Полный текст (683 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فَتَقَدَّمْتُ إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فسلمت عليه، فَسَمِعْتُ مِنْ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ: وَعَلَيْكَ السَّلامُ.
٤٧٦- أَخْبَرَنَا أبو بكر بن عبد الباقي، قال: أنبأ أبو محمد الجوهري إذناً، قال: أنبأ ابن حيويه، قال: أنبأ ابن معروف، قال: أنبأ الفهم، قثنا ابن سعد، قال: أنبأ الوليد بن عطاء، قال: أنبأ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي لَيَالِيَ الْحَرَّةِ وَمَا فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ من خلق الله غيري، وأن أهل الشام ليدخلون زُمَرًا يَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ الْمَجْنُونِ، وما يأتي وقت صلاة، إلا سمعت أذاناً في الْقَبْرِ، ثُمَّ تَقَدَّمْتُ، فَأَقَمْتُ فَصَلَّيْتُ، وَمَا فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ غَيْرِي.
٤٧٧- أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ يوسف، قال: أنبأ أحمد بن أبي نصر، قال: أنبأ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْفَارِسِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ غَالِبَ بن علي الصوفي يقول: سمعت إبراهيم بن محمد المزكي يقول: سمعت أبا الحسن الفقيه يَحْكِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ فَضِيلٍ النَّحْوِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَوْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ الْهِلالِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَزَارَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا خَيْرَ الرُّسُلِ! إِنَّ اللَّهَ [ ] أَنْزَلَ عليك
стр. 632
كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تواباً رحيماً﴾ ، إني جئتك مستغفراً إلى ربك من ذنوبي، مستشفعاً بك. ثم بكا وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالأَكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت، فرأيت رسول الله ﷺ في نَوْمِي وَهُوَ يَقُولُ: الْحَقِ الرَّجُلَ، فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ بِشَفَاعَتِي.
٤٧٨- أَخْبَرَنَا ابن ناصر، قال: أنبأنا أحمد بن علي بن خلف، قال: أنبأ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْخَيْرِ الأَقْطَعَ يَقُولُ: دَخَلْتُ مَدِينَةَ الرَّسُولِ ﷺ وَأَنَا بِفَاقَةٍ، فَأَقَمْتُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مَا ذُقْتُ ذَوَاقًا، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْقَبْرِ وَسَلَّمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 633
وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقُلْتُ: أَنَا ضَيْفُكَ اللَّيَلَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَتَنَحَّيْتُ وَنِمْتُ خَلْفَ الْمِنْبَرِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ وَعُمَرُ عن شماله وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَرَّكَنِي عَلِيٌّ وَقَالَ لِي: قُمْ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقَبَّلْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ رَغِيفًا، فَأَكَلْتُ نِصْفَهُ وَانْتَبَهْتُ، فَإِذَا فِي يَدِي نِصْفُ رغيف.
٤٧٩- أخبرنا ابن المبارك بن علي، قال: أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الخبرية، قالت: أخبرنا علي بن الحسن، قال: أنبأ أحمد بن محمد بن خالد، قثنا ابن المغيرة، قثنا أحمد بن سعيد، قثنا الزبير [بن بكار] ، قال: أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (وَكَانَ مصعب يصلي في اليوم والليلة أَلْفَ رَكْعَةٍ وَيَصُومُ الدَّهْرَ) ، قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً في المسجد بعدما خرج الناس منه، فإذا برجل قد جاء إلى بيت النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى الْجِدَارِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تعلم أني كنت أمس صائماً، ثم أمسيت فلم أفطر على شيء، اللهم فإني أَمْسَيْتُ أَشْتَهِي الثَّرِيدَ، فَأَطْعِمْنِيهِ مِنْ عِنْدِكَ.
قَالَ: فنظرت إلى وصيف داخل من خوخة المنارة، ليس في خلقة وصفاء الناس [أوجه منه] ، مَعَهُ قَصْعَةٌ، فَأَهْوَى بِهَا إِلَى الرَّجُلِ، فَوَضَعَهَا بين يديه،
стр. 634
وجلس الرجل يأكل وحصبني فقال: هلم. فجئته وظننت أَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ آكُلَ مِنْهَا، فَأَكَلْتُ مِنْهَا لُقْمةً، فَأَكَلْتُ طَعَامًا لا يُشْبِهُ طَعَامَ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَشَمْتُ، فَقُمْتُ، فَرَجَعْتُ لِمَجْلِسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَكْلِهِ، أَخَذَ الْوَصِيفُ الْقَصْعَةَ، ثُمَّ أَهْوَى رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وقام الرجل منصرفاً، فتبعته لأَعْرِفَهُ، فَلا أَدْرِي أَيْنَ سَلَكَ، فَظَنَنْتُهُ الْخَضِرَ ﵇.
وَرُوِيَ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُتَعَبِّدَاتِ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ [﵂] : اكْشِفِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَكَشَفَتْ لَهَا، فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ.
- وَأَنْشَدَ بَعْضُ زُوَّارِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :
стр. 635
أَتَيْتُكَ زَائِرًا وَوَدِدْتُ أَنِّي ... جَعَلْتُ سَوَادَ عَيْنِي أمتطيه
وما لي لا أسير على المآقي ... إِلَى قبرٍ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِ
стр. 636
بَابُ ذِكْرِ الْبَقِيعِ وَصَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] عَلَى أَهْلِهِ
٤٨٠- رَوَى مُسْلِمٌ في أفراده من حديث عائشة، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخِرَ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ:
((السَّلامُ عَلَيْكُمْ دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، إنا إنشاء اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَهْلِ بَقِيعِ الغرقد)) .
٤٨١- وفي أفراده من حديثها [﵂] ، قَالَتْ: لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] عِنْدِي، انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضجع، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلا رَيْثَمَا ظَنَّ أَنِّي قَدْ رقدت، فأخذ رداءه رويداً، وانتعل رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ رُوَيْدًا، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ رويداً، وجعلت دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ
стр. 637
إِزَارِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثلاث مرات، ثم انحرف وانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، وأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن انضجعت فَدَخَلَ، فَقَالَ:
((مَا لَكَ يَا عَائِشَةُ حَشْيًا رابيةً؟)) .
قالت: قلت: لا شيء. قال:
((لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير؟)) .
فأخبرته، فقال:
((أنت السواد الذي رأيته أمامي؟)) .
قلت: نعم. فنهرني في صدري لهزة أوجعتني، ثم قال:
((أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟)) .
قالت: قلت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم.
قال:
((فإن جبريل أتاني حين رأيت فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يكن يدخل علي، وقد وضعت ثيابك وظننت أَنْ قَدْ رَقَدْتِ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تأتي أهل البقيع،
стр. 638
فتستغفر لهم)) .
قالت: وكيف أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
((قُولِي: السَّلامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله المستقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون)) .
٤٨٢- وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ)) مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ وَسَلَّمَ نُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ، فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا مِنْهَا، فَإِذَا قبور، فقلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟ قَالَ:
((قُبُورُ أَصْحَابِنَا)) .
فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، قَالَ:
((هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا)) .
٤٨٣- أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ الله، قال: أخبرنا ابن البسري، قال: أنبأ ابن بطة، قال: حدثني موسى بن محمد، قثنا يوسف بن محمد بن صاعد، قثنا
стр. 639
شريح، قثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، ثم أبو بكر، ثم عمر [﵄] ، ثم نأتي أَهْلُ الْبَقِيعِ، فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مكة بين الحرتين)) .
٤٨٤- أنبأنا ابن ناصر، قال: أنبأ إسماعيل بن مسعدة، قال: أنبأ أبو إبراهيم النصراباذي، قال: أنبأ المغيرة بن عمرو، قثنا المفضل بن محمد، قثنا يونس بن محمد، قثنا يزيد بن أبي حكيم، قال: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ:
((مَنْ مَاتَ في أحد الْحَرَمَيْنِ، بُعِثَ فِي الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
стр. 640
٤٨٥- وبه حدثنا المفضل، قثنا عبد الوهاب بن فليج، ثنا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((مَنْ مَاتَ فِي أحد الحرمين، بعث يوم القيامة في الآمنين)) .
стр. 641
باب ذكر بقاع بالمدينة يستحب زيارتها والتبرك بها والصلاة عندها
اعلم أن من دخل المدينة، فليخطر على قلبه أنها المدينة التي اختارها الله تعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ، وَلْيَتَخَايَلْ تَرَدُّدَهُ ﷺ فِيهَا وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا، فَكُلُّهَا شَرِيفَةٌ وَإِنْ خُصَّتْ مِنْهَا مَوَاضِعُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] ، فَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنَ الصَّلاةِ فِيهِ، وخصوصاً في الروضة [النبوية] .
وَذَكَرْنَا مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَيُسْتَحَبُّ الصَّلاةُ فِيهِ.
وَهُنَاكَ مسجد يقال له: مسجد الفتح، وحوله مساجد.
٤٨٦- روى جابر بن عبد الله [﵄] ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِمَسْجِدِ الْفَتْحِ الَّذِي فِي الْجَبَلِ، وَقَدْ حَضَرَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ، فَرَقَى، فَصَلَّى
стр. 642
فِيهِ.
٤٨٧- وَرَوَى هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده [﵁] ، أَنّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دعى يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَلَى الأَحْزَابِ فِي مَوْضِعِ الأُسْطُوَانَةِ الْوُسْطَى مِنْ مَسْجِدِ الْفَتْحِ الَّذِي عَلَى الْجَبَلِ.
٤٨٨- أخبرنا هبة الله بن محمد، قال: أنبأ الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قثنا أبو عامر، قثنا كثير (يعني: ابن زيد) ، قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كعب بن مالك، قال: حدثني جَابِرٍ [﵁] ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دعى فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلاثَاءِ وَيَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصلاتين، فعرف البشر في وجهه.
وقد صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ، وَمَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ومسجد بني عضية، وَمَسْجِدِ بَنِي حَارِثَةَ، وَمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، وَمَسْجِدِ بني
стр. 643
ظَفَرٍ، وَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ حَجَرٌ جَلَسَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَلَّ امرأة يصعب حَمْلُهَا تَجْلِسُ عَلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ، إِلا حَمَلَتْ.
وصلى في مسجد الجبل، ومسجد بني الحارث من الخزرج، ومسجد السنح، ومسجد بني الخطمة، وَمَسْجِدِ بَنِي وَائِلٍ، وَمَسْجِدِ الْعَجُوزِ فِي بَنِي الخطمة، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي بَيَاضَةَ، وَفِي مَسْجِدِ بَنِي وَاقِفٍ، وَفِي بَيْتِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَفِي دَارِ الشِّفَاءِ، وَفِي مَوَاضِعَ يَطُولُ ذِكْرُهَا، فَيُسْتَحَبُّ تَتَبُّعُهَا لِمَنْ عَرَفَهَا بالمدينة.
وكذلك الأبيار الَّتِي شَرِبَ مِنْهَا رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] ، والأماكن التي جلس فيها.
стр. 644
وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْبَقِيعِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَمَنْ دَخَلَهُ، فَلَيَزُرْ إِبْرَاهِيمَ وَلَدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعُثْمَانَ، وَالْعَبَّاسَ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَمَنْ هناك مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَلْيَزُرْ جَبَلَ أُحُدٍ وَمَنْ عِنْدَهُ من الشهداء، وليبدأ بقبر حمزة ﵇.
٤٨٩- وَقَدْ رَوَى أَبُو مصعبٍ، عَنِ الْعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَةٌ لِي وَكَانَتْ مِنَ العوابد، قالت: ركبت يوماً حتى جِئْتُ قَبْرَ حَمْزَةَ، فَصَلَّ يْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلا وَاللَّهِ مَا فِي الْوَادِي داعٍ وَلا مُجِيبٌ، وَغُلامِي آخِذٌ بِرَأْسِ دَابَّتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ مَنْ صَلاتِي قُمْتُ، فَقُلْتُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، وَأَشَرْتُ بيدي إلى قبر حمزة، فَسَمِعْتُ رَدَّ السَّلامِ عَلَيَّ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ، أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه [ ] خَلَقَنِي، فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي، فَدَعَوْتُ الْغُلامَ وركبت [دابتي] .
فَصْلٌ
فَإِذَا خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَلَدِهِ، فَلْيَقُلْ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا، حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وحده.
آخر المتعلق بالمدينة
стр. 645
فصل
لَمَّا ذَكَرْنَا زِيَارَةَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْبَقِيعِ، آثَرْنَا أَنْ نَذْكُرَ أشياء تتعلق بالقبور تجمع مواعظ.
стр. 646
باب الاتعاظ بالقبور
٤٩٠- أخبرنا ابن الحصين، قال: أنبأ ابن المذهب، قال: ثنا أبو بكر بن مالك، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني يحيى بن معين، قال: ثنا هشام بن يوسف، قال: حدثني عبد الله بن أبي يحيى القاص، عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار، فلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال:
((القبر أول منازل الآخرة، فإن تنج منه، فما بعده أيسر منه، فإن لم تنج منه، فما بعده أشد منه)) .
قال: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ منه)) .
стр. 647
٤٩١- أخبرنا ابن الحصين، قال: أنبأ ابن المذهب، قال: أنبأ ابن مالك، قال: ثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا عبد الله بن واقد، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عازب [﵁] ، قال: بينا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إذ بصر بجماعة، فقال:
((على ما اجتمع هؤلاء؟)) .
قيل: على قبر يحفرونه. فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِهِ مُسْرِعًا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَبْرِ، فَجَثَى عَلَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَقْبَلْتُهُ مِنْ بين يديه لأنظر ما يَصْنَعُ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى مِنْ دُمُوعِهِ، وأقبل عَلَيْنَا، فَقَالَ:
((أَيْ إِخْوَانِي! لِمِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فأعدوا)) .
٤٩٢- وروى بُرَيْدَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال:
стр. 648
((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَمَنْ أَرَادَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ، فَلْيَزُرْ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ)) .
٤٩٣- وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال:
((زُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّ فِيهَا عِظَةٌ)) .
٤٩٤- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن أبي منصور، قال: أنبأ عبد القادر بن يوسف، قال: أنبأ أبو الحسين بن الأبنوسي، قال: أنبأ ابن شاهين إجازة، قال: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ محمد الخطابي، قال: ثنا عبيد الله بن محمد العيش، قال: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبُعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بن دينار يقول:
أتيت القبور فناديتها ... أين المعظم والمحتقر
وأين المدل بِسُلْطَانِهِ ... وَأَيْنَ الْعَزِيزُ إِذَا مَا قَدَرْ
وَأَيْنَ الملبي إذا ما دعي ... وَأَيْنَ الْغَنِيُّ إِذَا مَا افْتَخَرْ
قَالَ: فَهَتَفَ بي هاتف:
стр. 649
تفانوا هناك فَمَا مَخْبِرٌ ... وَبَادُوا جَمِيعًا وَبَادَ الْخَبَرْ
تَرُوحُ وتغدوا بَنَاتُ الثَّرَى ... فَتُبْلَى مَحَاسِنُ تِلْكَ الصُّوَرْ
فَيَا سائلي عن أناس مضوا ... أما لك فيما ترى معتذر
٤٩٥- أنبأنا الجريري، قال: أنبأ أبو بكر الخياط، قال: أنبأ ابن دوست، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ عمرو بن الحصين، قال: حدثني يحيى بن العلاء، قال: ثنا زَيْدٌ الْعَمِّيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ جِنَازَةَ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (يَعْنِي هِشَامًا) ، فَسَمِعْتُ كَاتِبَهُ يَقُولُ:
وَمَا سالم عما قليل بسالم ... ولو كثرت أحراسه وكتائبه
ومن يك ذا باب شديد وَحَاجِبٍ ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَهْجُرُ الْبَابَ حَاجِبُهُ
وَيَصُبْحُ بعد الحجب للناس عِبْرَةٌ ... رَهِينَةُ بَيْتٍ لَمْ تُسْتَرْ جَوَانِبُهُ
فَمَا كَانَ إِلا الدَّفْنُ حَتَّى تَحَوَّلَتْ ... إِلَى غَيْرِهِ أجناده ومواكبه
فأصبح مَسْرُورًا بِهِ كُلُّ كَاشِحٍ ... وَأَسْلَمَهُ جِيرَانُهُ وَأَقَارِبُهُ
وقيل لبعض الحكماء: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأَمْوَاتِ.
- وَقَالَ أَبِوُ مِحْرِزٍ الطُّفَاوِيُّ:
стр. 650
((كفتك القبور مواعظ الأمم السابقة)) .
- وَكَانَ مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ قَدِ احْتَفَرَ قَبْرًا لِنَفْسِهِ، فَكَانَ يَطَّلِعُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ إِطْلاعَةً.
- وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ:
نَحْنُ رَهَائِنُ الأموات، وهم علينا محبسون حتى ترد إِلَيْهِمُ الرَّهَائِنَ، فَيُحْشَرُونَ جَمِيعًا.
- وَنَظَرَ ابْنُ السَّمَّاكِ إلى المقبرة، فقال:
لا يغرنكم سكون هَذِهِ الْقُبُورِ، فَمَا أَكْثَرَ الْمَغْمُومِينَ فِيهَا، وَلا يغرنكم استواءها، فَمَا أَشَدَّ تَفَاوُتِهِمْ فِيهَا.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حرب: لو أن أهل الحياة وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلْنَا، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ منهم أحد، وقيل لَهُمُ: امْحُوا مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا شِئْتُمْ، وَزِيدُوا فِي حَسَنَاتِكُمْ مَا شِئْتُمْ، لَمَحَوْا ذُنُوبَهُمْ، وَزَادُوا في حسناتهم أضعافها، وقد أعطينا نحن ذلك ولا نَغْتَنِمُهُ، يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَهْدِمَ خَطَايَا سَبْعِينَ سَنَةً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
- وَمَرَّ ابْنُ عُمَرَ [﵁] عَلَى مَقْبُرَةٍ، فَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ
стр. 651
وَقَالَ: ذَكَرْتُ أَهْلَ الْقُبُورِ وَكَيْفَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بذلك.
وقام الحسن [﵀] على شفير قبر، فقال: إِنَّ أَمْرًا هَذَا آخِرُهُ، لَحَقِيقٌ أَنْ يَزْهَدَ في أوله، وإن أمراً هذا أوله، لحقيق أن يخاف آخره.
وقف الفضل الرِّقَاشِيُّ عَلَى الْمَقَابِرِ، فَقَالَ:
يَا أَهْلَ الدِّيَارِ الْمُوحِشَةِ، وَالْمَحَالِّ الْمُقْفِرَةِ! الَّتِي نَطَقَ بِالْخَرَابِ فَنَاؤُهَا، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، لا يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصَلَ الإِخْوَانِ، وَلا يَتَزَاوَرُونَ تَزَاوُرَ الْجِيرَانِ، قَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَهُمُ الْجَنْدَلُ وَالثَّرَى، عَلَيْكُمْ مِنَّا السَّلامُ ومن ربكم الإكرام.
جاز رجل على مقبرة، فأنشد:
سلام على أهل القبور الدوارس ... كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة ... ولم يأكلوا مِنْ بَيْنِ رَطْبِ وَيَابِسِ
أَلا خَبِّرُونِي أَيْنَ قبر ذليلكم ... وقبر العزيز الباذخ المتشاوس
وأنشد آخر:
تناجيك أَجْدَاثٌ وَهُنَّ صُمُوتُ ... وَأَجْسَامُهُمْ تَحْتَ التُّرَابِ خُفُوتُ
стр. 652
أَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلاغَةٍ ... لِمَنِ تَجْمَعُ الدُّنْيَا وَأَنْتَ تَمُوتُ
وَأَنْشَدَ آخَرُ:
كَأَنِّي بِأَصْحَابِي عَلَى حَافَّتَيْ قَبْرِي ... يُهِيلُونَ مِنْ فَوْقِي وَأَعْيُنُهُمْ تجري
ستنسون أيامي إذا ما رجعتم ... وغادرتموني رهن داوية فقري
ألا أيها المذن عَلَيَّ دُمُوعَهُ ... سَتُقْصِرُ فِي يَوْمَيْنِ عَنِّي وَعَنْ ذكري
عفى اللَّهُ عَنِّي يَوْمَ أُصْبِحُ ثَاوِيًا ... أُزَارُ فَلا أدري وأجفا فَلا أَدْرِي
خَرَجَ عَطَاءٌ السُّلَيْمِيُّ إِلَى الْمَقْبُرَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطَهَا، نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
أَهْلَ الْمَقَابِرِ قَدْ تَسَاوَى بَيْنَكُمْ ... أَيْنَ الْوَضِيعُ من الكريم السيد
أين الملوك بني الْمُلُوكِ وَأَيْنَ مَنْ ... قَدْ كَانَ فِي الدُّنْيَا قليل المحفد
أين الحسان ذوي النضارة والنهى ... أَيْنَ الْمَلِيحُ مِنَ الْقَبِيحِ الأَسْوَدِ
أَيْنَ الَّذِينَ تَجَبَّرُوا وَتَعَظَّمُوا ... وَعَتَوْا عُتُوًّا لَمْ يَكُنْ بِالْمُرْشِدِ
فأجابه مجيب من قبر:
إن المنية عافصتهم بَغْتَةً ... فَهُمُ خُمُودٌ جَوْفَ قَبْرٍ مُلْحَدِ
قَدْ دبت الديدان في أحشائهم ... وَسَعَتْ هَوَامُّ الأَرْضِ فِي الْوَجْهِ النَّدِي
كَمْ من وجوه قد تناثر لحمها ... ومفاصل باتت وبان من اليد
стр. 653
بات بَعْضُ الْعُبَّادِ فِي بَعْضِ الْمَقَابِرِ لَيْلَةً، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ فِي آخِرِ اللَّيْلِ:
وَقِفْ بِالْقُصُورِ عَلَى دجلةٍ ... حَزِيَنًا وَقُلْ أَيْنَ أَرْبَابُهَا
وَأَيْنَ الْمُلُوكُ وُلاةُ الْعُهُودِ ... رُقَاةُ الْمَنَابِرِ غِلابُهَا
تُجِيبُكَ آثَارُهُمْ عَنْهُمْ ... إِلَيْكَ فَقَدْ مَاتَ أَصْحَابُهَا
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ الْمَقَابِرِ:
أَلا يَا عَسْكَرَ الأَحْيَاءِ ... هَذَا عَسْكَرُ الْمَوْتَى
أَجَابُوا الدَّعْوَةَ الصُّغْرَى ... وَهُمْ مُنْتَظِرُو الْكُبْرَى
يَحَثُّونَ عَلَى الزَّادِ ... وَلا زَادَ سوى التقوى
يقولون لكم جدوا ... فهذا آخر الدنيا
وَأَنْشَدَ آخَرُ:
كَمْ بِبَطْنِ الأَرْضِ ثاوٍ ... مِنْ وَزِيرٍ وَأَمِيرِ
وَصَغِيرُ الشَّأْنِ عَبْدٌ ... خَامِلُ الذِّكْرِ حَقِيرِ
لَوْ تَأَمَّلْتَ قُبُورَ الْقَوْمِ ... فِي يَوْمٍ قصير
لم تميزهم ولم تعرف ... غنياً من فقير
стр. 654
باب كلام القبر
٤٩٦- أخبرنا الكروخي، قال: أنبأ الغورجي، قال: أنبأ الجراحي، قال: أنبأ المحبوبي، قال: ثنا الترمذي، قال: ثنا محمد بن أحمد وهو ابن مدويه، قال: ثنا القاسم بن الحكم العرني، قال: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَافِيُّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عن أبي سعيد [﵁] ، قَالَ:
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مصلاه، فرأى ناساً يَكْتَشِرُونَ، قَالَ:
((أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هاذم اللذات، لشغلكم عما أرى، فأكثروا ذكر هاذم اللذات الموت، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ، فَيَقُولُ: أَنَا
стр. 655
بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التراب، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ، قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فإذا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ، فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ، فَيَتَّسِعُ [لَهُ] مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ، قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لا مَرْحَبًا وَلا أَهْلا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي على ظهري إلي، فإذا وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ، فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ. قال: فيلتئم عليه حتى تلتقي وتختلف بأضلاعه)) .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ [ ﷺ ] بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض، قال:
((وقيض لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا، لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ، مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إلى الحساب)) .
стр. 656
[قال] : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
((إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حفرة من حفر النار)) .
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لَيْسَ مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ، إِلا نَادَتْهُ حُفْرَتُهُ الَّتِي يُدْفَنُ فِيهَا: أنا بيت الظلمة والوحدة، فإن كنت في حياتك مطيعاً، كُنْتُ الْيَوْمَ عَلَيْكَ رَحْمَةً، وَإِنْ كُنْتَ لِرَبِّكَ فِي حَيَاتِكَ عَاصِيًّا، فَإِنَّا الْيَوْمَ عَلَيْكَ نِقْمَةٌ، أَنَا الْبَيْتُ الَّذِي مَنْ دَخَلَنِي مُطِيعًا، خَرَجَ مِنِّي مَسْرُورًا، وَمَنْ دَخَلَنِي عَاصِيًّا، خَرَجَ مِنِّي مثبوراً.
وقال محمد بن صبيح: بلغنا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، فَعُذِّبَ أو صابه بَعْضُ مَا يَكْرَهُ، نَادَاهُ جِيرَانُهُ مِنَ الْمَوْتَى: أَيُّهَا الْمُخْلَفُ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِخْوَانِهِ وَجِيرَانِهِ! أما كان لك فينا معتبراً، ما كان لك في تقدمنا إياك فكرة، أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا وَأَنْتَ فِي الْمُهْلَةِ، فَهَلا اسْتَدْرَكْتَ؟ هَلا اعْتَبَرْتَ من غُيِّبَ مِنْ أَهْلِكَ فِي بَطْنِ الأَرْضِ مِمَّنْ غَرَّتْهُ الدُّنْيَا قَبْلَكَ؟
٤٩٧- وَفِي الْحَدِيثِ:
стр. 657
((مَا مِنْ يَوْمٍ إِلا وَالأَرْضُ تُنَادِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! تَمْشِي عَلَى ظَهْرِي ثُمَّ مَصِيرُكَ إِلَى بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ! تَفْرَحُ عَلَى ظَهْرِي وَتَحْزَنُ فِي بَطْنِي، يَا ابن آدم! تذنب على ظهري تم تُعَذَّبُ فِي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ! تَضْحَكُ عَلَى ظَهْرِي ثُمَّ تَبِكي فَي بَطْنِي، يَا ابْنَ آدَمَ! تَأْكُلُ الْحَرَامَ عَلَى ظَهْرِي ثُمَّ يَأْكُلُكَ الدُّودُ فِي بَطْنِي)) .
стр. 658
بَابٌ مُنْتَخَبٌ مِنْ مَحَاسِنِ مَا كُتِبَ عَلَى الْقُبُورِ
٤٩٨- قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عن أبي طاهر بن الصفر، قال: أخبرنا هبة الله بن إبراهيم الصواف، قال: أنبأ الحسن بن إسماعيل الصواف، قال: ثنا أحمد بن مروان، قال: ثنا أحمد بن محمد البغدادي، قال: ثنا عَبْدُ الْمُنْعِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أُصِيبَ عَلَى قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ مكتوب في حجر:
إلهي جهولاً أَمَلُّهُ ... يَمُوتُ مَنْ جَاءَ أَجَلُهُ
وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهِ ... لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهُ
وَكَيْفَ يبق آخَرُ ... قَدْ مَاتَ عَنْهُ أَوَّلُهُ
٤٩٩- أَنْبَأنَا أَبُو القاسم الحريري، قال: أنبأ أبو بكر محمد بن علي المقري، قال: أنبأ ابن دوست العلاف، قال: ثنا ابن صفوان، قال: ثنا عبد الله بن محمد القرشي، قال: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى قبر على شاطئ الزاب مكتوب:
стр. 659
يَا عَجَبًا لِلأَرْضِ مَا تَشْبَعْ ... وكُلُّ حَيٍّ فوقها يفجع
ابتلعت عاداً فأفنتهم ... وبعد عادٍ هلكت تُبَعْ
وَقَوْمَ نُوحٍ أَدْخَلَتْ بَطْنَهَا ... فَظَهْرُهَا مِنْ جَمْعِهِمْ بَلْقَعْ
يَا أَيُّهَا الرَّاجِي لِمَا قَدْ مضى ... هل لك فيما قد مضى مطمع
٥٠٠- وبه حدثنا القرشي، قال: أخبرني محمد بن الحسين، قال: أخبرني أَبُو عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن صدقة بن مرداس الْبَكْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْبُرٍ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ، فَإِذَا عَلَى أحدها مكتوب:
وكيف يلذ العيش وهو عَالِمٌ ... بِأَنَّ إِلَهَ الْخَلْقِ لا بُدَّ سَائِلُهُ
فَيَأْخُذُ مِنْهُ ظُلْمَهُ لِعِبَادِهِ ... وَيَجْزِيهِ بِالْخَيْرِ الَّذِي هو فاعله
وإذا على القبر الثاني:
وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ كَانَ مُوقِنًا ... بِأَنَّ المنايا بغتة ستعاجله
فتسلبه ملكاً عظيماً ونحوه ... وَتُسْكِنُهُ الْبَيْتَ الَّذِي هُوَ آهِلُهُ
وَإِذَا عَلَى القبر الثالث:
وكيف يلذ العيش من كان صائراً ... إلى جدث تبلى الشَّبَابَ مَنَاهِلُهُ
وَيُذْهِبُ رَسْمَ الْوَجْهِ مِنْ بَعْدِ موته ... وَيَبْلَى سَرِيعًا جِسْمُهُ وَمَفَاصِلُهُ
أَصْلَحْتُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ كَلِمَةً حَتَّى اسْتَقَامَ.
стр. 660
٥٠١- أخبرنا عبد الله بن علي المقرئ، قال: أخبرنا الحسين بن أحمد النعالي، قال: أنبأ أبو الحسن بن الحجاج، قال: ثنا عثمان بن أحمد الدقاق، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الختلي، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ الشَّاعِرُ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى قَبْرٍ:
الْمَوْتُ أَخْرَجَنِي مِنْ دَارِ مَمْلَكَتِي ... فَالتُّرْبُ مُضْطَجَعِي مِنْ بعد تتريف
لله عبد رأى قبري فأحزنه ... وهاب من دهره ريب التصاريف
هذا مصيري ذَوِي الدُّنْيَا وَإِنْ ... جَمَعُوا فِيهَا وَغَرَّهُمْ طُولُ التساويف
أستغفر الله من عمدي ومن خطأي ... وَأَسْأَلُ اللَّهَ فَوْزِي يَوْمَ تَوْقِيفِي
-قَالَ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ: وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ:
أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي ... وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلاصِ
أَطَاعَ اللَّهَ قَوْمٌ فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي
٥٠٢- وبالإسناد حدثنا إسحاق الختلي، قال: ثنا علي بن مسلم، قال: ثنا سيار، ثنا جَعْفَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ دَينَارٍ يَقُولُ: ((مَرَرْتُ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَإِذَا قَبْرٌ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ:
يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ سِيرُوا إِنَّ قَصْرَكُمْ ... أَنْ تصحبوا ذَاتَ يَوْمٍ لا تَسِيرُونَا
حُثُّوا الْمَطَايَا وَارْخُوا من أزمتها ... قبل الممات وقصوا ما تقصونا
٥٠٣- قَالَ إِسْحَاقُ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قال: حدثني محمد بن أبي العتاهية، قال: ثنا هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [﵄] ، قَالَ:
стр. 661
أصبت في الجاهلية جمجمة عليها مكتوب:
أذن حي تسمعي ... وقفي ثُمَّ عِي وَعِي
أَنَا رَهْنٌ بِمَصْرَعِي ... فَاحْذَرِي مِثْلَ مَصْرَعِي
قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وزادني فيه بعض أصحابنا:
ليس شيء سوى التقى ... فخذي منه أو دعي
٥٠٤- قال إسحاق: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي صَدِيقٌ لِي، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى قَبْرٍ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّي قَدْ ... صِرْتُ فِي الْقَبْرِ وَحْدِي
فَلَسْتُ أَعْرِفُ شَيْئًا ... مِنْ أَمْرِ مُلْكِي بَعْدِي
مُسْتَوْحِشٌ ذو ذنوب ... خطيت فيها بجهدي
فاغفر إلهي جرمي ... وكم يد لك عِنْدِي
أَنْتَ الْجَوَّادُ بِفَضْلٍ ... فَأَحْسِنِ الْيَوْمَ رِفْدِي
٥٠٥- قال إسحاق: وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُسَامَةَ يقول: وجد عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
قَبْرُ عَزِيزٍ عَلَيْنَا ... لَوْ أَنَّهُ كَانَ يُفْدَى
أَسْكَنْتُ قُرَّةَ عَيْنِي ... وَمُنْيَةَ النَّفْسِ لَحْدَا
مَا جَارَ خَلْقٌ عَلَيْنَا ... وَلا القضا تعدى
стр. 662
والصبر أحسن شيء ... به الفتى يتردى
٥٠٦- قال إسحاق: قال: ثنا محمد بن أبي رجاء، قال: أخبرني الحسن بن محمد، أنه رأى عَلَى قَبْرٍ:
وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ ... فِطْرٌ ولا أضحى ولا عشر
نائي من الأهل على قربه ... كذلك مَنْ مَسْكَنُهُ الْقَبْرُ
٥٠٧- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي منصور والمبارك بن علي، قال: أنبأ أبو الحسن بن العلاف، قال: أنبأ أبو الحسن الحمامي، قال: أنبأ جعفر الخلدي، قال: حدثني إبراهيم بن نصر، قال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ يَقُولُ: مَرَرْتُ بِبَعْضِ بِلادِ الشَّامِ، فرأيت مقبرة، وإذا قبر عالٍ مشرف عليه كتاب، فقرأته، فَإِذَا فِيهِ عِبَرٌ وَكَلامٌ حَسَنٌ، وَكَانَ يَقُولُهُ كثيراً:
ما أحد أكرم في قبره ... من مفرد أعماله تؤنسه
стр. 663
مُنَعَّمٌ فِي الْقَبْرِ فِي رَوْضَةٍ ... زَيَّنَهَا اللَّهُ فَهِيَ مَجْلِسُهْ ...
٥٠٨- قَالَ: وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، قال: مررت في بعض جبال الشام، فإذا حَجَرٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ:
كلُّ حَيٍّ وَإِنْ بَقِي ... فَمِنَ الْعُمُرِ يَسْتَقِي
فَاعْمَلِ الْيَوْمَ وَاجْتَهِدْ ... وَاحْذَرِ الموت يا شقي
فبينا أنا واقف أقرأه وأبكي، إذا أَنَا بِرَجُلٍ أَشْعَثَ أَغْبَرَ عَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِنْ شَعْرٍ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ فَرَأَى بُكَائِي.
فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: قَرَأْتُ هَذَا النَّقْشَ فَأَبْكَانِي. فَقَالَ: وَأَنْتَ لا تَتَّعِظُ، وَتَبْكِي حَتَّى تُوعَظَ. ثُمَّ قَالَ: سِرْ مَعِي حَتَّى أُقْرِئَكَ غيره. فمضيت معه غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِذَا أَنَا بِصَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: اقْرَأْ وَابْكِ وَلا تُقَصِّرْ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وتركني، فَإِذَا فَي أَعْلاهَا:
لا تَبْتَغِي جَاهًا وَجَاهُكَ ساقط ... عند المليك وكن بجاهك مُصْلِحَا
وَفِي الْجَانِبِ الأَيْمَنِ:
مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ... لاقَى هُمُومًا كَثِيرَةَ الضَّرَرِ
стр. 664
وَفِي الْجَانِبِ الأَيْسَرِ:
مَا أَزْيَنَ التُّقَى ... وَمَا أقبح الخنا
وكل مأخوذ بما جنا ... وعند الله الجزا
وَفِي أَسْفَلِ الْمِحْرَابِ:
إِنَّمَا الْفَوْزُ وَالْغِنَى ... فِي تُقَى اللَّهِ وَالْعَمَلِ
فَلَمَّا تَدَبَّرْتُهُ وَكَتَبْتُهُ، الْتَفَتُّ إِلَى صَاحِبِي فَلَمْ أَرَهْ، فَلا أَدْرِي مَضَى، أو حجب عني؟
٥٠٩- أنبأنا الجريري، قال: أنبأ أبو بكر الخياط، قال: أنبأ ابن دوست، قال: أنبأ ابن صفوان، قال: ثنا أبو بكر القرشي، قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أبو عمر العدني، قال: حدثني سيف ابن بِشْرٍ الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى وَادِي حَضْرَمَوْتَ، فإذا أنا بقبر من قبور أولئك الأولين مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بِالْحِمْيَرِيَّةِ:
أَنَا ابْنُ مَنْ عَمَّرَ الدنيا ليسكنها ... فأخربت نفسه الأقدار والأجل
стр. 665
٥١٠- وبه حدثنا القرشي، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جعفر، قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ الْمَكِّيُ، قَالَ: خَرَجْتُ يَوْمًا وَأَنَا أُرِيدُ الطَّائِفَ، فَحَادَتْ بِي رَاحِلَّتِي عن الطريق، فانتهيت إلى عين ماء وإذا بِقَبْرٍ عِنْدَ الْعَيْنِ جَدِيدٍ فِي مَوْضِعٍ مُنْقَطِعٍ مِنَ النَّاسِ، لا يَكَادُ يَمُرُّ عَلَيْهِ، إِلا راعٍ أو ضالٍ، وإذا عَلَى الْقَبْرِ مَكْتُوبٌ:
رَحِمَ اللَّهُ مَنْ بَكَى ... لغريب فقد عفا
غير القبر وجهه ... فمحى الْحُسْنَ وَالصَّفَا
قَالَ: فَبَكَيْتُ وَاللَّهَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى اشتفيت.
٥١١- وبه ثنا القرشي، قال: حدثني إبراهيم بن يعقوب، قال: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى قَبْرٍ بِشِيرَازَ:
ذَهَبَ الأَحِبَّةُ بَعْدَ طُولِ تَوَدُّدٍ ... وَنَأَى المْزَارُ فَأَسْلَمُوكَ وَأَقْشَعُوا
خَذَلُوكَ أَفْقَرَ مَا تكون بغربة ... لَمْ يُؤْنِسُوكَ وَكُرْبَةً لَمْ يَدْفَعُوا
قَضَى الْقَضَاءُ وصرت صاحب حفرة ... عنك الأحبة عرضوا وتصدعوا
٥١٢- وبه ثنا القرشي، قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: قرئ عَلَى قَبْرٍ بِالْبَصْرَةِ:
لَئِنْ كُنْتَ لَهْوًا لَلْعُيُونِ وقرة ... لقد صرت سقماً للقلوب الصحايح
وَهَوَّنَ وَجْدِي أَنَّ يَوْمَكَ مُدْرِكِي ... وَأَنِّي غَدًا من أهل تلك الضرايح
٥١٢- قال القرشي: وحدثني أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، أَنَّهُ قَرَأَ
стр. 666
على حائط مقبرة:
يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقُبُورِ ... بَيْنَ أُنَاسٍ غُيَّبٍ حضور
قد سكنوا في خرب معمور ... بين الثرى وجندل الصخور
لا تك في خطك فِي غُرُورِ ...
٥١٣- قَالَ الْقُرُشِيُّ: وَكَانَ عَلَى قَبْرٍ مكتوب:
صرت بعد النعيم في منزل البعد والقلى ... وجفاني أحبتي حين غيبت في الثرى
أخلق الموت جدتي ومحى حسني البلى ...
٥١٤- وَكَانَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
سَلَبَ الْمَوْتُ مُهْجَتِي وَشَبَابِي ... وَجَفَانِي فِي غُرْبَتِي أَحْبَابِي
بَعْدَ مُلْكٍ وظل عيش عجيب ... صرت رهناً بجندل وتراب
٥١٥- قال: وكان عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
عِشْتُ دَهْرًا فِي نَعِيمٍ ... وَسُرُورٍ وَاغْتِبَاطِ
ثُمَّ صَارَ الْقَبْرُ بَيْتِي ... وَثَرَى الأرض بساط
٥١٦- وَبِهِ حَدَّثَنَا الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ إِلَى مَقَابِرِ الْبَصْرَةِ، فبينا هُوَ يَتَخَطَّاهَا، إِذْ بَصُرَ بِقَبْرٍ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ:
يَا غَافِلَ الْقَلْبِ عَنْ ذِكْرِ الْمَنِيَّاتِ ... عَمَّا قَلِيلٍ سَتُثْوَى بَيْنَ أَمْوَاتِ
стр. 667
فَاذْكُرِ مَحِلَّكَ مِنْ قَبْلِ الْحُلُولِ بِهِ ... وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ لَهْوٍ وَلَذَّاتِ
إِنَّ الْحِمَامَ له وقت إلى أجل ... فاذكر مصايب أَيَّامٍ وَسَاعَاتِ
لا تَطْمَئِنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ... قَدْ حَانَ لِلْمَوْتِ يَا ذَا اللُّبّ أَنْ يأتي
٥١٧- وبه حدثنا القرشي، قال: حدثني محمد بن عمرو العنبري، قال: كنت بالجبان بالصبرة، فأصابتني السماء، فملت إلى قبة، فإذا هي مبنية على قبر، وإذا عليه مكتوب:
سيعرض عن ذكري وعيشي مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا انقطعت يوماً من العيش مدتي ... فإن غداً الباكيات قليل
٥١٨- وبه حدثنا القرشي، قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ، قال: قرأت على قبة على قبر مكتوب:
يا من يصير غداً إلى دار البلى ... ويفارق الأحباب والخلانا
إن الأماكن ما هناك عزيزة ... فاحتل لنفسك إن عقلت مكانا
٥١٩- وبه قال القرشي: وحدثني أبو بكر بن محمد، قال: كان عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
يَا أَيُّهَا الْوَاقِفُ بِالْقَبْرِ عِشَاءً وَسَحَرْ ... إِنَّ فِي الْقَبْرِ عِظَامًا بالياتٍ وَعِبَرْ
٥٢٠- قَالَ الْقُرَشِيُّ: وَقَرَأْتُ أَنَا عَلَى قَبْرٍ بالأبلة:
الْمَوْتُ بَحْرٌ غَالِبٌ مَوْجُهُ ... تَضِلُّ فِيهِ حِيلَةُ السابح
стр. 668
يَا نَفْسُ إِنِّي قَائِلٌ فَاسْمَعِي ... مَقَالَةً مِنْ مشفق ناصح
ما استصحب الإنسان في عمره ... مثل التقى والعمل الصالح
٥٢١- قال: ورأيت عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
يَا مَنْ أَبْطَرَهُ الْغِنَى، وأسكرته شهوات الدنيا! استعدوا للسفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل البلى.
٥٢٢- قال: وحدثني أبي عن شيخ من ثقيف، قال:
رأيت في حفيرة بالحيرة حجراً منقوراً فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حبان:
حييت الدهر أشطره حياتي ... وَنِلْتُ مِنَ الْمُنَى فَوْقَ الْمَزِيدِ
وَكَافَحْتُ الأُمُورَ وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلةٍ كؤود
وكنت أَنَالُ فِي الشَّرَفِ الثُّرُيَّا ... وَلَكِنْ لا سَبِيلَ إلى الخلود
٥٢٣- قال: وثنا أبو زكريا الْخَثْعَمِيُّ، قَالَ: أَوْصَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى قَبْرِهِ:
أَعَدَّ لِلَّهِ يَوْمَ ألقاه ... إِسْحَاقُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا هُو
يَقُولُهَا مخلصاً عساه بها ... يرحمه في القيامة الله
٥٢٤- قال: وحدثني الفضل بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ البجلي، قال: وجد على قبر عادي مكتوب:
اصْبِرْ لدهرٍ نَالَ مِنْكَ ... فَهَكَذَا مَضَتِ الدُّهُورُ
فرج وَحُزْنٌ مَرَّةً ... لا الْحُزْنُ دَامَ وَلا السُّرُورُ
٥٢٥- قال: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّكَرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ وُجِدَ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
стр. 669
وَغَافِلٍ أُوذِنَ بِالصَّوْتِ ... لَمْ يَأْخُذِ الْعُدَّةَ لِلْفَوْتِ
لَمْ تَزُلْ نِعْمَتُهُ قَبْلَهُ ... زَالَ عَنِ النِّعْمَةِ بِالْمَوْتِ
٥٢٦- قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِو عَلِيٍّ النَّجَّارُ، أَنَّهُ نقش على لوح قبر:
يَا أَيُّهَا الْمَيِّتُ الْمُغَيَّبُ فَي الثَّرَى ... زُرْتَ الْقُبُورَ فَمَا تَحِسُّ وَلا تَرَى
لَمَّا نُقِلْتَ إِلَى الْمَقَابِرِ مَيِّتَا ... لَمْ يَبْقَ دَمْعٌ جَامِدٌ إلا جرى
وجاورت قَوْمًا لا تَوَاصُلَ بَيْنَهُمْ ... وَيَفُوتُ ضَيْفَهُمُ الْكَرَامَةُ والقرى
٥٢٧- قال: وأخرج لي أبو علي لوحاً قد نقشه لرجل، فجعله على قبر بعض أَهْلِهِ:
وَكَيْفَ بَقَائِي بَعْدَ إِلْفِي وَصَاحِبِي ... وَنَفْسِي قد ذابت ومات سرورها
وكأني لآت قبره فمسلم وإذ ... تكلم حُفْرَةَ مَنْ يَزُورُهَا
٥٢٨- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَرَأَيْتُ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ:
أَنَا فِي الْقَبْرِ وَحِيدٌ ... قد تبرأ الأهل مني
أسلموني بذنوبي ... خبت إن لم تعف عني
٥٢٩- قال: ورأيت على قبر مكتوب:
القبر بيت كربة سَوْفَ تَسْكُنُهُ ... مَاذَا عَمِلْتَ لِيَوْمِ الْقَبْرِ يَا ساهي
٥٣٠- وبالإسناد قال القرشي: وحدثني بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ، قال: مر صالح المري بقبر قد خرب بفنائه قبران، وأسود جالس عندهما، فقال: يا صالح! إذن ترى عبراً، هذان رَبَّا هَذَا الْقَصْرِ صَارَا إِلَى مَا تَرَى.
قَالَ: وَعَلَى الْقَبْرِ مَكْتُوبٌ:
يَا أَيُّهَا الرَّكْبُ سِيرُوا الْيَوْمَ وَاعْتَبِرُوا ... فَعَنْ قَلِيلٍ تَكُونُوا مِثْلَنَا عبرا
стр. 670
كُنَّا وَكَانَتْ لَنَا الدُّنْيَا بِلَذَّتِهَا ... فَمَا اعْتَبَرْنَا وما كنا لننزجرا
رماني الرَّدَى مِنْهُ بِأَسْهُمِهِ ... فَلَمْ يُبْقِ لَنَا عَيْنًا وَلا أَثَرَا
-وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ:
هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدْتُهُمْ ... فِي ظِلِّ عَيْشٍ عَجِيبٍ مَا لَهُ خَطَرُ
صَاحَتْ بِهِمْ حَادِثَاتُ الدَّهْرِ ... فَانْقَلَبُوا إلى القبور فلا عين ولا أثر
-قرئ على قبر:
يمر أقاربي جنباي قَبْرِي ... كَأَنَّ أَقَارِبِي لَمْ يَعْرِفُونِي
وَقَدْ أَخَذُوا سهامهم وعاشوا ... فيا لله أسرع ما نسوني
-وقرئ على قبر:
فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء
-وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ:
أَقُولُ وَقَدْ فَاضَتْ دُمُوعِي جمة ... أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلائي لَوْ غَيْرَ الْمَمَاتِ أَصَابَكُمْ ... عَتِبْتُ وَلَكِنْ مَا عَلَى الْمَوْتِ مُعْتِبُ
-وَقُرِئَ عَلَى قَبْرٍ:
تَزَوَّدْ قريباً مِنْ فِعَالِكَ إِنَّمَا ... قَرِينُ الْفَتَى فِي الْقَبْرِ ما كان يعمل
وإن كنت مشغولاً بشيء فلا تكن ... بِغَيْرِ الَّذِي يَرْضَى بِهِ اللَّهُ تُشْغَلُ
فَلَنْ يَصْحَبَ الإِنْسَانَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ... إِلَى قَبْرِهِ إِلا الَّذِي كَانَ يَفْعَلُ
أَلا إِنَّمَا الإِنْسَانُ ضَيْفٌ لأَهْلِهِ ... يُقِيمُ قَلِيلا عِنْدَهُمْ ثُمَّ يَرْحَلُ
следующие страницы →