Полный текст (145 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الباب الخامس عشر في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄
روي عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى.
ثم أقبل علي وقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة؟
قال: فقتل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة.
ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف. فبدأ برسول الله ﷺ وجعه الذي قبضه الله فيه.
وروي عن عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل والله يا عائشة وارأساه، فقال: وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، قالت: قلت: لكأني بك قد فعلت ذلك، ثم رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك.
قالت: فتبسم رسول الله ﷺ وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه،
стр. 107
حتى اشتد به وجعه وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه وكن تسعاً: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة وزينب وميمونة وجويرية وصفية ﵅، فاستأذنهن على أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له فخرج رسول الله ﷺ يمشي بين العباس وعلي ﵄ عاصباً رأسه، تخط قدماه الأرض حتى دخل بيت عائشة، ثم حم رسول الله ﷺ واشتد وجعه فقال: هريقوا علي من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه ﷺ في مخضب وصبوا عليه الماء.
وخرج رسول الله ﷺ عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، فصلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، قال: ففهمها أبو بكر، وعرف أن نفسه يريد وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، ثم قال رسول الله ﵊: يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيراً، فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم نزل فدخل بيته وتتام به وجعه.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: ((ما رأيت أحداً الوجع عليه أشد من رسول الله ﷺ ) .
وفيه أيضاً: من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ((دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) .
ولما اشتد به وجعه ﷺ ، جاءه بلال يؤذنه بصلاة الفجر من يوم الاثنين قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) ، فلما تقدم أبو بكر ﵁ يصلي بالناس، وجد رسول الله ﷺ خفةً فخرج على الناس.
стр. 108
قال أنس: فخرج رسول الله ﷺ على الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه فرحاً به وتفرجوا، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم.
قال: وتبسم رسول الله ﷺ سروراً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة.
قال أبو بكر بن أبي مليكة: فلما تفرج الناس عرف أبو بكر ﵁ أنهم لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله ﷺ ، فنكص عن مصلاه، فدفعه رسول الله ﷺ في ظهره وقال: صل بالناس، وجلس الرسول ﷺ إلى جانبه فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر.
فلما فرغ من الصلاة، أقبل على الناس فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: ((يأيها الناس، سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن)) .
فلما فرغ ﷺ من كلامه، قال له أبو بكر ﵁: يا نبي الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ قال: نعم، قال: ثم دخل ﵊ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح.
وخرج يومئذ علي بن أبي طالب ﵁ على الناس من عند رسول الله ﷺ ، فقال له الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، قال: فأخذ العباس بيده وقال: يا علي، أحلف بالله لقد رأيت الموت في وجه رسول الله ﷺ ، كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب.
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث عائشة ﵂ قالت: ((دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه، فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها
стр. 109
فسارها فضحكت، فسألتها عن ذلك، فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه فبكيت، ثم سارني أني أول أهله لحوقاً به فضحكت)) .
و ((فيه)) من حديثها أيضاً أنها قالت: ((إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وأنا مسندة النبي ﷺ إلى صدري ومعه سواك رطب يستن به، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته وطيبته، ثم دفعته إليه فاستن به، فما رأيت النبي ﵊ استن استناناً قط أحسن منه، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم نصب يديه فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده)) .
قالت عائشة ﵂: ((كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لن يقبض نبيٌ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)) .
فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذاً لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح)) .
وقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﵊ وأصغيت إليه قبل أن يموت وهو مسندٌ إلي ظهره يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)) .
ولما تغشاه الموت، قالت فاطمة ﵂: واكرب أباه، قال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)) .
قالت عائشة ﵂: وثقل رسول الله ﷺ في حجري،
стр. 110
فنظرت في وجهه فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: ((بل الرفيق الأعلى في الجنة)) وقبض ﷺ .
قالت: فوضعت رأسه على وسادتي، وقمت التدم مع النساء أضرب وجهي.
وقالت فاطمة ﵂ تندبه ﷺ : يا أبتاه؛ أجاب رباً دعاه، يا أبتاه؛ في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه؛ إلى جبريل ننعاه.
وقال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عند موته: يا أحمد هذا آخر وطئي في الأرض ولا أنزل إليها أبداً بعد، إنما كنت حاجتي من الدنيا.
وكانت وفاته ﷺ حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة مضت من الهجرة على ثلاث وستين سنة من عمره، وكمل بالمدينة من يوم دخلها إلى يوم مات عشر سنين كوامل مبلغاً لرسالات الله مجاهداً لأعدائه.
ولما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، فإنه غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات!
قالوا: وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂، فيمم رسول الله وهو مسجى بثوب حبرةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي وأمي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً. ثم رد البرد على وجهه، وخرج وعمر بن الخطاب ﵁ يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر
стр. 111
رضي الله عنه لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه، أقبلوا عليه وتركوا عمر.
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبية فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين﴾ .
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: وأخذها الناس عن أبي بكر ﵁ فهي في أفواههم.
قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
ولما مات رسول الله ﷺ قالوا والله لا يدفن وما مات، وإنه ليوحى إليه، فأخروه حتى أصبحوا من يوم الثلاثاء، وقال العباس ﵁: إنه قد مات وإني لأعرف منه موت بني عبد المطلب.
وقال القاسم بن محمد: ما دفن رسول الله ﷺ حتى عرف الموت في أظفاره.
قالت عائشة ﵂: لما أرادوا غسل رسول الله اختلفوا فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ كما نجرد موتانا؟ أو نغسله وعليه ثياب؟!
قالت: فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلمٌ من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه.
قالت: فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق
стр. 112
القميص دون أيديهم، وغسله علي ﵁، أسنده إلى صدره وعليه قميصه يدلكه به من ورائه، لا يفضي بيده إلى رسول الله ﷺ ، والعباس وابناه الفضل وقثم يقلبونه معه، وأسامة بن زيد وشقران مولى النبي ﷺ يصبان الماء عليه وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حياً وميتاً، ولم ير من رسول الله ﷺ شيء مما يرى من الميت، فلما فرغوا من غسله كفن.
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: ((كفن رسول الله في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسفٍ ليس فيها قميص ولا عمامة)) .
فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته، ثم دخل الناس يصلون عليه أرسالاً، الرجال ثم النساء ثم الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد.
واختلفوا في دفنه؟
فأنبأنا عبد الرحمن بن علي، أخبرنا أبو الحسن الفقيه، أخبرنا علي بن أحمد البندار، أنبأنا عبيد الله بن محمد العكبري، حدثنا أبو عبد الله بن مخلد، حدثنا علي بن سعد بن المغيرة، حدثنا محمد بن عمر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع، قال: لما توفي رسول الله ﷺ اختلفوا في موضع قبره، فقال قائل: بالبقيع، فإنه كان يكثر الاستغفار لهم، وقال: قائل منهم: عند منبره، وقال قائل منهم: في مصلاه.
فجاء أبو بكر ﵁ فقال: إن عندي من هذا خبراً وعلماً، سمعت رسول الله يقول: ((ما قبض إلا دفن حيث توفي)) .
стр. 113
أخبرنا لاحق بن علي الصوفي، أخبرنا هبة الله بن محمد الكاتب، أخبرنا الحسن بن محمد الواعظ، أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبي أن أصحاب النبي ﷺ لم يدروا أين يقبرون رسول الله ﷺ حتى قال أبو بكر ﵁، فأخروا فراشه وحفروا له تحت فراشه.
وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﵊ وكان أبو عبيدة يضرح حفر أهل مكة، وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة، فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة، اللهم خر لرسولك ﷺ ، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به فلحد لرسول الله.
ثم دفن رسول الله من وسط الليل ليلة الأربعاء، وكان الذين نزلوا قبره: علي بن أبي طالب، والفضل وقتم ابنا العباس، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، وبني على لحده تسع لبنات نصبن نصباً.
وروى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه أن النبي ﷺ رش على قبره وجعل عليه حصباء حمراء من حصباء العرصة، ورفع قدر شبرين من الأرض.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً.
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث أنس بن مالك أنه قال: ((لما دفن النبي ﷺ قالت فاطمة ﵂: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟)) .
стр. 114
أنبأنا أبو جعفر الواسطي، عن أبي طالب بن يوسف، أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي، عن عمر بن شاهين، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، حدثني طاهر بن يحيى، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما رمس رسول الله ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعته على عينها وبكت وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا
روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: ما رأيت فاطمة ﵂ بعد أبيها ضاحكة، ومكثت بعده ستة أشهر.
وروى حجاج بن عثمان عن أبيه قال: رأيتهم اجتمعوا يوم مات النبي ﷺ على أكمة، فجعلوا يبكون عليه.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي بردة قال: ((أخرجت إلينا عائشة ﵂ كساء وإزاراً غليظاً فقالت: قبض روح رسول الله ﷺ في هذين)) .
وروى أنس من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً.
أنبأنا يحيى بن أسعد بن بوش، عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر الخلدي، أنبأنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثني غير واحد، منهم عبد العزيز بن أبي حازم، ونوفل بن عمارة قالوا: إن عائشة ﵂ كانت تسمع صوت الوتد والمسمار يضرب في بعض الدور المطنبة بمسجد
стр. 115
النبي ﷺ ، فترسل إليهم: أن لا تؤذوا رسول الله ﷺ ، وما عمل علي بن أبي طالب ﵁ مصراعي داره إلا بالمناصع توقياً لذلك.
وروي أن بعض نساء النبي ﷺ دعت نجاراً يغلق ضبةً لها، وأن النجار ضرب المسمار في الضبة ضرباً شديداً، فصاحت عائشة ﵂ بالنجار وكلمته كلاماً شديداً، وقالت: ألم تعلم أن حرمة رسول الله ﷺ ميتاً كحرمته إذا كان حياً، قالت الأخرى: وماذا سمع من هذا؟، قالت: عائشة ﵂: إنه ليؤذي رسول الله ﷺ صوت هذا الضرب كما لو كان يؤذيه حياً، ﷺ تسليماً كثيراً.
ذكر وفاة أبي بكر ﵁
ذكر محمد بن جرير الطبري بإسناد له: أن اليهود سمت أبا بكر ﵁ في أرزة، ويقال: في خزيرة، وتناول معه الحارث بن كلدة منها، ثم كف وقال لأبي بكر: أكلت طعاماً مسموماً، فسم لسنته، فمات بعد سنة، ومرض خمسة عشر يوماً فقيل له: لو أرسلت إلى الطبيب، فقال: قد رآني، قالوا: فماذا قال لك؟ قال: قال: إني أفعل ما أشاء.
وقالت عائشة ﵂: كان أول ما بدأ أبو بكر ﵁ أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوماً بارداً فحم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس، ويدخل عليه الناس يعودونه وهو يثقل كل يوم، وهو يومئذٍ نازلٌ في داره التي قطعها له رسول الله ﷺ وجاه دار عثمان بن عفان ﵁.
قال أهل السير: كان ينزل أبو بكر بالسنح عند زوجته بنت خارجة بن زيد، وأقام بالسنح بعد ما بويع له بالخلافة ستة أشهر يغدو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له وعليه إزار ورداء، فيوافي المدينة فيصلي الصلاة بالناس، فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح، فكان إذا حضر صلى وإن لم يحضر صلى بهم عمر بن الخطاب.
стр. 116
وكان تاجراً يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما خرج بالغنم لرعيها، وربما كفيها ورعيت له، وكان يحلب للحي أغنامه.
فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها أبو بكر ﵁ فقال: بل لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ربي أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلقٍ كنت عليها، فكان يحلب لهم.
ثم نزل المدينة فأقام بها ونظر في أمره، فقال: والله ما يصلح أمر الناس والتجارة، وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي مما يصلحهم، فترك التجارة واستنفق من بيت مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج ويعتمر.
وكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، فلما حضرته الوفاة قال: ردوا ما علي من مال المسلمين، فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم، فدفع ذلك إلى عمر ﵁، فقال عمر: لقد أتعب من بعده.
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عائشة ﵂ قالت: ((دخلت على أبي بكر ﵁، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردعٌ من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة، فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح)) .
وكان آخر ما تكلم به أبو بكر ﵁: رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، وتوفي بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكانت خلافته
стр. 117
سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة.
وغسلته زوجته أسماء بنت عميس بوصية منه، وابنه عبد الرحمن يصب عليه الماء، وكفن وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله، وصلى عليه عمر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ وجاه المنبر، ودفن ليلة الثلاثاء إلى جنب رسول الله ﵊ وألصقوا لحده بلحده، ودخل قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الرحمن ابنه ﵃، وكان أبوه أبو قحافة حياً بمكة، فلما نعي إليه قال: رزء جليل، وعاش بعده ستة أشهر وأياماً، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو ابن سبع وتسعين سنة ﵄.
ذكر وفاة عمر ﵁
روى أبو بكر بن أبي شيبة في ((مسنده)) من حديث معدان بن أبي طلحة: أن عمر بن الخطاب ﵁ قام يوم الجمعة خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر نبي الله ﷺ وأبا بكر ﵁.
ثم قال: أيها الناس إني قد رأيت رؤيا كأن ديكاً أحمر نقرني نقرتين ولا أراه ذلك إلا لحضور أجلي، وإن ناساً يأمرون أن أستخلف، وإن الله لم يكن يضيع دينه وخلافته، والذي بعث به نبيه، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فأيهم بايعوا، فاسمعوا له وأطيعوا.
وذكر كلاماً طويلاً، قال: ((فخطب بها عمر ﵁ يوم الجمعة، وأصيب يوم الأربعاء)) .
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عمرو بن ميمون قال: ((إني لقائم ما بيني وبين عمر إلا عبد الله بن عباس حذاءه غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللاً تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف والنحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع
стр. 118
الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة، وصار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً وشمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر ﵁ يد عبد الرحمن ابن عوف فقدمه، فمن يلي عمر قد رأى الذي رأيت، وأما أواخر المسجد فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله سبحان الله.
فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني؟ فجال ساعة ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال الصانع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، وقال: الحمد الله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدعي الإسلام، واحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل ذلك.
فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه وجاء الناس يثنون عليه، وجاء شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك في صحبة رسول الله ﷺ ، وقدمك في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم الشهادة، قال: وددت أن ذلك كان كفافاً لا علي ولا لي، فلما أدبر رأى رداءه يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأده من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عمر عليك السلام –ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً- وقل: يستأذن عمر ابن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك السلام عمر بن الخطاب ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه
стр. 119
فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، فقال: الحمد لله، ما كان أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قبضت فاحملوني، ثم سلم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين.
وجاءت أم المؤمنين حفصة ﵂ والنساء معها، فلما رأينها قمنا، فولجت عليه فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال فولجت داخلاً لهم، فسمعنا بكاءها من داخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحداً أولى وأحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر –أو الرهط- الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً وعثمان والزبير وطلحة وسعداً وعبد الرحمن بن عوف، وقال: أشهد يا عبد الله بن عمر ليس لك من الأمر شيء، وأوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، ولا يأخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلى طاقتهم.
فلما قبض ﵁، خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل موضعاً هناك مع صاحبيه)) .
قلت: وباع عبد الله بن عمر داراً لعمر بن الخطاب ومالاً له بالغابة، ثم قضى دين أبيه، وكانت وفاته ﵁ يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكانت خلافته عشر سنين
стр. 120
كوامل وستة أشهر وأربعة أيام، وكان سنه ثلاثاً وستين سنة، وصلى عليه صهيب وجاه المنبر ودفن مع النبي ﷺ .
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: وضع عمر ﵁ على سريره، فكنفه الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل أخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب ﵁، فترحم على عمر وقال: ما خلت أحداً أحب أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كنت أسمع كثيراً رسول الله ﷺ يقول: ((ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر)) .
وروي أن عائشة ﵂ لما دفن عمر ﵁، لبست ثيابها الدرع والخمار والإزار، وقالت: ((إنما كان أبي وزوجي، فلما دخل معهما غيرهما لزمت ثيابي)) .
وأخبرني يحيى بن أبي الفضل السعدي قال: أخبرنا أبو محمد الفقيه، قال أخبرنا أبو الحسن الشافعي، قال أخبرنا أبو عبد الله بن المنهال، أخبرنا أبو العباس الرازي، أخبرنا أبو الزنباع، حدثنا عمر بن خالد، حدثنا أبو بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر عن عائشة ﵂: ((أنها رأت في المنام أنه سقط في حجرها –أو بحجرتها- ثلاثة أقمار، فذكرت ذلك لأبي بكر فقال: خير)) .
قال يحيى بن سعيد: فسمعت بعد ذلك أن رسول الله ﷺ لما توفي فدفن في بيتها، قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك يا بنية، وهو خيرها.
أنبأنا أبو القاسم الصموت، عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، أخبرنا أبو يزيد، حدثنا الزبير، حدثنا
стр. 121
محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن أنيس بن أبي يحيى، قال: لقي رسول الله جنازة في بعض سكك المدينة، فسأل عنها، فقالوا: فلان الحبشي، فقال رسول الله ﷺ : ((سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها)) .
قلت: فعلى هذا طينة النبي ﷺ التي خلق منها من المدينة، وطينة أبي بكر وعمر ﵄ من طينة النبي ﷺ ، وهذه منزلة رفيعة.
وروي عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ قال: دخلت على عائشة ﵂، فاطلعت على قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر، فرأيت عليها حصباء حمراء)) .
وروي عن هارون بن موسى العروبي قال: سمعت جدي أبا علقمة يسأل: كيف كان الناس يسلمون على النبي ﷺ قبل أن يدخل البيت في المسجد؟.
فقال: كان الناس يقفون على باب البيت يسلمون، وكان الباب ليس عليه غلقٌ حتى ماتت عائشة ﵂.
قال أهل السير: وكان الناس يأخذون من تراب قبر النبي ﷺ ، فأمرت عائشة ﵂ بجدار فضرب عليهم.
وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلت أضع خماري وأنفصل عن ثيابي حتى دفن عمر، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً.
قلت: وقبر النبي ﷺ وقبر صاحبيه في صفة بيت عائشة ﵂.
قال أهل السير: وفي البيت موضع قبر في الجهة الشرقية، قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم ﵇ مع النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، ويكون قبره الرابع.
واختلف الرواة في صفة قبورهم؟
стр. 122
فأخبرنا أبو القاسم بن كامل إذناً، عن أبي علي المقريء، عن أبي نعيم الأصبهاني، عن أبي محمد الخلدي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا إسحاق بن عيسى، عن عثمان بن نسطاس قال: رأيت قبر النبي ﷺ لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعاً نحواً من أربع أصابع، عليه حصباء إلى الحمرة مائلة، ورأيت قبر أبي بكر ﵁ وراء قبر النبي ﷺ ، ورأيت قبر عمر ﵁ أسفل منه وصوره لنا هكذا:
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
وبالإسناد، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن بكر، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب، ورأس أبي بكر ﵁ عند رجلي النبي ﷺ ، وعمر ﵁ خلف ظهر النبي ﷺ ، وهذه صفته.
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
وروي عن نافع بن أبي نعيم، أن صفة قبر النبي ﷺ أمامهما إلى القبلة مقدماً، ثم قبر أبي بكر ﵁ حذاء منكب النبي ﷺ ، وقبر عمر ﵁ حذاء منكب أبي بكر ﵁، وهذه صفته.
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
وبالإسناد المتقدم، حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، عن عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم بن محمد، قال:
стр. 123
دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أماه أريني قبر النبي ﷺ وصاحبيه رضوان الله عليهما، فكشفت لي عن قبورهم، فإذا هي لا مرتفعة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة، وإذا قبر النبي ﷺ أمامهما، ورجلا أبي بكر ﵁ عند رأس النبي ﷺ ، ورأس عمر ﵁ عند رجلي أبي بكر ﵁، وصفة ذلك كما يأتي:
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
وروي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: خرجت في ليلة مطيرة إلى المسجد، حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة، لقيتني رائحة لا والله ما وجدت مثلها، فجئت المسجد فبدأت بقبر النبي ﷺ فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبي ﷺ ومكثت فيه ملياً، فإذا قبر رسول الله ﵊، وقبر أبي بكر ﵁ عند رجليه، وقبر عمر ﵁ عند رجلي أبي بكر ﵄، وعليها من حصباء المسجد من حصباء العرصة، وهذه صفته.
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
وروى المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر رسول الله ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر ﵁ خلفه، وقبر عمر ﵁ عند رجلي النبي ﷺ وهذه صفته:
قبر النبي ﷺ .
قبر أبي بكر ﵁.
قبر عمر ﵁.
قلت: ذكر أهل السير أن جدار حجرة النبي ﷺ الذي يلي موضع
стр. 124
الجنائز سقط في زمان عمر بن عبد العزيز، فظهرت القبور الشريفة، فما رؤى بكاء في يوم مثل ذلك اليوم، فأمر عمر بقباطي فخيطت، ثم ستر الموضع بها، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فبينما هو يكشف إذ رفع يده وتنحى، فقام عمر بن عبد العزيز فزعاً، فرأى قدمين وراء الأساس وعليهما الشعر، فقال عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وكان حاضراً: أيها الأمير لا يروعنك، فهما قدما جدي عمر بن الخطاب ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال: يا ابن وردان أن غط ما رأيت، ففعل.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: لما سقط عنهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنيانه، فبدت لهم قدمٌ، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ما هي إلا قدم عمر ﵁.
قالوا: وأمر عمر أبا حفصة مولى عائشة ﵂ وناساً معه فبنوا الجدار، وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه، دخل مزاحم مولى عمر فرفع ما سقط على القبر من التراب والطين ونزع القباطي. قالوا: وباب البيت الذي دفنوا فيه شامي.
قلت: وبنى عمر بن عبد العزيز على حجرة النبي ﷺ حاجزاً من سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه، وهو على دورانها.
ولما ولي المتوكل الخلافة، أمر إسحاق بن سلمة وكان على عمارة مكة والمدينة من قبله بأن يأزر الحجرة بالرخام من حولها، ففعل ذلك وبقي الرخام عليها إلى سنة ثمان وأربعين وخمسمائة من خلافة المقتفي، فجدد تأزيرها جمال الدين وزير بني زنكي، وجعل الرخام حولها قامة وبسطة، وجعل لها شباكاً من خشب الصندل والأبنوس، وأداره حولها ما يلي السقف.
стр. 125
قيل: إن أبا الغنايم النجار البغدادي عمله أروانكاً، وفي دورانه مكتوب على أقطاع الخشب الأروانك سورة الإخلاص صنعة بديعة.
ولم تزل الحجرة على ذلك حتى عمل لها الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير الملوك المصريين ستارة ديبقية بيضاء، وعليها الطرز والجامات المرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر، وخيطها وأدار عليها زناراً من الحرير الأحمر، والزنار مكتوب عليه سورة يس بأسرها.
قيل: إنه غرم على هذه الستارة مبلغاً عظيماً من المال، وأراد تعليقها على الحجرة، فمنعه قاسم بن مهنا الأمير على المدينة، وقال: حتى يستأذن الإمام المستضيء بأمر الله، فبعث إلى العراق يستأذن في تعليقها، فجاء الإذن في ذلك فعلقها نحو العامين، ثم جاءت من الخليفة ستارة من الإبريسم البنفسجي عليها الطرز والجامات البيض المرقومة، وعلى دوران جاماتها مكتوب بالرقم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء بأمر الله، فشيلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب بالكوفة، فعلقت هذه عوضها.
فلما ولي الإمام الناصر لدين الله، أرسل ستارة أخرى من الإبريسم الأسود وطرزها وجاماتها من الإبريسم الأبيض، فعلقت فوق تلك، فلما حجت الجهمة أم الخليفة وعادت إلى العراق، عملت ستارة من الإبريسم الأسود أيضاً على شكل المذكورة، فأنفذتها فعلقت على هذه.
ففي يومنا هذا على الحجرة الشريفة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والرحمة ثلاث ستائر بعضهن على بعض، وفي سقف المسجد الذي بين القبلة والحجرة على رأس الزوار إذا وقفوا- معلق نيف وأربعون قنديلاً كباراً وصغاراً من الفضة المنقوشة والساذجة، وفيها اثنان من البلور واحد ذهب، وفيها قمر من فضة مغموس في الذهب، وهذه تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال.
واعلم أن على حجرة النبي ﷺ عليها ثوب مشمع مثل الخيمة، وفوقه سقف المسجد، وفيه خوخة عليها ممرق مقفل، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخة أخرى فوق تلك الخوخة وعليها ممرق مقفل أيضاً.،
стр. 126
وحولها في سطح المسجد حظيرة مبنية بالآجر والجص يمين الحجرة عن السطح بقليل، وبين سقف المسجد وبين سقف السطح فراغ نحو الذراعين وعليه شبابيك حديد ترمي الضوء من رحبة المسجد، وتشال إذا أرادوا الدخول إلى هناك لأجل تعليق سلاسل القناديل وحبال الأبارير لأجل العمارة في المسجد.
وهذه صفة الحجز الذي بناه عمر بن عبد العزيز والحجرة في وسطه، ومن الحجرة إلى المقصورة تسع عشرة ذراعاً، ومن الركن الغربي إلى المسمار الفضة الذي هو مقابل وجه النبي ﷺ خمس أذرع، وصفة ذلك وصورته هكذا:
стр. 127
صفة الحاجز الذي بناه عمر بن عبد العزيز والحجرة الشريفة في وسطه
стр. 128
واعلم أنه في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، سمعوا صوت هدةٍ في الحجرة الشريفة، وكان الأمير قاسم بن مهنا الحسيني، فأخبروه بالحال فقال: ينبغي أن ينزل شخص إلى هناك ليبصر ما هذه الهدة، وافتكروا في شخص يصلح لذلك، فلم يجدوا إلا عمر النسائي، شيخٌ من شيوخ الصوفية بالموصل، وكان مجاوراً بالمدينة فذكروا ذلك له، فذكر أن به فتقاً والريح والبول تحوجه إلى الغائط مراراً، فألزموه، فقال: أمهلوني حتى أروض نفسي، وقيل: إنه امتنع من الأكل والشرب، وسأل الله بجاه النبي ﷺ إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر ويخرج، ثم إنهم أنزلوه في الحبال من الخوخة إلى الحظير الذي بناه عمر، ودخل منه إلى الحجرة معه شمعة يستضيء بها، فرأى شيئاً من طين السقف قد وقع على القبور، فأزاله وكنس التراب بلحيته، وقيل: إنه كان مليح الشيبة، وأمسك الله ذلك الداء بقدر ما خرج من الموضع وعاد إليه، وهذا ما سمعته من أفواه جماعة، والله أعلم بحقيقة الحال في ذلك.
وفي شهر ربيع الآخر من سنة أربع وخمسين وخمسمائة في أيام قاسم أيضاً، وجد من الحجرة رائحة منكرة وكثر ذلك، حتى ذكروه للأمير، فأمرهم بالنزول إلى هناك، فنزل بيان الأسود الخصي أحد خدم الحجرة الشريفة، ومعه الصفي الموصلي متولي عمارة المسجد، ونزل معهما هارون الشاوي الصوفي بعد أن سأل الأمير في ذلك وبذل له جملة من المال، فلما نزلوا وجدوا هراً قد هبط ومات وجاف، فأخرجوه، وكان في الحاجز بين الحجرة والمسجد، وكان نزولهم يوم السبت الحادي عشر من ربيع الآخر، ومن ذلك التاريخ إلى يومنا هذا لم ينزل أحد إلى هناك، والله أعلم.
стр. 129
الباب السادس عشر في ذكر فضل زيارة النبي ﷺ
أخبرنا يحيى بن أبي الفضل الصوفي، أخبرنا أبو محمد الفقيه، أخبرنا أبو الحسن المصري، أنبأنا أبو النعمان العسقلاني، حدثنا أبو الحسن الدارقطني، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد العبادي، حدثنا مسلمة بن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون شفيعاً له يوم القيامة)) .
وبالإسناد حدثنا الدارقطني، حدثنا الحسين بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا موسى بن هلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) .
أنبأنا سعيد بن أبي سعيد النيسابوري، أنبأنا إبراهيم بن محمد المؤدب، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا محمد بن محمد بن مقاتل، حدثنا جعفر بن هارون، حدثنا إسماعيل بن المهدي، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر)) .
وروي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يزر قبري فقد جفاني)) .
стр. 130
أنبأنا عبد الرحمن بن علي، أنبأنا أبو الفضل الحافظ، عن أبي علي الفقيه، أنبأنا أبو القاسم الأزهري، أنبأنا القاسم بن الحسن، حدثنا الحسن بن الطيب، حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني)) .
أخبرنا أبو أحمد الكاتب، أنبأنا أبو بكر الأنصاري، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو بكر بن الشخير، حدثنا أحمد بن محمد بن العباس، حدثنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي غائباً بلغته)) .
أنبأنا أبو الحسن الشافعي، أنبأنا أبو محمد الفقيه، أنبأنا علي بن الحسن، أنبأنا الحسين بن محمد، حدثنا إسماعيل بن يعقوب، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ((إن لله سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)) .
أخبرنا أبو طاهر الصوفي، أنبأنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثني أبي صخر، أن يزيد بن عبد الله بن قسيط أخبره، عن أبي هريرة رضي الله
стр. 131
تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇) .
أنبأنا يحيى بن بوش، عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم، عن جعفر الخلدي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن يزيد المهاجر، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((إن عيسى بن مريم مار بالمدينة حاجاً أو معتمراً، ولئن سلم علي لأردن عليه)) .
أنبأنا يحيى بن الحسين المقري، أخبرنا المبارك بن الحسن العطار، أنبأنا أبو بكر الخياط، أنبأنا أبو عمر العلاف، حدثنا الحسين بن صفوان، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا محمد بن الحسين، أخبرنا قتيبة، حدثنا ليث بن سعد عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب أن كعب الأحبار قال: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يوقرونه ﷺ .
وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله ﷺ .
أنبأنا يحيى بن الحسين الأواني، أنبأنا أبو الكرم بن الشهروزي، أنبأنا أبو بكر بن الخياط، أنبأنا أبو عمر بن دوست، حدثنا الحسين بن صفوان حدثنا ابن أبي الدنيا، أخبرنا سعيد بن عثمان الجرجاني، أنبأنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها
стр. 132
سبعين مرة، ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة.
وبالإسناد: حدثنا ابن أبي فديك، قال: أخبرني عمر بن حفص أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ ، فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه.
وروى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن جده ﵃، أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ ، وقف عند الأسطوانة التي مما يلي الروضة فسلم، ثم يقول: هاهنا رأس رسول الله ﷺ .
قلت: واليوم هناك علامة واضحة وهي مسمار من فضة في حائط حجرة النبي ﷺ إذا قابله الإنسان كان القنديل على رأسه، فقابل وجه النبي ﷺ ويسلم عليه، ثم يتقدم عن يمينه قليلاً ويسلم على أبي بكر ﵁، ثم يتقدم قليلاً فيسلم على عمر ﵁، ثم يعود ويجعل الحجرة على يساره ويستقبل القبلة ويدعو الله تعالى بما أحب.
أنبأنا أبو الفرج بن علي الفقيه، أنبأنا عمر بن ظفر، أنبأنا جعفر بن أحمد، أنبأنا عبد العزيز بن علي، حدثنا أبو الحسن الهمداني، حدثني محمد بن حبان، قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: حججت في بعض السنين فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام.
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن في كتابه، أخبرنا أبو الفرج بن أحمد، أخبرنا أحمد بن نصير، أخبرنا محمد بن القاسم، سمعت علي بن غالب الصوفي، يقول: سمعت إبراهيم بن محمد المزكي يقول: سمعت أبا الحسن الفقيه يحكي عن الحسن بن محمد، عن ابن فضيل النحوي، عن محمد بن روح، عن محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة فأتيت
стр. 133
قبر النبي ﷺ ، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير المرسلين إن الله أنزل كتاباً عليك صادقاً قال فيه: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ ، وإني جئتك مستغفراً إلى ربي من ذنوبي مستشفعاً بك، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أنت النبي الذي ترجى شفاعته ... عند الصراط إذا ما زلت القدم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ وهو يقول: الحق بالرجل فبشره بأن الله قد غفر له بشفاعتي.
أنبأنا ذاكر بن كامل بن أبي غالب الخفاف –فيما أذن لي في روايته عنه-، قال: كتب إلي أبو علي الحداد، عن أبي نعيم الأصبهاني قال: أنبأنا جعفر بن محمد بن نصير، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني غير واحد منهم: عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن عمر بن محمد، أنه لما كان أيام الحرة ترك الأذان في مسجد رسول الله ﷺ ثلاثة أيام، وخرج الناس إلى الحرة، وجلس سعيد بن المسيب في مسجد رسول الله ﷺ قال: فاستوحشت، فدنوت من قبر النبي ﷺ ، فلما حضرت الصلاة، سمعت الأذان في قبر النبي ﷺ ، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم جلست حتى أصلي العصر، فسمعت الأذان في قبر النبي ﷺ ، ثم سمعت الإقامة. ثم لم أزل أسمع الأذان والإقامة في قبره ﷺ حتى مضت الثلاث، وقفل القوم ودخلوا مسجد رسول الله ﷺ ، وعاد المؤذنون فأذنوا، فتسمعت الأذان في قبره ﷺ ، فلم أسمعه، فرجعت إلى مجلسي الذي كنت فيه أكون.
стр. 134
أنبأنا عبد الرحمن بن علي، أنبأنا أبو الفضل الفارسي، عن أبي بكر الشيرازي، أخبرنا محمد بن الحسين، سمعت أبا الخير الأقطع يقول: دخلت مدينة الرسول ﷺ وأنا بفاقة، فبقيت خمسة أيام ما ذقت ذواقاً، فتقدمت إلى القبر وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر ﵄ وقلت: أنا ضيفك الليلة يا رسول الله، وتنحيت فنمت، فرأيت النبي ﷺ في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله، وعلي بين يديه، فحركني علي وقال لي: قم، قد جاء رسول الله ﷺ ، قال: فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفاً فأكلت نصفه، وانتبهت وفي يدي النصف الآخر.
أخبرنا عبد الوهاب بن علي، أخبرتنا فاطمة بنت أبي حكيم –إن لم يكن سماعاً فإجازة-، أنبأنا أبو منصور بن الفضل، أخبرنا أبو عبد الله الكاتب، أخبرنا ابن المغيرة، حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي، حدثنا الزبير بن بكار، أخبرنا السري بن الحارث، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير –وكان مصعب يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ويصوم الدهر- قال: بت ليلة في المسجد بعد ما خرج الناس منه، فإذا برجل قد جاء إلى بيت الله ﷺ ، ثم أسند ظهره إلى الجدار، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني كنت أمس صائماً، ثم أمسيت فلم أفطر على شيء، اللهم إني أمسيت أشتهي الثريد فأطعمنيه من عندك.
قال: فنظرت إلى وصيفٍ داخل من خوخة المنارة، ليس في خلقة وصفاء الناس، معه قصعة فأهوى بها إلى الرجل، فوضعها بين يديه وجلس الرجل يأكل وحصبني، فقال: هلم، فجئته وظننت أنها من الجنة، فأحببت أن آكل منها لقمة، فأكلت طعاماً لا يشبه طعام أهل الدنيا، ثم احتشمت فقمت فرجعت لمجلسي، فلما فرغ من أكله، أخذ الوصيف القصعة ثم أهوى راجعاً من حيث جاء، وقام الرجل منصرفاً فتبعته لأعرفه، فلا أدري أين سلك، فظننته الخضر ﵇.
وروى أن امرأة من المتعبدات جاءت عائشة ﵂ فقالت:
стр. 135
اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ ، فكشف لها فبكت حتى ماتت.
أنشدني بعض مشايخي –﵀ لبعض زوار النبي ﷺ يقول:
أتيتك زائراً ووددت أني ... جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على الأماقي ... إلى قبر رسول الله فيه
وأنشدني عبد الوهاب بن علي، قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن محمد الأديب لنفسه من قصيدة يتشوق فيها إلى الحج وإلى زيارة النبي ﷺ :
أجن مشتاقاً ولولا جوى ... أملك بي مني لم أطرب
وكل عام أتمنى المنى ... وهن قد سوفن بالوعد بي
وليس في القلب سوى وقفة ... في حرم المدفون في يثرب
стр. 136
الباب السابع عشر في ذكر البقيع وفضله
أنبأنا القاسم بن علي، أخبرنا أبو محمد الداراني، أخبرنا أبو الفرج الإسفراييني، أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا أبو طاهر القاضي، أنبأنا محمد بن عبدوس، حدثنا سعد بن زياد وأبو عاصم قالا: زعم نافع مولى ابن عمر ﵄ قال: حدثتني أم قيس بنت محصن قالت: لو رأيتني ورسول الله ﷺ آخذ بيدي في سكة المدينة حتى انتهى إلى بقيع الغرقد، فقال: يا أم قيس، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: ((ترين هذه المقبرة)) ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفاً على صورة القمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب)) .
أخبرنا محمد بن أبي القاسم السوسي، أخبرنا جدي أبو محمد، أخبرنا أبو الحسن الربيعي إجازة، أخبرنا عبد الوهاب بن جعفر، حدثنا أبو هاشم الإمام، أخبرنا معاوية بن محرز، حدثنا الحسن بن جرير المنصوري، حدثنا محمد بن عثمان، حدثنا أبي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: ((أنا أول من تنشق الأرض عنه، فأكون أول من يبعث فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى أهل البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة فأحشر بين الحرمين)) .
أنبأنا أبو القاسم ابن كامل، عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخلدي قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد، عن إسماعيل، عن حكام أبي عبد الله الشامي، عن أبي عبد الملك أنه حدثه حديثاً يرفعه إلى
стр. 137
رسول الله ﷺ أنه قال: ((مقبرتان تضيئان لأهل السماء كما يضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: مقبرتنا بالبقيع بقيع المدينة، ومقبرة بعسقلان)) .
وحدثنا محمد بن الحسن، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: قال كعب الأحبار: نجدها في التوراة كفتة، محفوفة بالنخيل، موكلاً بها الملائكة، كلما امتلأت أخذوا بأطرافها فكفؤها في الجنة.
قلت: يعني البقيع.
وحدثنا محمد بن الحسن بن عبد الله بن نافع، عن سليمان بن زيد، عن شعيب وأبي عبادة، عن أبي كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: ((من دفناه في مقبرتنا هذه شفعنا له، أو شهدنا له)) .
وحدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن إسماعيل، عن داود بن خالد، عن المقبري، أنه سمعه يقول: قدم مصعب بن الزبير حاجاً أو معتمراً ومعه ابن رأس الجالوت فدخل المدينة من نحو البقيع، فلما مر بالمقبرة قال ابن رأس الجالوت: إنها لهي! قال مصعب: وما هي؟ قال: إنا نجد في كتاب الله صفة مقبرة شرقيها نخل وغربيها بيوت، يبعث منها سبعون ألفاً كلهم على صورة القمر ليلة البدر، فطفت مقابر الأرض فلم أر تلك الصفة حتى رأيت هذه المقبرة.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن العلاء بن إسماعيل، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: أقبل ابن رأس الجالوت، فلما أشرف على البقيع قال: هذه التي نجدها في كتاب الله كفتة، لا أطؤها، قال: فانصرف عنها إجلالاً لها.
وروى مسلم في ((الصحيح)) من حديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: سلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون؛ اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) .
стр. 138
وروى في ((الصحيح)) أيضاً من حديثها قالت: لما كانت ليلتي التي فيها رسول الله ﷺ عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه واضطجع، فلم يلبث إلا بقدر ما ظن أنني قد رقدت، فأخذ رداءه وبدأ، وفتح الباب رويداً فخرج، ثم أجافه رويداً، فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يده ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائشة حشياً رابياً؟! قالت: لا شيء، قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، فأخبرته، فقال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي، قلت: نعم، فلهزني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: قلت: مهما يكتمه الناس يعلمه الله قال: نعم، قال: فإن جبريل أتاني حين رأيتني فناداني فأخفى منك، فأجبته، فأخفينا منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت وكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي إلى أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: ((قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)) .
واعلم أن أكثر الصحابة ﵃ مدفونون بالبقيع، وكذلك جميع أزواج النبي ﷺ سوى السيدة خديجة، فإنها بمكة مدفونة والسيدة ميمونة ﵄.
وبالبقيع سادة من التابعين ومن بعدهم من الزهاد والعلماء والمشهورين إلا أن قبورهم لا تعرف في يومنا هذا، فمن حضرها وسلم على من بها، فقد أتى بالمقصود.
стр. 139
وليس في يومنا هذا معين إلا تسعة قبور: قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وعليه طين ساج، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، ومعه في القبر ابن أخيه علي بن الحسين زين العابدين، وأبو جعفر محمد علي الباقر، وابنه جعفر الصادق. والقبران في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أول البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة، ﵃ أجمعين.
وروي عن عبيد الله بن علي بن الحسن بن علي قال: ادفنوني إلى جنب أمي فاطمة بالمقبرة، فدفن إلى جنبها بالمقبرة.
وقال سعيد بن محمد بن جبير: رأيت قبر الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁ عند فم الزقاق الذي بين دار نبيه بذروان وبين دار علي بن أبي طالب، وقيل لي: دفن عند قبر أمه.
وروى عن فائد مولى عبادل، قال: حدثني الحفار أنه حفر لإنسان، فوجد قبراً على سبعة أذرع من خوخة بيته مشرفاً عليه لوح مكتوب: هذا قبر فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
قلت: فعلى هذا، هي مع الحسن في القبة، فينبغي أن يسلم عليها هنالك، وقبر صفية بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ في تربة في أول البقيع.
وقال محمد بن موسى بن أبي عبد الله: كان قبر صفية بنت عبد المطلب عند زاوية دار المغيرة بن شعبة، وقبر عقيل بن أبي طالب أخي علي ﵁ في قبة في أول البقيع أيضاً، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار ابن أبي طالب الجواد المشهور.
وقبور أزواج النبي ﷺ وهن أربعة قبور ظاهرة ولا يعلم تحقيق ما فيها منهن.
وقد روى البخاري في ((الصحيح)) أن عائشة ﵂ أوصت
стр. 140
عبد الله بن الزبير: ((لا تدفني معهم –تعني النبي ﷺ وصاحبيه- وادفني مع صواحبي بالبقيع)) .
وروى عن فائد مولى عبادل قال: قال لي منقذ الحفار: في المقبرة قبران مطابقان بالحجارة: قبر حسن بن علي، وقبر عائشة زوج النبي ﷺ فنحن لا نحركهما.
وقد روى مالك بن أنس: أن زينب بنت جحش توفيت في زمان عمر بن الخطاب، فدفنها بالبقيع.
وروي عن محمد بن عبد الله بن علي أنه قال: قبور أزواج النبي ﷺ من خوخة بيته إلى الزقاق يعني البقيع.
وروي عن الحسن بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنه هدم منزله في دار علي بن أبي طالب، قال: فأخرجنا حجراً مكتوباً عليه: هذا قبر رملة بنت صخر، فسألنا عنه فائد مولى عبادل؟ فقال: هذا قبر أم حبيبة بنت أبي سفيان.
وروى عن إبراهيم بن علي الرافعي، أنه حفر لسالم البابكي مولى محمد بن علي، قال: فأخرجوا حجراً طويلاً وفيه مكتوب: هذا قبر أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وهو مقابل خوخة آل نبيه بن وهب، فأهيل عليه التراب، وحفر لسالم في موضع آخر.
وقبر إبراهيم ابن النبي ﷺ وعليه قبة وملبن ساج.
وروى إبراهيم بن قدامة عن أبيه قال: أول ما دفن رسول الله ﷺ بالبقيع عثمان بن مظعون ﵁ قال: فدفنه –أي ابنه إبراهيم- رسول الله ﷺ إلى جنب عثمان بن مظعون، وقبره حذاء زاوية عقيل بن أبي طالب.
قال جعفر بن محمد الصادق ﵄: قبر إبراهيم ابن رسول
стр. 141
الله ﷺ وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها: الزوراء، بالبقيع مرتفعاً عن الطريق.
وأنبأنا أبو القاسم الأزجي، عن أبي علي الأصبهاني، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخواص، حدثنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن صالح بن قدامة، عن أبيه، عن عائشة بنت قدامة قالت: كان القائم يقوم عند قبر عثمان بن مظعون ﵁ فيرى بيت النبي ﷺ ليس دونه حجاب.
وحدثنا محمد بن الحسن، حدثنا سليمان بن سالم، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه قال: أرسلت عائشة ﵂ إلى عبد الرحمن بن عوف حين نزل به الموت: أن هلم إلى رسول الله ﷺ وإلى إخوانك، فقال: ما كنت مضيقاً عليك بيتك، إني كنت عاهدت ابن مظعون أينا مات دفن إلى جنب صاحبه.
قلت: فعلى هذا قبر ابن مظعون وابن عوف ﵄ عند إبراهيم ﵇، فينبغي أن يزار هناك. وقبر فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب ﵄ في قبة في آخر البقيع.
وروى عيسى بن عبد الله بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: دفن رسول الله ﷺ فاطمة بنت أسد بن هاشم وكانت مهاجرة مبايعة بالروحاء، مقابلها حمام أبي قطيفة.
قلت: واليوم مقابلها نخل يعرف بالحمام، وقبر عثمان بن عفان ﵁ وعليه قبة عالية، وهو قبل قبة فاطمة بنت أسد بقليل وحوله نخل.
روى ابن شهاب أن عثمان ﵁ لما قتل دفن في ((حش كوكب)) ، فلما ملك معاوية ﵁ واستعمل مروان على المدينة، أدخل ذلك الحش في البقيع، فدفن الناس حوله.
قلت: والحش: البستان.
стр. 142
وقبر مالك بن أنس إمام دار الهجرة ﵁ في أول البقيع على الطريق، فهذه القبور المشهورة، والباقي سبخة لا يعرف فيها قبر أحد بعينه.
وأخبرنا أبو القاسم بن سعد بخطه عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن شريك عن عبد الله بن أبي روق قال: حمل الحسن بن علي بن أبي طالب فدفن بالبقيع بالمدينة.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه قال: ابتاع عمر بن عبد العزيز من زيد بن علي وأخته خديجة داراً لهما بالبقيع بألف وخمسمائة دينار، ونقضها وزادها في البقيع، فهي مقبرة آل عمر بن الخطاب ﵁.
وحدثنا محمد بن عيسى، عن خالد، عن عوسجة قال: كنت أدعو ليلة إلى زاوية دار عقيل بن أبي طالب التي تلي باب الدار، فمر بي جعفر بن محمد، فقال لي: أعن أثر وقفت هاهنا؟ قلت: لا، قال: هذا موقف النبي ﷺ بالليل إذا جاء يستغفر لأهل البقيع.
قلت: وداره الموضع الذي دفن فيه.
стр. 143
الباب الثامن عشر في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة ومن بعدهم
اعلم؛ أن أعيان من سكن المدينة من الصحابة والتابعين وأكابر تابعيهم إلى يومنا ﵃ لا يمكن حصرهم ﵃، لأن أكثر الصحابة هاجروا إليها والباقون منها، وأكثر التابعين منها، والباقون دخلوها لزيارة النبي ﷺ ، وكذلك من بعدهم من الأكابر إلى يومنا هذا.
وإنما نذكر في هذا الباب أعيان من استوطنها.
فمنهم من أقام بها مدة ثم خرج عنها، ومنهم من مات بها.
فمن الصحابة رضوان الله عليهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن مالك، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح. فهؤلاء العشرة، ﵃ أجمعين.
ومن أهل بيت النبي ﷺ : العباس بن عبد المطلب، والحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب.
ومن كبار الصحابة: أبي بن كعب، أسيد بن حضير، بلال بن رباح، أبو ذر الغفاري، أبو قتادة الأنصاري، حسان بن ثابت، حكيم بن حزام، خالد بن الوليد، أبو لبابة الأنصاري، زيد بن حارثة، زيد بن ثابت، سعد بن عبادة، أبو سعيد الخدري، سفينة مولى رسول الله ﷺ ، سلمة ابن الأكوع، سهل بن أبي حثمة، سهل بن سعد، أبو سفيان بن حرب، صهيب، عبد الله بن أنيس، عبد الله بن أرقم، عبد الله بن عمر ابن الخطاب، عبد الله بن مسعود، أبو حميد الساعدي، أبو هريرة، عثمان بن
стр. 144
حنيف، العلاء بن الحضرمي، عمر بن أبي سلمة، عبد الله بن أم مكتوم، مالك بن التيهان، محمد بن سلمة، المقداد بن عمرو، أسيد بن ظهير، أسلم وهو أبو رافع مولى رسول الله ﷺ ، البراء بن عازب، بلال بن الحارث، بشير بن سحيم، بشر بن سعد، ثابت بن وديعة، جابر بن عتيك، جبير بن مطعم، جويبر بن خويلد الأسلمي، الحارث بن زياد، أبو سعيد بن المعلى، الحجاج بن عمرو، الحجاج بن علاط، حمل بن مالك، حنظلة الكاتب، خلاد بن السائب، خفاف بن إيماء بن رحضة، خوات بن جبير، ذؤيب أبو قبيصة، رافع بن خديج، رافع بن مكيث، ربيعة بن كعب، رفاعة بن رافع، رفاعة بن عرابة، الركين بن الربيع، رويفع بن ثابت، زيد بن الخطاب، زيد بن خالد، زيد بن سهل، زيد بن الصامت، السائب بن خلاد، سبرة بن أبي سبرة، سراقة بن مالك بن جعشم، سفيان ابن أبي العرجاء، سلمة بن صخر، سويد بن النعمان، شبل بن معبد، الصعب بن جثامة، الضحاك بن سفيان الكلابي،
عامر بن ربيعة، عبد الله بن حراقة، عبد الله بن زيد، عبد الله بن زمعة، عبد الله بن عبد الأسد، عبد الله بن عتيك، عبد الله بن كعب، عبد الله بن أزهر، عبد الرحمن بن جبير، عبد الرحمن بن عثمان، عتبان بن مالك، عمارة بن معاذ، عمرو بن أمية، عمير مولى آبى اللحم، قتادة بن النعمان، كعب بن عجرة، كعب بن عمرة، مالك بن ربيعة، مالك بن صعصعة، مالك بن ضمرة، مجمع بن حارثة، محمد بن عبد الرحمن بن جحش، محمود بن الربيع؛ محجر الدئلي، معاوية بن الحكم الأسلمي، معمر بن عبد الله، ناجية الخزاعي، نوفل بن معاوية، هذال الأسلمي، هشام بن حكيم، يزيد بن ثابت، يزيد أبو السائب، أبو بشير الأنصاري، أبو جبيرة، أبو زيد الأنصاري، أبو مربع الأنصاري.
ومن كبار التابعين: أبو سعيد المقبري، محمد بن الحنفية، سعيد بن المسيب، أبو سلمة بن عبد الرحمن، عطاء وسليمان ابنا يسار، عروة بن الزبير، خارجة بن زيد، علي بن الحسين زين العابدين، أبو بكر بن عبد الرحمن، عكرمة، كريب، مقسم مولى عبد الله بن عباس، علي بن عبد الله بن العباس بن المطلب، نافع مولى عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين.. ..
стр. 145
ومن مشاهير الذين بعدهم: عمر بن عبد العزيز، أبو بكر بن حزام الزهري، محمد بن المنكدر، زيد بن أسلم، أبو الزناد، ربيعة الرأي، صفوان بن سليم، أبو حازم الأعرج، يحيى بن سعيد القطان، أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر الصادق، إبراهيم ومحمد وموسى بنو عقبة.
وأصحاب الأخبار: محمد بن إسحاق بن يسار، مالك بن أنس الإمام، يوسف بن الماجشون، عبد العزيز الدراوردي، محمد بن عمر الواقدي، رحمهم الله تعالى ورضي عنهم ونفع بعلومهم.
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.