Полный текст (265 стр.). Показаны 246–265 · переход к 251.
стр. 246
١٤٥- مجلس الأخفش سعيد مع المازني
حدثني محمد بن منصور قال: سأل المازني أبا الحسن سعيد بن مسعدة عن قولهم: زيد أفضل من عمرو وأكرم منه. فقال الأخفش: أفعل في هذا الباب إذا صحبه من فإنما يضاف إلى ما هو بعضه، فلم يثن ولم يجمع، كما أن البعض كذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، كقولك: بعض أخواتك خرجن وخرجتا وخرج.
قال أبو عثمان: إنما معناه: فضله يزيد على فضله، وكرمه يزيد على كرمه، فكان بمعنى المصدر فلم يثن ولم يجمع كما أن المصدر كذلك.
قال أبو بكر: وقال الفراء: إن أفعل في هذا الجنس يضاف إلى شيء يجمع الفاضل والمفضول، فاستغنى بتثنية ما أضيف إليه وجمعه وتأنيثه عن تثنيته في ذاته وجمعه، فصار بمنزلة الفعل الذي إذا تقدم يستغني بما بعده عن تثنيته وجمعه.
стр. 247
١٤٦- مجلس مروان مع أبي الحسن سعيد بن مسعدة
أخبر أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري قال:
سأل مروان سعيد بن مسعدة الأخفش: أزيدا ضربته أم عمرا، فقال: أي شيءٍ تختاره فيه؟ فقال: أختار النصب لمجيء ألف الاستفهام. فقال: ألست إنما تختار في الاسم النصب إذا كان المستفهم عن الفعل كقولك: أزيدا ضربته، أعبد الله مررت به؟ فقال: بلى. فقال له: فأنت إذا قلت: أزيداً ضربته أم عمرا، فالفعل قد استقر عندك أنه قد كان، وإنما تستفهم عن غيره، وهو من وقع به الفعل، فالاختيار الرفع، لأن المسئول عنه اسم وليس بفعل. فقال له الأخفش: هذا هو القياس.
قال أبو عثمان: وهو أيضا القياس عندي، ولكن النحويين اجتمعوا على اختيار النصب في هذا لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل.
стр. 248
١٤٧- مجلس أبي العباس ثعلب مع جماعة في مجلسه
حدثنا أبو الحسن علي بن سليمان قال:
كنا عند أبي العباس ثعلب، فأنشدنا للحصين بن الحمام المري:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدما
فسألنا: ما تقولون فيه؟ فقلنا: الدم فاعل جاء به على الأصل. فقال: هكذا رواية أبي عبيدة، وكان الأصمعي يقول: هذا غلطٌ، وإنما الرواية: ((ولكن على أقدامنا تقطر الدما)) منقوطة من فوقها، والمعنى ولكن على أقدامنا تقطر الجراحات الدما، فيصير مفعولا به، يقال قطر الماء وقطرته أنا. وأنشدنا:
كأطومٍ فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس منه عدما
شغلت ثم أتت ترشفه ... فإذا هي بعظامٍ ودما
стр. 249
فأفاقت فوقه ترشفه ... وأعيض القلب منها ندما
فالدم في موضع خفض عطفٌ على العظام، ولكنه جاء به على الأصل مقصورا كما ترى.
وكان الأصمعي يقول: إنما الرواية: فإذا هي بعظام ودماء، ثم قصر الممدود.
والأطوم: البقرة الوحشية. وبرغزها: ولدها. والغبس: جمع أغبس، وهي الكلاب.
واعلم أنه قد جاء عن العرب أسماءٌ نواقص بغير علة، وقد ذكر بعض النحويين لها عللا غير مرضية، فمنها: يدٌ ودمٌ وفمٌ وأخٌ وما أشبه ذلك.
فأصل (يد) يديٌ على فعل بإسكان العين. والدليل على ذلك قول العرب: يديت إليه يدا. فإن ثنيته قلت على النقصان يدان. وإن أردت تثنيته على الأصل فذلك جائز أن تقول فيه يديان. أنشدنا:
يديان بيضاوان عند محجز ... قد يمنعانك أن تذل وتقهرا
وأصل (فم) فوه، حذفت الهاء، وأبدلت من الواو ميمٌ عند الإفراد فقيل فمٌ. فإن ثنيته قلت فمان على النقصان. وقد قالت العرب على التمام فموان، فجعلوا الميم مكان الواو، والواو مكان الهاء، وهذا غلط منهم. قال الفرزدق:
стр. 250
هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام
وتقول في الجمع أفواه فترده إلى الأصل. فهذا يبين لك أصله.
وأصل (دم) دميٌ على فعل بتحريك العين. الدليل على ذلك قوله: دميت يد فلان، وقوله في التثنية دميان، وفي الجميع دماء. وأنشدنا علي بن سليمان عن ثعلب:
لعمرك إنني وأبا ذراع ... على حال التكاشر منذ حين
ليبغضني وأبغضه وأيضا ... يراني دونه وأراه دوني
فلو أنا على حجرٍ ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين
يريد أنه لشدة ما بينهما من العداوة لا تختلط دماؤهما، فلو ذبحا على حجرٍ، لافترق الدميان، كما قال الآخر:
أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزيلن حتى ما يمس دمٌ دما
وأصل أخ وأب أخو وأبو، على فعل بتحريك العين، فلو جاء على الأصل لقيل هذا أخا ورأيت أخا ومررت بأخا، وكذلك رأيت أبا ومررت
стр. 251
بأبا وهذا أبا، لأن الواو والياء إذا تحركتا وما قبلهما مفتوح انقلبتا ألفين، فكان سبيل هذين الاسمين أن يكونا مقصورين مثل عصا ورحى وفتى وما أشبه ذلك، ولكن أكثر العرب نطقتهما على النقصان في حال الإفراد فقالت: هذا أخٌ وأبٌ. فأسقطوا لام الفعل.
وقالوا: مررت بأخٍ وأبٍ، فإذا أضافوا قالوا: هذا أخوك وأبوك، ومررت بأخيك وأبيك. وبين العلماء اختلاف في هذه الواو والياء والألف، فيقول الكوفيون: هي الإعراب نفسه، ويقول البصريون: الحركات اللواتي قبل هذه الحروف هي الإعراب، وهذه الحروف اتساع.
ومن العرب من يضيفه على النقصان فيقول: هذا أخك وأبك، ورأيت أخك وأبك، ومررت بأخك وأبك. فإذا جمعوا قالوا في جمع السلامة: أبون وأخون في الرفع، وأبين وأخين في النصب والخفض، وفي جمع التكسير إخوة وآخاءٌ، وآباءٌ، وأبوة. وتقول على هذا: ضرب أبك أخيك على أنه جمع السلامة، وأصله أخينك فسقطت النون للإضافة.
وكذلك تقول: أكرم أبيك أخوك. وأنشدنا محمد بن يزيد:
فقلنا يا اسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور
وأنشدنا أيضا:
أيفخر بالأبين معا علينا ... فما آباؤكم بذوي ضغينا
فجمع هذا الشاعر بين اللغتين في بيت واحد.
ومن العرب من يجري الأخ والأب على الأصل فيجعلهما اسمين مقصورين، فيقول: هذا أخاك وأباك، ورأيت أخاك وأباك، ومررت بأخاك وأباك، كما تقول: هذه عصاك ورحاك، ومررت بعصاك ورحاك، ورأيت عصاك ورحاك. فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 252
١٤٨- مجلس أبي العباس مع رجل من النحويين
حدثني علي بن سليمان قال: سأل رجل أبا العباس في مجلسه عن قول الشاعر:
مرحبا بالذي إذا جاء جاء الخير ... أو غاب غاب عن كل خير
فقال: أيهجوه أم يمدحه؟ فقال: بل يهجوه.
وفيه تقديران: أحدهما تفسير محمد بن يزيد، قال: يصفه بالغفلة والبلادة، وتقديره مرحبا بالذي إذا جاء جاء الخير، أي حضوره غيبة، فهذا المصراع في ذكر بلادته وغفلته. ثم قال: أو غاب غاب عن كل خير، معناه أن الخير عندنا فإذا غاب غاب عن كل خير؛ لأنه لا يرجع إلى خير عنده.
قال أبو العباس أحمد: إنما وصفه بالحرمان فقط، وتقدير الكلام عنده: مرحبا بالذي إذا جاء غاب عن كل خيرٍ، جاء الخير أو غاب، يصفه بالحرمان والشؤم على كل حال.
وقد رواه غيرهما بالنصب، معناه مرحبا بالذي إذا جاء أتى بالخير، أي صادف الخير عندنا؛ أو غاب عن كل خير، أي إنه لا يرى الخير إلا عندنا، فإذا غاب عنا حرم ولم يصادف خيرا.
ومثل هذا، مما يسأل عنه:
سألنا من أباك سراة تيم ... فقال أبي تسوده نزارا
стр. 253
تقديره: سألنا أباك نزارا من سراة تيم تسوده فقال: أبي. ينتصب أباك بوقوع السؤال عليه، ونزارا بدل منه، ومن رفعٌ بالابتداء، وسراة مبتدأ ثان، وتسوده الخبر، والمبتدأ الثاني والخبر خبر الأول. وقوله: ((قال أبي)) تقديره هو أبي، فيكون خبر ابتداء مضمر، وإن شئت رفعته بالابتداء والخبر بعد مقدر، كأنك قلت: أبي تسوده سراة تيم.
стр. 254
١٤٩- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع أبي عبيدة
حدثنا أبو الحسن علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد قال: حدثنا المازني عن أبي عبيدة قال:
سمعت أبا عمرو بن العلاء يقرأ: ﴿لتخذت عليه أجرا﴾ ، فسألته عنه فقال: هي لغةٌ فصيحة.
وأنشد قول الممزق العبدي:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غررها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق
يقال اتخذ اتخاذا, وتخذ يتخذ تخذا، بمعنى واحد.
стр. 255
١٥٠- مجلس أبي عمرو مع الأصمعي
وحدثنا أبو الحسن علي بن سليمان قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثنا أبو الفضل الرياشي قال:
سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الشعف بالعين غير معجمة: أن يقع في القلب شيء فلا يذهب. يقال: قد شعفني يشعفني شعفا، إذا ألقي في قلبي ذكره وشغله. وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري:
ويئست مما كان يشعفني ... منها، ولا يسليك كاليأس
قلت: قرأت القراء: (قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا) بالغين معجمة، وشعفها حبا بالعين غير معجمة. فأما شغفها بالغين معجمة فمعناه بلغ حبها شغاف قلبها. والشغاف: وعاء القلب. وشعفها بالعين غير معجمة على وجهين:
أحدهما ما ذكرناه عن أبي عمرو بن العلاء. والأخر أن يكون معناه علا قلبه حبها.
والشعاف، واحدها شعفة: أعالي الجبال. والشعف: أعلى كل شيء.
стр. 256
١٥١- مجلس الأصمعي مع الكسائي
حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال:
كنا عند الرشيد فحضر الأصمعي والكسائي، فسأل الرشيد عن بيت الراعي وقوله:
قتلوا ابن عفان الخلفية محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا
فقال الكسائي: كان قد أحرم بالحج. فضحك الأصمعي وتهانف فقال له الرشيد: ما عندك؟ فقال: والله ما أحرم بالحج ولا أراد أيضا أنه دخل في شهر حرام، كما يقال أشهر وأعام، إذ دخل في شهر وفي عام. فقال له الكسائي: ما هو إلا هذا، وإلا فما معنى الإحرام؟ قال الأصمعي: فخبرني عن قول عدي بن زيد:
قتلوا كسرى بليل محرما ... فتولى لم يمتع بكفن
أي إحرام لكسرى؟ فقال الرشيد: فما المعنى؟ فقال: يريد أن عثمان لم يأت شيئا يوجب تحليل دمه، وكل من لم يحدث مثل ذلك فهو في ذمة. فقال الرشيد: يا أصمعي، ما تطاق في الشعر.
ومثل هذا ما حدثني به العباس بن محمد بن أحمد بن حمدون قال:
стр. 257
حدثني علي بن يحيى قال: حدثني علي بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبي عمرو بن العلاء قال:
كانت يدي في يد الفرزدق، فأنشدته قول ذي الرمة:
أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وساق الثريا في ملاءته الفجر
فقال لي: أرشدك أم أدعك؟ قلت: أرشدني. فقال: إن العود لا يذوي أو يجف [في] الثرى، وإنما الشعر:
أقامت به حتى ذوى العود والثرى ...
стр. 258
١٥٢- مجلس أبي يوسف صاحب أبي حنيفة مع علي بن حمزة بحضرة الرشيد
حدث أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني سلمة عن الفراء قال:
كتب الرشيد في ليلة من الليالي إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: أفتنا حاطك الله في هذه الأبيات:
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاقٌ والطلاق عزيمةٌ ... ثلاثا ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقةٍ ... وما لامرئ بعد الثلاث مقدم
فقد أنشد البيت ((عزيمةٌ ثلاثٌ)) و ((عزيمةٌ ثلاثا)) بالنصب، فبكم تطلق بالرفع؟ وبكم تطلق بالنصب؟ قال: قال أبو يوسف: هذه مسألة فقهيةٌ نحوية، إن قلت فيها بظني لم آمن الخطأ، وإن قلت لا أعلم قيل لي كيف تكون قاضي القضاة وأنت لا تعرف مثل هذا. ثم ذكرت أن أبا الحسين علي بن حمزة الكسائي معي في الشارع فقلت: ليكن رسول أمير المؤمنين بحيث يكرم، وقلت للجارية: خذي الشمعة بين يدي، فدخلت
стр. 259
إلى الكسائي وهو في فراشه، فأقرأته الرقعة، فقال لي: خذ الدواة واكتب: ((أما من أنشد البيت بالرفع فقال عزيمةٌ ثلاثٌ، فإنما طلقها واحدة وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة، ولا شيء عليه. وأما من أنشد عزيمةٌ ثلاثا فقد طلقها وأبانها، لأنه كأنه قال: أنت طالق ثلاثا)) . وأنفذت الجواب، فحملت إلي آخر الليل جوائز وصلاتٌ، فوجهت بالجميع إلى الكسائي.
شرح هذه الأبيات على الحقيقة:
في قوله ((فأنت طلاقٌ)) وجهان: أحدهما أن يكون مصدرا في موضع اسم الفاعل، كما قيل زيد عدل أي عادل، وصومٌ أي صائم، وجورٌ أي جائر، وماء غورٌ أي غائر. قال الله ﵎: ﴿إِنْ أصبح ماؤكم غوراً﴾ فيكون التقدير: أنت طالق.
والوجه الآخر: أن يكون حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما يقال صلى المسجد أراد أهل المسجد، وبنو فلانٍ يطؤهم الطريق، وكقوله : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أقبلنا فيها﴾ فيكون التقدير على هذا: أنت ذات طلاق. كما قالت الخنساء:
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار
تريد: فإنها ذات إقبال وذات إدبار. وقوله: ((ثلاثا)) تروى بالنصب والرفع، فمن نصب أراد فأنت طالقٌ ثلاثا، هذه تطلق لا
стр. 260
محالة، ويكون قوله والطلاق عزيمة ابتداءً وخبراً، ويكون التقدير: والطلاق عزيمة من أمري لا بهزلٍ ولا لعب.
ويدل على هذا التأويل قوله في البيت الآخر:
فبيني بها إن كنت غير رفيقةٍ ...
ومن رفع فقال: ((والطلاق عزيمةٌ ثلاثٌ)) الطلاق رفع بالابتداء، وعزيمةٌ خبره، وثلاث خبر ثانٍ. وإن شئت جعلت الثلاث موضحا عن العزيمة ومترجما عنها، فيكون المعنى: والطلاق الذي يكون عزيمة من المطلق هو ثلاث. فيحتمل أن يكون قال أنت طالق ولم يقصد الثلاث فتكون واحدة، ويكون قوله والطلاق عزيمة ثلاث منقطعا عن الأول. وجائز أن يكون أراد بقوله أنت طالق الثلاث، لأن له أن ينوي ما أراد من ذلك، ثم فسره بقوله ((والطلاق ثلاث)) ، فكأنه قال: والطلاق الذي جرى ذكره ثلاث. ويجوز نصب عزيمة إذا رفع الثلاث، فيقول: والطلاق عزيمة ثلاث، كأنه قال: والطلاق ثلاثٌ عزيمة، أي عزما، فينصب على المصدر أو على إضمار أعزم ذلك عزما وعزيمة.
وأما قوله: ((ومن يخرق أعق وأظلم)) فمن كلام الشعر خاصة، ولا يجوز في منثور الكلام؛ لأنه حذف الفاء التي هي جواب الجزاء، وحذف المبتدأ أيضا، وذلك أنه جزم يخرق على الشرط بمن، فأراد أن يأتي بالفاء في الجواب أو بفعل مجزوم، وكان سبيله أن يقول: ومن يخرق يندم، ومن يخرق فهو أعق وأظلم، ولكنه حذف، فهذا الحذف جائز في الشعر. وأنشد سيبويه في مثل ذلك:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
أراد: فالله يشكرها، فأضمر الفاء كما ترى، فهو جائز.
стр. 261
١٥٣- مجلس الأصمعي مع أبي العميثل
حدثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: حدثني أبي عبد الله قال: حدثنا أبو العميثل –وقد روى عنه الأصمعي- قال:
سألني الأصمعي عن قول الراجز في صفة ماء:
إزاؤه كالظربان الموفي ...
فقلت له: الإزاء: مصب الدلو في الحوض. فقال لي: كيف يشبه مصب الدول بالظربان؟ فقلت له: ما عندك فيه؟ فقال: أنما أراد المستقي؛ من قولك: فلانٌ إزاء مالٍ، إذا قام به ووليه.
وقال أحمد بن حاتم: قال الأصمعي: يقال هو إزاء مال، وخائل مال، وخال مالٍ، وصدى مالٍ، وسوبان مالٍ، وسرسور مالٍ، وآيل مالٍ، يريد قيم مال. قال أحمد بن يحيى: يقال فلان عسل مالٍ، إذا كان حسن القيام عليه.
وشبهه بالظربان لذفر رائحته وعرقه. وبالظربان يضرب المثل في النتن. يقال للقوم إذا تطاول الشر بينهم: ((فسا بينهم الظربان)) . ويقال إنه ربما فسا في ثوب إنسان فيتقطع رعابيل ولا يخرج نتنه منه. ويقال إنه ربما دخل في خلال الهجمة فيفسو، فلا يتم له ثلاث فسوات حتى تتفرق الإبل كما تتفرق عن المنزل إذا أحست فيه بقردان، فلا يردها الراعي إلا بالجهد الشديد.
وذكر الجاحظ أنه إذا أحس بالضب في جحره سد باسته باب جحره، فلا يزال يفسو فيه حتى يخرج الضب سكران منه، فيقع كالميت، فيأكله كيف يشاء.
стр. 262
١٥٤- مجلس أبي عطاء مع أبي صفوان
قال ابن الكلبي عن أبي عطاء الأعرابي قال:
أتيت أبا صفوان أيام قسم المهدي للأعراب، فقال لي أبو صفوان: ممن أنت؟ وكان يمتحنهم. قال: قلت من بني تميم قال: فأي تميم؟ قلت: ربابي. قال: فما عملك؟ وأين بلدتك؟ قال: قلت بالدجنتين.
قال: فما كنت تصنع؟ قال: كنت أعالج الإبل. قال: فلك بها علم؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني عن حقةٍ حقت على ثلاث حقاق. قال: فقلت له: سألت خبيراً بهذا، هذه بكرة كانت معها بكرتان في ربيع واحد، فارتبعن فسمنت قبل أن تسمنا. فقد حقت عليهما واحدة؛ ثم ضبعت ولم تضبعا، فقد حقت عليهما حقة أخرى؛ ثم لقحت ولم تلقحا، فهذه ثلاث حقات. فقال: لعمري أنت منهم.
تمت الزيادات، وهي خمسة وعشرون مجلسا لم تكن في نسخة الشيخ أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب ﵀، ألحقتها بها.
وصلى الله على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 263
١٥٥
قرأت بخط أبي الفضل العباس بن علي الصولي: ابن برد الخيار، أخبرني أحمد بن أبي بكر القيسي قال: حدثني العنزي قال: حدثني يزيد بن محمد المهلبي أبو خالد قال: قال لي إسحاق الموصلي:
سألت الأصمعي يوما عن مسائل فأجاب فيها فأحسن جدا، فأعجبته نفسه فقال لي: أسألت مثلي؟ فقلت له: وسألك مثلي!
قال: وأخبرني أبي قال: أخبرني العنزي قال: أخبرني يزيد بن محمد المهلبي قال: أخبرني إسحاق الموصلي قال: أنشدني الأصمعي أرجوزة لدكينٍ الراجز حتى انتهى إلى موضع منها، فقال لي: هذا آخرها. فاجتمعنا بعد ذاك بمدة عند الفضل بن الربيع، فجرى ذكر الأرجوزة، فأقبل ينشدها، وعارضته أنشد معه منها، فأمسك حتى انتهيت إلى الموضع الذي أنشدنيه على أنه آخر الأرجوزة فوقفت، فقال لي: أمر يا أبا محمد. قلت: هذا آخرها. قال: تركت والله أحسنها. ثم أقبل ينشد، فأنشد لعمري أحسنها. فقلت: أما أنشدتني هذه وقلت لي هذا آخرها؟ فقال لي: يأبا محمد:
يصان وهو ليوم الروع مبذول
стр. 264
١٥٦- مجلس أبي العباس ثعلب وأبي العباس المبرد
قال ثعلب: كلمت ذات يوم محمد بن يزيد البصري فقال: كان الفراء يناقض، يقول قائم فعل، وهو اسمٌ لدخول التنوين عليه. فإذا كان فعلا لم يكن اسما، وإن كان اسما فلا ينبغي أن تسميه فعلا.
فقلت: الفراء يقول قائم فعل دائم لفظه لفظ الأسماء لدخول دلائل الأسماء عليه، ومعناه معنى الفعل لأنه ينصب فيقال قائم قياما، وضاربٌ زيدا، فالجهة التي هو فيها اسمٌ ليس هو فيها فعلا، والجهة التي هو فيها فعل ليس هو فيها اسما. فأنت لم نصبت به وهو عندك اسم؟ فقال: لمضارعته يفعل. فعارضته بقول العرب: جاءني آكلٌ طعامك، ولقيت آخذا حقك، وقلت له: قد نصبوا بآكلٌ وآخذٌ، ويفعل لا يضارعهما إذ كان لا يقع موقع الفاعل والمفعول. فقال لي: مضارعته قد حصلت له في أصل بنيته. فألزمته تقدم الصلة وفاعل غير متصرف، وطالبته أن يجيز: طعامك جاءني آكل، وحقك لقيت آخذا، فقال: أجيز المسألتين. فقلت له: لم يجز هذا أحدٌ؛ لأن الصلة لا تتقدم إلا عند تصرف الموصول. ومستحيل في البنية. من قال طعامك جاءني آكل، وحقك لقيت آخذا، أحال، لأن آكلا وآخذا لما منعا التصرف منعت صلتهما التقدم، وجريا مجرى: بالله تعجبني ثقتك، وعن طاعة الله يسوءني إعراضك، كل واحدة من المسألتين خطأ؛ لأن الثقة والإعراض لا يحل محلهما مستقبل يكون فاعل الفعل، فإذا كانا جامدين ممنوعين من التصرف لزمت صلتهما التأخير. ولهذه العلة أحال النحويون: طعامك جاءني الآكل، وحقك لقيت
стр. 265
الآخذ؛ لأن حكم الطعام والحق التأخر بعد ناصبهما، ولا وجه لتقدمهما عليه؛ إذ كان غير متصرف.
تمت المجالس بزياداتها، والله الموفق بلطفه وصلواته على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصبحه والتابعين. وحسبنا الله ونعم الوكيل.