Полный текст (265 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
٤٢- مجلس أبي العباس ثعلب مع محمد بن سلام
قال أبو العباس: أتيت محمد بن سلامٍ الجمحي لما قدم من البصرة لأقرأ عليه الأشعار والأخبار التي يرويها، فلما عرفني برني وأكرمني، فقال لي: أسألك عن أبيات؟ فقلت له: سل. فقال: ما معنى قول الفرزدق:
تكاد آذانها في الماء تقصعها ... بيض الملاغيم أمثال الخواتيم
فقلت: يصف حميرا تشرب، وأراد الحلقوم والمريء. ويروى: ((تقصفها)) ، أراد من شدة جرعها تضرب فتكاد تنقصف.
قال أبو العباس ثعلب: سألت الأثرم عن هذا البيت فقال لي: سألت أبا عبيدة عنه فأجابني بهذا وقال: الهاء والألف للآذان. وقال: يروى ((أمثال الخواتيم)) ، أي تجرع جرعا كالخواتيم، وأراد الدارات التي فيه كأنها حلق. قال ثعلب: شبه جرعها بالخواتيم، وأراد لما وردت الماء انغمست جحافلها في الماء حتى يكاد الماء يبلغ آذانها.
قال: فما تقول في قول علقمة:
سلاءة كعصا النهدي غل لها ... ذو فيئةٍ من نوى قران معجوم
قلت: يعني فرسا شبهها بشوك النخلة لإرهاف صدرها وتمام عجزها. وكذلك خلقة الشوكة يقول: خلقتها خلقة الشوكة. وهذا
стр. 72
يستحب في الإناث. وهذا مثل قوله:
إذا أقبلت قلت دباءةٌ ... من الخضر مغموسةٌ في الغدر
ويستحب في الإناث أن تتم صدورها وتخف أعجازها. ويحمد من الإناث أن يدق أولها ويغلط آخرها. وعصا النهدي، أي كأنها عصا نبع؛ لاندماجها وملاستها. وإنما خص نهدا لأن النبع ينبت في بلادها، فهم أصحاب عصي لا تفارقهم، فعصيهم ملس، فأراد أنها فرسٌ ملساء. وعل لها، أي أدخل لها في باطن حافرٍ أوفي موضع النسور. وإنما شبه النسور بالنوى لأنها صلاب، وأنها لا تمس الأرض، لأن الحافر مقعب. وذو فيئة: ذو رجعة، وهو أن يؤكل النوى ثم يفت البعر فيستخرج النوى فتعلفه الإبل مرة أخرى. ولا يكون ذلك إلا من صلابته. ويقال ذو فيئة، إذا أكلته الإبل فاء عليها، رجعت لحومها. ومعجوم، أي إنه نوى الفم، وهو أصلب ما يكون معجوم: معضوض. وقران، قال: موضع كثير النخل.
قال: فما تقول في قول جرير:
فلا يضغمن الليث عكلا بغرة ... وعكلٌ يشمون الفريس المنيبا
قلت: يقول: إن عكلا تخافني أن أهجوهم، كما تخاف الغنم الأسد؛ وذلك أن الأسد إذا أثر في شاةٍ من الغنم فرت الغنم إذا شمت فريسته. والضغم: الأخذ بشدة. حذرهم شعره وهجاءه.
стр. 73
فيقول: هي تجزع من هجائي إذا هجوت غيرهم، فكيف إذا أوقعته بهم.
قال لي: اقرأ ما شئت. وجعل يعجب.
стр. 74
٤٣- مجلس ثعلب مع محمد بن حبيب
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: أتيت محمد بن حبيب وقد كان بلغني أنه يمل شعر حسان بن ثابت، فلما عرف موضعي قطع الإملاء، فترفقت به فأمل. وكان لا يقعد في المسجد الجامع، فعذلته على ذلك فأبى، فلم أزل به حتى قعد في جمعةٍ من الجمع واجتمع الناس، فسأله سائلٌ عن هذه الأبيات:
أزحنة عني تطردين تبددت ... بلحمك طيرٌ طرن كل مطير
قفي لا تزلي زلةٌ ليس بعدها ... جبورٌ، وزلات النساء كثير
فإني وإياه كرجلي نعامة ... على كل حالٍ من غنى وفقير
ففسر ما فيه من اللغة، فقيل له: كيف قال: ((من غنى وفقير)) ، وإنما كان يجب أن يقول: من غنى وفقر. فاضطرب، فقلت للسائل: هذا عربيةٌ وأنا أنوب عنه. وبينت العلة. فانصرف ثم لم يعد بعد ذلك للقعود وانقطعت عنه.
стр. 75
قال أبو العباس: ورجلا نعامة لا تنوب واحدة عن الأخرى، لأنه لا مخ فيهما، وسائر الحيوان إذا عييت إحدى رجليه استعان بالأخرى.
ويقال: هما رجلا نعامة.
والمصادر ترد على الأسماء، والأسماء ترد على المصادر، لأن المصادر ظهرت ظهور الأسماء، وتمكن الإعراب منها.
стр. 76
٤٤- مجلس ثعلب مع محمد بن سعدان
قال أبو العباس أحمد بن يحيى:
اجتمعت مع محمد بن سعدان الراوية فقال: أسألك؟ فقلت: نعم.
قال: ما تقول في قول الشاعر:
الجدب يقطع عنك غرب لسانه ... فإذا استشر رأيته بربارا
فقلت: الفقر يقطعه عما تكره، فإذا استغنى لم تقو به ولم تقم له، والإشرارة: المائة من الإبل. والبربرة: الصياح والجلبة. فأمسك ولم يزد عليه.
والإشرارة كان صاحبها إذا ملكها أشر وبطر.
стр. 77
٤٥- مجلس أبي العباس أحمد بن يحيى مع ابن الأعرابي محمد بن زياد
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: كنا عند أحمد بن سعيد بن سلم وعنده جماعةٌ من أهل الأدب، منهم عافية بن شبيب، والسدري، وأبو العالية، فأتاه ابن الأعرابي، وكنا قبل موافاته في شعر الشماخ، نتناشده ونتساءل عن معانيه، فلما جلس أقبلت عليه أسأله عن معانيه، فكان فيما سألته عنه هذا البيت:
فنعم المرتجى ركدت إليه ... رحى حيزومها كرحى الطحين
فسبق إلى ظنه أني أريد أن استزله بحضرة من حضر من أهل البصرة، فنظرت إليه وقد تمعر فأنكرته، وكانت أخلاقه شديدة، وكنت أعرفه فقلت له: لا والله ما الأمر كما توهمت! وعرفته القصة، فسكن وقال: إنما أراد الصلابة؛ لأنها إنما تمدح بصغر الكركرة.
стр. 78
٤٦- مجلس أبي العباس ثعلب مع محمد بن عبد الله بن طاهر
قال أبو العباس: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر يوم دخلت عليه، وكان لما قدم من خراسان طلبني، فلما وصلت إليه بادر إلى بيت الراعي:
كدخان مرتجلٍ بأعلى تلعةٍ ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا
قلت: يصف ذئبا. فسألني عن بيته:
كلي الحمض بعد المقحمين ورازمي ... إلى قابلٍ ثم اعذري بعد قابل
فقلت له: ليصبر الإنسان عن قليله، ويعف عن كثيرِ غيره، ليكون أعز له:
وسألني عن بيته:
وخادع المجد أقوامٌ لهم ورقٌ ... راح العضاه به والعرق مدخول
فقلت: رأى ظاهرهم فقدر أن الباطن مثله فأخلف.
فسألني عن بيته:
فنلنا غرارا من حديثٍ نقوده ... كما اغتر بالنص القضيب المسمح
стр. 79
فقلت: يعني أنه لم يزل يترفق بمن يهواه حتى أطاع وسامح.
فسألني عن بيته:
وأفضن بعد كظومهن بجرةٍ ... من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا
فقلت: ذو الأبارق وحقيل: موضعٌ واحد، فأراد من ذي الأبارق إذ رعينه.
فأقبل يسألني عن كتاب الندبة للفراء، وأنا أجيبه، فسألني عن خمس مسائل منه، فتوخيت أن أتيت بلفظ الكتاب، فرفع يده عن الكتابين، وكان على فخذه اليمنى شعر الراعي، وعلى فخذه اليسرى كتاب الندبة، وهو يسألني عن بيتٍ من هذا ومسألةٍ من هذا. ثم قال لي: قد وصفت لي وأنا بالمعسكر، وشاهدتك، فما رأيت رجلا إلا كانت مشاهدته دون صفته، خلاك.
стр. 80
٤٧ مجلس أبي العباس ثعلب مع أبي الأعرابي
قال أحمد بن يحيى: كتب إلي يعقوب بن السكيت من سر من رأى، يسألني عن أشياء أسأل ابن الأعرابي عنها، فصرت إليه في يوم الجمعة بعد الصلاة إلى حلقةٍ في المسجد في الجانب الغربي، وكان يصلي عند باب المشبك مما يلي المنارة، فكان أول شيءٍ سألته عنه أن قلت بيت المسيب بن علس:
نظرت إليك بعين جازيةٍ ... في ظل فاردةٍ من السدر
قال: يقول: قد جزأت بالرطب عن الماء فقد سمنت وحسنت. وفي ظل فاردةٍ، أي ليست في سدر كثير فيسترها فلا يتأمل حسنها، ولا بارزة فتخلو من الكن.
قال: فاستحسنَّا قوله. ثم جعلت أسأله حتى سألته عن جميع ما كان معي.
قال: وقال غير ابن الأعرابي: الجازية: العطشانة. والظبية أحسن ما تكون إذا كانت كذلك.
стр. 81
٤٨- مجلس أبي العباس ثعلب مع المازني
وجدت بخط أبي العباس ثعلب: قال أبو عثمان المازني: لا يجوز: لا رجل زيد البتة، لا على التكرير ولا على الإفراد؛ لأن لا إذا لم يكن شيئا بعينه لم يكن خبره شيئا بعينه. قلت: لا رجل أفضل منك، أليس هو شيئا معروفا بعينه؟ قال: لا، لأن أفضل منك صفةٌ للخلق.
وقال: قال الأخفش ورواه رواية: لا موضع صدقة أنت. قال: هو عندي ظرفٌ، كأنه قال: لا أنت في موضع صدقة. ولم يحتج إلى تكرير لا، لأنه كالمثل، لأن لا إذا وقعت على معرفة فلا بد من تكرير الكلام. فأنت معرفة ولكنه كالمثل، والمثل يجيء على خلاف الباب. ألا ترى أنك تقول: ((وريت بك زنادي)) في المثل، وفي الكلام: ورت الزناد ترى. ومثله قوله: ((أساء سمعا فأساء جابة)) ، وفي الكلام تقول: أجاب إجابة وجوابا، كل ذلك يجوز، ولا يجوز في المثل إلا ما حكي.
وقال: محالٌ أن تقول: لا فتى هيجاء أنت، لا تكون معرفة. قلت: فتقول:
لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتى إلا علي
أليس ذو الفقار معرفة وعلى معرفة؟ فقال المازني: معناه لا سيف موجودٌ إلا ذو الفقار، ولا فتى موجودٌ إلا علي. والعرب قد توسعت في إضمار خبر النفي. ألا ترى أنك تقول: لا بأس ولا ضير، تضمر الخبر، وذلك موجود. وقولهم: لا عليك، أشد من هذا، ومعناه: لا بأس عليك.
стр. 82
قلت: فما تقول في قول الشاعر:
لا ذرى هو أذرى من جفانهم ... مثل الجوابي على عادي أعداد
قال: لا يكون خبر النفي معرفة. وقوله: ((لا ذرى هو أذرى)) ، فقوله هو أذرى جملة، والجملة تقع صفة للنكرة. ألا ترى أنك تقول: لا رجل أبوه منطلق، فلما وقع صفة للنكرة وقع خبرا للنكرة. تقول رأيت رجلا أبوه منطلق، وأبوه منطلق جملة وقعت في موضع الصفة للنكرة، فلحال هذا صارت خبرا للنكرة، ووقوعها في موضع الصفة للنكرة.
стр. 83
٤٩- مجلس أبي العباس ثعلب مع أبي العباس المبرد
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: حضرت أنا ومحمد بن يزيد عند محمد بن عبد الله بن طاهر، وكان أول مجلس حضرته معه، فقال لي محمدٌ بن عبد الله: قول الله جل وعز: ﴿الَّذِينَ يتسللون منكم لواذاً﴾ ، فقلت له: إذا كان لاوذت وقاولت فمصدره لواذا وقوالا، وإذا كان لذت فهو لياذا. فقال المبرد: هذا صوابٌ وأنا أفهم الأمير. قال أبو العباس: فغاظني، ثم جرى كلامٌ فذكرنا الأزد، فقلت لمحمد: قرأنا شعر الأزد على أبي المنهال وكان عالما به، قد قرأه على مؤرج وعلى خالد. فقال المبرد: قد قرأناه ولم يقرأه قط. فقال له الأمير: على من؟ فقال: إنه كانت تأتينا الأعراب فيمجدوننا (أي يكثرون، كما يقولون: أمجد الدابة علفا) فسكت عنه. وكان محمد يفهم.
ثم ذكرنا الفراء فقلت: هو كان الشيء بين الشيئين، لا يكون على هذه الجنبة ولا على هذه الجنبة. فقال لي: مثل أي شيء؟ فقلت له: مثل قولك: زيد طعامك آكل، فآكل لفظه لفظ الأسماء ومعناه معنى الأفعال. فقال المبرد: آكل اسمٌ عمل عمل فعل ويفعل. قلت: فيجوز طعامك رأيت آكلا؟ فقال: نعم. فقلت: هذا خطأ. فقال له محمد بن عبد الله: أليس زعمت أن آكلا اسم تأويله إذا نصب أكل ويأكل؟ قال:
стр. 84
نعم. قال له: فهذا خطأ، لأنه لا يكون طعامك رأيت أكل ويأكل. فقال: ليس بيننا اختلاف في قوله زيد هل يقول وهل قام، ولا يجيزون زيد هل قائم. فقلت له: هذا لا يجوز، ولا يقولون: زيد هل يقوم وزيد هل قام.
ثم قال: هذا يشك فيه.
قال أبو العباس: فبلغني أنه يحكي ما دار بيننا على غير ما كان، فقلت لطاهر: قد جرى بيننا عند الأمير شيء، فابعث فاسأله. فبعث فسأله فقال: والله ما قلت كذا ولا تكلمت به، فوقع محمد إلى ابنه طاهر: ((الناس يخطئون فاسمع منهما ولا تؤرثن بينهما، ولا تخرج توقيعي إلى أحد)) .
стр. 85
٥٠- مجلس آخر لأبي العباس ثعلب مع أبي العباس المبرد
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: دخلت يوما إلى محمد بن عبد الله، فإذا عنده أبو العباس محمد بن يزيد وجماعةٌ من أسبابه وكتابه، وكان محمد بن عيسى وصفه له، فلما قعدت قال لي محمد بن عبد الله: ما تقول في بيت امرءى القيس:
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر
قال: قلت: الغريب أنه يقال لحمٌ خظا بظا، إذا كان صلبا مكتنزا. ووصفه بقوله: ((كما أكب على ساعديه النمر)) إذا اعتمد على يده. والمتن: الطريقة الممتدة عن يمين الصلب وشماله. وما فيه من العربية أنه خظتا، فلما تحركت التاء أعاد الألف من أجل الحركة والفتحة.
قال: فأقبل بوجهه على محمد بن يزيد فقال له محمد: أعز الله الأمير، وإنما أراد في خظاتا الإضافة، أضاف خظاتا إلى كما. قال: فقلت له: ما قال هذا أحدٌ. قال محمد بن يزيد: بلى، سيبويه يقوله. فقلت لمحمد بن عبد الله: لا والله ما قال هذا سيبويه قط، وهذا كتابه فليحضر. ثم أقبلت على محمد بن عبد الله فقلت: وما حاجتنا إلى كتاب
стр. 86
سيبويه، أيقال مررت بالزيدين ظريفي عمرو، فيضاف نعت الشيء إلى غيره؟ فقال محمد: لا والله ما يقال هذا. ونظر إلى محمد بن يزيد فأمسك ولم يقل شيئا. وقمنا وتملص المجلس.
стр. 87
٥١- مجلس سلمة بن عياش مع أبي عمرو بن العلاء
وجدت بخط إسحاق بن إبراهيم الموصلي: أخبرني الأصمعي عن سلمة بن عياش قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن هذا البيت:
يا صاح يا ذا الضامر العنس ... والرحل ذي الأجلاب والحلس
فقال: يا صاح يا ذا الضامر العنس. ثم قام فصعد درجة فأحضر فيها. فقلت له: إن فيها:
والرحل ذي الأجلاب والحلس ...
فقال: ويحك! منها فررت. أي علم أنه أخطأ فقام. قال الأصمعي: إنما أراد يا صاح يا ذا العنس الضامر والرحل ذي الأجلاب، فلا يكون في الضامر الرفع.
وأجلاب الرحل: عيدانه وجدياته. تقول لصاحبك: ائتني بأجلاب رحلي، فيأتيك بعظم الرحل. وتقول أيضا: ائتني بعظم الرحل. وفلانٌ عالم بعظم النحو، أي بأصله لا بأطرافه. وفلانٌ شحيح على عظم دينه، أي معظمه.
стр. 88
٥٢- مجلس محمد بن يزيد مع أبي عثمان المازني
وجدت بخط محمد بن يزيد:
سألت أبا عثمان بكر بن محمد المازني فقلت: ما ترى في قوله:
وقدرٍ ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسم
أتحتاج ((لا)) إلى أن يكون بعدها ضمير؟ فقال: لا، ولكن لو كانت ما مكانها احتاجت إلى ضمير.
فقلت له: أما ما الحجازية فتحتاج إلى ضمير لأنها بمنزلة ليس، فما تقول في ما التميمية أيضاً لأنها تبقى آخر الكلام، فلابد من أن يكون ضميره فيها. ألا ترى أنه يختار بعدها إضمار الفعل في قولك: ما زيدا ضربته، فتجريها مجرى ألف الاستفهام. قلت: أفرأيت ((ما)) التي تكون لغوا يمتنع منها موضع؟ فقال: لا يمتنع منها موضعٌ، بين كلامين كانت أو آخر كلام، ولكنها لا تلغي إذا كانت أول كلام، فليس تمتنع إلا في هذا الموضوع.
قال أبو عثمان: زعم سيبويه في بيت الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم ... إذ هم قريشٌ وإذ ما مثلهم بشر
стр. 89
إن بعض العرب إذا قدم خبر ما نصب بها. وهذا وهمٌ منه، لأنه قال: بعض العرب يشبه ما بليس، فكما يقدم خبر ليس كذلك يقدم خبر ما. وهذا لا يجوز، لأن ليس فعل، وما حرف جاء لمعنى، وكان القياس أن يكون ما بما بعده مبتدأ وخبرا، وهي لغة بني تميم. قال سيبويه: ولغة بني تميم أقيس. وقد قال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا ... وما تيمٌ لذي حسبٍ نديد
فرفع بها، وإنما ما مشبهة بليس في لغة أهل الحجاز مادام ينفي بها، وإذا أوجبت رجعت إلى أصلها وفارقت ليس. وقد نطق القرآن بلغة أهل الحجاز. قال الله جل وعز: ﴿مَا هَذَا بشراً﴾ . وقال في أخرى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ . وتدخل الباء على خبر ((ما)) كما تدخل على خبر ليس.
تقول: ما زيد بقائم وليس زيد بقائم، فإذا أثبت ما نفيت تقول: ما زيد إلا قائم، وليس زيد إلا بقائم، فتخالف ليس، لأنك تقول في ليس: ليس زيد إلا قائما.
قال أبو عثمان: كأنه صفة فقدم الصفة على الموصوف فنصبه على الحال. وذلك أن بعض العرب يجعل النكرة حالا، فإذا قدم الصفة على الموصوف نصبه لأنه يجعل الحال للنكرة.
стр. 90
٥٣- مجلس أبي العباس ثعلب مع أبي العباس المبرد
حدثني محمد بن أحمد بن مابنداذ قال: حدثني أبو العباس ثعلب قال:
دخلت دار محمد بن عبد الله بن طاهر في يومٍ من الأيام، فوجدت في الدار محمد بن يزيد، وعلي بن عبد الغفار، فقال علي: قد اجتمعتما وأريد أن أسأل عن مسألة. فقلت له: سل. فقال: ما معنى قول الله جل وعز: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ﴾ . فقلت: معناه ليس مثله، وليس كمثله، المعنى فيه واحدٌ، والعرب تدخل الكاف ليعلم أنها كالأسماء ومثل مثل.
فالتفت إلى محمد بن يزيد فسأله فقال: هذا جوابٌ مقنع، ولكن إذا دخلنا الساعة إلى الأمير فسلني عنها بحضرته حتى أخبرك بما بقى فيها. فقال له: مجلس الأمير لا يمكن أن يجري فيه شيء بغير إذنه، ولكن تخبرني الآن. فقال له: أنا أكثر عندك وأصير إليك.
وحدثني أبو الحسن قال: سألته: أي شيء بقى في المسألة؟ فقال: الذي بقى فيها التأكيد.
стр. 91
٥٤- مجلس أبي العباس ثعلب مع أبي إسحاق الزجاج
قال أبو عمر: كان أبو العباس أحمد بن يحيى عندي في منزلي بمدينة أبي جعفر المنصور، فدخل علينا إبراهيم بن السري الزجاج، فسأل أبا العباس عن الخراتين ما هما؟ وذكر أن رسول أمير المؤمنين المعتضد خرج إليه فسأله عن ذلك، فقال له أبو العباس: يقول ابن الأعرابي: هما كوكبان من كواكب الأسد. ويقول أبو نصر صاحب الأصمعي؛ هما كوكبان في زبرة الأسد. (والزبرة: الوسط) . والذي عندي أنهما كوكبان بعد الجبهة والقلب. فأنكر ذلك وقال: أنا أقول: إنهما كوكبان في منخري الأسد، وهما من خرت الإبرة، وهو ثقبها، فقال أبو العباس: هذا خطأ؛ لأن خراة لا تكون من الخرت، وقال: هما خراتان لا يفترقان. بل خراة مثل حصاة وحصاتان. فدفع ذلك قال: فقد قيل يومٌ أرونانٌ من الرنة، يراد به الشدة. فقال له: هذا يقوله ابن الأعرابي، وهو غلط، لأن أرونان لا يكون من الرنة ولكنه من الرون، وهو ماء الرجل وذلك لأنه إذا شرب قتل. فأريد يوم شديد كشدة هذا. فقال له: فأعطنا في الخراتين أنهما كما قلت حجة. فقال: الفراء ينشد:
إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته أو الخراة والكتد
стр. 92
بال سهيلٌ في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد
فهذا دليل على أنهما ليسا في المنخر. فقال: أعطني الكتاب الذي فيه هذا. فغضب أبو العباس وقال له: تقول لي هذا القول! والله ما كلمتك قط إلا له –وأومأ إلي- وإلا فلست في موضع تكلم أو تخاطب، لا والله ولا صاحبك! وقد كنت أرفع نفسي عنه وعن مناظرته، لا والله ولا صاحب صاحبك عندي في حد من أناظره لو كان حاضرا –يريد بذلك المازني- وقام ماضيا.
وقال: معنى ((بال سهيلٌ)) : مثلٌ، أي جاء الشتاء ففسد الفضيخ وجاد اللبن. وقال: ((طاب وبرد)) لأنه رده على الواحد، لأن الجمع بمعنى الواحد؛ لأن اللبن والألبان بمعنى واحد.
قال لي أبو بكر: فلقيت الزجاج في غد ذلك اليوم فحدثني بأمر المجلس، فقلت له: فأنت تقول حصى وحصيات، فتقول في خراةٍ مثل هذا خراة وخريات؟ فأمسك، فجئت إلى ثعلب فحدثته بذلك فسر به.
стр. 93
٥٥- مجلس أبي العباس ثعلب مع محمد بن يزيد المبرد
حدثني أبو الحسين الحصيني قال: حدثني أبو الفضل جعفر بن محمد بن يعقوب النحوي الغساني الضرير قال: حدثني أبو العباس محمد بن يزيد قال:
كان محمد بن عبد الله بن طاهر رجلا لا يقبل من العلوم إلا حقائقها، وإنه رام نحو هؤلاء الكوفيين، وإنهم يحصلون على الرواية فإذا اختلفوا رجعوا إلى الكتب، فقيل له: اجمع بين أحمد بن يحيى وبين هذا البصري، فوعدنا ليوم بعينه وكان يوم خميس، فبكرت وإذا بعض الناس –يعني أحمد بن يحيى- قد سبقني، وعلى الباب علي بن عبد الغفار الضرير، فقال بعض الناس: من هذا؟ فقيل: هذا الذي يجمع بينك وبينه لتناظره. فكان أول ما بدأني به أن قال: ما يقول سيبويه في كذا وكذا؟ فقلت: كذا وكذا. فقال: ليس كما قلت. فسكت. قال: فقال لي علي بن عبد الغفار: ما لك قد سكت؟ قلت: وما عسيت أن أقول، رجل يقول: ليس الأمر كما قلت أفأهتره. ثم أذن لنا فلما استقر بنا المجلس، كان أول سؤاله إيانا أن قال: خبراني عن قول الله جل وعز: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ كم فيه (من) لغة؟ فقلت: برآء مثل كرماء، وبراء على مثال كرام.
فقال أحمد بن يحيى: وبراءٌ أيها الأمير. فقال: ما تقول يا محمد؟
стр. 94
فقلت: أيها الأمير سله من أين؟ قال: من أين قلت؟ قال: حدثني سلمة عن الفراء أنه سمع أعرابية تقول: ألا في السوة أنتنه تريد: ألا في السوءة أنتنه، فطرحت الهمزة. قال: ما تقول يا محمد؟ قلت: لا ينسخ القرآن إلا مثله، ولا الإجماع إلا مثله.
قال: نحو ماذا؟ قلت: كما كان الناس يصلون إلى بيت المقدس ثم نسخته الصلاة إلى بيت الله الحرام. قال: هات. قلت: ولا ينسخ الضرورة إلا مثلها. قال: كماذا؟ قلت: أن ترى الإنسان طفلا فلا تنازعك ضرورةٌ، ثم تراه غلاما يفعة فلا تنازعك ضرورة، ثم تراه شيخا. فقال: فهات الذي أجريت إليه. قلت: لا يترك كتاب الله وإجماع العرب لقول أعرابية رعناء.
قال: فخبراني عن توراةٍ ما وزنها؟ قال أحمد بن يحيى: تفعلة. قال: ما تقول يا محمد؟ قلت: ليس في كلام العرب تفعلة إلا قليل نحو تنقلةٌ. قال: فما هي عندك؟ قلت: فوعلة، وأصله وورية، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصارت ووراة، ثم قلبت الواو الأولى تاء كما قالوا تراثٌ وأصلها وراث، وتخمة وأصلها وخمة. والتوراة مأخوذة من ورى الزناد، وتقديرها أنها توري الحكمة، أي تضيء.
قال: فخبراني عن سماء ما أصل ألفها؟ قلت: أصلها سماوٌ. قال: وما دليلك؟ قلت: سماوة وسماوات. قال: فأنشدني في هذا بيتا. فأنشدته:
وأهتم سيار مع القوم لم يدع ... تعرض آفاق السماو له ثغرا
стр. 95
قال: فخبراني عن ضحى ما وزنها؟ فقال أحمد بن يحيى: على مثال بشرى. فقلت: بشرى فعلى وضحى فعل على مثال هدى.
قال: فخبراني عن قول الله : ﴿إذ الأغلال في أعناقهم﴾ أليس إذ تكون لما مضى؟ قال أحمد بن يحيى: بلى، قال محمد بن عبد الله بن طاهر: الأمر لم يقع. فقال أحمد بن يحيى: حدثني سلمة عن الفراء، أن الأفعال الماضية تحل محل المستقبلة، لأن الله جل وعز قد أحاط بكل شيءٍ علما، وأحصى كل شيءٍ عددا، وليس لما علم خلف. قال: ما تقول يا محمد؟ قلت: أما قوله إن الله قد أحاط بكل شيء علما وجميع ما ذكر حق، غير أن الله جل وعز خاطبنا بلسان عربي مبين، فمن كلام العرب: إذا جاء عمرو أكرم خالدا، فتلخيص الآية قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رسلنا فسوف يعلمون﴾ لما لم يقع، فتقديره إذا كان إثم وقعت الأغلال أعناقهم.
قال: فخبراني عن همزة بين بين ساكنة أم متحركة؟ قال أحمد بن يحيى: لا ساكنة ولا متحركة. قال: ما تقول يا محمد؟ قلت: قوله لا ساكنة قد أقر أنها متحركة، وقوله ولا متحركة قد أقر أنها ساكنة، فهي ساكنة لا ساكنة متحركة لا متحركة! قال: فلم سميت بين بين؟ فقلت: لأنها إذا خففت فقد جعلت بين الهمزة وبين ما منه حركتها.
قال: فكيف قرنتم إلى هؤلاء؟ قلت: كما قرن معاوية إلى علي. قال: نعم العلم علمكم، إلا أنك لا تجعل لأحد فضيلة. قلت: لا أتقلد مقالة، متى لزمتني حجةٌ قلت: ما ذنبي، هكذا قال فلان. أنا كما قال الشاعر:
أظل من حبها في بيت جارتها ... من فاته العين لم يستبعد الأثرا
стр. 96
لربما روأت في الحرف سنة لتضح لي حقيقته.
فضم أحمد بن يحيى إلى ولده، وضم محمد بن يزيد إلى نفسه.
стр. 97
٥٦- مجلس آخر لأحمد بن يحيى مع محمد بن يزيد
قال أبو العباس محمد بن يزيد: سمعت أحمد بن يحيى يقول في أول ما التقينا عند الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر: ذكر سيبويه أن قولك أخت في وزن قفل، فأنكرت ذلك، فلم يزل يتردد فيه حتى وقفته على ما قاله سيبويه: أن وزن أخت فعله ثم حذفت فصارت على حرفين، ثم ألحقت بالتاء الزائدة بباب فعل، وأن الإلحاق إنما يقع بالزيادة لتبلغ بها وزن الأصول.
وسمعته يقول: ألف ضحى للتأنيث كألف بشرى، لأن ضحى مؤنثة.
وسمعته يزعم أنه إذا صغر أحمر أو حارث أو نحوهما مما فيه زيادة قال: إن كان اسما صغرته على لفظه وعلى حرف الزيادة، فأقول: حارث اسما حويرث وحريث، وكذلك أحمر أحمير وحمير إذا كان اسما. وإذا كان شيء من ذلك نعتا لم يجز في تصغيره إلا التمام، ولا نجيز فيه وهو نعتٌ تصغير الترخيم.
وسمعته يقول بحضرة الأمير: النعت لا يضاف. فجعل الأمير يقول لنا: فلا تقول زيد غلامك مقبل وزيد أخوك جالس ونحوه؟ فخجل وجعل يخلط ويقول: كذا قال الفراء والكسائي.
وسمعني أذكر للأمير: من على كم وجهٍ تكون، حتى أتيت على ذلك، فقال ثعلب: وتكون من للنفي: فقلت: إن ذلك خطأ. فقال: كذا قال الفراء. ثم وضح له ما قلت فقال: الفراء كان يزعم أن معنى الاستفهام كله النفي. فقلت: لو كان إلى هذا قصد لقال: وحروف الاستفهام ترجع إلى النفي، ولكن حروف الاستفهام تتسع فتخرج إلى
стр. 98
التقرير والتسوية. ولكنا نقول: إن حروف الاستفهام غير واجبة، كما تقول في الأمر والنهي ونحو ذلك، والنفي غير واجب، وهو من الاستفهام بعيدٌ جدا؛ لأن النفي خبر، والاستفهام استخبار.
وقال: أمس مبنية على الكسر وضعت موضعا واحدا. وذكر أن الكسائي قال: إنما كسرت أمس من أجل أنك تقول: أمس بخير. والفراء يقول: كسرت لأن السين يتناول بالكسر.
قال محمد بن يزيد: إنما كسرت لأنك تقوله لليوم الذي يلي يومك، فإذا مضى صار قولك أمس لليوم الذي يلي يومك، فإذا مضى صار قولك أمس أمس اليوم، فضارع الحروف –يعني من وما أشبهها- أي أنها لا تقوم بأنفسها حتى تضيفها.
فكذلك أمس احتاجت حينئذ إلى أن تكون إلى جنب اليوم، فاحتاجت حينئذ إلى البناء، وعدلت وكسرت لالتقاء الساكنين.
стр. 99
٥٧- مجلس أبي بكر محمد بن أحمد مع أبي إسحاق الزجاج
حدثني أبو بكر محمد بن أحمد الخياط قال: لما قدمت من سر من رأى قصدت أبا الحسن علي بن إسماعيل، فلما لقيته رحب بي وقرب مجلسي، ثم قمنا نمشي حتى أتينا مجلس إبراهيم بن السري وعنده أصحابه، فعرفه أبو الحسن موضعي، فأدناني، فلما جلست إليه وهو أول يوم التقينا فيه سألني فقال: كيف تقول: خمستكم بينكم درهم؟ فقلت: لا يجوز هذا؛ لأن الخمسة ليس يعود عليها شيء. قال: فكيف الصواب؟ فقلت: بينهم درهم أو بينها درهم؟ فقال: كيف تبني مثل جردحل من قويت؟ قلت: قيو. فأنكره وقال: لم تقلب الواو ياء؟ قلت: لأن الواو هاهنا ساكنة وقبلها كسرة وهي عين الفعل، والواو التي بعدها لام، فيكون قيوو، ثم تقلب الواو التي بعد الياء ياء فتقول قيو. فقال: الصواب قوي لأن الواو المدغمة بمنزلة المتحركة. قلت له: كيف تبني مثل فعل من قويت؟ قال: قوي. فقلت: ففعل التي لا تنفصل عينٌ من عين وفعلل يكونان واحدا؟
قال أبو بكر: الذي ذهب إليه هو مذهبٌ، والأول عندي أجود منه، فذلك أجبت به.
فقال لي: فكيف تبني مثل عثول من قويت؟ فقلت: قيوو. فقال: هذا صوابٌ لأن الواو زائدة. قلت: هي ملحقة، والملحق يجري مجرى الأصل. قال: وكيف تبني مثل فعل من غزوت؟ فقلت: غزى. فأنكره وقال: الصواب غزو، كما قال في الحرف المدغم في قوي. فأمسك.
стр. 100
٥٨- مجلس أبي جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري مع أبي عثمان
قال أبو جعفر: سألت أبا عثمان عن تأنيث السكين فقال: السكين مذكر ولا يؤنثه فصيح. فأنشدته قول الفراء:
فعيث في السنام غداة قر ... بسكين موثقة النصاب
فقال: لمن هذا ومن صاحبه؟ ما أراه إلا أخرج من الكم، وأين صاحب هذا عن أبي ذؤيب حيث يقول:
فذلك سكينٌ على الحلق حاذق ...
وسألته عن تأنيث الإزار فقال: كان الأصمعي وأبو الحسن يقولان: الإزار مذكر، ويردان قول الأعشى:
كتميل النشوان يرفل ... في البقير وفي الإزاره
стр. 101
قال: وحضر ابن السجستاني فقال له: أوجدك التأنيث في شعرٍ من لا ينكر صاحبه؟ فقال: هات. فأنشده:
تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها
فانقطع وسكت الأصمعي ولم يجب ساعة، ثم قال: سلوا هذا الرجل عن هذا –يعني الأخفش- فإن فيه شيئا لم أقف عليه، أو لا أقف عليه. وكان بينه وبين الأخفش رديء، فسألنا الأخفش عن ذلك فقال: هذا قال لكم؟ يعني الأصمعي. فقلنا: نعم. فقال: له في علقت ضمير المرأة، فأبدل الإزار من ذلك الضمير فلذلك قال علقت. فأخبرنا الأصمعي بذلك فقال: قد وقع لي ما قال قبل أن تقولوا لي.
وكان أبو زيد يذكر ويؤنث.
стр. 102
٥٩- مجلس أبي عثمان المازني مع جماعة من النحويين
قالوا: إذا قلت زيد قائم: زيد ابتداء وقائم خبره.
قالوا: فإذا قلت إن زيدا قائم، عملت إن في الابتداء وبقى الخبر على حاله؛ لأن إن لا تعمل في الخبر، فخبرها خبر الابتداء. وهذا مذهب الكسائي.
قال أبو عثمان: هذا خطأٌ. ثم سألهم فقال: أخبروني عن إن لم نصبت عندكم؟ قالوا: لأنها مشبهة بالفعل. قال لهم: فإذا قلتم: إن زيدا قادمٌ، زيد عندكم إنه ماذا؟ قالوا: عندنا أنه مفعول مقدم. قال: فما الفعل فيه؟ قالوا: إن. قال: فبين إن وبين قادمٌ سبب؟ قالوا: لا. قال: فهل رأيتم فعلا قط نصب ولم يرفع شيئا؟ قالوا: هذا محال، لأن الفعل إذا لم يرفع خلا من الفاعل. قال: فالشيء إذا شبه بالفعل فلا ينبغي أن ينصب فقط ولا يرفع؛ لأنه إن كان كذلك فليس هو مشبها بفعل، لأنه لا فعل في الكلام نصب ولم يرفع. قالوا: أجل كذا يجب. قال لهم: فيجب في الحرف المشبه بالفعل أن يكون الاسم المنصوب بعده بمنزلة المفعول ويكون الخبر بمنزلة الفاعل حتى يكون هذا الحرف مشبها، وإلا فليس هذا مشبها.
فألزمهم أن إن وأخواتها تعمل في الاسم والخبر، الاسم بمنزلة المفعول المقدم، والخبر بمنزلة الفاعل. فلم يجد النحويون عن تقديره محيصا، ولزمهم الكلام.
وهذا مذهب الخليل، فإنه كان يقول: إن نصبت الاسم ورفعت الخبر، لأنها عملت عمل الفعل، فكان الأول كالمفعول، والثاني كالفاعل.
стр. 103
٦٠- مجلس محمد بن أحمد بن كيسان مع أبي العباس محمد بن يزيد المبرد
قال أبو الحسن محمد بن أحمد: سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى يقول في أنتما وأنتم: زيدت الميم في تثنية الاسم وجمعه لقلته، وذلك أن قولك: قمت وقمت على حرف واحد. فقيل له: فكيف اختير لذلك الميم؟ فقال: لأن هذا اسمٌ والميم من زوائد الأسماء.
وقال بعض أصحابه يقوي قوله: قالوا ابنمٌ يريدون الابن، ويزيدون عليه الميم، تكثيراً. ومثله ما زيدت عليه الميم: فسحم، وستهم، وزرقم.
فسألت أبا العباس محمد بن يزيد فقال: زعم أصحابنا أن الإضمار الذي في الفعل إذا ثنى وجمع في النية كان ذلك بحرف واحد، نحو ضربا وضربوا، فأرادوا أن يفرقوا بين تثنيته وتثنية ما كان مضمرا بحرف وأكثر من حرف، لأنه قد ضارع المظهر، كظهور حرف يستدل به على المضمر، وتثنية المظهر بحرفين، فجعلوا تثنيته تضارع تثنية المضمر الذي لا يبين له حرف، ويضارع تثنية المظهر الذي يثنى ويجمع بحرفين، فقالوا: قمتما، وهما، وأنتما، وضربتكما، وأياكما، وغلامكما وغلامهما، فكانت الألف كزيادة الألف في قولك الرجلان. والميم كالنون، إلا أنها جعلت قبل الألف ليوافق لفظ ضربا، ويكون بزيادتها مع الميم كزيادة الألف في الأسماء بعدها النون، وكان في ذلك تحصينٌ لها من السقوط؛ لأن النون في الأسماء الظاهرة تسقطها الإضافة، والمضمر لا يضاف.
стр. 104
قال أبو الحسن: فقلت: المضمر الذي فيه ظهور حرف واحد أو أكثر، المؤنث والمذكر ينفصل أحدهما من الآخر بدليل في ذلك الحرف، والتثنية تبطل ذلك الدليل، فأرادوا أن ينتقل الواحد عن الفصلين جميعا، أعني الفتح والكسر، والواو والياء والألف، لأنها لا تلي إلا فتحة، فجعلوا الميم معها زائدة لتقع عليها فتحة الألف، ولينتقل العلمان اللذان كانا في الواحد في التثنية [إلى] حركةٍ تجمعهما لم تكن في الواحد، فقلت: قمتما فأسقطت الكسرة والفتحة وجمعتهما بالضمة، وكذلك أسقطت الواو من هو والياء من هي، وأسقطت الألف من قولك: رأيتها، والضمة أو الواو من قولك: رأيتهو، والياء من مررت بهي.
وقال غيره: إنما فتحوا التاء في أنت للمذكر وفي المؤنث أنت بالكسرة ليفرقوا بين المخاطبين، فإذا ثنوهما قالوا أنتما، فضموا التاء لأنها حركة لم تكن للمذكر والمؤنث، فعلم أنها لبناء التثنية، وزادوا ميما ليقع عليها الفتح وتسلم الحركة.
وقال قوم: إنما ضموا التاء في التثنية لأن حركتها في الواحد تنفتح مرة وتكسر أخرى. فجاءوا بحركة لا تزول. وكذا أنا، الاسم همزة ونون، والألف للوقف. الدليل على ذلك قول حاتم: ((هكذا فزدى أنه)) فوقف بالهاء. وكذلك نحن، مبني على الضم وأصله فعل: نحن بضم الحاء وسكون النون بعدها، فلما سكنوا الحاء ألقوا حركتها على النون.
فإن قال قائل: هذه الميم يدل من نون التثنية، لأن الميم أخت النون في المخرج، وقدموها قبل الألف لئلا يلتبس الكلام، قال قولا قويا.
وقال الفراء: إذا قلت هو فالهاء هي الاسم والواو صلة. وكذلك قالوا في المؤنث: هي، الهاء هي الاسم والياء صلة، والصلة تسقط إذا
стр. 105
ثنيت. فلما ثنى الاسمان ألحقوا ميما ثم جاءوا بالألف للتثنية، ووقوا بالميم فتحة الألف، لئلا يلتبس الجمع بالتأنيث وبالأدوات.
فإذا قلت هما أدخلت الميم ورجعت الهاء إلى ضمتها. فإن قلت: قد كانت مكسورة في المؤنث، فإنما كسروا لأن الياء لا تنحوها إلا الكسرة. وفرقوا بين المؤنث والمذكر، كما قالوا أنت للمذكر وأنت للمؤنث، فلما ثنوا أدخلوا الميم وردوا الضمة فقالوا: أنتما. وإنما اتفق المؤنث والمذكر في أنت لأن الفرق كانت حركة لم تكن بحرف.
فإن قلت: هو وهي حرف، فهما صلة وليست بأصل، فسقطا.
стр. 106
٦١- مجلس أبي العباس أحمد بن يحيى مع محمد بن قادم
حدثني أبو بكر الخياط قال: قال لي أبو العباس:
دخلت على محمد بن قادم فقال لي: كيف تقول: الذي أظنك زيدٌ؟ فقلت له: هذه غلط الفراء فيها. فقال: من أين غلط؟ قلت: أصل أن لا يضمر خبر المعرفة، ثم أضمره فقال: الذي أظنك زيد، يريد أظنكه، والهاء خبر الكاف فأضمره.
قال: فكيف أراد أن يقول؟ قلت: الذي أظن إياك، فتضمر الاسم. فإن قال: الذي أظنه زيد فجعل الهاء راجعة إلى الذي فالمسألة فاسدة، لأن الظن يبقى بغير خبر. فإن جعل الهاء كناية عن مذكور كأنه قال: الذي أظنه أخاك ثم كنى عنه بعد ذكره وعلم المخاطب به فأضمره هاء يرجع إلى الذي، كأنه يريد: الذي أظنه إياه زيد. فالمسألة جيدة.
стр. 107
٦٢- مجلس الأصمعي وأبي عبيدة مع المازني
حدثني أبو القاسم الصائغ، وأبو جعفر أحمد بن عبد الله قالا: حدثنا أبو محمد عبد الله بن مسلم قال: أخبرني ابن خبان النحوي قال: أخبرني المازني أنه سأل أبا عبيدة والأصمعي عن قول الأعشى:
لعمري لئن أمسى من الحي شاخصا ... لقد نال خيصا من عفيرة خائصا
فقلت: خيصا أو حيصا؟ فقالا: ما ندري. وقال الأصمعي: فلانٌ يخوص في بني فلان العطاء، إذا كان يعطي فيهم شيئا يسيرا. قال بكر: فقلت له: فينبغي أن يكون المصدر خوصا، فقال: ربما اشتق المصدر من غير لفظ الفعل، يقال أتيته أتية وأتوة، ولا نعلم أحدا يوثق بعربيته يقول: أتوته، إلا أن النحويين لما سمعوا أتوة قاسوه فقالوا: أتوته.
стр. 108
٦٣- مجلس أبي زيد سعيد بن أوس مع عبد الملك بن قريب
أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان قال:
قال الأصمعي: يقال في الوعيد والتهدد: قد رعد فلانٌ لنا وبرق، ورعدنا وبرقنا. ولا يقال أرعد فلانٌ ولا أبرق. قال أبو زيد: بل يقال ذلك.
قلت للأصمعي: الكميت يقول:
أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر
فقال: الكميت ليس بحجة، كأنه يقول: هو مولد. قلت: فأخبرنا به أبو زيد عن العرب، أنه سمعه من الفصحاء. فأبى.
قال أبو حاتم: فجاءنا أعرابي من بني أبي بكر بن كلاب من أفصح الناس، كأنه مستوحشٌ من الناس، بدوي، وهو يقول:
قضي القضاء وجفت الأقلام ...
فسألته: كيف تقول أرعدت وأبرقت؟ قال أبو زيد، من قبل أن يجيب: دعوني أسأله وأتولى السؤال فأنا أرفق به. فقال له: كيف تقول في التهدد: إنك لتبرق وترعد؟ فقال: أفي الجخيف تعني أم في الوعيد؟ أقول: إنك لتبرق لي وترعد.
فقال لي الأصمعي: انظر إلى الشعر القديم كيف هو. ثم أنشد لرجل من بني كنانة شعرا علويا:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
стр. 109
٦٤- مجلس أبي عثمان المازني مع أبي يعلى بن أبي زرعة
قال أبو يعلى: قرأ أبو عثمان: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ .
وأنشد، قال: أنشدني الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء:
كأن رماحنا أشطان بئرٍ ... بعيدٍ بين جاليها جرورٍ
بالرفع، وهو ظرف في الأصل، فصيره اسما ورفعه.
قال: وأنشدني:
ويشرق بين الليت منها إلى الصقل ...
قلت: فمن قرأ بينكم؟ قال: يريد ما بينكم. قلت: فتحذف الموصول وتترك الصلة؟ قال: نعم أقول: الذي قام وقعد زيد، ومعناه الذي قام والذي قعد زيد. وقد حذف الموصوف في كتاب الله جل وعز. قال الله جل وعز: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قرضاً حسناً﴾ معناه: والذين أقرضوا الله. هذا مثله.
стр. 110
٦٥- مجلس أبي عمر مع الأصمعي
حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس محمد بن يزيد قال: حدثني إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال:
قال أبو عمر الجرمي يوما في مجلس الأصمعي: أنا أعلم الناس بالنحو. فسكت عنه الأصمعي ساعة، قال: ثم قال له: يا أبا عمر، كيف تنشد:
قد كن يكنن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدين للنظار
كيف تقول: بدين أو بدأن؟ قال أبو عمر: بدأن. فقال له الأصمعي: يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو –يمازحه- وإنما هو بدون؛ لأنه من بدا يبدو، أي ظهرن.
следующие страницы →