأبو يعلى الخليلي، وأبو بكر البيهقي (١)، ... ، وخَلْقٌ سواهم. وقد أخذ عنه من شيوخه: أبو إسحاق المُزَكي، وأحمد بن أبي عثمان الحيري، ورأيت عجيبة وهي: أنَّ مُحدِّثَ الأندلس، أبا عمر الطلمنكي، قد كتب كتاب «علوم الحديث» للحاكم في سنة تسع وثمانين وثلاث مائة، عن شيخ سماه، عن رجل آخر، عن الحاكِم. وقد صَحِبَ الحاكِم من مشايخ الطريق: إسماعيل بن نجيد، وجعفرا الخلدي، وأبا عثمان المغربي» (٢). ومن تلامذته أيضًا: السِّجْزِي، صاحب السؤالات المطبوعة عن الحاكِم. سادساً: مُصَنَّفاتُه: قال عبدالغافر الفارسي: «أخذ في التصنيف سنة سبع وثلاثين وثلثمائة - أي: وعمره ست عشرة سنة - فاتَّفق له من التصانيف ما لعله

стр. 81

يبلغ قريبا من ألف جزء من تخريج الصحيحين، والعلل، والتراجم والأبواب، والشيوخ» (١). وقال الخليلي: «بلغت تصانيفه الكتب الطوال، والأبواب، وجَمع الشيوخ المكثرين والمقلين، قريبا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلِّف الغَثَّ والسمين، ثم يتكلم عليه فيُبيِّن ذلك» (٢). ومن هذه المُصَنَّفات: ١ - تاريخ نَيْسابُور: قال الحاكِم للخليلي: «أَعلَمُ بأنَّ خُراسان وما وراء النهر، لكل بلدة تاريخ صنَّفه عالمٌ منها، ووجدت نَيْسابُور مع كثرة العلماء بها لم يُصنِّفوا فيه شيئا، فدعاني ذلك إلى أن صنَّفتُ «تاريخ النَيْسابُوريين» (٣). فتأمَّلتُه، ولم يسبقه إلى ذلك أحد» (٤).

стр. 82

وقال الخطيب: «حدثني بعض أصحابنا، عن أبي الفضل بن الفلكي الهمذاني، وكان رحل إلى نَيْسابُور وأقام بها، أنه قال: كان كتاب «تاريخ النَيْسابُوريين» الذي صنَّفه الحاكِم أبو عبدالله بن البَيِّع أحد ما رحلت إلى نَيْسابُور بسببه» (١). وقال ابن السُبكي: «وهو عندي أعود التواريخ على الفقهاء بفائدة، ومن نظره عرف تفنُّنَ الرجل في العلوم جميعها» (٢). ٢ - الإِكْلِيل: وهو كتاب في أَيَّام النَّبِيّ ﷺ ، وأزواجِه وأحاديثه، صَنَّفَه لأَبي عَلِيٍّ بنِ سَيْمَجُور، وقال الخليلي: «لَمْ أَرَ أَحداً رتَّب ذلك التَّرتيب» (٣). ٣ - مَعْرِفَةُ علوم الحَدِيْث: وهو كتاب مشهور، ومن أوائل كتب مصطلح الحديث وعلومه، ومِنْ أَجَلِّهَا. ٤ - المُستَدرَك:

стр. 83

وهو أشهر مصنفات هذا الإمام. ٥ - مُزكِّي الأَخْبَار. ٦ - المدخل إِلَى علم الصَّحِيْح. ٧ - فَضَائِل الشَّافِعِيّ. ٨ - سؤالاته للدار قطني. ٩، ١٠ - سؤالات مسعود السِّجْزِي له، وأسئلة البغداديين له، وهما كتابان طُبعا في كتاب واحد. ١١ - فضائل فاطمة الزهراء. ١٢ - الأربعين. هذه مجمل مُصنَّفات الحاكِم التي بلغتنا أو وصلت إلينا، وله كتب أخرى مفقودة، لا يُعلم عنها شيء (١). سابعاً: عِلمُه بالحديث وثناءُ أهلِ العلم عليه: لقَّبَه غير واحد بالحافظ، وكان أول سماعه في سنة ثلاثين وثلاث مِئَة، أي وعمره تسع سنوات، وهذا يدل على تبكيره في طلب الحديث.

стр. 84

قال الحاكِم في تاريخه: «ذكرنا يوما ما روى سليمان التيمي، عن أنس، فمررت أنا في الترجمة، وكان بحضرة أبي علي الحافظ وجماعة من المشايخ، إلى أن ذكرت حديث" «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فحمل بعضهم علي، فقال أبو علي: لا تفعل، فما رأيت أنت ولا نحن في سِنِّه مثله، وأنا أقول: إذا رأيته رأيت ألف رجل من أصحاب الحديث» (١). وقال عبدالغافر الفارسي: «إمام أهل الحديث في عصره والعارف به حق معرفته، وبيته بيت الصلاح والورع. اختص بصحبة إمام وقته أبي بكر مُحمَّد بن إسحاق بن أيوب الصبغي، فكان في الخواص عنده والمرموقين، وكان يراجعه في السؤال عن الجرح والتعديل، وعلل الحديث، ويقدمه على أقرانه، وأدَّى اختصاصه به إلى اعتماده عليه في أمور مدرسته دار السنة، وفوَّض إليه تولية أوقافه، واستضاء برأيه في أموره؛ اعتمادا على حسن ديانته، ووفور أمانته. وجرت له مذاكرات ومحاورات مع الحفاظ والأئمة من أهل الحديث؛ مثل: أبي بكر بن الجِعابي بالعراق، وأبي علي الحافظ الماسرجسي الذي كان أحفظ أهل زمانه» (٢).

стр. 85

وقال أيضا: «ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكون أن مُقدَّمِي عصره مثل: أبي سهل الصعلوكي، والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة؛ يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة». ثم أطنب عبد الغافر في نحو ذلك من تعظيمه، وقال: «هذه جمل يسيرة، هي غيض من فيض سيره وأحواله، ومن تأمل كلامه في تصانيفه، وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث، أذعن بفضله، واعترف له بالمزية على من تقدمه، وإتعابه من بعده، وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه، وعاش حميدا، ولم يُخلِّف في وقته مثله» (١). وقال الخليلي: «رأيته في كل ما ألقي عليه بحرا لا يعجزه عنه. وقال: له إلى العراق والحجاز رحلتان، ارتحل إليها سنة ثمان وستين في الرحلة الثانية، وذاكر الحفاظ والشيوخ، وكتب عنهم أيضا، وناظر الدارقطني فرضيه، وهو ثقة واسع العلم، بلغت تصانيفه الكتب الطوال والأبواب، وجمع الشيوخ المكثرين والمقلين قريبا من خمسمائة جزء، ويستقصي في ذلك، يؤلِّف الغث والسمين، ثم يتكلم عليه فيُبيِّن ذلك». وقال: «وكنت أسأله عن الضعفاء الذين نشأوا بعد الثلاثمائة بنيسابور، وغيرها من شيوخ خراسان، وكان يبين من غير محاباة".

стр. 86

وقال أيضا: عالم عارف، واسع العلم، ذو تصانيف كثيرة، لم أر أوفى منه» (١). وقال الخطيب: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ، وله في علوم الحديث مُصنَّفات عدَّة ... ، وكان ثقة» (٢). وقال ابن الصلاح: «الحافظ الذي لا يستغنى عن تصانيفه في الحديث وعلمه» (٣). وقال السمعاني: «كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ والفهم، وله في علوم الحديث وغيرها مصنفات حسان» (٤). وقال ابن السُبكي: «كان إماما جليلا، وحافظا حفيلا، اتُّفِق على إمامته، وجلالته، وعِظَمِ قَدْره» (٥). وذكره الذَّهبيّ في المعين في طبقات المحدثين، ولقبه بـ «الحافظ» (٦).

стр. 87

ونقل الإجماع على صدقه، ومعرفته بعلوم الحديث (١). وقال عنه: «الإمام، الحافظ، النَّاقد، العلَّامة، شيخ المُحدِّثين، ... ، صاحب التصانيف». وقال عنه: «صَنَّفَ وَخَرَّجَ، وَجَرَح وَعدَّل، وَصحَّح وَعلَّل، وكان من بُحور العِلْمِ. قال أبو حازم عمر بن أحمد العبدويي الحافظ: سمعت الحاكِم أبا عبدالله إمام أهل الحديث في عصره يقول: شربتُ ماء زمزم، وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف. قال العبدويي وسمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِي يقول: كتبتُ على ظهر جزء من حديث أبي الحسين الحجاجي: الحافظ، فأخذ القلم، وضرب على الحافظ، وقال: أيش أحفظ أنا؟ أبو عبدالله بن البياع أحفظ مني، وأنا لم أر من الحفاظ إلا أبا علي النيسابوري، وأبا العباس بن عقدة. وسمعت السُّلَمِي يقول: سألت الدارقطني: أيهما أحفظ: ابن مندة أو ابن البَيِّع؟ فقال: ابن البَيِّع أتقن حفظا.

стр. 88

قال أبو حازم: أقمت عند أبي عبدالله العصمي قريبا من ثلاث سنين، ولم أر في جملة مشايخنا أتقن منه ولا أكثر تنقيرا، وكان إذا أشكل عليه شيء، أمرني أن أكتب إلى الحاكِم أبي عبدالله، فإذا ورد جواب كتابه، حكم به، وقطع بقوله. وسمعت مشيختنا يقولون: كان الشيخ أبو بكر بن إسحاق وأبو الوليد النَيْسابُوري يرجعان إلى أبي عبدالله الحاكِم في السؤال عن الجرح والتعديل وعلل الحديث وصحيحه وسقيمه. وقال ابن طاهر: سألت سعد بن علي الحافظ عن أربعة تعاصروا: أيهم أحفظ؟ قال: من؟ قُلتُ: الدارقطني، وعبد الغني، وابن منده، والحاكِم. فقال: أما الدارقطني فأعلمهم بالعلل، وأما عبدالغني فأعلمهم بالأنساب، وأما ابن منده فأكثرهم حديثا مع معرفة تامة، وأما الحاكِم فأحسنهم تصنيفا» (١). وقال ابن عبدالهادي: «الحافظ الكبير، شيخ أهل الحديث في عصره» (٢). وقال ابن كثير: «كان من أهل العلم والحفظ والحديث، ... ، ومن أهل الدين والأمانة والصيانة، والضبط، والتجرد، والورع» (٣).

стр. 89

وقال ابن الجزري: «برع في فنون الحديث، ... ، كان إماماً ثقة صدوقاً» (١). وغير ذلك كثير من عبارات المدح والتبجيل لهذا الإمام العظيم. • وفاته: قال عبد الغافر الفارسي: «مضى إلى رحمة الله، ولم يُخلِّف في وقته مثله، في صفر يوم الثلاثاء منه، سنة خمس وأربع مائة» (٢). وقال الخطيب البغدادي: «حدثني الأزهري، ومُحمَّد بن يحيى بن إبراهيم المزكي قالا: مات أبو عبدالله بن البَيِّع بنَيْسابُور في سنة خمس وأربع مِئَة، قال مُحمَّد: في صفر» (٣). فتوفي عن أربع وثمانين سنة. وقال الخليلي: «توفي سنة ثلاث وأربعمائة» (٤). لكنَّ هذا القول ضعَّفه الذَّهبيّ، وابن السُبكي.

стр. 90

وقال الذَّهبيّ: «روى أبو موسى المديني: أن الحاكِم دخل الحمام، فاغتسل، وخرج، وقال: آه. وقُبِضت روحه وهو متزر لم يلبس قميصه بعد، ودُفن بعد العصر يوم الأربعاء، وصلَّى عليه القاضي أبو بكر الحيري. قال الحسن بن أشعث القرشي: رأيت الحاكِم في المنام على فرس في هيئة حسنة وهو يقول: النجاة. فقُلتُ له: أيها الحاكِم! في ماذا؟ قال: في كِتْبَة الحديث» (١). • ما أُخِذَ عليه: مع اعتراف العلماء للحاكم بالفضل والمكانة في علوم الحديث، إلا أنه طُعِن فيه ببعض الأمور التي لا بُدَّ من بيانها، ومن أهمها: ١ - نسبته إلى الغلو في محبة آل البيت: قال الخطيب: «كان ابن البَيِّع يميل إلى التشيُّع، فحدثني أبو إسحاق إبراهيم بن مُحمَّد الأرموي بنَيْسابُور، وكان شيخا صالحا فاضلا عالما، قال: جمع الحاكِم أبو عبدالله أحاديث زعم أنها صحاح على شرط البخاري ومسلم، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما، منها: حديث

стр. 91

«الطائر» (١)، و «من كنت مولاه فعلى مولاه» (٢)؛ فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك، ولم يلتفتوا فيه إلى قوله، ولا صوَّبوه في فعله» (٣). قال ابن السُبكي - بعد ذكره لهذا الكلام -: «الخطيب ثقة ضابط، فتأملتُ - مع ما في النفس من الحاكِم من تخريجه حديث «الطير» في المُستَدرَك، وإن كان خرَّج أشياء غير موضوعة لا تعلق لها بتشيُّع ولا غيره - فأوقع الله في نفسي أن الرجل كان عنده مَيْلٌ إلي علي ﵁، يزيد على الميل الذي يُطلب شرعاً، ولا أقول: إنه ينتهي إلى أن يضع من أبي بكر وعمر ﵄، فإني رأيته في كتابه «الأربعين» عقد باباً لتفصيل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، واختصهم من بين الصحابة، وقدَّم في المُستَدرَك ذكر عثمان على علي ﵄، ... ، وأنا أُجوُّز أن يكون الخطيب إنما يعني بالميل إلى ذلك، ولذلك حكم بأن الحاكِم ثقة، ولو كان يعتقد فيه رفضا لجرحه به، لا سيما على مذهب من يرى رد رواية المبتدع مطلقا، فكلام الخطيب عندنا يُقرِّب من الصواب» (٤).

стр. 92

وقال الذَّهبيّ: «كان من بحور العلم على تشيُّع قليل فيه» (١). وقال أيضا: «قال أبو نعيم الحداد: سمعت الحسن بن أحمد السمرقندي الحافظ، سمعت أبا عبدالرحمن الشاذياخي الحاكِم يقول: كنا في مجلس السيد أبي الحسن، فسُئِل أبو عبدالله الحاكِم عن حديث الطير؛ فقال: لا يصح، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من علي بعد النبي ﷺ ». قال الذهبي مُعلِّقا: «فهذه حكاية قوية، فما باله أخرج حديث الطير في المُستَدرَك؟ فكأنه اختلف اجتهاده». وقال: «أنبأني أحمد بن سلامة، عن محمد بن إسماعيل الطرسوسي، عن ابن طاهر: أنه سأل أبا إسماعيل عبدالله بن محمد الهروي، عن أبي عبدالله الحاكِم فقال: ثقة في الحديث، رافضي خبيث. قُلتُ (الذَّهبيّ): كلا ليس هو رافضيا، بل يتشيُّع (٢). قال ابن طاهر: قد سمعت أبا محمد بن السمرقندي يقول: بلغني أن مستدرك الحاكِم ذُكر بين يدي الدارقطني، فقال: نعم، يُستدرَك عليهما حديث الطير! فبلغ ذلك الحاكِم، فأخرج الحديث من الكتاب.

стр. 93

قُلتُ (الذَّهبيّ): هذه حكاية منقطعة، بل لم تقع فإن الحاكِم إنما ألَّف المُستَدرَك في أواخر عمره بعد موت الدارقطني بمدة (١)، وحديث الطير في الكتاب لم يُحوَّل منه، بل هو أيضا في جامع الترمذي. قال ابن طاهر: ورأيت أنا حديث الطير جمع الحاكِم بخطه في جزء ضخم، فكتبته للتعجب. وقال ابن طاهر أيضا: كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنُّنَ في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليا، عن معاوية ﵁ وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك ولا يعتذر منه، فسمعت أبا الفتح

стр. 94

سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبدالرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكِم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبدالله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج. فقُلتُ له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا، لاسترحت من المحنة. فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي» (١). قال ابن السُبكي: «الغالب على ظني أنَّ ما عُزِي إلى أبي عبدالرحمن السُّلَمِي كذبٌ عليه، ولم يبلغنا أن الحاكِم ينال من معاوية ولا يُظنُّ ذلك فيه، وغاية ما قيل فيه: الإفراط في ولاء علي ﵁، ومقام الحاكِم عندنا أجلُّ من ذلك» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - في معرض رده لحديث الطير-: «تشيُّعه و تشيُّع أمثاله من أهل العلم بالحديث، كالنسائي، وابن عبد البرِّ، و أمثالهما؛ لا يبلغ إلى تفضيله عليّ على أبي بكر و عمر، فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما، بل غاية المتشيُّع منهم أن يفضله على عثمان، أو يحصل منه كلام أو إعراض عن ذكر محاسن من قاتله، و نحو ذلك، لأن علماء الحديث قد عصمهم و قيدهم ما يعرفون من الأحاديث

стр. 95

الصحيحة الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفَّض ممن له نوع اشتغال بالحديث، كابن عقدة، و أمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات، والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين» (١). يتلخَّصُ مما سبق أن أهم الأسباب التي دعت بعض العلماء إلى وصف الحاكِم بالتشيُّع أو الرفض؛ هي: ١ - عدم ذكره لبعض خصوم علي من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، في كتاب «معرفة مناقب الصحابة» من المُستَدرَك، كمعاوية. ٢ - إخراجه لبعض الأحاديث التي فيها نصرة للمذهب الشيعي، وتساهله في تصحيحها؛ مثل: حديث «الطير»، وغيره من الأحاديث. فهذان السببان من أهم الأسباب التي دعت إلى وصف الحاكِم بالتشيُّع أو الرفض. ويمكن مناقشتهما فيما يلي: أوَّلاً: أما موقفه من خصوم علي من الصحابة ﵃: فليس على إطلاقه، وإنما هذا مختص بمعاوية ﵁، وإلا فإنه قد

стр. 96

أفرد مناقب عمرو بن العاص، وطلحة، والزبير، وعائشة، ﵃، ولم ينتقصهم بحرف. فدلَّ هذا على أن الرجل متبع للأثر، ولعله لم يحضره شيء من الأحاديث التي يرى أنها تصح في فضل معاوية ﵁، وإلا فإن عَمْرا وطلحة والزبير ممن قاتلوا علياً، ﵃، كما قاتله معاوية. ولو أخذنا من موقفه من معاوية ﵁ حُكماً، لما أمكن أن يتجاوز وصفه بالتشيُّع القليل الذي كان عند طائفة من أهل السنة، كما هو الحال عند متقدمي أهل الكوفة، بل هو أحسن حالاً من كثير ممن نُسب إلى التشيُّع القليل من أهل السنة، فإن أولئك كانوا يقدمون علياً على عثمان، وأما الحاكِم فإنه قدم عثمان على علي، فذكر أوَّلاً فضائل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين. ثانياً: وأما بالنسبة للأحاديث التي تساهل في تصحيحها في فضائل علي ﵁، كحديث الطير وغيره؛ فلا يمكن أن يوصف الحاكِم بالرفض من خلالها. ويمكن النظر في هذه الأحاديث من جهتين، وهما: أ- تساهله في تصحيح هذه الأحاديث، يقابله تساهله في تصحيح أحاديث موضوعة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم،

стр. 97

بل هو متساهل في تصحيح بعض الأحاديث الموضوعة في سائر الكتاب. قال ابن السُبكي- بعد ذكره للأحاديث الضعيفة التي أخرجها الحاكِم في فضائل الخلفاء الثلاثة -: «وأخرج غير ذلك من الأحاديث الدالة على أفضلية عثمان، مع ما في بعضها من الاستدراك عليه، وذكر فضائل طلحة، والزبير، وعبدالله بن عمرو بن العاص، فقد غلب على الظن أنه ليس فيه - ولله الحمد - شيء مما يُستنكَر عليه، إفراطٌ في مَيْلٍ لا ينتهي إلى بدعة» (١). وقال المعلّمي: «لا أرى الذنب للتشيُّع؛ فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهما» (٢). ب- بالنسبة للأحاديث التي اشتُهِر عن الحاكِم تصحيحها كحديث الطير؛ فإن الحاكِم مجتهد، واجتهاده هذا أدّاه إلى تصحيح مثل هذه الأحاديث، ووافقه على ذلك أئمة آخرون، وبعضهم توقَّف فيها.

стр. 98

فحديث الطير: «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير»، هو من أبرز الأحاديث التي تُكلِّم في الحاكِم بسببها؛ وخلاصته أن عليا ﵁ هو من تحققت فيه الدعوة. وظاهره أنه أحب إلى الله من سائر الأنبياء، بل من النبي ﷺ ، فضلاً عن كونه أحب من أبي بكر وعمر وعثمان ومن سائر صحابة النبي ﵃ أجمعين. هذا الحديث لم ينفرد الحاكِم بتصحيحه، بل سبقه إلى ذلك ابن جرير الطبري، شيخ المُفسِّرين، وله فيه مُؤلَّف. وقال الذَّهبيّ: «وأما حديث الطير: فله طرق كثيرة جدًّا قد أفردتها بمصنَّف، ومجموعها يوجب أن يكون الحديث له أصل» (١). وقال في موطن آخر: «وحديث الطير - على ضعفه - فله طرق جمَّة، وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه» (٢). وقال ابن السُبكي: «غاية جمع هذا الحديث: أن يدل على أن الحاكِم يحكم بصحته، ولولا ذلك لما أودعه المُستَدرَك، ولا يدل ذلك منه على

стр. 99

تقديم علي ﵁ على شيخ المهاجرين والأنصار أبي بكر الصديق ﵁ ... » (١). وقال أيضا: «وأما الحكم على حديث الطير بالوضع فغير جيد، ورأيت لصاحبنا الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي عليه كلاما، قال فيه - بعد ما ذكر تخريج الترمذي له، وكذلك النسائي في خصائص علي -: إن الحق في الحديث أنه ربما ينتهي إلى درجة الحسن، أو يكون ضعيفا يحتمل ضعفه، قال: فأما كونه ينتهي إلى أنه موضوع من جميع طرقه؛ فلا» (٢). والسبب في تصحيح أو تحسين بعض العلماء لهذا الحديث: أن له عن أنس ﵁ أكثر من تسعين طريقاً، حيرت العلماء وأدهشتهم. وليس هذا هو موطن التفصيل في بيان علل هذا الحديث، فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله، وإنما المقصود الإشارة إلى أنه مع كونه لا يصح، إلا أنه ينبغي أن يُعذَر الحاكِم في تصحيحه، كما عذرنا الطبري، والعلائي، والذَّهبيّ، وغيرهم من العلماء.

стр. 100

٢ - تساهله وكثرة أوهامه في المُستَدرَك: تنبيه: بداية يجب أن نعرف أن ذكر أهل العلم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ «المُستَدرَك»، فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها، فلم يقع خلل في روايته لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، كحكمه بأن الحديث على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان بن فلان، ونحو ذلك، هذا الذي وقع فيه كثير من الخلل. قال ابن الصَّلاح عنه: «وهو واسع الخَطْوِ في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به. فالأولى أن نتوسط في أمره؛ فنقول: ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة؛ إن لم يكن من قبيل الصحيح: فهو من قبيل الحسن، يُحتجُّ به ويُعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه» (١). وقال الذَّهبيّ: «سمعت المظفر بن حمزة بجرجان، سمعت أبا سعد الماليني يقول: طالعت كتاب المُستَدرَك على الشيخين، الذي صنَّفه الحاكم من أوله إلى آخره، فلم أر فيه حديثا على شرطهما.

стр. 101

قُلتُ (الذهبي): هذه مكابرة وغُلُوٌّ، وليست رتبة أبي سعد أن يحكم بهذا، بل في المُستَدرَك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء، وبكل حال فهو كتاب مفيد قد اختصرته، ويعوز عملا وتحريرا» (١). وقال ابن القيم: «قالوا: وأما تصحيح الحاكِم فكما قال القائل: فأصبحتُ من ليلى الغداةَ كقابضٍ .................... على الماء خانته فروجُ الأصابع ولا يعبأ الحفاظ أطِبّاء عِلَل الحديث بتصحيح الحاكِم شيئاً، ولا يرفعون به رأساً البَتّة، بل لا يعدِلُ تصحيحه ولا يدلّ على حُسنِ الحديث. بل يصحّح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك، فليس بمعيارٍ على سنة

стр. 102

رسول الله ﷺ ، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئاً. والحاكِم نفسه يصحّح أحاديثَ جماعةٍ، وقد أخبر في كتاب «المدخل» له أن لا يحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم» (١). وقال الزركشي: «تحامل ابن دحية عليه فقال في كتاب العلم: يجب على طلبة الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكِم أبي عبدالله، فإنه كثير الغلط، بيِّن السقط، وقد قال على مالك وأهل المدينة في كتاب المدخل ما لا علم له به» (٢). وقال المعلمي: «والذي يظهر لي فيما وقع في «المُستَدرَك» من الخلل أن له عدة أسباب: الأول: حرص الحاكِم على الإكثار، وقد قال في خطبة «المُستَدرَك»: «قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون ... »؛ فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء. الثاني: أنه قد يقع حديث بسند عال أو يكون غريبا، مما يتنافس فيه المُحدِّثون، فيحرص على إثباته وقد جاء في «تذكرة الحفاظ» (٣) أن الحافظ

стр. 103

أبا عبدالله الأخرم قال: «استعان بي السرَّاج في تخريجه على صحيح مسلم، فكنت أتحيَّر من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليا، يقول: لا بد أن يكتبه، يعني في المستخرج، فأقول: ليس من شرط صاحبنا - يعني مسلما - فيقول: فشفعني فيه». فعرض للحاكم نحو هذا، كلما وجد عنده حديثا يفرح بعُلُوِّه أو غرابته؛ اشتهى أن يثبته في «المُستَدرَك». الثالث: أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر؛ لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: «سألني جماعة ... أن أجمع كتابا: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج مُحمَّد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج مالا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما». ولم يصب في هذا فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة. الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسع في معنى قوله: «بأسانيد يحتج ... بمثلها»، فبنى على أن في رجال الصحيحين من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أن فيهم كلاما. ومحل التوسع أن الشيخين إنما

стр. 104

يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة - ثم بَيَّنَ الشيخ المعلمي هذه المواضع -. الخامس: أنه شرع في تأليف «المُستَدرَك» بعد أن بلغ عمره اثنتين وسبعين سنة، وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع «المُستَدرَك»، وقد استشعر قرب أجله، فهو حريص على إتمام «المُستَدرَك» وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يخرج أو نحو ذلك، وقد رأيت له في «المُستَدرَك» عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها، فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم، مثلا، مع أن مسلما إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمه، يقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان بن فلان. والصواب أنه غيره» (١).

стр. 105

المبحث الثاني: التعريف بالمُستَدرَك حتى نتعرف على كتاب المُستَدرَك، فلزاما علينا أن نقرأ تعريف صاحبه به، وسبب تأليفه له، والذي بيَّنه في مُقدِّمته؛ حيث قال: « .... ، فمن هؤلاء الأئمة: أبو عبدالله مُحمَّد بن إسماعيل الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري ﵄، صنفا في صحيح الأخبار كتابين مهذبين انتشر ذكرهما في الأقطار، ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار، بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه؛ كلها سقيمة غير صحيحة. وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها، أن أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج مُحمَّد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما. وقد خرَّج جماعة من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها، وهي معلولة، وقد جهدت في الذبِّ عنهما في المدخل إلى الصحيح بما رضيه أهل الصنعة، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث

стр. 106

رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة، والله المعين على ما قصدته، وهو حسبي ونعم الوكيل» (١). فنستنتج من كلام الحاكِم ما يلي: أوَّلاً: سبب التأليف: ١ - الزيادة على عدد أحاديث الصحيحين: فعمد إلى تأليف كتاب في الصحيح، بشرط أن يكون زائداً على ما في الصحيحين، مع كون هذه الأحاديث مروية بأسانيد يحتج البخاري ومسلم بمثلها؛ لأن البخاري ومسلماً لم يدعيا حصر الحديث الصحيح فيما أخرجاه. ٢ - الرد على المبتدعة الذين يشمتون برواة الآثار، ويدَّعون أن جميع ما يصح من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، والتي هي مجموع أحاديث الصحيحين تقريباً. ثانياً: موضوع الكتاب: الكتاب مُرتَّب على الكتب والأبواب، وهو من كتب الجوامع لأبواب العلم؛ لأنه شامل لأحاديث الأحكام، وغير أحاديث الأحكام،

стр. 107

ولذلك عقد كتاب السير، وكتاب الفضائل، ومعرفة الصحابة، و التاريخ، وغير ذلك. ثالثا: المنهج العام الذي سار عليه الحاكِم في المُستَدرَك: حتى نفهم منهج الحاكم في كتابه، فينبغي أن نفهم بعض العبارات والمصطلحات التي أوردها في مُقدِّمته السالف ذكرها، أو استخدمها في أحكامه على الأحاديث، وأهم هذه المصطلحات والعبارات: ١ - قوله: «لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما». هذه العبارة مُشكلة، ولذلك اختلف أهل العلم في تفسيرها على قولين: الأول: أن العبارة على ظاهرها، وأن الحاكِم ﵀ أخطأ في هذا الفهم. قال المعلمي: «لم يصب في هذا، فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة وأنه يخرج ما كان رجاله مثل وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس علة قادحة» (١).

стр. 108

الثاني: أن العبارة مُأَوَّلةٌ، وليست على ظاهرها، وأنه يقصد العلل غير القادحة، أو أنه قصد ما سيخرجه ليبين علَّته، كما صدر من البخاري ومسلم؛ فقد يخرجان أحاديث لها علة لكنها غير مؤثرة، أو يخرجان الحديث وفيه عِلَّة مؤثرة، لكن يخرجانه لبيان عِلَّته. ٢ - قوله: «وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄، أو أحدهما». هذه أيضا من العبارات المُشكلة، التي اختلف أهل العلم في فهمها، وترتَّب على ذلك اختلافهم في فهم مقصود الحاكم بقوله: «على شرط الشيخين، أو أحدهما». ويمكن حصر اختلاف العلماء في هذه المسألة في ثلاثة أقوال؛ وهي: القول الأول: أن المقصود بالمِثْلِيَّة: هم نفس الرواة الذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، ويُعبّر عن ذلك بأنه أراد المِثْلِيَّة الحرفية. وبهذا قال جمهور أهل العلم، ومنهم: ابن الصلاح (١)، والنووي (٢)،

стр. 109

وابن دقيق العيد (١)، وابن القيم (٢)، والذَّهبيّ (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، وغيرهم. ويمكن تفسير قولهم بهذا المثال: إذا وجدتُ حديثا من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ووجدت في كتاب آخر حديثا آخر، من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أيضاً، هنا يحقُّ لي أن أقول: هذا الإسناد مثل هذا الإسناد. ولا يلزم من المثلية التغاير، لكن لمَّا اختلف محل الإسنادين صح أن أقول: مثله، وهذا كقول القائل أيضًا: بَدْرُ هذا الشهر مثل بَدْرِ الشهر الماضي، ومع ذلك فإن البدر اختلف. لكن لمَّا اختلف الوقت، وكذلك لمَّا اختلف المكان؛ صحَّ إطلاق المِثْلِيَّة في هذا السياق، فلغةً يصح أن أقول: مثل، ولا يقتضي ذلك التغاير.

стр. 110

ولكن هذه المِثْلِيَّة الحرفية في طبقة شيوخ البخاري ومسلم، ومن بعدهم، أما طبقة شيوخ الحاكم وشيوخ شيوخه؛ فلن يكونوا من رجال البخاري ومسلم في كثير من الأحيان، خاصةً طبقة شيوخه يقينًا، فهؤلاء تكون المِثْلِيَّة فيهم: أن يكونوا مثل رجال البخاري ومسلم في الضبط والإتقان، هذا احتمال وارد، وقد قاله بعض المعاصرين. القول الثاني: المِثْلِيَّة المجازية، ويعنون بها أن المقصود وصف الرواة الذين احتج بهم الشيخان أو أحدهما، وهذا يعني أن الحاكِم يخرج لرواة لم يرو لهم الشيخان أو أحدهما، ولكنهم موصوفون بتوثيق يماثل في درجته درجة من أخرج لهم الشيخان. وممن قال بذلك القول: العراقيُّ (١)، وابن الملقِّن (٢)، والزركشي (٣). قال الزركشي في النكت - متعقبا النووي وغيره -: «كأنهم لم يقفوا على شرط الحاكِم والذي في خطبة المُستَدرَك ما نصه: وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، ... ، نعم القوم معذورون فإنه قال عقب أحاديث أخرجها: «هو
следующие страницы →