← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26662

الدرة الثمينة في أخبار المدينة - ط دار الأرقم

محب الدين ابن النجار

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عنهما أن النبي ﷺ لما بدن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع، أو يحمل عظامك! قال: بلى. قال: فاتخذ له منبراً مرقاتين. وروى عن أبي الزناد أنه ﵊ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد، فقال: إن القيام قد شق علي، وشكا ضعفاً في رجليه، فقال له تميم الداري وكان من أهل فلسطين: يا رسول الله أنا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشام، قال: فلما أجمع ذوو الرأي من أصحابه على اتخاذه، قال العباس بن عبد المطلب ﵁: إن لي غلاماً يقال له: كلاب، أعمل الناس، فقال له النبي ﷺ : فمره يعمل، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عملها درجتين ومجلساً، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضع المنبر اليوم، ثم راح إليه رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة، حتى ارتاع الناس وقام بعضهم على رجليه، فأقبل ﵊ حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع إلى المنبر فقام عليه. وقد روي أن اسم هذا الغلام الذي صنع المنبر: مينا، وقال عمر بن عبد العزيز: عمله صباح، غلام العباس بن عبد المطلب. قال الواقدي: وفي سنة ثمان من الهجرة اتخذ النبي ﷺ منبره، واتخذه درجتين ومقعدة. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﷺ : ((قوائم منبري رواتب في الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) . وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((منبري على حوضي)) .

стр. 72

قال الخطابي: معناه من لزم عبادة الله عنده سقي من الحوض يوم القيامة. قلت: الذي أراه أن المعنى هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه عند حوضه، كما تعود الخلائق أجمعون. أخبرنا أبو طاهر المبارك بن المبارك العطار قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن الخطيب، (ح) وأخبرنا هبة الله بن الحسن بن السبط قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله العكبري قالا: أخبرنا أبو طالب العشاري، أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد العسكري، حدثني دارم بن قبيصة، حدثني نعيم بن سالم قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((منبري على ترعة من ترع الجنة)) . قال أبو عبيد القاسم بن سلام: في الترعة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة. والثاني: أنها الباب. والثالث: أنها الدرجة. وروى أبو داود في ((السنن)) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال ﷺ : ((لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار)) . وقال ابن أبي الزناد: كان ﷺ يجلس على المنبر ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر ﵁ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى، فلما ولي عمر ﵁ قام

стр. 73

على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان ﵁ فعل كذلك ست سنين، ثم علا فجلس موضع النبي ﷺ وكسى المنبر قبطية، فلما حج معاوية ﵁ كساه قبطية وزاد فيه ست درجات، ثم كتب إلى مروان بن الحكم، وهو عامله على المدينة أن ارفع المنبر على الأرض، فدعا له النجارين وعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها وصار المنبر تسع درجات بالمجلس، لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده. قال: ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة قال لمالك بن أنس ﵁: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ على حاله! فقال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان وشد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك، فلا أرى أن تغيره. قلت: وطول منبر النبي ﷺ ذراعان وشبر وثلاث أصابع، وعرضه ذراع راجح، وطول صدره وهو مستند النبي ﷺ ذراع، وطول رمانتي المنبر اللتين يمسكهما رسول الله ﷺ إذا جلس يخطب شبر واصبعان، وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاث أصابع، والدكة التي هو عليها طول شبر وعقدة، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر. وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل له باب يفتح يوم الجمعة، ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوباً من الحرير الأسود وله علم ذهب يكسى به المنبر، ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستوراً على أبواب الحرم. ذكر الروضة أخبرنا أبو طاهر بن المعطوش قال: أخبرنا أبو الغنائم بن المهتدي، (ح) وأخبرنا أبو القاسم الهمذاني، أخبرنا أبو العز بن كادش، قالا: أخبرنا محمد ابن علي بن الفتح الحربي، قال: أخبرنا أبو الحفص بن شاهين، حدثنا علي ابن محمد العسكري حدثنا دارم بن قبيصة، حدثني نعيم بن سالم بن قنبر، قال: سمعت أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما بين حجرتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) ، أخرجه البخاري

стр. 74

ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: ((بيتي)) مكان ((حجرتي)) . وقال الخطابي: معناه من لزم طاعة الله تعالى في هذه البقعة، آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنة. قتل: والذي هو عندي أن يكون هذا الموضع بعينه روضة في الجنة يوم القيامة. وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه أن النبي ﷺ كانت الصحابة تقتبس منه العلم في ذلك الموضع، فهو مثل الروضة. قلت: ويؤيد قوله: قول النبي ﷺ : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) . قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)) . ذكر سد الأبواب الشوارع في المسجد روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ فقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده)) ، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ أن يكون الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: ((يا أبا بكر لا تبك، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) . قال أهل السير: كان بابه في غربي المسجد.

стр. 75

وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أمر بالأبواب كلها فسدت إلا باب علي ﵁. ذكر تجميره ذكر أهل السير: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى بسفط من عودٍ فلم يسع الناس، فقال: اجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون، فبقيت سنةً في الخلفاء إلى اليوم، يؤتى في كل عام بسفطٍ من عودٍ يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر، من خلفه إذا كان الإمام يخطب. قالوا: وأتي عمر بن الخطاب ﵁ بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام، فكان يجمر بها المسجد ثم توضع بين يدي عمر، فلما قدم إبراهيم بن يحيى بن محمد والياً على المدينة، غيرها وجعلها ساذجاً، وهي في يومنا هذا منقوشة. ذكر تخليقه روي أن عثمان بن مظعون ﵁ تفل في المسجد فأصبح مكتئباً، فقالت له امرأته: مالي أراك مكتئباً؟ فقال: لا شيء، إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم خلقتها، فكانت أول من خلق القبلة. وقال جابر بن عبد الله ﵁ كان أول من خلق المسجد عثمان بن عفان ﵁، ثم لما حجت الخيزران أم موسى وهارون في سنة سبعين ومائة أمرت بالمسجد أن يخلق، فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة، فخلقته، جميعه حتى الحجرة الشريفة جميعها.

стр. 76

منع آكل الثوم من دخوله روى البخاري في ((الصحيح)) أن النبي ﷺ قال: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا)) . وفي لفظ آخر: ((فلا يقربن مسجدنا)) . النهي عن رفع الصوت فيه روى البخاري في ((الصحيح)) أن السائب بن يزيد ﵁ قال: كنت نائماً في المسجد، فحصبني رجل فنظرت فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما، فقال: ممن أنتما؟ أو من أين أنتما؟ فقالا: من الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي ﷺ ؟!. جواز النوم فيه روى البخاري في ((الصحيح)) أن عبد الله بن عمر ﵄ كان ينام في المسجد وهو شاب عزب لا أهل له. وروى أيضاً من حديث سهل بن سعد ﵁ قال: ((جاء رسول الله ﷺ إلى بيت فاطمة ﵂ فلم يجد علياً ﵁ في البيت، فقال: أين ابن عمك، فقالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني، فخرج فلم يقل عندي، فقال رسول الله ﷺ لإنسان: انظر أين هو فأخبره، فجاءه رسول الله ﷺ هو مضطجع قد سقط رداءه عن شقه، وأصابه تراب، فقال له: قم أبا تراب)) .

стр. 77

جواز الصلاة على الجنائز فيه روى أبو داود في ((السنن)) من حديث عائشة ﵂ قالت: والله لقد صلى رسول الله ﷺ على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه. وروى أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه)) . النهي عن إخراج الحصى منه روى أبو داود في ((السنن)) من حديث أبي هريرة ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ : ((إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد)) . ذكر مواضع تأذين بلال روى ابن إسحاق: أن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي أطول بيت حول المسجد وكان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر، فإذا رآه تمطى ثم قال: اللهم أحمدك وأستعينك على قريش أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذن. وذكر أهل السير: أن بلالاً كان يؤذن على أسطوانة في قبلة المسجد يرقى إليها بأقتاب، وهي قائمة إلى اليوم في منزل عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. وروى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: كان بلال يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد. قال: فكان يرقى على أقتاب فيها، وكانت خارجة من مسجد رسول الله ﷺ ، لم تكن فيه، وليست فيه اليوم.

стр. 78

ذكر أهل الصفة ﵃ روى البخاري في ((الصحيح)) أن أصحاب الصفة كانوا فقراء. وروى أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوه في أعناقهم، فمنها من يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. وروى أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: ((والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسأله عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى، فاتبعته فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فوجدت لبناً في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: يا أبا هر! قلت: لبيك رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولا يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى به، فإذا جاؤوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، وأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم وقال: يا أبا

стр. 79

هر! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب، فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة)) . وروى أهل السير: أن محمد بن مسلمة ﵁ رأى أضيافاً عند رسول الله ﷺ في المسجد، فقال: ألا تفرق هذه الأضياف في دور الأنصار، ونجعل لك من كل حائط قنواً ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام، فقال رسول الله ﷺ : بلى، فلما جد ماله جاء بقنوٍ فجعله في المسجد بين ساريتين، فجعل الناس يفعلون ذلك، وكان معاذ بن جبل ﵁ يقوم عليه، وكان يجعل عليه حبلاً بين الساريتين، ثم يعلق الأقناء على الحبل، ويجمع العشرين أو أكثر، فيهش عليهم بعصاه من الأقناء فيأكلون حتى يشبعوا، ثم ينصرفون ويأتي غيرهم، فيفعل لهم مثل ذلك، فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك. ذكر العود الذي في الأسطوانة التي عن يمين القبلة روى أهل السير: عن مصعب بن ثابت قال: طلبنا علم العود الذي في مقام النبي ﷺ ، فلم نجد أحداً يذكر لنا منه شيئاً، حتى أخبرني محمد بن مسلم بن السائب صاحب المقصورة أنه جلس إلى جنبه أنس بن مالك ﵁ فقال: تدري لم صنع هذا العود؟ قلت: لا أدري! قال: كان رسول الله ﷺ يضع عليه يمينه، ثم يلتفت إلينا فيقول: ((استووا وعدلوا صفوفكم)) . فلما توفي رسول الله سرق العود، فطلبه أبو بكر ﵁ فلم يجده، حتى وجده عمر ﵁ عند رجل من الأنصار بقباء وقد دفن في الأرض فأكلته الأرضة، فأخذ له عوداً فشقه، ثم أدخله فيه، ثم شعبه ورده إلى الجدار. وهو العود الذي وضعه عمر بن عبد العزيز في القبلة، وهو الذي في المحراب اليوم باق.

стр. 80

وقال مسلم بن خباب: كان ذلك العود من طرفاء الغابة. ذكر موضع اعتكاف النبي ﷺ روى أهل السير: أن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا اعتكف طرح له فراشه ووضع له سرير عند أسطوانة التوبة. ذكر أسطوانة التوبة قال ابن إسحاق: لما حاصر رسول الله بني قريظة، بعثوا إليه: أن ابعث لنا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف –وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وأجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، فقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، -وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبداً- فلا تراني ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً. فلما بلغ رسول الله خبره وأبطأ عليه، وكان قد استبطأه، قال: ((أما لو جاءني لاستغفرت الله له، فأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، فأنزل الله توبته على رسول الله وهو في بيت أم سلمة)) . قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: فسمعت رسول الله ﷺ من السحر يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك، قال: تيب على أبي لبابة. فقلت: ألا أبشره بذلك يا رسول الله؟ قال: ((بلى إن شئت)) ، قال: فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة! أبشر فقد تاب الله عليك. قال: فثار الناس ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه

стр. 81

خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه وأنزل الله فيه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ . قال إبراهيم بن جعفر: السارية التي ارتبط إليها ثمامة بن أثال الحنفي هي السارية التي ارتبط إليها أبو لبابة. وروى خالد بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن أبا لبابة رضي الله تعالى عنه ارتبط بسلسلة ربوض –والربوض: الثقيلة-، بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه، فما يكاد يسمع وكاد بصره يذهب. وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة وإذا أراد أن يذهب لحاجته حتى يفرغ، ثم تأتي به فترده في الرباط كما كان، وكان ارتباطه ذلك إلى جذع في موضع الأسطوانة التي يقال لها: أسطوانة التوبة. وروى عن محمد بن كعب القرظي: أن النبي ﷺ كان يصلي أكثر نوافله إلى أسطوانة التوبة. قلت: وهذه الأسطوانة الثانية عن يمين حجرة النبي ﷺ التي كان يصلي إليها، في الصف الأول خلف أمام الروضة، وهي معروفة. ذكر أسطوانة النبي ﷺ التي كان يصلي إليها روى الزبير بن حبيب أن الأسطوانة التي بعد أسطوانة التوبة إلى الروضة، وهي الثالثة من المنبر ومن القبر ومن رحبة المسجد ومن القبلة، وهي متوسطة في الروضة، صلى النبي ﷺ إليها المكتوبة بضع عشرة، ثم تقدم إلى مصلاه اليوم، وكان يجعلها خلف ظهره، وأن أبا بكر وعمر والزبير وابنه عبد الله وعامر بن عبد الله كانوا يصلون إليها، وأن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها؛ وكان يقال لها: مجلس المهاجرين. وقالت عائشة ﵂ فيها: لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالسهمان، فسألوها عنها؛ فأبت أن تسميها، فأصغي إليها ابن الزبير فسارته بشيء، ثم قام فصلى إلى التي يقال لها: أسطوانة عائشة. قال: فظن من معه أن عائشة ﵂ أخبرته أنها تلك الأسطوانة وسميت أسطوانة عائشة.

стр. 82

وأخبرني بعض أصحابنا عن زيد بن أسلم قال: رأيت عند تلك الأسطوانة موضع جبهة النبي ﷺ ، ثم رأيت دونه موضع جبهة أبي بكر ﵁، ثم رأيت دون موضع جبهة أبي بكر موضع جبهة عمر ﵄. ويقال: إن الدعاء عندها مستجاب. ذكر أسطوانة النبي ﷺ التي كان يجلس إليها إذا جاءه الوفود روى ابن أبي فديك عن غير واحد من مشايخه: أن الأسطوانة الثالثة من قبر النبي ﷺ ، وهي التي تلي الرحبة، وهي خلف أسطوانة علي بن أبي طالب التي خلف أسطوانة التوبة، كان النبي ﷺ يجلس إليها لوفود العرب إذا جاءته. قلت: إذا عددت الأسطوانة الذي فيه مقام جبريل، كانت الثالثة. ذكر أسطوانة علي بن أبي طالب ﵁ وروى أهل السير: أن الأسطوانة التي خلف أسطوانة التوبة، هي مصلى علي بن أبي طالب ﵁. ذكر فضيلة الصلاة إلى أساطين المسجد روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: ((كنت آتي سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها)) .

стр. 83

وروى أيضاً من حديث أنس ﵁ قال: ((لقد أدركت أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري عند المغرب)) . قلت: فعلى هذا جميع سواري مسجد النبي ﷺ يستحب الصلاة عندها لأنها لا تخلو من أن كبار الصحابة صلوا إليها. ذكر زيادة عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد عن ابن عمر ﵄ قال: زاد عمر بن الخطاب ﵁ في المسجد من شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتى نبلغ به الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ . وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن المسجد كان على عهد النبي ﷺ مبنياً باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر ﵁ شيئاً، وزاد فيه عمر ﵁ وبناه على بنائه في عهد النبي ﷺ باللبن والجريد، وأعاد عمده خشباً. وروى أهل السير: أن عمر ﵁ قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إني أزيد في المسجد)) ما زدت فيه. أنبأنا أبو القاسم الحذاء، عن أبي علي المقري، عن أبي نعيم الأصبهاني، عن أبي محمد الخلدي، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن مصعب بن ثابت، عن مسلم بن خباب ﵁: أن النبي ﷺ قال يوماً وهو في مصلاه، ((لو زدنا في مسجدنا)) وأشار بيده نحو القبلة. فلما توفي ﵊، وولي عمر بن الخطاب ﵁ قال: إن رسول الله قال: ((لو زدنا في مسجدنا)) وأشار بيده نحو القبلة، فأجلسوا رجلاً في موضع مصلى النبي ﷺ ، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها

стр. 84

حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا أن النبي ﷺ رفع يده وخفضها، ثم مد ووضعوا طرفه بيد الرجل، ثم مدوه. فلم يزالوا يقدمونه ويؤخرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار رسول الله من الزيادة، فقدم عمر بن الخطاب ﵁ القبلة، فكان موضع جدار عمر ﵁ في موضع عيدان المقصورة. قال أهل السير: كان بين المنبر وبين الجدار الذي كان على عهد رسول الله ﷺ بقدر ما تمر شاة، فأخذ عمر ﵁ إلى موضع المقصورة اليوم وزاد فيه، وزاد في يمين القبلة فصار طوله أربعين ومائة ذراع وسقفه جريد ذراعان، وبنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة أذرع، وبنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، وجعل له ستة أبواب: بابين عن يمين القبلة، وبابين عن يسارها، ولم يغير باب عاتكة ولا الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ، وفتح باباً عند دار مروان بن الحكم، وفتح بابين في مؤخر المسجد. وروى عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لو بني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي)) . وروى غيره مرفوعاً أنه قال: ((هذا مسجدي وما زيد فيه فهو منه، ولو بلغ صنعاء كان مسجدي)) . وكان أبو هريرة ﵁ يقول: ظهر المسجد كقعره. وأدخل عمر ﵁ في هذه الزيادة داراً للعباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين. وعن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد هدم دار كانت للعباس بن عبد المطلب ﵁ ليزيدها في المسجد وقال: بعنيها، فأبى العباس أن يبيعه إياها، فأراد عمر ﵁ أخذها منه وإدخالها في المسجد وقال: ذلك أرفق بالمسلمين، فقال له العباس: حكم بيني وبينك في ذلك، فجعلا بينهما أبي بن كعب فقال: إني

стр. 85

أحدثكما حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ قال: إن داود النبي أراد بنيان بيت المقدس، وكانت أرضه لرجل فاشتراها سليمان منه، فلما باعه الرجل إياه قال الرجل: ما أخذت مني خير أم ما أعطيتني؟ فقال: بل ما أخذت منك، قال: إني لا أجيز، فناقضه البيع، ثم اشتراها الثالثة فصنع مثل ذلك، فقال له سليمان: أشتريها منك بحكمك على أن لا تسألني، قال: فاشتراها بحكمه، فاحتكم شيئاً كثيراً اثني عشر قنطاراً ذهباً، فاستعظمه سليمان، فأوحى الله إليه: إن كنت تعطيه من رزقنا فأعطه حتى يرضى، وإن كنت تعطيه من عندك فذلك لك، وعم النبي ﷺ العباس إن شاء باعها وإن شاء تركها. قال العباس ﵁: أما إذا قضيت في، فقد جعلتها للمسلمين. وفي رواية: كانت للعباس ﵁ دار إلى جنب المجسد فقال له عمر ﵁: بعنيها، فقال له العباس ﵁: لا أبيعك، فقال عمر: إذاً آخذها، فقال العباس: لا تأخذها، فقال: أجعل بيني وبينك من شئت، فجعلا بينهما أبي بن كعب ﵁ فأخبروه الخبر، فقال: أوحى الله إلى سليمان ﵇ أن ابن بيت المقدس، وكان بيتاً لعجوز، فأراد أخذه منها، فأبت أن تبيعه إياه، فعزم على أخذه منها وإدخاله في المسجد، فأوحى الله إليه: أن بيتي أحق المواضع أن لا يدخل فيه شيء من الظلم، فكف عن أخذه. فقال: عمر ﵁: وأنا أشهدكم أني قد كففت عن دار العباس، فقال له العباس ﵁: أما إن كان هذا وحكم لي عليك، فإني أشهدكم أني قد جعلتها صدقة على المسلمين. فهدمها عمر ﵁ وأدخلها في المسجد، واشترى نصف موضع كان خطه النبي ﷺ لجعفر بن أبي طالب وهو بالحبشة داراً بمائة ألف فزاده في المسجد. أخبرتنا عفيفة الفارقانية في كتابها عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد بن الحسن قال: حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بشر بن

стр. 86

سعيد أبو سليمان بن يسار -شك الضحاك- أنه حدثه أن المسجد كان يرش زمان النبي ﷺ وزمان أبي بكر وعامة زمان عمر ﵄، وكان الناس يتنخمون فيه ويبصقون حتى عاد زلقاً، حتى قدم ابن مسعود الثقفي وقال لعمر: أليس قربكم وادٍ؟ قال: بلى، قال: فمر بحصباء تطرح فيه، فهو أكف للمخاط، والنخامة، فأمر بها عمر ﵁. وذكر محمد بن سعد: أن عمر بن الخطاب ﵁ ألقى الحصا في مسجد رسول الله، وكان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم، فأمر بالحصباء فجيء به من العقيق فبسط في المسجد. ذكر زيادة عثمان بن عفان ﵁ فيه روى البخاري في ((الصحيح)) أن عثمان ﵁ زاد في المسجد زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وذكر أهل السير: أن عثمان ﵁ لما ولي الخلافة سنة أربع وعشرين، سأله الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة حتى إنهم ليصلون في الرحاب، فشاور فيه عثمان ﵁ أهل الرأي من أصحاب رسول الله، فاجتمعوا على أن يهدمه ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس! إني قد أردت أن أهدم مسجد رسول الله ﷺ وأزيد فيه، وأشهد أني لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من بنى مسجداً، بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة) . وقد كان لي فيه سلفٌ وإمام عمر بن الخطاب ﵁، زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من أصحاب رسول الله ﷺ على هدمه وبنائه وتوسعته، فحسن الناس ذلك ودعوا له. فأصبح فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه، وكان رجلاً يصوم النهار

стр. 87

ويقوم الليل، وكان لا يخرج من المسجد، فهدمه وأمر بالقصة المنخولة، وكان عمله في أول ربيع الأول سنة تسع وعشرين، وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة ثلاثين. فكان عمله عشرة أشهر. وزاد من القبلة إلى موضع الجدار اليوم، وزاد فيه من المغرب أسطواناً بعد المربعة، وزاد فيه من الشام خمسين ذراعاً، ولم يزد فيه من الشرق شيئاً. وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة وخشب النخل والجريد، وبيضه بالقصة. وقدر زيد بن ثابت أساطينه فجعلها على قدر النخل، وجعل فيه طاقات مما يلي المشرق والمغرب، وبنى المقصورة بلبن وجعل فيها كوة ينظر الناس منها إلى الإمام وكان يصلي فيها خوفاً من الذي أصاب عمر ﵁ وكانت صغيرة، وجعل أعمدة المسجد حجارة منقوشة فيها أعمدة الحديد وفيها الرصاص، وسقفه بالساج فجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجعل أبوابه على ما كان على عهد رسول الله ﷺ : باب عاتكة، والباب الذي يليه، وباب مروان، والباب الذي يقال له: باب النبي ﷺ ، وبابين في مؤخره. وقال عبد الرحمن بن سفينة: رأيت القصة تحمل إلى عثمان ﵁ وهو يبني المسجد من بطن نخل، ورأيته يقوم على رجليه والعمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة، فيصلي بهم، ثم ربما نام في المسجد، واشترى من مروان بن الحكم داره وكان بعضها لآل النجار وبعضها دار العباس، لها باب إلى المسجد، وهي اليوم باقية على حالها وفيها تسكن الأمراء. ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك فيه ذكر أهل السير: أن الوليد بن عبد الملك لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة أمره بالزيادة في المسجد، وبنيانه، فاشترى ما حوله من المشرق والمغرب والشام من أبي سبرة الذي كان أبى أن يبيع عليه، ووضع الثمن له، فلما صار إلى القبلة قال له عبد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هذا، هو من حق حفصة ﵂، وقد كان رسول

стр. 88

الله ﷺ يسكنها! فقال له عمر: ما أنا بتارككم، أنا أدخلها المسجد. فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر: أجعل لكم في المسجد باباً تدخلون منه، وأعطيكم دار الرقيق مكان هذا الطريق، ما بقي من الدار فهو لكم، ففعلوا، فأخرج بابهم في المسجد وهي الخوخة التي في المسجد تخرج في دار حفصة، وأعطاهم دار الرقيق، وقدم الجدار في موضعه اليوم، وزاد من الشرق ما بين الأسطوان المربعة إلى جدار المسجد، ومعه عشر أساطين من مربعة القبر إلى الرحبة إلى الشام. ومد في المغرب أسطوانتين وأدخل فيه حجرات أزواج النبي ﷺ ، وأدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف الثلاث التي كان يقل لها: القرائن، اللاتي يقول فيهن أبو قطيفة بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط: ألا ليت شعري هل تغير بعدنا ... بقيع المصلى أم كعمد القرائن ودار عبد الله بن مسعود. وأدخل فيه من المغرب دار طلحة بن عبيد الله ودار أبي سبرة بن أبي رهم، ودار عمار بن ياسر، وبعض دار العباس بن عبد المطلب، وأعلى ما أدخل منها، فجعل منابر سواريها التي تلي السقف أعظم من غيرها من سواري المسجد. قالوا: وبعث الوليد إلى ملك الروم: إنا نريد أن نعمل مسجد نبينا الأعظم ﷺ ، فأعنا فيه بعمال وفسيفساء. فبعث إليه بأربعين من الروم، وبأربعين من القبط، وبأربعين ألف مثقال عوناً له، وبإجمال من فسيفساء، وبعث هذه السلاسل التي فيها القناديل. فهدم عمر المسجد وأخمر النورة التي يعمل بها الفسيفساء سنة، وحملوا القصة من النخل منخولة، وعمل الأساس من الحجارة، والجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة والقصة، وجعل عمد المسجد من حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتي ذراع، وفي مؤخره مائة وثمانين وعمله بالفسيفساء والمرمر، وعمل سقفه بالساج وموهه بالذهب.

стр. 89

وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ وأدخلها فيه، وأدخل القبر فيه أيضاً، ونقل لبن حجرات النبي ﷺ ولبن المسجد، فبنى به داره بالحرة، وهو فيها اليوم له بياض على اللبن. وقال بعض الذين عملوا الفسيفساء: إنا عملناه على ما وجدناه من صور شجر الجنة وقصورها، وكان عمر إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء وأحسن عملها نقده ثلاثين درهماً. قالوا: وكانت زيادة الوليد بن عبد الملك من المشرق إلى المغرب ستة أساطين، وزاد إلى الشام من الأسطوانة المربعة إلى القبر أربع عشرة أسطوانة، منها عشرة في الرحبة، وأربع في السقايف الأول التي كانت قبل، وزاد من الأسطوان التي دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين. وأدخل بيت النبي ﷺ في المسجد، وبقي ثلاث أساطين في السقايف، وجعل للمسجد أربع منارات في كل زاوية منارة، وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان. فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل عليهن فأمر سليمان بتلك المنارة فهدمت إلى ظهر المسجد. قالوا: وأمر عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها، وقدر مجلس اثنين يستندان إليها. قالوا: ولما صار عمر إلى جدار القبلة، دعا مشايخه من أهل المدينة من قريش والأنصار والموالي والعرب، فقال لهم: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا: عمر غير قبلتنا، فجعل لا ينزع حجراً إلا وضع حجراً. قالوا: ومات عثمان بن عفان ﵁ وليس للمسجد شرافات ولا محراب، فأول من أحدث الشرافات والمحراب عمر بن عبد العزيز. قال: وكتب عمر بن عبد العزيز الكتاب الذي في القبلة عن يمين الداخل من الباب الذي يلي دار مروان بن الحكم حتى انتهى إلى باب علي ﵁، كتبه مولى لحويطب بن عبد العزى اسمه سعد. والكتاب: ((أم القرآن)) ومن أول سورة ﴿والشمس وضحاها﴾ إلى خاتمة ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ ، وعمل الميازيب من

стр. 90

رصاص، ولم يبق منها إلا ميزابان أحدهما في موضع الجنائز، والآخر على الباب الذي يدخل منه أهل السوق، يقال له: باب عاتكة، وعمل المقصورة من ساجٍ. وهدم بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأدخله في المسجد، وكان ذلك في سنة إحدى وتسعين، ومكث في بنيانه ثلاث سنين. وكتب عمر في القبلة في صحن المسجد في الفسيفساء ما نسخته: ((بسم الله الرحمن الرحيم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أمر عبد الله أمير المؤمنين الوليد بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وبصلة الرحم، وتعظيم ما صغَّر الجبابرة من حق الله سبحانه، وتصغير ما عظموا من الباطل، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وإماتة ما أحيوا من العدوان والجور، وأن يطاع الله سبحانه ويعصى العباد في طاعة الله، فالطاعة لله سبحانه ولأهل طاعته، لا طاعة لأحد في معصية الله، يدعو إلى كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ ، وإلى العدل في أحكام المسلمين والقسم بالسوية في فيئهم، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله سبحانه بها لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)) . قالوا: ولما قدم الوليد بن عبد الملك حاجاً بعد فراغ عمر بن عبد العزيز من المسجد، جعل يطوف فيه وينظر إلى بنائه. فقال لعمر حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف كله مثل هذا، فقال: يا أمير المؤمنين إذاً تعظم النفقة جداً، أتدري كم أنفقت على عمل جدار القبلة وما بين السقفين؟ قال: وكم؟ قال: خمسة وأربعين ألف دينار، وقال بعضهم: أربعين ألف دينار، وقال: والله لكأنك أنفقتها من مالك، وقيل: كانت النفقة أربعين ألف مثقال. قالوا: وكان معه أبان بن عثمان بن عفان، فلما استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان، فقال: أين بنياننا من بنيانكم؟ فقال أبان: إنا بنيناه بناء المسجد وبنيتموه بناء الكنائس! قالوا: وبينا أولئك القوم يعملون في المسجد، إذ خلا لهم، فقال

стр. 91

بعضهم: لأبولن على قبر نبيهم، فتهيأ لذلك ونهاه أصحابه، فلما هم أن يعمل، اقتلع وألقي على رأسه فانتشر دماغه فأسلم بعض أولئك النصارى، وعمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار القبلة، وفي صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز، فأمر به فضربت عنقه. قالوا: وكان عمل القبط مقدم المسجد، وكانت الروم تعمل ما خرج من السقف من جوانبه ومؤخره. قال أهل السير: ولما فرغ عمر من بنيان المسجد أراد أن يجعل في أبوابه في كل باب سلسلة تمنع الدواب من الدخول، فعمل واحدة وجعلها في باب مروان، ثم بدا له عن البواقي. قلت: فهي باقية إلى اليوم، وأقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه ومن أن يحترفوا فيه، والسنة في الجنائز باقية إلى يومنا هذا، إلا في حق العلويين ومن أراد من الأمراء وغيرهم من الأعيان، والباقون يصلى عليهم خلف الحائط الشرقي من المسجد، إذا وقف الإمام على الجنازة، كان النبي ﷺ عن يمينه. ذكر زيادة المهدي فيه قال أهل السير: لم يزل المسجد على ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر المنصور، فهم بالزيادة وشاور فيها، وكتب إليه الحسن بن زيد يصف له ناحية موضع الجنائز ويقول: إن زيد في المسجد من الناحية الشرقية توسط قبر النبي ﷺ في المسجد، فكتب إليه أبو جعفر: إني قد عرفت الذي أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان بن عفان ﵁. قالوا: وتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئاً. ثم حج المهدي بن أبي جعفر سنة إحدى وستين ومائة، فقدم منصرفه من الحج إلى المدينة، واستعمل عليها جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس سنة إحدى وستين ومائة، وأمره بالزيادة في مسجد رسول الله ﷺ ، وولاه بناءه هو وعبد الله بن عاصم بن عمر بن عبد العزيز بن مروان،

стр. 92

وعبد الملك بن شبيب الغساني من أهل الشام، فزيد في المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، وكانت زيادته مائة ذراع ولم يزد فيه من الشرق ولا الغرب ولا القبلة شيئاً، ثم خفض المقصورة وكانت مرتفعة ذراعين من الأرض، فوضعها في الأرض على حالها اليوم، وسد على آل عمر خوختهم التي في دار حفصة حتى كثر الكلام فيها، ثم صالحهم على أن خفض المقصورة وزاد في المسجد تلك الخوخة ثلاث درجات وحفرت الخوخة حتى صارت تحت أرض المقصورة، وجعل عليها في جدار القبلة شباك، فهو عليها اليوم. وكان المهدي قبل بنائه المسجد قد أمر به، فقدر ما حوله من الدور فابتيع، وكان مما أدخل فيه من الدور، دار عبد الرحمن بن عوف التي يقال لها: دار مليكة، ودار شرحبيل بن حسنة، وبقية دار عبد الله بن مسعود التي يقال لها دار القراء، ودار المسور بن مخرمة الزهري، وفرغ من بنيان المسجد سنة خمس وستين ومائة. قالوا: وكتب على أثر الكتاب الذي كتبه عمر بن عبد العزيز في صحن المسجد ما نسخته: ((أمر عبد الله المهدي أمير المؤمنين، أكرمه الله وأعز نصره، بالزيادة في مسجد رسول الله ﷺ ، وإحكام عمله ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، أحسن الله ثوابه بأحسن الثواب والتوسعة لمن صلى فيه من أهله وأبنائه من جميع المسلمين، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين فيما نوى من حسنته في ذلك وأحسن ثوابه، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم كتب ((أم القرآن)) كلها، ثم كتب على أثرها ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ، ثم كتب: وكان مبتدأ ما أمر به عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين أكرمه الله من الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ في سنة اثنتين وستين ومائة، وفرغ منه سنة خمس وستين ومائة، فأمير المؤمنين أصلحه الله بحمد الله على ما أذن له واختصه به من عمارة مسجد رسول الله ﷺ وتوسعته حمداً كثيراً، والحمد لله رب العالمين على كل حال)) . قالوا: وعرض منقبة جداري المسجد مما يلي المغرب ينقصان شيئاً، وعرض منقبته مما يلي المشرق ذراعان وأربع أصابع، وإنما زيد فيها لأنها من ناحية السيل، وفي صحن المسجد أربع وستون بلاعة لماء المطر، عليها أرحاء، ولها صمائم من حجارة يدخل الماء من أنقابها.

стр. 93

قالوا: وكان أبو البختري وهب بن وهب القاضي على المدينة والياً لهارون أمير المؤمنين، فكشف سقف المسجد في سنة ثلاث وسبعين ومائة، فوجد فيه سبعين خشبة مكسورة فأدخل مكانها خشباً صحاحاً. وكان ماء المطر يغشى قبلة المسجد، فجعل بين القبلة والصحن حجارة مربعة لاصقة من غربي المسجد إلى الحجارة المربعة التي في شرقيه تلي القبر، فمنع الماء من الصحن، ومنع حصباء القبلة أن يصل إلى الصحن. ذكر الستارة التي كانت على صحن المسجد قال أهل السير: لما قدم أبو جعفر المنصور المدينة سنة أربعين ومائة، أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رؤوس كقريات الفساطيط وجعلت في الطيقان، فكانت الريح تدخل فيها، فلا يزال العمود يسقط على الإنسان، فغيرها وأمر بستور هي أكثف من تلك الستور وبحبال، فأتي بها من جدة من حبال السفن المتينة، وجعلت على تشبيك حباله اليوم، وكانت تجعل على الناس كل جمعة. فلم تزل كذلك حتى خرج محمد بن عبد الله بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومائة، فأمر بها فقطعت ذرائع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمن هارون أمير المؤمنين، فأحدث هذه الأستار ولم تكن تستر في زمن بني أمية. أنبأنا ذاكر بن كامل، عن الحسن بن أحمد بن محمد الحداد، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي جعفر الخلدي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الحسن بن زبالة، قال: حدثني حسين بن مصعب، قال: أدركت كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة، فتنشر على الرضراض في المسجد، ثم يخرج بها إلى مكة، وذلك في سنة إحدى وثلاثين، أو اثنتين وثلاثين ومائة. ذكر المصاحف التي كانت بالمسجد قال مالك بن أنس ﵁: أرسل الحجاج بن يوسف إلى

стр. 94

أمهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف منها كبير، وكان في صندوق عن يمين الأسطوان التي عملت علماً على مقام النبي ﷺ ، وكان يفتح يوم الخميس والجمعة فيقرأ فيه بعد صلاة الصبح. وبعث المهدي بمصاحف لها أثمان، فجعلت في صندوق عن يسار السارية، ووضعت منابر لها كانت تقرأ عليها، وحمل مصحف الحجاج في صندوقه فجعل عند الأسطوان التي عن يمين المنبر، وإلى الأسطوان الأخرى التي تليها صندوق آخر فيه مصحفٌ بعث به المهدي يقرأ فيه الناس. ثم إلى التي تليها في الغرب صندوق فيه مصاحف بعث بها المهدي ليقرأ فيها الناس على طبقة منبر صحيح. وفي القبلة صندوق لاصق بالمقصورة فيه مصاحف يقرأ الناس فيها تصدقت بها حسنة أم ولد المهدي. ووضع رجل من أهل البصرة يقال له: أبو يحيى صندوقاً وجمع فيه مصاحف يتعلم فيها الأميون والأعاجم. قلت: وأكثر هذه المصاحف المذكورة ضاعت على طول الزمان وتفرقت أوراقها، فهو مجموع في يومنا هذا في خلال المقصورة إلى جانب باب مروان. وفي الحرم عدة مصاحف موقوفة بخطوط ملاح مخزونة في خزانتين من ساجٍ بين يدي المقصورة خلف مقام النبي ﷺ ، وهناك كرسي كبير فيه مصحفٌ مقفلٌ عليه أنفذ به من مصر، وهو عند الأسطوانة التي في صف مقام النبي ﷺ ، محاذي الحجرة الشريفة، وإلى جانبه مصحفان على كرسيين يقرأ الناس فيهما، وليس في المسجد ظاهر سواهما. ذكر السقايات التي كانت في المسجد قال محمد بن الحسن بن زبالة: كان في صحن مسجد رسول الله ﷺ تسع عشرة سقاية إلى أن كتبنا كتابنا هذا في صفر سنة تسع وتسعين ومائة. منها: ثلاثة عشر أحدثتها خالصة، وهي أول من أحدث ذلك. ومنها: ثلاث سقايات ليزيد البربري مولى أمير المؤمنين.

стр. 95

ومنها: سقاية لأبي البختري وهب بن وهب، وسقاية لسحر أم ولد هارون أمير المؤمنين، وسقاية لسلسبيل أم ولد جعفر بن أبي جعفر. قلت: وأما الآن، فليس في المسجد سقاية إلا في وسطه وفيه بركة كبيرة مبنية بالآجر والخشب، ينزل الناس إليها بدرج أربع في جوانبها والماء ينبع من فوارة في وسطها يأتي من العين، ولا يكون الماء فيها إلا في أيام الموسم إذا جاء الحاج، وبقية السنة تكون فارغة، عملها بعض أمراء الشام واسمه شامة. وعملت الجهمة أم الخليفة الناصر لدين الله –وفقها الله توفيقاً سديداً- في مؤخر المسجد سقاية كبيرة فيها عدة من البيوت، وحفرت لها بئراً، وفتحت لها باباً إلى المسجد في الحائط الذي يلي الشام، وهي تفتح في أيام الموسم أيضاً. ذكر ذرع المسجد اليوم وعدد أساطينه وطيقانه وأبوابه وذكر تجديد عمارته وما يتعلق به من الرسوم اعلم أن طول المسجد اليوم من قبلته إلى الشام، مائتا ذراع وأربع وخمسون ذراعاً وأربع أصابع، ومن شرقيه إلى غربيه مائة ذراع وسبعون ذراعاً شافة، وطول رحبته من القبلة إلى الشام مائة ذراع وتسع وخمسون ذراعاً وثلاث أصابع، ومن شرقيه إلى غربيه سبع وتسعون ذراعاً راجحة، وطول المسجد في السماء خمس وعشرون ذراعاً، هذا ما ذرعته أنا بخيط. وذكر محمد بن الحسن بن زبالة: أن طول مناراته خمس وخمسون ذراعاً، وعرضهن ثمانية أذرع في ثمانية أذرع. وأما طيقانه: ففي القبلة إحدى عشرة طاقة، وفي الشام مثلها، وفي المشرق والمغرب تسع عشرة طاقة، وبين كل طاقتين أسطوان، ورؤوس الطاقات مسددة بشبابيك من خشب. وأما عدد أساطينه غير التي في الطيقان: ففي القبلة ثمان وستون أسطوانة، منها في القبر صلى الله على ساكنه وسلم أربع، وفي الشام مثلها،

стр. 96

وفي الشرق أربعون أسطواناً؛ منها اثنتان في الحجرة، وفي المغرب ستون أسطواناً؛ وبين كل أسطوان وأسطوان تسعة أذرع. وأما أبوابه: فكانت بعد زيادة المهدي فيه: في المشرق باب علي ﵁، ثم باب النبي ﷺ ، ثم باب عثمان ﵁، ثم باب مستقبل دار ريطة، وباب مستقبل دار أسماء بنت الحسن، ثم باب مستقبل دار خالد بن الوليد، ثم باب مستقبل زقاق المناصع، ثم باب مستقبل أبيات الصوافي، فذلك ثمانية أبواب. منها باق في يومنا هذا: باب عثمان، والباب المقابل لدار ربطة. وفي الشام أربعة أبواب: الأول حذاء دار شرحبيل بن حسنة، والثاني والرابع حذاء بقية دار عبد الله بن مسعود، وليس منها شيء مفتوح في زماننا هذا. وفي المغرب سبعة أبواب: الخامس منها باب عاتكة والسادس باب زياد، والسابع مروان وليس منها شيء مفتوح في يومنا هذا إلا باب عاتكة، ويعرف الآن بباب الرحمة، وباب مروان وهو الذي يلي باب الإمارة، وفي دار مروان باب إلى المسجد باق على حاله إلى الآن. روى إبراهيم بن محمد، عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبق من الأبواب التي كان رسول الله يدخل منها إلا باب عثمان. واعلم أن حدود مسجد رسول الله ﷺ من القبلة الدرابزينات التي بين الأساطين، ومن الشام الخشبتان المغروزتان في صحن المسجد. فهذا طوله، وأما عرضه من المشرق إلى المغرب، فهو من حجرة النبي ﷺ إلى الأسطوان الذي بعد المنبر وهو آخر البلاط. ولم تزل الخلفاء من بني العباس ينفذون الأمراء على المدينة ويمدونهم بالأموال لتجديد ما يتهدم من المسجد، ولم يزل ذلك متصلاً إلى أيام الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين وفقه الله لمنهاج الدين ولإقامة عزة الإسلام والمسلمين ونصره على كافة الأعداء والمخالفين، فإنه ينفذ في كل

стр. 97

سنة من الذهب العين الإمامي ألف دينار لأجل عمارة المسجد، وينفذ عدة من النجارين، والبنائين، والنقاشين، والمزوقين، والجصاصين، والحراقين، والحدادين، والدوزجارية، والحمالين، ويكون مادتهم ما يأخذونه من الديوان العزي ببغداد، من غير هذه الألف المذكورة، وينفذ من الحديد والرصاص والأصباغ والجبال والآلات شيئاً كثيراً، ولا تزال العمارة متصلة في المسجد ليلاً ونهاراً حتى إنه ليس به اصبع إلا عامراً، وينفذ من القناديل والشيرج والشمع عدة أحمال لأجل المسجد، وينفذ من الند والغالية المركبة والعود لأجل تجمير المسجد شيئاً كثيراً. وأما الرسوم التي تصل من الديوان لغير العمارة: فأربعة آلاف دينار من العين الأمامية للصدقات على أهل المدينة من العلويين وغيرهم، وينفذ من الثياب القطن ألف وخمسمائة ذراع لأجل أكفان من يموت من الفقراء الغرباء، هذا غير ما ينفذ للخطيب وإمام الروضة وللمؤذنين وخدام المسجد. وذكر يوسف بن مسلم: أن زيت قناديل مسجد النبي ﷺ كان يحمل من الشام حتى انقطع في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة، فجعله على سوق المدينة. فلما ولي المدينة داود بن عيسى سنة سبع أو ثمان وتسعين مائة، أخرجه من بيت المال. قلت: وفي يومنا هذا يصل الزيت من مصر من وقفٍ هناك ومقداره سبعة وعشرون قنطاراً بالمصري، والقنطار مائة وثلاثون رطلاً، ويصل معه مائة وستون شمعة بيضاء كبار وصغار، وعلبة فيها مائة مثقال ند.

стр. 98

الباب الثالث عشر في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها اعلم أن المساجد والمواضع التي صلى بها رسول الله ﷺ بالمدينة كثيرة، وأساميها في الكتب مذكورة، إلا أن أكثرها لا يعرف في يومنا هذا، فذكره لا فائدة فيه هنا. فأما المساجد التي هي اليوم معروفة فهي: مسجد قباء روى البخاري في ((الصحيح)) أن رسول الله ﷺ لبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي على التقوى وصلى فيه وخرج إلى المدينة. أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا محمد بن أبي منصور، أخبرنا محمد بن أحمد المقري، أنبأنا عبد الملك بن محمد الواعظ، حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا ابن خزيمة، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن شرحبيل بن سعد، عن عويمر بن ساعدة: أن النبي ﷺ قال لأهل قباء: ((إن الله قد أحسن الثناء عليكم في الطهور، قال: ﴿فيه رجالٌ يحبون أن يتطهروا﴾ إلى آخر الآية، ما هذا الطهور؟ فقالوا: ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا)) .

стр. 99

وفي ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يزور قباء راكباً وماشياً. وفي ((صحيح مسلم)) أن عبد الله بن عمر كان يأتي قباء في كل سبت ويقول: ((رأيت رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت)) . وروى أبو عروبة قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي قباء كل يوم الاثنين ويوم الخميس، فجاء يوماً فلم يجد أحداً من أهله، فقال: والذي نفسي بيده، لقد رأيتنا ورسول الله ﷺ وأبا بكر في أصحابه ننقل حجارته على بطوننا، ويؤسسه رسول الله ﷺ وجبريل ﵇ يؤم به البيت. ومحلوف عمر بالله: لو كان مسجدنا هذا لطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل. وروى البخاري في ((الصحيح)) قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر ﵃ أجمعين. وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: ((من توضأ فأسبغ الوضوء وجاء مسجد قباء فصلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة)) . وروت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها قال: والله لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إلي من أن آتي إلى بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل. وروى نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ صلى إلى الأساطين الثلاث في مسجد قباء التي في الرحبة.

стр. 100

قلت: لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، نزل في بني عمرو بن عوف بقباء في منزل كلثوم بن الهدم، وأخذ مربد فأسسه مسجداً وصلى فيه. ولم يزل ذلك المسجد يزوره رسول الله ﷺ مدة حياته ويصلي فيه أهل قباء، فلما توفي رسول الله ﷺ لم تزل الصحابة تزوره وتعظمه. ولما بنى عمر بن عبد العزيز مسجد النبي ﷺ ، بنى مسجد قباء ووسعه، وبناه بالحجارة والجص، وأقام فيه الأساطين من الحجارة بينها غواميد الحديد والرصاص ونقشه بالفسيفساء، وعمل له منارة وسقفه بالساج وجعله أروقة، وفي وسطه رحبة، وتهدم على طول الزمان حتى جدد عمارته جمال الدين الأصبهاني وزير بني زنكي، الملوك ببلاد الموصل. وذرعت مسجد قباء فكان طوله ثمان وستين ذراعاً تشف قليلاً، وعرضه كذلك، وارتفاعه في السماء عشرون ذراعاً، وطول منارته سطحه إلى رأسها اثنان وعشرون ذراعاً، وعلى رأسها قبة طولها نحو العشرة أذرع، وعرض المنارة من جهة القبلة عشرة أذرع شافة، ومن المغرب ثمانية أذرع، وفي المسجد تسعة وثلاثون أسطواناً، بين كل أسطوانين سبعة أذرع شافة، وفي جدرانه طاقات نافذة إلى خارج، في كل جانب ثمان طاقات إلى الجانب الذي يلي الشام، فإن الثامنة فيها المنارة، فهي مسدودة، والمنارة عن يمين المصلى وهي مربعة. مسجد الفتح أنبأنا حنبل بن عبد الله الرصافي، قال: أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا أبو عامر كثير – يعني ابن زيد-، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، قال: حدثني جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بعد الصلاتين فعرف البشر في وجهه)) .

стр. 101

أنبأنا القاسم بن علي، أخبرنا هبة الله بن أحمد، أخبرنا أبو منصور بن شكروي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا علي بن سالم، حدثنا إسماعيل بن أبي فديك، عن معاذ بن سعيد السلمي عن أبيه، عن جابر ﵁: ((أن رسول الله ﷺ مر بمسجد الفتح الذي على الجبل، وقد حضرت صلاة العصر، فرقى فصلى فيه صلاة العصر)) . وروى هارون بن كثير، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ يوم الخندق دعا على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذي على الجبل. قلت: وهذا المسجد على رأس جبل يصعد إليه بدرج، وقد عمر عمارة جديدة، وعن يمينه في الوادي نخل كثير ويعرف ذلك الموضع: بالسيح، ومساجد حوله وهي ثلاثة: قبلة الأول منها خراب، قد هدم وأخذت حجارته، والآخران معموران بالحجارة والجص، وهما في الوادي عند النخل. وروى معاذ بن سعد: أن رسول الله ﵊ صلى في مسجد الفتح في الجبل، وفي المساجد التي حوله. مسجد القبلتين روى عثمان بن محمد الأخنسي قال: زار رسول الله ﷺ امرأة من بني سلمة يقال لها: أم بشير في بني سلمة، فصنعت له طعاماً، فحانت الظهر فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما صلى ركعتين، أمر أن يتوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﷺ ، فسمي ذلك المسجد ((مسجد القبلتين)) ، وكانت الظهر يومئذ أربع ركعات، منها ثنتان إلى بيت المقدس، وثنتان إلى الكعبة. وقال سعيد بن المسيب ﵁: صرفت القبلة قبل بدر بشهرين، والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في المسجد.

стр. 102

قلت: وهذا المسجد بعيدٌ من المدينة قريب من بئر رومة، وقد انهدم وأخذت حجارته وبقيت آثاره وموضعه يعرف بالقاع. مسجد الفضيخ روي عن هشام بن عروة، والحارث بن فضيل أنهما قالا: صلى النبي ﷺ في مسجد الفضيخ. قلت: وهذا المسجد قريب من قباء ويعرف بمسجد الشمس وهو حجارة مبنية على نشزٍ من الأرض. مسجد بني قريظة روى علي بن رفاعة عن أشياخ من قومه أن النبي ﷺ صلى في بيت امرأة، فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة، وهو المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ببني قريظة. قلت: وهذا المسجد اليوم باق بالعوالي، وهو كبير طوله نحو عشرين ذراعاً وعرضه كذلك، وفيه ست عشرة أسطوانة قد سقط بعضها، وهو بلا سقف وحيطانه مهدومة، وقد كان مبنياً على شكل بناء مسجد قباء وحوله بساتين ومزارع. ومشربة أم إبراهيم ابن النبي ﵊ روى إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن ثابت أن النبي ﷺ صلى في مشربة أم إبراهيم ﵇. قلت: وهذا الموضع بالعوالي من المدينة بين النخل، وهو أكمة قد حوط عليها بلبن، والمشربة: البستان، وأظنه قد كان بستاناً لمارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي ﷺ ، والله أعلم

стр. 103

واعلم أن بالمدينة عدة مساجد خراب، فيها المحاريب وبقايا الأساطين، وتنقض وتؤخذ حجارتها فتعمر بها الدور. منها: مسجد بقباء قريب من مسجد الضرار فيه أسطوانات قائمة. ومسجدان قريبان من البقيع، أحدهما يعرف: بمسجد الإجابة، وفيه أسطوانات قائمة ومحراب مليح، وباقيه خراب. وآخر يعرف بمسجد البغلة، فيه أسطوانة واحدة وهو خراب، وحوله يسير من الحجارة، فيه أثر يقولون: إنه أثر حافري بغلة النبي ﷺ ، فتستحب الصلاة في هذه المواضع وإن لم يعرف أساميها، لأن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو واليه على المدينة: مهما صح عندك من المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ فابن عليه مسجداً، فهذه الآثار كلها آثار بناء عمر بن عبد العزيز.

стр. 104

الباب الرابع عشر في ذكر مسجد الضرار وهدمه هذا المسجد بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء، فكانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبي ﷺ ويستهزئون به، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: حرام بن خالد ومن داره أخرجه، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف، وحارثة بن عامر وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، ومحدج وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت. فلما بنوه أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال ﷺ : ((إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قد قدمنا إن شاء الله، لأتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل رسول الله ﷺ : ((بذي أوان)) ، وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار ومرجعه من تبوك، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله ﵊ مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، أو أخاه عاصماً؛ فقال ﷺ : ((انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه)) ، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، فأخذا سعفاً من النخل وأشعلا فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرق أهله عنه، ونزل فيه من القرآن ما نزل ﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً﴾ ، إلى آخر القصة.

стр. 105

قلت: وهذا المسجد قريب من مسجد قباء، وهو كبير وحيطانه عالية وتؤخذ منه الحجارة، وقد كان بناؤه مليحاً.

стр. 106

الباب الخامس عشر في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ روي عن أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: بعثني رسول الله من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي، فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل علي وقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة؟ قال: فقتل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف. فبدأ برسول الله ﷺ وجعه الذي قبضه الله فيه. وروي عن عائشة ﵂ قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأنا أقول: وارأساه، فقال: بل والله يا عائشة وارأساه، فقال: وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك، قالت: قلت: لكأني بك قد فعلت ذلك، ثم رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. قالت: فتبسم رسول الله ﷺ وتتام به وجعه وهو يدور على نسائه،

стр. 107

حتى اشتد به وجعه وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه وكن تسعاً: عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة وزينب وميمونة وجويرية وصفية ﵅، فاستأذنهن على أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له فخرج رسول الله ﷺ يمشي بين العباس وعلي ﵄ عاصباً رأسه، تخط قدماه الأرض حتى دخل بيت عائشة، ثم حم رسول الله ﷺ واشتد وجعه فقال: هريقوا علي من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم، فأقعدوه ﷺ في مخضب وصبوا عليه الماء. وخرج رسول الله ﷺ عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، فصلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر الصلاة عليهم، ثم قال: إن عبداً من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، قال: ففهمها أبو بكر، وعرف أن نفسه يريد وقال: بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا، ثم قال رسول الله ﵊: يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيراً، فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها، فأحسنوا إلى محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم نزل فدخل بيته وتتام به وجعه. وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: ((ما رأيت أحداً الوجع عليه أشد من رسول الله ﷺ ) . وفيه أيضاً: من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ((دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)) . ولما اشتد به وجعه ﷺ ، جاءه بلال يؤذنه بصلاة الفجر من يوم الاثنين قال: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) ، فلما تقدم أبو بكر ﵁ يصلي بالناس، وجد رسول الله ﷺ خفةً فخرج على الناس.

стр. 108

قال أنس: فخرج رسول الله ﷺ على الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتتنون في صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه فرحاً به وتفرجوا، فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم. قال: وتبسم رسول الله ﷺ سروراً لما رأى من هيئتهم في صلاتهم وما رأيت رسول الله ﷺ أحسن هيئة منه تلك الساعة. قال أبو بكر بن أبي مليكة: فلما تفرج الناس عرف أبو بكر ﵁ أنهم لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله ﷺ ، فنكص عن مصلاه، فدفعه رسول الله ﷺ في ظهره وقال: صل بالناس، وجلس الرسول ﷺ إلى جانبه فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر. فلما فرغ من الصلاة، أقبل على الناس فكلمهم رافعاً صوته حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: ((يأيها الناس، سعرت النار وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن)) . فلما فرغ ﷺ من كلامه، قال له أبو بكر ﵁: يا نبي الله إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب، واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ قال: نعم، قال: ثم دخل ﵊ وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. وخرج يومئذ علي بن أبي طالب ﵁ على الناس من عند رسول الله ﷺ ، فقال له الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً، قال: فأخذ العباس بيده وقال: يا علي، أحلف بالله لقد رأيت الموت في وجه رسول الله ﷺ ، كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب. وفي ((صحيح البخاري)) من حديث عائشة ﵂ قالت: ((دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه، فسارها بشيء فبكت، ثم دعاها

стр. 109

فسارها فضحكت، فسألتها عن ذلك، فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه فبكيت، ثم سارني أني أول أهله لحوقاً به فضحكت)) . و ((فيه)) من حديثها أيضاً أنها قالت: ((إن من نعم الله علي أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن بن أبي بكر وأنا مسندة النبي ﷺ إلى صدري ومعه سواك رطب يستن به، فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته وطيبته، ثم دفعته إليه فاستن به، فما رأيت النبي ﵊ استن استناناً قط أحسن منه، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، ثم نصب يديه فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده)) . قالت عائشة ﵂: ((كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لن يقبض نبيٌ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير)) . فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي، غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذاً لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح)) . وقالت عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﵊ وأصغيت إليه قبل أن يموت وهو مسندٌ إلي ظهره يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى)) . ولما تغشاه الموت، قالت فاطمة ﵂: واكرب أباه، قال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم)) . قالت عائشة ﵂: وثقل رسول الله ﷺ في حجري،

стр. 110

فنظرت في وجهه فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: ((بل الرفيق الأعلى في الجنة)) وقبض ﷺ . قالت: فوضعت رأسه على وسادتي، وقمت التدم مع النساء أضرب وجهي. وقالت فاطمة ﵂ تندبه ﷺ : يا أبتاه؛ أجاب رباً دعاه، يا أبتاه؛ في جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه؛ إلى جبريل ننعاه. وقال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عند موته: يا أحمد هذا آخر وطئي في الأرض ولا أنزل إليها أبداً بعد، إنما كنت حاجتي من الدنيا. وكانت وفاته ﷺ حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة مضت من الهجرة على ثلاث وستين سنة من عمره، وكمل بالمدينة من يوم دخلها إلى يوم مات عشر سنين كوامل مبلغاً لرسالات الله مجاهداً لأعدائه. ولما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى، فإنه غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله ﷺ فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات! قالوا: وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂، فيمم رسول الله وهو مسجى بثوب حبرةٍ، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي وأمي أنت، والله لا يجمع الله عليك موتتين: أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ثم لن يصيبك بعدها موتة أبداً. ثم رد البرد على وجهه، وخرج وعمر بن الخطاب ﵁ يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر
следующие страницы →