← Книги сунны

Книги сунны · id 26676

مجالس العلماء للزجاجي

أبو القاسم الزجاجي

Полный текст (265 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقلت له: ألا تقول: ((كأنها)) فتحمله على الخطوط، أو ((كأنهما)) فتحمله على السواد والبلق. فغضب وقال: كأن ذاك بها توليع البهق، فذهب إلى المعنى والموضع. فكذلك ذهبوا بذلك إلى السماء. فأما قوله: ((كأنه)) فإن السواد والبلق هو التوليع، فكأنه قال: كأن هذا التوليع توليع البهق، وأما السماء والأرض فالعرب تكتفي بالواحد من الجميع. فإن شئت رددته على المعنى، وإن شئت على اللفظ. وأما قوله: ((كأن ذاك)) فإن ذاك لا يكنى به إلا عن جملة. وكان هشام وأصحاب الكسائي إذا اتفق الفعل والاسم كنيا بذاك، وإذا لم يتفق الاسم والفعل لم يفعلوا، فيقولون: ظننت ذاك، ولا يقولون: كأن ذاك ولا إن ذاك، والفراء يجيزه كله، لأنه كناية عن الاسم والفعل، فيقولون: إن ذاك وكأن ذاك. وقال: مثل ذلك قوله: لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا فشرك بين عصم وعمايتين ويذبل. ومما مثل ذلك مما أشركوا الاثنين بواحد وجعلوا لفظ عدد تقدير الفعل على تقدير لفظ فعل الفردين المشرك بينهما قوله في قول من يجعل اللفظ للمضاف إليه: لو أن عصم عمايتين ويذبل، وعمايتان اثنان ويذبل الثالث، فجعل تقدير لفظ فعلهم المشرك بينهما، أما هذا فإن عمايتين

стр. 212

موضع، ويذبل موضع، فخبر عنهما كأنه قال: فإنك عصم هذين الموضعين لو سمعا حديثك أنزلا الأوعال منها. وقوله: تذكرت بشرا والسماكين أيهما ... علي من الغيث استهلت مواطره فجعل السماكين واحدا. وفيه تفسيران آخران: إن شئت قلت: بل حمله على الموضع والمعنى، فردوه إلى واحده وإلى موضعه ومعناه، فردوا السموات إلى السماء، وعمايتين إلى عماية. قال أبو العباس: ولو قال السماكين نجم فرده على معنى نجم كان أصلح. وقوله ((أيهما)) خفيف، يريد أيهما فخفف، يريد تذكرت السماكين وهذا الرجل أيهما أصابني الغيث من قبله. وأما قوله: رد عمايتين على عماية فهو على الموضع أجود، والسموات إلى السماء فهذا جائز؛ لأنه يقول السماء بمعنى السموات والأرض بمعنى الأرضين. وقال: هو كما رد قوله: تبسم عن مختلفاتٍ ثعل ... أكس لا عذبٍ ولا برتل عنى الأسنان ثم رده على الفم إلى موضعها، ولو قال الأسنان من الفم فرده على الفم لأنه بعضه، وقال مثل قوله: [فماحت به غر الثنايا مفلجا ... وسما جلا عنه الطلال موشما

стр. 213

ذهب إلى الفم. وغر الثنايا، هو الفم غير ثناياه. فهو خلف، ليس أنه ترك الثنايا ورجع إلى الفم. وقوله] : هم منعوني إذ زيادٌ كأنما ... يرى بي أخلاء بقاعٍ موضعا ذهب به إلى الخلا وهو واحدها، والخلا يكفي من الأخلاء، ولا حاجة به أن يرجع إلى غيره. وإن شئت في التفسير الثاني، كما يجعلون لفظ الواحد في موضع الجميع وفي معناه، كقوله في القرآن: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لكم﴾ فالذين في موضع واحد، والذين قالوا ذلك هم الناس، وإنما يجوز هذا في الجميع الذي واحده يكفي منه، ولفظه لفظ الواحد، فأخرجوا الفعل على لفظه، كقوله: ألا إن جيراني العشية رائح ... فرد رائح على الجيران وهم جمع، لأن مثل لفظه يكون واحدا. وقال، في القرآن: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لعبرةً نسقيكم مما في بطونه﴾ فرد إلى النعم؛ لأنه يكفى من الأنعام. وقال: أمن آل وسنى آخر الليل زائر ... ووادي العوير دونها والسواجر

стр. 214

فجاءت بكافورٍ وعود ألوةٍ ... شآميةٍ شبت عليها المجامر فقلت لها فيئي فإن صحابتي ... سلاحي وحدباء الذراعين ضامر ترك زائرا ورجع إليها، وهذا لم يترك زائراً ويرجع إليها، وإنما ذكر الخيال ثم خاطب المرأة لأنه خيالها، فالخيال هو هي.

стр. 215

١٣٢- مجلس محمد بن زياد الأعرابي مع أحمد بن حاتم وجدت بخط أبي نصر أحمد بن حاتم قال: اجتمعت أنا ومحمد بن زياد الأعرابي فسألته عن قول طفيل الغنوي: تتابعن حتى لم يكن لي ريبةٌ ... ولم يك عما خبروا متعقب فقلت له: ما معنى متعقب؟ فقال: تكذيب. فقلت له: أخطأت. وقولي له ((أخطأت)) بعدما سفه علي. ثم قلت له: إنما قوله ((متعقب)) : أن تسال عن الخبر ثانيةً بعد ما سألت عنه أول مرة. يقال تعقبت الخبر، إذا سألت عنه غير من كنت سألته عنه أول مرة. ومنه يقال: عقبت في الغزو، إذا غزوت ثم ثنيت من سنتك. وقوله: ((تتابعن)) يعني الأخبار. وقال في مثله طفيل: وأطنابه أرسان جردٍ كأنها ... صدور القنا من بادئٍ ومعقب فأراد أن أطناب البيت أرسان الخيل. وجرد: قصار الشعر. وقوله ((كأنها صدور القنا)) : في طولها، وأراد كأنها القنا. والعرب تفعل هذا، كقولك: جاء فلان على صدر راحلته، وإنما يريد على راحلته. وقوله: ((من بادئٍ ومعقب)) ، يريد من فرس بادئٍ غزا أول مرة، ومعقب ثانية. ومنه يقال: صلى فلانٌ أول الليل ثم عقب، يريد صلى ثانية.

стр. 216

ثم سأله طاهر بن عبد الله بن طاهر، ومعنا عدةٌ من العلماء، عن قول طفيل: كأن على أعرافه ولجامه ... سنا ضرمٍ من عرفجٍ يتلهب فقال له: ما معنى هذا البيت؟ فقال: أراد أن هذا الفرس شديد، الشقرة كحمرة النار. فقلت له: ويحك، أما تستحيي من هذا التفسير، إنما معناه أن له حفيفا في جريه كحفيف النار ولهبه. ثم أنشدته أبياتا حججا لهذا البيت. قال امرؤ القيس: سبوحا جموحا وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد وقال رؤبة: تكاد أيديها تهاوى في الزهق من كفتها شدا كإضرام الحرق فأراد عدوا كأنه إضرام الحرق وقال العجاج: كأنما يستضرمان العرفجا ... فوق الجلاذي إذا ما أمحجا يقول: من حفيف عدوهما كأنهما يوقدان عرفجا. وقال أوس: بن حجر يصف حمارين:

стр. 217

إذا اجتهدا شدا حسبت عليهما ... عريشا علته النار فهو محرق وسئل عن بيت لطفيل: كأنه بعد ما صدرن من عرق ... سيد تمطر جنح الليل مبلول فقال: كأن الفرس بعدما سال العرق من صدورهن ذئب. فقلت: أخطأت إنما معناه: كأن هذا الفرس بعدما برزت صدور هذه الخيل، من عرق: من الصف. وكل طريقةٍ وصف عرقة. يقال عرق من قطا ومن خيل. فيقول: كأن هذا الفرس قد أصابه المطر، فهو ينجو ويعدو عدوا شديدا. ثم سئل في هذا المجلس عن بيتٍ لعروة: مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر فقيل له: ما معناه؟ فقال: يزجرون هذا الرجل إذا نزل بساحتهم كما يزجر المنيح. ثم فسر فقال: المنيح من القداح: الذي لا نصيب له، وإنما هو تكثير في القداح، مثل السفيح والوغد. فقلت له: ويحك، إنما يزجر ما جاء له نصيب، وهذا خاملٌ لا نصيب له. ثم قال: مشهر، وتفسير هذا البيت القدح المعروف بالفوز، فيستعار لكثرة فوزه وخروجه، ومنه يقال منحت فلانا ناقتي سنة، والناقة تسمى منيحة، وذلك إذا أعطيته لبنها ووبرها سنة ثم يردها، فكذلك هذا القدح يستعار، فهو يتبرك به

стр. 218

لكثرة فوزه. وأنشدته فيه حججا. قال ابن مقبل يصف قدحا قد استعاره لكثرة فوزه: مفدى مؤدى باليدين ملعنٌ ... خليع لجام فائز متمنح فأراد بقوله ((متمنح)) مستعار. وقال عمرو بن قميئة: بأيديهم مقرومةٌ ومغالق ... بشيرٌ بأرزاق العيال منيحها فلو كان المنيح القدح الذي لا نصيب له ما كان بشير أرزاق العيال، ولكنه هو الذي يمنح، أي يستعار فيفوز ويقمر. ثم أنشدته في القدح الذي يستعار ويعلم بعقب أو يؤثر فيه بالأسنان. قال لبيد: ذعرت قلاص الثلج تحت ظلاله ... بمثنى الأيادي والمنيح المعقب فإنما عقب علامة لكثرة فوزه وقمره. قال دريد: وأصفر من قداح النبع فرعٍ ... له علمان من عقب وضرس الضرس: أن يعض بالضرس ليؤثر فيه.

стр. 219

١٣٣- مجلس الكسائي مع أبي محمد اليزيدي حدثنا أبو عبد الله اليزيدي قال: أخبرني عمي الفضل بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي، قال: كنا ببلدٍ مع المهدي في شهر رمضان قبل أن يستخلف بأربعة أشهر، فتذاكروا ليلة عنده النحو والعربية، وكنت متصلا بخاله يزيد بن منصور، والكسائي مع ولد الحسن الحاجب، فبعث إلي وإلى الكسائي فصرت إلى الدار، وإذا الكسائي بالباب قد سبقني، فقال: أعوذ بالله من شرك يا أبا محمد. فقلت: والله لا تؤتى من قبلي أو أوتي من قبلك. فلما دخلنا على المهدي أقبل علي فقال: كيف نسبوا إلى البحرين فقالوا بحراني، أو إلى الحصنين فقالوا حصني؟ فقلت: أيها الأمير، لو قالوا في النسب إلى البحرين بحري لالتبس فلم يدر: النسبة إلى البحرين وقعت أم إلى البحر، فزادوا ألفا ونونا للفرق بينهما، كما قالوا في النسب إلى الروح روحاني. ولم يكن للحصنين شيء يلتبس به فقالوا حصني على القياس. فسمعت الكسائي يقول لعمر بن بزيع: لو سألني الأمير لأجبته بأحسن من هذه العلة. فقلت: أصلح الله الأمير، إن هذا يزعم أنك لو سألته أجاب بأحسن من جوابي. فقال: قد سألته. فقال: أصلح الله الأمير، كرهوا أن يقولوا حصناني فيجمعوا بين نونين، ولم يكن في

стр. 220

البحرين إلا نون واحدة فقالوا بحراني لذلك. فقلت: فكيف تنسب إلى رجل من بني جنان؟ إن لزمت قياسك قلت: جني فجمعت بينه وبين المنسوب إلى الجن، وإن قلت جناني رجعت عن قياسك وجمعت بين ثلاث نونات. ثم تفاوضنا الكلام إلى أن قلت له: كيف تقول: إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيدٌ. فأطرق مفكرا وأطال الفكر، فقلت: أصلح الله الأمير، لأن يجيب فيخطئ فيتعلم أحسن من هذه الإطالة. فقال: إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيدا. فقلت له: أخطأت. قال: كيف؟ قلت: لرفعه خيرهم قبل أن تأتي باسم إن، ونصبه زيدا بعد الرفع، وهذا لا يجيزه أحد. فقال شيبة بن الوليد عم دفافة، متعصبا له: لعله أراد بأو: بل. فقلت: هذا المعنى لعمري معنى. فلقنه الكسائي، فقال: ما أردت غيره. فقلت: أخطأتما جميعا؛ لأنه غير جائز إن من خير القوم وأفضلهم بل خيرهم زيدا. فقال المهدي للكسائي: ما مر بك مثل اليوم. قال: فكيف الصواب عندك؟ قلت: [إن] من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم بتة زيدٌ، على معنى تكرير إن. فقال المهدي: قد اختلفتما وأنتما عالمان فمن يفصل بينكما؟ قلت: فصحاء الأعراب المطبوعون. فبعث إلى أبي المطوق، فعملت له أبياتا إلى أن يجيء، وكان المهدي يميل إلى أخواله من اليمن فقلت: يأيها السائلي لأخبره ... عمن بصنعاء من ذوي الحسب

стр. 221

حمير ساداتها تقر لها ... بالفضل طرا جحاجح العرب فإن من خيرهم وأفضلهم ... أو خيرهم بتةً أبو كرب فلما جاء أبو المطوق أنشدته الأبيات، وسألته عن المسألة، فوافقني، فلما خرجنا تهددني شيبة وقال: تلحنني بحضرة الأمير؟! فأنشدته: عش بجدٍ ولا يضرك نوكٌ ... إنما عيش من ترى بالجدود عش بجد وكن هبنقة القيسي ... جهلا أو شيبة بن الوليد شيب يا شيب يا هني بن القعقاع ... ما أنت بالحليم الرشيد لا ولا فيك خصلةٌ من خصال الخير ... أحرزتها بحلمٍ وجود غير ما أنك المجيد لتحبير ... غناءٍ لضرب دفٍ وعود فعلى ذا وذاك نحتمل الدهر ... مجيداً به وغير مجيد

стр. 222

المسألة مبينة على الفساد للمغالطة. فأما جواب الكسائي فغير مرضى عند أحد، وجواب اليزيدي أيضا غير جائز عندنا؛ لأنه أضمر إن وعملها، وليس من قوتها أن تضمر [فتعمل] . فأما تكريرها فجائز. قد جاء في القرآن والفصيح من الكلام. قال الله جل وعز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فجعل إن الثانية مع اسمها وخبرها خبراً عن الأولى. وقال الشاعر: إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملكٍ به تزجى الخواتيم والصواب عندنا في المسألة أن يقال: إن من خير القوم وأفضلهم أو خيرهم البتة زيدٌ، فيضمر اسم إن فيها ويستأنف ما بعدها. وذكر سيبويه أن البتة مصدر لم تستعمله العرب إلا بالألف واللام، وأن حذفهما منها خطأ.

стр. 223

١٣٤- مجلس الأصمعي مع أبي عثمان المازني قال أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري قال: حضرت مجلس المازني وقد قيل له: لم قلت روايتك عن الأصمعي؟ فقال: رميت عنده بالقدر والميل إلى مذاهب أهل الاعتزال. فجئته يوما وهو في مجلسه، فقال لي: ما تقول في قول الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شيءٍ خَلَقْنَاهُ بقدرٍ﴾ ؟ فقلت: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية، لاشتغال الفعل بالمضمر، لأنه ليس ها هنا شيءٌ هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، ونحن نقرؤها كذلك اتباعا، لأن القراءة سنة. فقال لي: ما الفرق بين الرفع والنصب في المعنى؟ فعلمت مراده وخشيت أن يغرى العامة بي فقلت: الرفع بالابتداء، والنصب بإضمار فعل. وتعاميت عليه. فقال: حدثني جماعة من أصحابنا أن الفرزدق قال يوما لأصحابه: قوموا بنا إلى مجلس الحسن البصري فإني أريد أن أطلق النوار وأشهده على نفسي. فقالوا له: لا تفعل، فلعل نفسك تتبعها وتندم. فقال: لابد من ذلك. فمضوا معه، فلما وقف على الحسن قال له: يا أبا سعيد، تعلم أن النوار طالقٌ ثلاثا. قال: قد سمعت. وتتبعتها نفسه بعد ذلك فأنشأ يقول:

стр. 224

ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار ثم قال: والعرب تقول: ((لو خيرت لاخترت)) ، تحيل على القدر، وينشدون: هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطا القدر ثم أطبق نعليه وقال: نعم القناع للقدري! فأبطلت غشيانه بعد ذلك.

стр. 225

١٣٥- مجلس أبي إسحاق الزجاج مع جماعة قال لنا أبو إسحاق يوما في مجلسه: كيف تصغرون المهوأن من قول رؤبة: قد طرقت أسما بليلٍ هاجعا ... تطوى إلينا مهوأنا واسعا فأرقت بالحلم ولعا والعا ... قال: المهوأن: الواسع من الأرض البعيد. والولع: الكذب. ومنه قول الآخر: وهن من الإخلاف والولعان ... فخضنا في تصغيره فلم يرض ما جئنا به، فقال: الوجه أن يقال مهين فاعلم. وقياس ذلك أن الاسم على ستة أحرف، وكل اسم جاوز أربعة أحرف ليس رابعه حرف مد ولين فقياسه أن يرد إلى أربعة أحرف في التصغير، كما قالوا في سفرجل: سفيرج، وفي فرزدق: فريزد، وكذلك ما أشبهه، فوقعت ياء التصغير في مهوأن ثالثة ساكنة وبعدها واو، فوجب قلب الواو ياء وإدغام الأولى فيها، فصارت بعد الهاء ياء شديدة وبعدها ثلاثة أحرف: همزة ونونان، فلو حذفت النون بطل معنى الاسم واختل،

стр. 226

فحذفت الهمزة وإحدى النونين فقلت: مهينٌ كما ترى، وإن شئت: مهيون فأظهرت الواو لأنها متحركة في الاسم قبل التصغير. وتقول في جمعه مهاون. قال: والقياس عندي فيه أن يقال هوين، كما قيل في تصغير مقشعرٌ: قشيعر، وفي مطمئنٍ: طميئن. هذا هو القياس، فاعلم ذلك.

стр. 227

١٣٦- مجلس أبي محمد اليزيدي مع يس الزيات حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي قال: أخبرني عمي الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي، عن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي قال: إني لأطوف غداة يوم بمكة [إذ] لقيني يس الزيات، فقال لي: يأبا محمد، أنا منتظرك عند المقام، فرأيك في المسير إلي إذا فرغت من الطواف. فصرت إليه فقال لي: يأبا محمد، ما نمت البارحة لشيءٍ اختلج في صدري منعني الفكر فيه النوم، وما كنت أود إلا أن أصبح لألقاك. قلت: وما ذاك؟ قال لي: يجوز في كلام العرب أن يقول الرجل أريد أن أفعل كذا وكذا لشيء قد فعله؟ فقلت: ذلك غير جائزٍ، إلا على ضربٍ من الحكاية أفسره لك. قال: فما تقول في قول الله : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وجعل أهلها شيعاً﴾ ، إلى أن بلغ إلى قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ . فخاطب بهذا محمدا ﷺ وقد فعل ذلك قبل. قلنا: هذا من الحكاية التي ذكرتها لك، لأنه قال: ﴿إنه كان من المفسدين﴾ كأن تقدير الكلام: وكان من حكمنا يومئذ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ، فحكى ذلك لمحمد ﷺ ، كما قال في قصة يحيى:

стр. 228

﴿وسلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يبعث حياً﴾ ؛ لأن تقدير الكلام: وكان من حكمنا سلامٌ عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، فحكى ذلك لمحمد ﷺ . فقال لي: جزاك الله خيرا يا أبا محمد، فقد فرجت عني بما شرحت لي، ولأفيدنك ما أفدتني. قال أبو محمد: فحدثني عن النبي ﷺ أنه كان أكثر دعائه: ((اللهم إني أسألك اليقين والعفو والعافية، وتمام النعمة في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين)) .

стр. 229

١٣٧- مجلس أبي عثمان المازني مع يعقوب بن السكيت أخبرنا أبو إسحاق الزجاج قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد، عن أبي عثمان قال: جمعني وابن السكيت بعض المجالس، فقال لي بعض من حضر: سله عن مسألة. وكان بيني وبين ابن السكيت ود، فكرهت أن أتهجمه بالسؤال؛ لعلمي بضعفه في النحو، فلما ألح علي قلت له: ما تقول في قول الله جل وعز: ﴿فَأَرْسِلْ معنا أخانا نكتل﴾ ما وزن نكتل من الفعل ولم جزمه؟ فقال: وزنه نفعل، وجزمه لأنه جواب الأمر. قلت له: فما ماضيه؟ ففكر وتشور، فاستحيت له، فلما خرجنا قال لي: ويحك ما حفظت الود، خجلتني بين الجماعة. فقلت: والله ما أعرف في القرآن أسهل منها. قال: وزن نكتل نفتعل من اكتال يكتال، وأصله نكتيل، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم حذفت الألف لسكونها وسكون اللام فصار نكتل.

стр. 230

١٣٨- مجلس الخليل بن أحمد مع سيبويه سئل الخليل بن أحمد عن قول الله جل وعز: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شيعةٍ أَيُّهُمْ أشد على الرحمن عتياً﴾ ، فقال: هذا على الحكاية، كأنه قال: ثم لننزعن من كل شيعة الذين يقال: أيهم هو أشد عتيا. فقال سيبويه: هذا غلط، وألزمه أن يجيز لأضربن الفاسق الخبيث، بالرفع، على تقدير لأضربن الذي يقال له هو الفاسق الخبيث بالرفع، وهذا لا يجيزه أحد. وقال يونس بن حبيب: الفعل ملغي، وأي مرفوع بالابتداء، وأشد خبره، كما يقال: قد علمت أيهم عندك. قال سيبويه: وهذا أيضا غلط، لأنه لا يجوز أن يلغى إلا أفعال الشك واليقين، نحو ظننت وعلمت وبابهما. وهو كما قال. وقال الفراء: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ من كل شيعةٍ أيهم أشد﴾ أي لننزعن بالنداء فننادي: أيهم أشد على الرحمن عتيا. وله فيه قول آخر، وهو أنه قال: يجوز أن يكون الفعل واقعا على موضع من، كما تقول: أصبت من كل طعامٍ ونلت من كل خيرٍ، ثم تقدر ننظر أيهم أشد على الرحمن عتيا. وله فيه قول ثالث: قال: يجوز أن يكون معناه لننزعن من الذين تشايعوا ينظرون بالتشايع أيهم أشد على الرحمن عتيا، فتكون أي في صلة التشايع. قال: وأجود هذه الأقاويل قول سيبويه والقول الأخير من قول الفراء، ففي الآية ستة أقوال: ثلاثة للبصريين، وثلاثة لأهل الكوفة.

стр. 231

قال سيبويه: أيهم ها هنا بتأويل الذي، وهو في موضع نصب بوقوع الفعل عليه، ولكنه يبنى على الضم لأنه وصل [بغير ما وصل] به الذي وأخواته؛ لأنه وصل باسمٍ واحد. فلو وصل بجملة لأعرب. فأشد خبر ابتداء مضمر تقديره هو أشد، وعتياً منصوب على التمييز. فلو أظهر المبتدأ لنصبت أي فقيل: لننزعن من كل شيعة أيهم هو أشد.

стр. 232

١٣٩- مجلس يونس بن حبيب مع شبيل بن عزرة الضبعى أخبرنا محمد بن الحسن عن أبي حاتم السجستاني عن أبي عبيدة عن يونس بن حبيب قال: كنت في مجلس أبي عمرو بن العلاء، فأتاه شبيل بن عزرة الضبعي، فألقى له صفة بغله، وأكرمه ورفعه، ثم قال له: من أين أقبلت؟ قال: من عند رؤبة، ولقد سألته عن اسمه فما عرفه. قال يونس: فما ملكت نفسي غضبا حين ذكر رؤبة، فوثبت فجلست بين يديه وقلت: ألرؤبة تقول هذا! لهو والله أفصح من معد، أفتعرف أنت الروبة والروبة والروبة والروبة، والرؤبة؟ فسكت فما أجاب بحرف، فقال لي أبو عمرو: ماذا أردت إلى رجلٍ جاءني فأكرمته تأنسة، تستقبله بما يكره. ثم سألنا يونس ففسرها فقال: الروبة: الحاجة غير مهموز، يقال فلان لا يقوم بروبة أهله. والروبة: ساعةٌ من الليل. والروبة: جمام ماء الفحل، يقال: أطرقني روبة جملك وفحلك. والروبة: خميرة تلقى في اللبن ليروب. وهذه الأربع غير مهموزات. والرؤبة بالهمز: قطعةٌ يرأب بها الشيء المكسور، أي يشد. وفي دعاء بعضهم: اللهم ارأب صدعنا. قال أبو حاتم: وسمعت بعض الأعراب [يقول] : رب خلتنا! قال: وهي لغة جيدة. كما يقال اسأل وسل بغير همز.

стр. 233

١٤٠- مجلس أبي عثمان المازني مع أبي عمر الجرمي حدثني بعض إخواني قال: حدثنا أبو إسحاق الزجاج قال: أخبرنا محمد بن يزيد قال: حدثني المازني قال: قال أبو عمر الجرمي يوما في مجلسه: من سألني عن بيتٍ لا أعرفه من جميع ما قالته العرب فله علي سبق. قال: فسأله بعض من حضر -قال أبو العباس: السائل المازني ولكنه كنى عن نفسه- فقال له: كيف تروي هذا البيت: من كان مسرورا بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسرا يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار قد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدأن للنظار فقال له: كيف تروي: بدأن، أو بدين؟ فقال: بدأن. فقال: خطأ، إنما هو ((بدون)) . فقال له: أخطأت. ففكر ثم قال: إن لله، هذا عاقبة البغي. قال المبرد: مثل هذا لا يخفى على الجرمي، إنما غولط.

стр. 234

وقع في هذه الحكاية سهوٌ من الحاكي لها أو من الناقل، وذلك أنه حكى أن المازني حضر مجلس الجرمي، وهذا غلط، والذي حدثني به علي بن سليمان وغيره أن الجرمي تكلم بهذا بحضرة الأصمعي والسائل له الأصمعي. وإنما كان ذلك على الأغلوطة والتجربة. ومعنى الأبيات أن العرب كانت لا تندب قتلاها ولا تبكي عليها حتى يثأر بها، فإذا قتل قاتل القتيل بكت عليه وناحت. يقول: من كان مسرورا بمصرع مالك فقد قتلنا قاتله، وهؤلاء النساء يندبنه. والدليل على ذلك قوله: ((حواسرا)) لأن النساء لا تكشف رءوسها إلا بعد أن أدركت بثأر قتلاها. وقوله: ((بوجه نهار)) حكى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه موضع، وقال هو وغيره: وجه النهار: أول النهار. وقال الله جل وعز: ﴿وجه النهار واكفروا آخره﴾ .

стр. 235

١٤١- مجلس أبي إسحاق إبراهيم بن السري مع رجل غريب حدثني بعض إخواني قال: حضرت أبا إسحاق يوم الجمعة بعد الصلاة، فدس إليه أبو موسى الحامض رجلا غريبا بمسائل منها: كيف تجمع هبي وهبية جمع التكسير؟ فقال أبو إسحاق: أقول هباي كما ترى، فأدغم، وأصل الياء الأولى عندي السكون قولا ولولا ذلك لأظهرتها. فقال له الرجل: فلم لا تصرفه إذا كان أصله عندك السكون كما تصرف حمارا؟ فقال: لأن حمارا غير مكسر وإنما هو واحدٌ، فلذلك صرفته، ولم أصرف هباي لأنه مكسر. قال: وما أنكرت من أن يكونوا أعلوا العين في هذا الباب وصححوا اللام فشبهوا الياء ها هنا التي هي لام الفعل بعين المعتل، ثم أعلوا العين مثل راية وغاية. فقال له: هذا مذهب، وهو عندي جائز. ثم قال له أبو إسحاق: أراك تسأل سؤال فهم فكيف تصغير هبي؟ فقال: أنا مستفهمٌ والجواب منك أحسن. فقال أبو إسحاق: يقال في تصغير هبي هبيي فتصحح الياء الثانية في الأصل وتدغم فيها الياء الأولى التي هي لام الفعل وتأتي بياء التصغير ساكنة فلا يلزم حذف شيء. والهبي والهبية: الصبي والصبية.

стр. 236

ثم قال له الرجل: كيف تبني من قضيت مثل جحمرش، وهو العجوز؟ قال أبو إسحاق: أما على مذهب المازني [فيقال فيه] قضيي لأن اللام الأولى بمنزلة غير المعتل لسكون ما قبلها، فأشبهت ياء ظبي، فكأن ليس في الكلام إلا ياءان، فصححت الأولى من الأخريين وأعللت الآخرة. هذا مذهب أبي عثمان. والأخفش يقول فيها قضيا، قال: أحذف الآخرة وأقلب الوسطى ألفا لانفتاح ما قبلها. فقال له الرجل: فكيف تقول منها من قرأت؟ فقال أبو إسحاق: يقال قرآء، مثل قرقاع، وأصله قرأئىءٌ وزنه قرعيع، فاجتمعت ثلاث همزات فقلبت الوسطى منهن ياء لاجتماع الهمزات، ثم قلبتها ألفا لانفتاح ما قبلها. فقال له: فما وزن كينونة عندك؟ فقال: فيعلولة، وأصلها كيونونة، ثم قلبت الواو ياء لسبق الياء لها ساكنة، وأدغمت الأولى في الثانية فصار كينونة ثم خففت فقيل كينونة، كما قيل في ميت وهين وطيب: ميت وهين وطيب. قال: ما الدليل على هذه الدعوى والفراء يزعم أنها فعلولة؟ قال: الدليل على ذلك ثبات الياء؛ لأنه لو كان أصلا لزمه الاعتلال، لأنه لا محالة من الكون، فكان يجب أن يقال كونونة إن كان أصلها فعلولة بإسكان العين. وإن كان أصلها فعلولة بتحريك العين فواجب أن يقال كانونة. فقال له الرجل: فما تقول في امرأة سميت أرؤس ثم خففت الهمزة

стр. 237

كيف تصغرها؟ فقال: أريس ولا أزيد الهاء. فقال له: ولم وقد صار على ثلاثة أحرف، ألست تقول في تصغير هند هنيدة، وعين عيينة؟ فقال الزجاج: هذا مخالف لذلك؛ فإني ولو خففت الهمزة فإنها مقدرة في الأصل، والتخفيف بعد التحقيق. قال: فلم لا تلحقه بتصغير سماء إذا قلت سمية، أليس الأصل مقدرا؟ فقال: هذا لا يشبه تصغير سماء؛ لأن التخفيف في أرؤس عارض والتحقق فيه جائز، وأنت في تحقير سماء تكره الجمع بين ثلاث ياءات، وأنت لا تكره التحقيق في أرؤس، فلو حققته صار على أربعة أحرف، وسماءٌ الحذف لها لازم، فصار على ثلاثة أحرف، فلحقتها الهاء في التصغير. قال: ونظير الكينونة في الوزن القيدودة وهي الطول، والهيعوعة، وهي مصدر هاع الرجل، إذا جبن، هيعوعة؛ والطيرورة من الطيران. كل هذا أصله عند البصريين فيعلولة ثم لحقته ما ذكرت لك. وكان في المجلس المشوق فأخذ بياضا وكتب من وقته: صبرا أبا إسحاق عن قدرة ... فذو النهى يمتثل الصبرا واعجب من الدهر وأوغاده ... فإنهم قد فضحوا الدهرا

стр. 238

لا ذنب للدهر ولكنهم ... يستحسنون الغدر والمكرا نبئت بالجامع كلبا لهم ... ينبح منك الشمس والبدرا والعلم والحلم ومحض الحجى ... وشامخ الأطواد والبحرا والديمة الوطفاء من سحها ... إذا الربى أضحت بها خضرا فتلك أوصافك بين الورى ... يأبين والتيه لك الكبرا فظن جهلا والذي دسه ... أن يلمسوا العيوق والغفرا فأرسلوا النزر إلى غامرٍ ... وغمرنا يستوعب النزرا فاله أبا إسحاق عن خامل ... ولا تضق منك به الصدرا وعن خشار عررٍ في الورى ... خطيبهم من فمه يخرا

стр. 239

قال أبو إسحاق بعقب هذا المجلس: سألني محمد بن يزيد يوما فقال: كيف تقول في تصغير أموي: فقلت له: أقول أميي. فقال: لم صرحت ياء التصغير من أموي وأثبتها في هذا؟ فقلت: تلك لغيره، تلك للجنس وهذا له في نفسه، فلا يطرح ما كان في نفسه حملا على ما كان للجنس. فقال: أجدت أبا إسحاق.

стр. 240

١٤٢- مجلس أبي عثمان المازني مع أبي الحسن سعيد بن مسعدة أخبر أبو جعفر الطبري قال: حدثني أبو عثمان المازني قال: قال لي الأخفش سعيد يوما: على أي وجه أجاز سيبويه في تثنية كساء كساوان بالواو؟ فقلت: بالتشبيه بقولهم حمراوان وبيضاوان؛ لأنها في اللفظ همزة كما أنها همزة. فقال لي: فيلزمه على هذا أن تجيز في تثنية حمراء حمراءان على التشبيه بقولهم كساءان، لأنك إذا شبهت الشيء فقد وجب أن يكون المشبه به مثله في بعض المواضع. فقلت: هذا لازم لسيبويه. ثم فكرت فقلت: لا يلزمه هذا. فقال لي: أليس لما شبهنا ما بليس فأعملناها عمل ليس فقلنا ما زيد قائما كما نقول ليس زيد قائما، شبهنا أيضا ليس بما في بعض المواضع فقلنا: ليس الطيب إلا المسك، ومثل هذا كثير. ومنهم من يقول ليس الطيب إلا المسك، فنصب فإنه لزم الأصل؛ وذلك أن خبر ليس منصوب منفيا كان أو موجبا، لأنها أخت كان، والمنفي قولك ليس زيد قائما، والموجب قولك ليس زيد إلا قائما وما كان زيد إلا قائما. وأما من رفع فقال: ليس الطيب إلا المسك، ففيه وجهان: أحدهما هو الأجود أن يضمر في ليس اسمها ويجعل الجملة خبرها، كما قال هشامٌ أخو ذي الرمة: هي الشفاء لدائي إن ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول

стр. 241

التقدير: ليس الأمر شفاء الداء مبذول منها. ولكنه إضمارٌ لا يظهر؛ لأنه أضمر على شريطة التفسير، وتكون إلا في المسألة مؤخرة، وتقديرها التقديم حتى يصح الكلام؛ لأنها لا تقع بين المبتدأ والخبر، فيكون التقدير: ليس إلا الطيب المسك. ومثله: (إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا) تقديره: إن نحن إلا نظن ظنا. والوجه الآخر: أن تجعل ليس بمنزلة ما، فيلغي عملها لدخول إلا في خبرها، كما يلغي عمل ما إذا دخلت إلا في خبرها، كما حملوا ما على ليس فنصبوا خبرها؛ لأنه ليس في العربية شيئان تضارعا فحمل أحدهما على الآخر إلا جاز حمل الآخر عليه في بعض الأحوال. فقلت: أليس هذا مثل ذاك؟ وذاك أنه لو أجاز سيبويه في تثنية حمراء حمراءان لجعل علامة التثنية غير متطرفةٍ على صورتها وهي متطرفةٌ، فهل وجدت أنت علامة التأنيث متوسطة على صورتها متطرفة؟ فسكت ثم قال لي: لم أجد ذلك، ولا يلزم سيبويه ما قلنا، وما أحسن ما احتججت له.

стр. 242

١٤٣- مجلس أبي العباس ثعلب مع جماعة حدثني أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: وصاحبٍ أبدأ حلوا مزا ... بحاجة القوم خفيفا نزا إذا تغشاه الكرى ابرحزا ... كأن قطنا تحته أو قزا أو فرشا محشوة إوزا ... قال أبو الحسن: أنشدنا أبو العباس هذه الأبيات ثم قال: يا أصحاب المعاني، ما يقول؟ فخضنا فيه فلم نصنع شيئا، فضحك ثم قال: أخبرني ابن الأعرابي أن اسم ابنته كان مزة، فناداها ورخمها، كأنه قال: وصاحب أبدأ حلوا من القول يا مزة، ثم حذف الهاء للترخيم. يقال: رجل نز، إذا كان خفيفاً في الحاجة. ومثله خفيف، وخفافٌ، وندبٌ بمعنى واحد. وقوله: ((ابرحزا)) يريد انتبه. يصفه بقلة النوم وخفة الرأس. وقوله: ((أو فرشا مملوءة إوزا)) يريد ريش إوز، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قيل صلى المسجد، أي أهل المسجد.

стр. 243

١٤٤- مجلس أبي العباس أحمد بن يحيى مع أبي الحسن محمد بن كيسان حدثني بعض أصحابنا قال: أخبرنا أبو الحسن بن كيسان قال: قال لي أبو العباس: كيف تقول مررت برجل قائمٍ أبوه؟ فأجبته بخفض قائم ورفع الأب. فقال لي: بأي شيء ترفعه؟ فقلت: بقائم. فقال: أو ليس هو عندكم اسما، وتعيبوننا بتسميته فعلا دائما؟ فقلت: لفظه لفظ الأسماء، وإذا وقع موقع الفعل المضارع وأدى معناه عمل عمله؛ لأنه قد يعمل عمل الفعل ما ليس بفعل إذا ضارعه. قال: فكيف تقول: مررت برجل أبوه قائم؟ فأجبته برفعهما جميعا. فقال لي: فهل تجيز أن تقول: مررت برجل قائمٌ أبوه فترفع به مؤخرا كما رفعت به مقدما؟ قلت: ذلك غير جائز عند أحد. قال: ولم؟ قلت: لأنه اسمٌ جرى مجرى الفعل، وإذا تقدم عمل عمل الفعل ولم يكن فيه ضمير، فإذا تأخر كان بمنزلة الفعل المؤخر، فلزمه أن يقع فيه ضميرٌ من الاسم المتقدم يرتفع به كما يكون ذلك في الفعل إذا تأخر؛ فلما كان الفعل لو ظهر هاهنا لم يرفع ما قبله كان الاسم الجاري مجراه أضعف في العمل وأحرى ألا يعمل فيما قبله. فقال لي: فاجعل الاسم مرفوعا بالابتداء وما بعده خبره على مذهبكم؛ لأن خبر المبتدأ عندكم يكون مخفوضا ومنصوبا، كما تقول زيد في الدار وزيد أمامك، قلت: ذلك غير جائز؛ لأن خبر المبتدأ إذا كان هو

стр. 244

المبتدأ بعينه لم يكن إلا مرفوعا، كقولنا: زيد منطلق، وعبد الله قائم، وما أشبه ذلك. وكذلك إذا قلنا: مررت برجلٍ أبوه قائم، فالقائم هو الأب في المعنى، فلا يجوز أن يختلف إعرابهما. قال: فقد جاء في الشعر الفصيح الذي هو حجةٌ مثل هذا الذي تنكره. قال امرؤ القيس: فظل لنا يومٌ لذيذٌ بنعمةٍ ... فقل في مقيل نحسه متغيب تقديره: فقل في مقبل متغيب نحسه، ثم قدم وأخر كما ترى. فقلت له: ليس هو على هذا التقدير. فوقع لي في الوقت خاطر، قال: فأي شيء تقديره؟ قلت: تقديره فقل في مقيل نحسه، وتم الكلام، كما تقول: مررت بمضروب أبوه كريم، والتقدير مررت برجل مضروب أبوه، ثم تجعل كريما نعتا للمتروك الذي في النية، فكأنه قال: فقل في مقيل نحسه. يقال: قال نحسه، أي سكن. والنحس: الدخان أيضا. ثم قال متغيب بعد أن تم الكلام، كأنه قال متغيبٍ عن النحس. فقال: هذا لعمري وجهٌ على هذا التقدير. قال أبو الحسن: فحدثت أبا العباس المبرد بما جرى فقال: هذا شيءٌ خطر لي فخالفت النحويين؛ لأنهم زعموا أنه أتى به امرؤ القيس ضرورة. ثم رأيته بعد ذلك قد أملاه. واعلم أن الأسماء كلها يعطف عليها إلا المضمر المخفوض، فإن العطف عليه غير جائزٍ إلا بإعادة الخافض، كقولك: مررت بك وبزيد،

стр. 245

ودخلت إليه وإلى عمرو. ولو قلت مررت به وزيد كان غير جائز عند البصريين البتة إلا في ضرورة الشعر. وقد قبحه الكوفيون وأجازوه مع قبحه. قرأ حمزة: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ بالخفض عطفا على المضمر المخفوض. والقراء غيره قرءوا بالنصب، عطفا على الله .

стр. 246

١٤٥- مجلس الأخفش سعيد مع المازني حدثني محمد بن منصور قال: سأل المازني أبا الحسن سعيد بن مسعدة عن قولهم: زيد أفضل من عمرو وأكرم منه. فقال الأخفش: أفعل في هذا الباب إذا صحبه من فإنما يضاف إلى ما هو بعضه، فلم يثن ولم يجمع، كما أن البعض كذلك لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، كقولك: بعض أخواتك خرجن وخرجتا وخرج. قال أبو عثمان: إنما معناه: فضله يزيد على فضله، وكرمه يزيد على كرمه، فكان بمعنى المصدر فلم يثن ولم يجمع كما أن المصدر كذلك. قال أبو بكر: وقال الفراء: إن أفعل في هذا الجنس يضاف إلى شيء يجمع الفاضل والمفضول، فاستغنى بتثنية ما أضيف إليه وجمعه وتأنيثه عن تثنيته في ذاته وجمعه، فصار بمنزلة الفعل الذي إذا تقدم يستغني بما بعده عن تثنيته وجمعه.

стр. 247

١٤٦- مجلس مروان مع أبي الحسن سعيد بن مسعدة أخبر أبو جعفر أحمد بن محمد الطبري قال: سأل مروان سعيد بن مسعدة الأخفش: أزيدا ضربته أم عمرا، فقال: أي شيءٍ تختاره فيه؟ فقال: أختار النصب لمجيء ألف الاستفهام. فقال: ألست إنما تختار في الاسم النصب إذا كان المستفهم عن الفعل كقولك: أزيدا ضربته، أعبد الله مررت به؟ فقال: بلى. فقال له: فأنت إذا قلت: أزيداً ضربته أم عمرا، فالفعل قد استقر عندك أنه قد كان، وإنما تستفهم عن غيره، وهو من وقع به الفعل، فالاختيار الرفع، لأن المسئول عنه اسم وليس بفعل. فقال له الأخفش: هذا هو القياس. قال أبو عثمان: وهو أيضا القياس عندي، ولكن النحويين اجتمعوا على اختيار النصب في هذا لما كان معه حرف الاستفهام الذي هو في الأصل للفعل.

стр. 248

١٤٧- مجلس أبي العباس ثعلب مع جماعة في مجلسه حدثنا أبو الحسن علي بن سليمان قال: كنا عند أبي العباس ثعلب، فأنشدنا للحصين بن الحمام المري: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا يقطر الدما فسألنا: ما تقولون فيه؟ فقلنا: الدم فاعل جاء به على الأصل. فقال: هكذا رواية أبي عبيدة، وكان الأصمعي يقول: هذا غلطٌ، وإنما الرواية: ((ولكن على أقدامنا تقطر الدما)) منقوطة من فوقها، والمعنى ولكن على أقدامنا تقطر الجراحات الدما، فيصير مفعولا به، يقال قطر الماء وقطرته أنا. وأنشدنا: كأطومٍ فقدت برغزها ... أعقبتها الغبس منه عدما شغلت ثم أتت ترشفه ... فإذا هي بعظامٍ ودما

стр. 249

فأفاقت فوقه ترشفه ... وأعيض القلب منها ندما فالدم في موضع خفض عطفٌ على العظام، ولكنه جاء به على الأصل مقصورا كما ترى. وكان الأصمعي يقول: إنما الرواية: فإذا هي بعظام ودماء، ثم قصر الممدود. والأطوم: البقرة الوحشية. وبرغزها: ولدها. والغبس: جمع أغبس، وهي الكلاب. واعلم أنه قد جاء عن العرب أسماءٌ نواقص بغير علة، وقد ذكر بعض النحويين لها عللا غير مرضية، فمنها: يدٌ ودمٌ وفمٌ وأخٌ وما أشبه ذلك. فأصل (يد) يديٌ على فعل بإسكان العين. والدليل على ذلك قول العرب: يديت إليه يدا. فإن ثنيته قلت على النقصان يدان. وإن أردت تثنيته على الأصل فذلك جائز أن تقول فيه يديان. أنشدنا: يديان بيضاوان عند محجز ... قد يمنعانك أن تذل وتقهرا وأصل (فم) فوه، حذفت الهاء، وأبدلت من الواو ميمٌ عند الإفراد فقيل فمٌ. فإن ثنيته قلت فمان على النقصان. وقد قالت العرب على التمام فموان، فجعلوا الميم مكان الواو، والواو مكان الهاء، وهذا غلط منهم. قال الفرزدق:

стр. 250

هما نفثا في في من فمويهما ... على النابح العاوي أشد رجام وتقول في الجمع أفواه فترده إلى الأصل. فهذا يبين لك أصله. وأصل (دم) دميٌ على فعل بتحريك العين. الدليل على ذلك قوله: دميت يد فلان، وقوله في التثنية دميان، وفي الجميع دماء. وأنشدنا علي بن سليمان عن ثعلب: لعمرك إنني وأبا ذراع ... على حال التكاشر منذ حين ليبغضني وأبغضه وأيضا ... يراني دونه وأراه دوني فلو أنا على حجرٍ ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين يريد أنه لشدة ما بينهما من العداوة لا تختلط دماؤهما، فلو ذبحا على حجرٍ، لافترق الدميان، كما قال الآخر: أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزيلن حتى ما يمس دمٌ دما وأصل أخ وأب أخو وأبو، على فعل بتحريك العين، فلو جاء على الأصل لقيل هذا أخا ورأيت أخا ومررت بأخا، وكذلك رأيت أبا ومررت
следующие страницы →