← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 26674

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن ط الراية

ابن الجوزي

Полный текст (683 стр.). Показаны 666–683 · переход к 671.

стр. 666

على حائط مقبرة: يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقُبُورِ ... بَيْنَ أُنَاسٍ غُيَّبٍ حضور قد سكنوا في خرب معمور ... بين الثرى وجندل الصخور لا تك في خطك فِي غُرُورِ ... ٥١٣- قَالَ الْقُرُشِيُّ: وَكَانَ عَلَى قَبْرٍ مكتوب: صرت بعد النعيم في منزل البعد والقلى ... وجفاني أحبتي حين غيبت في الثرى أخلق الموت جدتي ومحى حسني البلى ... ٥١٤- وَكَانَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: سَلَبَ الْمَوْتُ مُهْجَتِي وَشَبَابِي ... وَجَفَانِي فِي غُرْبَتِي أَحْبَابِي بَعْدَ مُلْكٍ وظل عيش عجيب ... صرت رهناً بجندل وتراب ٥١٥- قال: وكان عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: عِشْتُ دَهْرًا فِي نَعِيمٍ ... وَسُرُورٍ وَاغْتِبَاطِ ثُمَّ صَارَ الْقَبْرُ بَيْتِي ... وَثَرَى الأرض بساط ٥١٦- وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ إِلَى مَقَابِرِ الْبَصْرَةِ، فبينا هُوَ يَتَخَطَّاهَا، إِذْ بَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيلٍ سَتُثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ

стр. 667

فَاذْكُرِ مَحِلَّكَ مِنْ قَبْلِ الْحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ إِنَّ الْحِمَامَ له وقت إلى أجل ... فاذكر مصايب أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبّ أَنْ يأتي ٥١٧- وبه حدثنا القرشي، قال: حدثني محمد بن عمرو العنبري، قال: كنت بالجبان بالصبرة، فأصابتني السماء، فملت إلى قبة، فإذا هي مبنية على قبر، وإذا عليه مكتوب: سيعرض عن ذكري وعيشي مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل إذا انقطعت يوماً من العيش مدتي ... فإن غداً الباكيات قليل ٥١٨- وبه حدثنا القرشي، قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ، قال: قرأت على قبة على قبر مكتوب: يا من يصير غداً إلى دار البلى ... ويفارق الأحباب والخلانا إن الأماكن ما هناك عزيزة ... فاحتل لنفسك إن عقلت مكانا ٥١٩- وبه قال القرشي: وحدثني أبو بكر بن محمد، قال: كان عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقَبْرِ عِشَاءً وَسَحَرْ ... إِنَّ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بالياتٍ وَعِبَرْ ٥٢٠- قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَقَرَأْتُ أَنَا عَلَى قَبْرٍ بالأبلة: الْمَوْتُ بَحْرٌ غَالِبٌ مَوْجُهُ ... تَضِلُّ فِيهِ حِيلَةُ السابح

стр. 668

يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلٌ فَاسْمَعِي ... مَقَالَةً مِنْ مشفق ناصح ما استصحب الإنسان في عمره ... مثل التقى والعمل الصالح ٥٢١- قال: ورأيت عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: يَا مَنْ أَبْطَرَهُ الْغِنَى، وأسكرته شهوات الدنيا! استعدوا للسفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل البلى. ٥٢٢- قال: وحدثني أبي عن شيخ من ثقيف، قال: رأيت في حفيرة بالحيرة حجراً منقوراً فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حبان: حييت الدهر أشطره حياتي ... وَنِلْتُ مِنَ الْمُنَى فَوْقَ الْمَزِيدِ وَكَافَحْتُ الأُمُورَ وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلةٍ كؤود وكنت أَنَالُ فِي الشَّرَفِ الثُّرُيَّا ... وَلَكِنْ لا سَبِيلَ إلى الخلود ٥٢٣- قال: وثنا أبو زكريا الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: أَعَدَّ لِلَّهِ يَوْمَ ألقاه ... إِسْحَاقُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُو يَقُولُهَا مخلصاً عساه بها ... يرحمه في القيامة الله ٥٢٤- قال: وحدثني الفضل بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ البجلي، قال: وجد على قبر عادي مكتوب: اصْبِرْ لدهرٍ نَالَ مِنْكَ ... فَهَكَذَا مَضَتِ الدُّهُورُ فرج وَحُزْنٌ مَرَّةً ... لا الْحُزْنُ دَامَ وَلا السُّرُورُ ٥٢٥- قال: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّكَرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ وُجِدَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:

стр. 669

وَغَافِلٍ أُوذِنَ بِالصَّوْتِ ... لَمْ يَأْخُذِ الْعُدَّةَ لِلْفَوْتِ لَمْ تَزُلْ نِعْمَتُهُ قَبْلَهُ ... زَالَ عَنِ النِّعْمَةِ بِالْمَوْتِ ٥٢٦- قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِو عَلِيٍّ النَّجَّارُ، أَنَّهُ نقش على لوح قبر: يَا أَيُّهَا الْمَيِّتُ الْمُغَيَّبُ فَي الثَّرَى ... زُرْتَ الْقُبُورَ فَمَا تَحِسُّ وَلا تَرَى لَمَّا نُقِلْتَ إِلَى الْمَقَابِرِ مَيِّتَا ... لَمْ يَبْقَ دَمْعٌ جَامِدٌ إلا جرى وجاورت قَوْمًا لا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ ... وَيَفُوتُ ضَيْفَهُمُ الْكَرَامَةُ والقرى ٥٢٧- قال: وأخرج لي أبو علي لوحاً قد نقشه لرجل، فجعله على قبر بعض أَهْلِهِ: وَكَيْفَ بَقَائِي بَعْدَ إِلْفِي وَصَاحِبِي ... وَنَفْسِي قد ذابت ومات سرورها وكأني لآت قبره فمسلم وإذ ... تكلم حُفْرَةَ مَنْ يَزُورُهَا ٥٢٨- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ: أَنَا فِي الْقَبْرِ وَحِيدٌ ... قد تبرأ الأهل مني أسلموني بذنوبي ... خبت إن لم تعف عني ٥٢٩- قال: ورأيت على قبر مكتوب: القبر بيت كربة سَوْفَ تَسْكُنُهُ ... مَاذَا عَمِلْتَ لِيَوْمِ الْقَبْرِ يَا ساهي ٥٣٠- وبالإسناد قال القرشي: وحدثني بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، قال: مر صالح المري بقبر قد خرب بفنائه قبران، وأسود جالس عندهما، فقال: يا صالح! إذن ترى عبراً، هذان رَبَّا هَذَا الْقَصْرِ صَارَا إِلَى مَا تَرَى. قَالَ: وَعَلَى الْقَبْرِ مَكْتُوبٌ: يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ سِيرُوا الْيَوْمَ وَاعْتَبِرُوا ... فَعَنْ قَلِيلٍ تَكُونُوا مِثْلَنَا عبرا

стр. 670

كُنَّا وَكَانَتْ لَنَا الدُّنْيَا بِلَذَّتِهَا ... فَمَا اعْتَبَرْنَا وما كنا لننزجرا رماني الرَّدَى مِنْهُ بِأَسْهُمِهِ ... فَلَمْ يُبْقِ لَنَا عَيْنًا وَلا أَثَرَا -وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدْتُهُمْ ... فِي ظِلِّ عَيْشٍ عَجِيبٍ مَا لَهُ خَطَرُ صَاحَتْ بِهِمْ حَادِثَاتُ الدَّهْرِ ... فَانْقَلَبُوا إلى القبور فلا عين ولا أثر -قرئ على قبر: يمر أقاربي جنباي قَبْرِي ... كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي وَقَدْ أَخَذُوا سهامهم وعاشوا ... فيا لله أسرع ما نسوني -وقرئ على قبر: فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء -وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: أَقُولُ وَقَدْ فَاضَتْ دُمُوعِي جمة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب أخلائي لَوْ غَيْرَ الْمَمَاتِ أَصَابَكُمْ ... عَتِبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الْمَوْتِ مُعْتِبُ -وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ: تَزَوَّدْ قريباً مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا ... قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ ما كان يعمل وإن كنت مشغولاً بشيء فلا تكن ... بِغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تُشْغَلُ فَلَنْ يَصْحَبَ الإِنْسَانَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ... إِلَى قَبْرِهِ إِلا الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ ضَيْفٌ لأَهْلِهِ ... يُقِيمُ قَلِيلا عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ

стр. 671

-وقرئ على قبر مجبر: كُنَّا عَلَى ظَهْرِهَا وَالدَّهْرُ فِي مَهَلٍ ... وَالْعَيْشُ يجمعنا وَالدَّارُ وَالْوَطَنُ فَفَرَّقَ الدَّهْرُ بِالتَّصْرِيفِ أُلْفَتَنَا ... فَالْيَوْمَ يَجْمَعُنَا فِي بَطْنِهَا الْكَفَنُ -وَقُرِئَ عَلَى بَابِ قَصْرٍ: أَصْبَحُوا بَعْدَ اجْتِمَاعٍ فُرَقَا ... وَكَذَا كُلُّ جَمِيعٍ مُفْتَرِقْ ضَحِكُوا وَالدَّهْرُ عَنْهُمْ سَاكِتٌ ... ثُمَّ أبكاهم دماً حين نطق -قرئ على قبر مكتوب: مُقِيمٌ إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ خَلْقَهُ ... لِقَاؤُكَ لا يرجى وأنت قريب نزول بِلًى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ... وَتُنْسَى كَمَا تبلى فأنت حبيب -قرأت عَلَى قَبْرٍ: وَلَقَدْ وَقَفْتَ كَمَا وَقَفْتُ ... وَلَقَدْ نَظَرْتَ فَمَا اعْتَبَرْتُ حَصِّلْ لِنَفْسِكَ مَنْزِلا ... قَبْلَ الحصول كما حصلت -أمر الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ: أَيُّهَا الْمَغْرُورُ فِي الدُّنْيَا بِعِزٍّ يَقْتَنِيهِ ... وَبِأَهْلٍ وبمال وبقصر يبتنيه كم سحبناكم عليها ذيل سلطان وتيه ... تحسب الأفلاك تجري بخلود ترتجيه وطوانا الموت طَيَّا فَاعْتَبِرْ مَا نَحْنُ فِيهِ

стр. 672

باب من فنون الحكم والمواعظ لما انتهينا مما قصدنا له إلى بلغة تكفي، أحببنا أَنْ نَخْتِمَ الْكِتَابَ بِكَلِمَاتٍ تَحْتَوِي عَلَى حِكَمٍ ومواعظ، وإلى الله الرَّغْبَةُ فِي النَّفْعِ بِسَائِرِ الْعُلُومِ. ٥٣١- أَخْبَرَنَا الْكَرُوخِيُّ، قال: أنبأ الغورجي، قال: أنبأ الجراحي، قال: أنبأ المحبوبي، قال: ثنا الترمذي، قال: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا ليث بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: ((يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تِجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فاستعن بالله، واعلم أن

стр. 673

الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى لك، ولو اجتمعوا أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)) . قَالَ الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ٥٣٢- وروى أبو أيوب الأنصاري [﵁] ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: عظني وأوجز. فقال: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلاتِكَ، فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ، ولا تكلم بكلامٍ تعتذر منه غداً، وأجمع الإياس مما في يدي الناس)) . ٥٣٣- وروى ابن عمر [﵄] ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ في أهل

стр. 674

القبور)) . ٥٣٤- أنبأنا عبد الوهاب، قال: أنبأ المبارك بن عبد الجبار، قال: أنبأ أبو الحسن بن التوزي، قال: أنبأ عمر بن ثابت، قال: أنبأ علي بن أحمد بن أبي قيس، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني الحسن بن الصباح، قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ عَبَايَةَ بن كليب، قال: حدثني عمر بن سعيد بن أبي الخطيب، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ الأَفْطَسُ، قَالَ: قَدِمَتْ رَسُلُ الرُّومِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْكُمْ إِذَا مَلَّكْتُمْ مُلُوكَكُمْ؟ قَالُوا: إِذَا مَلَّكْنَا الرَّجُلَ فَقَعَدَ، غَدَا عَلَيْهِ الْحَافِرُ صَلاةَ الغداة،

стр. 675

فَيَقُولُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسَهُ غَدَوْتُ عَلَيْهِ فَيَأْمُرُنِي كَيْفَ ألحد قبره، فيبكوا لَهَا مَلِيًّا، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقْ فَاجْعَلْهُ كَذَا وكذا. فإذا جاء من الغد، غدا عليه صاحب الأكفان فيقول: أصلحك الله، إنه كان من كان قبلك إذا جلس مجلسه غدوت عليه، فيأخذ أكفانه، فيبكوا لَهَا سَاعَةً، ثُمَّ يَأْخُذُهَا، فَيَجْعَلُهَا فِي سَفَطٍ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، غَدَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْحَنُوطِ. فيقول: أصلحك الله، إنه كان من كان قبلك إذا جلس مجلسه غدوت عليه، فيأخذ حنوطه، فيبكوا لَهَا سَاعَةً، ثُمَّ يَقُولُ: هَاتِهِ. فَيَجْعَلُهُ فِي سفط نصب عَيْنَيْهِ هُوَ وَالأَكْفَانُ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ قَبْرِهِ. قال عمر: هذا لمن لا يرجوا أيام اللَّهَ، ثُمَّ سَقَطَ عَنْ فِرَاشِهِ، فَمَا رُئِيَ عَلَى فراشٍ حَتَّى مَاتَ. ٥٣٥- قَالَ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب [﵁] : لا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ويؤخر التوبة بطول الأَمَلِ، وَيَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، وَيُقِيمَ عَلَى مَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِمًا، وَإِنْ صَحَّ قَامَ لاهِيًا، تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ عَلَى مَا

стр. 676

يَظُنُّ، وَلا يَغْلِبُهَا عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ. وَقَالَ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا: أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ، مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فتن، من قَعَدَ عَنْهَا أَتَتْهُ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ، ومن بصر بِهَا بَصُرَتْهُ. وَقَالَ: إِنِّي لأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونُ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنْ عفوي، وجهل أَعْظَمَ مِنْ حِلْمِي، أَوْ عَوْرَةٌ لا يُوَارِيهَا سَتْرِي، أَوْ خُلَّةٌ لا يَسُدُّهَا جُودِي. وَقَالَ: إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو شكراً للقدرة عليه. وقال: إنكم مخلوقون اقتداراً، ومربوبون اقتساراً، ومضمنون أجداثاً، وكائنون رُفَاتًا، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَادًا، فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وَعَمَّرَ فَاعْتَبَرَ، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحليه، وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، فَهَلْ ينتظر أهل عصارة الشباب إلا جواني الْهَرَمِ، وَأَهْلُ نَضَاضَةِ الصِّحَّةِ إِلا نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ ٥٣٦- وكان ابن مسعود [﵁] يقول: إنكم في ممر اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ، وَأَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، فَمَنْ زَرَعَ

стр. 677

خيراً، يوشك أن يحصد [خيراً أو] رغبة، ومن زرع شراً، فيوشك أن يحصد ندامة. ٥٣٧- وكان أبو الدرداء [﵁] يَقُولُ: مَا لِي أَرَاكُمْ تَبْنُونَ مَا لا تَسْكُنُونَ، وَتَجْمَعُونَ مَا لا تَأْكُلُونَ، وَتَأْمَلُونَ مَا لا تُدْرِكُونَ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَنَوْا شَدِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا، وَأَمِلُوا بَعِيدًا، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ بعيداً، وَجَمْعُهُمْ بُورًا، وَمَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا، كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وبالدهر مفرقاً، فاليوم في الدور وغداً في القبور. ٥٣٨- قال: أنبأنا المبارك بن علي، أنبأ أبو الحسن الحمامي، قال: ثنا محمد بن أحمد الصواف، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا يحيى بن عبد الملك، عن حميد بن أبي غنية، قَالَ: كَتَبَ الأَوْزَاعِيُّ إِلَى أخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ أُحِيطَ بِكَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسَارُ بِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَاحْذَرِ اللَّهَ وَالْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِكَ بِهِ، وَالسَّلامُ. - وَكَتَبَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا حُلْمٌ،

стр. 678

وَالآخِرَةُ يَقَظَةٌ، وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ، وَنَحْنُ فِي أضغاث أحلام، والسلام. -وأنشد بعضهم: أبني هَلا تَبْكِيَانِ عَلَى عُمُرِي ... تَنَاثَرَ عُمُرِي مِنْ يدي وما أَدْرِي إِذَا كُنْتُ قَدْ جَاوَزْتُ خَمْسِينَ حِجَّةً ... ولم أتأهب للمعاد فما عذري -وأنشد غيره: إحدى وَستِوُّنَ لَوْ مَرَّتْ عَلَى حَجَرٍ ... لَكَانَ مِنْ حُكْمِهَا أَنْ يَخْلَقَ الْحَجَرُ تُؤَمِّلُ النَّفْسُ آمَالا لِتَبْلُغَهَا ... كَأَنَّهَا لا تَرَى مَا يَصْنَعُ الْقَدَرُ -وَأَنْشَدَ آخَرُ: تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ رَاحِلُ ... وَبَادِرْ فَإِنَّ الْمَوْتَ لا شَكَّ نَازِلُ وَإِنَّ امرؤ قَدْ عَاشَ خَمْسِينَ حِجَّةً ... وَلَمْ يَتَزَوَّدْ لِلْمَعَادِ لجاهل -وقال أبو العتاهية: رويدك إذا الْقَصْرِ فِي شُرُفَاتِهِ ... فَإِنَّكَ عَنْهُ تُسْتَحَثُّ وَتُزْعَجُ وَلا بُدَّ مِنْ بَيْتِ انْقِطَاعٍ وَوَحْشَةٍ ... وَإِنْ غَرَّكَ الْبَيْتُ الأَنِيقُ الْمُدْبَجُ

стр. 679

-وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَ مَوْتِهِ: اعهد يا أمير المؤمنين. قال: أُحَذِّرُكُمْ مَصْرَعِي هَذَا، فَإِنَّهُ لا بُدَّ لَكُمْ منه، وإذا وضعتموني في لحدي، فانزعوا عني [لبنة] ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه. وعظ رَجُلٌ بَعْضَ الْمُلُوكِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، مَا بَيْنَكَ وبين أن تتمنى أَنْ لَوْ لَمْ تُخْلَقْ، إِلا أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُ الْمَوْتِ مِنْ بَابِ بَيْتِكَ. وَمِنْ كَلامِ الْحُكَمَاءِ الْمَنْثُورِ الظُّلْمُ أَدْعَى شَيْءٍ إِلَى تَغَيُّرِ النِّعْمَةِ. مَنِ انْتَجَعَكَ مُؤَمِّلا لَكَ، فَقَدْ أَسْلَفَكَ حُسْنَ الظَّنِّ بِكَ الْجُودُ حَارِسُ الأَعْرَاضِ. الْحِلْمُ قدام السَّفِيهِ، الْعَفْوُ زَكَاةُ الْعَقْلِ.

стр. 680

الْوَفَاءُ أُنْسُكَ مِمَّنْ نَكَثَ. الصَّبْرُ يُنَاضِلُ الْحَدَثَانِ، والجزع من أعوان الزمان. ومن لم يغض على القذا لَمْ يَرْضَ أَبَدًا. أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بروق المطامع. بالسيرة العادلة يقهر المناوئ. الطامع فِي وَثَاقِ الذُّلِ. أَبْدَانُ الْمُلُوكِ تَعِبَةٌ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَكُلَّمَا حَصَلُوا عَلَى حُلَّةٍ رَامُوا الَّتِي تَلِيهَا، فَلا اسْتَرَاحُوا وَلا بَقُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشُّغُلِ حَتَّى أَتَى الموت، فاجتلبهم عَلَى وِزْرِ الْمَظَالِمِ وَطُولِ الْوُقُوفِ لِلْقَصَّاصِ. [مَنْ ظلم يتيماً ظلم أولاده] ، ومن أَحَبَّ نَفْسَهُ اجْتَنَبَ الآثَامَ. مَنْ سَلَّ سَيْفَ البغي، أغمده في رأسه، والسعيد من اعتبر باسمه، وَاسْتَظْهَرَ لِنَفْسِهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ جَمَعَ لِغَيْرِهِ، وَبَخِلَ على نفسه. أندى الْعُقُولِ تُمْسِكُ أَعِنَّةَ النُّفُوسِ، أَنْفَاسُ الْحَيِّ خُطَاهُ إلى أجله،

стр. 681

والأماني تعمي البصائر، ومن شارك الأمير فِي عِزِّ الدُّنْيَا، شَارَكَهُ فِي ذُلِّ الآخِرَةِ. الدَّهْرُ سَرِيعُ الْوَثْبَةِ، شَفِيعُ الْعَثْرَةِ. أَهْلُ الدُّنْيَا ركب يسار بهم وهم نيام. المرء نهب الحوادث، وأسير الاغترار. الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، والأيام صحائف الأعمار، فخلدوها أحسن الأعمال. دوام الذكر بحسن السير. لا تفعل فِي السِّرِّ مَا تَسْتَحِي أَنْ تَذْكُرَهُ فِي الْعَلانِيَةِ. الْحِدَّةُ وَالنَّدَامَةُ فَرَسَا رِهَانٍ. مَنْ لَمْ يَكِسْ، وُكِسَ. السَّفَهُ نِتَاجُ الإِنْسَانِ، مُعَاشَرَةُ ذَوِي الألباب عمارة القلوب. من عَرَفَ تَصَرُّفَ الأَيَّامِ، لَمْ يَغْفُلْ [عَنِ] الاسْتِعْدَادِ. الْمَنِيَّةُ تَضْحَكُ مِنَ الأُمْنِيَةِ.

стр. 682

بِكَثْرَةِ الصَّمْتِ تَكُونُ الْهَيْبَةُ. تَاجُ الْمَلِكِ عَفَافُهُ، وحصنه إنصافه [وصلاحه كفافه، انصح الوزير أن] يحفظك من المآثم ويبعثك على [المكارم] . إِذَا عُدِمَ الإِخْلاصُ فِي الأَعْمَالِ، فَهِيَ تَعَبٌ ضائع، ومن لم يتفكر في نفسه وفي ما يريد وما يراد به إلى أَيْنَ يُذْهَبُ بِهِ، فَقَدْ حُرِمَ مَعْنَى الإِنْسَانِيَّةِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ، فَقَدْ حُرِمَ التوفيق، ومن لم ينتهز ما به بِكَفِّ الاسْتِلابِ، فَمَا عَرَفَ الدَّهْرَ، إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْهُدَى، فَيَسِيرُ الْمَوَاعِظِ يُقْنِعُ، وَإِنْ كَانَ المراد النزهة، فالكثير لا يكفي.

стр. 683

آخر الكتاب والحمد لله العزيز الوهاب وصلى الله على المصطفى عدد الرمل والتراب