Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الدرة الثمينة
في أخبار المدينة
لابن النجار
الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي
(٥٧٨ - ٦٤٣ هـ)
قابل أصوله الخطية وعلق عليه
حسين محمد علي شكري
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
стр. 2
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أخبرنا الفقيه الأجل الإمام العالم الشريف العدل؛ تاج الدين علي بن أبي العباس أحمد بن الشيخ الأجل أبي محمد عبد المحسن بقراءتي عليه.
أخبرنا الشيخ الفقيه الأجل أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار بقراءة أبي عليه، وقراءة ابن الوليد عليه وأنا أسمع، قال:
الحمد لله حمداً يقتضي من إحسانه المزيد، ويبلغنا من رضوانه ما نؤمل ونريد، والصلاة والسلام على من هدانا إلى المنهج السديد، محمد الذي هو على أمته شهيد، وعلى آله وأصحابه ذوي المجد المشيد، ما سار راكب في البيد.
وبعد؛ فإني لما دخلت مدينة النبي ﷺ ، وأسعدت بزيارته أقمت بها، واجتمعت بجماعة من أهل الصلاح والعلم والفضل من المجاورين بها، وفقهم الله وإيانا لمرضاته، فسألوني عن ((فضائل المدينة وأخبارها)) فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد وينقص، ولو كانت كتبي حاضرة كنت أجمع كتاباً في ذلك شافياً لما في النفس، فألحوا علي في ذلك وقالوا: تحصيل اليسير، خير من فوات الكثير! وهذه البلدة مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئاً، ونحن نحب أن يكون لك بها أثر صالح تذكر به!
فأجبتهم إلى ذلك رجاء بركتهم، واغتناماً لامتثال أمرهم، وقضاء لحق جوارهم وصحبتهم، وطلباً لما عند الله تعالى من الثواب بنشر فضائل دار الهجرة ومنبع الوحي، وذكر أخبارها والترغيب في سكناها، والحث على زيارة المدفون بها، صلوات الله عليه وسلامه، واستخرت الله ، وأثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون الله تعالى وحسن توفيقه.
стр. 3
ثم إني ذكرت أكثره بغير إسناد لتعذر حضور أصولي.. .. وأنا أسأل الله أن يجعل ذلك لوجهه خالصاً وإليه مقرباً، ولنا نافعاً في الدنيا والآخرة، إنه على ما يشاء قدير.
وقد قسمته ثمانية عشر باباً، والله سبحانه الموفق للصواب:
الباب الأول: في ذكر أسماء المدينة وأول ساكنيها.
الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة.
الباب الثالث: في ذكره هجرة النبي ﷺ وأصحابه إليها.
الباب الرابع: في ذكر فضائلها.
الباب الخامس: في ذكر تحريمها وحدود حرمها.
الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله.
الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها.
الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضائل الشهداء به.
الباب التاسع: في ذكر إجلاء بني النضير من المدينة.
الباب العاشر: في ذكر حفر الخندق حول المدينة.
الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة.
الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله.
الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها.
الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهدمه.
الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي ﷺ وصاحبيه ﵄.
الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي ﷺ .
الباب السابع عشر: في ذكر البقيع وفضله.
الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة والتابعين من بعدهم.
ومن الله نستمد الهداية والسداد، إلى سبل الحق والرشاد.
стр. 4
الباب الأول في ذكر أسماء المدينة وذكر أول ساكنيها
أنبأنا ذاكر بن كامل قال: كتب إلي أبو علي الحداد أن أبا نعيم الحافظ أخبره إجازة، عن أبي محمد الخلدي قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، عن إبراهيم بن أبي يحيى.
قال: للمدينة في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة، وطيبة، وطابة، والمسكينة، وجابرة، والمجبورة، والمرحومة، والعذراء، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة.
وقال ابن زبالة: عن عبد العزيز بن محمد بن موسى بن عقبة، عن عطاء بن مروان، عن أبيه، عن كعب.
قال: نجد في كتاب الله الذي نزل على موسى ﵇ أن الله تعالى قال للمدينة: ((يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز، ارفعي أجاجيرك على أجاجير القرى)) .
قال عبد العزيز بن محمد: وبلغني أن لها في التوراة أربعين اسماً.
وفي ((صحيح مسلم)) من حديث جابر بن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله تعالى سمى المدينة طابة)) .
وفي ((صحيح مسلم)) أن النبي ﷺ قال: ((هي المدينة يثرب)) .
стр. 5
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: يثرب اسم أرضٍ، ومدينة النبي ﷺ في ناحية منها.
وقال ابن زبالة: كانت يثرب أم قرى المدينة، وهي ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، وما بين المال الذي يقال له: البرني إلى زبالة.
وكانت زهرة من أعظم قرى المدينة، قيل: وكان فيها ثلاثمائة صائغ من اليهود.
وقيل: إن تبعاً لما قدم المدينة بعث رائداً ينظر إلى مزارع المدينة فأتاه فقال: قد نظرت؛ فأما قناة فحبٌ ولا تبنٌ، وأما الحرار فلا حبٌ ولا تبنٌ، وأما الجرف فالحب والتبن.
قال أهل السير: كان أول من نزل المدينة بعد غرق قوم نوح قوم يقال لهم: صعل، وفالج. فغزاهم داود النبي ﵇، فأخذ منهم مائة ألف عذراء، قال: وسلط الله عليهم الدود في أعناقهم فهلكوا، فقبورهم هذه التي في السهل والجبل.
قالوا: وكانت العماليق قد انتشروا في البلاد، فسكنوا مكة والمدينة والحجاز كله، وعتوا عتواً كبيراً، فبعث إليهم موسى –﵇ جنداً من بني إسرائيل فقتلوهم بالحجاز وأفنوهم.
يروى عن زيد بن أسلم أنه قال: بلغني أن ضبعاً رؤيت هي وأولادها رابضةً في حجاج عين رجل من العماليق.
وقال: لقد كان في ذلك الزمان تمضي أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة!.
ذكر سكنى اليهود الحجاز
قال: وإنما كان سبب سكنى اليهود بلاد الحجاز أن موسى ﵇ لما أظهره الله على فرعون وأهلكه وجنوده، وطئ الشام وأهلك من بها، وبعث بعثاً من اليهود إلى الحجاز وأمرهم ألا يستبقوا من العماليق
стр. 6
أحداً بلغ الحلم، فقدموا عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم ((نبنما)) . وكان يقال له: الأرقم بن أبي الأرقم، وأصابوا ابناً له شاباً من أحسن الناس، فضنوا به عن القتل، وقالوا: نستحييه حتى نقدم به على نبي الله موسى ﵇ فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم، وقبض الله موسى قبل قدومهم.
فلما سمع الناس بقدومهم تلقوهم، فسألوهم عن أمرهم، فأخبروهم بما فتح الله عليهم وقالوا: لم نستبق منهم أحداً إلا هذا الفتى، فإننا لم نر شاباً أحسن منه فاستبقيناه حتى نقدم به على [نبي الله] موسى ﵇ فيرى فيه رأيه.
فقالت لهم بنو إسرائيل: إن هذه لمعصية لمخالفتكم أمر نبيكم، لا والله لا تدخلون علينا بلادنا، وحالوا بينهم وبين الشام، فقال الجيش، ما بلد إذ منعتم بلدكم خير من البلد الذي خرجتم منه.
وكانت الحجاز أشجر بلاد الله وأظهره ماءً.
قال: وكان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق.
وقال آخرون: بل كان علماؤهم يجدون في التوراة أن نبياً يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلاً، ومضى طائفة فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها، فأقام بعضهم بها، ومضى أكثرهم وأشرفهم فلما رأوا يثرب سبخةً وحرةً ونخلاً قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها، فنزلوه، فنزل النضير بمن معه بطحان فنزلوا منها حيث شاءوا وكان جمعيهم بزهرة، وهي محل بين الحرة والسافلة مما يلي القف، وكانت لهم الأموال بالسافلة، ونزل جمهورهم بمكان يقال له: يثرب بمجتمع السيول –سيل بطحان والعقيق، وسيل قناة- مما يلي زغابة.
قال: وخرجت قريظة وإخوانهم بنو هدل وعمرو أبناء الخزرج بن الصريح بن التومان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن خير بن النحام بن تنحوم بن عازر بن عذري بن هارون بن عمران ﵇.
والنضر بن النحام بن الخزرج بن الصريح بعد هؤلاء، فتبعوا آثارهم
стр. 7
فنزلوا العالية على واديين يقال لهما: مذينيب ومهزور، فنزلت بنو النضير على مذينيب واتخذوا عليه الأموال، ونزل قريظة وهدل على مهزور واتخذوا عليه الأموال. وكانوا أول من احتفر بها الآبار وغرس الأموال، وابتنوا الآطام والمنازل، قالوا: فجميع ما بنى اليهود بالمدينة تسعة وخمسون أطماً.
قال عبد العزيز بن عمران: وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب، منهم أهل التهمة تفرقوا جانب بلقيز إلى المدينة، فنزلت ما بين مسجد الفتح إلى يثرب في الوطاء، وجعلت الجبل بينها وبين المدينة، فأبرت بها الآبار والمزارع.
ذكر نزول أحياء من العرب على يهود
قالوا: وكان بالمدينة قرى وأسواق من يهود بني إسرائيل، وكان قد نزلها عليهم أحياء من العرب فكانوا معهم، وابتنوا الآطام والمنازل قبل نزول الأوس والخزرج؛ وهم: بنو أنيف حي من بلي، ويقال: إنهم من بقية العماليق، وبنو مزيد حي من بلي، وبنو معاوية بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وبنو الجذماء حي من اليمن.
قالوا: وكانت الآطام عز أهل المدينة ومنعتهم التي يتحصنون فيها من عدوهم، فكان منها ما يعرف اسمه ومنها ما لا يعرف اسمه، ومنها ما يعرف باسم سيده، ومنها ما لا يدرى لمن كان، ومنها ما ذكر في الشعر، ومنها ما لم يذكر، فكان ما بني هناك من الآطام للعرب بالمدينة ثلاثة عشر أطماً.
ذكر نزول الأوس والخزرج المدينة
قالوا: فلم تزل اليهود الغالبة بها الظاهرة عليها حتى كان من أمر سيل العرم ما كان وما قص الله في كتابه، وذلك أن أهل مأرب وهي أرض سبأ كانوا آمنين في بلادهم، تخرج المرأة بمغزلها لا تتزود شيئاً، تبيت في قرية وتقيل في أخرى حتى تأتي الشام.
فقالوا: ﴿ربنا باعد بين أسفارنا﴾ .
стр. 8
فسلط الله عليهم العرم وهو جرذ، فنقب عليهم السد حتى دخل السيل عليهم فأهلكم، وتمزق من سلم منهم في البلاد، وكان السد فرسخاً في فرسخ، كان بناه لقمان الأكبر العادي، بناه للدهر على زعمه، وكان يجتمع إليه مياه أهل اليمن من مسيرة شهر.
قالوا: فكانوا في عيدٍ لهم، وكان فيهم هتام بن ربيعة بن عمرو بن عامر، وكان كاهناً غيشوماً فقالت له بنو عمرو: قل. قال: قولي لكم وعليكم! قالوا: نعم، فقال:
يا رب من ورث عاد ... اجعل مأرب بيننا فانعما
صحاصحا غيراً وفجاً اقتما ... منها لأن الركب فيها أظلما
فأوحش عليه الليل أزرما ...
فكان تمزيقهم.
ويروى أن طريفة بنت ربيعة الكاهنة، امرأة عمر وبن عامر بن ثعلبة ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث قالت له: إني أتيت في المنام فقيل لي: رب أمر ذاب، شديد الذهاب، بعيد الإياب، من واد إلى واد، وبلاد إلى بلاد، كدأب ثمود وعاد! ثم مكثت.
ثم قالت: أتيت الليلة فقيل لي: شيخ هرم، وجعل لزم، ورجل قرم، ودهر ازم، وشر لزم، يا ويح أهل العرم.
ثم قالت: أتيت الليلة، فقيل لي: يا طريفة لكل اجتماع فراق، فلا رجوع ولا تلاق، من أفق إلى آفاق.
ثم قالت: أتيت الليلة في النوم، فقيل لي: رب إلب موالب، وصامت وخاطب، بعد هلاك مارب.
قالت: ثم أتيت في النوم، فقيل لي: لكل شيء سبب، الأغبش ذو الذنب، الأشعر الأزب، فنقب بين المقر والقرب، ليس من كأس ذهب.
فخرج عمرو وامرأته طريفة فدخلا العرم، فإذا هما بجرذ يحفر في أصله، ويقلب بيديه ورجليه الصخرة ما يقلبها خمسون رجلاً.
стр. 9
فقال: هذا والله البيان، وكتم أمره وما يريده، وقال لابن أخيه وداعة ابن عمرو: إني سأشتمك في المجلس فالطمني، فلطمه، فقال عمرو: والله لا أسكن بلداً لطمت فيه أبداً. من يشتري مني أموالي؟ قال: فوثبوا واغتنموا غضبته وتزايدوا في ماله فباعه.
فلما أراد الظعن قالت طريفة: من كان يريد خمراً وخميراً، وبراً وشعيراً، وذهباً وحريراً؛ فلينزل بصرى وسديراً.
ومن أراد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل؛ فليلج يثرب ذات النخل.
ومن كان ذا جمل شديد، وهم بعيد؛ فليلحق بأرض عمان. فلحقت منهم فرقة بالشام بقود طمر بن عمرو وهو غسان، ولحق عمران بن عامر وهم الأزد بأرض عمان وبها يومئذٍ شترن، ولحقت خزاعة بتهامة، ولحقت بنو عمرو بن ثعلبة وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن عمرو بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بيثرب وهي المدينة.
قالوا: وكان ممن بقي بالمدينة من اليهود حين نزلت عليهم الأوس والخزرج، بنو قريظة وبنو النضير وبنو محمحم وبنو زعوراء وبنو قينقاع وبنو حجر وبنو ثعلبة، وأهل زهرة، وأهل زبالة، وأهل يثرب، وبنو القصيص وبنو ناغصة وبنو ماسكة، وبنو القمعة، وبنو زيد اللات، وهم رهط عبد الله، وبنو عكوة وبنو مرانة.
قالوا: فأقامت الأوسط والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم فمكثت الأوس والخزرج معهم ما شاء الله.
ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم وبينهم جواراً وحلفاً يأمن به بعضهم من بعض ويمنعون به من سواهم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا. فلم يزالوا على ذلك زمناً طويلاً وأثرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد.
فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي كان بينهم، وكانت قريظة
стр. 10
والنضير أعدوا وأكثروا، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم وهم خائفون أن تحتلهم يهود حتى نجم منهم مالك بن العجلان أخو بني سالم بن عوف بن الخزرج.
ذكر قتل يهود واستيلاء الأوس والخزرج على المدينة
قالوا: ولما نجم مالك بن العجلان، سوده الحيان عليهما فبعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم حالهم، ويشكون إليهم غلبة اليهود عليهم، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس، أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج وكان قبيحاً دميماً شاعراً بليغاً، فمضى حتى قدم الشام على ملكٍ من ملوك غسان الذين ساروا من يثرب إلى الشام يقال له: أبو جبيلة، من ولد جفنة بن عمرو بن عامر، وقيل: كان أحد بني جشم بن الخزرج وكان قد أصاب ملكاً بالشام وشرفاً.
فشكى إليه الرمق حالهم وغلبة اليهود عليهم وما يتخوفون منهم، وإنهم يخشون أن يخرجوهم. فأقبل أبو جبيلة في جمع كبير لنصرة الأوس والخزرج، وعاهد الله لا يبرح حتى يخرج من بها من اليهود أو يذلهم ويصيرهم تحت يد الأوس والخزرج. فسار وأظهر أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة وهي يومئذٍ يثرب، فلقيه الأوس والخزرج وأعلمهم ما جاء به.
فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا في آطامهم فلم نقدر عليهم، ولكن ادعهم للقائك وتلطف بهم حتى يأمنوك ويطمئنوا فتتمكن منهم.
فصنع لهم طعاماً وأرسل إلى وجوههم ورؤسائهم، فلم يبق من وجوههم أحدٌ إلا أتاه، وجعل الرجل منهم يأتي بخاصته وحشمه رجاء أن يحبوهم الملك. وقد كان بنى له حيزاً وجعل فيه قوماً، وأمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه حتى أتى على وجوههم ورؤسائهم، فلما فعل ذلك عزت الأوس والخزرج في المدينة، واتخذوا الديار والأموال، وانصرف أبو جبيلة راجعاً إلى الشام وتفرقت الأوس والخزرج في عالية المدينة وسافلتها، وبعضهم جاء إلى عفاً من الأرض لا ساكن فيه فنزله، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها واتخذوا الأموال، والآطام، فكان ما ابتنوا من الآطام
стр. 11
مائة وسبعة وعشرين أطماً وأقاموا وكلمتهم وأمرهم مجتمع، ثم دخلت بينهم حروب عظام.
وكانت لهم أيام ومواطن وأشعار، فلم تزل الحروب بينهم إلى أن بعث الله نبيه ﷺ وأكرمهم باتباعه.
стр. 12
الباب الثاني في ذكر فتح المدينة
قالت عائشة ﵂: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن.
قالت: وذلك أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه في كل موسم على قبائل العرب ويقول: ((ألا رجلٌ يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي)) ، فيأبونه ويقولون: قوم الرجل أعلم به.
حتى لقي في بعض السنين عند العقبة نفراً من الأوس والخزرج قدموا في المنافرة التي كانت بينهم.
فقال لهم: ((من أنتم؟)) قالوا: نفرٌ من الأوس والخزرج! قال: ((من موالي اليهود؟)) قالوا: نعم، قال: ((أفلا تجلسون أكلمكم؟)) ، قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكانوا أهل شرك وأوثان، وكان إذا كان بينهم وبين اليهود الذين معهم بالمدينة شيء، قالت اليهود لهم -وكانوا أصحاب كتاب-: إن نبياً يبعث الآن قد أظل زمانه، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه للنبي الذي توعدكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه فاغتنموه وآمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.
وقالوا: إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض
стр. 13
عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا.
وكانوا ستة: أسعد بن زرارة، وعوف ابن عفراء –وهي أمه- وأبو الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب.
فلما قدموا المدينة إلى قومهم، ذكروا لهم رسول الله ﷺ وما جرى لهم ودعوهم إلى الإسلام، ففشا فيهم حتى لم يبق بيتٌ ولا دارٌ من دور الأنصار إلا ولرسول الله ﷺ فيها ذكر.
فلما كان العام المقبل، وافى منهم اثنا عشر رجلاً فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير إلى المدينة وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين، وكان منزله على أسعد بن زرارة.
ولقيه في الموسم الآخر سبعون رجلاً من الأنصار ومعهم امرأتان فبايعوه، وأرسل رسول الله ﷺ أصحابه إلى المدينة، ثم خرج إلى الغار بعد ذلك وتوجه هو وأبو بكر ﵁ إلى المدينة.
стр. 14
الباب الثالث في ذكر هجرة النبي ﷺ وأصحابه
أخبرنا يحيى بن أسعد المهاجر، وأبو القاسم بن كامل الحذاء وجماعة غيرهما فيما أذنوا لي في روايته عنهم قالوا: أنبأنا الحسن بن أحمد أبو علي الحداد، عن أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني، قال: كتب إلي جعفر بن محمد بن نصير، أبو محمد الخلدي، قال: أنبأنا أبو شريك محمد بن عبد الرحمن المخزومي بمكة، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا محمد ابن الحسن بن زبالة، عن جعفر بن صالح بن ثعلبة، عن حده، يعلى بن سلام، عن محمد بن عبد الله بن خزيمة بن ثابت:
أن تبعاً لما قدم المدينة وأراد إخرابها، جاءه حبران من قريظة يقال لهما: تحيت ومنبه، فقالا: أيها الملك انصرف عن هذه البلدة فإنها محفوظة، وإنها مهاجر نبي من بني إسماعيل اسمه أحمد يخرج آخر الزمان، فأعجبه ما سمع وصدقهما وكف عن أهل المدينة.
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: ((رأيت في المنام أني مهاجر من مكة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وهلي إلى اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب)) .
وذكر البخاري في ((صحيحه)) أن النبي ﷺ لما ذكر هذا المنام لأصحابه، هاجر من هاجر منهم قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر ﵁ قبل المدينة، فقال
стр. 15
له رسول الله ﷺ : ((على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي)) ، فقال له أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: ((نعم)) ، فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر.
قالت عائشة ﵂: بينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر ﵁: هذا رسول الله ﷺ مقبلاً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر ﵁: فداً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر ﵁: إنما هم أهلك –بأبي أنت يا رسول الله- قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر ﵁: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ ((نعم) ، قال أبو بكر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، خذ إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله: ((بالثمن)) .
قالت عائشة ﵂: فجهزناهما أحث الجهاز، ووضعنا لهما سفرةً في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فقال رسول الله ﷺ : ((إن لها به نطاقين في الجنة)) ، فبذلك سميت ((ذات النطاقين)) .
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ بغارٍ في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقنٌ ثقفٌ، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريشٍ بمكة كبائتٍ، فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحةً من لبن، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل حتى ينعق بها عامر بغلسٍ. يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الدئل هادياً ماهراً بالهداية –وهو على دين كفار قريش- فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن
стр. 16
فهيرة والدليل الديلي فأخذ بهم طريق السواحل أسفل من عسفان، ثم عارض الطريق على أمج، ثم لقي الطريق بناحية فنزل في خيام أم معبد بنت الأشقر الخزاعية بأسفل ثنية لفت، ثم على الخرار، ثم على ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفاً، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة محاج، ثم سلك بهما مرجح محاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي الغضوين، ثم بطن من ذي كشر، ثم الأجرد، ثم ذا سلم، ثم أعداء مدلجة تعهن، ثم أجاز القاحة، ثم هبط العرج ثنية العامر عن يمين ركوبة، ويقال: بل ركوبة نفسها، ثم بطن رئم حتى انتهى إلى بني عمرو بن عوف بظاهر قباء، فنزل عليهم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث وكان سيد الحي، وقد اختلف في اليوم الذي نزل فيه!
وعن نجيح بن أفلح مولى بني ضمرة قال: سمعت بريدة بن الحصيب يخبر أنه بعث يساراً غلامه مع النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ من الحروات، قال: وهي موضع أسفل من ثنية هرشى، يدلهما على العابرين ركوبة.
قال يسار: فخرجت حتى صعدت الثنية ورجزت به فقلت:
هذا أبو القاسم فاستقيمي ... تعرضي مدارجاً وسومي
تعرض الجوزاء للنجوم ...
قال: فلما علوا ظهر الظهيرة حضرت الصلاة، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، فقام أبو بكر ﵁ عن يمينه، وقمت عن يمين أبي بكر ودخلني الإسلام. فدفع رسول الله ﷺ صدر أبي بكر فأخره، وأخرني أبو بكر فصففنا خلفه فصلينا، ثم خرجنا حتى قدمنا المدينة بكرة وكان يوم الاثنين، ولقي رسول الله ﷺ الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ ثياب بياض.
وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد أن طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم، رقى رجل من اليهود
стр. 17
أطماً من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب! هذا جدكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر ﵁ للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن آمن برسول الله ﷺ يحيي أبا بكر ﵁ حتى أصابت الشمس رسول الله، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك.
ولما أقبل النبي ﷺ إلى المدينة، كان مردفاً لأبي بكر ﵁ وأبو بكر شيخٌ يعرف، ونبي الله شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل الذي يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
ولبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب راحلته فصار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: هذه إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله ﷺ بالغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً.
فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً.
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قال: لما نزل رسول الله ﷺ على كلثوم بن الهدم، وصاح كلثوم بغلام له؛ يا نجيح، فقال رسول الله ﷺ : أنجحت يا أبا بكر.
стр. 18
وعن ابن عباس ﵄ قال: أقام رسول الله ﷺ بقباء يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وركب من قباء يوم الجمعة فجمع في بني سالم، فكانت أول جمعة جمعها في الإسلام.
وكان يمر بدور الأنصار داراً داراً، فيدعونه إلى المنزل والمواساة، فيقول لهم: خيراً، ويقول: خلوها فإنها مأمورة.
حتى انتهى إلى موضع مسجده اليوم، وكان المسلمون قد بنوا مسجداً يصلون فيه، فبركت ناقته ونزل، وجاء أبو أيوب الأنصاري، فأخذ رحله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته.
فلما خرج رسول الله ﷺ من المسجد، تعلقت به الأنصار، فقال: المرء مع رحله، فنزل على أبي أيوب الأنصاري خالد بن يزيد بن كليب، ومنزله في بني غنم بن النجار.
وعن أبي عمرو بن جحاش قال: اختار رسول الله ﷺ المنازل، فنزل في منزله، ومسجده، فأراد أن يتوسط الأنصار كلها، فأحدقت به الأنصار.
وقال البراء بن عازب: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس، ثم قدم عمار بن ياسر وبلال، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ .
ثم قدم رسول الله ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ ، حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله فينا قدم، فما قدم حتى قرأت: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ في سور من المفصل.
قالت عائشة ﵂: ((لما قدم رسول الله ﷺ بالمدينة وعك أبو بكر وبلال)) ، قالت: فدخلت عليهما. فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ فكان أبو بكر ﵁ إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
стр. 19
قالت: وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى، يرفع عقيرته فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل
قالت عائشة ﵂: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة)) .
قال أهل السير: وأقام علي بن أبي طالب ﵁ بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله ﷺ فنزل معه على كلثوم بن الهدم.
قالوا: ولم يبق بمكة من المهاجرين إلا من حبسه أهله أو فتنوه.
أنبأنا أبو القاسم الزندوزدي، عن أبي علي المقري، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر الخواص، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قول الله : ﴿وقل رب أدخلني مدخل صدقٍ وأخرجني مخرج صدقٍ واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾ .
قال: جعل الله مدخل صدقٍ المدينة، ومخرج صدقٍ مكة، وسلطاناً نصيراً الأنصار.
стр. 20
الباب الرابع في ذكر فضائلها وما جاء في ترابها
أخبرنا عبد الرحمن بن علي الحافظ في كتابه قال: حدثنا معمر بن عبد الواحد إملاءً، قال: أنبأنا شكر بن أحمد، أنبأنا أبو سعيد الرازي الحافظ في كتابه، قال: قرأت على علي بن عمر بن أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا أبو غزية، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن ثابت بن قيس ابن شماس، عن أبيه قال:
قال رسول الله ﷺ ((غبار المدينة شفاء من الجذام)) .
أخبرتنا عفيفة الفارقانية في كتابها عن أبي علي المقري، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد بن الخواص، قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن فضالة، عن إبراهيم ابن الجهم: أن رسول الله ﷺ أتى بني الحارث فرآهم روباً.
فقال: ((ما لكم يا بني الحارث روباً؟)) ، قالوا: نعم يا رسول الله، أصابتنا هذه الحمى، قال: ((فأين أنتم عن صعيب)) ؟ قالوا: يا رسول الله ما نصنع به؟ قال: ((تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء، ثم يتفل عليه أحدكم
стр. 21
ويقول: ((باسم الله تراب أرضنا بريق بعضنا شفاء لمرضنا بإذن ربنا)) ، ففعلوا فتركتهم الحمى.
قال أبو القاسم طاهر بن يحيى العلوي: ((صعيب)) وادي بطحان دون الماجشونية، وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه وهو اليوم إذا ربا إنسان أخذ منه.
قلت: ورأيت هذه الحفرة اليوم والناس يأخذون منها وذكروا أنهم جربوه فوجوده صحيحاً، وأخذت أنا منها أيضاً.
وحدثنا ابن زبالة عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة: أن رجلاً أتي به رسول الله ﷺ وبرجله قرحة، فرفع رسول الله ﷺ طرف الحصير، ثم وضع أصبعه التي تلي الإبهام على التراب بعد ما مسها بريقه.
فقال: ((باسم الله ريق بعضنا، بتربة أرضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا)) .
ثم وضع أصبعه على القرحة فكأنما حل من عقال.
ما جاء في ثمرها
روى مسلم في ((الصحيح)) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: ((من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح، لم يضره شيء حتى يمسي)) .
وروى البخاري ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث سعدٍ أيضاً عن
стр. 22
النبي ﷺ أنه قال: ((من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة، لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر)) .
ما جاء في انقباض الإيمان إليها
روى البخاري في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)) .
قلت: أي ينقبض إليها.
ما جاء في دعاء النبي ﷺ لها بالبركة
أخبرنا أبو محمد بن علي الحافظ في كتابه، قال: أنبأنا يحيى بن علي القرشي، أنبأنا حيدرة بن علي الأنطاكي، أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا أحمد بن سليمان بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو، حدثنا عبيد بن حسان، حدثنا الليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن عاصم بن عمرو، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالسقيا التي كانت لسعد بن أبي وقاص، فقال رسول الله ﷺ : ((ائتوني بوضوء)) .
فلما توضأ قام فاستقبل القبلة، ثم كبر ثم قال: ((اللهم إن إبراهيم كان عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مدهم وصاعهم مثل ما باركت لأهل مكة مع البركة بركتين)) .
أنبأنا عبد الرحمن بن علي الفقيه، قال: أخبرنا علي بن أبي محمد،
стр. 23
أخبرنا أحمد بن محمد البزار، أخبرنا ابن مدرك، حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا محمد بن عزيز، حدثني سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)) .
أخرجاه في ((الصحيحين)) .
وأخرج مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان الناس إذا رأوا الثمر جاءوا به إلى رسول الله ﷺ فإذا أخذه قال:
((اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإنه دعاك لأهل مكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)) .
قال: ثم يدعو أصغر وليد فيعطيه ذلك الثمر.
ما جاء في الصبر على لأوائها وشدتها
روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
((لا يثبت أحدٌ على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة)) .
أنبأنا أبو محمد الشافعي قال: أخبرنا محمد بن الخليل بن فارس، حدثنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا محمد بن عبد الله الدوري، حدثنا محمد ابن موسى بن إبراهيم بن فضالة، حدثنا أبو بكر محمد بن زبان بن حبيب، أخبرنا محمد بن رمح، أنبأنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي سعيد مولى المهري، أنه جاء أبا سعيد الخدري ﵁ ليالي الحرة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله،
стр. 24
وأخبره أن لا صبر له على جهد المدينة، فقال له: ويحك! لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((لا يصبر أحدٌ على جهد المدينة ولأوائها فيموت، إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة إذا كان مسلماً)) .
ما جاء في ذم من رغب عنها
خرج مسلم في ((الصحيح)) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء!، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده، لا يخرج منهم أحدٌ رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد)) .
ما جاء في ذم من أخاف المدينة وأهلها
أنبأنا أبو الفرج بن علي، قال أنبأنا عبد الوهاب الحافظ، أنبأنا أبو الحسين العاصمي، حدثنا أبو عمر بن مهدي، حدثنا عثمان بن أحمد السماك، حدثنا أحمد بن الخليل، والحسن بن موسى، قالا: حدثنا سعيد ابن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، قال: حدثنا سالم بن عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: اشتد الجهد بالمدينة وغلا السعر، فقال النبي ﷺ : ((اصبروا يا أهل المدينة وأبشروا، فإني قد باركت على صاعكم ومدكم، كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن طعام الرجل يكفي الاثنين، فمن صبر على لأوائها وشدتها كنت له شفيعاً وكنت له شهيداً يوم القيامة. ومن خرج عنها رغبة عما فيها أبدل الله فيها من هو خيرٌ منه، ومن بغاها أو كادها بسوءٍ أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء)) .
стр. 25
أنبأنا أبو طاهر لاحق بن علي (قندرة) الصوفي، أنبأنا أبو القاسم الكاتب، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر القطيعي قال: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثني أنس بن عياض، حدثني يزيد بن خصيفة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن عطاء ابن يسار، عن السائب بن خلاد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)) .
أنبأنا أبو محمد بن الشافعي، عن أبي محمد بن طاووس، حدثنا سليمان ابن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الله اليزدي، حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن محمود، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن نسطاس، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أخاف أهل المدينة؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ومن أخاف أهلها فقد أخاف ما بين هذين ووضع يديه على جنبيه تحت ثدييه)) .
وخرج البخاري في ((صحيحه)) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلا انماع كما ينماع الملح في الماء)) .
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن في كتابه قال: أنبأنا أبو البركات بن المبارك، أنبأنا عاصم بن الحسن، أنبأنا عبد الواحد بن محمد، حدثنا ابن السماك، حدثنا إسحاق بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبادة، حدثنا أبو ضمرة، عن عبد السلام بن أبي الجنوب، عن
стр. 26
عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن معقل بن يسار ﵁.
قال: قال رسول الله ﷺ : ((المدينة مهاجري، فيها مضجعي وفيها مبعثي، حقيقٌ على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، من حفظهم كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة، ومن لم يحفظهم سقي من طينة الخبال)) .
قيل للمزني: ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار.
ما جاء في منع الطاعون والدجال من دخولها
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال)) .
وفيهما من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس من بلدٍ إلى سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له نقبٌ من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافرٍ ومنافقٍ)) .
وأخرج البخاري من حديث أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذٍ سبعة أبوابٍ على كل بابٍ ملكان)) .
ذكر ما يؤول إليه أمرها
أنبأنا القاسم بن علي، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن،
стр. 27
أنبأنا سهل بن بشر، أنبأنا محمد بن الحسين، أنبأنا أبو طاهر الذهلي قال: حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا هشام بن عمار، أنبأنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزبيدي، حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لتتركن المدينة على خير ما كانت مدلاة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي –يريد عوافي السباع والطير- وآخر من يحشر منها راعيان من مزينة يردان المدينة ينعقان بغنمها فيجدانها وحشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع، خرا على وجوههما)) ، أخرجه البخاري في ((صحيحه)) .
تضعيف الأعمال بها
أخبرنا عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، قال: أخبرنا محمد بن عبد العزيز الفارسي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، حدثنا ابن صاعد، حدثنا هارون بن موسى، حدثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن القاسم بن عبد الله، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاةٍ فيما سواها)) .
وبالإسناد عن ابن عمر ﵄، قال رسول الله ﷺ : ((صيام شهر رمضان في المدينة كصيام ألف شهرٍ فيما سواها)) .
فضيلة الموت بها
أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أنبأنا يحيى بن علي بن الطراح، قال: أنبأنا محمد بن أحمد المعدل، حدثنا محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا الصلت بن مسعود، حدثنا سفيان بن موسى،
стр. 28
حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : ((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت، فإنه من مات بالمدينة شفعت له يوم القيامة)) .
стр. 29
الباب الخامس في ذكر تحريم النبي ﷺ للمدينة وذكر حدود حرمها
في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة)) .
وذكر أبو داود السجستاني في ((السنن)) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((المدينة حرامٌ ما بين عائر إلى ثور، فمن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أنشد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجلٌ بعيره)) .
وفي ((الصحيحين)) من حديث علي ﵁ أيضاً، عن النبي ﷺ أنه قال: ((المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً)) .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: عيرٌ وثورٌ جبلان، وأهل المدينة لا
стр. 30
يعرفون بها جبلاً يقال له: ثور، إنما ثور بمكة، فنرى أن الحديث أصله ما بين عير إلى أحد.
قلت: بل يعرف أهل المدينة جبل ثور، وهو جبلٌ صغيرٌ وراء أحد ولا ينكرونه.
وفي ((السنن)) لأبي داود من حديث عدي بن زيد قال: حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بريداً بريداً، لا يخبط شجرها ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل.
وفيها: أن سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﷺ ، فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه.
فقال: إن رسول الله ﷺ حرم هذا الحرم، وقال: ((من أخذ الصيد فيه فليسلبه ثيابه)) ، فلا أرد عليكم طعمةً أطعمنيها رسول الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه.
وفيها: عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه ﷺ قال: ((لا يخبط شجرها ولا بعضد ولكن يهش هشاً رفيقاً)) .
أخبرنا يحيى بن أبي الفضل الفقيه، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أنبأنا علي بن الحسن الشافعي، أخبرنا شعيب بن عبد الله، حدثنا أحمد بن الحسن الرازي، حدثنا أبو الزنباع، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمر، عن
стр. 31
رافع بن خديج ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: وذكر مكة.
فقال: ((إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها -يريد المدينة-)) .
وفي ((صحيح البخاري)) في حديث الهجرة أن النبي ﷺ قال للمسلمين: ((إني رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان)) .
أنبأنا القاسم بن علي، قال: أنبأنا محمد بن إبراهيم، أنبأنا سهل بن بشر، أنبأنا علي بن منير، أنبأنا الذهلي، أنبأنا موسى بن هارون، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، حدثني أبو بكر بن النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن كعب بن مالك ﵁.
قال: حرم رسول الله ﷺ الشجر بالمدينة بريداً في بريد، وأرسلني فأعلمت على الحرم على شرف ذات الجيش، وعلى مشيرب، وعلى أشراف المجتهر، وعلى تيم.
قلت: واختلف العلماء في صيد حرم المدينة وشجره؟ فقال مالك والشافعي وأحمد ﵃: إنه محرم. وقال أبو حنفية ﵁: ليس بمحرم.
واختلفت الرواية عن أحمد ﵁، هل يضمن صيدها وشجرها بالجزاء؟ فروي عنه أنه لا جزاء فيه، وبه قال مالك ﵁. وروي أنه يضمن، وللشافعي ﵁ قولان كالروايتين.
وإذا قلنا بضمانه؛ فجزاؤه سلب القاتل يتملكه الذي يسلبه. ومن أدخل إليها صيداً لم يجب عليه رفع يديه عنه، ويجوز له ذبحه وأكله، ويجوز أن يؤخذ من شجرها ما تدعو الحاجة إليه للرحل والوسائد، ومن حشيشها ما يحتاج إليه للعلف، بخلاف مكة!
стр. 32
الباب السادس في ذكر وادي العقيق وفضله
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ بوادي العقيق يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربي ، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةٌ في حجة)) .
وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ينيخ بالوادي يتحرى معرس رسول الله ﷺ ، ويقول: هو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق، وسط من ذلك.
أنبأنا يحيى بن أسعد الخباز قال: كتب إلي أبو علي المقري، عن أحمد ابن عبد الله الأصبهاني قال: أنبأنا جعفر بن محمد الزاهد إجازة، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عمر بن عثمان بن عمر، حدثنا موسى، عن أيوب بن سلمة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: ركب رسول الله ﷺ إلى العقيق، ثم رجع فقال: ((يا عائشة، جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه وأعذب ماءه)) . قالت: يا رسول الله أفلا ننقل إليه؟ فقال: ((كيف وقد ابتنى الناس؟!)) .
قالت: ووجد على قبر آدمي عند جماء أم خالد بالعقيق حجر مكتوب: أنا عبد الله ورسول الله سليمان بن داود إلى أهل يثرب.
ووجد حجر آخر على قبر أيضاً عليه مكتوب: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى بن مريم إلى أهل هذه القرية.
قلت: وابتنى بعض الصحابة بالعقيق ونزلوه، وكذلك جماعة من
стр. 33
التابعين ومن بعدهم، وكانت فيه القصور المشيدة والآبار العذبة.
ولأهلها أخبار مستحسنة في الكتب، وأشعار رائقة.
ولما بنى عروة بن الزبير ﵁ قصره بالعقيق ونزله قيل له: جفوت عن مسجد رسول الله ﷺ !! فقال: إني رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان بعدي مما هنالك عما هم فيه عافية.
قال أهل السير: كانت بنو أمية تجري في الديوان رزقاً على من يقوم على حوض مروان بن الحكم بالعقيق في مصلحته، وفيما يصلح بئر المغيرة من علقها ودلائها.
قالوا: ومر هشام بن عبد الملك وهو يريد المدينة بجرر هشام بن إسماعيل بالرابغ، فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه جرر جدك هشام، فأمر بإصلاحها وما يقيمها من بيت المال، فكانت توضع هناك جرار أربع يسقى منهن الناس.
قالوا: وولى رسول الله ﷺ العقيق لرجل اسمه هيصم المزني، ولم تزل الولاة على المدينة يولون والياً من عهد النبي ﷺ ، حتى كان زمان داود ابن عيسى، فتركه في سنة ثمان وتسعين ومائة.
قالوا: ومات سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص ﵄، وهما من العشرة بالعقيق، وحملا إلى المدينة فدفنا بها.
قلت: ووادي العقيق اليوم ليس به ساكن، وفيه بقايا بنيان خراب، وآثار تجد النفس برؤيتها أنساً كما قال أبو تمام:
ما ربع مية معموراً يطيف به ... غيلان أبهى رباً من ربعها الخرب
ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب
стр. 34
الباب السابع في ذكر آبار المدينة وفضلها
اعلم أنه قد نقل أهل السير أسماء آبار بالمدينة شرب منها النبي ﷺ وبصق فيها، إلا أن أكثرها لا يعرف اليوم فلا حاجة إلى ذكرها، ونحن نذكر الآبار التي هي اليوم موجودة معروفة على ما يذكر أهل المدينة والعهدة عليهم في ذلك، ونذكر ما جاء في فضلها:
بئر حاء
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصار المدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر حاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.
قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ، وإن أحب أموالي إلي بئر حاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : ((بخ ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)) ، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
قلت: وهذه البئر اليوم وسط حديقة صغيرة جداً وعندها نخلات ويزرع حولها، وعندها بيت مبني على علو من الأرض، وهي قريبة من
стр. 35
سور المدينة، وهي ملكٌ لبعض أهل المدينة من النويريين وماؤها عذب حلو، وذرعتها فكان طولها عشرة أذرع ونصف ماء، والباقي بنيان، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر، وهي مقابلة المسجد كما ذكرت في الحديث.
بئر أريس
روى مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ أنه توضأ في بيته ثم خرج، فقال: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج وجه هاهنا، قال: فخرجت على أثره أسال عنه، حتى دخل بئر أريس.
قال: فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قفهان وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم.
فجاء أبو بكر الصديق ﵁ فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك، قال: ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله! هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ((ائذن له وبشره بالجنة)) ، قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ وكشف عن ساقيه.
ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً –يريد أخاه- يأت به، فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه وقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال: ((ائذن له وبشره بالجنة)) ، فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر.
стр. 36
ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً –يعني أخاه- يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ((ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه)) ، قال: فجئت وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر.
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) هذا الحديث، فزاد فيه ألفاظاً ونقص، وقال: فدخل عثمان فلم يجد معهم مجلساً فتحول حتى جاء مقابلهم عن شقة البئر، فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر.
وقال مسلم: قال سعيد بن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان.
وروى البخاري ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ اتخذ خاتماً من ورق –أي فضة- وكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ﵁، ثم كان بعد في يد عمر ﵁، ثم كان في يد عثمان ﵁ حتى وقع منه في بئر أريسٍ.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أنس ﵁ قال: ((كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر. فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر، فلم نجده)) .
قلت: وهذه البئر مقابلة مسجد قباء، وعندها مزارع ويستقى منها، وماؤه عذب، وذرعتها فكان طولها: أربعة عشر ذراعاً وشبراً، منها
стр. 37
ذراعان ونصف ماء، وعرضها خمسة أذرع، وطول قفها الذي جلس عليه النبي ﷺ وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفاً، والبئر تحت أطمٍ عالٍ خراب من حجارة.
بئر بضاعة
روى أبو داود في ((السنن)) من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلام والمحايض وعذر الناس، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) .
أنبأنا أبو القاسم الصموت، عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة، فقال: لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهتن ذلك، وقد والله سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ بصق في بئر بضاعة.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن مالك ابن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ دعا لبئر بضاعة.
قال أبو داود السجستاني في ((السنن)) . سمعت –والله- قتيبة بن
стр. 38
سعيد يقول: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال: دون العورة.
قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه، هل غير بناؤه عما كان عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
قلت: وهذه البئر اليوم في بستانٍ وماؤها عذب طيب ولونه صاف أبيض، وريحه كذلك، ويستقى منها كثيراً، وذرعتها فكان طولها أحد عشرة ذراعاً وشبراً، منها: ذراعان راجحة ماء، والباقي بناء، وعرضها ستة أذرع، كما ذكر أبو داود في ((السنن)) .
بئر غرس
أخبرنا يحيى بن أسعد بخطه قال: أنبأنا أبو علي الحداد، عن أبي نعيم الأصبهاني، قال: كتب إلي أبو محمد الخواص، أن محمد بن عبد الرحمن أخبره، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن قيس، قال جاءنا أنس بن مالك ﵁ فقال: أين بئركم هذه –يعني بئر غرس-؟ فدللناه عليها، قال: رأيت النبي ﷺ جاءها وإنها لتسنى على حمار بسحر، فدعا النبي ﷺ بدلو من مائها فتوضأ منه، ثم سكبه فيها فما نزفت بعد.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن القاسم بن محمد، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها وبصق فيها، وغسل منها حين توفي ﷺ ) .
وحدثنا محمد بن الحسن، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن
стр. 39
محمد، عن أبيه قال: غسل رسول الله ﷺ من بئر يقال لها: غرس، وكان يشرب منها.
قلت: وهذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر، وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب طيب، وريحه الغالب عليه الأجون، وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شاقة، منها ذراعان ماء، وعرضها عشرة أذرع.
بئر البصة
أنبأنا ذاكر الحذاء، عن الحسن بن أحمد الأصبهاني، عن أحمد بن عبد الله الحافظ، عن جعفر بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن موسى، عن سعيد ابن أبي زيد، عن ابن عبد الرحمن، أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالهم، قال؛ فجاء يوماً أبا سعيد الخدري، فقال: هل عندك من سدرٍ أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له سدراً وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله ﷺ رأسه وصب غسالة رأسه وراقة شعره في البصة.
قلت: وهذه البئر قريبة من البقيع، على طريق المار إلى قباء وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر، ووقفت على قفها وذرعت طولها، فكان أحد عشر ذراعاً منها ذراعان ماء، وعرضها تسعة أذرع، وهي مبنية بالحجارة، ولون مائها إذا انفصل منها أبيض، وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، وذكر لي الثقة: أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل.
بئر رومة
روى أهل السير، أن تبعاً لما قدم المدينة نزل بقباء واحتفر البئر الذي
стр. 40
يقال لها: بئر الملك، وبه سميت، فاستوبأ ماءها، فدخلت عليه امرأة من بني زريق من اليهود اسمها فكيهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين واستقت له من ماء رومة، ثم جاءته فشربه، فقال: زيدينا من هذا الماء.
وكتبت إلي عفيفة الأصبهانية، أن أبا علي الحداد أخبرها بخطه، عن أبي نعيم، قال: كتب إلي جعفر الخلدي أن أبا يزيد المخزومي أخبره، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، أن رسول الله ﷺ قال: ((نعم الحفيرة حفيرة المزني)) ؛ يعني رومة.
فلما سمع بذلك عثمان بن عفان ﵁ ابتاع نصفها بمائة بكرة وتصدق بها، فجعل الناس يسقون منها. فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها، باع من عثمان ﵁ النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي، أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ((ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر رومة فله الجنة؟ فحفرتها، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ فجهزتهم، قال: فصدقوه.
قلت: وهذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جداً في براحٍ واسعٍ من الأرض وطيء، وعندها بناء من حجارة خرابٌ، قيل: إنه كان ديراً ليهود، والله أعلم.
وحولها مزارع وآبار، وأرضها رملة وقد انتقضت خرزتها وأعلامها، إلا أنها بئر مليحة جداً مبنية بالحجارة الموجهة، وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعاً، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها ثمانية أذرع وماؤها صاف وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه.
следующие страницы →