Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً –يعني أخاه- يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، قال: وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ((ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه)) ، قال: فجئت وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر.
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) هذا الحديث، فزاد فيه ألفاظاً ونقص، وقال: فدخل عثمان فلم يجد معهم مجلساً فتحول حتى جاء مقابلهم عن شقة البئر، فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر.
وقال مسلم: قال سعيد بن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت هاهنا وانفرد عثمان.
وروى البخاري ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ اتخذ خاتماً من ورق –أي فضة- وكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر ﵁، ثم كان بعد في يد عمر ﵁، ثم كان في يد عثمان ﵁ حتى وقع منه في بئر أريسٍ.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أنس ﵁ قال: ((كان خاتم النبي ﷺ في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر. فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم، فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر، فلم نجده)) .
قلت: وهذه البئر مقابلة مسجد قباء، وعندها مزارع ويستقى منها، وماؤه عذب، وذرعتها فكان طولها: أربعة عشر ذراعاً وشبراً، منها
стр. 37
ذراعان ونصف ماء، وعرضها خمسة أذرع، وطول قفها الذي جلس عليه النبي ﷺ وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفاً، والبئر تحت أطمٍ عالٍ خراب من حجارة.
بئر بضاعة
روى أبو داود في ((السنن)) من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلام والمحايض وعذر الناس، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) .
أنبأنا أبو القاسم الصموت، عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه، قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة، فقال: لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهتن ذلك، وقد والله سقيت رسول الله ﷺ بيدي منها.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ بصق في بئر بضاعة.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن مالك ابن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ دعا لبئر بضاعة.
قال أبو داود السجستاني في ((السنن)) . سمعت –والله- قتيبة بن
стр. 38
سعيد يقول: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال: دون العورة.
قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه، هل غير بناؤه عما كان عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون.
قلت: وهذه البئر اليوم في بستانٍ وماؤها عذب طيب ولونه صاف أبيض، وريحه كذلك، ويستقى منها كثيراً، وذرعتها فكان طولها أحد عشرة ذراعاً وشبراً، منها: ذراعان راجحة ماء، والباقي بناء، وعرضها ستة أذرع، كما ذكر أبو داود في ((السنن)) .
بئر غرس
أخبرنا يحيى بن أسعد بخطه قال: أنبأنا أبو علي الحداد، عن أبي نعيم الأصبهاني، قال: كتب إلي أبو محمد الخواص، أن محمد بن عبد الرحمن أخبره، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن عبد العزيز بن محمد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن قيس، قال جاءنا أنس بن مالك ﵁ فقال: أين بئركم هذه –يعني بئر غرس-؟ فدللناه عليها، قال: رأيت النبي ﷺ جاءها وإنها لتسنى على حمار بسحر، فدعا النبي ﷺ بدلو من مائها فتوضأ منه، ثم سكبه فيها فما نزفت بعد.
وحدثنا محمد بن الحسن، عن القاسم بن محمد، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها وبصق فيها، وغسل منها حين توفي ﷺ ) .
وحدثنا محمد بن الحسن، عن سفيان بن عيينة، عن جعفر بن
стр. 39
محمد، عن أبيه قال: غسل رسول الله ﷺ من بئر يقال لها: غرس، وكان يشرب منها.
قلت: وهذه البئر بينها وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر، وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب طيب، وريحه الغالب عليه الأجون، وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شاقة، منها ذراعان ماء، وعرضها عشرة أذرع.
بئر البصة
أنبأنا ذاكر الحذاء، عن الحسن بن أحمد الأصبهاني، عن أحمد بن عبد الله الحافظ، عن جعفر بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن موسى، عن سعيد ابن أبي زيد، عن ابن عبد الرحمن، أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالهم، قال؛ فجاء يوماً أبا سعيد الخدري، فقال: هل عندك من سدرٍ أغسل به رأسي فإن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له سدراً وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله ﷺ رأسه وصب غسالة رأسه وراقة شعره في البصة.
قلت: وهذه البئر قريبة من البقيع، على طريق المار إلى قباء وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر، ووقفت على قفها وذرعت طولها، فكان أحد عشر ذراعاً منها ذراعان ماء، وعرضها تسعة أذرع، وهي مبنية بالحجارة، ولون مائها إذا انفصل منها أبيض، وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، وذكر لي الثقة: أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل.
بئر رومة
روى أهل السير، أن تبعاً لما قدم المدينة نزل بقباء واحتفر البئر الذي
стр. 40
يقال لها: بئر الملك، وبه سميت، فاستوبأ ماءها، فدخلت عليه امرأة من بني زريق من اليهود اسمها فكيهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين واستقت له من ماء رومة، ثم جاءته فشربه، فقال: زيدينا من هذا الماء.
وكتبت إلي عفيفة الأصبهانية، أن أبا علي الحداد أخبرها بخطه، عن أبي نعيم، قال: كتب إلي جعفر الخلدي أن أبا يزيد المخزومي أخبره، عن الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة، أن رسول الله ﷺ قال: ((نعم الحفيرة حفيرة المزني)) ؛ يعني رومة.
فلما سمع بذلك عثمان بن عفان ﵁ ابتاع نصفها بمائة بكرة وتصدق بها، فجعل الناس يسقون منها. فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها، باع من عثمان ﵁ النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي، أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ((ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر رومة فله الجنة؟ فحفرتها، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ فجهزتهم، قال: فصدقوه.
قلت: وهذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جداً في براحٍ واسعٍ من الأرض وطيء، وعندها بناء من حجارة خرابٌ، قيل: إنه كان ديراً ليهود، والله أعلم.
وحولها مزارع وآبار، وأرضها رملة وقد انتقضت خرزتها وأعلامها، إلا أنها بئر مليحة جداً مبنية بالحجارة الموجهة، وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعاً، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها ثمانية أذرع وماؤها صاف وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه.
стр. 41
قلت: واعلم أن هذه الآبار قد يزيد ماؤها في بعض الأزمان عما ذكرنا وقد ينقص، وربما بقي منها ما كان مطموماً.
ذكر عين النبي ﷺ
أنبأنا يحيى بن أسعد، عن الحسن بن أحمد، عن أبي نعيم، عن جعفر ابن محمد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير، حدثنا محمد بن الحسن، عن موسى بن إبراهيم بن بشير، عن طلحة بن خراش، قال: كانوا أيام الخندق يخرجون برسول الله ﷺ ويخافون البيات، فيدخلون به كهف بني حرام فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط.
قال: ونقر رسول الله ﷺ في العينية التي عند الكهف، فلم تزل تجري حتى اليوم.
قلت: وهذه العين في ظاهر المدينة وعليها بناء وهي مقابلة المصلى.
стр. 42
الباب الثامن في ذكر جبل أحد وفضله وفضل الشهداء ﵃
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ بدا له أحد فقال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه)) .
قال أبو عمر ابن عبد البر في معنى هذا الحديث: يحتمل أن الله خلق فيه الروح فأحب النبي ﷺ ، وقيل: يحمل على المجاز.
أخبرنا أبو غالب محمد بن المبارك الكاتب، وعبد العزيز بن أحمد الناقد قالا: أنبأنا محمد بن عمر الفقيه، أنبأنا جابر بن ياسين، أنبأنا عمر بن أحمد المقري، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله ابن جعفر، حدثني أبو حازم، عن سهل، قال:
قال رسول الله ﷺ : ((أحد ركن من أركان الجنة)) .
وكتب إلي أبو محمد بن أبي القاسم الحافظ، أن عبد الرحمن بن أبي الحسن، أخبره قال: أنبأنا سهل بن بشر، قال: أنبأنا أبو الحسن بن منير، قال: أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الله الذهلي، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد،
стр. 43
عن طلحة ابن خراش بن جابر بن عتيك، عن جابر بن عتيك، قال:
قال رسول الله ﷺ : ((خرج موسى وهارون ﵉ حاجين أو معتمرين، فلما كانا بالمدينة مرض هارون فثقل، فخاف عليه موسى اليهود فدخل به أحداً، فمات فدفنه فيه)) .
وروي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لما تجلى الله تعالى لجبل طور سيناء، تشظى منه ست شظايا، فنزلت مكة، فكان حراء وثبير وثور، وبالمدينة: أحد وورقان وعير)) .
قلت: فأحد معروف، وعير مقابله والمدينة بينهما، وورقان عند شعب علي ﵁.
قلت: وكانت قريش قد جاءت من مكة لحرب النبي ﷺ ، ولقوه في يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة عند جبل أحد، وكان بينهم من القتال ما أكرم الله به من أكرم من المسلمين بالشهادة بين يدي رسول الله ﷺ ، وخلص العدو إلى رسول الله ﷺ ، فذب بالحجارة حتى وقع لشقه، فانكسرت رباعيته، وشج في وجهه وكلمت شفته، وكان ذلك كرامة له ﷺ ، ولأصحابه الذين استشهدوا بين يديه، وكانوا سبعين رجلاً: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان.
فهؤلاء الأربعة من المهاجرين.
ومن الأنصار: عمرو بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة بن ثابت بن وقش، وعمرو بن ثابت ابن وقش، وأبو قيس ثابت، ورفاعة بن وقش، وحسيل بن ثابت – وهو اليمان أبو حذيفة-، وصيفي بن قيظي، وعباد بن سهل، وحباب بن قيظي، والحارث بن أوس بن معاذ، وإياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن
стр. 44
التيهان، ويقال: عتيك، وحبيب بن زيد بن تيم، ويزيد بن حاطب بن أمية ابن رافع، وأبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وأنيس بن قتادة، وحنظلة بن أبي عامر بن صيفي، وأبو حبة بن عمرو بن ثابت أخو سعيد ابن خيثمة لأمه، وعبيد الله بن جبير بن النعمان، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة، وعبد الله بن سلمة، وسبيع بن حاطب بن الحارث، وعمرو بن قيس بن زيد، وابنه قيس، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، وعمرو بن مطرف بن علقمة، وأوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت، وأنس بن النضر، وقيس بن مخلد، وكيسان عبد لبني النجار، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو، وخارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، وأنس بن الأرقم بن زيد، ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سويد بن قيس، وعتبة بن ربيع ابن رافع، وثعلبة بن سعد بن مالك، وثقب بن فروة، وعبد الله بن عمرو ابن وهب، وضمرة حليف لبني طريف من جهينة، ونوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة، ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمجذر بن زياد، وعبادة بن الحسحاس، ورفاعة بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح، وابنه خلاد، وأبو أيمن مولاه، وعنترة بن عمرو بن حديدة، ومولاه عنترة، وسهل بن قيس بن أبي كعب، وذكوان بن عبد قيس، وعبيد بن المعلى ابن لوذان، ومالك بن نميلة، والحارث بن عدي بن خرشة، ومالك بن إياس، وإياس بن عدي، وعمرو بن إياس.
فهؤلاء الذين استشهدوا بين يديه ﷺ ، وقاتلوا وقتلوا، ﵃ وأرضاهم أجمعين.
فأما حمزة ﵁ فإن النبي ﷺ وقف عليه، وقد مثل به؛ جدع أنفه وأذناه، وبقر بطنه عن كبده.
فقال ﷺ : ((لولا أن تحزن صفية وتكون سنةً من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير! لن أصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفاً قط أغيظ لي من هذا)) .
стр. 45
ثم قال: ((جاءني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوبة في السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله)) .
فأقبلت صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة لأبيه ولأمه؛ فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: ((القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها؛ فقال: يا أمه؛ رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فجاء الزبير فأخبره بذلك، فقال: خل سبيلها، فأتته فنظرت إليه وصلت عليه، واسترجعت واستغفرت له، فأمر به النبي ﷺ فسجي ببردة، ثم صلي عليه فكبر عليه سبعين ودفنه)) .
ولما رجع إلى المدينة سمع البكاء والنواح على القتلى، فذرفت عيناه ﷺ وبكى.
ثم قال: ((لكن حمزة لا بواكي له)) !!
فجاء نساء بني عبد الأشهل، لما سمعوا ذلك فبكين على عم رسول الله ﷺ ونحن على باب المسجد، فلما سمعهن خرج إليهن فقال: ((ارجعن يرحمكن الله فقد آيستن بأنفسكن)) .
وأما عمارة بن زياد بن السكن ﵁، فإنه قاتل حتى أثبتته الجراحة.
فقال رسول الله ﷺ : ((أدنوه مني)) ، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ ورضي عنه.
وأما عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم
стр. 46
أحد، بدا له في الإسلام فأسلم، وأخذ بسيفه فغدا حتى دخل في عرض المسلمين، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فرآه المسلمون بين القتلى فقالوا: ما جاء بك يا عمرو!! أحرب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟
قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم مات في أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: ((إنه لمن أهل الجنة)) .
وكان أبو هريرة ﵁ يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل قط؟! فإذا لم تعرفه الناس قال: هو عمرو بن ثابت.
وأما أبوه ثابت بن وقش، والحسيل –وهو اليمان أبو حذيفة ﵄ فإنهما كانا شيخين كبيرين، ارتفعا في الآطام مع النساء والصبيان لما خرج رسول الله ﷺ إلى أحد.
فقال أحدهما لصاحبه: لا أبالك ما تنتظر؟ فوالله إن بقي لواحدنا من عمره إلا طمر حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نحمل أسيافنا ونلحق برسول الله ﷺ لعل الله يرزقنا الشهادة معه؟
فأخذا أسيافيهما وخرجا حتى دخلا في الناس، فقاتلا حتى قتلا.
وأما حنظلة بن أبي عامر ﵁، فإنه لما قتله المشركون قال رسول الله ﷺ : ((إن صاحبكم لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه)) .
فسئلت صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع النداء.
فقال رسول الله ﷺ : ((لذلك غسلته الملائكة)) .
وأما أنس بن النضر ﵁، فإنه جاء إلى المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل رسول الله ﷺ . وكان الشيطان قد نادى بذلك، وفقده المسلمون لاختلاطهم فلم يعرفوه.
فقال لهم أنس ﵁: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه.
ثم قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فاستقبل المشركين
стр. 47
وقاتل حتى قتل، ولما وجدوه في القتلى ما عرفوه حتى عرفته أخته بشامة أبو ببنانة، وفيه بضع وثمانون طعنة وضربة ورمية بسهم.
وأما سعد بن الربيع ﵁، فإن النبي ﷺ قال: ((هل من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم الأموات؟)) .
فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق.
قال: فقتل له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم الأموات.
قال: أنا في الأموات، فبلغ رسول الله ﷺ عني السلام وقل: إن سعد ابن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته.
وأما عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁، فإنه روى البخاري في ((الصحيح)) أن ابنه جابراً قال: لما قتل أبي، جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجل أصحاب النبي ﷺ ينهوني، فقال النبي ﷺ : ((ألا تبكه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه)) .
وأما عمرو بن الجموح، فإنه كان أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد، أرادوا حبسه وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى النبي ﷺ فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة!
فقال رسول الله ﷺ : ((أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة)) . فخرج معه فقتل بأحد.
стр. 48
وروى البخاري في ((الصحيح)) أن رجلاً قال للنبي ﷺ يوم أحد: ((أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل)) .
وروى البخاري أيضاً من حديث جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: ((أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟)) فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء يوم القيامة)) ، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك)) .
وروى البخاري في ((صحيحه)) من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: ((أريت في رؤياي أني هززت سيفي فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به يوم الفتح واجتماع المؤمنين)) .
قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ من القرآن في يوم أحد ستين آية من آل عمران، فيها صفة ما كان من يومهم ذلك. وهي من قوله تعالى: ﴿وإذ غدوت من أهلك﴾ إلى قوله: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾ إلى آخر الآية.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأتي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم)) ، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا يلتووا عن الحرب؟!
стр. 49
فقال الله ﵎: فأنا أبلغهم، فأنزل الله على رسوله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا.. ... ﴾ الآيات.
وروى البخاري في ((الصحيح)) عن عقبة بن عامر ﵁: قام رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: ((إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)) .
قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ .
وروى أبو داود في ((سننه)) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ نريد قبور الشهداء، حتى إذا أشرفنا على حرة واقم، فلما تدلينا منها فإذا قبور بمنحية، قال: فقلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال: ((قبور أصحابنا)) ، فلما جئنا قبور الشهداء قال ﷺ : ((هذه قبور إخواننا)) .
وروي عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: ((هؤلاء شهداء فأتوهم وسلموا عليهم، ولن يسلم عليهم أحدٌ ما قامت السموات والأرض إلا ردوا عليه)) .
وروى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده ﵃: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تختلف بين اليومين والثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد، فتصلي هناك، وتدعو وتبكي حتى ماتت ﵂.
وروى العطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي وكانت من العوابد، قالت: ركبت يوماً حتى جئت قبر حمزة بن عبد المطلب ﵁ فصليت ما شاء الله، والله ما في الوادي داعٍ ولا مجيب وغلامي آخذ برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي، قمت فقلت: السلام عليكم، وأشرت
стр. 50
بيدي، فسمعت رد السلام من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه خلقني، فاقشعر جلدي وكل شعرة مني، فدعوت الغلام وركبت.
وروى مالك في ((الموطأ)) : أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ﵄، كان السيل قد حفر قبرهما، وكانا في قبر واحد، وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما لينقلا من مكانهما، فوجدا كأنهما ماتا بالأمس، فكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأمطيت يده عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم الحفر عنهما ست وأربعون سنة!
قلت: وقبور الشهداء اليوم لا يعرف منها إلا قبر حمزة ﵁، فإنه قد بنت عليه أم الخليفة الناصر لدين الله -رحمها الله- مشهداً كبيراً، وجعلت عليه باباً من ساج منقوش وحوله حصناً، وعلى المشهد باب من حديد يفتح في كل يوم خميس، وقريب منه مسجدٌ يذكر أهل المدينة أنه موضع مقتله، والله أعلم بصحة ذلك.
وأما بقية الشهداء فهناك حجارة موضوعة يذكر أنها قبورهم، وفي جبل أحدٍ غارٌ يذكرون أنه ﷺ صلى فيه، وموضع في الجبل أيضاً منقوب في صخرة منه على قدر رأس الإنسان، يذكرون أنه ﷺ قعد وأدخل رأسه هناك، كل هذا لم يرد به نقل، فلا يعتمد عليه.
стр. 51
الباب التاسع في ذكر إجلاء النبي ﷺ بني النضير من المدينة
وكان النبي ﷺ قد عقد حلفاً بين بني النضير من اليهود وبين بني عامر، فعدا رجل من بني النضير على رجلين من بني عامر فقتلهما، فجاء النبي ﷺ إلى بني النضير يستعين في دية ذينك القتيلين.
فقالوا له: نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت.
ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، -وكان رسول الله ﷺ قاعداً إلى جنب جدار من بيوتهم-، فمروا رجلاً يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه، وانتدب لذلك أحدهم، فصعد ليلقي عليه صخرة ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﵃.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة وأخبر أصحابه بما كانت اليهود همت به، وأمرهم بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، وسار حتى نزل بهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع نخيلهم وتحريقها.
وكان رهط من الخزرج من المنافقين قد بعثوا إلى بني إسرائيل: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك منهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب.
فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل يهدم بيته ويأخذ بابه فيضعه على البعير وينطلق به، واستقلوا بالنساء والأبناء والأموال معهم، والدفوف والمزامير
стр. 52
والقيان تعزف خلفهم، وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكراً فقراً، فأعطاهما رسول الله.
ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاهما. فأنزل الله في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله ﷺ وما عمل فيهم.
стр. 53
الباب العاشر في ذكر حفر النبي ﷺ الخندق حول المدينة
كان نفر من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله ﷺ ، قد خرجوا فقدموا مكة على قريش، فدعوهم إلى حرب النبي ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فسرهم ذلك واتعدوا له وتجمعوا، ثم جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأنهم معهم وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك، وخرجت قريش وغطفان بمن جمعوا معهم.
فلما سمع رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله والمسلمون معه ودأبوا فيه.
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا: مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً
وروى أيضاً من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى اغبر بطنه ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا
стр. 54
ويرفع بها صوته: أبينا أبينا.
قال ابن إسحاق: وحكت ابنة بشير بن سعد قالت: دعتني أمي فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي، ثم قالت: اذهبي إلى أبيك وخالك بغدائهما.
قالت: فأخذتهما، فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي.
فقال: تعالي يا بنية، ما هذا معك؟
قالت: قلت: يا رسول الله هذا تمر، بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، وخالي عبد الله بن رواحة، يتغديانه.
قال: هاتيه؛ قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء!
فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وروى جابر بن عبد الله ﵁ أن صخرة اشتدت عليهم فشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك على تلك الصخرة فانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأساً ولا مسحاة.
ولم يزل المسلمون يعملون فيه وينقلون التراب على أكتافهم، حتى فرغوا منه وأحكموه، وأقبلت قريش ومن تبعها في عشرة آلاف حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد.
وخرج رسول الله في ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، وضرب عسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فجعلوا
стр. 55
في الآطام، وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى قريظة في دارها، وسألهم أن يكونوا معهم على حرب رسول الله ﷺ ؛ فذكروا أن بينهم وبينه عقداً وحلفاً، فلم يزل بهم حتى نقضوه وأجابوه إلى حرب سيدنا محمد ﷺ ، فبعث سعد بن معاذ وجماعة معه إليه لينظروا صحة ذلك، فأتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم، فنالوا من رسول الله ﷺ ، وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمدٍ ﷺ ولا عقد، فشاتمهم سعدٌ وشاتموه.
ثم أقبل بمن معه إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق، حتى قال معتب بن قشير: كان محمد ﷺ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
فأقام رسول الله ﷺ وأقام المشركون عليه بضعاً وعشرين ليلة، لم يكن بينهم حرب إلا النبل والرمي والحصار، إلا فوارس من قريش، فإنهم قاتلوا فقتلوا وقتلوا.
ولما وقفوا على الخندق قالوا: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها؛ ويقال: إن سلمان رضي الله تعالى عنه أشار به على النبي ﷺ .
ورمي سعد بن معاذ ﵁ بسهم، فقطع أكحله، فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه؛ اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
واستشهد يومئذٍ من المسلمين ستة نفر من الأنصار، هم: أنس بن أوس ابن عتيك، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة، وكعب بن زيد أصابه سهم فقتله، وسعد بن معاذ عاش حتى قتل النبي ﷺ بني قريظة بحكمه واستجاب دعاءه ثم قبض شهيداً، وسيأتي ذكر وفاته.
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف
стр. 56
والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى هدى الله نعيم بن مسعود أحد غطفان للإسلام لإنفاذ أمره سبحانه في نصر نبيه وإقامة دينه.
فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت.
فقال رسول الله ﷺ : إنما أنت فينا رجلٌ واحدٌ، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة.
فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم.
فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا عنه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزةً أصابوها، وإن كان غير ذلك، لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم، يكونوا بأيديكم ثقةً لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى تناجزوه، قالوا: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني أمرٌ قد رأيت علي حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم، فاكتموه عني؟! قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن اليهود قد ندموا على ما صنعوه فيما بينهم وبين محمدٍ، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من القبلتين؛ قريش وعطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: نعم.
فإن بعثت إليكم يهود تطلب منكم رجلاً واحداً فلا تدفعوه.
ثم خرج فأتى غطفان، فقال لهم مثل ما قال لقريش، فأرسلت قريش
стр. 57
إلى يهود أن اغدوا للقتال حتى نناجز محمداً، فقالوا: لسنا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً. فقالت قريش وغطفان: إن الذي حدثكم نعيم لحق، ثم أرسلوا إلى قريظة: إنا لن ندفع إليكم أحداً، فإن أردتم أن تقاتلوا فقاتلوا، فقالت قريظة: إن الذي قال لكم نعيم لحق.
وخذل الله بينهم، وبعث عليهم الريح في ليالٍ باردةٍ شديدة البرد، فجعلت تكفئ قدورهم وتطرح أبنيتهم، فرجعوا إلى بلادهم. وكان مجيئهم وذهابهم في شوال سنة خمس من الهجرة.
قلت: والخندق اليوم باقٍ، وفيه قناةٌ تأتي من عين بقباء إلى النخل الذي بأسفل المدينة بالسيح حوالي مسجد الفتح، وفي الخندق نخلٌ قد انطم أكثره وتهدمت حيطانه.
стр. 58
الباب الحادي عشر في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة
قال ابن إسحاق: ولما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح، أتى جبريل رسول الله ﷺ معتماً بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة، فإني عامدٌ إليهم فمزلزلٌ بهم. فأذن رسول الله ﷺ في الناس: من كان سامعاً ومطيعاً، فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة.
وأقبل رسول الله ﷺ والمسلمون فمر بنفرٍ من أصحابه، فقال: هل مر بكم أحدٌ؟ فقالوا: مر بنا دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال رسول الله ﷺ : ذاك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم.
وأتاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ونزل عليهم وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، فهبهم لنا.
فقال ﷺ : ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ.
وكان سعد في خيمة في المسجد يداوي جرحه، فأتاه الأوس فأركبوه وأتوا به رسول الله ﷺ ، فقال: أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم
стр. 59
الأموال، وتسبى الذراري، فقال ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
ثم استنزلوا بني قريظة من حصونهم فحبسوا بالمدينة في دار امرأة من بني النجار، ثم خرج ﷺ إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم فجيء بهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق وكانوا سبعمائة، وفيهم حيي بن أخطب النضري الذي حرضهم على نقض العهد وعلى محاربة النبي ﷺ ، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، فإنها كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن، فقتلته. فقتلها النبي ﷺ به.
وكان النبي ﷺ قد قتل منهم كل من أنبت، ومن لم ينبت استحياه، ثم قسم الرسول ﷺ أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأنزل الله في بني قريظة وأمر الخندق الآيات من سورة الأحزاب: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ إلى قوله: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم.. ... ﴾ .
ولما فرغ ﷺ من شأن بني قريظة، انفجر جرح سعد بن معاذ فمات منه شهيداً.
وروي أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ في جوف الليل، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ فقام ﷺ سريعاً يجر ثوبه إلى سعد، فوجده قد مات، ﵀ ورضي عنه.
стр. 60
الباب الثاني عشر في ذكر مسجد النبي ﷺ وفضله
قدم النبي ﷺ المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، فنزل في علو المدينة في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، فمكث عندهم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، فأخذ مربد كلثوم فعمله مسجداً وأسسه، وصلى فيه إلى بيت المقدس.
وخرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، فركب ناقته القصواء وحشد المسلمون ولبسوا السلاح عن يمينه وشماله، وخلفه منهم الماشي والراكب، واعترضه الأنصار فما يمر بدار من دورهم إلا قالوا: هلم يا رسول الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيراً ويدعو لهم، ويقول عن ناقته: إنها مأمورة خلوا سبيلها، فمر ببني سالم فأتى مسجدهم الذي في الوادي -وادي رانوناء- وأدركته صلاة الجمعة فصلى بهم هنالك، وكانوا مائة رجل، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة.
ثم ركب راحلته وأرخى لها زمامها، وسار حتى انتهت به إلى زقاق الحبشي ببني النجار، فبركت على باب دار أبي أيوب الأنصاري، فنزل النبي ﷺ ، ينزل عليه القرآن ويأتيه جبريل حتى ابتنى مسجده ومساكنه.
وكان النبي ﷺ قد نزل سفل بيت أبي أيوب، وذكر أبو أيوب أنه فوق النبي ﷺ فلم يزل ساهراً حتى أصبح، فأتاه فقال: يا رسول الله إني أخشى أن أكون ظلمت نفسي أن أبيت فوق رأسك، فقال ﵊: السفل أرفق بنا وبمن يغشانا.
فلم يزل أبو أيوب ﵁ يتضرع إليه حتى انتقل إلى العلو، وأقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب سبعة أشهر. وكان بنو مالك بن النجار يحملون كل يوم قصاع الثريد إلى النبي ﷺ يتناوبون ذلك بينهم إلا سعد بن عبادة، فإنه ما كان يقطع جفنته في كل ليلة إلى دار أبي أيوب، فيدعو النبي ﷺ أصحابه فيأكلون.
стр. 61
وروى البخاري ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ لما أخذ المربد من بني النجار، كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب، فأمر النبي ﷺ بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت.
قال: فصفوا النخل قبلة له وجعلوا عضادتيه حجارة. قال: وكانوا يرتجزون ورسول الله ﷺ معهم:
اللهم إن الخير خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
وجعلوا ينقلون الصخر، وطفق النبي ﷺ ينقل اللبن معهم في ثيابه ويقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
وبنى النبي ﷺ مسجده مربعاً وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وطوله سبعون ذراعاً أو يزيد، وجعل له ثلاثة أبواب: باباً في مؤخره، وباب عاتكة –وهو باب الرحمة-، والباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ وهو باب عثمان.
ولما صرفت القبلة إلى الكعبة سد النبي ﷺ الباب الذي كان خلفه، وفتح الباب الآخر حذاءه، فكان المسجد له ثلاثة أبواب: باب خلفه، وباب عن يمين المصلى، وباب عن يساره، وجعلوا أساس المسجد من الحجارة وبنوا باقيه من اللبن.
وفي ((الصحيحين)) كان جدار المسجد عند المنبر ما كانت الشاة تجوزه، وقالت عائشة ﵂: كان طول جدار المسجد بسطة، وكان عرض الحائط لبنة لبنة، ثم إن المسلمين كثروا فبنوه لبنة ونصفاً، ثم قالوا: يا رسول الله، لو أمرت فزيد فيه؟. قال: ﷺ : نعم، فأمر به فزيد فيه
стр. 62
وبنى جداره لبنتين مختلفتين، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد فظلل، قال: نعم، فأمر به فأقيم له سواري من جذوع النخل شقة ثم شقة، ثم طرحت عليها العوارض والخصف والإذخر، وجعل وسطه رحبة، فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف عليهم فقالوا: يا رسول الله، لو أمرت بالمسجد يعمر فطين، فقال لهم: ((عريش كعريش موسى ثمام وخشيبات والأمر أعجل من ذلك)) .
فلم يزل كذلك حتى قبض ﷺ .
ويقال: إن عريش موسى ﵇ كان إذا قام أصاب رأسه السقف.
قال أهل السير: بنى النبي ﷺ مسجده مرتين، بناه حين قدم أقل من مائة في مائة، فلما فتح الله عليه خيبر، بناه وزاد عليه في الدور مثله، وصلى النبي ﷺ فيه متوجهاً إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة، فأقام رهطاً على زوايا المسجد ليعدل القبلة، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا رسول الله، ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده هكذا، فأماط كل جبل بينه وبينهما، فوضع القبلة وهو ينظر إلى الكعبة لا يحول دون نظره شيء، فلما فرغ قال جبريل هكذا، فأعاد الجبال والشجر والأشياء على حالها وصارت قبلته إلى الميزاب.
أخبرنا أبو القاسم المظفري والأزجي في كتابيهما عن أبي علي الأصفهاني، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخلدي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن بن زبالة، حدثني عبد العزيز بن أبي حازم، عن هشام بن سعد بن أبي هلال، عن أبي هريرة ﵁ قال: كانت قبلة النبي ﷺ الشام، وكان مصلاه الذي يصلي فيه بالناس إلى الشام من مسجده موضع الأسطوانة المخلقة اليوم خلف ظهرك، ثم تمشي إلى الشام، حتى إذا كنت بيمنى باب آل عثمان، كانت قبلته في ذلك الموضع.
стр. 63
فضيلة المسجد والصلاة فيه
أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن أحمد العطار، أخبرنا أبو سعد عمار بن طاهر الهمذاني، حدثنا مكي بن عبد السلام الرميلي، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أخبرنا محمد بن محمد الواسطي، حدثنا عمر بن الفضل بن مهاجر، حدثنا أبي، حدثنا الوليد بن حماد الرملي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) ، أخرجه البخاري في ((صحيحه)) .
أنبأنا القاسم بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن، أخبرنا منهال بن بشر، أخبرنا علي بن محمد الفارسي، أنبأنا الذهلي، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدوس، حدثنا يعقوب بن حميد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من دخل مسجدي هذا يتعلم خيراً أو يعلمه، كان بمنزلة المجاهد في سبيل الله. ومن دخله لغير ذلك من أحاديث الناس، كان كالذي يرى ما يعجبه وهو لغيره)) .
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن الهمذاني في كتابه قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمد بن محمد الفقيه، قال أنبأنا عبد العزيز بن أحمد النصيبي، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الواسطي، حدثنا عمرو بن الفضل ابن مهاجر، حدثنا أبي، حدثنا الوليد، أخبرنا محمد بن النعمان، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو عبد الملك، عن عبد الواحد بن زيد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله قال: سكن الخضر بيت المقدس فيما بين باب الرحمة إلى باب الأسباط وهو يصلي في كل جمعة في خمسة
стр. 64
مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ويصلي كل ليلة جمعة في مسجد الطور، ويأكل كل جمعة أكلتين من كمأة وكرفس، ويشرب مرة من زمزم ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان.
أنبأنا أبو الفرج بن الجوزي قال: أنبأنا عباد بن أحمد الحسنباذي، قال: أخبرنا الحسن بن عمر الأصبهاني، أنبأنا الحسن بن علي البغدادي، حدثنا محمد بن علي الهمذاني، حدثنا محمد بن عمران، حدثنا يحيى بن نصير، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن داود بن مدرك، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أنا خاتم الأنبياء، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء، أحق المساجد أن يزار وتركب إليه الرواحل، وصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)) .
وأخرج مسلم في ((الصحيح)) أن النبي ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) .
أخبرنا عبد الوهاب بن علي، أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي، أنبأنا أبو محمد الصريفيني، أنبأنا أبو بكر بن عبدان، حدثنا عبد الواحد بن المهتدي بالله، حدثنا أيوب بن سليمان الصعدي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا العطاف بن خالد، عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قلت لرسول الله ﷺ : إني أريد أن أخرج إلى بيت المقدس. قال: ((فلم)) ! قلت: للصلاة فيه، قال: ((هاهنا أفضل من الصلاة هناك ألف مرة)) .
أنبأنا أبو القاسم النعال، عن أبي علي الأصبهاني، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر الخلدي، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي، أخبرنا الزبير ابن بكار، أخبرنا محمد بن الحسن، حدثني إسماعيل بن المعلى، عن يوسف ابن طهمان، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁ أن
стр. 65
رسول الله ﷺ قال: ((من خرج على طهرٍ لا يريد إلا الصلاة في مسجدي حتى يصلي فيه، كان بمنزلة حجة)) .
وحدثني محمد بن الحسن، حدثني حاتم بن إسماعيل، عن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يغلب على مسجدي هذا الكلاب والذئاب والضباع، فيمر الرجل ببابه فيريد أن يصلي فيه فما يقدر عليه)) .
ذكر حجر أزواج النبي ﷺ
لما بنى رسول الله ﷺ مسجده، بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة ﵄ على نعت بناء المسجد من لبن وجريد النخل، وكان لبيت عائشة ﵂ مصراعٌ واحدٌ من عرعر أو ساج، ولما تزوج رسول الله ﷺ نساءه بنى لهن حجراً، وهي تسعة أبيات. وهي ما بين بيت عائشة ﵂ إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ .
قال أهل السير: ضرب النبي ﷺ الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى الشام، ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة من المسجد مديرة به إلا من المغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد.
قال عمران بن أبي أنس: كان منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد، وكانت خمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، وذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع في ذراع.
قال مالك بن أنس ﵁: وحدثني الثقة عندي أن الناس كانوا يدخلون حجرات أزواج النبي ﷺ بعد وفاته يصلون فيها يوم الجمعة.
قال مالك: وكان المسجد يضيق عن أهله، وحجر النبي ﷺ ليست من المسجد، ولكن أبوابها شارعة في المسجد.
قالت عائشة ﵂: ((كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) .
أخبرنا صالح بن أبي الحسن الخريمي، أنبأنا محمد بن عبد الباقي
стр. 66
الأنصاري قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري، قال: أنبأنا أبو عمرو بن حيوة، قال: أخبرنا أبو الحسن بن معروف، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، حدثنا محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمرو، حدثنا عبد الله بن يزيد الهذلي، قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت بيوتاً باللبن ولها حجر من جريد، ورأيت بيت أم سلمة ﵂ وحجرتها من لبن، فسألت ابن ابنها فقال: لما غزا رسول الله ﷺ دومة، بنت أم سلمة بلبنٍ حجرتها، فلما قدم نظر إلى اللبن فقال ﷺ : ((ما هذا البناء)) !! فقالت: أردت أن أكف أبصار الناس، فقال ﷺ : ((يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان)) .
وقال عطاء الخراساني: أدركت حجر أزواج النبي ﷺ من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر النبي ﷺ في مسجده، فما رأيت باكياً أكثر من ذلك اليوم.
وسمعت سعيد بن المسيب ﵁ يقول يومئذٍ: والله لوددت أنهم لو تركوها على حالها، ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله ﷺ في حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والفخر.
وقال عمران بن أبي أنس: لقد رأيتني في مسجد رسول الله ﷺ وفيه نفر من أصحابه؛ أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو أمامة بن سهل، وخارجة ابن زيد –يعني لما نقضت حجر أزواجه ﵊ وهم يبكون حتى اخضلت لحاهم من الدمع، وقال يومئذ أبو أمامة: ليتها تركت حتى يقصر الناس من البنيان ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ ومفاتيح الدنيا بيده.
ذكر بيت السيدة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ﵂
كان خلف بيت النبي ﷺ عن يسار المصلي إلى الكعبة، وكان فيه خوخة إلى بيت النبي ﷺ . كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل إلى المخرج
стр. 67
اطلع منها يعلم خبرهم، وكان النبي ﷺ يأتي بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه ويقول: ((الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنك الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيراً)) .
وقال محمد بن قيس: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر أتى فاطمة ﵂، فدخل عليها وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفرٍ فصنعت فاطمة ﵂ مسكتين من ورق وقلادة وقرطين، وستراً لباب بيتها لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم ﵊ ودخل إليها، وقف أصحابه على الباب، فخرج وقد عرف الغضب في وجهه، ففطنت فاطمة ﵂ إنما فعل ذلك لما رأى المسكتين والقلادتين والستر.
فنزعت قرطيها، وقلادتيها، ومسكتيها، ونزعت الستر وأنفذت به إلى رسول الله ﷺ وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك السلام، وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله.
فلما أتاه قال: ((قد فعلت فداها أبوها، (ثلاث مرات) ، ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عنه الله من الخير جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)) ، ثم قام فدخل عليها.
وقال محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁: لما أخذ رسول الله ﷺ الستر من فاطمة ﵂ شقه لكل إنسان من أصحابه ذراعين ذارعين.
وقال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفرٍ قبل رأس فاطمة ﵂.
أنبأنا أبو القاسم التاجر، عن أبي علي الحداد، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخواص قال: أخبرنا أبو يزيد المخزومي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله أن جعفر بن محمد، كان يقول: قبر فاطمة ﵂ في بيتها الذي أدخله عمر بن عبد العزيز في المسجد.
стр. 68
قلت: وبيتها اليوم حوله مقصورة وفيه محراب، وهو خلف النبي ﵊.
ذكر مصلى النبي ﷺ بالليل
روى عيسى بن عبد الله عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يطرح حصيراً كل ليلة إذا انكفت الناس، ورأيت علياً كرم الله وجهه ثم يصلي صلاة الليل.
قال عيسى: وذلك موضع الأسطوان الذي على طريق النبي ﷺ مما يلي الدور.
وروي عن سعيد بن عبد الله بن فضيل، قال: مر بي محمد بن علي بن الحنفية ﵁ وأنا أصلي إليها، قال لي: أراك تلزم هذه الأسطوانة! هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا، قال: فالزمها، فإنها كانت مصلى رسول الله ﷺ بالليل.
قلت: وهذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة ﵂ وفيها محراب، إذا توجه الرجل كان يساره إلى باب عثمان ﵁.
ذكر الجذع الذي كان يخطب إليه النبي ﵊
أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر الجنابذي، أخبرنا يحيى بن علي المديني، أخبرنا أبو الحسين بن النقور، أخبرنا أبو القاسم بن حبابة، حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع وأتى النبي ﷺ فاحتضنه فسكن، فقال ﵊: ((لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة)) .
стр. 69
أنبأنا عبد الرحمن بن علي قال: أخبرنا يحيى بن علي قال: أخبرنا جابر بن ياسين، أخبرنا المخلص، قال: أنبأنا أبو حميد، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا المبارك بن فضالة، حدثنا الحسن عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى خشبة مسنداً ظهره إليها، فلما كثر الناس قال: ((ابنوا لي منبراً)) ، فبنوا له منبراً له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول الله ﷺ .
قال أنس: وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة، تحن حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها ﷺ فاحتضنها فسكنت، فكان الحسن ﵁ إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقاً إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه!!
وفي لفظ: فنزل إليه النبي ﷺ فاحتضنه وساره بشيء.
وفي لفظ: فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت تنشق.
وفي لفظ: فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت.
وفي لفظ: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر، كل هذه الألفاظ في ((الصحيح)) .
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: لما سكن الجذع أمر النبي ﷺ أن يحفر له ويدفن.
وقال أبو بريدة الأسلمي: لما سكن الجذع، قال له النبي ﷺ : إن شئت أن أردك إلى الحائط الذي كنت فيه كما كنت، فتنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك؟؟
ثم أصغى إليه النبي ﷺ يسمع ما يقول، قال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله، وأكون في مكان لا أداس فيه، فقال رسول الله ﷺ : ((نعم قد فعلت)) ؛ وعاد إلى المنبر، ثم أقبل ﷺ على الناس فقال: ((خيرته
стр. 70
كما سمعتم فاختار أن أغرسه في الجنة، اختار دار البقاء على دار الفناء) .
وقالت عائشة ﵂: لما قال له النبي ﷺ ذلك، غار الجذع فذهب.
وقال ابن أبي الزناد: لم يزل الجذع على حاله زمان رسول الله وأبي بكر وعمر ﵄، فلما هدم عثمان ﵁ المسجد اختلف في الجذع.
فمنهم من قال: أخذه أبي بن كعب فكان عنده حتى أكلته الأرضة، ومنهم من قال: دفن في موضعه، وكان الجذع في موضع الأسطوانة المخلقة التي عن يمين محراب النبي ﷺ عند الصدوق.
ذكر عمل المنبر
وروى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي حازم أن نفراً جاؤوا إلى سهل بن سعد، قد تحاروا في المنبر من أي عودٍ هو؟ فقال: أما والله إني لأعرف من أي عود هو، ومن عمله.
رأيت رسول الله أول يوم جلس عليه.
فقلت له: فحدثنا، فقال: أرسل ﵊ إلى امرأة: انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها، فعمل هذه الدرجات الثلاث، ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت بهذا الموضع وهي من طرفاء الغابة.
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه، فإن لي غلاماً نجاراً، قال: ((إن شئت)) ، فعمل له المنبر.
وروى أبو داود في ((سننه)) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله
стр. 71
عنهما أن النبي ﷺ لما بدن قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يجمع، أو يحمل عظامك! قال: بلى. قال: فاتخذ له منبراً مرقاتين.
وروى عن أبي الزناد أنه ﵊ كان يخطب يوم الجمعة إلى جذع في المسجد، فقال: إن القيام قد شق علي، وشكا ضعفاً في رجليه، فقال له تميم الداري وكان من أهل فلسطين: يا رسول الله أنا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشام، قال: فلما أجمع ذوو الرأي من أصحابه على اتخاذه، قال العباس بن عبد المطلب ﵁: إن لي غلاماً يقال له: كلاب، أعمل الناس، فقال له النبي ﷺ : فمره يعمل، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عملها درجتين ومجلساً، ثم جاء بالمنبر فوضعه في موضع المنبر اليوم، ثم راح إليه رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حن الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة، حتى ارتاع الناس وقام بعضهم على رجليه، فأقبل ﵊ حتى مسه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع إلى المنبر فقام عليه.
وقد روي أن اسم هذا الغلام الذي صنع المنبر: مينا، وقال عمر بن عبد العزيز: عمله صباح، غلام العباس بن عبد المطلب.
قال الواقدي: وفي سنة ثمان من الهجرة اتخذ النبي ﷺ منبره، واتخذه درجتين ومقعدة.
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﷺ : ((قوائم منبري رواتب في الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) .
وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((منبري على حوضي)) .
стр. 72
قال الخطابي: معناه من لزم عبادة الله عنده سقي من الحوض يوم القيامة.
قلت: الذي أراه أن المعنى هذا المنبر بعينه يعيده الله على حاله فينصبه عند حوضه، كما تعود الخلائق أجمعون.
أخبرنا أبو طاهر المبارك بن المبارك العطار قال: أخبرنا أبو الغنائم محمد بن الخطيب، (ح) وأخبرنا هبة الله بن الحسن بن السبط قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله العكبري قالا: أخبرنا أبو طالب العشاري، أخبرنا عمر بن أحمد بن شاهين قال: حدثنا علي بن محمد العسكري، حدثني دارم بن قبيصة، حدثني نعيم بن سالم قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((منبري على ترعة من ترع الجنة)) .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: في الترعة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الروضة تكون على المكان المرتفع خاصة.
والثاني: أنها الباب.
والثالث: أنها الدرجة.
وروى أبو داود في ((السنن)) من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال ﷺ : ((لا يحلف أحد عند منبري هذا على يمين آثمة ولو على سواك أخضر، إلا تبوأ مقعده من النار، أو وجبت له النار)) .
وقال ابن أبي الزناد: كان ﷺ يجلس على المنبر ويضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولي أبو بكر ﵁ قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى، فلما ولي عمر ﵁ قام
стр. 73
على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الأرض إذا قعد، فلما ولي عثمان ﵁ فعل كذلك ست سنين، ثم علا فجلس موضع النبي ﷺ وكسى المنبر قبطية، فلما حج معاوية ﵁ كساه قبطية وزاد فيه ست درجات، ثم كتب إلى مروان بن الحكم، وهو عامله على المدينة أن ارفع المنبر على الأرض، فدعا له النجارين وعمل هذه الدرجات ورفعوه عليها وصار المنبر تسع درجات بالمجلس، لم يزد فيه أحد قبله ولا بعده.
قال: ولما قدم المهدي المدينة سنة إحدى وستين ومائة قال لمالك بن أنس ﵁: إني أريد أن أعيد منبر النبي ﷺ على حاله! فقال له مالك: إنما هو من طرفاء وقد سمر إلى هذه العيدان وشد، فمتى نزعته خفت أن يتهافت ويهلك، فلا أرى أن تغيره.
قلت: وطول منبر النبي ﷺ ذراعان وشبر وثلاث أصابع، وعرضه ذراع راجح، وطول صدره وهو مستند النبي ﷺ ذراع، وطول رمانتي المنبر اللتين يمسكهما رسول الله ﷺ إذا جلس يخطب شبر واصبعان، وطول المنبر اليوم ثلاثة أذرع وشبر وثلاث أصابع، والدكة التي هو عليها طول شبر وعقدة، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر.
وقد زيد فيه اليوم عتبتان وجعل له باب يفتح يوم الجمعة، ولم يزل الخلفاء إلى يومنا هذا يرسلون في كل سنة ثوباً من الحرير الأسود وله علم ذهب يكسى به المنبر، ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستوراً على أبواب الحرم.
ذكر الروضة
أخبرنا أبو طاهر بن المعطوش قال: أخبرنا أبو الغنائم بن المهتدي، (ح) وأخبرنا أبو القاسم الهمذاني، أخبرنا أبو العز بن كادش، قالا: أخبرنا محمد ابن علي بن الفتح الحربي، قال: أخبرنا أبو الحفص بن شاهين، حدثنا علي ابن محمد العسكري حدثنا دارم بن قبيصة، حدثني نعيم بن سالم بن قنبر، قال: سمعت أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما بين حجرتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) ، أخرجه البخاري
стр. 74
ومسلم في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة ﵁ وقال: ((بيتي)) مكان ((حجرتي)) .
وقال الخطابي: معناه من لزم طاعة الله تعالى في هذه البقعة، آلت به الطاعة إلى روضة من رياض الجنة.
قتل: والذي هو عندي أن يكون هذا الموضع بعينه روضة في الجنة يوم القيامة.
وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه أن النبي ﷺ كانت الصحابة تقتبس منه العلم في ذلك الموضع، فهو مثل الروضة.
قلت: ويؤيد قوله: قول النبي ﷺ : ((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا)) . قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: ((حلق الذكر)) .
ذكر سد الأبواب الشوارع في المسجد
روى البخاري في ((الصحيح)) من حديث أبي سعيد الخدري قال: خطب النبي ﷺ فقال: ((إن الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده)) ، فبكى أبو بكر، فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ أن يكون الله خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله، فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: ((يا أبا بكر لا تبك، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر) .
قال أهل السير: كان بابه في غربي المسجد.
стр. 75
وروى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أمر بالأبواب كلها فسدت إلا باب علي ﵁.
ذكر تجميره
ذكر أهل السير: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى بسفط من عودٍ فلم يسع الناس، فقال: اجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون، فبقيت سنةً في الخلفاء إلى اليوم، يؤتى في كل عام بسفطٍ من عودٍ يجمر به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر، من خلفه إذا كان الإمام يخطب.
قالوا: وأتي عمر بن الخطاب ﵁ بمجمرة من فضة فيها تماثيل من الشام، فكان يجمر بها المسجد ثم توضع بين يدي عمر، فلما قدم إبراهيم بن يحيى بن محمد والياً على المدينة، غيرها وجعلها ساذجاً، وهي في يومنا هذا منقوشة.
ذكر تخليقه
روي أن عثمان بن مظعون ﵁ تفل في المسجد فأصبح مكتئباً، فقالت له امرأته: مالي أراك مكتئباً؟ فقال: لا شيء، إلا أني تفلت في القبلة وأنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم خلقتها، فكانت أول من خلق القبلة.
وقال جابر بن عبد الله ﵁ كان أول من خلق المسجد عثمان بن عفان ﵁، ثم لما حجت الخيزران أم موسى وهارون في سنة سبعين ومائة أمرت بالمسجد أن يخلق، فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة، فخلقته، جميعه حتى الحجرة الشريفة جميعها.
следующие страницы →